النص المفهرس

صفحات 301-320

الآية : ٩١
٣٠١
سُورَةُ الأَنْعَل
ودُفع بأنَّ ذلك لِمَا أنَّه [لمَّا] كان إنزالُ التوراةِ من المشاهير الذائعة، ولذلك
كانوا يقولون: ﴿لَوَّ أَنَّ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمَّ﴾ [الأنعام: ١٥٧] حَسُنَ
إِلزامهم بما ذُكر. ومع هذا ما ذهب إليه الجمهورُ أَحرى بالقبول.
ومِن الناسِ مَن ادَّعى أنَّ في الآية حجَّةً من الشكلِ الثالث، وهي أنَّ موسى
بشرٌ، وموسى أُنزل عليه كتاب، ينتج أنَّ بعض البشرِ أُنزل عليه كتاب، وتؤخذ
الصُّغرى من قوَّة الآية، والكبرى من صريحها، والنتيجةُ موجبةٌ جزئية تكذِّب السالبةَ
الكلية التي ادَّعتها اليهود، وهي: لا شيءَ من البشر أُنزل عليه كتابٌ، المأخوذةَ من
قولهم: ((ما أنزل الله على بشر من شيء)) وإنَّما نتجت هاتان الشخصيتان مع أنَّ
شرط الشكلِ الثالث كلِّيّةُ إحدى المقدمتين؛ لأنَّ الشخصية عندهم في حكم الكلّة.
وقال الإِمام: تفلسف حجَّةُ الإِسلام الغزاليُّ عليه الرحمة فقال: إنَّ هذه الآيةَ
مبنيَّة على الشكل الثاني من الأَشكال المنطقية، وذلك لأنَّ حاصلها يرجع إلى أنَّ
موسى أَنزل اللهُ تعالى عليه شيئاً، وواحدٌ من البشر ما أنزل الله تعالى عليه شيئاً،
ينتج أنَّ موسى ما كان من البشر، وهذا خُلْفٌ محال، وهذه الاستحالةُ ليست
بحسب شكلِ القياس، ولا بحسب صحةِ المقدَّمة الأولى، فلم يبقَ إلَّا أنه لَزِم من
فرض صحةِ المقدمةِ الثانية، وهي قولهم: ((ما أنزلَ الله)) إلخ، فوجب القولُ بأنَّها
كاذبة(١). وفي ذلك تأمُّل، فليتأمَّل.
ثم إن وَصْفَ الكتابِ بالوصول إليهم لزيادة التقريرٍ وتشديدِ التبكيت، وكذا
تقييدُه بقوله سبحانه: ﴿نُورًا وَهُدَّى﴾ فإنَّ كونه بيِّناً بنفسه ومبيِّناً لغيره مما يؤكِّد الإلزامَ
أيَّ توکید.
وانتصابُهما على الحاليَّة من ((الكتاب)) والعاملُ ((أنزل)) أو من ضميرٍ ((به))
والعاملُ ((جاء)» والظاهرُ تعلُّقُ الظرف بـ ((جاء)» وجوِّز أن يكونَ متعلقاً بمحذوفٍ وقع
حالاً من الفاعل.
واللامُ في قوله سبحانه: ﴿لِلنَّاسِ﴾ إما متعلِّق بـ ((هدى))، أو بمحذوفٍ وقع صفةً
له، أي: هدّى كائناً للناس. والمرادُ بهم بنو إسرائيل، وقيل: هم ومَن عداهم.
(١) التفسير الكبير ١٣/ ٧٧.

سُورَةُ الأَنْعَم
٣٠٢
الآية : ٩١
ومعنى كونِه هدّى لهم أنه يُرشد مَن وقف عليه بالواسطة أو بدونها إلى ما يُنجيه من
الإِيمان بالله تعالى ورسولهِ وَله.
وقوله تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ، فَرَاطِيسَ﴾ استئنافٌ لا موضعَ له من الإِعراب، مَسوق
لنعي ما فعلوه من التحريف والتغييرِ عليهم.
وجوِّز أن يكونَ في موضع نصبٍ على الحال كما تقدَّم، أي: تضعونه في
قراطيسَ مقطّعةٍ وأوراقٍ مفرَّقة، بحذف الجارِّ بناءً على أنَّه تشبيه القراطيسِ بالّرف
المبهم كما قيل.
وقال أبو عليٍّ الفارسي(١): المراد: تجعلونه ذا قراطيسَ.
وجوَّز غيرُ واحدٍ عدمَ التقدير، على معنى: تجعلونه نفسَ القراطيس، وفيه زيادةٌ
توبيخٍ لهم بسوء صنيعِهم، كأنَّهم أخرجوه من جنس الكتابِ ونزَّلوه منزلةَ القراطيسِ
الخاليةِ عن الكتابة.
وليس المرادُ على الأوَّل توبيخَهم بمجرَّد وضعِهم له في قراطيس؛ إذ كلُّ كتابٍ
لا بدَّ وأن يودَع في القراطيس، بل المراد التوبيخُ على الجعل في قراطيسَ موصوفةٍ
بقوله سبحانه: ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ فالجملةُ المعطوفة والمعطوفُ عليها في
موضع الصفةِ لـ ((قراطيس)) والعائدُ على الموصوف من المعطوفة محذوفٌ، أي:
كثيراً منها .
والمرادُ من الكثير نعوتُ النبيِّ نَّهِ وسائرُ ما كتموه من أَحكام التوراة، كرجم
الزاني المحصَن. وهذا خطابٌ لليهود بلا مِرية، وكانوا يفعلون ذلك مع عوامِّهم
متواطئين عليه، وهو ظاهرٌ على تقدير أن يكونَ الجوابُ السابق لهم؛ لأنَّ مشافهتهم
به يقتضي خطابَهم، ومَن جعل ما تقدَّم للمشركين، حَمَلَ هذا على الالتفات
لخطاب اليهودِ حیث جری ذِکرهم.
وقرأ ابنُ كثير وأبو عَمرِو الأفعالَ الثلاثةَ بياء الغَيبة(٢)، وضميرُ الجمعِ لليهود
أيضاً، إلا أنه التفت عن خطابهم تبعيداً لهم - بسبب ارتكابهم القبيحَ - عن ساحة
(١) في الحجة ٣٥٥/٣.
(٢) التيسير ص ١٠٥، والنشر ٢٦٠/٢.

الآية : ٩١
٣٠٣
سُورَةُ الأَنْعَُّ
الخطاب؛ ولذا خاطبهم حيث نسب إليهم الحسنَ في قوله سبحانه: ﴿وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ
تَعْلَمُواْ أَنْتُمْ وَلَآ ءَابَاؤُكُمْ﴾ .
وهذا أحسنُ - كما قيل - من الالتفات على القول الأوَّل؛ لأنَّ فيه نقلاً من
الكلام مع جماعةٍ هم المشركون إلى الكلام مع جماعةٍ أخرى هم اليهودُ قبل إِتمام
الكلام الأوَّل؛ لأنَّ إِتمامه بقوله سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ إلخ، بخلاف الالتفاتِ على
القول الثاني.
والجملة - على ما قال أبو البقاء (١) - في موضع الحالِ من فاعل ((تجعلونه))
بإِضمار قد، أو بدونه، على اختلاف الرأيَين، وعليه - كما قال شيخُ الإِسلام(٢) -
فينبغي أن تُجعلَ ((ما)) عبارةً عمَّا أخذوه من الكتاب من العلوم والشَّرائع؛ ليكونَ
التقييدُ بالحال مفيداً لتأكيد التوبيخِ وتشديدِ التشنيع، لا على ما تلقَّوه من جهة
النبيِّي ◌َّرَ زيادةً على ما في التوراة وبياناً لِمَا التبس عليهم وعلى آبائهم من مشكلاتها
حسبما ينطق به قولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْوَانَ يَقُضُ عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِهِ
يَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: ٧٦] لأنَّ تلقِّيهم ذلك ليس مما يَزجرهم عمَّا صنعوا بالتوراة،
فتكونُ الجملة حينئذٍ خاليةً عن تأكيد التوبيخ، فلا تستحقُّ أن تقعَ موقعَ الحال، بل
الوجهُ حينئذٍ أن يكونَ استئنافاً مقرِّراً لما قبله من مجيءِ الكتابِ بطريقِ التكملةِ
والاستطراد، والتمهيدٍ لما يعقبه من مجيءٍ القرآن، ولا سبيلَ - كما قال - إلى جعل
((ما)) عبارةً عما كتموه من أَحكام التوراةٍ كما يُفصح عنه قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ
رَسُولُنَا يُبَيِّثُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ﴾ [المائدة: ١٥] فإنَّ
ظهوره وإن كان مزجرةً لهم عن الكتم مخافةَ الافتضاحِ، ومصحِّحاً لوقوع الجملةِ
في موقع الحال، لكن ذلك مِمَّا يعلمه الكاتمون حتماً .
وجوِّز أن تكون الجملةُ معطوفةً على ((من أنزل الكتاب)) من حيث المعنى، أي:
قل: مَن أنزل الكتابَ، ومَن علَّمكم ما لم تعلموا؟ وفيه بُعدٌ.
وأَخرج أبو الشَّيخ عن مجاهدٍ أنَّ هذا خطابٌ للمسلمين. ورُوي عنه أنَّه قرأ:
(١) في الإملاء ٢/ ٥٩٢ .
(٢) في إرشاد العقل السليم ١٦٢/٣.

سُؤَدَّةُ الأَنْعَل
٣٠٤
الآية : ٩١
((وُلِّمتم معشرَ العربِ ما لم))(١) إلخ، وهو عند قومٍ اعتراضٌ للامتنان على النبيِّ لَّى
وأتباعِه بهدايتهم للمجادلة بالتي هي أحسن.
وقال بعضُهم: إن ((الناس)) فيما تقدَّم عامٌّ يدخل فيهم المسلمون واليهود،
و((عُلِّمتم)) عطفٌ على ((تجعلونه))، والخطابُ فيه للناس باعتبار اليهود، وفي
(علِّمتم)) لهم باعتبار المسلمين. ولا يخفَى أنَّه تكلُّف.
وقولُه سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أمرٌ لرسوله وَّر بأن يجيبَ السؤالَ السابق عنهم،
إشارةً إلى أنهم يُنكرون الحقَّ مكابرةً منهم، وإشعاراً بتعيُّن الجواب، وإيذاناً بأنهم
أُفحموا ولم يقدروا على التكلُّم أصلاً.
والاسمُ الجليل إمَّا فاعلُ فعلٍ مقدَّر، أو مبتدأُ خبرُه جملة مقدَّرة، أي:
أَنزله اللهُ، أو: اللهُ تعالى أنزله. والخلافُ في الأرجح من الوجهين مشهور.
﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ أي: دعهم ﴿فِى خَوْضِهِمْ﴾ أي: باطلِهم، فلا عليك بعد إِلزام
الحجَّةِ وإِلقام الحجر.
يَلْعَبُونَ
في موضع الحالِ من ((هم)) الأول، والظرفُ صِلَة ((ذرهم)) أو
٩١
(يلعبون))، أو حالٌ من مفعول ((ذرهم)) أو من فاعل ((يلعبون)).
وجوِّز أن يكونَ في موضع الحالِ من ((هم)) الثاني، وهو في المعنى فاعلٌ
المصدرِ المضاف إليه، والظرفُ متَّصل بما قبلَه، إمَّا على أنَّه لغو، أو حالٌ من
((هم))، ولا يجوز حينئذٍ جعله متصلاً بـ ((يلعبون)) على الحالية أو اللَّغْوية؛ لأنه يكون
معمولاً له متأخّراً عنه رتبةً ومعنّى، مع أنه متقدِّم عليه رتبةً أيضاً؛ لأنَّ العامل في
الحال عاملٌ في صاحبها، فيكون فيه دورٌ وفساد في المعنى.
والآية عند بعضٍ منسوخةٌ بآية السيف، واختار الإِمام (٢) عدمَ النسخ؛ لأنها
واردةٌ موردَ التهديد، وهو لا ينافي حصولَ المقاتلة، فلم يكن ورودُ الآيةِ الدالّة على
وجوبها رافعاً للمدلول، فلم يحصل النسخُ فيه.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١٣٤٣/٤، والدر المنثور ٢٩/٣.
(٢) في التفسير الكبير ٧٩/١٣ -٨٠.

الآية : ٩٢
٣٠٥
سُورَةُ الأَنْقَم
﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنزَلْتَهُ﴾ تحقيقٌ لإِنزال القرآنِ الكريم بعد تقريرٍ إنزال ما بشَّر(١) به
من التوراة، وتكذيبٌ لكلمتهم الشنعاءِ إثرَ تكذيب. وتنكيرُ ((كتاب)) للتفخيم، وجملةٌ
((أنزلناه)) في موضع الرفعِ صفة له.
وقولُه سبحانه: ﴿مُبَارَكٌ﴾ أي: كثيرُ الفائدةِ والنفع؛ لاشتماله على منافع
الدَّارين وعلومِ الأوَّلين والآخِرِين، صفةٌ بعد صفة.
قال الإِمام(٢): جرت سنةُ اللهِ تعالى بأنَّ الباحثَ عن هذا الكتابِ المتمسِّكَ به
يحصِّل به عزَّ الدنيا وسعادةَ الآخرة، ولقد شاهدنا والحمدُ لله عزَّ وجلَّ ثمرةً خدمتِنا
له في الدنيا، فنسأله ألَّا يحرمَنا سعادةَ الآخرة، إنه البرُّ الرحيم.
وقوله جلَّ وعلا: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ صفةٌ أخرى، والإِضافة - على ما نصَّ
عليه أبو البقاء(٣) - غيرُ محضة، والمرادُ بالموصول إمَّا التوراة؛ لأنها أعظمُ كتابٍ
نزل قبلُ، ولأنَّ الخطابَ مع اليهود، وإمَّا ما يعمُّها وغيرها من الكتب السماوية.
ورُوي ذلك عن الحسن.
وتذكيرُ الموصولِ باعتبار الكتابِ، أو المنزل، أو نحو ذلك، ومعنى كونِها بين
يديه أنَّها متقدِّمة عليه؛ فإنَّ كلَّ ما كان بين اليدين كذلك، وتصديقُه للكلِّ في إثبات
التوحيدِ والأمرِ به، ونفيِ الشِّرك والنهي عنه، وفي سائر أصولِ الشرائع التي لا تُنسَخ.
﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ قيل: عطفٌ على ما دلَّ عليه صفةُ الكتاب، كأنَّه قيل:
أنزلناه للبركات وتصديقٍ ما تقدَّمه والإِنذار.
واختار العلّامةُ الثاني كونَه عطفاً على صريح الوصف، أي: كتابٌ مبارك
وكائنٌ للإِنذار، وادَّعى أنه لا حاجةَ مع هذا إلى ذلك التكلُّف؛ فإنَّ عطف الظرفِ
على المفرَد في باب الخبرِ والصفةِ كثير، ودعوى أنَّ الداعي إليه عُرُوُّ تلك الصفاتِ
السابقةِ عن حرف العطف واقترانُ هذا به، تستدعي القول بأنَّ الصفاتِ إذا تعدَّدت
ولم يعطف أوَّلُها يمتنع العطفُ أو يقبح، والواقعُ خلافه.
(١) في (م): يشير، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٣/ ١٦٢، والكلام منه.
(٢) في التفسير الكبير ٧٩/١٣-٨٠.
(٣) في الإملاء ٥٩٦/٢.

سُؤَدَّةُ الأَنْتَم
٣٠٦
الآية : ٩٢
والأَّوْلى ما يقال: إنَّ الداعي أنَّ اللفظ والمعنى يقتضيانه، أما المعنى؛ فلأنَّ
الإِنذار علَّة لإنزاله، كما يدلُّ عليه ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُم بِهِ﴾ [الأنعام: ١٩] ولو
عطف لَكان على أوَّل الصفات، على الرَّاجح في العطف عند التعدُّد، ولا يَحسن
عطفُ التعليلِ على المعلَّل به، ولا الجارِّ والمجرورِ على الجملة الفعلية؛ فإنه
نظيرُ: هذا رجلٌ قام عندي وليخدمَني، وهو كما ترى، ومنه يُعلم الداعي اللفظي.
وجوِّز أن يكونَ عَلَّة لمحذوف يقدَّر مؤخّراً أو مقدَّماً، أي: ولتنذرَ أنزلناه، أو:
وأَنزلناه لتنذر، وتقديم الجارِّ للاهتمام، أو للحصر الإضافي، وأن يكونَ عطفاً على
مقدَّر، أي: لتبشِّرَ ولتنذر.
وأيًّا ما كان، ففي الكلام مضافٌ محذوف، أي: أهلَ أمِّ القرى، والمراد بها مكَّةُ
المكرمة، وسمِّيت بذلك لأنَّها قِبلةُ أهلِ القرى وحجُّهم، وهم يتجمَّعون عندها تجمُّعَ
الأولادِ عند الأمّ المشفقة، ويعظّمونها أيضاً تعظيمَ الأم، ونُقل ذلك عن الزجَّاج
والجبَّائي(١)، ولأنَّها أعظمُ القرى شأناً، فغيرُها تَبَعٌ لها كما يتبع الفرعُ الأصل.
وقيل: لأنَّ الأرض دُحيت من تحتها، فكأنَّها خرجت من تحتها كما تخرج الأولادُ
من تحت الأمّ، أو لأنَّها مكانُ أوَّلِ بيتٍ وُضع للناس. ونُقل ذلك عن السُّدِّي.
وقرأ أبو بكرٍ عن عاصم: ((لينذر))(٢) بالياء التحتيةِ على الإِسناد المجازيِّ
للكتاب؛ لأنه منذرٌ به.
﴿وَمَنْ حَوْلَمَا﴾ من أهل المدرِ والوبرِ في المشارق والمغارب؛ لعموم بعثتِهِ وَّل
الصَّادعِ بها القرآنُ في غيرِ آية .
واللفظُ لا يأبَى هذا الحملَ؛ فلا متمسَّك بالآية لطائفةٍ من اليهود زعموا أنَّه وَهُ
مرسَل للعرب خاصَّة. على أنَّه يمكن أن يقال: خصَّ أولئك بالذِّكر؛ لأنهم أحقُّ
بإِنذاره عليه الصلاة والسلام، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتِكَ الْأَقْرِينَ﴾
[الشعراء: ٢١٤] ولذا أُنزل کتابُ كلِّ رسولٍ بلسان قومه.
(١) نقله عنهما الطبرسي في تفسيره ١٣٠/٣، وفي معاني القرآن للزجاج ٢٧١/٢: سميت أم
القرى لأنها كانت أعظم القرى شأناً .
(٢) وقرأ بها أيضاً أبو عمرو. انظر التيسير ص ١٠٥، والنشر ٢٦٠/٢.

الآية : ٩٣
٣٠٧
سُورَةُ الأَنْعَل
﴿وَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ﴾ وبما فيها من الثواب والعقاب، ومَن اقتصرَ على الثاني
في البيان، لاحظَ سبق الإِنذار ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: بالكتاب، قيل: أو بمحمد الَّ؛
لأنَّهم يَرهبون من العذاب ويرغبون في الثواب، ولا يزال ذلك يَحملهم على النظر
والتأمُّل حتى يؤمنوا به.
﴿وَهُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِطُونَ
يحتمل أن يرادَ بالصلاة مطلقُ الطاعةِ مجازاً،
٩٢
أو اكتفي ببعضها الذي هو عمادُ الدِّين وعَلَم الإِيمان؛ ولذا أُطلق على ذلك الإِيمانُ
مجازاً، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمَّ﴾ [البقرة: ١٤٣].
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَقْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا﴾ كالذين قالوا: ((ما أنزل الله على بشر من
شيء)) ﴿أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَ﴾ مِن جهته تعالى ﴿وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ﴾ أي: والحالُ أنَّه لم يوحَ
إليه ﴿شَىْءٌ﴾ كمسيلمةَ والأَسود العنسيِّ ﴿وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ أي: أنا
قادرٌ على مثل ذلك النظم، كالذين قالوا: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١].
وتفسيرُ الأوَّل بما ذكرناه لم نقف عليه لغيرنا، وتفسيرُ الثاني ذهب إليه
الزمخشريُّ (١) وغيرُه، وتفسيرُ الثالثِ ذهب إليه الزجَّاج(٢) ومَن وافقه. وأَخرج
عبد بن حُميد وابنُ المنذر عن ابن جُريج: أنَّ قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِعَنِ اُفْتَى
عَلَى اَللَِّ كَذِّبًا أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ﴾ نزل في مسيلمةَ الكذاب، والأخيرَ
نزل في عبد الله بن سعدٍ بن أبي سَرْح(٣).
وجعل بعضُهم على هذا عطفَ ((أو قال)) الأوَّلِ على ((افترى)) إلخ من عطف
التفسير .
وتُعقِّب بأنه لا يكون بـ ((أو))، واستُحسن أنَّه من عطف المغايرِ باعتبار العنوان،
و(أو)) للتنويع، يعني أنَّه تارةً ادَّعى أنَّ الله تعالى بعثه نبيًّا، وأُخَرى أنَّ الله تعالى
أَوحى إليه، وإنْ كان يلزم النبوَّةَ في نفس الأمر الإِيحاءُ، ويلزم الإِيحاءَ النبوّة.
ويُفهَم من صنيع بعضِهم أنَّ ((أو)) بمعنى الواو، وأما ابنُ أبي سرحٍ، فلم يدَّعِ
صريحاً القدرة، ولكن قد يقتضيها كلامُه على ما يُفهَم من بعض الرِّوايات.
(١) في الكشاف ٣٥/٢.
(٢) في معاني القرآن ٢/ ٢٧٢.
(٣) الدر المنثور ٣٠/٣.

سُورَةُ الأَنْتَم
٣٠٨
الآية : ٩٣
وفسَّر بعضُهم الثانيّ بعبد الله، ودعواه ذلك على سبيل الترديد، فقد رُوي أنَّ
عبد الله بنَ سعدٍ كان قد تكلّم بالإِسلام، فدعاه رسولُ اللهِ وَ ل ◌ّ ذاتَ يوم، فكتب له
شيئاً، فلما نزلت الآيةُ في المؤمنين: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَِّ مِن طِينٍ﴾
[المؤمنون: ١٢] أَملاها عليه، فلمَّا انتهى إلى قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا ءَاخَرْ﴾
[المؤمنون: ١٤] عَجِبَ عبدُ الله من تفصيلٍ خلق الإنسان فقال: ((تبارك الله أحسن
الخالقين)) فقال رسولُ الله: ((هكذا أُنزلت عليّ)) فشكَّ حينئذٍ وقال: لَئن كان محمدٌ
صادقاً، لقد أُوحِي إليَّ، ولئن كان كاذباً، لقد قلتُ كما قال(١). وجَعْلُ الشقِّ الثاني
في معنى دعوى القدرة على المِثل فيصحُّ تفسيرُ الثاني والثالثِ به، لا يصحُّ، إلَّا إذا
اعتُبر عنوانُ الصِّلة في الأخير من باب المماشاة مثلاً كما لا يخفى.
واعتبر الإمام(٢) عمومَ افتراءِ الكذبِ على الله تعالى، وجَعَلَ المعطوفَ عليه
نوعاً من الأشياء التي وُصفت بكونها افتراءً، ثم قال: والفرقُ بين هذا القولِ وما
قبله أنَّ في الأوَّل كان يدَّعي أنه أُوحي إليه فيما يكذب به ولم ينكر نزولَ الوحي
على النبيِّ وَّة، وفي الثاني أَثبت الوحيّ لنفسه ونفاه عنه عليه الصلاة والسلام،
فكان جمعاً بين أمرين عظيمَين من الكذب: إثبات ما ليس بموجود، ونفي ما هو
موجود. انتهى.
وفيه عدولٌ عن الظاهر، حيث جعل ضمير ((إليه)) راجعاً للنبيِّ وَّر، والواو في
((ولم يوح)) للعطف، والمتعاطفان مقول القول. والمنساقُ للذِّهن جعلُ الضمير
لـ ((من)) والواو للحال، وما بعدها من كلامه سبحانه وتعالى.
وربَّما يقال لو قُطع النظرُ عن سبب النزول: إنَّ المراد بـ ((مَن افترى على الله
كذباً)): مَن أشرك بالله تعالى أحداً، بحمل افتراءِ الكذبِ على أعظم أفراده، وهو
الشِّرك، وكثيرٌ من الآيات يصدحُ بهذا المعنى، وبِمَن قال: ((أوحي إلَي)) والحالُ لم
يوحَ إليه: مدَّعي النبوّةِ كاذباً، وبمن قال: ((سأنزل مثل ما أنزل الله)): الطاعنُ في
(١) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص٢١٦ دون سند، وقال: هذا قول ابن عباس في رواية
الكلبي. وانظر تفسير الطبري ٩/ ٤٠٥-٤٠٦، والمعجم الأوسط للطبراني (٤٦٥٤) والكافي
الشاف ص٦٢ .
(٢) في التفسير الكبير ٨٤/١٣.

الآية : ٩٣
٣٠٩
سُورَةُ الأَنْعَل
نبوّة النبيِّ عليه الصلاة والسلام، فكأنه قيل: مَن أظلمُ ممَّن أشرك بالله عزَّ وجلَّ، أو
ادَّعى النبوّة كاذباً، أو طعن في نبوّة النبيِّ وَّهِ. وقد تقدَّم الكلامُ على مثل هذه
الجملة الاستفهامية، فتذگَّر وتدبّر.
﴿وَلَوْ تَرَىّ﴾ أي: تبصر، ومفعولُه محذوف؛ لدلالة الظرفِ في قوله تعالى:
﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ عليه. ثم لَمَّا حُذف أُقيم الظرف مُقامَه، والأصل: ولو ترى
الظالمين إذا هم. و((إذ)) ظرف لـ ((ترى)) و((الظالمون)) مبتدأ، وقولُه تعالى: ﴿فِ غَمَرَتِ
اٌلْوَّتِ﴾ خبرُه، وتقييدُ الرؤيةِ بهذا الوقت؛ ليفيدَ أنَّه ليس المرادُ مجردَ رؤيتهم، بل
رؤيتَهم على حالٍ فظيعة عند كلِّ ناظر.
وقيل: المفعولُ ((إذ))، والمقصود تهويلُ هذا الوقتِ لفظاعة ما فيه. وجوابُ
الشرطِ محذوف، أي: لَرأيت أمراً فظيعاً هائلاً .
والمرادُ بالظالمين ما يشمل الأَنواعَ الثلاثة: من الافتراء والقولَين الأخيرين.
والغمرة - كما قال الشِّهاب(١) - في الأصل: المرَّة من غَمَرَ الماءُ، ثم استُعير
للشدَّة، وشاع فيها حتى صار كالحقيقة. ومنه قولُ المتنبِّي:
وتُسعدني في غمرةٍ بعد غمرة سَبوحٌ لها منها عليها شواهدُ(٢)
والمراد هنا سكراتُ الموت كما رُوي عن ابن عباسٍ
﴿وَالْمَلَئِكَةُ﴾ الذين يَقبضون أرواحَهم، وهم أعوانُ مَلَكِ الموت ﴿بَاسِطُوّا
أَيْدِيِهِمْ﴾ أي: بالعذاب.
وأخرج ابن جَرِير وغيرُه عن ابن عباسٍ ﴿ُّ أنَّهم يضربون وجوهَهم وأدبارَهم(٣)،
قائلين لهم: ﴿أَخْرِجُوَاْ أَنْفُسَكُمٌ﴾ أي: خلِّصوها مِمَّا أنتم فيه من العذاب.
والأمرُ للتوبيخ والتعجيز، وذهب بعضُهم أنَّ هذا تمثيلٌ لفعل الملائكةِ في قبض
أرواحِ الظَّلمة بفعل الغريمِ الملحِّ يبسط يده إلى مَن عليه الحقُّ ويَعْنُفُ عليه في
(١) في حاشيته ٤ / ٩٧.
(٢) الديوان ٣٩٣/١، والسبوح: الفرس التي كأنها تسبح في جريها.
(٣) تفسير الطبري ٩/ ٤١٠، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٤٧.

سُورَةُ الأَنْفَعَل
٣١٠
الآية : ٩٤
المطالبة ولا يُمهله، ويقول له: أَخرج ما لي عليك الساعةَ، ولا أَريم مكاني حتى
أنتزعَه من أَحداقك. وفي ((الكشف)) أنَّه كنايةٌ عن العنف في السِّياق، والإلحاح
والتشديدِ في الإِزهاق، من غير تنفيسٍٍ وإمهال، ولا بسطٍ ولا قولِ حقيقةٍ هناك.
واستظهر ابنُ المنير (١) أنَّهم يفعلون معهم هذه الأمورَ حقيقةً على الصور
المحكية، وإذا أمكن البقاءُ على الحقيقة فلا معدلَ عنها .
﴿أَلْيَوْمَ﴾ المراد به مطلقُ الزمانِ لا المتعارف عليه، وهو إمَّا حينَ الموت، أو
ما يشمله وما بعدَه ﴿تُجْزَوّنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي: المشتملَ على الهوان والشدَّة،
والإِضافة - كما في: رجلُ سوءٍ - تفيد أنَّه متمكِّن في ذلك؛ لأن الاختصاصَ الذي
تُفيده الإضافةُ أقوى من اختصاص التوصيف. وجوِّز أن تكونَ الإضافة على
ظاهرها؛ لأنَّ العذاب قد يكون للتأديب، لا للهوان والخزي.
ومن الناس مَن فسَّر غمراتِ الموت بشدائد العذابِ في النار، فإنَّها وإنْ كانت
أشدَّ من سكرات الموتِ في الحقيقة، إلَّا أنَّها استُعملت فيها تقريباً للأَفهام، وبسطً
الملائكةِ أيديَهم بضربهم للظالمين في النَّار بمقامعَ من حديد، والإخراجَ بالإِخراج
من النار وعذابِها، واليومَ باليوم المعلوم.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ﴾ مفترين ﴿عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ من نفي إنزاله على بشرٍ شيئاً
وادِّعاءِ الوحي، أو من نسبة الشِّرك إليه ودعوى النبوّة كذباً ونفيها عمن اتَّصف بها
حقيقةً، أو نحو ذلك.
وفي التعبير بـ ((غير الحق)) عن الباطل ما لا يخفى، وهو مفعولُ ((تقولون))،
وجوِّز أن يكونَ صفةً لمصدرٍ محذوف، أي: قولاً غيرَ الحقِّ.
﴾ أي: تُعرضون، فلا تتأمَّلون فيها ولا
﴿وَكُنْتُمْ عَنْ ءَايَنِهِ، تَسْتَكْبُونَ
تؤمنون .
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَ﴾ للحساب ﴿فُرَدَى﴾ أي: منفردين عن الأَعوان والأوثانِ التي
زعمتم أنَّها شفعاؤكم، أو عن الأموال والأَولادِ وسائرٍ ما آثر تموه من الدُّنيا.
(١) في الانتصاف ٣٦/٢.

الآية : ٩٤
٣١١
سُورَةُ الأَنْعَم
أخرج ابن جَرير(١) وابنُ المنذر وغيرُهما عن عكرمةَ قال: قال النَّضر بن
الحارث: سوف تشفعُ لي اللاتُ والعزَّى، فنزلت.
والجملةُ على ما ذهب إليه بعضُ المحقّقين مستأنفةٌ من كلامه تعالى، ولا تُنافي
قولَه تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِمُهُمُ﴾ [البقرة: ١٧٤] لأنَّ المراد نفيُ تكليمهم بما ينفعهم، أو
لأنَّه كنايةٌ عن الغضب.
وقيل: معطوفةٌ على قول الملائكةِ: ((أخرجوا ... )) إلخ، وهي من جملة
كلامِهم. وفيه بُعدٌ وإن ظنَّ الإِمام(٢) أَولى وأَقوى.
ونصب ((فرادى)) على الحالِ من ضميرِ الفاعل، وهو جمعُ فرد على خلاف
القياس، كأنه جَمعُ فَردان كسكران، على ما في ((الصِّحاح))(٣) والألفُ للتأنيث، كـ :
كُسالى، والراء في فَردِه مفتوحةٌ عند صاحب ((الدُّرِّ المصون)) وحكى بصيغة
التمريضٍ سكونَها (٤)، ونقل عن الراغب أنَّه جمعُ فريد، كأَسير وأُسارَى(٥).
وفي ((القاموس)): يقال: جاؤوا قُراداً وفِراداً وفُرادى وفُرادَ وفَرادَ وفَرْدَى
كسَكرَى، أي: واحداً بعد واحد، والواحدُ: فَرَد وفَرِد وفَريد وفَرْدان، ولا يجوز
فَرْد في هذا المعنى(٦). ولعل هذا بعيدُ الإِرادة في الآية.
وقُرئ: ((فُرادً) ك: رُخال المضموم الراءِ(٧). و((فُرادَ» كـ: أُحادَ ورباعَ في
كونه صفةً معدولة. ولا يَرِد أن مجيءَ هذا الوزنِ المعدولِ مخصوصٌ بالعدد، بل
ببعض كلماتِهِ؛ كما نصَّ عليه الفرَّاءُ وغيرُه من عدم الاختصاص، نعم هو شائعٌ فيما
ذكر. و: ((فَردَى)) ك : سكرى، تأنيث فَردان(٨)، والتأنيثُ لجمع ذي الحال.
(١) في تفسيره ٩/ ٤١٧، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٠.
(٢) في تفسيره ٨٧/١٣.
(٣) مادة (فرد).
(٤) وحكى أيضاً بصيغة التمريض فتحها. الدر المصون ٥/ ٤٤.
(٥) المفردات (فرد).
(٦) القاموس (فرد).
(٧) هو جمع رِخل: وهو الأنثى من أولاد الضأن. القاموس (رخل).
(٨) انظر هذه القراءات في الكشاف ٣٦/٢، والبحر ١٨٢/٤.

سُورَةُ الأَنْعَل
٣١٢
الآية : ٩٤
﴿كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةِ﴾ بدلٌ من ((فرادى)) بدلَ كلٍّ؛ لأنَّ المراد المشابهةُ في
الانفراد المذكور، والكافُ اسم بمعنى مِثل، أي: مثلَ الهيئةِ التي ولدتم عليها في
الانفراد.
ويجوز أن يكونَ حالاً ثانيةً على رأي مَن يجوِّز تعدُّدَ الحالِ من غير عطف،
وهو الصحيحُ، أو حالاً من الضمير في ((فرادى)) فهي حالٌ مترادفةٌ أو متداخلة،
والتشبيهُ أيضاً في الانفراد. ويحتمل أن يكونَ باعتبار ابتداءِ الخلقة، أي: مشبهين
ابتداءَ خلقكم، بمعنى: شبيهةً حالُكم حالَ ابتداءِ خلفكم حفاةً عراةً غُرْلاً بُهْماً.
وجوِّز أن يكونَ صفةً مصدر ((جئتمونا))، أي: مجيئاً كخَلْقِنا لكم.
أَخرج ابنُ أبي حاتم والحاكمُ وصحَّحه عن عائشةَ ﴿ّا أنَّها قرأت هذه الآيةَ
فقالت: يا رسولَ الله! واسَوأتاه، إنَّ النساءَ والرجال سيُحشرون جميعاً، ينظر
بعضُهم إلى سوأة بعض، فقال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((لكلِّ امرئٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يُغنيه،
لا ينظرُ الرجالُ إلى النساء ولا النساءُ إلى الرجال، شُغِل بعضُهم عن بعض» (١).
﴿وَقَكْتُمُ مَّا خَوَّلْنَكُمْ﴾ أي: ما أعطيناكم في الدنيا من المالِ والخدم، وهو
متضمِّن للتوبيخ، أي: فشُغلتم به عن الآخرة ﴿وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ﴾ ما قدَّمتم منه شيئاً
لأنفسكم. أخرج عبد بن حُمَيد وابنُ أبي حاتم (٢) عن الحسن قال: يؤتَى بابن آدمَ
يومَ القيامة كأنه بَذَج (٣)، فيقول له تبارك وتعالى: أين ما جمعتَ؟ فيقول: يا ربِّ،
جمعتُه وتركته أوفرَ ما كان، فيقول: فأين ما قدَّمت لنفسك؟ فلا يراه قدَّم شيئاً،
وتلا هذه الآيةَ.
والجملةُ، قيل: مستأنفة، أو حالٌ بتقدير ((قد)).
﴿وَمَا نَرَى﴾ أي: نُبصر. وهو - على ما نصَّ عليه أبو البقاء(٤) - حكايةُ حال،
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١٣٤٩/٤، والمستدرك ٥٦٥/٤، قال الذهبي في التلخيص: فيه
انقطاع. اهـ. وأصل الحديث عند البخاري (٦٥٢٧) ومسلم (٢٨٥٩) دون ذكر الآية.
(٢) في تفسيره ١٣٤٩/٤.
(٣) البذج: ولد الضأن. النهاية (بذج).
(٤) في الإملاء ٦٠١/٢ - ٦٠٢.

الآية : ٩٤
٣١٣
سُؤَدَةُ الْأَنْعَم
وبه يتعلَّق قولُه تعالى: ﴿مَعَكُمْ﴾ وليس حالاً من مفعول ((نرى)) أعني قولَه سبحانه:
﴿شُفَعَلَكُمُ﴾ ولا مفعولاً ثانياً والرؤية علمية (١).
وإضافةُ الشفعاءِ إلى ضمير المخاطَبين باعتبار الزَّعم، كما يُفصح عنه وصفُهم
بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿الَِّيْنَ زَعَمْتُم﴾ في الدنيا ﴿َهُمْ فِيَكُمْ شُرَّكَتُؤْ﴾ أي: شركاءُ لله تعالى
في ربوبيَّتكم واستحقاقٍ عبادتكم.
والزعم هنا نصٌّ في الباطل، وجاء استعمالُه في الحقِّ كما تقدَّمت الإِشارةُ
إلیه، ومن ذلك قولُه:
تقول هلكنا إن هلكتَ وإنَّما على الله أرزاقُ العبادِ كما زعمْ(٢)
﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بنصب ((بين)) وهي قراءةُ نافع(٣) والكسائيِّ وحفصٍ عن
عاصم. واختلف في تخريج ذلك، فقيل: الكلامُ على إِضمار الفاعل لدلالة ما قبلَه
عليه، أي: تقطّع الأمرُ أو الوصلُ بينكم.
وقيل: إنَّ الفاعل ضميرُ المصدر.
وتعقّبه أبو حيان(٤) بأنه غيرُ صحيح؛ لأن شرط إِفادةِ الإِسناد مفقودةٌ فيه، وهو
تغايرُ الحكم والمحكوم عليه؛ ولذلك لا يجوز: قام، ولا: جلس، وأنت تريد:
قام هو، أي: القيام، وجلس هو، أي: الجلوس.
ورُدَّ بأنه سُمع: بدا بَداءٌ، وقد قدَّروا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوَأْ
اَلَيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥]: بدا البداءُ.
وقال السفاقسيُّ: إنَّ مَن جعل الفاعلَ ضميرَ المصدر قال: المراد: وقع
التقطّع، والتغاير حاصلٌ بهذا الاعتبار. ولو سلِّم فالتقطُّع المعتبرُ مرجعاً معرَّف بلام
الجنس، و((تقطع)) منكَّر، فكيف يقال: انَّحد الحكمُ والمحكومُ عليه؟
(١) إذ يصير المعنى: وما نعلم شفعاءكم معكم، وليس المعنى عليه. ينظر الدر المصون ٤٧/٥ .
(٢) نسبه ابن منظور في اللسان (زعم) والبغدادي في الخزانة ١٣١/٩ لعمرو بن شأس، ونسبه
المرزباني في معجمه ص ٣٠٧ لمضرس بن ربعي.
(٣) في الأصل و(م): عاصم. ولعله سبق قلم. انظر التيسير ص ١٠٥، والنشر ٢٦٠/٢.
(٤) في البحر ٤/ ١٨٣.

سُورَةُ الأَنْعَل
٣١٤
الآية : ٩٤
ولا يخفى أنَّ القولَ بالتأويل متعيِّن على هذا التقدير؛ لأنَّه إذا تقطّع التقطُّع
حصل الوصل، وهو ضدُّ المقصود.
وقيل: إنَّ ((بين)) هو الفاعلُ، وبقي على حاله منصوباً حملاً له على أغلبٍ
أحواله. وهو مذهبُ الأَخفش.
وقيل: إنه بُني لإِضافته إلى مبنيٌّ. وقيل غيرُ ذلك.
واختار أبو حيَّان أنَّ الكلام من باب التنازع، سلَّط على ((ما كنتم تزعمون)»:
(تقطّعَ)) و((ضلَّ عنكم))، فأُعمل الثاني وهو ((ضل)) وأُضمر في ((تقطّع)) ضميرُه.
والمرادُ بذلك الأصنامُ. والمعنى: لقد تقطّع بينكم ما كنتم تزعمون وضُّوا
عنكم، كما قال تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] أي: لم يبقَ اتصالٌ
بينكم وبين ما كنتم تزعمون أنَّهم شركاءُ فعبدتموهم.
وقرأَ باقي السبعة: ((بينُكم)) بالرفع على الفاعليّة، وهو من الأَضداد، كالقرء،
يُستعمل في الوصل والفصل، والمرادُ به هنا الوصلُ، أي: تقطّع وصلُكم وتفرَّق
جمعُکم.
وطعن ابنُ عطية (١) في هذا بأنَّه لم يُسمع من العرب أنَّ البينَ بمعنى الوصل،
وإنَّما انتُزع من هذه الآية.
وأُجيب بأنه معنَى مجازيٌّ ولا يتوقَّف على السَّماع؛ لأنَّ ((بين)) يُستعمل بين
الشَّيئين المتلابسَين، نحو: بيني وبينك رحمٌ وصداقة وشركة، فصار لذلك بمعنى
الوُصلة، على أنَّه لو قيل بأنَّه حقيقةٌ في ذلك لم يَبعد؛ فإنَّ أبا عَمرٍو وأبا عبيدةَ وابنَ
جِنِّي والزجَّاجَ وغيرَهم من أئمّة اللغة نقلوه(٢)، وكفى بهم سنداً فيه، فكونُه منتزعاً
من هذه الآيةِ غيرُ مسلَّم، وعليه فيكون مصدراً لا ظرفاً.
وقيل: إنَّ((بين)) هنا ظرف، لكنَّه أُسند إليه الفعلُ على سبيل الاتِّساع.
وقرأ عبدُ الله: ((لقد تقطَّعَ [ما] بينكم))(٣) و((ما)) فيه موصوفةٌ، أو موصولة.
(١) في المحرر الوجيز ٣٢٤/٢.
(٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٢٠٠، ومعاني القرآن للزجاج ٢٧٣/٢.
(٣) القراءات الشاذة ص٣٩، والبحر ١٨٣/٤، وما بين حاصرتين منهما.

الآية : ٩٥
٣١٥
سُورَةُ الأَنْعَم
﴿وَضَلَّ عَنَكُمْ﴾ ضاعَ وبطل ﴿مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
﴾ أنَّها شفعاؤكم، أو أنَّها
٩٤
شركاءُ لله تعالى فيكم، أو أنْ لا بعثَ ولا جزاء.
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنََّّ﴾ شروعٌ في تقرير بعضٍ أَفاعيله تعالى العجيبةِ الدالَّة
على كمال علمِه تعالى وقدرتِه، ولطيف صُنعه وحِكمته، إثرَ تقرير أدلَّة التوحيد.
وفي ذلك تنبيهٌ على أنَّ المقصود من جميع المباحثِ العقلية والنقلية، وكلِّ المطالبٍ
الحكمية، إنَّما هو معرفةُ اللهِ تعالى، بذاته وصفاتِه وأَفعاله سبحانه.
والفالق: الموجِدُ والمبدع، كما رُوي عن ابن عباسٍ رَّ والضخَّاكِ. والحبُّ
معلوم .
والنَّوى: جمع نَواةِ التمر، كما في ((القاموس))(١) وغيرِهِ، يؤنَّث ويذكَّر، ويجمع
على أَنواءٍ ونُوِيٌّ، بضمِّ النونِ وكسرها. وفسَّره الإِمام(٢) بالشيءِ الموجودِ في داخل
الثَّمرة - بالمثلَّة - أعمُّ من التمر - بالمثنَّاة - وغيرِهِ. والمشهور أنَّ النّوَّى إذا أُطلق
فالمرادُ منه ما في ((القاموس)) وإذا أُريد غيرُه قيِّد، فيقال: نوى الخوخِ ونوى
الإِجَّاص ونحو ذلك.
وأصلُ الفَلْقِ الشَّقُّ. وكأنَّ إِطلاق الفالقِ على الموجِد باعتبار أنَّ العقل يتصوَّر
من العدم ظلمةً متَّصلة لا انفراجَ فيها ولا انفلاقَ، فمتى أوجد الشيء، تخيَّل الذهنُ
أنه شقَّ ذلك العدمَ وفلقه وأَخرج ذلك المبدَعَ منه.
وعن الحسنِ وقتادةً والسُّدِّيِّ أنَّ المعنى: شاقُّ الحبةِ اليابسةِ ومخرجُ النبات منها،
وشاقُّ النواةِ ومخرجُ النخل والشجرِ منها. وعليه أكثرُ المفسِّرين، ولعله الأَوْلى.
وفي ذلك دلالةٌ على كمال القدرة؛ لما فيه من العجائب التي تصدح أَطيارُها
على أَفنان الحِكَم، وتطفح أنهارُها في رياض الكَرَم.
وعن مجاهدٍ وأبي مالكٍ أنَّ المراد بالفلق الشقُّ الذي بالحبوب وبالنَّوى، أي:
أنَّه سبحانه خالقُهما كذلك، كما في قولك: ضَيِّقْ فَمَ الرَّكِيَّةِ ووسِّع أسفلَها. وضُعِّف
بأنَّه لا دلالةً له على كمال القدرةِ كما في سابقه.
(١) مادة (نوي).
(٢) في التفسير الكبير ١٣/ ٩٠.

سُؤَدَّةُ الأَنْعَل
٣١٦
الآية : ٩٥
﴿يُرْجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ﴾ أي: يُخرج ما ينمو من الحَيَوان والنباتِ والشجر مِمَّا
لا ينمو من النُّطفة والحبِّ والنَّوى.
والجملة مستأنفةٌ مبيِّنة لما قبلَها على ما عليه الأكثرُ، ولذلك تُرك العطف.
وقيل: خبرٌ ثانٍ، ولم يعطف للإيذان باستقلاله في الدَّلالة على عظمة اللهِ تعالى.
﴿وَمُخْرِجُ الْمَيْتِ﴾ كالنُّطفة وأَخويها ﴿مِنَ الْحَيَّ﴾ كالحيوان وأخويه.
وهذا عند بعضٍ عطفٌ على ((فالق)) لا على ((يخرج الحي)) إلخ؛ لأنَّه - كما
علمتَ - بيانٌ لما قبله، وهذا لا يصلحُ للبيان وإن صحَّ عطفُ الاسمِ المشتقِّ على
الفعل وعکسُه.
واختار ابنُ المنير(١) كونَه معطوفاً على ((يخرج)) قال: وقد وردا جميعاً بصيغة
المضارعِ كثيراً، وهو دليلٌ على أنَّهما توأمان مقترنان، وهو يُبعِد القطع،
فالوجهُ - والله تعالى أعلم - أن يقالَ: كان الأصلُ أن يؤتَى بصيغة اسمِ الفاعلِ؛
أُسوةَ أمثالِه في الآية، إلَّا أنَّه عدل عن ذلك إلى المضارع في هذا الوصفِ وحده؛
إرادةً لتصوير إِخراج الحيِّ من الميت واستحضارِه في ذهن السامع، وذلك إنَّما
يتأتَّى بالمضارع دون اسم الفاعل والماضي، أَلم ترَ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَّلَ مِنَ
الشَّمَآءِ مَآءٍ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةٌ﴾ [الحج: ٦٣] كيف عدلَ فيه عن الماضي المطابق
لـ «أنزل)) لذلك، وقوله(٢):
بسَهبٍ كالصحيفة صَحصَحانٍ (٣)
بأني قد لقيتُ الغولَ يسعى
صريعاً لليدين وللجِرَانِ (٥)
فآخُذُه وأضربه(٤) فخرَّت
فإنَّه عدلَ فيه إلى المضارع إرادةً لتصوير شجاعتِه واستحضارِها لذهن السامع،
إلى ما لا يُحصَى كثرةً، وهو إنَّما يُنتحَى فيما تكون العنايةُ فيه أقوى، ولا شكَّ أنَّ
(١) في الانتصاف ٣٧/٢-٣٨.
(٢) هو تأبط شرًّا، والبيتان في ديوانه ص٢٢٤-٢٢٥ .
(٣) السهب: الفلاة، والأرض الصحصحان: المستوية الواسعة العارية من النبت.
(٤) رواية الديوان: فأضربها بلا دهش.
(٥) الجران: مقدم العنق.

الآية : ٩٥
٣١٧
سُورَةُ الأَنْدَعَل
إخراج الحيِّ من الميت أظهرُ في القدرة من عكسه، وهو أيضاً أوَّل الحالين،
والنظرُ أولُ ما يُبدأ فيه، ثم القسمُ الآخَر ثانٍ عنه، فكان الأوَّل جديراً بالتصوير(١)
والتأكيدِ في النَّفْس؛ ولذلك هو مقدَّم أبداً على القسم الآخَر في الذِّكر حسبَ
ترتُّبهما في الواقع، وسهَّل عطفَ الاسم على الفعل وحسَّنه أنَّ اسم الفاعلِ في معنى
المضارع، وكلٌّ منهما يقدَّر بالآخر، فلا جُناحَ في عطفه عليه.
وقال الإِمامُ(٢) في وجه ذلك الاختلاف: إنَّ لفظ الفعلِ يدلُّ على أنَّ الفاعل
معتنٍ بالفعل في كلِّ حينٍ وأَوان، وأما لفظُ الاسم، فإنَّه لا يفيد التجدُّد والاعتناءَ به
ساعةً فساعة، ويُرشد إلى هذا ما ذكره الشيخُ عبدُ القاهر في ((دلائل الإعجاز))(٣) من
أنَّ قوله سبحانه: ﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [فاطر: ٣] قد ذكر فيه
الرِّزق بلفظ الفعل؛ لأنَّه يفيد أنَّه تعالى يرزقهم حالاً فحالاً، وساعةً فساعة، وقولَه
عزَّ شأنه: ﴿وَكَلْبُهُم بَسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨] قد ذكر فيه الاسم ليفيد
البقاءَ على تلك الحالة، وإذا ثبت ذلك يقال: لما كان الحيُّ أشرفَ من الميِّت،
وجب أن يكونَ الاعتناءُ بإخراج الحيِّ من الميت أكثرَ من الاعتناء بإخراج الميِّتِ
من الحي، فلذا وقع التعبيرُ عن القِسم الأولِ بصيغة الفعل، وعن الثاني بصيغة
الاسم؛ تنبيهاً على أنَّ الاعتناءَ بإيجاد الحيّ من الميِّت أكثرُ وأكملُ من الاعتناء
بإيجاد الميّت من الحيّ. ثم العطفُ لاشتمال الكلام به على زيادةٍ لا يضرُّ بكون
الجملةِ بياناً لما تقدَّم، كما لا يضرُّ شمولُ الحيِّ والميتِ في الجملة المعطوفِ عليها
للحيوان والنباتِ فيه .
وأيًّا ما كان، فلا بدَّ من القول بعموم المجاز، أو الجمع بين المجازِ والحقيقةِ
على مذهب مَن يرى صحَّتَه إنْ قلنا: إن الحيَّ حقيقةٌ فيمن يكون موصوفاً بالحياة،
وهي صفةٌ توجب صحةَ الإِدراكِ والقدرة، والميتَ حقيقةٌ فيمن فارَقَتْه تلك الصفةُ،
أو نحو ذلك، وأنَّ إِطلاقه على نحو النباتِ والشجر الغضِّ والحبِّ والنوى مجازٌ.
وبهذا يُشعر كلامُ الإِمام، فإنَّه جعل ما نقل عن الزجَّاج أنَّ المعنى: يُخرج النبات
(١) في الانتصاف: بالتصدير.
(٢) في التفسير الكبير ١٣/ ٩٣.
(٣) ص١٧٣ فما بعد.

سُورَةُ الأَنْعَهم
٣١٨
الآية : ٩٦
الغضَّ الطريَّ من الحبِّ اليابس، ويُخرج الحبَّ اليابسَ من النبات الحيِّ النامي،
من الوجوه المجازيّة(١)، كالمرويِّ عن ابن عباسٍ فًِّا من أنَّ المعنى: يُخرج
المؤمنَ من الكافر والكافرَ من المؤمن.
﴿َلِكُمْ﴾ القادرُ العظيمُ الشأنِ الساطعُ البرهانِ هو ﴿الله﴾ الذَّاتُ الواجبُ
الوجود، المستحقُّ للعبادة وحده.
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾﴾ فكيف تُصرفون عن عبادته وتُشركون به مَن لا يقدر على
شيءٍ، لا سبيلَ إلى ذلك أصلاً .
وتمسَّك الصاحبُ بن عبَّاد بهذا على أنَّ فعل العبدِ ليس مخلوقاً لله تعالى؛ لأنَّه
سبحانه لو خلق فيه الإِفكَ، لم يَلِقْ به عزَّ شأنه أن يقول: ((فأنى تؤفكون)) وقد قدَّمنا
الجوابَ على ذلك على أتمٍّ وجه (٢)، فتذكَّر.
﴿فَالِقُ اَلْإِصْبَاحِ﴾ خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: هو فالقٌ، أو خبرٌ آخَر لـ ((إنَّ).
و((الإصباح)) بكسر الهمزةٍ مصدرٌ سمِّي به الصبحُ؛ قال امرؤ القيس(٣):
بصبحٍ وما الإِصباحُ منك بأمثلٍ
ألا أيُّها الليلُ الطويل ألا انجلي
وقرأ الحسنُ بالفتح(٤) على أنَّه جمع صُبح، كقُفل وأقفال. وأنشد قوله:
أفنَى رياحاً وبني رياح
تناسخُ الأَمساءِ والأصباحِ (٥)
بالكسر والفتح: مصدرین وجمعَي مُسْي وصُبح.
والفالق: الخالقُ، على ما روي عن ابن عباسٍ ﴿ّ وقتادةَ والضّحَّاك.
(١) تفسير الرازي ٩٢/١٣، وكلام الزجاج في معاني القرآن ٢٧٣/٢.
(٢) ينظر ما سلف ٣٩٤/١.
(٣) ديوانه ص١٨ .
(٤) القراءات الشاذة ص٣٩.
(٥) الرجز في التفسير الكبير ٩٨/١٣، ولسان العرب (صبح)، والبحر المحيط ١٨٥/٤، والدر
المصون ٥٩/٥، واللباب ٣٠٨/٨ دون نسبة.

الآية : ٩٦
٣١٩
سُؤَدَّةُ الأَنْتَعَل
وقال غيرُ واحد: الشاقُّ. واستُشكل بأنَّ الظاهر أنَّ الظلمة هي التي تُفلَقِ عن
الصبح. وأُجيب بأنَّ الصُّبح صبحان: صادق، وهو المنتشرُ ضوءهُ معترضاً بالأُفق.
وكاذبٌ، وهو ما يبدو مستطيلاً وأعلاه أضوأُ من باقيه، وتعقُبه ظلمة. وعلى الأوَّل
يراد فلقُه عن بياض النَّهار، أو يقال: في الكلام مضافٌ مقدَّر، أي: فالقُ ظلمةٍ
الإِصباح بالإِصباح؛ وذلك لأنَّ الأُفق من الجانب الغربيّ والجنوبيِّ مملوءٌ من
الظلمة، والنورُ إنَّما ظهر في الجانب الشرقيِّ، فكأنَّ الأفق كان بحراً مملوءاً من
الظلمة، فشقَّ سبحانه ذلك البحرَ المظلِمِ بأن أَجرى جدولاً من النُّور فيه. وعلى
الثاني يراد أنه سبحانه فالقُّه عن ظلمةٍ آخِرِ الليلِ وشاقُّه منه.
وما ذُكر من تقسيم الصبح إلى صادقٍ وكاذب مِمَّا يشهد له العِيان، ولا يمتري
فيه اثنان، إلَّا أنَّ في سبب ذَلَك كلاماً لأهل الهيئة، حاصلُه: أن الصبحَ - وكذا
الشفقُ - استنارةٌ في كرة البخار؛ لتقارُب الشمسِ من أُفق المشرق وتباعدها عن أُفق
المغرب. وقد تحقَّق أن كرةً البخارِ عبارةٌ عن هواءٍ متكاثفٍ بما فيه من الأجزاءِ
الأرضيةِ والمائية المتصاعدةِ من كرتيهما بتسخين الشمسِ وغيرِها إيّاها. وأنَّ شكلَ
ذلك الهواءِ شكلُ كرةٍ محيطةٍ بالأرض على مركزها، وسطحِ مُوازٍ لسطحها؛
التساوي غاية ارتفاعِها عن مركز الأَرضِ في جميع النَّواحي المستلزم لكرويَّتها .
وأنها مختلفةُ القَوام؛ لأنَّ ما كان منها أقربَ إلى الأرض، فهو أكثفُ مَمَا بَعُد؛ لأنَّ
الأَلطفَ يتصاعد ويتباعد أكثرَ من الأَكثف، ولكن لا يبلغ في التكاثُف إلى حيث
يحجب ما وراءه.
وأنَّ هذه الكرةَ تنتهي إلى حدٍّ لا تتجاوزه، وهو من سطح الأرضِ أحدٌ
وخمسون ميلاً تقريباً، وأنَّ للأرض ظلًّا على هيئةٍ مخروط، قاعدتُه دائرةٌ عليها تكاد
تكون عظيمةٌ، وهي مواجهةٌ للشمس، ورأسُه في مقابلها .
وتنقسم الأرضُ بهذه القاعدةِ إلى قسمين: أحدُهما أكبرُ مستضيءٌ مواجهٌ
للشمس، والآخَر مظلمٌ مقابل لها. ويتحرَّك الضياءُ والظّلمة على سطح الأرضِ في
يومٍ بليلته دورةً واحدة، كعَلَمين متقابلين أحدُهما أبيضُ والآخَرُ أسود. وأنَّ شعاع
الشّمسِ محيطٌ بمخروط الظلِّ من جميع جوانبه، ومنبتٌّ في جميع الأفلاك، سوى
مقدارٍ يسيرٍ من فلك القمرِ وفلك عطارد وقعَ في مخروط ظلِّ الأرض، لكنَّ الأفلاكَ

سُورَةُ الأَنْعَل
٣٢٠
الآية : ٩٦
لكونها مشغَّةً في الغاية، ينفذ فيها الشعاعُ ولا ينعكس عنها؛ فلذلك لا نراها
مضيئةً. وكذا الهواءُ الصافي المحيطُ بكرة البخارِ لا يقبل ضوءاً.
وأمَّا كرة البخارِ فهي مختلفةُ القوام؛ لأنَّ ما قَرُبَ منها إلى الأرض أَكثفُ مما
بعد، والأَكثفُ أَقبلُ للاستضاءة، فالكثيفُ الخَشِن باختلاط الهيئاتِ الكثيرةِ من
سطح مخروطِ الظلِّ قابلٌ للضوء. وأنَّ النهار مدَّةُ كونِ ذلك المخروطِ تحت الأُفق،
والليلَ مدَّةُ کونِه فوقه .
وحيث تحقَّق كلُّ ذلك يقال: إذا ازداد قربُ الشمسِ من شرقيِّ الأُفق، ازداد
مَيلُ المخروطِ إلى غربيِّه، ولا يزال كذلك حتى يُرَى الشعاعُ المحيطُ به، وأوَّل
ما يرى هو الأقرب إلى موضع النَّاظر، وهو خطّ يخرج من بصره في سطحِ دائرةٍ
سمتَيَّة تمرُّ بمركز الشمسِ عموداً على الخطّ المماسِّ للشمس والأرض، وهو الذي
في سطح الفصلِ المشترَك بين الشعاعِ والظُّلِّ، فيُرى الضوءُ أولاً مرتفعاً عن الأُفق
عند موقع العمودِ مستطيلاً كخطّ مستقيم، وما بينه وبين الأُفقِ يرى مظلماً لبعده،
وإنْ كان مستنيراً في الواقع. ولكثافة الهواءِ عند الأُفق مدخلٌ في ذلك أيضاً، وهو
الصبحُ الكاذب، ثم إذا قربت من الأفق الشرقيّ، رؤي الضوءُ معترضاً منبسطاً يزداد
لحظةً فلحظة، وينمحي الأوَّل بهذا الضياءِ القويِّ كما ينمحي ضياءُ المشاعلِ
والكواكب في ضوء الشمس، فيخيَّل أنَّ الأوَّل قد عدم، وهو الصبحُ الصادق.
وتوضيحُ ما ذكر على ما في ((التذكرة)) وشرح سيِّد المحقّقين(١) أنَّه يُتوهّم لبيان
ذلك سطحٌ يمرُّ بمركز الشمس والأرض وبسهم المخروطِ ومركزٍ قاعدته، فَيَحدث
مثلَّث حادّ الزوايا، قاعدتُه على الأفق، وضِلعاه على سطح المخروط. أمَّا حدوثُ
المثلّث فلِمَا تقرَّر أنَّه إذا مرَّ سطحٌ مستوٍ بسهم المخروطِ ومركزٍ قاعدته أَحدث فيه
مثلثاً. وأما حِدَّة الزوايا فلأنَّ رأس المخروطِ في نصف الليلِ يكون على دائرةٍ نصفٍ
النهار فوق الأرض. وحينئذٍ إمَّا أن يكونَ المخروطُ قائماً على سطح الأُفق، وذلك
إذا كانت الشمسُ على سَمت القدم، أو مائلاً إلى الشَّمال أو الجَنوبِ مع تساوي
بُعدِه عن جهة المشرقِ والمغرب. وذلك إذا لم تكن الشمسُ على سَمت القدم.
(١) التذكرة لنصير الدين الطوسي المتوفّى سنة ٦٧٢ هـ، وشرحه للشريف الجرجاني. كشف
الظنون ١/ ٣٩١.