النص المفهرس

صفحات 261-280

الآية : ٧٦
٢٦١
سُورَةُ الأَنْعُ
وزَعْمُ أنه عليه السلام قال ما قال إذ لم يكن عارفاً بربِّه سبحانه، والجهلُ حالَ
الطفوليةِ قبلَ قيامِ الحَجَّة لا يَضرُّ ولا يُعدُّ ذلك كفراً، مما لا يُلتفت إليه أصلاً، فقد
قال المحقِّقون المحقُّون: إنَّه لا يجوز أن يكونَ لله تعالى رسولٌ يأتي عليه وقتٌ من
الأوقات إلَّا وهو لله تعالى موحّد، وبه عارفٌ، ومن كلِّ معبودٍ سواه بريء، وقد
قصَّ اللهُ تعالى من حال إِبراهيم عليه السلام - خصوصاً في صغره - ما لا يُتُوهَّم معه
شائبةٌ مِمَّا يناقض ذلك، فالوجهُ الأوَّلُ لا غير.
ولعل سلوكَ تلك الطريقةِ في بيان استحالةِ رُبوبية الكواكب دون بيانِ استحالةٍ
إلهيَّة الأصنام - كما قيل - لِمَا أنَّ هذا أخفَى بطلاناً واستحالةً من الأول، فلو صدع
بالحقِّ من أوَّل الأمر كما فعله في حقِّ عبادة الأصنام، لَتمادَوا في المكابرة والعناد،
ولُجُوا في طغيانهم يعمهون، وكأنَّ تقديم بطلان إلهيةِ الأصنام على ما ذكر من باب
الترقِّي من الخفيّ إلى الأَخفى.
وقيل: إنَّ القوم كانوا يعبدون الكواكب، فاتَّخذوا لكلِّ كوكبٍ صنماً من
المعادن المنسوبة إليه، كالذَّهب للشمس والفضةِ للقمر، ليتقرَّبوا إليها، فكان الصنمُ
كالقِبلة لهم، فأنكر أوَّلاً عبادتهم للأصنام بحسب الظاهر، ثم أَبطل منشآتِها وما
نُسبت إليه من الكواكب بعدم استحقاقِها لذلك أيضاً. ولعلَّهم كانوا يعتقدون تأثيرَها
استقلالاً دون تأثير الأصنام؛ ولهذا تعرَّض لبطلان الإِلهية في الأصنام والربوبيةِ
فيها .
وقرأ أبو عَمرٍو وورشٌ من طريق البخاريٌّ(١): ((رَئى)) بفتح الراءِ وكسر الهمزةِ
حيث كان. وقرأ ابنُ عامر وحمزةُ والكسائيُّ وخلفٌ ويحيى عن أبي بكر: ((رئِّى))
بكسر الراءِ والهمزة(٢).
﴿فَلَمَّ أَفَلَ﴾ أي: غرب ﴿قَالَ لَآّ أُحِبُّ الْأَفِلِينَ ﴾﴾ أي: الأربابَ المنتقلين
من مكانٍ إلى مكان، المتغيِّرين من حالٍ إلى حال.
(١) هو محمد بن إسحاق أبو عبد الله البخاري، مقرئ مشهور، روى القراءة عرضاً عن
أبي المنذر عن أصحاب ورش، وعن غيره. طبقات القراء لابن الجزري ٩٩/٢ - ١٠٠ .
(٢) انظر التيسير ص ١٠٣-١٠٤، والنشر ٣٥/١ فما بعد.

سُؤَةُ الأَنْعَل
٢٦٢
الآية : ٧٧
ونفيُ المحبة، قيل: إشارةٌ إلى نفي اعتقاد الرُّبوبية. وقيل: كنى بعدم المحبَّة
عن عدم العبادة؛ لأنه يلزم من نفيها نفيُّها بالطريق الأَوْلى. وقدَّر بعضهم في الكلام
مضافاً،َ أي: لا أحبُّ عبادةَ الآفلين. وأيًّا ما كان فمبتدأُ الاشتقاق علَّةٌ للحكم؛
لأن الأُفول انتقالٌ واحتجاب، وكلٌّ منهما ينافي استحقاقَ الرُّبوبية والألوهيةِ التي
هي من مقتضيات الرُّبوبية؛ لاقتضاء ذلك الحدوثَ والإِمكانَ المستحيلَين على الربِّ
المعبودِ القديم.
﴿فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ أي: مبتدئاً في الطلوع منتشرَ الضوء، ولعله - كما قال
الأزهريُّ(١) - مأخوذٌ من البَزغ، وهو الشَّقُّ، كأنه بنوره يشقُّ الظلمة شقًّا. ويقال:
بزغ النابُ، إذا ظهر، وبزغ البيطارُ الدابةَ، إذا أَسال دَمها، ويقال: بزغ الدمُ، أي:
سال. وعلى هذا فيمكن أن يكونَ بزوغُ القمر مشبَّهاً بما ذكر، وكلامُ الراغب(٢)
صريحٌ فيه. وظاهرُ الآية أنَّ هذه الرؤيةَ بعد غروبِ الكوكب.
وقولُه سبحانه: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّ﴾ جوابُ ((لَمَّا)) وهو على طرز الكلامِ السابق
﴿فَلَمَّآ أَقَلَ﴾ كما أَفل الكوكبُ ﴿قَالَ لَيِن لَّمْ يَهْدِنِ رَبِ﴾ إلى جنابه الحقِّ الذي لا محيدَ
فإنَّ شيئاً مما رأيته لا يصلح للرُّبوبية. وهذا
عنه ﴿لَأَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِينَ (َ﴾
مبالغةٌ منه عليه السلام في النَّصَفة، وفيه - كما قال الزمخشريُّ(٣) - تنبيهٌ لقومه على
أنَّ من اتخذ القمرَ إلهاً، وهو نظيرُ الكواكبِ في الأُفول، فهو ضالٌ.
والتعريضُ بضلالهم هنا - كما قال ابنُ المنير(٤) - أصرحُ وأَقوى من قوله أوَّلاً :
(لا أحب الآفلين)) وإنما ترقَّى عليه السلام إلى ذلك؛ لأنَّ الخصوم قد قامت عليهم
بالاستدلال الأوَّلِ حُجَّةٌ، فأَنِسوا بالقَدح في معتقدهم، ولو قيل هذا في الأوَّل،
فلعلَّهم كانوا يَنفِرون ولا يُصغون إلى الاستدلال، فما عَرَضَ لهم عليه السلام بأنَّهم
على ضلالة إلَّا بعد أن وَثِقِ بِإِصغائهم إلى تمام المقصودِ، واستماعِهم له إلى آخره.
والدليلُ على ذلك أنَّهُ وَّهِ ترقّى في النَّوبة الثالثةِ إلى التصريح بالبراءة منهم
(١) في تهذيب اللغة ٨/ ٥٤ .
(٢) في المفردات (بزغ).
(٣) في الكشاف ٣١/٢.
(٤) في الانتصاف ٣٠/٢-٣١.

الآية : ٧٨
٢٦٣
سُورَةُ الأَنْعَل
والتصريحِ بأنَّهم على شركٍ حين تمَّ قيامُ الحجةِ عليهم، وتبلَّج الحقُّ وبلغ من
الظهور غايته .
وفي هذه الجملةِ دليلٌ من غير وجهٍ على أنَّ استدلاله عليه السلام ليس لنفسه،
بل كان محاجَّةً لقومه، وكذا ما سيأتي. وحَملُ هذا على أنَّه عليه الصلاة والسلام
استعجز نفسَه فاستعان بربِّه عزَّ وجلَّ في درك الحقِّ وما سيأتي على أنَّه إشارةٌ إلى
حصول اليقينِ من الدليل، خلافُ الظاهر جدًّا، على أنَّه قيل: إنَّ حصول اليقينِ من
الدليل لا ينافي المحاجَّةَ مع القوم.
ثم الظاهرُ - على ما قال شيخُ الإِسلام(١) - أنَّه عليه السلام كان إذ ذاك في
موضعٍ كان في جانبه الغربيِّ جبلٌ شامخ يستتر به الكوكبُ والقمر وقتَ الظهر
مِن النهار أو بعده بقليل، وكان الكوكبُ قريباً منه، وأُفقه الشرقيُّ مكشوف
أوَّلاً، وإلَّا فطلوعُ القمر بعد أُقولِ الكوكب، ثم أقولُه قبل طلوع الشمس - كما
يُنبِئُ عنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِعَةٌ﴾ أي: مبتدئة في الطلوع - مِمَّا
لا یکادُ يُتصوَّر.
وقالَ آخَر: إنَّ القمرَ لم يكن حين رآه في ابتداءِ الطلوع، بل كان وراءَ جبلٍ ثم
طلع منه، أو في جانب آخَرَ لا يراه، وإلا فلا احتمالَ لأن يطلعَ القمرُ من مطلعه
بعد أُقولِ الكوكب ثم يغربَ قبل طلوعِ الشمس. انتهى.
وأنت تعلم أنَّ القولَ بوجود جبلٍ في المغرب أو المشرقِ خلافُ الظاهر،
لاسيّما على قول شيخ الإِسلام؛ لأنَّ هذا الاحتجاجَ كان في نواحي بابل على
ما يُشير إليه كلامُ المؤرِّخين وأهلِ الأَثر، وليس هناك اليومَ جبلٌ مرتفعٌ بحيث يستتر
به الكوكبُ وقتَ الظهرِ من النهار أو بعده بقليل، واحتمالُ كونِه كان إذ ذاك ولم يبقَ
بتتالي الأعوام بعيدٌ. وكذا يُقال على القول المشهورِ عند الناسِ اليوم: إنَّ واقعة
إبراهيمَ عليه السلام كانت قريباً من حلب؛ لأنه أيضاً ليس هناك جبلٌ شامخ كما
يقوله الشيخُ، على أنَّ المتبادر من البزوغ والأُقولِ البزوغُ من الأُفق الحقيقيّ لذلك
الموضعِ والأفولُ عنه، لا مطلقُ البزوغِ والأُفولِ.
(١) في إرشاد العقل السليم ١٥٣/٣.

سُورَةُ الأَنْعَل
٢٦٤
الآية : ٧٨
وقال الشِّهاب(١): إنَّ الذي أَلجأهم إلى ما ذُكر التعقيبُ بالفاء، ويمكن أن
يكونَ تعقيباً عرفيًّا، مثل: تزوَّج فوُلد له، إشارةً إلى أنَّه لم تمضٍ أيامٌ وليالٍ بين
ذلك، سواءٌ كان استدلالاً أو وضعاً واستدراجاً، لا أنَّه مخصوصٌ بالثاني كما
تُوهِّم، على أنَّا لا نسلِّم ما ذكر إذا كان كوكباً مخصوصاً، وإنَّما يَرِدُ لو أُريد جملةٌ
الكواكب أو واحدٌ لا على التعيين، فتأمَّل. انتهى.
ولا يخفى أنَّ القول بالتعقيب العرفيّ، والتزامَ أنَّ هذا الاستدلالَ لم يكن في
ليلة واحدةٍ وصبيحتها هو الذي يميل إليه القلبُ، ودعوى إِمكان طلوعِ القمر بعد
أُفول الكوكبِ حقيقةً وقبل طلوع الشمس، وأُفولِه قبل طلوعها، لا يدَّعيها عارفٌ
بالهيئة في هذه الآفاقِ التي نحن فيها؛ لأنَّ امتناع ذلك عادةً - ولو أُريد كوكبٌ
مخصوص - أمرٌ ظاهر، لاسيَّما على ما جاء عن ابن عباسٍ عَّ، من أنَّ رؤية القمرِ
كانت في آخر الشهر. نعم قد يمكن ذلك في بعض البروج في عروض مخصوصة،
لكن بيننا وبينها مهامِهُ فيحٌ(٢)، ولعله لذلك أَمر بالتأمُّل، فتأمل.
﴿قَالَ﴾ أي: على المِنوال السابقِ: ﴿هَذَا رَبِ﴾ إشارةً إلى الجِرم المشاهَد من
حيث هو، لا من حيث هو مسمَّى باسم من الأسامي، فضلاً عن حيثيَّة تسميته
بالشمس؛ ولذا ذكَّر اسمَ الإِشارة.
وقال أبو حيان(٣): يمكن أن يقال: إنَّ أكثر لغةِ العجم لا تفرِّق في الضمائر
ولا في الإِشارة بين المذكَّر والمؤنَّث، ولا علامةَ عندهم للتأنيث، بل المؤنَّث
والمذكَّر عندهم سواء، فأُشير في الآية إلى المؤنَّث بما يُشار به إلى المذكَّر حين
حكي كلامُ إِبراهيمَ عليه السلام، وحين أَخبر سبحانه عن المؤنَّث بـ ((بازغة))
و((أفلت)) أنَّث على مقتضَى العربية؛ إذ ليس ذلك بحكاية.
وتُعقّب بأنَّ هذا إنَّما يظهر لو حُكي كلامُهم بعينه في لغتهم، أمّا إذا عبِّر عنه
بلغة العرب، فالمعتبرُ حكم لغةٍ العرب، وقد صرَّح غيرُ واحد بأنَّ العِبرة في
(١) في حاشيته ٤/ ٨٧.
(٢) المهامه: جمع المهمه، وهي الفلاة، والفيح: الواسعة. اللسان (مهه) و(فيح).
(٣) في البحر المحيط ٤/ ١٦٧ .

الآية : ٧٨
٢٦٥
سُؤَدَّةُ الأَنْتَعَم
التذكير والتأنيثِ بالحكاية لا المحكيّ، ألا ترى أنَّه لو قال أحدٌ: الكوكب
النهاريُّ طلع، فحكيتَه بمعناه وقلتَ: الشمسُ طلعت، لم يكن لك تركُ التأنيثِ
بغير تأويلٍ لِمَا وقع في عبارته، وإذا تتبّعت ما وقع في النَّظم الكريم، رأيتَه إنَّما
يراعَى فيه الحكاية، على أنَّ القول بأنَّ محاورة إبراهيم عليه السلام كانت
بالعجمية دونَ العربية مبنيٌّ على أنَّ إسماعيل عليه السلام أوَّلُ من تكلّم بالعربية،
والصحيحُ خلافه(١) .
وقيل: التذكيرُ لتذكير الخبر، وقد صرَّحوا في الضمير - واسمُ الإشارةِ مثلُه - أنَّ
رعاية الخبرِ فيه أَوْلى من رعاية المرجع؛ لأنَّه مناط الفائدةِ في الكلام، وما مضَى
فات.
وفي ((الكشّاف))(٢) بعد جعلِ التذكيرِ لتذكير الخبر: وكان اختيارُ هذه الطريقةِ
واجباً لصيانة الربِّ عن شبهة التأنيث، أَلا تراهم قالوا في صفة الله تعالى: علَّام،
ولم يقولوا: علَّامة، وإن كان العلّامة أبلغَ؛ احترازاً من علامة التأنيث.
واعتُرض عليه بأنَّ هذا في الربِّ الحقيقي مسلَّم، وما هنا ليس كذلك.
وأُجيب بأنَّ ذلك على تقدير أن يكونَ مسترشِداً ظاهر، والمرادُ على المسلك
الآخَر إظهارُ صونِ الربِّ؛ ليستدرجَهم، إذ لو حَقَرَ بوجهٍ ما كان سبباً لعدم
إِصغائهم.
وقوله تعالى: ﴿هَذَآ أَكْبَرٌ﴾ تأكيدٌ لما رامه عليه الصلاة والسلام من إِظهار
النَّصَفة، مع إِشارة خفيةٍ - كما قيل - إلى فساد دينِهم من جهةٍ أخرى ببيان أنَّ الأكبر
أحقُّ بالرُّبوبية من الأصغر، وكونُ الشمسِ أكبرَ مِمَّا قبلها مما لا خفاءَ فيه، والآثارُ
في مقدار جِرمها مختلفة، والذي عليه محقِّقو أهلِ الهيئة أنَّها مئة وستة وستون مِثلاً
ورُبع وثُمنُ مثل الأرض، وستةُ آلافٍ وستُّ مئةٍ وأربعةٌ وأربعون مِثلاً وثُلثا مثلٍ
للقمر، وذكروا أنَّ الأرضَ تسعةٌ وثلاثون مثلاً وخُمس وعُشرُ مثلٍ للقمر. وتحقيقُ
ذلك في ((شرح مختصرِ الهيئة)) للبرجندي.
(١) ينظر تفصيل هذه المسألة عند تفسير الآية الثانية من سورة يوسف.
(٢) ٣٢/٢.

سُورَةُ الأَنْعَم
٢٦٦
الآية : ٧٨
﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ كما أَفل ما قبلَها ﴿قَالَ﴾ لقومه صادحاً بالحقِّ بين ظهرانيهم:
﴾ أي: من إشراككم، أو من الذي تُشركونه من
٧٨
﴿يَقَوْمِ إِى بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ
الأَجرام المحدَثة المتغيِّرة من حالٍ إلى أخرى المسخَّرة لمحدِثها .
وإنما احتجَّ عليه السلام بالأُفول دون البزوغ، مع أنَّه أيضاً انتقال، قيل: لتعدُّد
دلالته؛ لأنه انتقالٌ مع احتجاب، والأوَّل حركة، وهي حادثة، فيلزم حدوثُ
محلّها، والثاني اختفاءٌ يستتبع إمكانَ موصوفِه، ولا كذلك البزوغُ؛ لأنَّه وإن كان
انتقالاً مع البروز، لكن ليس للثاني مدخلٌ في الاستدلال.
واعتُرض بأن البزوغَ أيضاً انتقالٌ مع احتجاب، إلّا أنَّ الاحتجابَ في الأوَّل
لاحِقٌّ وفي الثاني سابق، وكونُه عليه السلام رأى الكوكبَ الذي يعبدونه في وسط
السماءِ - كما قيل - ولم يشاهد بزوغه، فإنَّما يصير نكتةً في الكوكب دونَ القمرِ
والشمس، إلَّا أن يقالَ بترجّح الأُفول بعمومه بخلاف البزوغ.
والأَوْلى ما قيل: إنَّ ترتيب هذا الحكم ونظيرَيه على الأُفول دونَ البزوغ
والظهورٍ من ضروريات سوقِ الاحتجاج على هذا المساق الحكيم؛ فإنَّ كلَّ منهما
وإنْ كان في نفسه انتقالاً منافياً لاستحقاق معروضِه للرُّبوبية قطعاً، لكن لَمَّا كان
الأوَّل حالةً موجبةً لظهور الآثارِ والأَحكام، ملائمةً لتوهُّم الاستحقاقِ في الجملة،
رتَّب عليه الحكمَ الأوَّل، أعني: ((هذا ربي)) على الطريقة المذكورة، وحيث كان
الثاني حالةً مقتضيةً لانطماس الآثارِ وبطلانِ الأَحكام المنافيين للاستحقاق المذكورِ
منافاةً بيِّنة يكاد يعترف بها كلُّ مكابرٍ عنيد، رتَّب عليها ما رتَّب. انتهى.
وبمعنى هذا ما قاله الإِمامُ(١) في وجه الاستدلالِ بالأُفول من أنَّ دلالته على
المقصود ظاهرةٌ يعرفها كلُّ أحد، فإنَّ الآفل يزول سلطانُه وقتَ الأُفول، ونَقلَ عن
بعض المحقّقين أنَّ الهوي في حضيض الإِمكان أفولٌ، وأحسنُ الكلام ما يحصل
فيه حصّةُ الخواصِّ وحصةُ الأوساطِ وحصةُ العوامِّ، فالخواصُّ يفهمون من الأُفول
الإِمكانَ، وكلُّ ممكنٍ محتاج، والمحتاجُ لا يكون مقطعاً للحاجة(٢)، فلا بدَّ من
(١) في تفسيره ٥٢/١٣-٥٣، ومثله في غرائب القرآن للنيسابوري ٧/ ١٤٤.
(٢) في تفسير الرازي: مقطوع الحاجة، وفي تفسير النيسابوري: منقطع الحاجات.

الآية : ٧٨
٢٦٧
سُورَةُ الأَنْسَ
الانتهاء إلى ما يكون منزَّهاً عن الإِمكان حتى تنقطعَ الحاجاتُ بسبب وجودِهِ، كما
قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَى﴾ [النجم: ٤٢] وأمَّا الأوساط، فهم يفهمون من
الأُفول مطلقَ الحركة، وكلُّ متحركٍ محدث، وكلُّ محدث فهو محتاجٌ إلى القديم
القادر، فلا يكون الآفلُ إلهاً، بل الإِلهُ هو الذي احتاج إليه ذلك الآفلُ، وأما
العوامُّ، فإنَّهم يفهمون من الأُفول الغروبَ، وهم يشاهدون أن كلَّ كوكبٍ يَقرب من
الأفول والغروب فإنَّه يزول نورُه، وينتقص ضوءُه، ويذهب سلطانُه، ويصير
كالمعزول، ومَن كان كذلك، لم يصلح للإِلهِيَّة. ثم قال: فكلمةُ ((لا أحب الآفلين))
مشتملةٌ على نصيب المقرَّبين وأصحابِ اليمين وأصحابِ الشمال، فكانت أكملَ
الدَّلائل وأفضلَ البراهين.
وهنا أيضاً دقيقةٌ أخرى: وهو أنَّه عليه السلام إنَّما كان يناظرهم وهم كانوا
منجِّمين، ومذهبُ أهل النجوم أنَّ الكوكب إذا كان في الرُّبع الشرقيّ وكان صاعداً
إلى وسط السماءِ، كان قويًّا عَظيمَ التأثير، أمَّا إذا كان غربيًّا (١) وقريباً من الأُفول،
فإنَّه يكون ضعيفَ الأَثر قليلَ القوة، فنبَّه بهذه الدقيقةِ على أنَّ الإِله هو الذي لا تتغيَّر
قدرته إلى العجز وكمالُه إلى النقصان، ومذهبُكم أنَّ الكوكب حالَ كونِه في الرُّبع
الغربيِّ يكون ضعيفَ القوَّة، ناقصَ التأثير، عاجزاً عن التدبير، وذلك يدلُّ على
القَدح في إلهيته. ويظهرُ من هذا أنَّ للأُفول - على قول المنجِّمين - مزيدَ خاصِّية في
كونه موجباً للقدح في إلهيّته.
ولا يخفى أنَّ فهم الهُويِّ في حضيض الإِمكان من ((فلما أفل)) في هذه الآيةِ مِمَّا
لا يكاد يسلّم، وكونُ المراد: فلما تحقَّق إمكانَه لظهور أَماراتِ ذلك من الجسميّة
والتحيُّز - مثلاً - قال ... إلخ، لا يخفى ما فيه. نعم فَهمُ هذا المعنى من ((لا أحب
الآفلين)» ربَّما يحتمل على بُعد.
ونقل عن حجَّة الإِسلام الغزاليّ أنَّه حمل الكوكبَ على النفس الحيوانية التي
لكلِّ كوكب، والقمرَ على النفس الناطقةِ التي لكلِّ فلك، والشمسَ على العقل
المجرَّد الذي لكلِّ فلك.
(١) في (م) وتفسير الرازي: غريباً.

سُؤَدَّةُ الأَنْدََّا
٢٦٨
الآية : ٧٩
وعن بعضهم أنَّه حمل الكوكبَ على الحسِّ، والقمرَ على الخيال والوهم،
والشمسَ على العقل، والمراد أنَّ هذه القُوى المدرِكة قاصرةٌ متناهيةُ القوة، ومدبِّر
العالَم مستولٍ عليها قاهرٌ لها. وهو خلاف الظاهر أيضاً، وسيأتي إن شاء اللهُ تعالى
في باب الإِشارة نظيرُ ذلك.
وإنَّما لم يقتصر عليه السلام في الاحتجاج على قومه بأُفول الشمسٍ، مع أنَّه
يلزم من امتناع صفةِ الرُّبوبية فيها لذلك امتناعُها في غيرها من بابٍ أَولى، وفيه أيضاً
رعايةُ الإيجازِ والاختصار ترقِّياً من الأَدون إلى الأَعلى = مبالغةً في التقرير والبيان،
على ما هو اللائقُ بذلك المقام.
ولم يحتجَّ عليهم بالجسمية والتحيُّز ونحوهما ممَّا يدركه الرائي عند الرؤية في
أَمارات الحدوثِ والإِمكان، اختياراً لما هو أوضحُ من ذلك في الدلالة وأتمُّ.
ثم إنَّه عليه السلام لما تبرَّأ مما تبرَّأ منه، توجَّه إلى مبدع هذه المصنوعاتِ
وموجِدها فقال: ﴿إِنِّ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى نَطَرَ﴾ أي: أَوجد وأَنشأ ﴿السَََّّّتِ﴾
التي هذه الأَجرامُ من أجزائها ﴿وَالْأَرْضَ﴾ التي تلك الأصنامُ من أجزائها ﴿حَنِيفًا﴾
أي: مائلاً عن الأديان الباطلةِ والعقائدِ الزائغة كلِّها ﴿وَمَآ أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
﴾
أصلاً في شيءٍ من الأقوال والأفعال.
والمرادُ من توجيه الوجهِ للذي فطر .. إلخ: قَصدُه سبحانه بالعبادة.
وقال الإمام(١): المراد: وجَّهت عبادتي وطاعتي، وسببُ جوازِ هذا الجوازِ (٢)
أنَّ مَن كان مطيعاً لغيره منقاداً لأمره، فإنه يتوجّه بوجهه إليه، فجعل توجُّه الوجهِ إليه
كنايةً عن الطاعة.
والظاهر أنَّ اللام صِلة ((وجَّه)). وفي ((الصحاح))(٣): وجَّهت وجهي لله،
وتوجَّهت نحوَك وإليك. وظاهرُه التفرقةُ بين وجَّه وتوجَّه باستعمال الأوَّل باللام
والثاني بـ ((إلى))، وعليه وجهُ اللام هنا دون ((إلى)) ظاهر، وليس في ((القاموس))
تعرُّضٌ لهذا الفرق.
(١) في تفسيره ١٣ / ٥٧ .
(٢) في تفسير الرازي: وسبب جواز هذا المجاز.
(٣) مادة (وجه).

الآية : ٧٩
٢٦٩
سُورَةُ الأَنْعَم
وادَّعى الإِمام(١) أنَّه حيث كان المعنى توجيهَ وجهِ القلبِ إلى خدمته تعالى
وطاعتِهِ لأجل عبوديَّته لا توجُّهَ القلب إليه جلَّ شأنه لأنَّه متعالٍ عن الحيِّز والجهة،
تُركت ((إلى)) واكُتفي باللام، فتركُها والاكتفاءُ باللام هاهنا دليلٌ ظاهر علی کون
المعبودِ متعالياً عن الحيِّز والجهة. وفي القلب من ذلك شيء.
فإنْ قيل: إنَّ قُصارى ما يدلُّ عليه الدليلُ أنَّ الكوكب والشمسَ والقمرَ لا يصلح
شيءٌ منها للرُّبوبية والألوهية، ولا يَلزم من هذا القدرِ نفيُ الشِّرك مطلقاً وإِثباتُ
التوحيد، فلمَ جَزَمَ عليه السلام بإثبات التوحيد ونفي الشِّرك بعد إقامةِ ذلك الدليل؟
فالجواب بأنَّ القومَ كانوا مساعدين على نفي سائرِ الشركاء، وإنَّما نازعوا في هذه
الصورةِ المعيَّنة، فلمَّا ثبت بالدليل على أنَّ هذه الأشياءَ ليست أرباباً ولا آلهةً وثبت
بالاتفاق نفيُ غيرها، لا جرمَ حصل الجزمُ بنفي الشركاءِ على الإِطلاق.
ثم إنَّ المشهور أنَّ هذا الاستدلالَ من أوَّل ضروبِ الشكل الثاني، والشخصيةُ
عندهم في حكم الكلِّية، كأنه قيلَ: هذا الكوكبُ أو القمرُ، أو هذه، أَفلَ أو أَفلت،
ولا شيءَ من الإله بآفل، أو: ربِّ ليس بآفل، ينتج: هذا الكوكبُ أو القمر - أو
هذه - ليس بإله، أو ليس بربِّي. أمَّا الصغرى فهي كالمصرَّح بها في قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ في الموضعين، وقولِه سبحانه: ﴿فَلَمََّ أَفَلَتْ﴾ في الأخير. وأمَّا الكبرى
فمأخوذةٌ من قوله تعالى: ﴿لَّ أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾ لأنه يُشير إلى قياس، وهو: كلُّ آفلٍ
لا يستحقُّ العبودية، وكلُّ من لا يستحقُّ العبودية فليس بإله، ينتج من الأوَّل: كلَّ
آفلٍ ليس بإله، ويستلزم: لا شيءَ من الآفل بإله؛ لاستلزام الموجبة المعدولةِ السالبةً
المحصّلة. ويصُّ جعلُ الكبرى ابتداءً سالبةً، فينتج ما ذُكر وينعكس إلى: لا شيءَ
من الإله بآفل، وهي إحدى الكبريَين. ويُعلم من هذا بأدنى التفاتٍ كيفيةُ أخذٍ
الكبرى الثانية.
وقال الملوي: الأحسنُ أن يقال: إنَّ قوله تعالى: ﴿لَّ أُحِبُّ الْآَفِينَ﴾ يتضمَّن
قضية، وهي: لا شيءَ من الآفل يستحقُّ العبودية، فتجعل كبرى لصغرى ضرورية،
وهي: الإله المستحقُّ للعبودية، ينتج: لا شيءَ من الإله بآفل، وإذا ضمَّت هذه
النتيجةُ إلى القضية السابقة، وهي: هذا آفلٌ، ونحوه، أنتج من الثاني: هذا ليس
(١) في تفسيره ١٣/ ٥٧-٥٨ .

سُورَةُ الأَنْسَّل
٢٧٠
الآية : ٨٠
بإله، أو: لا شيءَ من القمر بإله، وإن ضممتَ عكسَها المستوي إليها، أنتج من
الأوَّل المطلوب بعينه، فلا يتعيَّن الثاني في الآية، بل الأولُ مأخوذٌ منها أيضاً. اهـ.
فتأمَّل فيه ولا تغفُل .
﴿وَحَهُ. قَوْمٌ﴾ أي: خاصموه كما قال الربيعُ، أو شرعوا في مغالبته في أمر
التَّوحيد، تارةً بإيراد أدلَّةٍ فاسدةٍ واقعةٍ في حضيض التقليد، وأُخرى بالتَّخويف
والتهدید .
﴿قَالَ﴾ منكِراً عليهم محاجَّتَهم له عليه السلام مع قصورهم عن تلك المرتبةِ
وعزَّةِ المطلب وقوَّةِ الخصم ووضوح الحقّ: ﴿أَتُحَجُّونِ فِ اَللَّهِ﴾ أي: في شأنه تعالى
ووحدانيته سبحانه.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامر في رواية ابنٍ ذكوان بتخفيف النون(١)، فقيه حذفُ إِحدى
النونين .
واختلف في أيِّهما المحذوفة. فقيل: نونُ الرفع، وهو مذهبُ سيبويه. ورجِّع
بأنَّ الحاجة دعت إلى نونٍ مكسورةٍ من أجل الياء، ونونُ الرفع لا تُكسَر، وبأنَّه جاء
حذفُها، كما في قوله(٢) :
كلٌّ له نيةٌ في بغض صاحبه بنعمة اللهِ نَقليكم وتَقلونا
أراد: وتقلوننا، والنونُ الثانية هنا ليست وقايةً، بل هي من الضمير، وحَذفُ
بعضِ الضمير لا يجوز، وبأنها نائبةٌ عن الضمة، وهي قد تُحذف تخفيفاً، كما في
قراءة أبي عَمرٍو: ((ينصرْكم)) [آل عمران: ١٦] و: ((يُشعرْكم)) [الأنعام: ١٠٩]
و: ((يأمرْكم))(٣) [البقرة: ٦٧].
وقيل: نونُ الوقاية، وهو مذهبُ الأخفش، ورجِّح بأنَّها الزائدةُ التي حصل بها
الثِّقل.
(١) التيسير ص١٠٤، والنشر ٢٥٩/٢.
(٢) هو الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، والبيت في شرح ديوان الحماسة المرزوقي
٢٢٦/١.
(٣) التيسير ص٧٣، والنشر ٢١٢/٢.

الآية : ٨٠
٢٧١
سُورَةُ الأَنْسَهُم
وقولُه تعالى: ﴿وَقَدْ هَدَئِنٍ﴾ في موضع الحالِ من ضمير المتكلِّم مؤكّدة
للإِنكار؛ فإنَّ كونه عليه الصلاة والسلام مهديًّا من جهة اللهِ تعالى ومؤيَّداً من عنده
سبحانه مِمَّا يوجب الكفَّ عن محاجَّته بَّهَ، وعدمَ المبالاةِ بها والالتفاتِ إليها إذا
وقعت .
قيل: والمراد: وقد هدانٍ إلى إقامة الدليلِ عليكم بوحدانيَّته عزَّ شأنه. وقيل:
هدانِ إلى الحقِّ بعد ما سلكتُ طريقتكم بالفَرْض والتقدير، وتبيَّن بطلانها تبيُّناً تامًّا
كما شاهدتموه.
وعلى القولين لا يقتضي سبقَ ضلالٍ له عليه الصلاة والسلام وجهلٍ بمعرفة ربِّه
جلَّ وعلا .
((وهدان) يُرسم - کما قال الأُ جهوري - بلا ياء.
﴿وَلَّ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ جوابٌ - كما رُوي عن ابن جُرَيج - عما خوَّفوه
عليه السلام من إِصابة مكروهٍ من جهة معبودِهم الباطل، كما قال لهودٍ عليه السلام
قومُه: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَنكَ بَعْضُ ءَالِهَتِّنَا بِسُوءٌ﴾ [هود: ٥٤].
وهذا التخويفُ، قيل: كان على ترك عبادةٍ ما يعبدونه، وقيل: بل على
الاستخفافِ به واحتقارِه بنحو الكسرِ والتَّنقيص. قيل: ولعلَّ ذلك حين فعل بآلهتهم
ما فعل مما قصَّ اللهُ تعالى علينا، وفي بعض الآثارِ أنه عليه السلام لَمَّا شبَّ وكبر،
جعل آزرُ يصنع الأصنامَ فيُعطيها له ليبيعَها، فيذهب وينادي: مَن يشتري ما يضرُّه ولا
ينفعه، فلا يشتريها أحدٌ، فإذا بارت، ذهب بها إلى نهرٍ وضرب فيه رؤوسَها وقال
لها: اشربي، استهزاءً بقومه، حتى فشا فيهم استهزاؤه، فجادلوه حينئذٍ وخوَّفوه.
و ((ما)) موصولة اسميةٌ حُذف عائدُها، والضميرُ المجرور لله تعالى، أي:
لا أخافُ الذي تشركونه به سبحانه. وجوِّز أن يكونَ عائداً إلى الموصول، والباءُ
سببية، أي: الذي تُشركون بسببه، وأن تكونَ نكرةً موصوفةً، وأن تكونَ مصدريَّة.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ يَشَآءَ رَبِّ شَيْئًا﴾ بتقدير الوقتِ عند غيرٍ واحدٍ، مستثنّى
من أعمِّ الأوقاتِ استثناءً مفرَّغاً. وقال بعضُهم: إنَّ المصدر منصوبٌ على الّرفية
من غير تقدير وقتٍ، ومنع ذلك ابنُ الأَنباريِّ مفرِّقاً بين المصدر الصَّريح فيجوز

سُورَةُ الأَنْعَل
٢٧٢
الآية : ٨١
نصبُه على الظرفية، وغيرِ الصريح فلا يجوزُ فيه ذلك. وابنُ جنِّي لا يفرِّق بين
الصَّريح وغيرِهِ، ويجوِّز ذلك فيهما على السَّواء. والاستثناء متَّصل في رأي.
و((شيئاً)) مفعولٌ به، أو مفعولٌ مطلق، أي: لا أخاف ما تُشركون به في وقتٍ
من الأوقات إلَّا في وقت مشيئته تعالى شيئاً من إِصابة مكروهٍ لي من جهتها، أو
شيئاً من مشيئته تعالى إصابةً مكروهٍ لي من جهتها، وذلك إنَّما هو من جهته تعالى
من غير دخلٍ لآلهتكم في إيجاده وإِحداثه.
وجوَّز بعضهم أن يكونَ الاستثناءُ منقطعاً على معنى: ولكن أخاف أنْ يشاءَ ربِّي
خوفي ما أشركتم به.
وفي التعرُّض لعنوان الرُّبوبية مع الإِضافة إلى ضميره عليه السلام إشارةٌ إلى أنَّ
مشيئته تلك إن وقعت غيرُ خاليةٍ عن مصلحة تعود إليه بالتربية، أو إظهارٌ منه عليه
الصلاة والسلام لانقياده لحُكمه سبحانه وتعالى واستسلامٌ لأمره واعترافٌ بكونه
تحتَ ملكوتِه وربوبيَّتِه تعالی.
﴿وَسِعَ رَبِّ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ كأنَّه تعليلٌ للاستثناء، أي: أحاط بكلِّ شيءٍ
علماً، فلا يَبعُد أن يكونَ في علمه سبحانه إنزالُ المكروهِ بي من جهتها بسببٍ من
الأسباب. ونصب ((علماً)) على التمييز المحوَّل عن الفاعل، وجوِّز أن يكونَ نصباً
على المصدرية لـ ((وسع)) من غيرِ لفظه، وفي الإِظهار في موضع الإِضمارِ تأكيدٌ
للمعنى المذكور واستلذاذٌ بذكره تعالى.
﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ أي: أتُعرضون بعد ما أَوضحتُه لكم عن التأمُّل في أنَّ
آلهتكم بمعزل عن القدرة على شيءٍ ما من النفع أو الضَّرّ، فلا تتذكَّرون أنها غيرُ
قادرةٍ على إِضراري؟ وفي إِيراد التذكُّرِ دون التفكّر ونحوِه إشارةٌ إلى أنَّ أمر آلهتهم
مركوزٌ في العقول لا يتوقّف إلَّا على التذكير.
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَثْرَكْتُمْ﴾ استئناف - كما قال شيخُ الإِسلام(١) - مسوقٌ
لنفي الخوفِ عنه عليه السلام - بحسب زعم الكَفَرة - بالطريق الإلزامي، بعد نفيهِ عنه
بحسب الواقع ونفس الأمر. والاستفهامُ لإِنَكار الوقوع ونفيِهِ بالكلِّية.
(١) في تفسيره ١٥٥/٣.

الآية : ٨١
٢٧٣
سُورَةُ الأَنْدَعَل
وفي توجيه الإِنكارِ إلى كيفية الخوفٍ من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى نفسه
بأنْ يقال: أأخاف؛ لِمَا أنَّ كلَّ موجودٍ لا يخلو عن كيفية، فإذا انتفى جميعُ کیفیاته،
فقد انتفى وجودُه من جميع الجهاتِ بالطريق البرهانيِّ.
و(كيف)) حالٌ، والعاملُ فيها ((أخاف)) و((ما)) موصولة، أو نكرةٌ موصوفة،
والعائدُ محذوف. وجوِّز أن تكونَ مصدرية.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ﴾ في موضع الحالِ من ضمير
((أخاف)) بتقدير مبتدأ؛ لمكان الواو. وقيل: لا حاجةً إلى التقدير؛ لأنَّ المضارع
المنفيَّ قد يُقْرَن بالفاء (١). ولا حاجةَ هنا إلى ضمير عائدٍ إلى ذي الحال؛ لأنَّ الواو
كافيةٌ في الربط .
وهو مقرِّر لإنكار الخوفِ ونفيهِ عنه عليه السلام، ومفيدٌ لاعترافهم بذلك، فإنَّهم
حيث لم يخافوا في محلِّ الخوف، فلَأَن لا يخافَ عليه السلام في محلِّ الأمن
أَوْلى وأحرَى، أي: كيف أَخاف أنا ما ليس في حيِّز الخوفِ أصلاً وأنتم لا تخافون
غائلةَ ما هو أعظمُ المخوفاتِ وأهولُها، وهو إِشراكُكم بالله تعالى الذي فطر
السماواتِ والأرضَ ما هو من جُملة مخلوقاتِه؟ وعبَّر عنه بقوله سبحانه: ﴿مَا لَمْ
يُنَزِلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ أي: حجةً، على طريق التهّم، قيل: مع الإِيذان بأنَّ
الأمور الدينيةَ لا يعوَّل فيها إلَّا على الحجّة المنزلة من عند اللهِ تعالى.
وضميرُ ((به)) عائدٌ على الموصول، والكلامُ على حذفِ مضاف، أي: بإشراكه.
وجوِّز أن يكونَ راجعاً إلى الإِشراك المقيَّد بتعلُّقه بالموصول، ولا حاجةً إلى
العائد، وهو - على ما قيل - مبنيٌّ على مذهب الأَخفشِ في الاكتفاء في الرَّبط
برجوع العائدِ إلى ما يتلبّس بصاحبه.
وذِكْرُ متعلّق الإِشراك - وهو الاسمُ الجليل - في الجملة الحاليةِ دون الجملةِ
الأُولى، قيل: لأنَّ المرادَ في الجملة الحالية تهويلُ الأمر، وذِكر المشرَك به أَدخلُ
في ذلك.
(١) كذا في الأصل و(م)، والصواب: بالواو. ينظر حاشية الشهاب ٨٩/٤.

سُورَةُ الْأَنْعَ
٢٧٤
الآية : ٨١
وقال بعض المحقّقين: الظاهرُ أن يقالَ في وجه الذِّكر في الثانية والتركِ في
الأُولى: إنه لَمَّا قيل قُبيلَ هذا: ((ولا أخاف ما أشركتم به)) كان ما هنا كالتَّكرار له،
فناسب الاختصار، وأنَّه عليه السلام حَذَفَه إشارةً إلى بُعد وحدانيَّته تعالى عن
الشِّرك، فلا ينبغي عنده نسبتُه إلى الله تعالى ولا ذِكْرُهُ(١) معه. ولَمَّا ذكر حالَ
المشركين الذين لا ينزِّهونه سبحانه عن ذلك، صرَّح به.
وقيل: إنَّ ذكر الاسم الجليل في الجملة الثانية؛ ليعودَ إليه الضميرُ في ((مالم
ينزِّل)). وليس بشيءٍ؛ لأنَّه يكفي سبقُ ذِكره في الجملة .
وقيل: لأنَّ المقصود إِنكاره عليه السلام عدمَ خوفهم من إِشراكهم بالله تعالى؛
لأنه المنكَر المستبعَد عند العقلِ السليم، لا مطلقُ الإِنكار، ولا كذلك في الجملة
الأُولى، فإنَّ المقصود فيها إنكارُ أن يَخافَ عليه السلام غيرَ الله تعالى، سواءٌ كان
مِمَّا يشركه الكفارُ أو لا .
وليس بشيءٍ أيضاً؛ لأنَّ الجملة الثانيةَ ليست داخلةً مع الأُولى في حكم الإِنكار
إلَّا عند مدَّعي العطف، وهو مِمَّا لا سبيلَ إليه أصلاً؛ لإفضائه إلى فساد المعنى
قطعاً، لما تقدَّم أن الإِنكار بمعنى النفي بالكلِّية، فيَؤُول المعنى إلى نفي الخوفِ عنه
عليه السلام ونفيٍ نفيه عنهم، وأنَّه بيِّن الفساد، وأيضاً إنَّ ((ما أشركتم)) كيف يدلُّ
على ما سوى اللهِ تعالى غير الشريك، إنْ هذا إلَّا شيءٌ عُجاب.
ثم إنَّ الآية نصٌّ في أنَّ الشرك مِمَّا لم ينزل به سلطان. وهل يمتنع عقلاً حصولُ
السلطانِ في ذلك أم لا؟ ظاهرُ كلام بعضهم - وفي أصول الفقهِ ما يؤيِّده في
الجملة - الثاني، والذي أَختاره الأوَّلَ. وقولُ الإمام: إنه لا يمتنع عقلاً أن يؤمر
باتِّخاذ تلك التماثيلِ والصور قِبلةً للدعاء(٢)، ليس من محلِّ الخلافِ كما لا يخفَى
على الناظر، فانظر.
﴿فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ كلام مرتَّب على إِنكار خوفِه عليه السلام في محلِّ
الأَمن مع تحقّق عدم خوفِهم في محلِّ الخوف، مسوقٌ لإِلجائهم إلى الاعتراف
(١) في الأصل و(م): ذكر، والمثبت من حاشية الشهاب ٨٨/٤، والكلام منه.
(٢) تفسير الرازي ١٣/ ٦٠.

الآية : ٨٢
٢٧٥
سُورَةُ الأَنْعَوَّ
باستحقاقه عليه السلام لما هو عليه من الأمن وبعدم استحقاقهم لما هم عليه.
وبهذا يُعلم ما في دعوى أنَّ الإِنكار في الجملة الأُولى لنفي الوقوع وفي الثانية
لاستبعاد الواقع. وإنَّما جيءَ بصيغة التفضيلِ المشعِرة باستحقاقهم له في الجملة؛
لاستنزالهم عن رتبة المكابرةِ والاعتساف، بسوق الكلام على سنن الإِنصاف.
والمراد بالفريقَين: الفريقُ الآمن في محلِّ الأمن، والآمنُ في محلِّ الخوف،
فإِثارُ ما في النَّظم الكريم - كما قيل - على أن يقالَ: فأيُّنا أحقُّ بالأمن أنا أم أنتم؛
لتأكيد الإِلجاء إلى الجواب بالتنبيه على علَّة الحكم، والتفادي عن التَّصريح
بتخطئتهم التي ربَّما تدعو إلى اللَّجاج والعِناد، مع الإِشارة بما في النَّظم إلى أنَّ
أحقّية الأمن لا تَخصُّه عليه السلام بل تشمل كلَّ موحّد ترغيباً لهم في التوحيد.
﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي: مَن هو أحقُّ بذلك، أو شيئاً من الأشياء، أو:
إن كنتم من أُولي العلم فأخبروني بذلك.
وقُرئ: ((سُلُطانا)) بضمِّ اللام(١)، وهي لغةٌ أُتبع فيها الضمُّ الضم.
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ استئنافٌ يحتمل أن يكونَ من جهته تعالى مبيِّن للجواب الحقِّ
الذي لا محيد عنه. وروي ذلك عن محمد بن إسحاقَ وابنِ زيدٍ والجبائيِّ. ويحتمل
أن يكونَ من جهة إبراهيم عليه السلام. وروي ذلك عن عليٍّ كرَّم الله تعالی وجهَه.
واستُشكل كونُه استئنافاً بأنَّه لا يمكن جعلُه بيانيًّا؛ لأنه ما كان جوابَ سؤالٍ
مقدَّر، وهذا جوابُ سؤالٍ محقَّق، ولا نحويًّا؛ لِمَا قال ابنُ هشام: إنَّ الاستئناف
النحويَّ ما كان في ابتداء الكلام أو منقطعاً (٢) عمَّا قبله، وهذا مرتبطً بما قبله؛
لارتباط الجوابِ والسؤالِ ضرورةً، وليس عندنا غيرُهما.
وأُجيب باختيار كونِه نحويًّا. ومعنى كونه منقطعاً عمَّا قبله ألَّا يُعطفَ عليه ولا
يتعلَّق به من جهة الإِعرابِ وإن ارتبط بوجهٍ آخر.
وقيل: المرادُ بابتداء الكلام ابتداؤه تحقيقاً أو تقديراً، أي: الفريقُ الذين آمنوا
(١) البحر المحيط ٤/ ١٧٠ .
(٢) في الأصل و(م): ومنقطعاً، والمثبت من حاشية الشهاب ٨٩/٤، وينظر مغني اللبيب
ص ٥٠٠.

سُورَةُ الأَنْعَل
٢٧٦
الآية : ٨٢
بما يجب الإِيمان به ﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ﴾ أي: لم يَخْلِطوا ﴿إِيَمَنَهُمْ﴾ ذلك ﴿يِظُلْرٍ﴾ أي:
شركٍ، كما يفعله الفريق المشركون، حيث يزعمون أنَّهم مؤمنون بالله تعالى وأنَّ
عبادتَهم لغيره سبحانه معه من تتمَّات إيمانهم وأحكامِه؛ لكونها لأَجل التقريبٍ
والشفاعة، كما يُنبئ عنه قولُهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
وإلى تفسير الظلم بالشّرك هنا ذهب ابنُ عباس ﴿ّ وابنُ المسيب وقتادةٌ
ومجاهدٌ وأكثرُ المفسّرين. ويؤيِّد ذلك أنَّ الآية واردةٌ مَوردَ الجوابِ عن حال
الفريقَين. ويدلُّ عليه ما أخرجه الشيخان وأحمدُ والترمذيُّ عن ابن مسعودٍ ◌َُه(١):
أنَّ الآية لَمَّا نزلت شقَّ ذلك على الصحابةِ ﴿ه وقالوا: أيُّنا لم يظلمْ نفسَه؟
فقال وَلّ: ((ليس ما تظنُّون، إنَّما هو ما قال لقمانُ عليه السلام لابنه: ﴿يَبُنَّ لَا
تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣])).
ولا يقال: إنَّه لا يَلزم من قوله: ((إن الشرك)) إلخ أنَّ غيرَ الشِّرك لا يكون ظلماً؛
لأنَّهم قالوا: إنَّ التنوينَ في ((بظلم)) للتعظيم، فكأنَّه قيل: لم يلبسوا إيمانَهم بظلم
عظيم، ولَمَّا تبيَّن أنَّ الشرك ظلمٌ عظيم، عُلِم أنَّ المراد: لم يلبسوا إيمانَهم بشرك،
أو أنَّ المتبادرَ من المطلق أَكملُ أَفراده.
وقيل: المرادُ به المعصية، وحُكي ذلك عن الجبَّائي والبلخي، وارتضاه
الزمخشريُّ(٢) تَبَعاً لجمهور المعتزلة. واستدلُّوا بالآية على أنَّ صاحب الكبيرةِ لا أمنَ
له ولا نجاةً من العذاب، حيث دلَّت بتقديم ((لهم)) الآتي على اختصاص الأمن بمن
لم يَخلِط إيمانَه بظلم، أي: بفسق، واذَّعَوا أنَّ تفسيره بالشّرك يأباه ذِكرُ اللَّبس،
أي: الخلط؛ إذ هو لا يجامع الإيمانَ؛ للضدِّية، وإنَّما يجامع المعاصي، والحديثُ
خبرُ واحد، فلا يُعمَل به في مقابلة الدليلِ القطعيِّ.
والقول بأنَّ الفسق أيضاً لا يجامع الإِيمانَ عندهم أيضاً، فلا يتمُّ لهم
الاستدلالُ لكونه اسماً لفعل الطاعاتِ واجتنابِ السيئات، حتى إنَّ الفاسق ليس
بمؤمنٍ كما أنَّه ليس بكافر = مدفوعٌ - كما قيل - بأنَّه كثيراً ما يطلَق الإيمانُ على
(١) صحيح البخاري (٦٩٣٧)، وصحيح مسلم (١٢٤)، ومسند أحمد (٣٥٨٩)، وسنن الترمذي
(٣٠٦٧).
(٢) في الكشاف ٣٣/٢.

الآية : ٨٢
٢٧٧
سُورَةُ الْأَنْفَعَم
نفس التصديق، بل لا يكاد يُفهَم منه بلفظ الفعل غيرُ هذا، حتى إنَّه يُعطَف عليه
عملُ الصالحات كما جاء في غيرِ ما آية .
وأُجيبَ بأنَّه أُريد بالإِيمان تصديقُ القلب، وهو قد يجامع الشركَ، كأنْ يصدِّق
بوجود الصانعِ دونَ وحدانيَّته، كما أشرنا إليه آنفاً، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا
يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] وكذا إذا أُريد به مطلقُ التصديق،
سواءٌ كان باللسان أو غيرِهِ، بل المجامعةُ على هذا أَظهرُ كما في المنافق، ولو أُريد
به التصديقُ بجميع ما يجب التصديقُ به بحيث يَخرجُ عن الكفر، يقال: إنَّه لا يَلزم
من لَيْس الإِيمان بالشِّرك الجمعُ بينهما بحيث يَصدق عليه أنَّه مؤمنٌ ومشرك، بل
تغطيتُه بالكفر وجعلُه مغلوباً مضمحِلًا، أو اتِّصافُه بالإِيمان ثم الكفرِ ثم الإِيمان ثم
الكفرِ مراراً.
وبعد تسليمٍ جميع ما ذُكر نقول: إنَّ قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ لَمُ الْأَنْنُ﴾ إنَّما يدلُّ
على اختصاص الأمنِ بغير العصاة، وهو لا يوجِب كونَ العصاةِ معذّبين البتّة، بل
خائفين ذلك موقِعين للاحتمال ورُجحانِ جانبٍ الوقوع.
وقيل: المرادُ من الأمن الأمنُ من خلود العذاب، لا الأمنُ من العذاب مطلقاً .
والموصولُ مبتدأ، واسمُ الإِشارة مبتدأٌ ثانٍ، والإِشارةُ إلى الموصول من حيث
اتصافُه بما في حيِّز الصلة، وفي الإِشارة إليه بما فيه من معنى البُعدِ بَعدَ وصفه بما
ذُكر ما لا يخفَى. وجملة ((لهم الأمن)) من الخبر المقدَّم والمبتدأ المؤخَّرِ خبرُ
المبتدأ الثاني، والجملةُ خبر الأوَّل.
وجوِّز أن يكونَ ((أولئك)) بدلاً من الموصول، أو عطفَ بيانٍ له، و((لهم)) هو
الخبر، و((الأمن)) فاعلاً للّرف؛ لاعتماده على المبتدأ، وأن يكونَ ((لهم)) خبراً
مقدَّماً، و((الأمن)) مبتدأً مؤخّراً، أو الجملةُ خبر الموصول.
وجوَّز أبو البقاء(١) كونَ الموصولِ خبرَ مبتدأ محذوف، وقال: التقديرُ: هم
الذين. ولا يخلو عن بُعد، والأكثرون على الأوَّل.
(١) في الإملاء ٢/ ٥٨٣.

سُورَةُ الأَنْعَُّ
٢٧٨
الآية : ٨٣
﴿وَهُمْ تُهْتَدُونَ
إلى طريق توجِب الأَمنَ من خلود العذاب.
إلى الحقِّ، ومن عداهم في ضلال مبين. وقدَّر بعضهم:
٨٢
﴿وَتِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى ما احتجَّ به إبراهيمُ عليه السلام من قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَنَّ
عَلَيْهِ الَّيْلُ﴾ إلخ. وقيل: من قوله سبحانه: ﴿أَتُّحُكَّجُوْلِ﴾ إلى ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وتركيبُ
حَجَّةٍ اصطلاحيةٍ منه يحتاج إلى تأمُّل.
وما في اسم الإِشارةِ من معنى البُعد لتفخيم شأنِ المشارِ إليه، وهو مبتدأٌ ،
وقوله عزَّ شأنه: ﴿حُجَّثْنَا﴾ خبرُه، وفي إضافته إلى نون العظمةِ من التفخيم ما لا
یخفی.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّيْتَهَا إِنَزَّهِيرَ﴾ - أي: أَرشدناه إليها، أو علَّمناه إيَّاها - في
موضع الحالِ من ((حجة))، والعاملُ فيه معنى الإشارة، أو في محلِّ الرفع على أنه
خبرٌ ثانٍ، أو هو الخبرُ، و((حجتنا)) بدل، أو بيانٌ للمبتدأ. وجوِّز أن تكونَ جملة
(آتينا)) معترضةً أو تفسيرية، ولا يخفى بُعدُه.
و (إبراهيم)) مفعولٌ أول لـ ((آتينا)» قدِّم على الثاني لكونه ضميراً.
وقولُه سبحانه: ﴿عَلَى قَوْمِهِ،﴾ متعلِّق بـ ((حجتنا)) إن جُعل خبراً لـ ((تلك)) أو
بمحذوف إنْ جُعل بدلاً؛ لئلا يلزمَ الفصلُ بين أجزاءِ البدل بأجنبيٍّ، أي: آتيناها
إبراهيم حجَّةً على قومه .
ولم يجوِّز أبو البقاء تعلُّقَه بـ ((حجتنا)) أصلاً؛ للمصدريَّة والفصل(١)، ولعل
المجوِّز لا يرى المصدريةَ مانعةً عن تعلُّق الظرف، ويجعلُ الفصلَ مغتَفَراً.
وقيل: يصحُّ تعلُّقه بـ ((آتينا)) لتضمّنه معنى الغَلَبة.
وقوله عزَّ شأنه: ﴿نَرْفَعُ دَرَحَتٍ﴾ - أي: رتباً عظيمةً عاليةً من العلم
والحِكمة - مستأنفٌ لا محلَّ له من الإِعراب مقرِّر لما قبله. وجوَّز أبو البقاءِ(٢) أن
يكونَ في محلٌّ نصبٍ على أنه حالٌ من فاعل ((آتينا)) أي: حالَ كونِنا رافعين.
(١) الإملاء ٥٨٣/٢-٥٨٤.
(٢) في الإملاء ٢/ ٥٨٤.

الآية : ٨٣
٢٧٩
سُورَةُ الأَنْعَهُ
ونصب ((درجات)) إمَّا على المصدرية بتأويل رفعات، أو على الّرفية، أو على
نزع الخافضِ، أي: إلى درجات، أو على التمييز.
ومفعول ((نرفع)) قوله تعالى: ﴿مَن ◌َّشَاءُ﴾ وتأخيرُه على الأَوجُه الثلاثةِ الأخيرة
لما مرَّ غيرَ مرةٍ من الاعتناء بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤشّر. ومفعولُ المشيئة
محذوفٌ، أي: مَن نشاء رفعه حَسبَما تقتضيه الحكمةُ وتستدعيه المصلحة، وإيثارُ
صيغة المضارع للدَّلالة على أنَّ ذلك سنَّةٌ مستمرَّة فيما بين المصطَفَين الأخيار غيرُ
مختصَّة بإبراهيمَ عليه السلام.
وقُرئ: ((يرفع)) بالياء، على طريقة الالتفات، وكذا ((يشاء))(١).
وقرأ غيرُ واحدٍ من السبعة: ((درجاتِ مَن))(٢) بالإِضافة على أنَّه مفعول ((نرفع))
ورفعُ درجاتِ الإِنسان رفعٌ له. وجوَّز بعضهم جعله مفعولاً أيضاً على قراءة
التنوين، وجعل ((مَن)) بتقدير: لمن، وهو بعيد.
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ أي: في كلِّ ما يفعل من رفعٍ وخفض
﴿عَلِيمٌ ﴾﴾ أي: بحال مَن يرفعه واستعدادِه له على مراتبَ متفاوتة، وإن شئتَ
عمَّمت، ويدخل حينئذٍ ما ذُكر دخولاً أوليًّا = تعليلٌ لما قبلَه.
وفي وضع الربِّ مضافاً إلى ضميره عليه الصلاة والسلام موضعَ نونِ العظمةِ
بطريق الالتفاتِ في تضاعيف بيانِ حالِ إبراهيمَ عليه السلام ما لا يخفَى من إِظهار
مزيدِ النُّطْف والعنايةِ بِهِ لَّهِ.
هذا وقد ذكر الإِمام(٣) في هذه الآياتِ الإِبراهيمية عدةً أحكام:
الأوَّل: أنَّ قولَه سبحانه: ﴿لَآَ أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾ يدلُّ على أنه عزَّ وجلَّ ليس
بجسم؛ إذ لو كان جسماً، لكان غائباً عنَّا، فيكون آفلاً، والأفولُ ينافي الربوبية.
ولا يخفى أنَّ عدَّ تلك الغيبة المفروضة أفولاً لا يخلو عن شيءٍ؛ لأن الأُفول
احتجابٌ مع انتقال، وتلك الغيبةُ المفروضة لم تكن كذلك، بل هي مجرَّد احتجابٍ
(١) القراءات الشاذة ص٣٨.
(٢) التيسير ص١٠٤، والنشر ٢/ ٢٦٠ عن ابن كثير وابن عامر ونافع وأبي عمرو وأبي جعفر.
(٣) في تفسيره ٥٥/١٣، ٥٦، ٦١، ٦٢.

سُورَةُ الأَنْقَ
٢٨٠
الآية : ٨٣
فيما يظهر، نعم إنَّه ينافي الربوبيةَ أيضاً، لكن الكلام في كونه أُفولاً ليتمَّ الاحتجاجُ
بالآية. لا يقال: قد جاءَ في حديث الإسراء ذِكرُ الحجاب(١)، فكيف يصحُّ القولُ
بأن الاحتجابَ منافٍ للرُّبوبية؟ لأنَّا نقول: الحجابُ الوارد - كما قال القاضي
عياض - إنَّما هو في حقِّ العباد، لا في حقٌّه تعالى، فهم المحجوبون، والباري جلّ
اسمه منزَّه عمَّا يحجبه؛ إذ الحجابُ إنما يُحيط بمقدَّر محسوس(٢).
ونصَّ غيرُ واحد أنَّ ذِكر الحجابِ له تعالى تمثيلٌ لمنعه سبحانه الخلقَ عن
رؤيته .
وقال السيِّد النقيب في ((الدُّرر والغرر)): العربُ تستعمل الحجابَ بمعنى الخفاءِ
وعدم الظهور، فيقول أحدُهم لغيره إذا استبعد فهمَه: بيني وبينك حجابٌ. ويقولون
لما يُستصعَب طريقُه: بيني وبينه كذا حُجُب وموانعُ وسواتر، وما جرى مَجرى
ذلك(٣). والظاهرُ على هذا أنَّ فيما ذكر مجازٌ في المفرَد، فتدبَّر.
الثاني: أنَّ هذه الآيةَ تدلُّ على أنَّه يمتنع أن يكونَ تعالى بحيث يَنزل من العرش
إلى السماء تارةً، ويصعد من السماءِ إلى العرش أُخرى، وإلَّا لحصل معنى الأُفول.
وأنت تعلم أنَّ الواصفين ربَّهم عزَّ شأنه بصفة النزولِ حيث سمعوا حديثه
الصحيحَ عن رسولهم وَلَّ(٤) لا يقولون: إنَّه حركةٌ وانتقال، كما هو كذلك في
الأجسام، بل يفوِّضون تعيينَ المراد مِنه إلى الله تعالى، بعد تنزيهِه سبحانه عن
مشابهة المخلوقين، وحينئذٍ لا يَرِد عليه أنَّه في معنى الأُفولِ الممتنعِ على الربِّ جلَّ
جلاله .
الثالث: أنَّها تدلُّ على أنَّه جلَّ شأنه ليس محلًّا للصفات المحدثة كما تقول
الكرَّامية، وإلَّا لَكان متغيّراً، وحينئذٍ يحصل معنى الأُفول. وهو ظاهر.
(١) ينظر حديث أنس وحديث عليٍّ ها في كشف الأستار (٥٨) و(٣٥٢). وجاء ذكر الحجاب
في حديث أبي موسى حظُّه: ((وحجابه النور)) أخرجه مسلم (١٧٩).
(٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٣٥٧/١.
(٣) أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد ٢/ ٢٠٥.
(٤) يشير إلى حديث: ((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ... ))، أخرجه البخاري (١١٤٥، ومسلم
(٧٥٨) عن أبي هريرة مظ لته، وقد سلف ٣٢٦/١.