النص المفهرس
صفحات 241-260
الآية : ٧١ ٢٤١ سُورَةُ الأَنْعَُّ بمحذوف وقع خبراً مقدَّماً، و((أصحاب)) مبتدأ، والجملة إما في محلِّ نصبٍ على أنها صفةٌ لـ ((حيران))، أو حالٌ من الضمير فيه، أو من الضمير في الّرف، أَو بدلٌ من الحال التي قبلها. وإمَّا لا محلَّ لها على أنَّها مستأنفة، وجملةُ ((يدعونه)) صفة لـ «أصحاب)». وقوله سبحانه: ﴿أَثْتِنَا﴾ يقدَّر فيه قول على أنه بدلٌ من ((يدعونه)» أو حالٌ من فاعله. وقيل: محكيٌّ بالدعاء؛ لأنَّه بمعنى القول. وهذا مبنيٌّ على الخلاف بين البصريِّين والكوفيين في أمثالٍ ذلك. والمشهور التقدير، أي: يقولون: ائتنا. وفيه إِشارة إلى أنَّهم مهتدون ثابتون على الطَّريق المستقيم، وأنَّ مَن يدعونه ليس مِمَّن يعرف الطريق ليدعَى إلى إِتيانه، وإنَّما يُدرِك سمتَ الداعي ومَوردَ النعيق. وقرأ ابنُ مسعود - كما رواه ابنُ جَرِير (١) وابنُ الأَنباريِّ عن أبي إسحاق : (بيِّنا)) على أنه حالٌ من ((الهدى))، أي: واضحاً. ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء الكفَّار: ﴿إِنَّ هُدَى اَللَّهِ﴾ الذي هدانا إليه، وهو الإِسلام ﴿هُوَ اَلْهُدَىٌّ﴾ أي: وحده، كما يدلُّ عليه تعريفُ الطرفين، أو ضميرُ الفصل، وما عداه ضلال مَحض، وغَيٌّ صرف. وتكريرُ الأمر للاعتناءِ بشأن المأمورٍ به، أو لأنَّ ما سبق للزَّجر عن الشرك، وهذا حتٌّ على الإِسلام، وهو توطئةٌ لما بعده، فإنَّ اختصاص الهدى بهداه تعالى مما يوجِبُ امتثالَ الأَوامر بعده. ﴿وَأُمِنَا﴾ عطفٌ على ((إن هدى الله هو الهدى)) داخلٌ معه تحت القول. واللام في قوله سبحانه: ﴿لِنُسْلِمَ﴾ للتعليل، ومفعول ((أمرنا)) الثاني محذوف، أي: أُمرنا بالإِخلاص لكي ننقادَ ونستسلم ﴿لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ٧/١ وقيل: هي بمعنى الباء، أي: أمرنا بالإِسلام. وتعقّبه أبو حيَّان(٢) بأنه غريب لا تَعرفه النحاة. وقيل: زائدة، أي: أُمرنا أن نُسلمَ، على حذف الباء. (١) في تفسيره ٣٣٢/٩، والقراءة في القراءات الشاذة لابن خالويه ص ٤٤. (٢) في البحر ١٥٨/٤-١٥٩. سُؤَدَّةُ الأَنْفَعَل ٢٤٢ الآية : ٧٢ وقال الخليل وسيبويهِ ومَن تابعهما: الفعل في هذا وفي نحو ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ [النساء: ٢٦] مؤوَّل بالمصدر، وهو مبتدأٌ، واللامُ وما بعدها خبره، أي: أُمرنا للإِسلام، وهو نظير: تسمعُ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه(١). ولا يخفَى بُعْدُه. وذهب الكسائيُّ والفراء(٢) إلى أنَّ اللام حرف مصدريٌّ بمعنى أنْ، بعد: أَرَدْتُ وأُمِرْتُ، خاصّة، فكأنه قيل: وأُمرنا أن نُسلم. والتعرُّض لوصف ربوبيَّته تعالى للعالمين؛ لتعليل الأمرِ وتأكيدٍ وجوب الامتثالِ به. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِيمُواْ الضَلَوَةَ وَأَثَّقُونُ﴾ - أي: الربَّ في مخالفة أمرٍه سبحانه - بتقدير حرف الجرِّ، وهو عطف على الجارِّ والمجرورِ السابق، وقد صرَّح بدخول ((أن)) المصدرية على الأمر سيبويه وجماعةٌ. وجوِّز أن يُعطفَ ((أن أقيموا)) على موضعِ ((لنسلم)) كأنه قيل: أُمرنا أن نُسلِمَ وأن أَقيموا. وقيل: العطفُ على مفعول الأمَر المقدَّر، أي: أُمرنا بالإِيمان وإقامة الصلاة. وقيل: على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ إلخ، أي: قل لهم: إنَّ هدى اللهِ هو الهدى وأَن أَقيموا. وقيل: على ((ائتنا)). وقيل غير ذلك. وذكر الإِمام(٣) أنَّه كان الظاهرُ أن يقال: أُمرنا لنسلمَ ولأنْ نقيمَ، إلَّا أنه عُدل لما ذُكر للإيذان بأنَّ الكافر ما دام كافراً كان كالغائب الأجنبيِّ، فخوطب بما خوطب به الغُيَّبُ، وإذا أَسلم ودخل في زمرةٍ المؤمنين، صار كالقريب الحاضر، فخوطب بما يخاطَب به الحاضرون. وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾﴾ جملة مستأنفة موجبةٌ للامتثال بما أَمر به سبحانه من الأمور الثلاثة. وتقديمُ المعمول لإِفادة الحصر مع رعايةٍ الفواصل، أي: إليه سبحانه لا إلى غيره تحشرون يومَ القيامة. (١) تقديره: ((أن تسمعَ))، فلما حذف ((أن)) رفع الفعل، وهو في تأويل المصدر لأجل الحرف المقدر؛ قاله السمين في الدر ٦٥٩/٣، وينظر الكتاب ١٦١/٣. (٢) ينظر معاني القرآن ٣٣٩/١، وينظر كذلك ما سلف ٤٦٢/٥ - ٤٦٣. (٣) في التفسير الكبير ٣١/١٣. الآية : ٧٣ ٢٤٣ سُؤَدَّةُ الأَتْعَل ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَفَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: هذين الأمرينِ العظيمين. ولعله أُريد بخلقهما خلقُ ما فيهما أيضاً، وعدمُ التصريح بذلك؛ لظهور اشتمالِهما على جميع العلويَّات والسُّفليات. وقولُه سبحانه: ﴿بِآلْحَقّ﴾ متعلِّق بمحذوف وقع حالاً من فاعل ((خلق)) أي: قائماً بالحقّ. ومعنى الآيةِ حينئذٍ - كما قيل - كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا الشَّمَاءَ وَاْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا﴾ [ص: ٢٧] وجوِّز أن يكونَ حالاً من المفعول، أي: متلبِّسة بالحق. وأن يكون صفةً لمصدر الفعل المؤكِّد، أي: خلقاً متلبساً بالحق. ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَحِكُونُّ قَوْلُ الْحَقُّ﴾ تذييلٌ لِمَا تقدم. والواوُ للاستئناف، واليومُ بمعنى الحين متعلّق بمحذوف وقع خبراً مقدَّماً، و((قوله)) مبتدأ، و((الحق)) صفتُه. والمراد بالقول المعنى المصدريُّ، أي: القضاءُ الصواب الجاري على وَفق الحكمة؛ فلذا صحَّ الإِخبار عنه بظرف الزمان، أي: وقضاؤه سبحانه المعروف بالحقِّية كائنٌ حين يقول سبحانه لشيءٍ من الأشياء: كن، فيكونُ ذلك الشيء. وتقديمُ الخبر للاهتمام بعموم الوقتِ كما قيل، ونَفَى السعدُ كونَه للحصر؛ لعدم مناسبته، وجعل التقديمَ لكونه الاستعمالَ الشائع. وتُعقّب بأنَّ المعروف الشائع تقديمُ الخبر الظرفيِّ إذا كان المبتدأ نكرةً غيرَ موصوفة، أو نكرةً موصوفة، أمَّا إذا كان معرفةً فلم يَقُله أحد. وقيل: إن ((قوله الحق)) مبتدأ وخبر، و((يوم)) ظرفٌ لمضمون الجملة، والواو بحسب المعنى داخلةٌ عليها، والتقديمُ للاعتناء به من حيث إنه مدارُ الحقِّية، وترك ذِكر المقولِ له للثقة بغاية ظهورِه. والمراد بالقول كلمةُ ((كن)) تحقيقاً أو تمثيلاً. والمعنى: وأمرُه سبحانه المتعلّق بكل شيءٍ يريد خلقه من الأشياء حين تعلُّقه به لا قبلَه ولا بعدَه من أفراد الأحيان الحقُّ، أي: المشهود له بالحقِّية. وقيل: إنَّ الواو للعطف، و((يوم)) إمَّا معطوف على ((السموات)) فهو مفعول لـ (خلق)) مثله، والمراد به يومُ الحشر، أي: وهو الذي أَوجد السماواتِ والأرضَ وما فيهما وأَوجد يومَ الحشر والمعاد. وإمَّا على الهاء في ((اتقوه)) فهو مفعولٌ به مثله أيضاً، والكلام على حذفِ مضاف، أي: اتَّقوا اللهَ تعالى واتَّقوا هولَ ذلك سُؤَةُ الْأَنْعَ ٢٤٤ الآية : ٧٣ اليومٍ وعقابَه وفزعه. وإمَّا متعلق بمحذوف دلَّ عليه ((بالحق)) أي: يقوم بالحقِّ يوم ... إلخ. وهو إعراب متكلَّف كما قال أبو حيَّان(١). وقيل: إنه معطوفٌ على ((بالحقِّ) وهو ظرفٌ لـ ((خلق))، أي: خلق السماواتِ والأرضَ بِعظَمها حين قال: كن، فكان. والتعبيرُ بصيغة الماضي إِحضارٌ للأمر البديع. وفيه أنه يتوقّف على صحَّة عطفِ الظرفِ على الحال بناءً على أنَّ الحال ظرفٌ في المعنى. وهو تكلُّف. و((قوله الحق)) مبتدأ وخبر، أو فاعلُ ((يكون)) على معنى: وحينَ يقول لقوله الحقّ، أي لقضائه: كن، فيكون. والمراد به حين يكوِّن الأشياءَ ويُحدِثها، أو: حين تقوم القيامة، فيكون التكوين إحياءَ الأمواتِ للحشر. وقيل غيرُ ذلك، فتدبّر . ﴿وَلَّهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَغُ فِ الصُّورِّ﴾ أي: استقرَّ الملك له في ذلك اليومِ صورةً ومعنّى، بانقطاع العلائقِ المجازيّة الكائنةِ في الدنيا المصحّحة للمالكية في الجملة، فلا يدّعيه غیرُه بوجه. والصُّور: قَرن ينفخ فيه كما ثبت في الأحاديث، والله تعالى أعلم بحقيقته. وقد فصّلت أحوالُه في كتب السنَّة، وصاحبه إسرافيلُ عليه السلام على المشهور. وأخرج البزَّار والحاكمُ عن أبي سعيد الخدريِّ مرفوعاً: ((إنَّ مَلَكين موَّلين بالصُّور ينتظران متى يؤمرانِ فِيَنفخان))(٢). وقرأ قتادة: ((في الصُّوَر)) جمعُ صورة (٣)، والمراد بها الأبدانُ التي تقوم بعد نفخ الرُّوحِ فيها لربِّ العالمين. ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ أي: كلِّ غيبٍ وشهادة ﴿وَهُوَ لَلَكِيمُ﴾ في كلِّ ﴾ بجميع الأمورِ الخفيّة والجلية. والجملة تذييلٌ لما تقدَّم، وفيه لفّ ونشر مرتَّب. ما يفعله ﴿اٌلْخَبِيرُ ( (١) في البحر ٤/ ١٦١ . (٢) مسند البزار (٣٤٢٤ - كشف الأستار)، والمستدرك ٥٥٩/٤، وأخرجه ابن ماجه (٤٢٧٣). (٣) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣٨ وأبو حيان في البحر ١٦١/٤ للحسن. التفسير الإشاري (٥٩-٧٣) ٢٤٥ سُؤَدَّةُ الأَنْعَمُ هذا ومن باب الإِشارة في الآيات: ﴿وَعِندَهُ، مَفَاتِحُ الْغَيْدٍ، لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ اعلم أنَّ بعض ساداتنا الصوفيّةِ قَدَّس الله تعالى أسرارَهم ذكروا أنَّ للغيب مراتبَ، أُولاها: غيبُ الغيوب، وهو علم اللهِ تعالى المسمَّى بالعناية الأُولى. وثانيتها: غيبُ عالَم الأرواح، وهو انتقاشُ صورة كلِّ ما وجد وسيوجد من الأزل إلى الأبد في العالَم الأوَّل العقلي الذي هو روحُ العالم المسمَّى بأمِّ الكتاب، على وجه كليٍّ وهو القضاءُ السابق. وثالثتها: غيب عالَم القلوبِ، وهو ذلك الانتقاشُ بعينه مفصَّلاً تفصيلاً علميًّا كليًّا وجزئيًّا في عالم النفسِ الكلية التي هي قلبُ العالَم المسمَّى باللوح المحفوظ. ورابعتها: غيب عالم الخيالِ، وهو انتقاشُ الكائنات بأسرها في النفوس الجزئيةِ الفلكية منطبعةً في أَجرامها معيَّنةً مشخِّصة مقارِنة لأَوقاتها على ما يقع بعينه. وذلك العالَم هو الذي يعبّر عنه بالسماء الدُّنيا؛ إذ هو أقربُ مراتبٍ الغيوب إلى عالم الشهادة ولوحِ القَّدَر الإِلهيِّ الذي هو تفصيلُ قضائه سبحانه. وذكروا أنَّ علم اللهِ تعالى الذي هو العنايةُ الأُولى عبارةٌ عن إحاطته سبحانه بالكلِّ حضوراً، فالخزائن المشتملةُ على جميع الغيوبِ حاضرةٌ لذاته، وليس هناك شيءٌ زائد، ولا يعلمها إلا هو سبحانه. وكذا أبوابُ تلك الخزائنِ مغلقة، مفاتيحُها بيده تعالى لا يطَّلع على ما فيها أحدٌ غيرُه عزَّ وجلَّ، وقد يفتح منها ما شاء لمن يشاء. هذا وقد يقال: حقَّق كثيرٌ من الراسخين في العلم أنَّ حقائق الأشياءِ وماهياتها ثابتةٌ في الأزل، وهي في ثبوتها غيرُ مجعولةٍ، وإنما المجعولُ الصُّوَر الوجودية، وهي لا تتبدَّل ولا تتغيّر، ولا تَنَّصف بالهلاك أصلاً، كما يشير إليه قولُه تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] بناءً على عود الضمير إلى الشيء وتفسيرِ الوجهِ بالحقيقة، وعلمُ الله تعالى بها حضوريٌّ، وهي كالمرايا لصُوَرها الحادثة، فتكون تلك الصورُ مشهودةً لله تعالى أزلاً مع عدمها في نفسها ذهناً وخارجاً، وقد بَيَّنوا انطواءَ العلم بها في العلم بالذَّات بجميع اعتباراته التي منها كونُه سبحانه مبدأً لإِفاضة وجوداتها عليها بمقتضى الحكمة، فيمكن أن يقال: إنَّ المفاتح بمعنى الخزائن إشارةٌ إلى تلك الماهياتِ الأزلية التي هي كالمرايا لما غاب عنَّا من الصُّوَر، وتلك حاضرةٌ عنده تعالى أزلاً، ولا يعلمها علماً حضوريًّا غيرَ محتاج إلى صورة ظِلِية إلَّا هو جلَّ وعلا. وهذا ظاهرٌ لمن أخذت العنايةُ بيده. سُورَةُ الأَنْفَعَل ٢٤٦ التفسير الإشاري (٥٩-٧٣) ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبرِ﴾ أي: بَرِّ النفوس من ألوان الشهواتِ ومراتبها ﴿وَالْبَحْرِ﴾ أي: بحر القلوب من لآلئِ الحِكم ومرجانِ العِرفان. ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ﴾ من أوراق أشجارِ اللَّطف والقهر في مَهْيَع النفسِ وخِضَمِّ القلب ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ في سائر أحوالِها. ﴿وَلَا حَبَّةٍ﴾ من بِذْر الجلالِ والجمال ﴿فِي تُلُمَتِ الْأَرْضِ﴾ وهو عالم الطبائعِ والأشباح ﴿وَلَا رَطْبٍ﴾ من الإِلهامات التي تَرِد على القلب بلطفٍ من غير انزعاج ﴿وَلَا يَابِسِ﴾ من الوساوس والخَطَرات التي تَفزع منها النفسُ حين تَرِد عليها ﴿إِلَّ فِ كِتَبٍ مُِّينٍ﴾ وهو عِلمُه سبحانه الجامع. وبعضهم لم يؤوِّل شيئاً من المذكورات، وفسَّر الكتابَ بسماء الدنيا؛ لتعيُّن هذه الجزئياتِ فيها. ويمكن أن يقال: إنَّ الكتاب إشارةٌ إلى ماهيات الأشياء، وهي المسمّاة بالأعيان الثابتة. ومعنى كونِها فيها ما أشرنا إليه أنَّ تلك الأعيانَ كالمرايا لهذه الموجوداتِ الخارجية. ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَُّكُمْ بِلَِّلِ﴾ أي: يُنيمكم. وقيل: يتوقَّاكم بطيران أَرواحِكم في الملكوت وسيرِها في رياض حَضرات اللَّاهوت. وقيل: يمكن أن يكونَ المعنى: وهو الذي يضيِّق عليكم إلى حيثُ يكاد تزهقُ أرواحكم في ليل القهرِ وتجلِّي الجلال. ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ﴾ أي: كسبتم ﴿بِلنَّهَارِ﴾ من الأعمال مطلقاً. وقيل: من الأعمال الشاقَّة على النفس المؤلمةِ لها، كالطاعات. وقيل: يحتمل أن يكونَ المعنى: ويعلم ما كسبتموه بنهار التجلِّي الجماليّ من الأُنس أو شواردِ العرفان ﴿تُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي: فيما جرحتم من صُوَر أعمالِكم ومكاسبكم الحسنةِ والقبيحة. وقيل: الحسنة. وقيل: فيما كسبتموه في نهار التجلِّي. وأوَّل الأقوالِ هنا وفيما تقدَّم أَوْلى. ﴿لِيُقْضَىْ أَجَلٌ مُسَمٌَّ﴾ أي: معيَّن عنده ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾(١) في عين الجمعِ المطلق ﴿ثُمَّ يُنَبِّئَّكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بإظهار صورٍ أَعمالكم عليكم وجزائكم بها . ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوَقَ عِبَادِهِ﴾ لأنَّه الوجود المطلقُ حتى عن قيد الإطلاق، وله الظهورُ حَسَبَما تقتضيه الحكمةُ، ولا تقيِّده المظاهرُ ﴿وَاللّهُ مِن وَرَآبِهِم تُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠]. (١) في الأصل و(م): ((ثم إلى ربكم ترجعون)). والمثبت هو الصواب. سُؤَةُ اللَنْعَل ٢٤٧ التفسير الإشاري (٥٩-٧٣) ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ وهي القوى التي ينطبع فيها الخيرُ والشرُّ ويصير هيئةً أو مَلَكة، ويظهر عند انسلاخ الرُّوح ويتمثَّل بصورٍ مناسبة، أو القُوى السماويةُ التي تنتقش فيها الصورُ الجزئية ولا تغادر صغيرةً ولا كبيرةً. ﴿حََّ إِذَا جَّةَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَقَّتْهُ رُسُّلْنَا﴾ قيل: هم نفسُ أولئك الحفظةِ وقد أَودع اللهُ تعالى فيهم القدرةً على الثَِّّي. ◌َّ رُدُّوَاْ إِلَى الَِّ﴾ في عين الجمعِ المطلَق ﴿مَوْلَئُهُمُ﴾ أي: مالكِهم الذي يلي سائرَ أحوالهم؛ إذ لا وجود لها إلَّ به ﴿آلْحَقِّ﴾ وكلُّ ما سواه باطل. وذكر بعضُ أهل الإِشارة أنَّ هذه أرجَى آيةٍ في كتاب الله تعالى، بناءً على أنَّ الله تعالى أخبر برجوع العبدِ إليه سبحانه، وخروجه من سجن الدنیا وأيدي الکاتبین، واصفاً نفسَه له بأنَّه مولاه الحقُّ، المُشعر بأنَّ غيره سبحانه لا يُعدَّ مولَى حقًّا. ولا شكَّ أنه لا أعزَّ للعبد من أن يكونَ مردُّه إلى مولاه. ﴿أَلَا لَهُ اَلْتَكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْخَسِينَ﴾ إذ ظهورُ الأعمالِ بالصُّور المناسبة آنَ مفارقةٍ الرُّوح للجسد. ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيَكُ مِّنِ ظُتِ آلْبَرِّ﴾ وهي الغَواشي النفسانية ﴿وَالْبَحْرِ﴾ وهي حُجُب صفاتِ القلب ﴿تَدَعُونَهُ﴾ إلى كشفها ﴿تَضَرُّعًا﴾ في نفوسكم ﴿وَخُفْيَةً﴾ في أسراركم: ﴿لَّيِنْ أَنْجَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ الغواشي والحجبِ ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الشََّكِينَ﴾ نعمةَ الإِنجاء بالاستقامة والتمكين. ﴿قُلِ اللَّهُ يُتَجِّكُمْ مِنْهَا﴾ بأنوار تجلِّياتٍ صفاته، ﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ سوى ذلك بأنْ يمنَّ عليكم بالفناء ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ بعد علمِكم بقدرته تعالى على ذلك ﴿تُشْرِكُونَ﴾ به أنفسكم وأهواءَكم فتعبدونها . ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ بأن يحجبَكم عن النظر في الملكوت، أو بأن يقهرَكم باحتجابكم بالمعقولات والحجبِ الرُّوحانية ﴿أَوْ مِن تَّحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ بألّا يسهِّلَ عليكم القيامَ على باب الرُّبوبية بنعت الخدمةِ وطلبِ الوُصلة، أو بأن يحجبكم بالحجب الطبيعية ﴿أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا﴾ فرقاً مختلفةً، كلُّ فِرقة على دين قوَّة من القُرى تقابل الفرقةَ الأخرى، أو يجعل أنفسَكم مختلفةَ العقائد، كلٌّ فرقةٍ سُورَةُ الأَنْعَم ٢٤٨ التفسير الإشاري (٥٩-٧٣) على دين دجَّال ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضٍُ﴾ بالمنازعات والمجادلاتِ حَسبَما يقتضيه الاختلاف. ﴿لِكُلِّ نَبَرٍ﴾ أي: ما ينبَّأ عنه ﴿مُسْتَقَرٌ﴾ أي: محلُّ وقوع واستقرار ﴿وَسَوْفَ تَعلَمُونَ﴾ حین یکشف عنکم حجب أبدانِكم. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَّ ءَئِنَا﴾ بإظهار صفاتِ نفوسهم وإِثبات العلم والقدرةِ لها ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لأنَّهم محجوبون مشركون. ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وهم المتجرِّدون عن صفاتهم ﴿مِنْ حِسَابِهِم﴾ أي: من حساب هؤلاءِ المحجوبين ﴿مِّنْ شَىْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ أي: فليذكِّروهم بالزَّجر والردع ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، أي: يحترزون عن الخوض. وجوِّز أن يكونَ المعنى أنَّ المتجرِّدين لا يحتجبون بواسطة مخالطةٍ المحجوبین، ولکن ذگّرناهم لعلھم یزیدون في التقوى. ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُوْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهَوَا﴾ أي: اترك الذين عادتُهم اللعبُ واللهو؛ فإنَّهم قد حُجبوا بما رسخَ فيهم عن سماع الإِنذار وتأثيرِه فيهم ﴿وَذَكِرْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن كراهةً ﴿أَنْ تُّبْسَلَ نَفْسُلُ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: تُحجب بكسبها بأن يصيرَ لها ملكة، أي: ذكِّر مَن لم يكن دِينه اللعب واللهو؛ لئلا يكونَ دينه ذلك، وأمَّا مَن وصل إلى ذلك الحدِّ، فلا ينفعه التذكيرُ. ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ وهو شدَّة الشوقِ إلى الكمال ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وهو الحِرمان عنه بسبب الاحتجابِ بما كَسبوا. ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اَللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ أي: أنعبد مَن ليس له قدرةٌ على شيءٍ أصلاً؛ إذ لا وجودَ له حقيقةً ﴿وَثُرَدُّ عَلَى أَعْقَايِنَا﴾ بالشِّرك ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَنْنَا اللَّهُ﴾ إلى التوحيد الحقيقيِّ ﴿كَالَّذِى اُسْتَهُوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ من الوهم والتخيُّل ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أرضِ الطبيعة ومهامهِ النفس ﴿حَيْرَانَ﴾ لا يدري أين يذهب ﴿لَهٌُ أَصْحَبٌ﴾ من الفِكر والقُوى النظريةِ ﴿يَدْعُونَهُ إلَى الْهُدَى﴾ الحقيقيِّ، يقولون: ﴿أَثْتِنَا﴾ فإنَّ الطريق الحقَّ عندنا، وهو لا يسمع ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ وهو طريقُ التوحيد ﴿هُوَ اُلْهُدَىّ﴾ وغيرُه غيرُه ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ بمحو صفاتنا . الآية : ٧٤ ٢٤٩ سُورَةُ الأَنْعَم ﴿وَأَنْ أَقِيمُواْ الضَلَوَةَ﴾ الحقيقيةَ، وهي الحضورِ القلبيُّ. قال ابنُ عطاء: إِقامة الصلاة: حِفظُها مع الله تعالى بالأسرار. ﴿وَأَتَّقُوّةٌ﴾ أي: اجعلوه سبحانه وقايةً بالتخلُّص عن وجودكم ﴿وَهُوَ الَّذِىّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ بالفَناء فيه سبحانه. ﴿وَهُوَ اَلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ﴾ أي: سماواتِ الأرواح ﴿وَالْأَرْضِ﴾ أي: أرضٍ الجسم ﴿بَآلِّ﴾ أي: قائماً بالعدل الذي هو مقتضَى ذاته ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُنُ﴾ وهو وقتُ تعلّق إرادته سبحانه القديمة بالظهور في التعُّنَات ﴿قَوَلُ اُلْحَقِّ﴾ لاقتضائه ما اقتضاه على أحسنٍ نظام، وليس في الإِمكان أبدعُ مِمَّا كان. ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى الضُورِّ﴾ وهو وقتُ إِفاضة الأرواح على صُوَر المكنوناتِ التي هي ميتةٌ بأنفسها، بل لا وجودَ لها ولا حياة ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ﴾ أي: حقائقٍ عالَم الأرواح، ويقال له: المَلَكوت ﴿وَالشَّهَدَةِ﴾ أي: صورٍ عالَم الأشباح، ويقال له: المُلك ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ الذي أَفاضَ على القوابل حسب القابلياتِ ﴿اَلْخَبِيرُ﴾ بأحوالها ومقدارٍ قابليَّاتها، لا حكيمَ غيرُه ولا خبيرَ سواه. ﴿وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ﴾ نصب عند بعضِ المحقّقين على أنَّه مفعولٌ به لفعل مضمَر خوطب به النبيُّ ◌َّهِ معطوفٍ على ((قل أندعوا)) لا على ((أقيموا)) لفساد المعنى، أي: واذكر يا محمدُ لهؤلاء الكفارِ - بعد أن أنكرتَ عليهم عبادةً ما لا يقدر على نفعٍ ولا ضَرِّ، وحقَّقْتَ أنَّ الهدى هو هدى اللهِ تعالى وما يَتْبعه من شؤونه تعالى - وقتَ قول إبراهيم عليه السلام الذين يدَّعون أنَّهم على مِلَّته موبِّخاً ﴿لِأَبِهِ ءَزَرَ﴾ على عبادة الأصنام، فإنَّ ذلك مِمَّا يبكِّتهم وينادي بفساد طريقتهم. وآزر بزِنَة آدم: عَلَم أعجميٌّ لأبي إبراهيم عليه السلام، وكان من قريةٍ من سواد الكوفة. وهو بدلٌ من ((إبراهيم))(١) أو عطفُ بيانٍ عليه. وقال الزجَّاج (٢): ليس بين النسَّابين اختلافٌ في أنَّ اسم أبي إبراهيم عليه السلام تارَح، بناء مثنَّاة فوقيةٍ وألفٍ بعدها راءٌ مهمَلة مفتوحةٌ وحاء مهمَلة، ويُروَى بالخاء المعجمة. (١) كذا في (م) والأصل، ولعله سبق قلم، والصواب أنه بدل من أبيه. (٢) في معاني القرآن ٢٦٥/٢. سُورَةُ الْأَنْتَعَل ٢٥٠ الآية : ٧٤ وأخرج ابنُ المنذر بسند صحيح عن ابن جُرَيج أنَّ اسمه تيرح أو تارح. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن ابن عباسٍ ﴿ّ أنَّ اسم أبي إبراهيم عليه الصلاة السلام يازر، واسم أمِّه مثلى(١). وإلى كون ((آزر)) ليس اسماً له ذهب مجاهدٌ وسعيد بن المسيَّب وغيرُهما، واختلفَ الذاهبون إلى ذلك، فمنهم من قال: إنَّ آزر لقبٌ لأَبيه عليه السلام. ومنهم مَن قال: اسمُ جدِّه. ومنهم مَن قال: اسم عمِّه، والعُمُّ والجدُّ يسمَّيان أباً مجازاً. ومنهم من قال: هو اسمُ صنم، وروي ذلك عن ابن عباسٍ والسدِّي ومجاهدٍ ومنهم مَن قال: هو وصفٌ في لغتهم ومعناه المخطئ. وعن سليمان(٢) التيميِّ قال: بلغني أنَّ معناه الأَعوج. وعن بعضهم أنه الشيخُ الهَرِمِ بالخُوارزمية. وعلى القولِ بالوصفية يكون منعُ صرفِه للحمل على موازنه، وهو فاعلٌ المفتوحُ العين؛ فإنه يغلب منعُ صرفه لكثرته في الأعلام الأَعجميَّة. وقيل: الأَوْلى أن يقالَ: إنه غلب عليه فأُلحق بالعَلَم. وبعضُهم يجعله نعتاً مشتقًّا من الأَزر بمعنى القوة، أو الوزر بمعنى الإِثم، ومَنْع صرفهِ حينئذٍ للوصفية ووزنِ الفعل؛ لأنَّه على وزن أفعل. وعلى القول بأنَّه بمعنى الصنمِ يكون الكلامُ على حذف مضافٍ وإقامةِ المضاف إليه مُقَامَه، أي: عابد آزرَ. وقرأ يعقوبُ: ((آزرُ))(٣) بالضمِّ على النداء. واستُدلَّ بذلك على العَلَمية، بناءً على أنه لا يُحذف حرفُ النداء إلَّا من الأَعلام، وحذفُه من الصفات شاذٌ، أي: يا آزر ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةٌّ﴾ أي: أَتجعلها لنفسك آلهةً، على توجيه الإِنكار إلى اتّخاذ الجنسِ من غير اعتبارِ الجمعية، وإنَّما إيرادُ صيغةِ الجنسِ باعتبار الوقوع. وقرئ: (أَأَزْراً))(٤) بهمزتين: الأُولى استفهاميةٌ مفتوحة، والثانيةُ مفتوحةٌ (١) كذا في الدر المنثور ٢٣/٣ ونسبه أيضاً لأبي الشيخ، وفي تفسير ابن أبي حاتم ١٣٢٤/٤ أن اسم أمه مثانی. (٢) في الأصل و(م): سلمان، والتصويب من الدر المنثور ٢٣/٣، وتفسير ابن أبي حاتم ١٣٢٥/٤. (٣) النشر ٢٥٩/٢. (٤) القراءات الشاذة ص٣٨، والمحتسب ٢٢٣/١. الآية : ٧٤ ٢٥١ سُورَةُ الأَنْتَم ومكسورة، وهي إمَّا أصلية أو مبدَلةٌ من الواو. ومَن قرأ بذلك قرأ ((تتخذه بإسقاط الهمزة، وهو مفعولٌ به لفعلٍ محذوف، أي: أتعبد أزْراً، على أنه اسمُ صنم، ويكون (تتخذ)) إلخ بياناً لذلك وتقريراً، وهو داخلٌ تحت الإِنكار. أو مفعولٌ له على أنه بمعنى القوَّة، أي: أَلأَجلِ القوَّة تتخذ أصناماً آلهة؟ والكلام إِنکار لتعزُّزه بها، على طريقة قولِه تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ [النساء: ١٣٩] وجوِّز أن يكونَ حالاً أو مفعولاً ثانياً لـ ((تتخذ)). وأَعرب بعضُهم ((آزر)) على قراءة الجمهورٍ على أنَّه مفعولٌ لمحذوف، وهو بمعنی الصنم أيضاً، أي: أَتعبد آزر؟ وجعل قوله سبحانه: ((أتتخذ)) إلخ تفسيراً وتقريراً، بمعنى أنَّه قرينةٌ على الحذف لا بمعنى التفسيرِ المصطلح عليه في باب الاشتغال؛ لأنَّ ما بعدَ الهمزةِ لا يعمل فيما قبلَها، وما لا يعمل لا يفسِّر عاملاً كما تقرَّر عندهم. والذي عوَّل عليه الجمُّ الغفير من أهل السنَّة أنَّ آزر لم يكن والدَ إبراهيمَ عليه السلام، وادَّعوا أنه ليس في آباء النبيِّ وَّر كافرٌ أصلاً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لم أزل أُنقل من أَصلاب الطَّاهرين إلى أَرحام الطَّاهرات)»(١) والمشركون نَجَس. وتخصيصُ الطهارةِ بالطهارة من السِّفاح لا دليلَ له يعوَّل عليه. والعِبرة لعموم اللفظِ لا لخصوص السَّبب. وقد ألَّفوا في هذا المطلبِ الرسائلَ واستدلُّوا له بما استدلُّوا. والقولُ بأنَّ ذلك قولُ الشيعة كما ادَّعاه الإِمام الرازيُّ(٢) ناشئٌّ من قلَّة التَبُّع. وأكثرُ هؤلاءٍ على أنَّ آزر اسمٌ لعمِّ إبراهيمَ عليه السلام. وجاء إِطلاقُ الأب على العمِّ في قوله تعالى: ﴿أَمْ كُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِنْزَهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] وفيه إطلاقُ الأب على الجدِّ أيضاً. وعن محمد بنِ كعبِ القُرَظي أنه قال: الخالُ والد والعمُّ والد، وتلا هذه الآيةَ. وفي الخبر: ((رُدُّوا عليَّ أبي العباسَ))(٣). (١) كذا ذكره الرازي في التفسير الكبير ٣٣/١٣، ولم نقف عليه مسنداً. (٢) في تفسيره ٣٨/١٣. (٣) أخرجه مطولاً ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٨٠-٤٨٥، والطحاوي في معاني الآثار ٣١٢/٣-٣١٥ عن عكرمة مرسلاً بلفظ: ((ردوا علي أبي، ردوا علي أبي، إن عم الرجل صنو أبيه .... )). سُؤَّةُ الأَنْعَم ٢٥٢ الآية : ٧٤ وأيَّد بعضُهم(١) دعوى أنَّ أبا إبراهيم عليه السلام الحقيقيَّ لم يكن كافراً وإنَّما كان الكافر عمَّه بما أخرجه ابنُ المنذر في تفسيره بسندٍ صحيح عن سليمانَ بن صُرَد قال: لَمَّا أرادوا أن يُلقوا إبراهيمَ عليه السلام في النار، جعلوا يجمعون الحطب، حتى إنْ كانت العجوزُ لَتجمع الحطب، فلما تحقَّق ذلك قال: حسبي اللهُ ونِعمَ الوكيل، فلما ألقَوه قال اللهُ تعالى: ﴿يَنَارُ كُنِى بَدًا وَسَلَمَا عَلَى إِزَهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانت، فقال عمُّه: من أجلي دفع عنه، فأرسل اللهُ تعالى عليه شرارةً من النار، فوقعت على قدمه فأحرقته. وبما أخرج عن محمد بنِ كعب وقتادةً ومجاهدٍ والحسنِ وغيرِهم أنَّ إِبراهيم عليه السلام لم يزل يستغفر لأَبيه حتى مات، فلمَّا مات تبيَّن له أنه عدوٌّ لله، فلم يستغفر له(٢). ثم هاجر بعد موتِهِ وواقعةِ النار إلى الشام، ثم دخل مصرَ واتَّفق له مع الجبَّار ما اتفق، ثم رجع إلى الشَّام ومعه هاجر، ثم أمره الله تعالى أن ينقلَها وولدَها إِسماعيلَ إلى مكةً، فنقلهما، ودعا هناك فقال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَبََّا أَغْفِرْ لِ وَلِوَالِدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٣٧- ٤١] فإنه يُستنبط من ذلك أنَّ المذكور في القرآن بالكفر هو عمُّه، حيث صرَّح في الأثر الأوَّل أنَّ الذي هلك قبل الهجرةِ هو عمُّه، ودلَّ الأثرُ الثاني على أنَّ الاستغفار لوالديه كان بعد هلاكِ أبيه بمدَّة مديدة، فلو كان الهالكُ هو أبوه الحقيقيُّ، لم يصحَّ منه عليه السلام هذا الاستغفارُ له أصلاً، فالذي يظهر أنَّ الهالك هو العمُّ الكافر المعبّر عنه بالأب مجازاً، وذلك لم يستغفر له بعد الموت، وأنَّ المستغفَر له إنَّما هو الأبُ الحقيقيُّ وليس بآزر، وكأن في التعبير بالوالد في آية الاستغفارِ وبالأب في غيرها إشارةٌ إلى المغايرة. ومن الناس مَن احتجَّ على أن آزرَ ما كان والدَ إبراهيم عليه السلام بأنَّ هذه الآيةَ دالَّة على أنه عليه السلام شافَهَه بالغِلظة والجفاء؛ لقوله تعالى فيها: ﴿إِنّ أَرَئِكَ وَقَوْمَكَ﴾ أي: الذين يتَّبعونك في عبادتها ﴿فِي ضَلَلٍ﴾ عظيم عن الحقّ (١) هو السيوطي في الحاوي ٢/ ٣٧٤، وعنه نقل المصنف. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١٨٩٤/٦ عن ابن عباس موقوفاً، وصحح إسناده السيوطي في الحاوي ٦ /١٨٩٤. الآية : ٧٤ ٢٥٣ سُورَةُ الأَنْدَم أي: ظاهرٍ لا اشتباهَ فيه أصلاً، ومشافهةُ الأب بالجفاء لا يجوز؛ لما VE ﴿قُبِينٍ فيه من الإِيذاء، وآية التأفيفِ بفحواها تعمُّ سائرَ أنواع الإِيذاءات، كعمومها للأَب الكافرِ والمسلم. وأيضاً إنَّ الله تعالى لَمَّا بعث موسى عليه السلام إلى فرعونَ أمره بالرِّفق معه والقولِ الليِّن له، رعايةً لحقِّ التربية، وهي في الوالد أتمُّ. وأيضاً الدعوةُ بالرِّفق أكثرُ تأثيراً؛ فإن الخشونة توجِب النُّفرة، فلا تليق من غير إِبراهيم عليه السلام مع الأجانب، فكيف تليقُ منه مع أبيه وهو الأوَّاه الحليم. وأُجيب بأنَّ هذا ليس من الإيذاء المحرَّم في شيء، وليس مقتضى المقام إلَّا ذاك، ولا نسلِّم أن الداعيّ لأمر موسى عليه السلام باللِّين مع فرعونَ مجردُ رعايةٍ حقِّ التربية، وقد يقسو الإنسانُ أحياناً على شخصٍ لمنفعته، كما قال أبو تمام: فقسا ليزدجروا ومَن يكُ حازماً فليقسُ أحياناً على من يرحمُ (١) وقال أبو العلاء المعري: إِضرب وليدك وادلله على رَشَدٍ ولا تقل هو طفلٌ غير محتلمٍ وقِس على شَقِّ رأسِ السهمِ والقلم (٢) فرُبَّ شَقِّ برأسٍ جرَّ منفعةً وقال ابنُ خفاجة الأندلسي(٣): نبِّه وليدَك من صِباه بزجرةٍ وانْهَرْه حتى تستهلَّ دموعه فالسيف لا يذكر بكفِّك نارُه فلَربَّما أَغْفَى هناك ذَكاؤهُ في وجنتَيه وتلتظيْ أحشاؤه حتى يسيلَ بصفحتيهِ ماؤه وكونُ الرفقِ أكثرَ تأثيراً غيرُ مسلَّم على الإِطلاق؛ فإنَّ المقاماتِ متفاوتة، كما يُنبئُ عن ذلك قولُه تعالى لنبيِّه عليه الصلاة والسلام تارةً: ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥] وأخرى: ﴿وَأَغْلُطْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] نعم لو ادَّعى أنَّ ما ذكر مؤيّد لكون آزرَ ليس أباً حقيقيًّا لإبراهيم عليه السلام، لَربَّما قُبل، وحيث ادَّعى أنه حجّة على ذلك، فلا يُقبل. فتدبّر. (١) ديوان أبي تمام ٣/ ٢٠٠ بشرح الخطيب التبريزي، وسلف ٨٨/٥. (٢) لزوم ما لا يلزم ١٤٧٥/٣، والشطر الأخير فيه: وقس على نفع شق الرأس في القلم. (٣) ديوانه ص١٤. سُورَةُ الأَنْعَل ٢٥٤ الآية : ٧٤ والرؤية إمَّا عِلمية والظرفُ مفعولها الثاني، وإمَّا بصرية فهو حالٌ من المفعول، والجملة تعليلٌ للإنكار والتوبيخ. ومنشأ ضلالٍ عبدةِ الأَصنام - على ما يُفهَم من كلام أبي معشرٍ جعفر بن محمد المنجِّم البلخيّ(١) في بعض كتبه ـ اعتقادُ أنَّ الله تعالى جسمٌ، فقد نقل عنه الإمام (٢) أنَّه قال: إن كثيراً من أهل الصينِ والهند كانوا يُثبتون الإِلهَ والملائكة، إلَّا أنَّهم يعتقدون أنَّه سبحانه جسمٌ ذو صورة كأحسن ما يكون من الصور، والملائكة أيضاً صورٌ حسنة، إلَّا أنهم كلَّهم محتجبون بالسماوات عندهم، فلا جرمَ اتَّخذوا صوراً وتماثيلَ أنيقة المنظر، حسنةَ الرُّواء والهيكل، وجعلوا الأَحسنَ هيكلَ الإله، وما دونه هيكلَ المَلَك، وواظبوا على عبادة ذلك قاصدين الزُّلفى من الله تعالى ومن الملائكة . وذكر الإِمام نفسُه(٣) في أصل عبادة الأصنام أنَّ الناس رأوا تغيُّرات أحوالِ هذا العالَمِ الأَسفل مربوطةً بتغيُّرات أحوالِ الكواكب، فزعموا ارتباطَ السعادةِ والنُّحوسةِ بكيفيَّة وقوعِها في الطوالع، ثم غلب على ظنِّ أكثرِ الخلق أنَّ مبدأ حدوثِ الحوادث في هذا العالَم هو الاتصالاتُ الفلكية والمناسباتُ الكوكبية، فبالغوا في تعظيم الكواكب. ثم منهم مَن اعتقد أنَّها واجبةُ الوجود لذاتها، ومنهم مَن اعتقد حدوثَها وكونَها مخلوقةً للإِله الأكبر، إلا أنهم قالوا: إنَّها مع ذلك هي المدبِّرةُ لأَحوال العالَم. وعلى كلا التقديرَين اشتغلوا بعبادتها. ولَمَّا رأوها قد تغيبُ عن الأبصار، اتخذوا لكلِّ كوكبٍ صنماً من الجوهر المنسوب إليه بزعمهم، وأَقبلوا على عبادته، وغرضُهم من ذلك عبادةُ تلك الكواكبِ والتقرُّبُ إليها؛ ولهذا أَقام الأنبياءُ عليهم الصلاة والسلام الأدلَّةَ على أنَّ الكواكب لا تأثيرَ لها البثَّةَ في أحوال هذا العالم، كما قال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] بعد أن بيَّن أنَّ الكواكب مسخّرة. وعلى أنَّها لو قدِّر صدورُ فعلٍ منها وتأثيرٌ في هذا العالَم، لا تخلو عن (١) المتوفى سنة (٢٧٢ هـ). كان إمام وقته في فنه، له مصنفات منها: الزيج، الطبائع، الملاحم، وغير ذلك. أخبار الحكماء للقفطي ص١٠٦، ووفيات الأعيان ١/ ٣٥٨. (٢) في تفسيره ٣٧/١٣. (٣) في تفسيره ٣٦/١٣. الآية : ٧٥ ٢٥٥ سُورَةُ الأَنْدَعَل دلائل الحدوثِ وكونِها مخلوقةً، فيكون الاشتغالُ بعبادة الفرع دون عبادة الأصلِ ضلالاً محضاً. ويُرشد إلى أنَّ حاصل دينِ عَبَدة الأصنام ما ذكر أنَّه سبحانه بعد أنْ حكى توبيخَ إبراهيمَ عليه السلام لأبيه على اتّخاذها، أقام الدليل على أنَّ الكواكب والقمرَ لا يصلح شيءٌ منها للإلهية. وأنا أقول: لعل هذا سببٌ في عبادة الأصنام أوَّلاً، وأمَّا سببُ عبادةِ العرب لها فغيرُ ذلك؛ قال ابنُ هشام: حدَّثني بعض أهلِ العلم أنَّ عَمرَو بن لُحَيٍّ - وهو أوَّل مَن غيَّر دين إبراهيمَ عليه السلام - خرج من مكةً إلى الشَّام في بعض أَسفاره، فلمَّا قدم أرض البلقاء - وبها يومئذ العمالقةُ أولادُ عِملاق، ويقال: عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السَّلام - رآهم يعبدون الأصنامَ، فقال لهم: ما هذه التي أراكم تعبدون؟ فقالوا: هذه الأصنامُ نعبدها ونستمطر بها فتمطرنا، ونستنصر بها فَتنصرنا، فقال لهم: ألا تُعطوني منها صنماً فَأَسيرَ به إلى أرض العربِ فيعبدونه؟ فأَعطَوه صنماً يقال له هُبَل، فقدم به مكةً، فَنَصَبه وأمر الناسَ بعبادته(١). وقال ابن إسحاق: يزعمون أنَّ أوَّل ما كانت عبادةُ الحجارة في بني إسماعيلَ عليه السلام؛ وذلك أنَّه كان لا يَظعن من مكةً ظاعنٌ منهم حينَ ضاقت عليهم والتمسوا الفَسْحَ في البلاد، إلَّا حمل معه حجراً من حجارة الحرم تعظيماً للحرم، فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتى خَلَفهم الخَلْفَ ونسُوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السلام غيرَه، فعبدوا الأوثانَ، فصاروا على ما كانت الأُمم قبلَهم من الضَّلالات(٢)، وسيأتي إنْ شاء الله تعالى تتمةُ الكلام على ذلك. ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِنْزَهِيمَ﴾ هذه الإِراءةُ من الرؤية البصريةِ المستعارةِ استعارةً لغويةً للمعرفة، من إطلاق السَّبب على المسبّب، أي: عرَّفناه وبصَّرناه. وكان الظاهر: (١) السيرة النبوية ٧٧/١. وأصل خبر عمرو بن لحي في صحيح البخاري (٣٥٢١) و(٤٦٢٣) ومسلم (٢٨٥٦) من حديث أبي هريرة ظه. وهو عند البخاري أيضاً (٤٦٢٤) من حديث عائشة ځا. (٢) السيرة النبوية ١/ ٧٧. سُورَةُ اللَّنْعَل ٢٥٦ الآية : ٧٥ أَرينا، بصيغة الماضي، إلَّا أنَّه عدل إلى صيغة المستقبلِ حكايةً للحال الماضية، استحضاراً لصورتها حتى كأنَّها حاضرةٌ مشاهدة. وقيل: إنَّ التعبير بالمستقبل لأنَّ متعلَّق الإِراءة لا يتناهى وجهُ دلالته، فلا يمكن الوقوفُ على ذلك إلَّا بالتدريج. وليس بشيءٍ. والإِشارة إلى مصدر ((نري)) لا إلى إراءةٍ أخرى مفهومةٍ من قوله تعالى: ﴿إِنّ أَرَئِكَ﴾(١) ولا إلى ما أَنذر به أباه وضلَّل قومَه من المعرفة والبصارة. وجوِّز كلِّ. وقيل: يجوز أن يجعلَ المشبّهُ التبصيرَ من حيث إنه واقع، والمشبّهُ به التبصيرَ من حيث إنه مدلولُ اللفظ، ونظيره وصفُ النِّسبة بالمطابقة للواقع وهي عينُ الواقع. وجوِّز كونُ الكاف بمعنى اللام، والإِشارةُ إلى القول السابق. وأنت تعلمُ ما هو الأَجزل والأَوْلى مِمَّا تقدَّم لك في نظائره، وليس هو إلَّا الأوَّل، أي: ذلك التبصيرَ البديعَ نبصِّره عليه السلام. ﴿مَلَكُوْتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ربوبيَّتَه تعالى ومالكيتَه لهما، لا تبصيراً آخَر أَدنى منه. فالملكوتُ مصدر، كالرَّغبوت والرَّحموت، كما قاله ابنُ مالك وغيرُه من أهل اللغة، وتاؤه زائدةٌ للمبالغة؛ ولهذا فسِّر بالملك العظيم والسُّلطان القاهر، وهو - كما قال الراغبُ(٢) - مختصِّ به تعالى خلافاً لبعضهم. وعن مجاهد: أنَّ المراد بالملكوت الآياتُ. وقيل: العجائبُ التي في السماوات والأرض؛ فإنَّه عليه السلام فُرجت له السماواتُ السبع فنظر إلى ما فيهنَّ حتى انتهى بصرُه إلى العرش، وفُرجت له الأَرضون السبعُ فنظر إلى ما فيهنَّ(٣). وأخرج ابنُ مردويه عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه قال: قال رسول الله وَ له: (لَمَّا رأى إبراهيمُ ملكوت السماوات والأرض، أَشرفَ على رجلٍ على معصيةٍ من معاصي اللهِ تعالى، فدعا عليه فهلك، ثم أَشرفَ على آخَر على معصيةٍ من معاصي اللهِ تعالى، فدعا عليه فهلك، ثم أَشرف على آخَر، فذهب يدعو عليه، (١) في الآية السابقة. (٢) في المفردات (ملك). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم ١٣٢٦/٤ من قول مجاهد. الآية : ٧٥ ٢٥٧ سُورَةُ الأَنْتَُّ فأَوحى اللهُ تعالى إليه أنْ: يا إبراهيمُ، إنك رجلٌ مستجاب الدعوةِ، فلا تدعُ على عبادي، فإنَّهم مني على ثلاث: إمَّا أن يتوبَ العاصي فأتوب عليه. وإمَّا أن أُخرجَ من صُلبه نسمةً تملأ الأرضَ بالتسبيح(١). وإمَّا أن أَقبضَه إلى، فإن شئتُ عفوت، وإنْ شئتُ عاقبت)) وروي نحوُه موقوفاً ومرفوعاً من طرق شتَّى، ولا خلافَ فيها الدلائل المعقولِ، خلافاً لمن توقَّمه. وقيل: ملكوتُ السماوات: الشمسُ، والقمر، والنجوم. وملكوتُ الأرض: الجبالُ، والأشجار، والبحار. وهذه الأقوالُ - على ما قيل - لا تقتضي أن تكونَ الإِراءة بصريةً؛ إذ ليس المرادُ بإراءة ما ذُكر من الأمور الحسيةِ مجردَ تمكينه عليه السلام من إِبصارها ومشاهدتها في أَنفسها، بل إِطلاعَه عليه السلام على حقائقها، وتعريفَها من حيث دلالتها على شؤونه عزَّ وجلَّ. ولا ريبَ في أنَّ ذلك ليس مما يُدرك حسًّا، كما يُنبئ عنه التشبيهُ السابق. وقُرئ: ((تُري))(٢) بالتاء وإسنادِ الفعل إلى الملكوت، أي: تبصِّره عليه السلام دلائلَ الرُّبوبية . ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ أي: من زمرة الرَّاسخين في الإِيقان، البالغين درجةً عينٍ اليقين من معرفةِ الله تعالى. وهذا لا يقتضي سبقَ الشكِّ كما لا يخفَى. واللام متعلّقة بمحذوف مؤخّر، والجملة اعتراضٌ مقرِّر لما قبلها، أي: وليكونَ كذلك فعلنا ما فعلنا من التبصير البديع المذكور، والحصرُ باعتبار أنَّ هذا الكونَ هو المقصودُ الأصليُّ من ذلك التبصير، ونحو إرشاد الخلقِ وإِلزام الكفارِ من مستتبعاته. وبعضُهم لم يلاحظ ذلك، فقدَّر الفعل مقدَّماً؛ لعدم انحصارِ العلَّة فيما ذکر. وقيل: هي متعلِّقة بالفعل السّابق، والجملةُ معطوفة على عِلَّة مقدَّرة ينسحب عليها الكلامُ، أي: ليستدلَّ وليكون. واعتُرض بأنَّ الاستدلال مع قطع النظر عن (١) كنز العمال ٢٦٩/٤، وقال مصنفه: فيه سوَّار بن مصعب، وهو متروك. (٢) الكشاف ٣٢/٢، والبحر ٤/ ١٦٥. سُؤَةُ الأَنْعَم ٢٥٨ الآية : ٧٦ كونه سبباً للإيقان(١) لا يكون علَّةً للإِراءة، فكيف يُعطف عليه بإعادة اللام؟ وليس بشيءٍ . وادَّعى بعضهم أنَّه ينبغي على ذلك أن يرادَ بملكوت السماواتِ والأرض بدائعُهما وآياتهما؛ لأنَّ الاستدلال من غايات إراءتها لا من غاية إِراءة نفسٍ الرُّبوبية. وأنت تعلم أنَّ رؤيةَ الربوبيةِ إنما هي برؤية دلائلها وآثارِها . ومن الناس مَن جوَّز كونَ الواو زائدةً، واللام متعلقةً بما قبل. وفيه بُعدٌ وإنْ ذكروه وجهاً كالأوَّلَين في كلِّ ما جاء في القرآن من هذا القَبيل. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ﴾ يحتمل أن يكونَ عطفاً على (إذ قال إبراهيم)) وما بينهما اعتراضٌ مقرِّر لما سبق ولَحِقَ، فإنَّ تعريفه عليه السلام ربوبيَّته ومالكيتَه تعالى السماوات والأرض وما فيهنَّ، وكونَ الكلِّ مقهوراً تحت ملكوتِه مفتقراً إليه عزَّ شأنه في جميع أحوالِه، وكونَه من الرَّاسخين في المعرفة الواصلين إلى ذِروة عينِ اليقين مِمَّا يقتضي بأن يحكمَ باستحالة ألوهيةٍ ما سواه سبحانه من الأصنام والكواكبِ التي كان يعبدها قومُه. واختاره بعضُ المحقّقين. ويحتمل أن يكونَ تفصيلاً لما ذكر من إِراءة الملكوتِ وبياناً لكيفية استدلالهٍ عليه السلام ووصولهِ إلى رتبة الإِيقان. والترتيب ذكريٌّ لتأخّر التفصيلِ عن الإِجمال في الذِّكر. ومعنى ((جن عليه الليل)) سَتَره بظلامه، وهذه المادةُ بمتصرَّفاتها تدلُّ على السَّتر. وعن الراغب(٢): أصل الجَنِّ: السَّتر عن الحاسَّة، يقال: جنَّه الليل وأَجتَّه وجنَّ عليه، فجَّه وجنَّ عليه: ستره، وأجنَّه: جعل له ما يَستره. وقوله سبحانه: ﴿رَءَا كَوَكَبًا﴾ جوابُ ((لما)) فإنَّ رؤيته إنَّما تتحقّق عادةً بزوال نورٍ الشمس عن الحسِّ. وهذا - كما قال شيخُ الإسلام(٣) - صريحٌ في أنَّه لم يكن في ابتداء الطُّلوع، بل كان بعد غَيبته عن الحسِّ بطريق الاضمحلالِ بنور الشَّمس، (١) في (م): للالتفات، وفي الأصل: للاتقان، والمثبت من حاشية الشهاب ٤/ ٨٥. (٢) في المفردات (جنن). (٣) في إرشاد العقل السليم ١٥٣/٣. الآية : ٧٦ ٢٥٩ سُورَةُ الأَنْقَ والتحقيقُ عنده أنَّه كان قريباً من الغروب، وسيأتي إن شاء الله تعالى الإِشارةُ إلى سبب ذلك. والمرادُ بالكوكب ـ فيما روي عن ابن عباسٍ ﴿ّ - المشتري. وأخرج ابنُ المنذر وغيرُه عن قتادةَ أنه قال: ذُكر لنا أنه الزُّهَرة. ﴿قَالَ هَذَا رَبِّ﴾ استئناف مبنيٌّ على سؤالٍ نشأً من الكلام السابق، وهذا منه عليه السلام على سبيل الفَرْض وإِرخاءِ العِنان، مجاراةً مع أبيه وقومِه الذين كانوا يعبدون الأصنامَ والكواكب، فإنَّ المستدلَّ على فسادِ قولٍ يَحكيه ثم يَكُرُّ عليه بالإِبطال، وهذا هو الحقُّ الحقيق بالقَبول. وقيل: إنَّ في الكلام استفهاماً إنكاريًّا محذوفاً، وحذفُ أداةِ الاستفهام كثيرٌ في كلامهم، ومنه قولُه: ثم قالوا تحبُّها قلتُ بَهراً (١) وقولُه : فقلتُ وأنكرت الوجوهَ همُ همُ (٢) وروي عن ابن عباسٍ ◌ّ أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿فَلَ اُفَْحَمَ اَلْعَقَبَّةَ﴾ [البلد: ١١] إنَّ المعنى: أفلا اقتحم؟ وجعل من ذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُهَا عَلَّ﴾ [الشعراء: ٢٢]. وقيل: إنه مَقولٌ على سبيل الاستهزاءِ، كما يقال لذليلِ ساد قوماً: هذا سيِّدُكم، على سبيل الاستهزاء. وقيل: إنَّه عليه السلام أراد أن يُبطلَ قولَهم بربوبيَّة الكواكب، إلَّا أنه عليه السلام كان قد عرف من تقليدهم لأَسلافهم وبُعدِ طباعهم عن قَبول الدلائل أنَّه لو صرَّح بالدَّعوة إلى الله تعالى، لم يقبلوا ولم يلتفتوا، فمال إلى طريقٍ يستدرجهم إلى (١) عجزه : عَدَدَ النجمِ والحصى والترابِ وهو لعمر بن أبي ربيعة، ديوانه ص ٤٣١. (٢) شطر بيت لأبي خراش، وهو في ديوان الهذليين ٢/ ١٤٤، وقد سلف ١٤/٢. سُؤَدَّةُ الأَنْدَعَل ٢٦٠ الآية : ٧٦ استماع الحجَّة، وذلك بأنْ ذكر كلاماً يُوهم كونَه مساعداً لهم على مذهبهم مع أنّ قلبه كان مطمئنًّا بالإيمان، ومقصودُه من ذلك أن يتمكَّنَ من ذِكر الدليلِ على إِبطاله وإنْ لم يقبلوا . وقرَّر الإِمام(١) هذا بأنَّه عليه السلام لَمَّا لم يجد إلى الدعوةِ طريقاً سوى هذا الطريقِ وكان مأموراً بالدَّعوة إلى الله تعالى، كان بمنزلة المكرَه على كلمة الكفر، ومعلومٌ أنه عند الإِكراه يجوز إِجراءُ كلمةِ الكفرِ على اللسان، وإذا جاز ذلك لبقاء شخصٍ واحد، فبأن يجوزَ لتخليص عالَمٍ من العقلاء عن الكفر والعقابِ المؤَّد، كان ذلك أُوْلى. فكلام إِبراهيم عليه السلام كان من باب الموافقة ظاهراً للقوم، حتى إذا أَوردَ عليهم الدليلَ المبطلَ لقولهم، كان قَبولهم له أتمَّ، وانتفاعُهم باستماعه أكمل. ثم قال: ومما يقوِّي هذا القولَ أنَّه تعالى حكى عنه مثلَ هذا الطريقِ في موضعٍ آخَر، وهو قولُه تعالى: ﴿فَظَرَ نَظَرَةٌ فِ النُّجُومِ ﴿ فَقَالَ إِنِ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨-٨٩] وذلك لأنَّ القوم كانوا يستدلُّون بعلم النجوم على حصول الحوادثِ المستقبلة، فوافقهم في الظاهر مع أنَّه كان بريئاً عنه في الباطن؛ ليتوصَّل بذلك إلى كسر الأصنام، فمتى جازت الموافقةُ لهذا الغرض، فلمَ لا تجوز في مسألتنا لمثل ذلك؟ وقيل: إنَّ القوم بينما كانوا يدعونه عليه السلام إلى عبادة النجوم وكانت المناظرةُ بينهم قائمةً على ساق، إذ طلع النجمُ، فقال: ((هذا ربي)) على معنى: هذا هو الربُّ الذي تدعونني إليه. وقيل وقيل، والكلُّ ليس بشيءٍ عند المحقّقين، لاسيَّما ما قرَّره الإِمام. وتلك الأقوالُ كلُّها مبنيَّة على أنَّ هذا القولَ كان بعد البلوغ ودعوةِ القوم إلى التَّوحيد، وسياقُ الآيةِ وسِباقُها شاهدا عدلٍ على ذلك. وزعم بعضُهم أنَّه كان قبلَ البلوغ، ولا يَلزمه اختلاجُ شكِّ مؤدٌّ إلى كفر؛ لأنه لَمَّا آمن بالغيب، أَراد أن يؤيِّد ما جزم به بأنَّه لو لم يكن اللهُ تعالى إلهاً وكان ما يعبده قومُه، لكان إمّا كذا وإمَّا كذا، والكلُّ لا يصلح لذلك، فيتعيَّن كونُ اللهِ تعالى إلهاً. وهو خلافُ الظاهر، ويأباه السِّياق والسِّباق كما لا يخفَى. (١) في تفسيره ١٣/ ٥٠.