النص المفهرس
صفحات 181-200
الآية : ٥٢ ١٨١ سُورَةُ الأَنْعَم خاصًّا، ولأشراف قريشٍ وقتاً آخَر ليتألَّفوا فيقودهم إلى الإِيمان؛ وأولئك يعلمون ما قصد ◌َّلة، فلا يحصل لهم إِهانة وانكسارُ قلبٍ منه عليه الصلاة والسلام. ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهٌ﴾ في موضع الحالِ من ضمير ((يدعون)). وفي المراد بالوجه عند المؤوِّلين خلاف، فقيل - وهو المشهور - إنه الذاتُ، أي: مريدين ذاتَه تعالى، ومعنى إرادة الذات - على ما قيل - الإخلاصُ لها، بناءً على استحالة كونِ الله تعالى مراداً لذاته سبحانه وتعالى؛ لأنَّ الإرادة صفة لا تتعلق إلَّا بالممكنات، لأنها تقتضي ترجيحَ أحد طرفي المرادِ على الآخر، وذلك لا يُعقَل إلا فيها، أي: يدعون ربَّهم مخلصين له سبحانه فيه. وقيّد بذلك لتأكيد علِّيته للنهي، فإنَّ الإخلاص من أقوى موجبات الإِكرام المضادِّ للطرد. وقيل: المراد به الجهةُ والطريق، والمعنى: مريدين الطريقَ الذي أمرهم جلَّ شأنه بإرادته، وهو الذي يقتضيه كلامُ الزجَّاج(١). وقيل: إنه كنايةٌ عن المحبَّة وطلبِ الرضا؛ لأن مَن أحبَّ ذاتاً أحبَّ أن يرى وجهه، فرؤية الوجهِ من لوازم المحبَّة؛ فلهذا جعل كنايةً عنها، قاله الإِمام(٢). وهو كما ترى. وجوِّز أيضاً أن يكون ذِكرُ الوجه للتعظيم، كما يقال: هذا وجه الرأي، وهذا وجه(٣) الدليل، والمعنى: يريدونه. ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ ضمير الجمعِ للموصول السابق، كما رُوي عن عطاء وغالبِ المفسِّرين. وجوِّز في ((ما)) أن تكون تميميةً وحجازية، وفي ((شيء)) أن يكون فاعلَ الظرف المعتمدِ على النفي، و(من حسابهم)) وصف له قدِّم فصار حالاً، وأن يكونَ في موضع رفعٍ بالابتداء، والظرفُ المتقدِّم متعلق بمحذوف وقع خبراً مقدَّماً له، و((مِن) (١) في معاني القرآن ٢/ ٢٥١. (٢) في تفسيره ٢٣٦/١٢. (٣) تحرفت في (م) إلى: وجهه. سُورَةُ الأَنْعَظ ١٨٢ الآية : ٥٢ زائدةٌ للاستغراق، وكلامُ الزمخشريِّ(١) يشير إلى اختياره، والجملةُ اعتراض وسِّط بين النهي وجوابِه تقريراً له، ودفعاً لما عسى أن يُتَوَهَّم كونُه مسوِّغاً لطرد المتقين من أقاويل الطاعنين في دينهم، كدأب قوم نوح عليه السلام حيث قالوا: ﴿وَمَا نَرَكَ أَتَّعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاِلْنَا بَادِىَ الرَِّ﴾ [هود: ٢٧]. والمعنى: ما عليك شيءٌ ما من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطلة حتى تتصدّى له وتبنيَ على ذلك ما تراه من الأَحكام، وإنَّما وظيفتك حسبما هو شأنُ منصب الرسالةِ النظرُ إلى ظواهر الأمور، وإِجراءُ الأحكام على موجَبها، وتفويضُ البواطن وحسابِها إلى اللطيف الخبير، وظواهرُ هؤلاء دعاءُ ربِّهم بالغداة والعشي. ورُوي عن ابن زيد أنَّ المعنى: ما عليك شيءٌ من حساب رزقهم، أي: فقرهم، والمراد: لا يضرُّك فقرهم شيئاً ليصحَّ لك الإِقدام على ما أراده المشركون منك فيهم. ﴿وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ﴾ عطفٌ على ما قبله، وجيء به مع أنَّ الجواب قد تمَّ بذلك؛ مبالغةً في بيان كونِ انتفاء حسابهم عليه عليه الصلاة والسلام بنظمه في سِلك ما لا شبهةَ فيه أصلاً، وهو انتفاءُ كون حسابه وَّر عليهم، فهو على طريقة قولِه سبحانه: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] في رأي. وقال الزمخشري(٢): إنَّ الجملتين في معنى جملةٍ واحدة تؤدِّي مؤدَّى ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٧] كأنه قيل: لا تؤاخذُ أنت ولا هم بحساب صاحبه، وحينئذٍ لا بدَّ من الجملتين. وتعقِّب بأنه غيرُ حقيق بجلالة التنزيل. وتقديمُ خطابه وَّ في الموضعين، قيل: للتشريف له عليه أشرفُ الصلاة وأفضل السلام، وإلّا كان الظاهر: وما عليهم من حسابك من شيءٍ، بتقديم ((على)) ومجرورِها كما في الأوَّل. (١) في الكشاف ٢٢/٢. (٢) في الكشاف ٢/ ٢٢. الآية : ٥٢ ١٨٣ سُؤَةُ الأَنْعَل وقيل: إنَّ تقديم ((عليك)) في الجملة الأولى للقصد إلى إيراد النفي على اختصاص حسابِهم به وَ﴿؛ إذ هو الداعي إلى تصدِّيه عليه الصلاة والسلام لحسابهم. وذهب بعض المفسِّرين إلى أنَّ ضمير الجمع للمشركين، ورُوي ذلك عن ابن عباس ◌ّ، والمعنى: إنك لا تؤاخذ بحسابهم حتى يهمَّك إيمانهم ويدعوَك الحرصُ عليه إلى أن تطردَ المؤمنين. والضمير في قوله سبحانه: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ للمؤمنين على كلِّ حال، والفعل منصوبٌ على أنه جوابُ النفي، والمراد انتفاءُ الطرد لا انتفاءُ كون حسابهم عليه عليه الصلاة والسلام؛ ضرورةً انتفاءِ المسبّب لانتفاء سببه، کأنه قيل: ما یکون منك ذلك فكيف يقع منك طردٌ؟ وهو أحد معنيين في مثل هذا التركيب يمتنع ثانيهما هنا . وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾﴾ جواب للنهي، وجوَّز الإمام(١) والزمخشريُّ(٢) أن يكونَ عطفاً على ((فتطردهم)) على وجه التسبُّب؛ لأن الكون ظالماً معلولُ طردهم ومسبَّب(٣) له. واعتُرض بأنَّ الاشتراك في النصب بالعطف يقتضي الاشتراكَ في سبب النصب، وهو توقُّف الثاني على الأوَّل، بحيث يَلزم من انتفاء الأوَّل انتفاؤه، والكونُ من الظالمين منتفٍ، سواءٌ لوحظ ابتداءً أو بعد ترتُّبه على الطرد، وجعلُه مترتِّباً على الطرد بلا اعتبار كونهِ مترتِّباً على المنفيّ ومنتفياً بانتفائه، يفوِّت وجودَ سببية العطف . وأُجيب بأنَّ الظلم بالطرد يتوقّف انتفاؤه على انتفاء الطرد، كما يتوقف(٤) وجودُه على وجوده، وانتفاءُ الطرد متوقّف على انتفاء كونِ حسابهم عليه عليه الصلاة والسلام، فانتفاءُ الظلم بالطرد يتوقَّف على ذلك أيضاً، فيلزم من الانتفاء الانتفاءُ، ويتحقق الاشتراكُ في سبب النصب، وهو ظاهر، وإنكارُه مكابرة. (١) في تفسيره ١٢/ ٢٣٧ . (٢) في الكشاف ٢/ ٢٢. (٣) في (م): وسبب. (٤) في (م): لا يتوقف. سُورَةُ الْأَنْعَل ١٨٤ الآية : ٥٢ واعتُرض أيضاً بأنَّ العطف مؤذِن بأن عدم الظلم لعدم تفويضٍ الحساب إليه ◌َّر، فيُفهَم منه أنه لو كان حسابهم عليه وَّلُ وطَرَدهم لكان ظلماً، وليس كذلك؛ لأن الظلم وضعُ الشيء في غير موضعه. وأُجيب بأنه على حدٍّ: نِعمَ العبدُ صُهَيب، لو لم يَخَف الله لم يَعصِه(١). وفي ((الكشف)) في بيان مرادٍ صاحب ((الكشاف)): أنه أراد أنَّ الطرد سببٌ للظلم، فقيل: ما عليك من حسابهم لتطردهم فتَظلمَ به. ويُفهَم منه أنه لو كان عليه حسابُهم، لم يكن طردُه إياهم ظلماً؛ وذلك لأنَّ الطرد جُعل سبباً للظلم على تقدير أَلَّا يملكَ حسابهم. وعليه لا حاجةً إلى جعله على حدِّ ((نعم العبدُ ... )) إلخ، بل هو خروجٌ عن الحدِّ. وجوَّز بعضهم أن يكون الأوَّل جواباً للنهي، كما جاز أن يكونَ جواباً للنفي، ونقل عن ((الدُّرّ المصون))(٢)، وقال: الكلامُ عليه بحسب الظاهر: ولا تطردهم فتطردهم. وهو كما ترى. وجعل بعضُهم اجتماعَ ذينِكَ النفيين السَّابقين على هذا الجواب من قَبيل التنازع، خَلَا أنه لا يمكن كونُ الجواب للثاني بوجه أصلاً، إذ يَلزم المعنى حينئذٍ أنه لو كان عليهم شيءٌ من حسابه عليه الصلاة والسلام، كان طردُه إياهم حسناً، وهو خَلْفٌ لا يجوز حملُ القرآن عليه، وليس في هذا خروجٌ عن مختار البصريين لإِعمال الثاني؛ لأنَّ شرطه عندهم أن يكونَ المعنى مستقيماً فيهما، فإن لم يستقم أُعمل الأوَّل اتفاقاً، كما في قوله(٣): ولو أنَّ ما أسعى لأدنى معيشةٍ كفاني - ولم أَطلب - قليلٌ من المالِ وأنت إذا علمت أنَّ الجملة الثانيةَ لماذا أتي بها، علمتَ ما في هذا الكلام، فافهم. وأيًّا ما كان فالمراد: فتكونَ من الظالمين لأنفسهم، أو لأولئك المؤمنين، أو: فتكونَ ممن اتَّصف بصفة الظلم. (١) ذكره أبو عبيد في غريب الحديث ٣/ ٣٩٤ عن عمرو رضيالله قوله، وسلف ١/ ٤٩٢. (٢) ٤ / ٦٤٥. (٣) هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص٣٩. الآية : ٥٣ ١٨٥ سُورَةُ الأَنْعَم ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَا﴾ أي: ابتلينا واختبرنا ﴿بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ والمراد: عاملناهم معاملةَ المختبِر. وذلك إشارة إلى الفَتْن المذكورِ في النَّظم الكريم، وعبَّر عنه بذلك إيذاناً بتفخيمه، كقولك: ضربتُ ذلك الضربَ. والكاف مقحَمة، بمعنى أنَّ التشبيه غيرُ مقصود منها، بل المقصود لازمه الكِنائيُّ أو المجازي، وهو التحقُّق والتقرُّر، وهو إقحامٌ مَّرد، وليست زائدةً كما تُوهِّم. والمعنى: مثلَ ذلك الفتنِ العظيم البديع فتنًّا بعض الناس ببعضهم، حيث قدَّمنا الآخِرِين في أمر الدِّين على الأوَّلين المتقدِّمين عليهم في أمر الدنيا، ويَؤُول إلى أنَّ هذا الأمرَ العظيم متحقِّق منَّا . ومَن ظنَّ أن التشبيه هو المقصود، لم يجوِّز أن يكونَ ((ذلك)) إشارةً إلى المذكور؛ لِمَا يلزمه من تشبيه الشيءِ بنفسه، وتكلَّفَ لوجه التشبيهِ والمغايرة بجعل المشبَّه به الأمرَ المقرَّر في العقول، والمشبَّهِ ما دلّ عليه الكلامُ من الأمر الخارجي. وقيل: المراد: مثلَما ما فتنًّا الكفار بحسب غناهم وفقرِ المؤمنين حتى أهانوهم لاختلافهم في الأسباب الدنيويَّة، فتنَّاهم بحسب سبقِ المؤمنين إلى الإِيمان وتخلُّفِهم عنه، حتى حسدوهم وقالوا ما قالوا لاختلاف أَديانهم. ولا يخفى أنَّ الأول أدقُّ نظراً وأعلى كعباً، وقد سلف بعضُ الكلام على ذلك. ﴿يَقُولُواْ﴾ أي: البعض الأوَّلون مشيرين إلى الآخِرِين محقِّرين لهم: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بأن وفَّقهم لإِصابة الحقِّ والفوزِ بما يُسعدهم عنده سبحانه ﴿مِنُ بَيْنِناً﴾ أي: من دوننا ونحن المقدَّمون والرؤساء وهم العبيدُ والفقراء. وغرضهم بذلك إنكار المنِّ رأساً، على حدٍّ قولهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَاً إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] لا تحقيرُ الممنون عليهم مع الاعتراف بوقوعه بطريق الاعتراض عليه سبحانه. وذكر الإِمام(١) أنه سبحانه وتعالى بيَّن في هذه الآيةِ أن كلَّ من الفريقين المؤمنين والكفار مبتلَى بصاحبه، فأولئك الكفار الرؤساءُ الأغنياء كانوا يحسدون فقراءَ الصحابة رؤيته على كونهم سابقين في الإِسلام متسارعين إلى قَبوله، فقالوا : لو دخلنا في الإِسلام لَوجب علينا أن ننقادَ لهؤلاء الفقراء، وكان ذلك يشقُّ (١) في مفاتح الغيب ١٢/ ٢٣٧. سُؤَّةُ الأَنْتَم ١٨٦ الآية : ٥٣ عليهم. ونظيرُه قوله تعالى: ﴿أَوْفِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنَا﴾ [القمر: ٢٥] ﴿لَوْ كَانَ خَيْرً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهٍ﴾ [الأحقاف: ١١] وأما فقراءُ الصحابة، فكانوا يرون أولئك الكفارَ في الراحة والمسرَّة والخِصب والسعة، فكانوا يقولون: كيف حصلت هذه الأحوالُ لهؤلاء الكفارِ مع أنَّا في الشدَّة والضّيقِ والقِلّة؟ وأما المحقِّقون المحقُّون، فهم الذين يعلمون أن كلَّ ما فعله الله تعالى فهو حقٌّ وصدق، وحِكمة وصواب، ولا اعتراضَ عليه، إمَّا بحكم المالكية كما نقول، أو بحسَب المصلحة كما يقول المعتزلة. انتهى. وفيه نظر؛ لأنَّ صدر كلامه صريح في أنَّ الكفار معترفون بوقوع المنِّ للمشار إليهم حاسدون لهم على وقوعه، وهو منافٍ لتنظيره بقولهم: ((لو كان خيراً)) إلخ. وأيضاً كلامُه كالصريح في أنَّ فقراء المؤمنين حسدوا الكفارَ على دنياهم، واعترضوا على الله سبحانه بالترفيه على أعدائه والتضييقِ على أحبَّائه، وذلك مما يَجِلُّ عنه أدنى المؤمنين، فكيف أولئك الذين يدعون ربَّهم بالغداة والعشيِّ يريدون وجهه؟ وأيضاً مقابلةُ فقراء الصحابةِ ﴿ه بالمحقّقين المحقِّين يدلُّ على أنهم - وحاشاهم - لم يكونوا كذلك، وهو بديهيُّ البطلان عند المحقّقين المحقِّين، فتدبّر. واللام ظاهرةٌ في التعليل، وهي متعلّقة بـ ((فتًّا)) وما بعدها عِلَّ له. والسلف - كما قال شيخنا إبراهيمُ الكورانيُّ وقاضي القضاة تقيُّ الدين محمد التنوخيُّ وغيرهما - على إثبات العلَّة لأفعاله تعالى، استدلالاً بنحو عشرة آلاف دليلٍ على ذلك. واحتجَّ النافون لذلك بوجوه، ردّها الثاني في ((المحتبر))، وذكر الأوَّل في («مسلك السدادِ)(١) ما يعلم منه ردُّها. وهذا بحثٌ قد فرغ منه وطوي بساطه. وقال غير واحد: هي لامُ العاقبة. ونُقل عن ((شرح المقاصد))(٢) ما يأبى ذلك، وهو أنَّ لام العاقبة إنما تكون فيما لا يكون للفاعل شعورٌ بالترتُّب وقتَ الفعل أو قبلَه، فيفعل لغرض ولا يحصل له ذلك بل ضدُّه، فيُجعل كأنه فعل الفعل لذلك (١) هو: إمداد ذوي الاستعداد لسلوك مسلك السداد في التوحيد والصفات. إيضاح المكنون ١٢٦/١. (٢) ٢٨٠/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٦٩/٤-٧٠. الآية : ٥٣ ١٨٧ سُؤَدَّةُ الأَنْقَهُم الغرض الفاسدِ تنبيهاً على خطئه، ولا يتصوَّر هذا في كلام علام الغيوب بالنظر إلى أفعاله، وإنْ وقع فيه بالنظر إلى فعل غيرِه سبحانه، كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَالْتَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] إذ ترتّب فوائدٍ أفعاله تعالى عليها مبنيّة على العلم التامّ، نعم إنَّ ابن هشام وكثيراً من النُّحاة لم يعتبروا هذا القيدَ، وقالوا: إنها لامّ تدلُّ على الصيرورة والمآل مطلقاً، فيجوز أن تقعَ في كلامه تعالى حينئذٍ علی وجهٍ لا فساد فيه. ومن الناس مَن قال: إنها للتعليل، مقابلاً به احتمالَ العاقبة، على أنَّ ((فتنا)) متضمِّن معنى ((خذلنا))، أو على أنَّ الفَتْن مراد به الخذلانُ من إطلاق المسبّب على السبب. واعتُرض بأنَّ التعليل هنا ليس بمعناه الحقيقيّ، بناءً على أنَّ أفعاله تعالى منزَّهة عن العلل، فيكون مجازاً عن مجرَّد الترتب، وهو في الحقيقة معنى لام العاقبة، فلا وجه للمقابلة. وأُجيب بأنهما مختلفان بالاعتبار، فإن اعتُبر تشبيهُ الترتيب بالتعليل كانت لامَ تعليل، وإنْ لم يعتبر كانت لامَ عاقبة. واعترض بأنَّ العاقبة أيضاً استعارة، فلا يتمُّ هذا الفرق إلَّا على القول بأنه معنَى حقيقيّ، وعلى خلافه يُحتاج إلى فرقٍ آخَر. وقد يقال في الفرق بأنَّ في التعليل المقابلِ للعاقبة سببيةً واقتضاءً، وفي العاقبة مجردَ ترتُّب وإِفضاء، وفي التعليل الحقيقيِّ يعتبر البعثُ على الفعل، وهذا هو مراد مَن قال: إنَّ أفعال الله تعالى لا تعلَّل، وحينئذ يصحُّ أن يقال: إنَّ اللام - على تقدير تضمين ((فتنا)) معنى (خذلنا)) أو أنَّ الفَتْن مراد به الخذلان - للتعليل مجازاً؛ لأن هناك تسبُّباً واقتضاء فقط من دون بعث، وعلى تقدير عدم القول بالتضمين وإبقاءِ اللفظ على المتبادر منه هي لام العاقبة، وهو تعليل مجازيٍّ أيضاً، لكن ليس فيه إلَّ التأدِّي، فإنَّ ابتلاء بعضهم ببعض مؤذٍّ للحسد، وهو مؤذٍّ إلى القول المذكور، وليس هناك تسبُّب ولا بعث أصلاً. والحاصل أن كلَّا من العاقبة والتعليلِ المقابل لها مجازٌ عن التعليل الحقيقي، إلا أن التعليل المقابل أقربُ إليه من العاقبة، ومنشأ الأقربيةِ هو الفارق، والبحث بعدُ محتاج إلى تأمُّل، فتأمَّل، وإذا فتح لك، فاشكر الله سبحانه. سُورَةُ الأَنْتَعَمُ ١٨٨ الآية : ٥٤ ﴾ ردِّ لقولهم ذلك، وإشارةٌ إلى أنَّ مدار ٥٣ ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ استحقاقٍ ذلك الإِنعام معرفةٌ شأن النعمةِ والاعترافُ بحقِّ المنعِم. والاستفهام للتقرير بعلمه البالغ بذلك، والباءُ الأولى سيف خطيب، والثانية متعلِّقة بـ ((أعلم)) ويُكفَى ((أفعل)) العملَ في مثله. وفي ((الدرّ المصون))(١): العلم يتعدَّى بالباء؛ لتضمُّنه معنى الإِحاطة، وهو كثيرٌ في كلام الناس، نحو: علم بكذا، وله عِلمٌ به، والمعنى: أليس الله تعالى عالماً على أتمٍّ وجه، محيطاً علمُه بالشاكرين لنعمه حتى يستبعدوا إِنعامه عزَّ وجلَّ عليهم؟ وفيه من الإِشارة إلى أنَّ أولئك الضعفاءَ عارفون بحقِّ نعم الله تعالى عليهم من التوفيق للإِيمان والسبقِ إليه وغيرٍ ذلك، شاكرون عليه، مع التعريض بأنَّ القائلين - القائلين(٢) في مهامه الضلالِ - بمعزل عن ذلك كلِّه = ما لا يخفَى. ﴿وَإِذَا جَآءَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَِّنَا﴾ هم - كما رُوي عن عكرمة - الذين نُهِي وَل عن طردهم، والمراد بالآيات الآياتُ القرآنية، أو الحججُ مطلقاً. وجوِّز في الباء أن تكونَ صلةَ الإِيمان، وأن تكونَ سببية، أي: يؤمنون بكلِّ ما يجب الإِيمانُ به بسبب نزول الآيات، أو النظرِ فيها والاستدلالِ بها . وفي وصف أولئك الكرام بالإِيمان بعد وصفهم بما وصفهم سبحانه به تنبيهٌ على حيازتهم لفضيلتَي العلم والعمل، وتأخيرُ هذا الوصفِ مع أنه كالمنشأ للوصف السابق لِمَا أنَّ مدار الوعد بالرحمة هو الإِيمانُ، كما أنَّ مناط النهي عن الطرد فيما سبق هو المداومةُ على العبادة. وتقدم في رواية ابنِ المنذر(٣) عن عكرمة ما يُشير إلى أنها نزلت في عمرَ نَظُه. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس رضي﴿يا. وأمرُ صيغة الجمع على هذا ظاهر. وأخرج عبدُ بن حميد ومسدَّد في مسنده وابن جرير (٤) وآخرون عن ماهانَ قال: (١) ٤ / ٦٤٨. (٢) من القيلولة. (٣) ص١٧٨، وسيذكره المصنف مرة أخرى ص١٩١ . (٤) في تفسيره ٩/ ٢٧٢-٢٧٣ ومسدد كما في المطالب العالية (٣٩٧٣). الآية : ٥٤ ١٨٩ سُورَةُ الأَنْعَم أتى قوم النبيَّ وَ ﴿ فقالوا: إنّا أصبنا ذنوباً عظاماً، فما ردَّ عليه الصلاة والسلام عليهم شيئاً، فانصرفوا، فأنزل الله تعالى الآية، فدعاهم وير فقرأها عليهم. ورُوي عن أنس مثلُ ذلك (١). وقيل: لم تنزل في قوم بأعيانهم، بل هي محمولة على إِطلاقها، واختاره الإِمام(٢). والمشهور الأوَّل، وسياق الآية يرجِّح ما رُوي عن ماهان. ﴿فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ أمر منه تعالى لنبيِّهِ وَّ أن يبدأهم بالسلام في محلِّ لا ابتداءَ به فيه إِكراماً لهم بخصوصهم، كما رُوي عن عكرمة، واختاره الجبّائي. وقيل: أمره سبحانه أن يبلغهم تحيَّته عزَّ شأنه. ورُوي ذلك عن الحسن. وعن ابن عباس رضيّ أنَّ المعنى: إِقبل عذرَهم واعترافهم وبشِّرهم بالسَّلامة مما اعتذروا منه. وعليه لا يكون السلام بمعنى التحيَّة، وهو أيضاً مبنيٌّ على سبب النزول عنده . واختار بعضُهم أنه بهذا المعنى أيضاً على تقدير أن يرادَ بالموصول ما رُوي عن عكرمة، فيكون الكلام أمراً له عليه الصلاة والسلام أن يبشِّرهم بالسلام من كلِّ مكروه بعد إنذار مقابليهم. وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ أي: أَوجبها على ذاته المقدَّسة تفضُّلاً وإحساناً بالذات لا بتوسُّط شيءٍ أصلاً. وفيه احتمالٌ آخَرُ تقدَّم (٣) = تبشيرٌ لهم بسعة رحمةِ الله تعالى. ولم يعطف على جملة السَّلام مع أنه محكيٍّ بالقول أيضاً، قيل: لأنها دعائية إِنشائية، وقيل: إشارةً إلى استقلال كلٍّ من مضمونَي الجملتين، وهما السلامة من المكاره، ونيل المطالبٍ بالبشارة. وفي التعرُّض لعنوان الرُّبوبية مع الإِضافة إلى ضميرهم إِظهارٌ للعطف بهم وإِشعارٌ بعلَّة الحكم. وتمامُ الكلام في الآية قد مرَّ عن قريب. (١) أورده ابن الجوزي في تفسيره ٤٨/٢ . (٢) في تفسيره ٢/١٣. (٣) عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَتَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ﴾ [الأنعام: ١٢]. سُورَةُ الأَنْعَم ١٩٠ الآية : ٥٤ وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ، مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا﴾ بفتح الهمزة، كما قرأ بذلك نافع وابنُ عامر وعاصم ويعقوبُ(١)، بدلٌ من ((الرحمة)) كما قال أبو علي الفارسيُّ(٢) وغيره. وقيل: إنه مفعولُ ((كتب)) و((الرحمة)) مفعولٌ له(٣)، وقيل: إنَّه على تقدير اللام. وجوَّز أبو البقاء(٤) أن يكون مبتدأً خبرُه محذوف، أي: عليه سبحانه أنه .. إلخ، ودلّ على ذلك ما قبله. وقرأ الباقون: ((إنه)) بالكسر على الاستئناف النحويِّ، أو البياني، كأنه قيل: وما هذه الرحمةُ؟ والضمير للشأن. و((مَن)) موصولةٌ أو شرطية، وموضعها مبتدأ، و (منكم)) في موضع الحالِ من ضمير الفاعل. وقوله سبحانه: ﴿يَجَهَلَةٍ﴾ حالٌ أيضاً على الأظهر، أي: مَن عمل ذنباً وهو جاهل، أي: فاعلٌ فِعْلَ الجهلة؛ لأن من عمل ما يؤدِّي إلى الضرر في العاقبة وهو عالمٌ بذلك أو ظانٌّ، فهو من أهل الجهل والسَّفَه لا من أهل الحكمةِ والتدبير، أو جاهل بما يتعلَّق به من المكروه والمضرَّة. وعن الحسن: كلُّ مَن عمل معصيةً فهو جاهل. ﴿ثُمَّ تَابَ﴾ عن ذلك ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: العملِ، أو السوء ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي: في توبته، بأنْ أتى بشروطها من التدارك والعزم على عدم العَود أبداً ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ زَّحِيمٌ ﴾﴾ أي: فشأنه سبحانه وأمره [أنه](٥) مبالغٌ في المغفرة والرحمةٍ له، فـ ((أنَّ) وما بعدها خبرُ مبتدأ محذوف، والجملة خبرُ ((مَن)) أو جوابُ الشرط، والخبر حينئذٍ على الخلاف. وقدَّر بعضهم: فله أنه ... إلخ، أو: فعليه أنه ... إلخ، وحينئذٍ يجوز الرفعُ على الابتداء والرفعُ على الفاعلية. وقيل: إن المنسبكَ في موضع نصبٍ بفعل محذوف، أي: فليعلم أنه ... إلخ. (١) التيسير ص١٠٢، والنشر ٢٥٨/٢. (٢) في الحجة ٣١١/٣. (٣) عند تفسير قوله تعالى: ﴿ كَنَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٢]. (٤) في الإملاء ٥٤٩/٢- ٥٥٠ . (٥) ما بين حاصرتين من البحر ١٤١/٤، والدر المصرن ٦٥١/٤، وتفسير أبي السعود ١٤١/٤. الآية : ٥٤ ١٩١ سُورَةُ الأَنْحَم وقيل: إنَّ هذا تكرير لما تقدَّم؛ لبعد العهد. وقيل: بدلٌ منه. وقال أبو البقاء(١): وكلاهما ضعيف؛ لوجهين: الأول: أنَّ البدل لا يصحبه حرفُ معنّی إلَّا أن تُجعل الفاءُ زائدة، وهو ضعيف. والثاني: أن ذلك يؤدِّي إلى ألَّ يبقى لـ ((مَن)) خبرٌ، ولا جوابٌ على تقدير شرطيتها، والتزام الحذفِ بعيد. وفتحُ الهمزة هنا قراءةٌ مَن فتح هناك، سوى نافعٍ فإنه كباقي القرَّاء قرأ بالكسر. وأجاز الزجَّاج (٢) كسرَ الأولى وفتحَ الثانية، وهي قراءةُ الأعرج والزهراويّ(٣) وأبي عَمرٍو الداني. ولم يطَّلع - على ما قيل - أبو شامة عليه الرحمةُ على ذلك فقال: إنه محتمل إعرابيٍّ وإن لم يُقرأ به. وليس كما قال. ومن الناس مَن قال: إن هذه الآيةَ تقوِّي مذهبَ المعتزلة، حيث ذكر سبحانه في بيان سعة رحمته أنَّ عمل السوءِ إذا قارن الجهلَ والتوبة والإِصلاح فإنه يُغفر. ولذا قيل: إنَّها نزلت في عمرَ ◌َُه حيث قال لرسول الله بَّهِ: لو أجبتَهم لِمَا قالوا لعلَّ الله تعالى يأتي بهم. ولم يكن يعلم المضرَّة، ثم إنَّه تاب وأصلح، حتى إنه بكى وقال معتذراً: ما أردت إلَّا خيراً(٤). وأُورد عليه أنَّه من المقرّر أن العِبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فنزولُها في حقِّ عمرَ رقڅله لا يدفع الإِشکال. وتعقِّب بأن مراد المجيبِ أنَّ اللفظ ليس عامًّا، وخطاب ((منكم)) لمن كان في تلك المشاورة، والعاملُ لذلك منهم(٥) عمرُ رَُّبه، فلا إشكال. وأنت تعلم أنَّ بناء الجواب على هذه الروايةِ ليس من المتانة بمكان؛ إذ للخصم أن يقول: لا نسلِّم تلك الروايةَ. فلعل الأَوْلى في الجواب أنَّ ما ذكر في الآية إنما هو المغفرةُ الواجبة حسب وجوبِ الرحمة في صدر الآية، ولا يَلزم من (١) في الإملاء ٢/ ٥٥١ . (٢) في معاني القرآن ٢٥٣/٢. (٣) في (م): الزهري. وهو خطأ. والكلام في حاشية الشهاب ٧١/٤، وانظر البحر المحيط ٤/ ١٤١، والدر المصون ٤ / ٦٥٣ -٦٥٤ . (٤) تقدم ص١٧٨ . (٥) في الأصل: منكم، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٧١/٤، والكلام منه. سُورَةُ الأَنْعَل ١٩٢ الآية : ٥٥ تقييد ذلك بما تقدَّم تقييدُ مطلقِ المغفرة به، فحينئذٍ يمكن أن يقال: إنَّه تعالى قد يغفر لمن لم يتب مثلاً، إلّا أنَّه سبحانه لم يكتب ذلك على نفسه جلَّ شأنه، فافهمه فإنه دقیق. ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِلُ﴾ أي: دائماً ﴿ الَآَيَتِ﴾ أي: القرآنيةِ في صفة أهل الطاعة وأهلٍ الإجرام المصرِّين منهم والأوَّابين. والتشبيه هنا مثلُه فيما تقدَّم آنفاً . ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾﴾ بتأنيث الفعل بناءً على تأنيث الفاعل. وهي قراءة ابنِ كثير وابنٍ عامر وأبي عَمٍو ويعقوبَ وحفصٍ عن عاصم(١)، وهو عطف على علَّة محذوفة للفعل المذكور لم يُقصد تعليلُه بها بخصوصها، وإنما قصد الإِشعارُ بأنَّ له فوائدَ جمَّة من جملتها ما ذكر، أو علَّة لفعل مقدَّر هو عبارةٌ عن المذكور، كما يُشير إليه أبو البقاء(٢)، فيكون مستأنفاً، أي: ولتتبينَ سبيلُهم نفعل ما نفعل من التفصيل. وقرأ نافعٌ بالتاء ونصبٍ السبيل على أن الفعل متعدٍّ، أي: ولتستوضحَ أنت يا محمدُ سبيلَ المجرمين فتعاملهم بما يليق بهم. وقرأ الباقون بالياء التحتية ورفع السبيل على أنَّ الفعل مسنَد للمذكَّر. وتأنيثُ السبيل وتذكيرُه لغتان مشهورتان. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْنَ يَبْعَنُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلّهِ يُرْجَعُونَ ﴾ قال ابن عطاء: أخبر سبحانه بهذه الآيةِ أنَّ أهل السَّماع هم الأحياءُ، وهم أهل الخطابٍ والجواب، وأَخبر أن الآخَرين هم الأموات. وقال غيره: المعنى أنَّه لا يستجيب إلَّا من فتح اللهُ سبحانه سمعَ قلبه بالهداية الأصلية، ووهب له الحياةَ الحقيقية، بصفاء الاستعدادِ ونور الفطرة، لا موتى الجهلِ الذين ماتت غرائزهم بالجهل المرَّب، أو بالحجب الجِبِية، أو لم يكن لهم (١) التيسير ص ١٠٣، والنشر ٢٥٨/٢. (٢) في الإملاء ٥٥٢/٢ -٥٥٤ . التفسير الإشاري (٣٦-٥٥) ١٩٣ سُورَةُ الأَنْعَل استعدادٌ بحسب الفطرة، فإنهم قد صمُّوا عن السماع ولا يُمكنهم ذلك، بل يبعثهم الله تعالى إليه بالنشأة الثانية، ثم يرجعون إليه سبحانه في عين الجمعِ المطلَق للجزاء والمكافأة مع احتجابهم. وقيل: الآية إشارةٌ إلى أهل الصَّحو وأهلِ المحو. ﴿وَمَا مِن ◌َآبَّةٍ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا طَبْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمُّمُ أَمْثَالُكُمْ﴾ حيث فُطروا على التوحيد، وجُبلوا على المعرفة، ولهم مشاربُ من بحر خطابِ الله تعالى، وأفنانٌ من أشجار رياضٍٍ كلماته سبحانه، وحنينٌ إليه عزَّ وجلَّ، وتغريدٌ باسمه عزَّ اسمه. قيل: إنَّ سَمْنون المحبُّ (١) كان إذا تكلّم في المحبة يسقط الطيرُ من الهواء. وروي في بعض الآثارِ أنَّ الضبَّ بعد أن تكلّم مع رسول الله بَله وشهد برسالته أنشأ يقول: فبوركتَ مهدیًّا وبوركت هاديا أَلَا يا رسولَ الله إنك صادقٌ وبوركت مولوداً وبوركت ناشيا(٢) وبوركت في الآزال حيًّا وميِّتاً وإنَّ فيهم أيضاً المحتجبين ومرتكبي الرذائل وغيرِ ذلك. وقد تقدَّم الكلام في هذا المبحثِ مفصّلاً(٣). ﴿مَّا فَرَّطَّنَا فِىِ الْكِتَبِ﴾ أي: كتابٍ أعمالهم ﴿مِن شَىْءٌ ثُمَّ إِلَى رَيْهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ في عين الجمع. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ لاحتجابهم بغواشي صفاتِ نفوسهم ﴿بِثَايَتِنَا﴾ وهي تجلِّيات الصفات ﴿صٌُ﴾ فلا يسمعون بآذان القلوب ﴿وَبُّكُمٌّ﴾ فلا ينطقون بألسنة العقول ﴿فِىِ اٌلْقُلُمَتِ﴾ وهي ظلماتُ الطبيعة وغياهبِ الجهل ﴿مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ بإسبال حُجُب جلالِهِ ﴿وَمَن يَشَأْ يَجْعَلَهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بإِشراق سُبُحات جماله. (١) هو سمنون بن حمزة الصوفي، أبو الحسن الخواص، وقيل: أبو بكر، بصري سكن بغداد، ومات قبل الجنيد. حلية الأولياء ٣٠٩/١٠، وتاريخ بغداد ٢٣٤/٩. (٢) ذكره ابن الجوزي في الوفا بأحوال المصطفى ص٣٤٣ من حديث ابن عباس ◌ًا. والبيت الأول في الإصابة ١١٦/٢ في ترجمة جُهّيش بن أُويس النخعي. (٣) عند الآية (٣١) من سورة آل عمران في التفسير الإشاري. سُورَةُ الأَنْسَل ١٩٤ التفسير الإشاري (٣٦-٥٥) ﴿قُلْ أَرَءَيَتَكُمْ إِنْ أَتَكُمْ عَذَابُ الَِّ﴾ من المرض وسائرٍ أنواع الشدائد ﴿أَوْ أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ﴾ الصُّغرى أو الكبرى ﴿أَغَيّرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ لكشف ما ينالكم ﴿إِن كُمْ صَدِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَّدْعُونَ﴾ لكشف ذلك. قال بعضُ العارفين: مرجع الخواصِّ إلى الحقِّ جلَّ شأنه من أول البداية، ومرجع العوامٌّ إليه سبحانه بعد اليأس من الخلق. وكان هذا في وقت هذا العارف، وأمَّا في وقتنا، فنرى العامةَ إذا ضاق بهم الخِناق، تركوا دعاءَ الملك الخلّاق، ودعوا سكان الثَّرى، ومَن لا يسمع ولا یری. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىْ أُمَمٍ مِّنِ قَبْلِكَ فَخَذّنَهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّءِ لَعَلَهُمْ بَضَّعُونَ﴾ أي: ليطيعوا ويَبرزوا من الحجاب، وينقادوا متضرِّعين عن تجلِّي صفة القهر. ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: ما تضرَّعوا؛ لقساوة قلوبهم بكثافة الحجاب، وغلبةٍ غَشْي الهوى وحبِّ الدنيا، وأصل كلِّ ذلك سوءُ الاستعداد. ﴿قُلْ أَرَّيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَّكُمْ﴾ فلم تسمعوا خطابَه ﴿وَأَبْصَرَّكُمْ﴾ فلم تشاهدوا عجائبَ قدرته وأسرارَ صنعته ﴿وَخَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ فلم يدخلها شيءٌ من معرفته سبحانه ﴿مَّنّ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيَكُمْ بِهِ﴾ أي: هل يقدر أحدٌ سواه جلَّت قدرته على فتح بابٍ من هذه الأبواب؟ كلَّا بل هو القادر الفعَّال لما يريد. ﴿قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى﴾ أي: من حيث أنا ﴿خَآيِنُ اَللَّهِ﴾ أي: مقدوراتُه ﴿وَلَآ أَعْلَمُ﴾ أي: من حيث أنا أيضاً ﴿اٌلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّ مَلَكٌ﴾ أي: روح مجرَّد لا أحتاج إلى طعام ولا شراب ﴿إِنّ أَنَّبِعُ﴾ أي: من تلك الحيثية ﴿إِلَّا مَا يُوحَىّ إِلَىٌ﴾ من الله تعالى، وله وَّ﴾ مقام ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَعَّ﴾ [الأنفال: ١٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] وليس لطير العقلِ طيرانٌ في ذلك الجو. ﴿قُلّ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى﴾ عن نور اللهِ تعالى وإحاطتِهِ بكل ذَرَّة من العرش إلى الثرى، وظهورِه بما شاء حسب الحكمة، وعدم تقيُّده سبحانه بشيءٍ من المظاهر ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ بذلك فيتكلّم في كلِّ مقام بمقال. التفسير الإشاري (٣٦ -٥٥) ١٩٥ سُؤَةُ الأَنْعَم ﴿وَلَا تَظْرُدٍ﴾ أي: لأجل التربية والتهذيبِ والامتحان ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم) الذي أوصلهم حيث أوصلهم من معارج الكمال ﴿بِالْغَدَدْوِ﴾ أي: وقتَ تجلِّي الجمال ﴿وَالْمَشِ﴾ أي: وقتَ تجلي العظمةِ والجلال ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: يريدونه سبحانه لذاته وصفاته، ويطلبون تجلِّيَه عزَّ وجلَّ لقلوبهم. ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم﴾ أي: حسابِ أعمالهم القلبيةِ ﴿مِن شَىْءٍ﴾؛ لأنَّ الله تعالى قد تولَّى حفظَ قلوبهم وأمطر عليها سحائبَ عنايته، فاهتزَّت ورَبَت وأنبتت من كلِّ زوج بهيج. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَيْهِم مِّنْ شَىْءٍ﴾ عطف على سابقه، أتى به للمبالغة، على ما مرَّ في العبارة. ويحتمل أن يراد: لا تطرد السَّالكين لأجل المحجوبين، فما عليك من حساب السالكين أو المحجوبين شيءٌ. ومعنى ذلك يُعرف بأدنى التفات. ﴿فَتَطَرُدَهُمْ﴾ عن الجلوس معك ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لهم بنقص حقوقِهم وعدم القيام برعاية شأنهم. ومن المؤوِّلين مَن قال: إنَّ الآية في أهل الوحدة، أي: لا تزجر الواصلين الكاملين ولا تُنذرهم؛ فإن الإِنذار كما لا ينجع في الذين قست قلوبُهم لا ينجع في الذين طاشوا وتلاشَوا في الله تعالى، وهم الذين يخصُّونه سبحانه بالعبادة دائماً بحضور القلب وعدم مشاهدة شيءٍ سواه حتى ذواتهم ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم﴾ فيما يعملون ﴿مِّنْ شَىْءٍ﴾ إذ لا واسطةَ بينهم وبين ربِّهم ﴿وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٌ﴾ أي: لا يخوضون في أمور دعوتِك بنصرٍ وإعانة؛ لاشتغالهم به سبحانه عمَّن سواه، ودوامٍ حضورهم معه ﴿فَتَطَرُدَهُمْ﴾ عما هم عليه من دوام الحضورِ بدعوتك لهم لشغلٍ دينيّ ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لتشويشك عليهم أوقاتهم. والله تعالى أعلمُ بحقيقة كلامه . ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ﴾ أي: الناس، وهم المحجوبون ﴿بِبَعْضٍ﴾ وهم العارفون ﴿لَيَقُولُوا﴾ أي: المحجوبون مشيرين إلى العارفين مستحقرين لهم حيث لم يرَوا منهم سوى حالِهم في الظاهر وفقرِهم، ولم يرَوا قَدْرَهم ومرتبتهم وحسنَ حالهم في الباطن، وغرَّهم ما هم فيه من المال والجاهِ والتنعُّم وخفضٍ العيش: سُورَةُ الأَنْفَعَل ١٩٦ التفسير الإشاري (٣٦-٥٥) ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بالهداية والمعرفةِ ﴿مِنْ بَيْنِنَا﴾ أرادوا أنه سبحانه لم يمنَّ عليهم ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ﴾ أي: الذين يشكرونه حقَّ شكره، فيمنُّ عليهم بعظيم مجُوده. ﴿وَإِذَا جَآءَكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَِّنَا﴾ أي: بواسطتها ﴿فَقُلْ﴾ لهم أنت أيُّها الوسيلة: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا لأنَّهم في مقام الوسائط، ولو بلغوا إلى درجة أهلِ المشاهدة، لَمنحهم سبحانه بسلامه، كما قال عزَّ شأنه: ﴿سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبِّ زَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. وباقي الآية ظاهر. وقال الإِمام الرازي (١): إنَّ قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ﴾ إلخ مشتملٌ على أسرار عالية، وذلك لأنَّ ما سوى الله تعالى فهو آياتُ وجودِ الله تعالى، وآياتُ صفات جلاله وإِكرامه، وآياتُ وحدانيّته، وما سواه سبحانه لا نهايةً له، فلا سبيلَ للعقل إلى الوقوف عليه على التفصيل التامّ، إلّا أن الممكن هو أن يطَّلع على بعض الآياتِ ويتوسَّلَ بمعرفتها إلى معرفة اللهِ تعالى ثم يؤمنَ بالبقيَّة على سبيل الإِجمال، ثم إنه يكون مدةً حياته كالسابح في تلك البحار، وكالسَّائح في تلك القفار، ولما كان لا نهاية لها، فكذلك لا نهايةً لترقِّي العبدِ في معارج تلك الآيات. وهذا شرح إِجماليٍّ لا نهاية لتفاصيله. ثم إنَّ العبد إذا صار موصوفاً بهذه الصفة، فعند هذا أَمَرَ الله تعالى نبيَّه ◌َِّر بأن يقول لهم: ﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾ فيكون هذا التسليمُ بشارةً بحصول السلامة، وقولُه سبحانه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ بشارةٌ بحصول الكرامةِ عَقيب تلك السلامة. أمَّا السلامة، فبالنجاة من بحر عالَم الظلمات، ومركزِ الجسمانيات، ومعدن الآفاتِ والمخافات، وموضع التغيُّرات والتبدلات، وأمَّا الكرامة، فبالوصول إلى الباقيات الصَّالحات، والمجَرَّدات القدسيَّات، والوصولِ إلى فُسحة عالَم الأنوار، والترقِّي إلى معارج سُرادقات الجلال. انتهى. وقال آخر: الإشارة إلى نوع من السَّالكين، أي: إذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا بمحو صفاتِهم في صفاتنا ﴿فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ لتنزُّهكم عن عيوب صفاتِكم، وتجرُّدِكم عن ملابسها ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ أي: أَلزم ذاته المقدَّسة (١) في تفسيره ٣/١٣. الآية : ٥٦ ١٩٧ سُورَةُ الأَنْدَعَل رحمةَ إِبدال صفاتكم بصفاته لكم؛ لأنَّ في الله سبحانه خَلَفاً عن كلِّ ما فات ﴿أَنَّهُ. مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ أي: ظهر عليه في تلوينه صفةٌ من صفاته بغَيبة أو غفلة ﴿ثُرَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: بعد ظهور تلك الصِّفة، بأن رجع عن تلوينه وفاءَ إلى الحضور ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي: ما ظهر منه بالخضوع والتضرُّع بين يديه سبحانه والرياضةِ ﴿فَأَنَّهُ﴾ عزَّ شأنه ﴿غَفُورٌ﴾ يَسترها عنه ﴿رَّحِيمٌ﴾ يرحمه بهبة التمكينِ ونعمة الاستقامة . ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِلُ اَلَيَتِ﴾ أي: مثلَ ذلك التبيينِ الذي بيَّنَّاه لهؤلاء المؤمنين نبيِّن لك صفاتِنا ﴿وَلِتَسْتَّبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ وهم المحجوبون بصفاتهم الذين يفعلون لذلك ما يفعلون. واللهُ تعالى الموفِّق للصواب. ﴿قُلْ إِنِِّ نُّهِيتُ﴾ أمرٌ له وَّهِ بالرُّجوع إلى خطاب المصرِّين على الشرك إثرَ ما أُمر بمعاملة مَن عداهم بما يليق بحالهم، أي: قل لهم قطعاً لأَطماعهم الفارغةِ عن ركونك إليهم، وبياناً لكون ما هم عليه هوّى محضاً وضلالاً صِرفاً: إني صُرفت ومنعت بالأدلَّة الحقَّانية والآياتِ القرآنية ﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ﴾ أي: عن عبادة الآلهةِ الذين ﴿تَدْعُونَ﴾ أي: تعبدونهم أو تسمُّونهم آلهة ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ سواءٌ كانوا ذوي عقولٍ أم لا . وقد يقال: إنَّ المراد بهم الأصنام، إلَّا أنه عبَّر بصيغة العقلاءِ جرياً على زعمهم. ﴿قُل لَّ أَنَّعُ أَهْوَاءَ كُمْ﴾ تكريرُ الأمر مع قرب العهدِ اعتناءً بشأن المأمور به، وإيذاناً باختلاف القولين، من حيث إنَّ الأوَّل حكاية لما مرَّ من جهته تعالى من النهي، والثاني لِمَا من جهته عليه الصلاة والسلام من الانتهاءِ عن عبادة ما يعبدون. وفي هذا القولِ استجهال لهم، وتنصيصٌ على أنهم فيما هم فيه من عبادة غيرِ الله تعالى تابعون لأَهواءٍ باطلة، وليسوا على شيءٍ مما ينطلق عليه الدِّين أصلاً، وإِشعارٌ بما يوجب النهي والانتهاء. وفيه - كما قيل - إشارةٌ إلى عدم كفاية التقليد الصِّرف في مثل هذه المطالب. سُورَةُ الْأَنْعُ ١٩٨ الآية : ٥٧ وقيل - وهو في غاية البعد -: إنَّ المراد: لا أتَّبع أهواءكم في طرد المؤمنين. ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا﴾ أي: إن اتَّبعت أهواءَكم فقد ضللت. وهو استئنافٌ مؤكّد لانتهائه عليه الصلاة والسلام عما نُهي عنه، مقرِّر لكونه غاية الضَّلال. وقرأ يحيى بن وثاب: ((ضَلِلت)) بكسر اللام(١)، وهو لغةٌ فيه، والفتحُ - كما قال أبو عبيدة - هو الغالب. ﴿وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ عطفٌ على ما قبله. والعدولُ إلى الاسمية للدَّلالة ٥٦ على الدوام والاستمرار، أي: دوام النفي واستمرارُه، لا نفيُ الدوام والاستمرار. والمراد - كما قيل : وما أنا إذاً في شيءٍ من الهدى حتى أُعدَّ في عِدادهم. وفيه تعریض بأن المقول لهم كذلك. ﴿قُلّ إِنِ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ تبيينٌ للحقِّ الذي عليه رسولُ اللهِوَّه وبيانٌ لاتِّبَاعه إِيَّاه، إثرَ إبطال الباطل الذي فيه الكفرةُ، وبيانِ عدم اتِّباعه عليه الصلاة والسلام له في وقت من الأوقات. والبيِّنة كما قال الراغبُ(٢): الدلالة الواضحة، من: بان يَبِين، إذا ظهر، أو الحجّة الفاصلة بين الحقِّ والباطل، على أنَّها من البينونة، أي: الانفصال. وأيًّا ما كان فالمراد بها القرآن، كما قال الجبَّائي. وعن ابن عباس ﴿ّ أنَّ المراد: إنِّي على يقين. وعن الحسن: أنَّ المراد بها النبوَّة. وهو غيرُ ظاهر، كتفسيرها بالحجج العقليةِ أو ما يعمُّها. والتنوين للتفخيم، أي: بينةٍ جليلةِ الشأن. ﴿مِّن رَّبِ﴾ أي: كائنةٍ من جهته سبحانه. ووصفها بذلك لتأكيد ما أَفاده التنوينُ. وجوِّز أن تكون ((من)) اتصاليةً، وفي الكلام مضاف، أي: بينةٍ متصلة بمعرفة ربِّي. وقيل: هي أجْلية متعلِّقة بما تعلَّق به الخبر، ويقدَّر المضاف أيضاً، أي: كائن على بيِّنة لأجل معرفةٍ ربي. والأوَّل أظهر. وفي التعرُّض لعنوان الربوبيةِ مع الإِضافة إلى ضميره وَّر من التشريف ورفعِ المنزلة ما لا يخفَى. (١) القراءات الشاذة ص٣٧. (٢) في المفردات (بين). الآية : ٥٧ ١٩٩ سُورَةُ الأَنْعَم وقوله سبحانه: ﴿وَكَذَّبْتُم بِهٍ﴾ - كما قال أبو البقاء(١) - جملةٌ إما مستأنفة، أو حاليةٌ بتقدير ((قد)) في المشهور، جيءَ بها لاستقباح مضمونها واستبعادٍ وقوعه مع تحقّق ما يقتضي عدمَه، أو للتفرقة بينه عليه الصلاة والسلام وبينَهم، والضمير للبيِّنة، والتذكير باعتبار المعنى المراد، وقال الزجَّاج (٢): لأنها بمعنى البيان. وجوِّز أن يكون الضمير لـ ((ربي)) على معنى: إني صدَّقت به ووخَّدته وأنتم كذَّبتم به وأشركتم. وقوله تعالى: ﴿مَا عِندِى مَا تَسْتَعِْلُونَ بٌِّ﴾ استئناف مبيِّن لخطئهم في شأن ما جعلوه منشأً لتكذيبهم بالقرآن، وهو عدم مجيءٍ ما وَعد فيه من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بقولهم بطريق الاستهزاءِ أو الإِلزام بزعمهم: ﴿مَتَّى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥]. وقال الإمام (٣): إنه عليه الصلاة والسلام كان يخوِّفهم بنزول العذابِ عليهم بسبب هذا الشِّرك، والقومُ لإِصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزولَ ذلك، فقال لهم: ((ما عندي)) إلخ. وكأن الكلام مبيِّن أيضاً لخطئهم في شأن ما جعلوه منشاً لعدم الالتفاتِ إلى نهي الرَّسول وَّهِ عنه والإخبارِ بنزول العذابِ بسببه، أي: ليس ما تستعجلونه(٤) من العذاب الموعودِ به وتجعلون تأخّره ذريعةً إلى تكذيب القرآن أو عدم الالتفات إلى النهي عنه والوعيدِ عليه في حكمي وقدرتي حتى أجيءَ به، أي: ليس أمره مفوَّضاً إليّ. ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ أي: ما الحكمُ في تأخير ذلك ﴿إِلَّا لِِّ﴾ وحدَه من غير أن يكونَ لغيره سبحانه دخلٌ ما فيه بوجه من الوجوه. واختار بعضهم التعميمَ في متعلَّق الحكم، أي: ما الحكمُ في ذلك تأخيراً أو تعجيلاً، أو: ما الحكم في جميع الأشياءِ، فيدخل فيه ما ذكر دخولاً أوليًّا . (١) في الإملاء ٥٥٤/٢ . (٢) في معاني القرآن ٢٥٦/٢. (٣) في تفسيره ١٣/ ٧. (٤) في الأصل و(م): ليس عندي ما تستعجلونه، والمثبت من إرشاد العقل السليم ١٤٢/٣، وعنه نقل المصنف. سُورَةُ الأَنْعَم ٢٠٠ الآية : ٥٧ ورُجّح الأول بأن المقصودَ من قوله سبحانه: ((إن الحكم ... )) إلخ التأشُف على وقوع خلافِ المطلوب، كما يشهد به مواردُ استعماله، وهو على التأخير فقط. ﴿يَقُصُّ﴾ أي: يَتْبع ﴿اَلْحَقِّ﴾ والحكمةَ فيما يحكم به ويقدِّره كائناً ما كان، أو يبيِّنه بياناً شافياً، من: قصَّ الأثرَ أو الخبر، وهو من قبيل التكميل للخاصِّ - على ما اخترناه - بإردافه بأمر عامٌّ، كقوله تعالى: ﴿بَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١]. وقرأ الكسائيُّ وغيره: ﴿يَقْضِ﴾ من القضاء(١)، وحُذفت الياء في الخطّ تبعاً لحذفها في اللفظ لالتقاء الساكنين، وأصلُه أن يتعدَّى بالباء لا بنفسه، فنصب ((الحق)) إما على المصدرية؛ لأنه صفةُ مصدرٍ محذوف قامت مقامَه، أي: يقضي القضاءَ الحقَّ، أو على أنه مفعولٌ به (ويقضي)) متضمِّن معنى ينفذ، أو هو متعدٍّ، من: قضى الدِّرع، إذا صنعها، أي: يصنع الحقَّ ويدبِّرِه، كقول الهُذَلي(٢) : داودُ مسرودتان قضاهما وفي الكلام على هذا استعارةٌ تبعية . واحتجَّ مجاهدٌ للقراءة الأولى بعدم الباءِ المحتاج إليها في الثانية. وقد علمتَ فساده. فإنَّ الفصل ٥٧ واحتجَّ أبو عَمرو للثانية بقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ إنَّما يكون في القضاء لا في القصص، ولو كان ذلك في الآية لقيل: خيرُ القاصِّين. وأجاب أبو عليٍّ الفارسي(٣): بأنَّ القصص هاهنا بمعنى القول، وقد جاء الفصل فيه، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣]. ﴿كِتَبُّ أُعْكِمَتْ ءَايَتُهُ ثُمّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]. ﴿وَنُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ [التوبة: ١١]. على أنَّك تعلم بأدنى التفاتٍ إلى أن القصَّ هنا قد يَؤُول بلا تكلُّفٍ وبُعدٍ إلى معنى القضاء(٤). (١) قرأ بها أيضاً أبو عمرو وحمزة وابن عامر. التيسير ص١٠٢، والنشر ٢٥٨/٢. (٢) هو أبو ذؤيب، والبيت بتمامه كما في ديوان الهذليين ١٩/١ : وعليهما مسرودتان قضاهما داودُ أو صَنّعُ السوابغ تبَّعُ (٣) في الحجة ٣١٨/٤-٣١٩. (٤) يعني كما قال الشهاب في الحاشية ٧٢/٤: إن معنى يقصه أنه بيَّنه بياناً شافياً، وهو عين القضاء.