النص المفهرس

صفحات 221-240

الآية : ٦٤
٢٢١
سُورَةُ الأَنْتَعَل
وقرأ أهل الكوفة: ((أنجانا))(١) بلفظ الغيبة مراعاةً لـ ((تدعونه)) دون حكايةٍ
خطابِهِم في حالة الدعاء، غيرَ أنَّ عاصماً قرأ بالتفخيم، والباقون بالإِمالة (٢).
وقوله سبحانه: ﴿مِنْ هَذِهِ﴾ إشارةٌ إلى ما هم فيها المعبَّرِ عنها بالظلمات
﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ ﴾﴾ أي: الراسخين في الشُّكر المداومين عليه لأجل هذه
النعمةِ الجليلة، أو جميعِ النعم التي هذه من جملتها .
﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِيَّكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ أي: غمّ يأخذ بالنفس، والمراد به إمَّا ما يعمُّ
ما تقدَّم، والتعميمُ بعد التخصيص كثير، أو ما يعتري المرءَ من العوارض النفسية
التي لا تتناهَى، كالأَمراض والأسقام.
وأُمر و طلّ بالجواب مع كونه من وظائفهم؛ للإيذان بظهوره وتعيُّنه، أو للإهانة
لهم مع بناءِ قولِه سبحانه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾﴾ عليه، أي: الله تعالى وحده پنجیکم
مِمَّا تدعونه إلى كشفه ومن غيره، ثم أنتم بعد ما تشاهدون هذه النِّعمَ الجليلة
تعودون إلى الشّرك في عبادته سبحانه ولا تُوفُون بالعهد.
ووضع (تشركون)) موضعَ لا تشكرون الذي هو الظاهرُ المناسب؛ لوعدهم
السابقِ المشار إليه بقوله تعالى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَِّكِينَ﴾ للتنبيه على أنَّ مَن أشرك في
عبادة اللهِ تعالى فكأنَّه لم يعبده رأساً، إذ التوحيدُ ملاك الأمرِ وأساسُ العبادة.
وقيل: لعل المقصودَ التوبيخُ بأنهم مع علمهم بأنه لم يُنجهم إلا اللهُ تعالى - كما
أفاده تقديمُ المسند إليه - أَشركوا ولم يخصُّوا اللهَ تعالى بالعبادة، فذكر الإِشراك
في موقعه، وكلمة ((ثم)) ليس للتَّراخي الزمانيّ، بل لكمال البُعد بين إحسانِ الله
تعالى عليهم وعصيانِهم. ولم يذكر متعلَّق الشرك؛ لتنزيله منزلةً اللازم، تنبيهاً على
استبعاد الشركِ نفسه.
وقرأ أهلُ الكوفة وأبو جعفرٍ وهشامٌ عن ابن عامر: ((ينجِّيكم)) بالتشديد،
والباقون بالتخفيف(٣).
(١) التيسير ص١٠٣، والنشر ٢٥٩/٢.
(٢) انظر مذهبهم في التفخيم والإمالة في النشر ٣٥/٢ فما بعد.
(٣) التيسير ص١٠٣، والنشر ٢٥٨/٢-٢٥٩.

سُؤَدَّةُ الأَنْعُ
٢٢٢
الآية : ٦٥
﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء الكفّار ﴿هُوَ اُلْقَائِرُ﴾ لا غيرُه سبحانه ﴿عَى أَنْ يَبْعَثَ﴾ أي:
يرسلَ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلّق بـ ((يبعث)) وتقديمُه على المفعول الصريح - وهو قولُه سبحانه:
﴿عَذَابًا﴾ - للاعتناء به، والمسارعةِ إلى بيان كونِ المبعوث مما يضرُّهم، ولتهويل
أمرٍ المؤخّر.
والكلام استئنافٌ مسوق لبيان أنَّه تعالى هو القادرُ على إِلقائهم في المهالك إثرَ
بيان أنَّه سبحانه هو المنجي لهم منها، وفيه وعيدٌ ضمنيٌّ بالعذاب لإِشراكهم
المذكور. والتنوينُ للتفخيم، أي: عذاباً عظيماً .
﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾ أي: من جهة العلوِّ، كالصَّيحة، والحجارةِ، والريح، وإرسالِ
السماء ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ أي: من جهة السُّفل، كالرجفة، والخسفِ، والإِغراق.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباسٍ ﴿ّ أنه قال: ((من فوقكم)) أي: من قِبَل
أمرائكم وأشرافكم، و((من تحت أرجلكم)) أي: من قِبَل سَفِلتكم وعبيدكم. وفي
روايةٍ أخرى عنه تفسيرُ الأول بأئمَّة السوءِ، والثاني بخدم السُّوء (١). والمتبادر
ما قدَّمنا، وهو المرويُّ عن غيرِ واحد من المفسِّرين.
والجارُّ والمجرور متعلِّق بـ (يبعث)) أيضاً، ويجوز أن يكونَ متعلِّقاً بمحذوف
وقع صفةً لعذاب. و((أو)) لمنع الخلوِّ دون الجمع، فلا مَنْعَ لِمَا كان من الجهتين
معاً، كما فعل بقوم نوحٍ عليه الصلاة والسلام.
﴿أَوْ يَلْيِسَكُمْ﴾ أي: يَخلِط أمرَكم عليكم، ففي الكلام مقدَّر، وخَلْطُ أمرِهم عليهم
يجعلهم مختلفي الأهواء. وقيل: المراد اختلاطُ الناس في القتال بعضِهم ببعض،
فلا تقدير، وعليه قول السُّلمي(٢):
وكتيبةٍ لبَّستُها بكتيبة
حتى إذا التبست نفضتُ لها يدي
وقُرئ: ((يُلبسكم)) بضمِّ الياء(٣)، وهو عطفٌ على ((يبعث)).
(١) أورد الروايتين السيوطي في الدر المنثور ١٦/٣.
(٢) هو حِبان بن الحكم السُّلَمي، الملقب بالفرَّار، شهد فتح مكة وحنيناً. الإصابة ١٩٩/٢.
والبيت في كتاب الحيوان ١٨٥/٥، والعقد الفريد ١٣٩/١، والحماسة البصرية ٢٨/١.
(٣) البحر المحيط ٤ / ١٥١.

الآية : ٦٥
٢٢٣
سُورَةُ الأَتْعَم
وقولُه تعالى: ﴿شِعًا﴾ جمع شيعة، كـ: سِذْرَة وسِدَر، وهم كلُّ قوم اجتمعوا
على أمر. نصبٌ على الحال، وقيل: إنه مصدرٌ منصوب بـ ((يلبسكم)) من غير لفظِهِ،
وجوِّز على هذا أن يكونَ حالاً أيضاً، أي: مختلفين.
وقوله سبحانه: ﴿وَيُذِقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ عطفٌ على ((يبعث)) كما نُقل عن
السَّمين(١). ويُفهم من كلام البعضِ أنه عطفٌ على ((يلبس)) وهو من قبيل عطفٍ
التفسير، أو من عطف المسبّب على السبب.
وقُرئ: ((نُذيق)) بنون العظمة(٢)، على طريق الالتفات؛ لتهويل الأمرِ والمبالغةِ
في التحذير.
والبعضُ الأوَّل ـ على ما قيل - الكفَّار، والثاني المؤمنون، ففيه حينئذٍ وعدٌ
ووعید .
وقيل: كِلا البعضين من الكفار، أي: نذيق كلًّا بأسَ الآخَر.
وقيل: البعضان من المؤمنين، فقد أخرج ابنُ جرير وابنُ أبي حاتم وأبو الشَّيخ
عن الحسن أنَّه قال في قوله سبحانه: ﴿عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ هذا
للمشركين، وفي قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِبِقَ﴾ إلخ: هذا للمسلمين(٣). ولا
يخفَى أنه تفكيكٌ للنَّظم الكريم، ولعل مرادَ الحسن أنَّ هذا يكون للمسلمين ويقع
فیھم دون الأوَّل.
وأخرج ابن جَرير(٤) عنه أيضاً أنه قال: لَمَّا نزلت هذه الآية، قام النبيُّ وَّل
فتوضَّأ، فسأل ربَّه عزَّ وجلَّ ألَّ يرسلَ عليهم عذاباً من فوقهم أو من تحتٍ أَرجلهم،
ولا يلبسَ أمَّته شيعاً ويذيقَ بعضَهم بأسَ بعض كما أَذاق بني إسرائيل، فهبط إليه وَّ
جبريلُ عليه السلام فقال: يا محمدُ، إنك سألت ربَّك أربعاً، فأَعطاك اثنتين ومنعكَ
اثنتين، لن يأتيَهم عذابٌ من فوقِهم، ولا من تحتٍ أَرجلِهم يستأصلهم، فإنَّهما
(١) في الدر المصون ٤/ ٦٧٢ .
(٢) البحر المحيط ٤ / ١٥١.
(٣) جامع البيان ٣٠٨/٩، وأخرج ابن أبي حاتم ٤/ ١٣١٠ القطعة الأولى منه.
(٤) في تفسيره ٩/ ٣٠٥-٣٠٦ بأطول مما أورد المصنف.

سُورَةُ الأَتْعَل
٢٢٤
الآية : ٦٥
عذابان لكلِّ أمَّة استجمعت على تكذيب نبيِّها وردِّ كتاب ربِّها، ولكنهم يُلبَسون شيعاً
ويذيقُ بعضَهم بأسَ بعض، وهذان عذابان لأهل الإِقرار بالكتب والتصديقِ بالأنبياء
عليهم السلام.
وأخرج أحمدُ، ومسلم، وأبو داودَ، والترمذيُّ، وابن ماجه، والحاكم
وصحَّحه(١) - واللفظ له - عن ثوبانَ: أنه سمع رسولَ اللهِ وَ له يقول: ((إنَّ ربي زوَى
لي الأرضَ حتى رأيت مشارقَها ومغاربها، وأعطاني الكنزين الأحمر والأبيض، وإنَّ
أمَّتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها، وإني سألت ربِّي لأمتي ألَّا يُهلكَها بسَنة عامَّة
فأَعطانيها، وسألته ألَّا يسلّطَ عليهم عدوًّا من غيرهم فأعطانيها، وسألته ألَّ يُذيقَ
بعضَهم بأسَ بعض، فمنعنيها وقال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاءً لم يردّ، إني
أعطيتك لأمَّتك ألَّا أُهلكَها بسَنَة عامة، ولا أُظهر عليهم عدوًّا من غيرهم فيستبيحَهم
عامة ولو اجتمع مَن بين أَقطارها، حتى يكونَ بعضُهم هو يُهلك بعضاً، وبعضُهم هو
يَسبي بعضاً)) الحديثَ.
وأخرج أحمد والطبرانيُّ وغيرهما عن أبي بصرةَ الغفاريِّ، عن النبيِّ وَِّ قال:
((سألت ربِّي أربعاً، فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة، سألت الله تعالى ألَّ يجمعَ أمَّتي
على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله تعالى ألَّا يُظهِرَ عليهم عدوًّا من غيرهم
فأعطانيها، وسألت الله تعالى ألَّا يُهلكهم بالسنين كما أُهلكت الأمم فأعطانيها،
وسألتُ الله تعالى ألَّا يَلبسَهم شيعاً ويُذِيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ فمنعنيها))(٢).
والأخبارُ في هذا المعنى كثيرة، وفي بعضها دلالةٌ على عدِّ اللَّبس والإِذاقة
أمراً واحداً، وفي بعضها دلالةٌ على عدِّ ذلك أمرين، ومن هنا نشأ الاختلافُ
السابق في العطف، وأيَّد بعضهم العطفَ على ((يلبس)) لا على ((يبعث)) بكونه
بالواو دون ((أو)).
ولا يعارِض ما رُوي عن الحسن من عدم وقوع الأوَّلَين في هذه الأمة ما أخرجه
أحمد والترمذيُّ من حديث سعد بن أبي وقاص رَظُه: أنَّ النبيَّ وَِّ قال في هذه
(١) مسند أحمد (٢٢٣٩٥)، وصحيح مسلم (٢٨٨٩)، وسنن أبي داود (٤٢٥٢)، والترمذي
(٢١٧٦)، وابن ماجه (٣٩٥٢)، ومستدرك الحاكم ٤٤٩/٤.
(٢) مسند أحمد (٢٧٢٢٤)، والمعجم الكبير (٢١٧١).

الآية : ٦٦
٢٢٥
سُؤَةُ الأَنْعَ
الآية: ((أما إنها كائنة ولم يأتِ تأويلُها بعد))(١). وكذا ما أخرج الأوَّل في ((مسنده))
من طريق أبي العالية، عن ابن كعب أنَّه قال في الآية: هنَّ أربعٌ وكلّهن واقع
لا محالة(٢) = لجواز أن يرادَ بالوقوع وقوعٌ لا على وجه الاستئصالِ، وبعدم الوقوع
عدمُه على وجه الاستئصال، وكلامُ الحسن كالصَّريح في هذا، فافهم.
﴿أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِفُ الْآَيَتِ﴾ أي: نحوِّلها من نوعٍ إلى آخَرَ من أنواع
الكلام، تقريراً للمعنى وتقريباً إلى الفهم. أو: نصرِّفها بالوعد والوعيد. ﴿لَعَلَّهُمْ
يَفْقَهُونَ ﴾﴾ أي: كي يعلموا جليَّةَ الأمر فيرجعوا عمَّا هم عليه من المكابرة
والعناد.
واستدلَّ بعض أهلِ السنَّة بالآية على أنَّ الله تعالى خالقٌ للخير والشر.
وقال بعض الحشويَّة والمقلِّدة: إنها من أدلّ الدلائل على المنع من النظر
والاستدلال؛ لِمَا أنَّ في ذلك فتحَ باب التفرُّق والاختلافِ المذموم بحكم الآية.
وليس بشيءٍ كما لا يخفَى.
﴿َكَذَّبَ بِهِ﴾ أي: بالقرآن، كما قال الأزهريُّ، وروي ذلك عن الحسن.
وقيل: الضميرُ لتصريف الآيات، واختاره الجبَّائي والبلخي. وقيل: هو للعذاب،
واختاره غالب المفسّرين.
﴿قَوْمُكَ﴾ أي: قريش. وقيل: هم وسائرُ العرب. وأيًّا ما كان، فالمراد
المعاندون منهم. قيل: ولعل إِيرادهم بهذا العنوان؛ للإِيذان بكمال سوءٍ حالهم،
فإنَّ تكذيبهم بذلك مع كونهم من قومه عليه الصلاة والسلام مِمَّا يقضي بغاية عتوِّهم
ومكابرتهم. وتقديمُ الجارِّ والمجرور على الفاعل لِمَا مرَّ مراراً.
﴿وَهُوَ آلْحَقُّ﴾ أي: الكتاب الصادقُ في كلِّ ما نطق به لا ريبَ فيه، أو:
المتحقِّق الدلالة، أو: الواقع لا مَحالة. والواو حاليَّة، والجملة بعدّها في موضع
الحالِ من الضمير المجرور. وقيل: الواو استئنافيَّة، وما بعدها مستأنفٌ. وأيًّا
ما كان، ففيه دلالةٌ على عِظَم جنايتهم ونهايةٍ قبحها .
(١) مسند أحمد (١٤٦٦)، وسنن الترمذي (٣٠٦٦).
(٢) مسند أحمد (٢١٢٢٧) وابن كعب هو أبيٍّ نَظُه.

سُورَةُ الأَنْسَهُم
٢٢٦
الآية : ٦٧ - ٦٨
﴿قُل ◌َّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلِ ﴾﴾ أي: بموكَّل فوّض أمرُكم إليَّ أَحفظ أعمالكم
الأجازيكم بها، إنما أنا منذر ولم آلُ جهداً في الإِنذار، واللهُ سبحانه هو المجازي.
قاله الحسن.
وقال الزجَّاج (١): المراد: إني لم أُؤْمَر بحربكم ومنعِكم عن التكذيب. وفي
معناه ما نُقل عن الجبَّائي. والآيةُ على ما روي عن ابن عباسٍ رَّا منسوخةٌ بآية
القتال(٢)، ولا بُعد في ذلك على المعنى الثاني.
﴿لَكُلِّ نَبَلٍ﴾ أي: لكل شيءٍ ينبَّأ به من الأنباء التي من جملتها عذابُكم، أو:
لكلِّ خبرٍ من الأخبار التي من جملتها خبرُ مجيئه ﴿مُسْتَقَرُّ﴾ أي: وقتُ استقرار
ووقوعِ البتة، أو وقتُ استقراره بوقوع مدلوله. وليس مصدراً ميميًّا.
﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
﴾ أي: حالَ نبئكم في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما معاً.
٦٧
و ((سوف)) للتأكيد.
﴿وَإِذَا رَأَنْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىّ ءَئِنَا﴾ بالتكذيب والاستهزاءِ بها والطعنِ فيها، كما
هو دأبُ قريش وديدنُهم في أنديتهم، وهم المرادُ بالموصول. وعن مجاهد: أهلُ
الكتاب؛ فإنَّ ديدنهم ذلك أيضاً، ولذا أتى بـ ((إذا)» الدالَّةِ على التحقيق، وهذا
بخلاف النِّسيان الآتي.
وأصلُ الخوض مِن: خاض القومُ في الحديث وتخاوضوا، إذا تفاوضوا فيه،
وقال الطبرسيُّ(٣): الخوض: التخليطُ في المفاوضة على سبيل العبثِ واللَّعب وترك
التفهُّم والتبيين. وقال بعض المحقّقين: أصل معنى الخوضِ عبورُ الماء، استُعير
للتفاوض في الأمور، وأكثرُ ما ورد في القرآن للَّمّ.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: اتركهم ولا تجالسُهم ﴿حَتَّى يَخُصُواْ فِى حَدِيثٍ﴾ أي: كلام
﴿غَيٍّ﴾ أي: غيرِ آياتنا. والتذكيرُ باعتبار كونها حديثاً؛ فإنَّ وصف الحديثِ
بمغايرتها مشيرٌ إلى اعتبارها بعنوان الحديثية. وقيل: باعتبار كونِها قرآناً .
(١) في معاني القرآن ٢٦٠/٢.
(٢) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٣١٨/٢.
(٣) في مجمع البيان ٧ / ٩٤.

الآية : ٦٨
٢٢٧
سُورَةُ الْأَنْدَم
والمرادُ بالخوض هنا التفاوضُ لا بقيد التكذيبِ والاستهزاء. وادَّعى بعضهم
أنَّ المعنى: حتى يشتغلوا بحديثٍ غيره، وأن ذِكر الخوض للمشاكلة، واستظهر عودَ
الضمير إلى الخوض.
واستدلَّ بعض العلماءِ بالآية على أنَّ ((إذا)) تفيد التكرار؛ لحرمة القعودِ مع
الخائض كلَّما خاض. ونُظر فيه بأنَّ التكرار ليس من ((إذا)» بل من ترتّب الحكم على
مأخذ الاشتقاق .
واستدلال بعض الحشويَّة بها على النَّهي عن الاستدلال والمناظرة في ذات الله
تعالى وصفاتِهِ زاعماً أنَّ ذلك خوضٌ في آيات الله تعالى، مما لا ينبغي أن يلتفت إليه.
﴿وَإِمَّا يُلِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ بأن يشغلَك فتنسى الأمرَ بالإِعراض عنهم فتجالسَهم
ابتداءً أو بقاء، وهذا على سبيل الفَرْض؛ إذ لم يقع، وأنَّى للشيطان سبيلٌ إلى
رسولِ اللهِ وَّه، ولذا عبَّر بـ ((إن)) الشرطيةِ المزيدةِ ((ما)) بعدها.
وذهب بعض المحقّقين إلى أنَّ الخطاب هنا وفيما قبلُ لسيِّد المخاطَبين عليه
الصلاة والسلام والمرادُ غيره. وقيل: لغيره ابتداءً، أي: إذا رأيت أيُّها السامعُ وإن
أنساك أيها السامع.
والمشهور عن الرافضة اختيارُ أنَّ النبيَّ وَّهِ منزَّه عن النسيان؛ لقوله تعالى:
﴿سَنُقْرِتُكَ فَلَا تَسَى﴾ [الأعلى: ٦] وأنَّ غيرهم ذهب إلى جوازه. وعلى نسبة الأوَّل
إليهم نصَّ صاحب ((الأحكام)) والجبائيُّ(١) وغيرهما. وقال الأخير: إنَّ الآية دليلٌ
على بطلان قولهم ذلك.
والذي وقفت عليه في معتبَرات كتبِهم أنهم لا يجوِّزون النسيان، وكذا السهو
على النبيِّ ◌َّهِ، وكذا على سائر الأنبياءِ عليهم السلام فيما يؤدِّيه عن الله تعالى من
القرآن والوحي. وأمَّا ما سِوى ذلك، فيجوّزون عليه عليه والصلاة والسلام أن ينساه
ما لم يؤدِّ إلى إِخلال بالدِّين.
وأنا أرى أن محلَّ الخلاف النسيانُ الذي لا يكون منشؤه اشتغالَ السِّرِّ
بالوساوس والخطراتِ الشيطانية؛ فإنَّ ذلك مما لا يرتاب مؤمنٌ في استحالته على
(١) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٧٣١/٢، ومجمع البيان للطبرسي ٧/ ٩٥.

سُورَةُ الأَنْسَهل
٢٢٨
الآية : ٦٨
رسول اللهِ وَّ، وتفصيلُ الكلام في ذلك على ما في معتبَرات كتبنا: أنَّ مذهب
جمهورٍ العلماء جوازُ النِّسيان عليه وََّ في أحكام الشَّرع، وهو ظاهرُ القرآن
والأحاديث، لكن اتَّفقوا على أنَّه عليه الصلاة والسلام لا يُقَرُّ عليه، بل يُعلمه الله
تعالى به. ثم قال الأكثرون: يُشترط تنبُّهه عليه الصلاة والسلام على الفور متَّصلاً
بالحادثة، ولا يقع فيه تأخير، وجوَّزت طائفة تأخيرَه مدةً حياته وَّةِ، واختاره إمامُ
الحرمين، ومنعت ذلك طائفةٌ من العلماء في الأفعال البلاغيةِ والعبادات، كما
أجمعوا على منعه واستحالته عليه بَّر في الأقوال البلاغية، وأَجابوا عن الظواهر
الواردة في ذلك. وإليه مال الأستاذُ أبو إسحاقَ الإسفرائيني، وصحّح النوويُّ(١)
الأولَ، فإن ذلك لا ينافي النبوّة، وإذا لم يقرَّ عليه لم يتحصَّل منه مفسدة، ولا
ينافي الأمرَ بالاتِّباعِ، بل يحصل منه فائدة، وهو بيانُ أحكام الناسي وتقرُّرُ
الأحكام.
وذكر القاضي(٢) أنَّهم اختلفوا في جواز السهوٍ عليه وَّر في الأمور التي لا تتعلَّق
بالبلاغ وبيانِ أحكام الشرع، من أفعاله وعاداته وأَذكارٍ قلبه، فجوَّزه الجمهور، وأما
السهوُ في الأقوال البلاغيّة، فَأَجمعوا على منعه كما أَجمعوا على امتناع تعمُّده،
وأما السهوُ في الأقوال الدُّنيوية وفيما ليس سبيلُه البلاغَ من الكلام الذي لا يتعلَّق
بالأَحكام، ولا أخبارِ القيامةِ وما يتعلَّق بها، ولا يضاف إلى وحي، فجوَّزه قوم؛ إذ
لا مفسدةً فیه.
ثم قال: والحقُّ الذي لا شكَّ فيه ترجيحُ قولِ مَن قال: يمتنع ذلك على الأنبياءِ
عليهم السلام في كلِّ خبرٍ من الأخبار، كما لا يجوز عليهم خُلف في خبر، لا عمداً
ولا سهواً، لا في صحَّة ولا مرض، ولا رضّى ولا غضب، وحسْبُك في ذلك أن
سِيَره ◌َّ* وكلامَه وأفعاله مجموعة يُعتنَى بها على مرِّ الزمان، ويتناولها الموافقُ
والمخالف، والمؤمنُ والمرتاب، فلم يأتِ في شيءٍ منها استدراكُ غلط في قول،
ولا اعترافٌ بوهم في كلمة، ولو كان لَنقل، كما نقل سهوُه في الصلاة(٣)، ونومُه
(١) في شرح صحيح مسلم ٥/ ٦١ .
(٢) عياض في إكمال المعلم ٢/ ٥١٤ -٥١٥ .
(٣) أخرجه البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣) من حديث أبي هريرة
٠

الآية : ٦٨
٢٢٩
سُؤَدَّةُ الأَنْفَيَا
عليه الصلاة والسلام عنها(١)، واستدراكه رأيَه في تلقيح النخل(٢)، وفي نزوله بأدنَى
مياه بدر (٣)، إلى غير ذلك. وأما جوازُ السهو في الاعتقادات في أمور الدنيا فغيرُ
ممتنع.
وسيأتي إن شاء اللهُ تعالى تتمةُ الكلام على هذا المبحثِ عند تفسير قوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية
[الحج: ٥٢].
وقرأ ابنُ عامر: ((ينسِينَّك)) بتشديد السين(٤)، ونسَّى بمعنى أَنسى، وقال ابنُ
عطية (٥): نسَّى أبلغُ من أَنسى. والنونُ في القراءتين مشدّدة، وهي نونُ التوكيد،
والمشهور أنها لازمةٌ في الفعل الواقع بعد ((إن)) الشرطيةِ المصحوبة بـ ((ما)) الزائدة،
وقيل: لا يلزم فيه ذلك، وعليه قولُ ابنٍ درید:
إمَّا تَرَي رأسيَ حاكى لونُه
طُرَّةً صبحٍ تحتَ أذيالِ الدُّجى(٦)
﴿فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ أي: بعد تذكُّر الأمرِ بالإِعراض، كما عليه جمهورُ
المفسِّرين. وقال أبو مسلم: المعنى: بعد أن تذكِّرَهم بدعائك إياهم إلى الدِّين
ونهيك لهم عن الخوض في الآيات. وليس بشيءٍ.
وجوَّز الزمخشريُّ(٧) أن تكونَ «الذكرى)) بمعنى تذكيرِ الله تعالى إياه، وأنَّ
المعنى: وإن كان الشيطانُ ينسيك قبل النهي قبحَ مجالسةِ المستهزئين لأنَّها مما
تنكره العقولُ، فلا تقعد بعد أن ذكَّرناك قبحَها ونبَّهناك عليه.
ولا يخفى أنه وجهٌ بعيد مبنيٌّ على قاعدة القبحِ والحسن التي هدمتها معاولُ أفكارٍ
العلماءِ الراسخين. ثم إنَّا لا نسلِّم أن مجالسةً المستهزئين مِمَّا تنكره العقول مطلقاً .
(١) أخرجه البخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢) من حديث عمران بن الحصين
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٦١) و(٢٣٦٢) و(٢٣٦٣) من حديث طلحة ورافع بن خديج وعائشة
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ٦٢٠.
(٤) التيسير ص١٠٣، والنشر ٢٥٩/٢.
(٥) في المحرر الوجيز ٣٠٤/٢ .
(٦) شرح مقصورة ابن دريد لمحمد بن أحمد بن هشام اللخمي ص١١٥.
(٧) في الكشاف ٢٦/٢ -٢٧.

سُورَةُ الأَنْدَعَل
٢٣٠
الآية : ٦٨
وذكر ابنُ المُنير أن اللائقَ على ما قال: وإنْ أَنساك، دونَ ((وإما ينسينك))(١)،
على أن إِنساء الشيطانِ إن صحَّ، فعن السمعيِّ أيسر. وليس هذا أوَّلَ خوضٍ من
الزمخشريِّ في تأويل الآيات، بل ذلك دأبُه.
﴿مَعَ الْقَوْمِ الَِّينَ ﴾﴾ أي: معهم، فوضع المظهرَ موضعَ المضمَرِ نعياً عليهم
أنهم بذلك الخوضٍ ظالمون، واضعون للتكذيب والاستهزاءِ موضعَ التصديقِ
والتعظيم، راسخون في ذلك.
وفي الآية - كما قال غيرُ واحد - إيذانٌ بعدم تكليفِ الناسي. وهذه من المسائل
المتنازَعِ فيها بينهم، وعَنوَنوها بمسألة تكليفِ الغافل، وعدُّوا منه الناسي.
وللأشعريِّ فيها قولان، وصوّب عدم التكليفِ لعدم الفائدة فيه أصلاً، بخلاف
التكليف بالمحال.
ونقل ابنُ برهان في ((الأوسط)) عن الفقهاء القولَ بصحَّة تكليفه على معنى ثبوتٍ
الفعل بالذمَّة، وعن المتكلِّمين المنعَ؛ إذ لا يتصوَّر ذلك عندهم، وقد يُظنُّ أن
الشافعيَّ لنصِّه على تكليف السكرانِ يرى تكليفَ الغافل، وهو من بعض الظنِّ، فإنه
إنما كلَّف السكرانَ عقوبةً له؛ لأنه تسبَّب بمحرَّم حصل باختياره؛ ولهذا وجب عليه
الحدُّ، بخلاف الغافل.
وأُورد على القولِ بالامتناعِ أنَّ العبد مكلَّف بمعرفة اللهِ تعالى بدون العلم
بالأمر؛ وذلك لأنَّ الأمر بمعرفته سبحانه وارد، فلا جائزٌ أن يكونَ وارداً بعدَ
حصولها؛ لامتناع تحصيلِ الحاصل، فيكونُ وارداً قبله، فيستحيل الإِطلاقُ على هذا
الأمر؛ لأن معرفة أمرِه تعالى بدون معرفتِه سبحانه مستحيل، فقد كلِّف معرفةً الله
تعالى مع غفلته عن ذلك التكليف.
وأُجيب: بأنَّ المعرفة الإِجمالية كافيةٌ في انتفاء الغفلة، والمكلَّفُ به هو المعرفةُ
التفصيلية، أو بأنَّ شرط التكليفِ إنما هو فهمُ المكلَّف له، بأن يفهمَ الخطاب قدرَ
ما يتوقّف عليه الامتثال، لا بأن يصدِّق بتكليفه، وإلَّا لزم الذَّورُ وعدمُ تكليف
الكفار، وهو هنا قد فهم ذلك وإن لم يصدِّق به. وصاحبُ ((المنهاج)) تبعاً لصاحب
(١) الانتصاف (على هامش الكشاف ٢٧/٢).

الآية : ٦٩
٢٣١
سُورَةُ الأَنْعَم
((الحاصل))(١) أجاب بأنَّ التكليف بمعرفة اللهِ تعالى خارجٌ عن القاعدة بالإِجماع.
وتمامُ البحث يُطلب من كتب الأصول.
﴿وَمَا عَلَى الَِّينَ يَنَّقُونَ﴾ قال أبو جعفر عليه الرحمة(٢): لَمَّا نزلت ﴿فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ
الذِّكْرَى﴾ إلخ، قال المسلمون: لَئن كنّا نقوم كلَّما استهزأ المشركون بالقرآن، لم
نستطع أن نجلسَ في المسجد الحرام، ولا نطوفَ بالبيت، فنزلت، أي: وما يَلزم
الذين يتقون قبائح أعمالِ الخائضين وأحوالهم ﴿مِنْ حِسَابِهِم﴾ أي: مِمَّا يحاسَبُ
الخائضون الظالمون عليه من الجرائر ﴿مِّن شَىْءٍ﴾ أي: شيءٌ ما، على أنَّ (مِن))
زائدةٌ للاستغراق، و((شيء)» في محلِّ الرفع مبتدأ و ((ما)) تميمية، أو اسمٌ لها وهي
حجازية، و((من حسابهم)) - كما قال أبو البقاء - حال منه(٣)؛ لأن نعتَ النكرة إذا
قدِّم عليها أُعرب حالاً. وليست ((من)) بمعنى الأَجْل خلافاً لمن تكلَّفه.
و((على الذين يتقون)) متعلّق بمحذوفٍ مرفوع وقع خبراً للمبتدأ، أو لـ ((ما))
الحجازيةِ على رأي مَن لا يُجيز إعمالها في الخبر المقدَّم مطلقاً، أو منصوبٍ وقع خبراً
لـ ((ما)) على رأي مَن يجوِّز إِعمالها في الخبر المقدَّم عند كونِه ظرفاً أو حرفَ جرِّ.
﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ استدراكٌ من النفي السابق، أي: ولكن عليهم أن يذكِّروهم
ويمنعوهم عمَّا هم فيه من القبائح بما أَمكن من العِظَة والتذكير، ويُظهروا لهم
الكراهةَ والنکیر.
ومحلُّ ((ذكرى)) عند كثيرٍ من المحقّقين إمَّا النصب على أنه مصدرٌ مؤكِّد للفعل
المحذوف، أي: عليهم أن يذكِّروهم تذكيراً، أو الرفعُ على أنه مبتدأ خبرُه
محذوف، أي: ولكن عليهم ذِكرى. وجوَّز أبو البقاء(٤) النصبَ والرفع، لكن قدَّر
في الأوَّل: نذكِّرهم ذِكرى، بنون العظمة، وفي الثاني: هذه ذِكرى، وإلى ذلك يُشير
كلامُ البلخيّ.
(١) هو مختصر من محصول الإمام الرازي، اختصره القاضي تاج الدين محمد بن حسين
الأُرموي المتوفى سنة (٦٥٦هـ). كشف الظنون ٢/ ١٦١٥ .
(٢) هو محمد الباقر رحمه الله تعالى، وكلامه في مجمع البيان ٧/ ٩٤ .
(٣) الإملاء ٢/ ٥٦١.
(٤) في الإملاء ٢ / ٥٦١.

سُورَةُ الأَنْفَظَم
٢٣٢
الآية : ٦٩
ولم يجوِّز الزمخشريُّ (١) عطفَه على محلِّ ((من شيء)) لأنَّ ((من حسابهم)) يأباه؛
إذ يصير المعنى: ولکنْ ذِکری مِن حسابهم. وهو كما ترى.
واعتُرض بأنَّه لا يلزم من العطف على مقيَّد اعتبارُ ذلك القيدِ في المعطوف،
والعلَّامة الثاني يقول: إنَّه إذا عُطف مفردٌ على مفرد، لاسيّما بحرف الاستدراك،
فالقيودُ المعتبرة في المعطوف عليه السابقةُ في الذِّكر عليه معتبرةٌ في المعطوف البتةَ
بحكم الاستعمال، تقول: ما جاءني يومَ الجمعةِ أو في الدار أو راكباً أو مِن هؤلاء
القوم رجلٌ ولكن امرأة، فيلزم مجيءُ المرأة في يوم الجمعةِ وفي الدار وبصفة
الركوبٍ، وتكون من القوم البتةَ، ولم يجِئ الاستعمالُ بخلافه، ولا يُفهَم من الكلام
سواه، بخلاف: ما جاءني رجلٌ من العرب ولكن امرأة، فإنَّه لا يَبعُد كونُ المرأةِ
من غير العرب. قالوا: والسِّرُّ فيه أنَّ تقدُّم القيود يدلُّ على أنها أمر مسلَّم مفروغ
عنه، وأنها قيدٌ للعامل منسحبٌ على جميع معمولاته، وأنَّ هذه القاعدةَ مخصوصةٌ
بالمفرد لذلك، وأما في الجمل، فالقيدُ إن جُعل جزاً من المعطوف عليه وإن سَبق
لم يشاركه فيه المعطوفُ، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَفْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا
يَسْتَقْدِعُونَ﴾ [يونس: ٤٩] على ما في شرح ((المفتاح)) وهذا إذا لم تَقم القرينةُ على
خلافه، كما في قولك: جاءني من تميم رجلٌ وامرأةٌ من قريش.
وتخصيصُ هذه القاعدةِ بتقدم القيدِ وادِّعاء اطّرادها كما ذكره بعضُ المحقّقين
مما يقتضيه الذَّوق، ومنهم من عمَّها كما قال الحلبي(٢): إنَّ أهل اللسانِ
والأصوليين يقولون: إنَّ العطف للتَّشريك في الظاهر، فإذا كان في المعطوف عليه
قيدٌ، فالظاهر تقييدُ المعطوف بذلك القيد، إلَّا أن تجيءَ قرينةٌ صارفة، فيحال الأمرُ
عليها، فإذا قلت: ضربت زيداً يومَ الجمعةِ وعَمْراً، فالظاهر اشتراكُ زيدٍ وعَمرٍو في
الضرب مقيّداً بيوم الجمعة، وإذا قلت: وعَمراً يومَ السبت، لم يشاركه في قيده،
والآية من القَبيلِ الأوَّل، فالظاهرُ مشاركته في قيده، ويكفي في المنع. وبحث فيه
السفاقسيُّ وغيره، فتدبّر.
ومَن منع العطفَ على محلِّ ((من شيء)) لِمَا تقدم، مَنَعَ العطفَ على ((شيءٍ))
(١) في الكشاف ٢/ ٢٧.
(٢) في الدر المصون ٤ / ٦٧٧ .

الآية : ٧٠
٢٣٣
سُورَةُ اللَنْسَّعَل
لذلك أيضاً، ولأنَّ ((من)) لا تقدَّر عاملةً بعد الإثبات؛ لأنها إذا عملت كانت في قوَّة
المذكورةِ المزيدة، وهي لا تزاد في الإثبات في غير الظروفِ، أو مطلقاً عند
الجمهور.
﴿لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ ﴾ أي: يجتنبون الخوضَ حياءً، أو كراهةً لمساءتهم.
وجوِّز أن يكونَ الضميرُ للذين يتقون، أي: لكن يذكِّر المتقون الخائضين ليثبُتَ
المتقون على تقواهم ولا يأثموا بترك ما وَجَبَ عليهم من النهي عن المنكر، أو
ليزدادوا تقوّی بذلك.
وهذه الآية - كما أخرج النخَّاس(١) عن ابن عباسٍ ◌ّ وأبو الشيخ عن السُّدِّي
وابنٍ جبير - منسوخةٌ بقوله تعالى النازلِ في المدينة: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ أَنْ
إِذَا سَمِعْثُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ إلخ [النساء: ١٤٠] وإليه ذهب البلخيُّ والجبَّائي. وفي
((الطود الراسخ في المنسوخ والناسخ))(٢) أنه لا نسخَ عند أهلِ التحقيق في ذلك؛
لأن قوله سبحانه: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ﴾ إلخ خبر، ولا نسخَ في الأخبار، فافهم.
﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُوْ دِيْنَهُمْ﴾ الذي فُرض عليهم وكلِّفوه وأُمروا بإقامة مواجبِهِ،
وهو الإسلام ﴿لَعِبًا وَلَهَوَا﴾ حيث سخروا به واستهزؤوا. وجوِّز أن يكونَ المعنى:
انَّخذوا الدِّين الواجب شيئاً من جِنس اللَّعب واللهو، كعبادة الأصنام، وتحريم
البحائرِ والسَّوائب، ونحو ذلك. أو: انَّخذوا ما يتديَّنون به وينتحلونه بمنزلة الدينِ
لأَهل الأديانِ شيئاً من اللَّعب واللهو. وحاصله أنَّهم اتَّخذوا اللعب واللهو ديناً.
وقيل: المراد بالدِّين العيدُ الذي يعاد إليه كلَّ حين معهودٍ بالوجه الذي شرعه اللهُ
تعالى، كعيد المسلمين، أو بالوجه الذي لم يُشرَع من اللَّعبِ واللهو، كأعياد
الكفرة؛ لأنَّ أصل معنى الدِّين العادةُ، والعيد معتادٌ كلَّ عام. ونُسب ذلك لابن
عباسٍ
والمعنى في سائر الأقوال: لا تبالِ بهؤلاء وامضٍ لما أُمرت به.
(١) في الناسخ والمنسوخ ٣١٩/٢.
(٢) للشيخ علم الدين علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي المتوفى سنة (٦٤٣ هـ). كشف
الظنون ١١١٨/٢.

سُورَةُ الأَنْقَهُ
٢٣٤
الآية : ٧٠
وأخرج ابن جَرير(١) وغيره أنَّ المعنى على التهديد، كقوله تعالى: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ
خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ [الحجر: ٣].
وقيل: المراد الأمرُ بالكفِّ عنهم وتركِ التعرُّض لهم. والآيةُ عليه منسوخةٌ بآية
السيف، وهو مرويٌّ عن قتادة.
ونصب ((لعباً)) على أنه مفعولٌ ثانٍ لـ ((اتخذوا)) وهو اختيار السَّفاقسي، ويُفهَم
من ظاهر كلام البعض أنه مفعولٌ أوَّل، و((دينهم)) ثانٍ، وفيه إِخبار عن النكرة
بالمعرفة .
ويُفهَم من كلام الإِمام(٢) أنه مفعولٌ لأجله، و((اتخذ)) متعدٍّ لواحد؛ فإنه قال بعد
سَردٍ وجوهِ التفسير في الآية: والخامسُ - وهو الأقرب - أن المحِقَّ في الدين هو
الذي ينصر الدينَ لأجل أنْ قام الدليلُ على أنه حقٌّ وصدقٌ وصواب، فأمَّا الذين
ينصرونه ليتوسَّلوا به إلى أخذ المناصبِ والرياسة وغلبةِ الخصم وجمع الأموال،
فهم نصروا الدِّين للدنيا، وقد حكم الله تعالى عليها في سائر الآياتِ بَأنها لَعِب
ولهو. فالمرادُ من قوله سبحانه: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْ﴾ إلخ هو الإِشارةُ إلى من
يتوسَّل بدِينه إلى دنياه، وإذا تأمَّلت في حال أكثرِ الخلقِ وجدتَهم موصوفين بهذه
الصفةِ وداخلين تحت هذه الآية. اهـ.
ولا يخفَى أنه أبعدُ من العَيُّوق(٣)، فلا تغترَّ به وإنْ جلَّ قائله.
﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنيًا﴾ أي: خدعتهم وأَطمعتهم بالباطل، حتى أَنكروا البعثَ
وزعموا أنْ لا حياةَ بعدها، واستهزؤوا بآيات الله تعالی.
وجعل بعضهم ((غرَّ) من الغرِّ، وهو ملءُ الفم، أي: أشبعتهم لذَّاتها حتى نسُوا
الآخرة، وعليه قولُه:
ولَمَّا التقينا بالعشيَّة غرَّني
بمعروفه حتى خرجتُ أَفُوقُ(٤)
(١) في تفسيره عن مجاهد ٣١٩/٩.
(٢) في التفسير الكبير ٢٧/١٣.
(٣) هو نجم أحمر مضيء في طرف المجرة الأيمن يتلو الثريا لا يتقدمه. الصحاح (عوق).
(٤) قائله بشار بن برد، وهو في ديوانه ٢/ ٤٤٧. ومعنى أفوق: يصيبني الفُواق، وهو الجشاء
المتتابع من كثرة الشبع.

الآية : ٧٠
٢٣٥
سُورَةُ الأَنْقَل
﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن. وقد جاء مصرَّحاً به في قوله سبحانه: ﴿فَذَّكِرْ
بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ﴾ [ق: ٤٥] والقرآن يفسِّر بعضُه بعضاً. وقيل: الضميرُ
لحسابهم. وقيل: الدِّين.
وقيل: إنه ضمير يفسِّره قولُه سبحانه: ﴿أَنْ تُبَسَلَ نَفْسُلْ بِمَا كَسَبَتْ﴾ فيكون بدلاً
منه. واختاره أبو حيَّان(١). وعلى الأوجُه الأُخر هو مفعولٌ لأجله، أي: لئلا
تبسلَ، أو: مخافةً، أو: كراهةً أن تبسل. ومنهم مَن جعله مفعولاً به لـ ((ذكِّر)).
ومعنى («تبسل)): تُحبس، كما روي عن ابن عباس ظًَّا. وأَنشد له قولَ زهير:
وفارقَتْك برَهْنٍ لا فكاكَ له يومَ الوداع وقلبي مُبِسَلٌ غَلِقًا(٢)
وفي رواية ابنٍ أبي حاتم عنه: تُسْلَم(٣). ورُوي ذلك أيضاً عن الحسن ومجاهدٍ
والسدِّي، واختاره الجبائيُّ والفرَّاء. وفي رواية ابن جرير(٤) وغيره: تُفضَح.
وقال الراغب(٥): ((تبسل)) هنا بمعنى تُحرم الثوابَ. وذكر غيرُ واحد أنَّ الإِبسالَ
والبسلَ في الأصل: المنع، ومنه: أسدٌ باسل؛ لأنَّ فريسته لا تُفلت منه، أو لأنه
متمنِّع، والباسلُ الشجاع؛ لامتناعه من قِرْنه. وجاء البَسل بمعنى الحرام، وفرَّق
الراغب بينهما بأنَّ الحرام عامٌّ لما مُنع منه بحكم أو قهر، والبسلَ الممنوعُ بالقهر،
ويكون بَسَل بمعنى: أَجَل ونعم، واسمَ فعل بمعنى: اكفُف.
وتنكير ((نفس)) للعموم، مثلُه في قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤].
أي: لئلا تحبسَ وترهن كلُّ نفس في الهلاك أو في النار، أو تُسلَمَ إلى ذلك، أو
تُفضح، أو تُحرم الثوابَ بسبب عملها السوءَ، أو: ذَكِّرْ بحَبْسٍ - أو حَبْسَ - كلِّ نفس
(١) في البحر ٤/ ١٥٥ .
(٢) في الأصل و(م): علقا: وهو خطأ، ومعنى غلقا: لا فكاك له يقدر أن يفكه، كذا في شرح
الدیوان ص٣٣، وروايته:
يوم الوداع فأمسى رمنها غلقا
ورواية المصنف من الدر المنثور ٢١/٣، وانظر الإتقان ٣٩٧/١.
(٣) أي: تُسْلَم إلى الهلاك، كما سيرد، والخبر في تفسير ابن أبي حاتم ١٣١٨/٤.
(٤) في تفسيره ٣٢٢/٩، وهي أيضاً عند ابن أبي حاتم ١٣١٨/٤.
(٥) في المفردات (بسل).

سُورَةُ الأَنْعَم
٢٣٦
الآية : ٧٠
بذلك، وحملُ النكرة على العموم مع أنَّها في الإِثبات لاقتضاء السياقِ له، وقيل :
إنَّها هنا في النفي معنّى. وفي ما اختاره أبو حيَّانَ من التفخيم وزيادةِ التقرير ما لا
یخفَی.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَا﴾ أي: النفسِ ﴿مِن دُونِ الَّهِ وَإِىٌ وَلَا شَفِيعٌ﴾ إما
استئنافٌ للإِخبار بذلك، أو في محلِّ رفع صفةِ ((نفس))، أو في محلِّ نصب على
الحاليَّة من ضمير ((كسبت))، أو من ((نفس)) فإنه في قوَّة نفسٍ كافرة، أو نفوسٍ
كثيرة. واستظهر بعضٌ الحاليةَ، و((من دون الله)) متعلِّق بمحذوف وقع حالاً من
(ولي)) وقيل: خبراً لـ ((ليس)) و((لها)) حينئذٍ متعلِّق بمحذوف على البيان، ومَن جعلها
زائدةً لم يعلِّقها بشيء، والمراد أنه لا يحولُ بينها وبين اللهِ تعالى بأن يدفعَ عقابه
سبحانه عنها وليٍّ ولا شفيع.
﴿وَإِن تَعْدِلْ﴾ أي: إن تَقدِ تلك النفسُ ﴿كُلَّ عَدْلٍ﴾ أي: كلَّ فداء. و((كلَّ)
نصب على المصدريَّة؛ لأنه بحسَب ما يضاف إليه، لا مفعولٌ به. وقيل: إنه صفةٌ
المحذوف، وهو بمعنى الكامل، كقولك: هو رجل كلُّ رجل، أي: كاملٌ في
الرُّجولية، والتقدير: عدلاً كلَّ عدل. ورُدَّ بأن كلًّا بهذا المعنَى يَلزم التبعية
والإِضافةً إلى مثل المتبوع نعتاً لا توكيداً كما في ((التسهيل))(١)، ولا يجوز حذفُ
موصوفه .
وقوله تعالى: ﴿لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ جوابُ الشرط، والفعل مسنَد إلى الجارِّ
والمجرور، كـ : سِيرَ من البلد، لا إلى ضمير العدل؛ لأنَّ العدل - كما
علمتَ - مصدرٌ، وليس بمأخوذ، بخلافه في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدٌْ﴾
[البقرة: ٤٨] فإنه فيه بمعنى المفدَى به، وجوِّز كونُ الإِسناد إلى ضميره مراداً به
الفديةُ على الاستخدام(٢)، إلَّا أنه لا حاجةَ إليه مع صحَّة الإِسناد إلى الجارِّ
والمجرور، وبذلك يستغنَى أيضاً عن القول بكونه راجعاً إلى المعدول به المأخوذِ
من السِّياق.
(١) ص١٦٦.
(٢) هو أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً أحد معانيه، ثم يؤتى بضميره مراداً به المعنى
الآخر. الإتقان ٢/ ٩٠١.

الآية : ٧٠
٢٣٧
سُورَةُ الْأَنْدَم
وقيل: معنى الآية: وإن تُقسِط تلك النفسُ كلَّ قسطٍ في ذلك اليوم لا يُقبلْ
منها؛ لأن التوبة هناك غيرُ مقبولة، وإنما تُقبّل في الدنيا .
﴿أُوْلَكَ﴾ أي: المنَّخذون دينهم لعباً ولهواً، المغترُّون بالحياة الدنيا
﴿الَّذِينَ أُبْسِلُواْ﴾ أي: حُرموا الثوابَ وسلِّموا للعذاب، أو بأحد المعاني الباقيةِ
للإِيسال ﴿بِمَا كَسَبُواْ﴾ أي: بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة.
واسمُ الإِشارة مبتدأً، وما فيه من معنى البُعد؛ للإِيذان ببعد درجةِ المشار إليهم
في سوءِ الحال، وخبرُه الموصول بعده، والجملةُ استئناف سِيقَ إثرَ تحذيرِ أولئك
من الإِبسال المذكور، لبيان أنَّهم المبتلَون بذلك.
وقوله سبحانه: ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ استئناف آخَر مبيِّن لكيفية الإِبسال
المذكور، مبنيٌّ على سؤالٍ نشأً من الكلام، كأنه قيل: ماذا لهم حينَ أُبسلوا؟ فقيل:
لهم شرابٌ من حميم، أي: ماءٍ حارِّ يتجرجر ويتردّد في بطونهم وتتقطّع به أمعاؤهم
﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بنارٍ تشتعل بأبدانهم، كما هو المتبادرُ من العذاب ﴿بِمَا كَانُوا
يَكْفُرُونَ ®﴾ أي: بسبب كفرِهم المستمرِّ في الدنيا.
ويطلق الحميمُ على الماء البارد، فهو ضدٌّ كما في ((القاموس))(١).
وجوَّز أبو البقاء (٢) أن تكونَ جملة ((لهم شراب)) حالاً من ضمير ((أبسلوا))، وأن
تكونَ خبراً لاسم الإِشارة، ويكون ((الذين)) نعتاً له، أو بدلاً منه، وأن تكونَ خبراً
ثانياً. واختار كما يشير إليه كلامُه أن تكونَ الإِشارة إلى النفوس المدلولِ عليها
بـ ((نفس)) وجعلت الجملةُ لبيان تَبِعة الإِبسال. واختار كثيرٌ من المحقّقين ما أشرنا
إليه .
وترتيبُ ما ذُكر من العذابين على كفرهم مع أنَّهم معذَّبون بسائر معاصيهم أيضاً
حسبما ينطق به قولُه سبحانه: ((بما كسبوا)) لأنه العمدةُ في أسباب العذاب، والأهمُّ
في باب التحذير، أو أُريد - كما قيل - بكفرهم ما هو أعمُّ منه ومن مستتبعاته من
المعاصي.
(١) مادة (حمم).
(٢) في الإملاء ٢/ ٥٦٣.

سُورَةُ الأَنْسَعَل
٢٣٨
الآية : ٧١
﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ أَخرج ابن جَرِير(١) وابنُ
أبي حاتم (٢) وأبو الشَّيخ عن السُّدِّي: أنَّ المشركين قالوا للمؤمنين: اتَّبعوا سبيلنا
واتركوا دينَ محمد، فقال الله تعالى: ((قل)) إلخ.
وقيل: نزلت في أبي بكر الصدِّيق ◌َله حين دعاه ابنُه عبدُ الرحمن إلى عبادة
الأصنام.
وفي توجيه الأمر إليه وَ﴿ ما لا يخفَى من تعظيم شأنِ المؤمنين، أو
أبي بكر الصِّدِّيق ◌َبه، أي: أنعبد متجاوزين عبادةَ الله تعالى، الجامعِ لجميع
صفاتِ الأُلوهية التي من جملتها القدرةُ على النفع والضَّرّ، ما لا يَقَدِر على
نفعنا إنْ عبدناه، ولا على ضَرِّنا إذا تركناه، وأدنى مراتبِ المعبودية القدرةُ على
ذلك.
وفاعل ((ندعوا))، وكذا ما عُطف عليه من قوله سبحانه: ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ عامٌّ
لسيِّد المخاطبين وَّ﴿ ولغيره، وليس مخصوصاً بالصدِّيق ◌َظُه بناءً على أنه سببُ
النزول.
وفي الآية تغليب؛ إذ لا يُتصوَّر الردُّ على العقب المرادِ به الرجوعُ إلى الشرك
منه وَّهِ. والمعنى: أَيليق بنا معشرَ المسلمين ذلك.
والأَعقاب جمع عَقِب، وهو مؤخر الرِّجل، يقال: رجع على عَقِبه، إذا انثنَى
راجعاً. ويكنَى به - كما قيل - عن الذَّهاب من غير رؤيةِ موضع القدم، وهو ذهابٌ
بلا علم، بخلاف الذهاب مع الإِقبال. وقيل: الردُّ على الأَعقاب بمعنى الرجوعِ
إلى الضلال والجهلِ شركاً أو غيرَه. والجمهورُ على الأوَّل.
والتعبيرُ عن الرجوع إلى الشِّرك بالردِّ على الأعقاب - كما قال شيخ
الإِسلام(٣) - لزيادة تقبيحِه بتصويره بصورةٍ ما هو عَلَم في القبح، مع ما فيه من
الإِشارة إلى كون الشركِ حالةً قد تُركت ونُبذت وراءَ الظهر. وإيثارُ ((نُرَدُّ)) على نرتدُّ؛
(١) في تفسيره ٣٢٨/٩-٣٢٩.
(٢) في تفسيره ٤/ ١٣٢٠.
(٣) في إرشاد العقل السليم ١٤٩/٣.

الآية : ٧١
٢٣٩
سُورَةُ الأَنْعَم
لتوجيه الإِنكار إلى الارتداد بردِّ الغير، تصريحاً بمخالفة المضلِّين وقطعاً لأطماعهم
الفارغة، وإيذاناً بأنَّ الارتداد من غير رادِّ ليس في حيِّز الاحتمال ليُحتاجَ إلى نفيه
وإِنكاره.
﴿بَعْدَ إِذْ هَدَنَا اللَّهُ﴾ أي: إلى التوحيد والإِسلام، أو إلى سائر ما يترتَّب عليه
الفوزُ في الآخرة على ما قيل. والظرف متعلّق بـ ((نرد)) مَسوق لتأكيد النکیرِ،
لا لتحقيق معنى الردِّ وتصويرِه فقط، وإلَّا لَكفَى أنْ يقال: بعدَ إذ اهتدينا، كأنه قيل:
أَنردُّ إلى ذلك بإِضلال المضلِّ بعد إذ هدانا اللهُ الذي لا هاديَ سواه. وليست الآيةُ
من باب التنازع فيما يظهر. ولا أنَّ جملة ((ونرد)» في موضع الحالِ من ضمير
(ندعو)) أي: ونحن نردُ. وجوَّزه أبو البقاء(١).
وقوله سبحانه: ﴿كَلَّذِى اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ نعتٌ لمصدر محذوف، أي: أنرد
ردًّا مثل ردِّ الذي استهوته ... إلخ. وقدَّر الطبرسيّ(٢): أندعوا دعاءً مثلَ دعاءٍ
الذي ... إلخ. وليس بشيءٍ كما لا يخفَى.
وقيل: إنَّه في موضع الحالِ من فاعل ((نرد)» أي: أَنردُّ على أعقابنا مشبَّهين
بذلك.
واعترضه صاحبُ ((الفرائد)» بأنَّ حاصل الحالية: أَنْرةُّ في حال مشابهتِنا،
كقولك: جاء زيدٌ راكباً، أي: في حال ركوبِهِ، والردُّ ليس في حال المشابهة، كما
أن المجيءَ في حال الركوب.
﴿ثُمَّ وَلَيْتُمْ مُدْبِينَ﴾
وأجاب عنه الطّبي بأن الحال مؤكّدة، کقوله سبحانه:
[التوبة: ٢٥] فلا يَلزم ذلك. ولا يخفَى أنَّه في حيِّز المنع.
والاستهواءُ استفعال، من: هَوَى في الأرض يَهوي، إذا ذهب، كما هو
المعروفُ في اللغة، كأنها طلبت هويَّه وحَرَصت عليه، أي: كالذي ذهبت به مَرَدةٌ
الجنِّ في المهامه والقِفار. والكلام من المركّب العقلي، أو من التمثيل، حيث شبّه
فيه مَن خلص من الشِّرك ثم نكص على عَقِبيه بحال مَن ذهبت به الشياطينُ في
(١) في الإملاء ٢/ ٥٦٥ .
(٢) في مجمع البيان ٧/ ٩٩.

سُؤَةُ الأَنْفَظُ
٢٤٠
الآية : ٧١
المهمه وأضلَّته بعد ما كان على الجادّة المستقيمة. وليس هذا مبنيًّا على زعمات
العربِ كما زعم مَن استهوته الشياطين(١).
وادَّعى بعضهم أنَّ استهوى مِن هَوَى بمعنى سقط، يقال: هَوَى يَهوي هَويًّا بفتح
الهاء: إذا سقط من أعلى إلى أسفلَ، والمقصودُ تشبيه حالِ هذا الضالِّ بحال مَن
سقط من الموضع العالي إلى الوَهدة السافلةِ العميقة؛ لأنه في غاية الاضطراب
والضَّعف والدَّهشة. ونظيرُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ
السَّمَآءِ﴾ [الحج: ٣١].
وفيه بُعد وإنْ قال الإمام: إنَّه أَولى من المعنى الأوَّل(٢)، مع أنه يتوقّف على
ورود الاستفعالِ من ھَوَى بهذا المعنى.
وجوَّز أبو البقاء(٣) في ((الذي)) أن يكونَ مفرداً، أي: كالرَّجل، أو كالفريق
الذي، وأن يكونَ جنساً، والمراد: الذين.
وقرأ حمزة: ((استهواه)) بألفِ ممالةٍ مع التذكير(٤).
﴿فِى الْأَرْضِ﴾ أي: جنسِها. والجارُّ متعلّق بـ ((استهوته)»، أو بمحذوفٍ وقع حالاً
من مفعوله، أي: كائناً في الأرض. وكذا قولُه سبحانه: ﴿حَيْرَانَ﴾ حالٌ منه أيضاً
على أنها بدل من الأُولى، أو حالٌ ثانية عند مَن يُجيزها، أو من ((الذي))، أو من
المستكنِّ في الظرف.
وجوَّز أبو البقاء(٥) أن يكون الجارُّ حالاً من ((حيران))، وهو ممنوعٌ من
الصرف، ومؤنَّئه: حَيرَى، أي: تائهاً ضالًّا عن الجادّة لا يدري ما يصنع.
﴿لَهُ﴾ أي: للمستهوَى ﴿أَصْحَبٌ﴾ أي: رُفقة ﴿يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾ أي:
الطريقِ المستقيم، أُطلق عليه مبالغةً، على حدٍّ: زيدٌ عدلٌ، والجارُّ الأول متعلِّق
(١) يعني به الزمخشري، ينظر الكشاف ٢٨/٢، وحاشية الشهاب ٨١/٤.
(٢) تفسير الرازي ٢٩/١٣ - ٣٠.
(٣) في الإملاء ٥٦٥/٢.
(٤) التيسير ص١٠٣ .
(٥) في الإملاء ٥٦٦/٢.