النص المفهرس

صفحات 321-340

الآية : ٩٦
٣٢١
سُورَةُ الأَنْعَل
وأيًّا ما كان، فذلك السطحُ المفروض ممتدٌّ فيما بين الخافقَين، أمَّا على التقدير
الأوَّل فظاهر. وأمَّا على التقدير الثاني؛ فلتساوي بُعدِ رأسِ المخروطِ عن جانبَي
المشرق والمغرب، فيكون زاويتا قاعدةِ المثلّث حادَّتين؛ لوجوب تساويهما وامتناعٍ
وقوعٍ قائمتَين أو منفرجتين في مثلَّث. وإذا مال رأسُ المخروطِ عن نصف النَّهارَ
المغربِ فوق الأرضِ بسبب انتقالِ الشَّمس عنه إلى الجانب المشرقِ تحت الأرضِ،
تضايقت الزاويةُ الشرقيّة من ذلك المثلّث، فتصير أحدَّ مما كانت، واتَّسعت الزاويةُ
الغربية حتى تصيرَ منفرجةً، لكن المقصودَ لا يختلف.
ولا شكَّ أنَّ الأقرب من الضِّلع الذي يلي الشمسَ إلى الناظر يكون موقعَ
العمودِ الخارج من النظر الواقع على ذلك الصِّلع، لا موضعَ اتصال الصِّلع بالأُفق.
وذلك أنَّه إذا خرج من البصر إلى الصِّلع الشرقيِّ عمودٌ، فلا يمكن أن يقعَ على
موضع اتّصالٍ هذا الضلع بالأُفق، وإلَّ انطبقت القائمةُ على بعض الحادّة، ولا أن
يقعَ تحت الأُفقِ بأن يقطَعَ العمود قاعدة المثلث ويصلَ إلى الضِّلع المذكورِ بعد
إِخراجه تحته، وإلَّ لزم في المثلّث الحادثِ تحت الأفقِ من القَدْر المخرجِ من
بعض القاعدةِ وبعضٍ العمود قائمةٌ ومنفرجة، ولا أن يقعَ في جهة رأسِ المثَلَّثَ على
موضع اتِّصال أحدٍ ضِلعَيه بالآخر، ولا خارجاً عنه في تلك الجهة؛ لِمَا ذکرنا
بعينه، فوجب أن يقعَ داخلَ المثلث فيما بين طرفَي الضِّلع الشرقيِّ، وقد تبيّن أنَّ
موضعه أقربُ إلى الناظر من موضع اتِّصاله بالأُفق.
ولا شكّ في أنَّ ما وقع من هذا الضِّلع فيما كثف من كرة البخارِ يكون مستنيراً
بتمامه حالَ قربِ الشمس من أُفق المشرق، إلَّا أنَّ ما كان أقرب منه إلى الناظر
يكون أصدقَ رؤيةً، وهو موقعُ العمود، ومن هنا يتحقَّق الصادقُ والكاذب. انتهى
کلامُهم.
والإِمام الرازيُّ أَنكر كونَ الصبح الكاذبِ من أَثر قرص الشمس، وإنَّما هو
بتخليق اللهِ تعالى ابتداءً، قال(١): لَأنَّ مركز الشمسِ إذا وصل إلى دائرة نصفٍ
الليل، فالموضعُ الذي يكون فلكُ الدائرةِ أُفقاً لهم (٢)، قد طلعت الشمسُ من
(١) في تفسيره ١٣/ ٩٥، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٢) العبارة في تفسير الرازي: فأهل الموضع الذي تكون تلك الدائرة أفقاً لهم.

سُورَةُ الأَنْعَل
٣٢٢
الآية : ٩٦
مشرقهم، وفي ذلك الموضع أضاءَ نصفُ كرةِ الأرض، وذلك يقتضي أنَّه حصل
الضوءُ في الربع الشرقيّ من بلدنا، وذلك الضوءُ يكون منتشراً مستطيراً في جميع
أجزاءِ الجوِّ، ويجب أن يزدادَ لحظةً فلحظة، وحينئذٍ يمتنع أن يكونَ الصبحُ الأوَّل
خًا مستطيلاً، فحيث كان كذلك، عُلم أنَّه ليس من تأثير قرص الشمس ولا من
جنس نورِه.
ويُفهَم من كلامه أيضاً أنَّ الصبحَ الثاني كالصُّبح الأوَّل، ليس إلَّا بتخليق
الفاعلِ المختار، ويمتنع أن يكونَ من تأثير قرص الشمس، وبيَّن ذلك بأنَّ من
المقدِّمات المتفقِ عليها أنَّ المضيء، شمساً كان أو غيرَه، لا يقع ضوءُه إلَّا على
الجِرم المقابلِ له دون غيرِ المقابل، والشمسُ عند طلوع الصبحِ غيرُ مرتفعةٍ من
الأُفق، فلا يكون جِرم الشمسِ مقابلاً لجزءٍ من أجزاء وجهِ الأرضَ، فيمتنع وقوعُ
ضوءِ الشمسِ على وجه الأرض، وإذا امتنع ذلك، امتنع أن يكونَ ضوءُ الصبحِ من
تأثير القرص.
ثم قال: فإن قالوا: لِمَ لا يجوزُ أن يقال: الشمسُ حين كونِها تحت الأرضِ
توجب إِضاءةَ ذلك الهواءِ المقابل لها، وذلك الهواءُ مقابلٌ للهواء الواقفِ فوق
الأَرض، فيصير ضوءُ الهواءِ الواقفِ تحت الأَرض سبباً لضوء الهواءِ الواقفِ فوق
الأرض، ثم لا يزال يسري ذلك الضوءُ من هواء [إلى هواء] آخَر ملاصقٍ له حتى
يصلَ إلى الهواءِ المحيط بنا؟
وعلى هذا عوَّل أبو علي ابنُ الهيثم(١) في ((المناظر)). فالجواب: أنَّ هذا باطلٌ
من وجهين :
الأوَّل: أنَّ الهواءَ شفَّاف عديمُ اللونِ، فلا يقبل النورَ واللونَ في ذاته. وما كان
كذلك يمتنع أن ينعكسَ منه النورُ إلى غيره، فيمتنع أن يصيرَ ضوءُه سبباً لضوء هواءٍ
آخَر مقابلٍ له. فإنْ قالوا: فلمَ لا يجوزُ أن يقال: إنَّه حصل في الأُفق أجزاءٌ كثيفة
من الأَبخرة والأدخنة، وهي لكثافتها تقبل النورَ عن قرص الشمسِ، ثم يفيض على
(١) هو الحسن بن الحسن بن الهيثم، أبو علي المهندس البصري نزيل مصر، كان عالماً
بالهندسة متقناً لها مشاركاً في علوم الأوائل، له: صورة الكسوف، والأخلاق، والسمت،
وغير ذلك. أخبار الحكماء للقفطي ص ١١٤ .

الآية : ٩٦
٣٢٣
سُورَةُ الأَنْعَم
الهواء المقابلِ له؟ فنقول: لو كان كذلك، لكان كلَّما كانت الأبخرةُ والأدخنةُ في
الأُفق أكثرَ، وجب أن يكونَ ضوءُ الصباحِ أقوى، وليس الأمر كذلك، بل بالعكس.
الثاني: أنَّ الدائرة التي هي دائرةُ الأُفق لنا [فهي] بعينها دائرةُ نصفِ النهار لقوم
آخرين، وإذا كان كذلك، فالدائرةُ التي هي نصفُ النهارِ في بلدنا وجب كونُها دائرةً
الأُفق لأُولئك الأَقوام.
وإذا ثبت هذا فنقول: إذا وصل مركزُ الشمسِ إلى دائرة نصفِ اللَّيل وتجاوز
عنها، فالشمسُ قد طلعت على أولئك الأقوامِ واستنار نصفُ العالَم هناك. والربعُ
من الفَلَك الذي هو ربعٌ شرقيٍّ لأهل بلدنا فهو بعينه ربعٌ غربيٍّ بالنسبة إلى تلك
البلدة، وإذا كان كذلك، فالشمسُ إذا تجاوز مركزُها عن دائرة نصفِ الليل، قد
صار جِرمها محاذياً (١) لهواء الربع الذي هو الربع الشرقيُّ لأهل بلدنا، فلو كان
الهواءُ يقبل كيفيةَ النورِ من الشمس، لَوجب أن يحصلَ النورُ في هذا (٢) الربعِ
الشرقيٍّ من بلدنا بعد نصف الليل، وأن يصيرَ هواءُ هذا الربع في غاية الإِنارة
حينئذٍ، وحيث لم يكن كذلك، عَلِمنا أنَّ الهواءَ لا يقبل كيفيةَ النّور في ذاته، وإذا
بطل هذا، بطلَ العذرُ الذي ذكره ابنُ الهيثم. انتهى المرادُ منه. ولا أراه أتى بشيءٍ
يتبلَّج به صبحُ هذا المطلب، كما لا يخفى على مَن أحاط خُبراً بما قدَّمناه.
وذكر أفضلُ المتأخِّرين العلّامة أحمدُ بن حجرٍ الهيتمي(٣) أنَّ لأهل الهيئةِ في
تحقيق الصُّبح الكاذبِ كلاماً طويلاً مبنيًّا على الحدس المبنيّ على قاعدة الحكماءِ
الباطلة، كمنع الخَرقِ والالتئام، على أنَّه لا يفي ببيان سببٍ كونٍ أعلاه أضواً مع أنه
أبعدُ من أسفله عن مستمدِّه، وهو الشمسُ، ولا ببيان سببٍ انعدامه بالكلِّة حتى
تعقبَه ظلمة، كما صرَّح به الأئمةُ وقدَّروها بساعة، والظاهر أنَّ مرادهم مطلقُ
الزمن؛ لأنَّها تطول تارةً وتقصر أخرى، وهذا شأنُ الساعاتِ الزمانية المسمّاة
بالمعوجَّة، ويقابلونها بالسَّاعات المستوية، المقدَّر كلٌّ منها دائماً بخمسَ عشرةَ
درجة .
(١) في (م): محازياً، وهو تصحيف.
(٢) في تفسير الرازي: في هواء، بدل: في هذا.
(٣) في تحفة المحتاج بشرح المنهاج ٤٢٥/١.

سُورَةُ الأَنْعَظ
٣٢٤
الآية : ٩٦
وزعم بعضُ أهل الهيئةِ عدمَ انعدامه، وإنَّما يتناقص حتى ينغمرَ في الصادق.
وقد تقدَّم لك ذلك فيما نقلناه لك عنهم، ولعلَّه بحسب التقديرِ لا الحسِّ، وفي خبرٍ
مسلم: ((لا يغرَّنكم أذانُ بلال، ولا هذا العارضُ - لعمود الصبح - حتى
يستطيرَ))(١)، أي: ينتشرَ ذلك العمودُ في نواحي الأُفق.
ويؤخذ من تسميته عارضاً للثاني شيئان:
أحدهما: أنَّه يَعرض للشُّعاع الناشئِ عنه (٢) الصبح الثاني انحباسٌ قُرْبَ ظهوره،
كما يشعر به التنفّسُ في قوله سبحانه: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] فعند ذلك
الانحباسِ يتنفّس منه شيءٌ من شِبه كُوَّة، والمشاهَدُ في المنحبس إذا خرج بعضُه
دفعةً أن يكونَ أولُه أكثرَ من آخره. وهذا - لكون كلام الصادقِ قد يدلُّ عليه،
ولإنبائه عن سبب طولِه وإضاءةٍ أعلاه، واختلافٍ زمنه وانعدامِه بالكلِّية، الموافقِ
للحسِّ - أَوْلِى مِمَّا ذكره أهلُ الهيئة القاصر عن كلِّ ذلك.
ثانيهما: أنَّهِ وَ ﴿ أشار بالعارض إلى أنَّ المقصود بالذَّات هو الصادقُ، وأنَّ
الكاذب إنَّما قُصد بطريق العَرضيّة؛ لينبِّهَ الناسَ به لقُرب ذلك، فينتبَّهوا ليُدركوا
فضيلةَ أولِ الوقت؛ لاشتغالهم بالنَّوم الذي لولا هذه العلامةُ لَمنعهم إدراكَ أولٍ
الوقت. فالحاصلُ أنَّه نورٌ يُبرزه الله تعالى من ذلك الشُّعاع، أو يخلقه حينئذٍ علامةٌ
على قرب الصُّبح، ومخالفاً له في الشَّكل؛ ليحصلَ التميُّز وتتَّضحَ العلامةُ العارضة
من المعلّم عليه المقصود، فتأمَّل ذلك فإنه غريبٌ مهمّ.
وفي حديثٍ عند أحمد(٣): ((ليس الفجرُ الأبيضَ المستطيلَ في الأُفق، ولكنَّ
الفجرَ الأحمرُ المعترِض)) وفيه شاهدٌ لما ذُكر آخِراً .
ومما يؤيِّد ما أُشير إليه من الكوَّة ما أَخرجه غيرُ واحدٍ عن ابن عباسٍ ◌ًِّا أنَّ
للشمس ثلاثَ مئةٍ كوَّة، تطلع كلَّ يومٍ من كوة، فلا بِدعَ أنَّها عند قُربها من تلك
الكوةِ ينحبس شعاعُها ثم يتنفّس كما مرَّ.
(١) صحيح مسلم (١٠٩٤): (٤٢) عن سمرة بن جندب ◌ُّه، وفيه: البياض، بدل العارض،
وينظر ما سيأتي عند تفسير الآية (١٨) من سورة التكوير.
(٢) في التحفة: عند، بدل: عنه.
(٣) برقم (١٦٢٩١) من حديث طلق بن علي تظ له.

الآية : ٩٦
٣٢٥
سُورَةُ الأَنْعَم
وللقرافيِّ المالكيِّ (١) وغيرِه - كالأصبحيِّ من الشافعية(٢) - فيه كلامٌ يوضحه
ويبيِّن صحةً ما ذكر من الكُوَّات، ويوافق الاستشكالَ لكونه يظهرُ ثم يغيب.
وحاصلُه وإنْ كان فيه طولٌ؛ لمسِّ الحاجةِ إليه، أنَّه بياضٌ يطلع قبل الفجر ثم
يذهب عند أكثرِ الأَبصار دون الرَّاصدِ المجدِّ القويِّ النظر.
وذكر ابنُ بشير المالكيُّ(٣) أنَّه من نور الشمسِ إذا قَرُبت من الأفق، فإذا ظهرت
أَنِسَتْ به الأَبصار، فَيَظْهَر لها(٤) أنَّه غاب، وليس كذلك. ونقل الأصبحيُّ أنَّ بعضهم
ذكر أنَّه يذهب بعد طلوعِه ويعود مكانَه ليلاً، وهو كثيرٌ من الشافعية(٥)، وأنَّ أبا جعفرٍ
البصريَّ بعد أن عرَّفه بأنَّه عند بقاءِ نحو ساعتين يطلع مستطيلاً إلى نحو رُبع السماءِ
كأنه عمود، وربَّما لم يرَ إذا كان الجوُّ نقيًّا شتاءً، وأبينُ ما يكون إذا كان الجوُّ كَدِراً
صيفاً، أعلاه دقيقٌ وأسفلُه واسع، ولا ينافي هذا ما تقدَّم من أنَّ أعلاه أضوأ؛ لأنَّ
ذلك عند أوَّلِ الطلوع، وهذا عند مزیدِ قُربه من الصادق، وتحته سوادٌ ثم بياض، ثم
يظهر بياضٌ يغشى ذلك كلَّه ثم يَعترض = ردَّه بأنَّه رَصَده نحوَ خمسين سنة، فلم يرَه
غاب، وإنَّما ينحدر ليلتقيَ مع المعترض في السواد ويصيران فجراً واحداً. وزَعْمُ
غيبتِه ثم عودِهِ وَهَم، أو رآه يختلف باختلاف الفصول فظنّه يذهب.
وبعض المؤقّتين يقول: هو المجرَّة إذا كان الفجرُ بالسعود، ويَلزمه ألَّ يوجدَ
إلَّا نحوَ شهرين في السَّنة.
قال القرافيّ: وقال آخرون: هو شعاعٌ يخرج من طباقٍ بجبل قاف. ثم أَبطله
بأنَّ جبل قافٍ لا وجود له، وبرهنَ عليه بما يردُّه ما جاءَ عن ابن عباسٍ رًَّا من
(١) هو أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس الصنهاجي المصري، له: الذخيرة، والفروق،
وغير ذلك. توفي سنة (٦٨٤هـ). الديباج المذهب ٢٣٦/١، وشجرة النور الزكية ص١٨٨ .
(٢) هو إبراهيم بن علي المعروف بابن المبرذع، فلكي لغوي يماني، له: اليواقيت في معرفة
المواقيت، توفي سنة (٦٦٧هـ). هدية العارفين ١٢/١، والأعلام ١/ ٥٠.
(٣) لعله أبو عبد الله محمد بن سعيد بن بشير بن شراحيل المعافري، تولى قضاء قرطبة، روى
عن مالك، توفي سنة (١٩٨ هـ). ترتيب المدارك ٢/ ٤٩٣، وشجرة النور الزكية ص ٦٣ .
(٤) في الأصل و(م): له، والمثبت من التحفة.
(٥) قوله: وهو كثير من الشافعية، أي: البعض الذين نقل عنهم الأصبحي كما في التحفة،
ولفظه: وهذا البعض كثيرون من أئمتنا .

سُورَةُ الأَنْعَم
٣٢٦
الآية : ٩٦
طرق خرَّجها الحقَّاظ، وجماعةٌ منهم مِمَّن التزموا تخريجَ الصحيح، وقولُ الصحابيِّ
ذلك ونحوه مِمَّا لا مجالَ للرأي فيه حكمُه حكمُ المرفوع إلى النبيِّ وَّهِ، منها: إنَّ
وراءَ أرضِنا بحراً محيطاً، ثم جبلاً يقال له: قاف، ثم أرَضاً، ثم بحراً، ثم جبلاً،
وهكذا حتى عدَّ سبعاً من كلِّ(١). وأخرج بعضُ أولئك عن عبد اللهِ بن بُرَيدة أنَّه
جبلٌ من زمرُّد محيطٌ بالدنيا، عليه كنفا السماءِ(٢)، وعن مجاهدٍ(٣) مثله. وكما
اندفع بذلك قولُه: لا وجود له، اندفع قولُه إِثِرَه: ولا يجوز اعتقادُ ما لا دليلَ عليه؛
لأنَّه إن أراد بالدَّليل مطلقَ الأَمارة، فهذا عليه أدلَّة، أو الأَمارةَ العقلية، فهذا مما
يكفي فيه الظنُّ كما هو جَلِيّ.
ثم نقل عن القرافيّ عن أهل الهيئةِ أنَّه يظهر ثم يخفَى دائماً، ثم استشكله
وأَطالَ في جوابه بما لا يتّضح إلَّا لمن أتقن علمَي الهندسةِ والمناظر، فأَوْلى منه
أنه(٤) يختلف باختلاف النظر؛ لاختلافه باختلاف الفصولِ والكيفياتِ العارضة
لمحلِّه، فقد يدقُّ في بعض ذلك حتى لا يرى أصلاً، وحينئذٍ فهذا عذرُ مَن عبّر بأنه
يغيب ثم تَعقُبه ظلمة .
هذا ولا يخفى أنَّ القول بحدوث ضوءِ الصبح بمجرَّد خلقِ الله تعالى لا عن
سبب عاديٌّ - كما يشير إليه كلامُ الإمام - أهونُ من القول بأنَّه من شُعاع يخرج من
طباقٍ جبلٍ قاف، والقولَ بخروج الشعاعِ من هذا الطباقِ أهونُ من القول بخروج
الشمسٍ - التي هي على ما بيِّن في الأَجرام منةٌ وستة وستون مِثلاً للأرض مع كسرٍ
تقدَّم على ما هو المشهور، أو ثلاثُ مئة وستة وعشرون مثلاً لها على ما قاله غياثُ
الدِّين جمشيد الكاشيُّ(٥) في رسالته ((سلَّم السماء))، أو ما يَقرُب من ذلك على ما في
بعض الرِّوايات - من كوَّة من جبل محيطٍ بالأرض.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم، وهو أثر غريب لا يصح سنده كما قال ابن كثير في أول ((ق)).
(٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٤٦٤، وفي إسناده صالح بن حيان، وهو ضعيف كما في التقريب.
(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢٣٦/٢، وذكر ابن كثير في أول تفسير ((ق)) أن ما روي عن بعض
السلف في جبل قاف هو من خرافات بني إسرائيل اختلقها بعض زنادقتهم يلبسون على
الناس أمر دینھم.
(٤) في (م): أن، والمثبت من الأصل والتحفة.
(٥) جمشيد بن مسعود الكاشي، حكيم رياضي فلكي. الأعلام ١٣٦/٢. وهدية العارفين ١/ ٢٥٧.

الآية : ٩٦
٣٢٧
سُؤَدَّةُ الأَنْحُ
والخبرُ في ذلك - إن صحَّ وقلنا: إنَّ له حكمَ المرفوع - مِمَّا ينبغي تأويلُه، وبابُ
التأويلِ أوسعُ من تلك الكوَّة؛ فإنَّ كثيراً من الناس قدَ قطعوا دائرةَ الأرضِ على
مدار السَّرطان مراراً ولم يجدوا أثراً لهذا الجبلِ المحيط الشامخ. وإثباتُ سبعةٍ
جبال وسبعةٍ أَبحر على الوجه السَّابق مِمَّا لا يخفى ما فيه أيضاً. وكونُ اللهِ تعالى
لا يُعجزه شيءٌ مِمَّا لا يشكُّ فيه إلَّا ملحد، لكنَّ الكلامَ في وقوع ما ذُكر في
الخارج. والذي تميل إليه قلوبُ كثيرٍ من الناس في أمر الصُّبح ما ذكره أهلُ الهيئة.
وقد بيَّن أرسطوخس(١) في الشّكل الثاني من كتابه في جِرم النيِّرين أنَّ الكرةَ إذا
اقتبست الضوءَ من كرة أعظمَ منها، كان المضيءُ منها أعظمَ من نصفها. وقد بيَّن
أيضاً في الشكل الأوَّل من ذلك الكتابِ أنَّ كلَّ كرتين مختلفتين أمكنَ أن يحيط بهما
مخروطٌ مستدير رأسُه يلي أصغرَهما، ويكون المخروط مماسًا لكلٍّ منهما على محيطٍ
دائرة، ولا شكَّ أنه محيطٌ بالشمس والأرض مخروطٌ مؤلّف من خطوطٍ شعاعية،
رأسه يلي الأرضَ، فيكون هذا المخروطُ مماسًا للأرض على دائرة فاصلةٍ بين
المضيءِ والمظلم منها، وهي دائرةٌ صغيرة؛ لأنَّ الجزء المضيءَ من الأرض أَصغر.
وقد حقَّقوا أنَّ المستنيرَ من الهواء كرةُ البخار سوى ما دخل في ظلِّ مخروطٍ
الأرض، وهي مستنيرةٌ أبداً؛ لكثافتها وإحاطةٍ أشعَّة الشمسِ بها، لكنها لا تُرى في
الليل لبُعدها عن البصر، وأنَّ سهم المخروطِ أبداً في مقابلة جِرم الشمس كما أشرنا
إليه، ففي منتصف الليلِ يكون على دائرة نصفِ النَّهار، وبعد ذلك يَميل إلى جانب
الغروبِ لحظةً فلحظة، إلى أن يرى البياضُ في جانب المشرقِ على ما تقدَّم
تفصيلُه. وعلى هذا لا يَلزم في الصُّورة التي ذكرها الإِمامُ من مجاوزة مركزِ الشمس
دائرةَ نصفِ الليل وطلوعِها على أولئك الأَقوام واستنارةٍ نصف العالم عندهم،
استنارةُ الربع الشرقيِّ عندنا؛ لاختلاف الوضعِ كما لا يخفى على المتأمِّل.
والتزامُ القولِ بالكروية والمخروطِ ونحوٍ ذلك مِمَّا ذكره أهلُ الهيئة لا بأسَ به،
نعم اعتقادُ صحَّة ما يقولونه مِمَّا عُلم خلافُه من الدِّين بالضرورة، أو عُلم بدليل
قطعيٍّ، كفرٌ أو ضلال، فتدبّر.
(١) يوناني إسكندراني خبير بعلم الفلك، له كتاب ((حد الشمس والقمر)). أخبار الحكماء للقطفي
ص٥١.

سُؤَدَّةُ الأَنْعَُّ
٣٢٨
الآية : ٩٦
وقُرئ: ((فالقَ)» بالنَّصب على المدح(١). وقرأ النَّخَعِيُّ: ((فَلَقَ الإِصباح)»(٢).
﴿وَجَعَلَ اَلَيْلَ سَكَنَا﴾ أي: يَسكن إليه مَن يتعب بالنَّهار ويستأنسُ به لاسترواحه
فيه، وكلُّ ما يسكن إليه الرجلُ ويطمئنُّ استئناساً به واسترواحاً إليه من زوج أو حبيبٍ
يقال له: سَكَّن، ومنه قيل للنَّار: سكن؛ لأنها يُستأنس بها؛ ولذا سمَّوها مؤنِسة.
وأخرج ابنُ أبي حاتم(٣) عن قتادةَ أنَّ المعنى: يسكن فيه كلُّ طيرٍ ودابَّة. ورُوي
نحوُه عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ رِ﴿ه، فالمراد حينئذٍ: جعلَ الليلَ مسكوناً فيه، أخذاً
له من السُّكون، أي: الهدوء والاستقرار، كما في قوله تعالى: ﴿لِتَسْكُواْ فِيهِ﴾
[يونس: ٦٧].
وقرأ سائرُ السبعةِ إلَّا الكوفيين: ((جاعلُ)) بالرفع(٤). وقُرئ شاذًّا بالنصب(٥)،
و((الليل)) فيهما مجرورٌ بالإِضافة، ونَصبُ ((سكناً)) عند كثيرٍ بفعل دلَّ عليه هذا
الوصفُ لا به؛ لأنه يُشترط في عمل اسم الفاعل كونُه بمعنى الحالِ أو الاستقبال،
وهو هنا بمعنى الماضي، كما يشهدُ به قراءةُ ((جعل)).
وجوَّز الكسائيُّ وبعضُ الكوفيين عملَه بمعنى الماضي مطلقاً، حملاً له على
الفعل الذي تضمَّن معناه. وبعضُهم جوَّز عملَه كذلك إذا دخلت عليه ((أل)).
وآخَرون جوَّزوا عملَه في الثاني إذا أُضيف إلى الأوَّل؛ لشبهه بالمعرَّف باللام.
وعلى هذا والأوَّلِ لا يحتاج إلى تقديرِ فعل، بل يكون الناصبُ هو الوصف.
واختار بعضُهم كونَه الناصبَ أيضاً، لكن باعتبار أنَّ المرادَ به الجعلُ المستمرُّ
في الأزمنة المختلفة، لا الزمانِ الماضي فقط، ولا يجري على هذا مَجرى الصفةِ
المشبَّهة؛ لأن ذلك - كما قال بعضُ المحقّقين - فيما قُصد به الاستمرارُ مشروط
باشتهار الوصفِ بذلك الاستعمالِ وشيوعِه فيه، ونصبُه في قراءتنا على أنَّه مفعول
ثانٍ لـ ((جعل)).
(١) الكشاف ٣٨/٢.
(٢) الكشاف ٣٨/٢، والبحر ٤/ ١٨٥.
(٣) في تفسيره ٤/ ١٣٥٤.
(٤) التيسير ص ١٠٥، والنشر ٢٦٠/٢.
(٥) الكشاف ٣٨/٢.

الآية : ٩٦
٣٢٩
سُورَةُ الأَنْعَم
وجوِّز أن يكونَ «جعل)) بمعنى أَحدثَ المتعدِّي لواحد، فيكون نصباً على
الحال .
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ معطوفان على ((الليل)) وعلى قراءة مَن جرَّه يكون نصبُهما
بـ ((جَعَلَ)) المقدَّرِ الناصبِ لـ ((سكناً)) أو بآخرَ مثله.
وقيل: بالعطف على محلِّ ((الليل)) المجرور، فإنَّ إضافة الوصفِ إليه غيرُ
حقيقية إذا لم يُنظر فيه إلى المضيِّ.
وقُرئ بالجرِّ(١)، وهو ظاهرٌ، وبالرفع على الابتداءِ(٢)، والخبرُ محذوفٌ، أي:
مجعولان.
﴿حُسْبَاءً﴾ أي: على أدوار مختلفةٍ يُحسَب فيها الأوقاتُ التي نيطَ بها العباداتُ
والمعاملات، أو: محسوبان حُسباناً، والحُسبان بالضمِّ: مصدر حَسَبَ، بالفتح،
كما أنَّ الحِسبان بالكسر، مصدر حَسِبَ، وهذا هو الأصلُ المسموعُ في نحو ذلك،
وما سواه واردٌ على خلاف القياسِ كما قيل.
وعن أبي الهيثم (٣) أنَّ ((حُسباناً)) جمع حِساب، مثل: رُكبان ورِكاب، وشُهبان
وشِهاب. وفي إرادته هنا بعدٌ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى جعلهما كذلك. وقال الطبرسيُّ: إلى ما تقدَّم من فَلْق
الإِصباحِ وجَعلِ الليل سَكَناً والشمسِ والقمرِ حُسباناً (٤). والجمهورُ على الأوَّل،
وهو الظاهر.
وما فيه من معنى البُعد؛ للإِيذان بعلوِّ رتبة (٥) المشار إليه وبُعدٍ منزلته، أي:
ذلك التسييرُ البديع الشأنِ ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ أي: الغالبِ القاهر الذي لا يتعاصاه شيءٌ
من الأشياء التي مِن جُملتها تسييرُهما على الوجه المخصوص ﴿اٌلْعَلِيمِ
٩٦
(١) القراءات الشاذة ص٣٩.
(٢) الكشاف ٣٨/٢، والبحر ١٨٧/٤.
(٣) كما في تهذيب اللغة ٤/ ١٩٢.
(٤) مجمع البيان ٧ / ١٤٠ .
(٥) في الأصل و(م): منزلة، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٦٥/٣، والكلام منه.

سُورَةُ الأَنْدَعَل
٣٣٠
الآية : ٩٧
المبالغِ في العلم بجميع المعلوماتِ، التي من جُملتها ما في ذلك التسييرٍ من
المصالح المعاشيةِ والمَعاديَّة .
﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ﴾ أي: أَنشأَ، أو صيَّر ﴿لَكُمُ﴾ أي: لأجلكم ﴿النُّجُومَ﴾ قيل:
المرادُ بها ما عدا النيِّرين؛ لأنَّها التي بها الاهتداءُ الآتي، ولأنَّ النجم يُخَصُّ في
العرف بما عداهما. وجوِّز أن يدخلا فيها، فيكونُ هذا بياناً لفائدتهما العامَّة إِثرَ
بيانٍ فائدتهما الخاصَّة .
والمنجِّمون يقسمون النجومَ إلى ثوابتَ وسيَّارات، والسياراتُ سبعٌ بإجماع
المتقدِّمين، وثمانٍ بزيادة هرشل عند المنجِّمين اليوم. والثوابتُ لا يعلم عدَّتَها
إلَّا الله تعالى، والمُرصَدُ منها - كما قال عبدُ الرحمن الصوفيّ(١) -: ألفٌ
وخمسةٌ وعشرون بإِدخال الضفيرة، ومَن أَخرجها قال: هي ألفٌ واثنانِ
وعشرون، ورتَّبوا الثوابتَ على ستِّ أَقدار، وسمَّوها أقداراً متزائدةً سدساً
سدساً، وجعلوا كلَّ قدرٍ على ثلاث مراتب: أعظم، وأوسط، وأصغر. ولهم
تقسيماتٌ لها باعتبارات أُخَر، بنَوا عليها ما بنَوا، ولا يكاد يَسلَم لهم إلَّا ما لم
يلزم منه محذورٌ في الدِّين.
﴿لِهْتَدُواْ بِهَا﴾ بدلٌ من ضمير ((لكم)) بإعادة العاملِ بدلَ اشتمال، كأنَّه قيل: جعل
النجومَ لاهتدائكم ﴿فِى ◌ُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَعْرِ﴾ أي: في ظلمات الليلِ في البَرِّ والبحر،
وإضافتُها إليهما للملابسة، أو في مشتبهات الطُرق، وسَمَّاها ظلماتٍ على
الاستعارة، وهذا إِفرادٌ لبعض منافِعها بالذِّكر حَسبما يقتضيه المقام، وإلا فهي
أجدى من تفاريق العصا، وهي في جميع ما يترتَّب عليها كسائر الأَسباب العاديَّة
لا تأثيرَ لها بأَنفسها .
ولا بأسَ في تعلُّم علم النجومِ ومعرفةِ البروجِ والمنازلِ والأَوضاع ونحو ذلك
مِمَّا يتوصَّل به إلى مصلحةَ دينية. قَال العلّامة ابنُ حجر عليه الرحمة(٢): والمنهيُّ
عنه من علم النجوم ما يدَّعيه أهلُها من معرفة الحوادثِ الآتيةِ في مستقبل الزمان،
(١) هو أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر الرازي، صاحب عضد الدولة، من مصنفاته الكواكب
الثابتة، والتذكرة ومطارح الشعاعات. توفي سنة ٣٧٦ هـ. أخبار الحكماء ص١٥٢ .
(٢) في الزواجر ٢/ ١٠٣ .

الآية : ٩٧
٣٣١
سُورَةُ الأَنْسَل
كمجيءِ المطر، ووقوع الثَّلج، وهبوب الرِّيح، وتغيُّر الأسعار، ونحو ذلك،
يزعمون أنَّهم يُدركون ذلك بسير الكواكب؛ لاقترانها وافتراقِها، وهذا علمٌ استأثر اللهُ
تعالى به لا يعلمه أحدٌ غيره، فمن ادَّعى علمَه بذلك فهو فاسق، بل ربَّما يؤدِّي به
إلى الكفر، فأمَّا مَن يقول: إنَّ الاقتران أو الافتراقَ الذي هو كذا جعله الله تعالى
علامةً بمقتضى ما اطّردت به عادتُهُ الإِلهية على وقوع كذا وقد يتخلَّف، فلا إثمَ عليه
بذلك، وكذا الإخبارُ عما يدرك بطريق المشاهدةِ من علم النجومِ الذي يُعلَم به
الزوالُ وجهةُ القبلة، وكم مضَى وكم بقي من الوقت، فإنَّه لا إثمَ فيه، بل هو فرضُ
كفاية .
وأمَّا ما في حديث الصحيحينِ(١) عن زيد بن خالدٍ الجهنيِّ قال: صلَّى بنا
رسولُ اللهِ وَّرِ صلاةَ الصبح في أَثر ماءٍ - أي: مطر - كان من اللَّيل، فلمَّا انصرف،
أَقبل علينا فقال: ((أَتدرونَ ماذا قال ربُّكم؟)) قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم، قال:
((أَصبح من عبادي مؤمنٌ وكافر، فأمَّا من قال: مُطرنا بفضل اللهِ تعالى، فذلك مؤمنٌ
بي كافرٌ بالكواكب، ومَن قال: مُطرنا بنَوءِ كذا، فذاك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكواكب»
فقد قال العلماءُ: إنَّه محمولٌ على ما إذا قال ذلك مريداً أنَّ النوءَ هو المحدِث، أمَّا
لو قال ذلك على معنى أنَّ النوءَ علامةٌ على نزول المطر، ومُنزلُه هو الله تعالى
وحده، فلا يكفر، لكن يُكره له قولُ ذلك؛ لأنَّه من ألفاظ الكفر. انتهى.
وأقول: قد كثرت الأخبار في النَّهي عن علم النجومِ والنظرِ فيها، فقد أخرج
ابنُ أبي شيبةً وأبو داودَ وابنُ مردويه عن ابن عباسٍ فِيًَّا قال: قال رسول الله وَلَّه:
(مَن اقتبس عِلماً من النجوم، اقتبس شُعبةً من السِّحر زاد ما زاد))(٢).
وأَخرج الخطيبُ عن ميمون بن مهران قال: قلت لابن عباسٍ ﴿ًا: أَوصِني.
قال: أُوصيك بتقوى اللهِ وإِيَّاك وعلمَ النجوم؛ فإنَّه يدعو إلى الكهانة. وأَخرج عن
عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه قال: نهاني رسولُ اللهِوَلّر عن النَّظر في النجوم. وعن
أبي هريرة وعائشةَ رِّ نحوه(٣).
(١) صحيح البخاري (٨٤٦)، وصحيح مسلم (٧١).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٦٠٢/٨، وسنن أبي داود (٣٩٠٢).
(٣) تنظر هذه الأخبار في كتاب النجوم للخطيب ص ١٧٥ و١٧٦ و١٧٧ و١٩٠.

سُورَةُ الأَنْعَم
٣٣٢
الآية : ٩٧
وأَخرج ابنُ مردويه عن ابن عباسِ ظَّ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهُ: ((إنَّ متعلِّم
حروفٍ أبي جادٍ وراءٍ في النجوم ليس له عندَ اللهِ تعالى خَلاقٌ يومَ القيامة))(١).
وأخرج هو والخطيبُ عن ابن عمرَ رِّ قال: قال رسول اللهِ وَالَ: ((تعلَّموا من
النُّجوم ما تهتدون به في ظلمات البرِّ والبحرِ ثم انتهوا))(٢) إلى غير ذلك من الأخبار.
ولعلَّ ما تفيده من النَّهي عن التعلُّم من باب سدِّ الذرائع؛ لأنَّ ذلك العلمَ ربما
يجرُّ إلى محظورٍ شرعاً، كما يُشير إليه خبرُ ابنِ مهران. وكذا النهيُ عن النظر فيها
محمولٌ على النظر الذي كان تفعله الكَهَنةُ الزاعمون تأثيرَ الكواكبِ بأنفُسها،
والحاكمون بقطعيَّة ما تدلُّ عليه - بتثليثها وتربيعِها واقترانِها ومقابلتها مثلاً - من
الأَحكام بحيث لا تتخلَّف قطعاً، على أنَّ الوقوف على جميع ما أَودع الله تعالى في
كلِّ كوكبٍ مِمَّا يمتنع لغير علام الغيوب. والوقوفُ على البعض أو الكلِّ في البعض
لا يُجدي نفعاً، ولا يفيد إلَّا ظَنَّا، المتمسِّك به كالمتمسِّك بحبال القمر، والقابضُ
عليه كالقابض على شُعاع الشمس، نعم إنَّ بعض الحوادثِ في عالم الكون والفسادِ
قد جرت عادةُ الله تعالى بإِحداثه في الغالب عند طلوعٍ كوكبٍ أو غروبه، أو مقارنتِه
لكوكب آخر، وفيما يُشاهَد عند غيبوبة الثُّريا وطلوَعِها وطلوعِ سُهَيل شاهدٌ لِمَا
ذكرنا. ولا يَبعُد أن يكونَ ذلك من الأَسباب العاديّة، وهي قدَ تتخلَّف مسبَّباتها
عنها، سواءٌ قلنا: إنَّ التأثير عندها، كما هو المشهورُ عن الأشاعرة، أم قلنا: إنها
المؤثّرة بإذن اللهِ تعالى، كما هو المنصورُ عند السلف، ويُشير إليه كلامُ حجّةِ
الإِسلام الغزاليِّ في العِلَّة. فمتى أَخبر المجرِّب عن شيءٍ من ذلك على هذا الوجه،
لم یکن عليه بأسٌ.
وما أَخرجه الخطيبُ(٣) عن عكرمةَ أنَّه سأل رجلاً عن حساب النجوم وجعل
الرجلُ يتحرَّج أن يُخبرَه، فقال عكرمة: سمعتُ ابنَ عباس ◌ًَّا يقول: عِلَمٌ عجز
الناسُ عنه وددت أنِّي علمته. وما أَخرجه الزُّبير بن بكّار(٤) عن عبد اللهِ بن حفص
(١) كتاب النجوم ص١٨٩، والطبراني في الكبير (١٠٩٨٠)، وينظر السلسلة الضعيفة (٤١٧).
(٢) كتاب النجوم ص١٣١-١٣٢، وينظر السلسلة الضعيفة (٣٤٠٨).
(٣) كتاب النجوم ص١٨٨ -١٨٩ .
(٤) في الموفقيات ص ٣٦٢- ٣٦٣ .

الآية : ٩٨
٣٣٣
سُورَةُ الأَنْعَظ
قال: خُصَّت العرب بخصال: بالكهانة، والقيافة (١)، والعِيافة(٢)، والنجوم،
والحساب، فهدم الإِسلامُ الكهانةَ وثبت الباقي بعد ذلك. وقولُ الحسن بنِ
صالح (٣): سمعتُ عن ابن عباس ◌ًِّا أنَّه قال في النُّجوم: ذلك علمٌ ضيَّعه الناس.
فلعلَّ ذلك إن صحَّ محمولٌ على نحو ما قلنا .
وبعد هذا كلِّه أقول: هو علمٌ لا ينفع، والجهلُ به لا يَضرّ، فما شاء الله تعالى
کان، وما لم يشأ لم یکن.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَتِ﴾ أي: بيَّنا الآياتِ المتلوَّةَ المذكورةَ لنعمه سبحانه التي هذه
النعمةُ من جُملتها، أو الآياتِ التكوينيةَ الدالّة على شؤونه تعالى فصلاً فصلاً ﴿لِقَوْمٍ
يَعْلَمُونَ (٣)﴾ معانيَ الآياتِ المذكورة، فيعملون بموجبها، أو يتفكّرون في الآيات
التكوينيةِ فيعلمون حقيقةً الحال، وتخصيصُ التفصيلِ بهم مع عمومه للكلِّ لأنَّهم
المنتفعون به .
﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُمْ مِّنِ نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ أي: آدَمَ عليه السَّلام. وهو تذكيرٌ لنعمة
أخرى؛ فإنَّ رجوع الكثرةِ إلى أصل واحدٍ أقربُ إلى التوادِّ والتعاطف. وفيه أيضاً
دلالةٌ على عظيم قدرتهِ سبحانه وتعالى ﴿فَسْتَقَرٌ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أي: فلكم استقرارٌ في
الأَصلاب أو فوقَ الأرض، واستيداعٌ في الأَرحام أو في القبر، أو موضعُ استقرارٍ
واستيداعٍ فیما ذُكر.
وجعلُ الصُّلبِ مقرَّ النطفةِ والرَّحمِ مستودَعها، لأنَّها تحصل في الصلب لا من
قبل شخصٍ آخَر، وفي الرَّحم من قِبَلَ الأب، فأشبهت الوديعةَ، كأنَّ الرجل أَودعها
ما كان عنده. وجعل وجهِ الأرض مستقرًّا وبطنِها مستودَعاً؛ لتوظُّنهم في الأوَّل
واتخاذِهم المنازلَ والبيوتَ فيه، وعدمٍ شيءٍ من ذلك في الثاني.
وقيل: التعبيرُ عن كونهم في الأَصلاب أو فوق الأَرضِ بالاستقرار؛ لأنَّهما
مقرُّهم الطبيعيّ، كما أنَّ التعبيرَ عن كونهم في الأرحام أو في القبر بالاستيداع؛ لما
أنَّ كلّ منهما ليس بمقرِّهم الطبيعيّ.
(١) القيافة: تتبع الآثار ومعرفتها، ومعرفة شَبَهِ الرجلِ بأخيه وأبيه. النهاية (قيف).
(٢) العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها ومَمَرِّها. النهاية (عيف).
(٣) أبو عبد الله الهمداني الثوري الكوفي، مات سنة ١٦٩ هـ. سير أعلام النبلاء ٣٦١/٧.

سُؤَةُ الأَنْدَعَّ
٣٣٤
الآية : ٩٨
وأخرج جماعةٌ - منهم الحاكمُ وصحَّحه(١) - من طرقٍ عن ابن عباسٍ ﴿يَا: أنَّ
المستقرَّ الرحمُ، والمستودعَ الأَصلاب. وجاء في رواية أنَّ حبر تيما كتب إليه
يسأله څه عن ذلك، فأجابه بما ذكر.
ويؤيِّد تفسيرَ المستقرِّ بالرحم قولُه تعالى: ﴿وَنُفِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ﴾ [الحج: ٥]
وأمَّا تفسيرُ المستودع بالأَصلاب، فقال شيخُ الإِسلام(٢): إنَّه ليس بواضح. وليس
كما قال، فقد ذكر الإِمامُ (٣) بعد أن فرَّق بين المستقَرِّ والمستودع بأنَّ المستقر أقربُ
إلى الثَّبات من المستودع. ومِمَّا يدلُّ على قوَّة هذا القولِ - يعني المرويَّ عن ابن
عباسٍ ضًَّا - أنَّ النطفةَ الواحدةَ لا تبقى في صُلب الأبِ زماناً طويلاً، والجنين يبقى
زماناً طويلاً، ولَمَّا كان المكثُ في الرَّحم أكثرَ مما في صُلب الأب، كان حَملُ
الاستقرارِ على المكث في الرَّحم أَولى. ويلزم ذلك أنَّ حملَ الاستيداعِ على
المكث في الصُّلب أَولی.
وأنا أقول: لعلَّ حملَ المستودعِ على الصُّلب باعتبار أنَّ اللهَ تعالى بعد أن
أَخرج من بني آدمَ عليه السلام مِن ظُهورهم ذريَّتَهم يوم الميثاق وأَشهَدَهم على
أَنْفُسهم وكان ما كان، ردَّهم إلى ما أَخرجهم منه، فكأنَّهم وديعةٌ هناك تخرج حين
يشاء الله تعالى ذلك.
◌َّ اسمَ الوديعةِ على ما في الصُّلب صريحاً؛ فقد أخرج
وقد أطلق ابنُ عباسٍ
عبدُ الرزّاق(٤) عن سعيد بن جُبَير قال: قال لي ابنُ عباس ظِيمًا: أتزوَّجت؟ قلت:
لا ، وما ذلك في نفسي اليومَ، قال: إنْ كان في صُلبك وديعةٌ فستخرج.
وروي تفسيرُ المستودعِ بالدنيا والمستقرِّ بالقبر عن الحسن، وكان: يقول يا ابنَ
آدم، أنت وديعةٌ في أهلك، ويوشك أن تلحقَ بصاحبك، وينشد قولَ لبيد (٥):
وما المالُ والأَهلونَ إلَّا وديعةٌ ولا بدَّ يوماً أن تُردَّ الودائعُ
(١) في المستدرك ٣١٦/٢، وأخرجه ابن جرير ٤٣٥/٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٥.
(٢) في إرشاد العقل السليم ١٦٥/٣.
(٣) في التفسير الكبير ١٠٣/١٣.
(٤) في مصنفه (١٢٥٨١).
(٥) ديوانه ص ١٧٠ .

الآية : ٩٨
٣٣٥
سُورَةُ الأَنْتَعَل
وقال سليمانُ بن زيد العدويُّ في هذا المعنى :
فالناسُ مفجوعٌ به ومفجَّعُ
فُجِع الأحبةُ بالأحبَّة قبلَنا
فالمستقرُّ يزوره المستودعُ
مستودعٌ أو مستقرٌّ مدخلاً
وعن أبي مسلم الأَصفهانيّ: أنَّ المستقرَّ الذّكر؛ لأنَّ النطفةَ إنَّما تتولّد في
صُلبه، والمستودع الأنثى؛ لأنَّ رحمها شبيهٌ بالمستودع لتلك النُّطفة، فكأنَّه قيل:
وهو الذي خلقكم من نفسٍٍ واحدة، فمنكم ذَكَرٌ ومنكم أُنثى.
وقرأ ابنُ كثير وأبو عَمرو: ((فمستقِرٌّ)) بكسر القاف، وهو حينئذٍ اسمُ فاعلٍ بمعنى
قارٌ، (ومستودَع)) اسم مفعول(١)، والمراد: فمنكم مستقِرٌّ ومنكم مستودَع. ووجهُ
كونِ الأوَّل معلوماً والثاني مجهولاً أنَّ الاستقرار منّا بخلاف الاستيداع،
والمتعاطفان على القراءة الأولى مصدران، أو اسما مكانٍ، ولا يجوز أن يكونَ
الأوَّل اسمَ مفعول؛ لأن استقرَّ لا يتعدَّى، وكذا الثاني؛ ليكونَ كالأوَّل.
﴿قَدْ فَصَلْنَا الْأَيَتِ﴾ المبيِّنة لتفاصيل خلقِ البشر، ومن جُملتها هذه الآيةُ ﴿لِقَوْمٍ
يَفْقَهُون ﴾﴾ معاني ذلك.
قيل: ذَكَرَ مع ذِكر النُّجوم ((يعلمون)) ومع ذِكر إِنشاء بني آدمَ ((يفقهون))؛ لأنَّ
الإِنشاءَ من نفسٍ واحدة وتصريفَهم بين أحوالِهم المختلفةِ ألطفُ وأدقُّ صنعةً
وتدبيراً، فكان ذِكر الفقهِ الذي هو استعمالُ فِطنةٍ وتدقيقُ نظر مطابقاً له. وهو مبنيٌّ
على أنَّ الفقه أبلغُ من العلم.
وقيل: هما بمعنَى، إلَّا أنَّه لَمَّا أُريد فصلُ كلِّ آيةٍ بفاصلة تنبيهاً على استقلال
كلٍّ منهما بالمقصود من الحجّة، وكُره الفصل بفاصلتين متساويتين لفظاً للتَّكرار،
عُدل إلى فاصلة مخالفةٍ، تحسيناً للنَّظم وافتناناً في البلاغة.
وذكر ابنُ المنير (٢) وجهاً آخَرَ في تخصيص الأُولى بالعلم والثانيةِ بالفقه، وهو
أنَّه لَمَّا كان المقصودُ التعريضَ بمن لا يتدبَّر آياتِ الله تعالى ولا یعتبرُ بمخلوقاته،
وكانت الآياتُ المذكورة أوَّلاً خارجةً عن أَنفس النظّار؛ إذ النجومُ والنظرُ فيها وعلم
(١) التيسير ص ١٠٥، والنشر ٢٦٠/٢.
(٢) في الانتصاف ٣٩/٢.

سُورَةُ الأَنْعَظ
٣٣٦
الآية : ٩٩
الحكمةِ الإِلهية في تدبيره لها أمرٌ خارجٌ عن نفس الناظر، ولا كذلك النظرُ في
إنشائهم من نفس واحدةٍ وتقليبِهم في أطوار مختلفةٍ وأحوالٍ متغايرة، فإنَّه نظرٌ
لا يعدو نفسَ الناظر ولا يتجاوزها، فإذا تمهّد هذا، فجهلُ الإنسانِ بنفسه وأحوالِه
وعدمُ النظر والتفكّر فيها أبشعُ من جهله بالأُمور الخارجةِ عنه، كالنُّجوم والأفلاكِ
ومقادير سَيرِها وتقلُّبها، فلمَّا كان الفقهُ أدنى درجاتِ العلم؛ إذ هو عبارةٌ عن
الفهم، نُفي بطريق التعريضِ عن أَبشع القَبِيلَين جهلاً، وهم الذين لا يتبضَّرون في
أنفسهم، ونفيُ الأدنَى أبشعُ من نفي الأعلى، فخُصَّ به أسوأُ الفريقَين حالاً .
و (يفقهون)) ها هنا مضارع فَقِه الشيء، بكسر القاف: إذا فهمه ولو أدنَى فهم، وليس
من فَقُه، بالضم؛ لأنَّ تلك درجةٌ عالية، ومعناه: صار فقيهاً .
ثم ذَكَر (١) أنَّه إذا قيل: فلانٌ لا يفقه شيئاً، كان أذَّ في العرف من قولك: فلانٌ
لا يعلم شيئاً، وكان معنى قولِك: لا يفقهُ شيئاً: ليست له أهليَّةُ الفهم وإنْ فهم،
وأمَّا قولُك: لا يعلم شيئاً، فغايتُه عدمُ حصولِ العلم له، وقد يكون له أهليةُ الفهم
والعلمِ لو تعلَّم.
واسْتَدَلَّ على أنَّ التارك للتفكّر في نفسه أجهلُ وأسوأ حالاً من التارك للفِكرة في
غيره بقوله سبحانه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ مَايَتٌ لِلُْوقِينَ ﴿ وَفِىِّ أَنفُسِكُمْ أَفَلَا نُبْصِرُونَ﴾
[الذاريات: ٢٠-٢١] فخصَّ التبصُّرَ في النفس بعدَ اندراجِها فيما في الأرض من الآيات
وأَنكر على مَن لا يتبصّر في نفسه إِنكاراً مستأنفاً، والله تعالى أعلمُ بأسرار كلامِهِ.
﴿وَهُوَ اَلَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ﴾ تذكيرٌ لنعمة أُخرى من نِعَمه سبحانه الجليلة،
المنبئةِ عن كمال قدرتِه عزَّ وجلَّ وسعةِ رحمته. والمرادُ من الماء المطر، ومن
السَّماءِ السَّحاب، أو الكلامُ على تقدير مضافٍ، أي: من جانب السماءِ.
وقيل: الكلامُ على ظاهره، والإِنزالُ من السماء حقيقة إلى السَّحاب، ومنه إلى
الأرض. واختاره الجبَّائي، واحتجَّ على فساد قولٍ مَن يقول: إنَّ البخاراتِ الكثيرةَ
تجتمع في باطن الأرضِ ثم تصعدُ وترتفع إلى الهواء، وينعقد السحابُ منها ويتقاطرُ
ماء، وذلك هو المطرُ المنزل بوجوه:
(١) يعني ابن المنير.

الآية : ٩٩
٣٣٧
سُورَةُ الأَنْفَعَل
أحدُها : أنَّ البَرَدَ قد يوجد في وقت الحرِّ، بل في حميم الصَّيف، ونجد المطرَ
في أبرد وقتٍ ينزل غيرَ جامد، وذلك يُبطل ما ذُكر.
ثانيها: أنَّ البخاراتِ إذا ارتفعت وتصاعدت، تفرَّقت، وإذا تفرَّقت لم يتولَّد
منها قطراتُ الماء، بل البخارُ إنَّما يجتمع إذا اتَّصل بسقفٍ أملسَ كما في بعض
الحمَّامات، أما إذا لم يكن كذلك لم يَسِل منه ماءٌ كثير، فإذا تصاعدت البخاراتُ
في الهواء وليس فوقها سطحٌ أملس تثَّصل به، وجب ألَّا يحصلَ منها شيءٌ من
الماء.
ثالثها: أنَّه لو كان تولَّد المطرِ من صعود البخارات، فهي دائمةُ الارتفاعِ من
البحار، فوجب أن يدومَ هناك نزولُ المطر، وحيث لم يكن كذلك، علمنا فسادَ
ذلك القول.
ثم قال: والقوم إنَّما احتاجوا إلى هذا القول لأنَّهم اعتقدوا أنَّ الأجسامَ قديمة،
فيمتنع دخولُ الزيادةِ والنقصانِ فيها، وحينئذٍ لا معنى لحدوث الحوادثِ إلَّ اتصافُ
تلك الذواتِ بصفة بعد أن كانت موصوفةً بصفةٍ أخرى. ولهذا السببِ احتالوا(١) في
تكوين كلِّ شيءٍ عن مادَّة معيَّنة، وأمَّا المسلمون، فلمَّا اعتقدوا أنَّ الأجسامَ محدَثة،
وأنَّ خالقَ العالم فاعلٌ مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاءً وأراد، فعند هذا
لا حاجةً إلى استخراج هذه التكلُّفات، وحيث دلَّ ظاهرُ القرآنِ على أنَّ الماءَ إنَّما
ينزل من السماءِ ولا دليلَ على امتناع هذا الظاهر، وجب القولُ بحمله عليه. انتهى.
ولا يخفَى على مَن راجع كتبَ القوم أنَّهم أجابوا عن جميع تلك الوجوه، وأنَّ
الذي دعاهم إلى القول بذلك ليس مجرَّد ما ذكر، بل القولُ بامتناع الخرقِ والالتئام
أيضاً، ووجودُ كرةِ النار تحت السماءِ وانقطاعُ عالَم العناصرِ عندها، ومشاهدةُ مَنَ
على جبل شامخٍ سحاباً يُمطر مع عدم مشاهدةِ ماءٍ نازل من السماء إليه إلى غير ذلك.
وهذا وإنْ كان بعضُه مِمَّا قام الدليل الشرعيُّ على بطلانه، وبعضُه مِمَّا لم يَقُم
الدليل عليه ولم يشهد بصحّته الشرع، لكن مشاهدة مَن على الجبل ما ذكر ونحوها
يستدعي صحةً قولهم في الجملة، ولا أَرى فيه بأساً.
(١) في (م): احتاجوا، والمثبت من الأصل وتفسير الرازي ١٠٦/١٣.

سُورَةُ الأَنْعَل
٣٣٨
الآية : ٩٩
ورُوي عن ابن عباسِ ﴿ّ أنَّه قال: ما من قطرةٍ تنزل إلَّا ومعها مَلَك. وهو عند
الكثيرِ محمولٌ على ظاهره. والفلاسفةُ يحملون هذا المَلَكَ على الطبيعة الحالَّة في
تلك الجسميةِ الموجبةِ لذلك النزول. وقيل: هو نورٌ مجرَّد عن المادة قائمٌ بنفسه
مدبِّر للقَطر حافظُ إياه، ويُثبت أَفلاطون هذا النورَ المجرَّد لكلِّ نوع من الأفلاك
والكواكبِ والبسائط العنصريةِ ومركَّباتها، على ما ذهب إليه صاحبُ (الإِشراق)(١)
وهو أحدُ الأقوالِ في المثل الأفلاطونية، ويشير إلى نحو ذلك كلامُ الشيخِ صدرِ
الدِّين القونوي في تفسير الفاتحة.
ونصب ((ماء)) على المفعولية لـ ((أنزل))، وتقديمُ المفعولِ غيرِ الصَّريح عليه لما
مرَّ مراراً.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ أي: بسبب الماءِ. والفاءُ للتعقيب، وتعقيبُ كلِّ شيءٍ بحسبه.
و((أخرجنا)) عطفٌ على ((أنزل)) والالتفات إلى التكلُّم إظهاراً لكمال العناية بشأن
ما أُنزل الماءُ لأجله.
وذكر بعضُهم نكتةً خاصَّة لهذا الالتفات غير ما ذُكر، وهي أنَّه سبحانه لَمَّا ذكر
فيما مضى ما ينبِّهك على أنَّه الخالق، اقتضى ذلك التوجُّهَ إليه حتى يخاطب.
واختيارُ ضميرٍ العظمةِ دون ضميرٍ المتكلِّم وحده؛ لإظهار كمالِ العناية، أي:
فأخرجنا بعظمتنا بذلك الماءِ مع وحدتِه ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: كلَّ صنفٍ من
أصناف النباتِ المختلفة في الكمِّ والكيفِ والخواصِّ والآثار اختلافاً متفاوتاً في
مراتب الزيادة والنقصان، حسبما يُفصح عنه قوله سبحانه: ﴿يُسْقَى بِمَآءٍ وَِدٍ وَتُفَضِّلُ
بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِى الْأُكُلِّ﴾ [الرعد: ٤].
والنباتُ كالنَّبت، وهو - على ما قال الرَّاغب(٢) - ما يَخرج من الأرض من
النَّاميات، سواءٌ كان له ساقٌ كالشجر، أو لم يكن له ساقٌ كالنَّجم، لكن اختصَّ في
التعارف بما لا ساقَ له، بل قد اختصَّ عند العامةِ بما تأكله الحيواناتُ، ومتى
اعتُبرت الحقائق، فإنَّه يستعمل في كلِّ نام، نباتاً كان أو حيواناً أو إنساناً.
(١) لعله جابر بن حيان، انظر فهرست ابن النديم ص٤٢٢ .
(٢) في المفردات (نبت).

الآية : ٩٩
٣٣٩
سُورَةُ الأَنْسَم
والمرادُ هنا عند بعض المعنى الأوَّل، وجَعَلَ قولَه تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ
خَضِرًا﴾ شروعاً في تفصيل ما أُجمل من الإِخراج، وقد بدأ بتفصيل حالِ النَّجم.
وضمير ((منه)) للنبات، والخَضِر بمعنى الأَخضر، كأَعور وعَوِر. وأكثرُ
ما يستعمل الخضرُ فيما تكون خُضرتُه خَلقية، وأصل الخضرةِ لونٌ بين البياض
والسَّواد، وهو إلى السَّواد أَقرب؛ ولذا يسمَّى الأخضرُ أسود، وبالعكس،
والمعنى: فأخرجنا من النَّبات الذي لا ساقَ له شيئاً غضًّا أخضر، وهو ما تشغَّب
من أصل النباتِ الخارجِ من الحبة. وجوِّز عودُ الضميرِ إلى الماء، و((من)) سببية،
وجعل أبو البقاءِ(١) هذا الكلامَ حينئذٍ بدلاً من ((أخرجنا)» الأوَّل.
وذكر بعضُ المحقّقين أنَّ في الآية على تقدير عودِ الضميرِ إلى الماءِ معنّی
بديعاً، حيث تضمَّنت الإِشارةَ إلى أنَّه تعالى أخرج من الماءِ الحلوِ الأبيضٍ في رأي
العينِ أصنافاً من النبات والثمارٍ مختلفةَ الطعومِ والألوان، وإلى ذلك نظر القائلُ
يصف المطرَ:
يمدُّ على الآفاق بيضَ خيوطِه فينسج منها للثَّرى حُلَّةً خَضْرا
وقولُه تعالى: ﴿أُخْرِجُ مِنْهُ﴾ صفة لخَضِر، وصيغةُ المضارع لاستحضار الصورةِ
بما فيها من الغَرابة. وجوِّز أن يكونَ مستأنفاً، أي: نُخرج من ذلك الخضرِ ﴿حَبًّا
مُتَاكِبًا﴾ أي: بعضُه فوق بعض كما في السُّنبل.
وقُرئ: ((يُخْرَجُ منه حبٌّ متراكبٌ))(٢).
﴿وَمِنَ النَّغْلِ﴾ جمع نخل كما قال الراغبُ: والنخلُ معروف، ويُستعمل في
الواحد والجمع(٣)، وهذا شروعٌ في تفصيل حالِ الشجر إثرَ بيان حالِ النَّجم عند
البعض، فالجاَرُّ والمجرور خبرٌ مقدَّم، وقولُه سبحانه: ﴿مِن ◌َلْيِهَا﴾ بدلٌ منه بدلَ
بعضٍ من كلِّ بإِعادة العامل، وقولُه سبحانه: ﴿قِنْوَانٌ﴾ مبتدأ، وحاصله: مِن طلع
النخيلِ قِنوان.
(١) في الإملاء ٦٠٦/٢ .
(٢) القراءات الشاذة ص٣٩، و((يخرج)) فيها مبني للمفعول كما ذكر السمين في الدر المصون
٦٩/٥.
(٣) مفردات الراغب (نخل).

سُورَةُ الأَنْعَل
٣٤٠
الآية : ٩٩
وجوِّز أن يكونَ الخبر محذوفاً؛ لدلالة ((أخرجنا)) عليه، وهو كونٌ خاصٌّ، وبه
يتعلَّق الجارُّ. والتقدير: ومخرجةٌ من طلع النخلِ قنوان.
وعلى القراءة السابقةِ آنفاً يكونُ ((قنوان)) معطوفاً على ((حَبٌّ)).
وقيل: المعنى: وأَخرجنا من النَّخل نخلاً مِن طلعها قنوان، أو: مِن النَّخل
شيئاً مِن طلعها قِنوان.
وهو جمع قِنْو بمعنى العِذق، وهو للتَّمر بمنزلة العُنقود للعنّب، وتثنيته أيضاً
قِنوان، ولا يفرِّق بين المثنَّى والجمعِ إلَّا الإِعرابُ، ولم يأتِ مفردٌ يستوي مثنّاه
وجمعُه إلَّا ثلاثةُ أسماء: هذا، وصِنو وَصِنوان، ورِئد ورِئدان، بمعنى مِثل، قاله ابنُ
خالويه. وحكى سيبويه: شِقْذ وشِقذان، وحُشرٌّ وحشَّان، للبستان، نقله الجلالُ
السيوطيُّ في ((المُزْهِر))(١) .
وقُرئ بضمِّ القاف، وبفتحها(٢) على أنَّه اسمُ جمع؛ لأن فَعلان ليس من زِنَات
التكسير.
﴿دَانِيَةٌ﴾ أي: قريبةٌ من المتناول كما قال الزجَّاج(٣). واقتصر على ذكرها عن
مقابلها لدلالتها عليه وزيادةِ النعمةِ فيها. وقيل: المراد: دانيةٌ من الأَرض بكثرة
ثمرِها وثِقَل حملِها. والدنوُّ على القولَين حقيقةٌ، ويحتمل أن يراد به سهولةُ الوصولِ
إلى ثمارها مجازاً.
﴿وَجَّتٍ مِنْ أَعْنَسٍ﴾ عطفٌ على ((نبات كل شيء)) أي: وأَخرجنا به جناتٍ كائنةً
من أعناب، وجعله الواحديُّ(٤) عطفاً على ((خَضِراً)).
وقال الطيبي: الأظهرُ أن يكونَ عطفاً على ((حبًّا))؛ لأنَّ قوله سبحانه: ﴿نَبَاتَ كُلِّ
شَىءٍ﴾ مفضَّل؛ لاشتماله على كلِّ صنفٍ من أصناف النَّامي، والنامي الحبُّ والنَّوى
وشبهُهما، وقولُه سبحانه: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ إلخ تفصيلٌ لذلك النبات، وهو
بدلٌ من ((فأخرجنا)» الأوَّل بدلَ اشتمال.
(١) ٢/ ٨٨. والشقذ: ولد الحرباء، وينظر الكتاب ٥٧٦/٣ و٥٧٨.
(٢) القراءات الشاذة ص٣٩، وذكر ابن جني في المحتسب ٢٢٣/١ قراءة الفتح فقط.
(٣) في معاني القرآن ٢/ ٢٧٥.
(٤) في الوسيط ٢/ ٣٠٥.