النص المفهرس
صفحات 141-160
التفسير الإشاري (١٣-٣٥)
١٤١
سُورَةُ الأَنْقَوم
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ افْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا﴾ بإثبات وجود غيرِه تعالى ﴿أَوْ كَذَّبَ بِثَابَتِهِ.﴾
فأظهر صفاتِ نفسه ﴿إِنَّهُ، لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ لاحتجابهم بما وضعوه في موضع
ذاتٍ الله تعالی وصفاتِهِ جلَّ وعلا .
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَميعًا﴾ وهو يومُ القيامةِ الكبرى وعين الجمع ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ
أَشْرَّكُواْ﴾ بإثبات الغير: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم شركاءُ ولهم وجود.
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَُهُمْ﴾ أي: نهايةُ شركهم عند ظهور الأمر وبروزِ الكلِّ لله الواحد
القهار ﴿إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَِّ رَيْنَا مَا كُنَّ مُشْرِكِينَ﴾ لامتناع وجود شيءٍ نُشركه ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ
كَذَبُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بنفي الشِّرك عنها مع رسوخ ذلك الاعتقادِ فيها ﴿وَضَلَ﴾ أي:
ضاع ﴿عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فلم يجدوه.
﴿وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ من حيث أنت ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ﴾ حسبما اقتضاه
استعدادُهم ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ وهي ظلمات النفس الأمّارة ﴿وَفِيّ ءَاذَانِمْ وَقْرَاْ﴾ وهو وَقِرُ
الضلالة ﴿وَإِن يَرَوَأْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِنَ﴾ لأن على أبصارهم غشاوةَ العُجب
والجهل.
﴿وَلَوْ تَرَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ﴾ وهي نارُ الحرمان ﴿فَقَالُواْ يَلَيْنَا نُرَةُ وَلَا تُكَّذِّبَ ◌ِثَايَتِ
رَيْنَا﴾ من تجلِّيات صفاته ﴿وَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِينَ﴾ أي: الموحِّدين ﴿بَلْ بَدَا لَمُ مَّا
كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبَّلٌ﴾ في أنفسهم من المَلَكات الرديئة، والهيئاتِ المظلمة، والصفاتِ
المهلكة .
﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ لرسوخ ذلك فيهم ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ في الدنيا
والآخرة؛ لأن الكذب عن مَلَكة فيهم.
﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ رُقِفُواْ عَلَى رَيْهِمْ﴾ الآيةَ، قال بعضُ أهل التأويل: هذا تصويرٌ لحالهم
في الاحتجاب والبُعد وإن كانوا في عين الجمعِ المطلق. والوقوفُ على الشيء غيرُ
الوقوف معه، فإنَّ الأول لا يكون إلَّا كرهاً، والثاني يكون طوعاً ورغبة، فالواقفُ
مع الله سبحانه بالتوحيد لا يوقّف للحساب، وإلى ذلك الإِشارةُ بقوله تعالى:
﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ ﴾ [الكهف: ٢٨]
﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢] ويثاب هذا بأنواع النعيم في الجِنان
سُؤَدَّةُ الأَتْعَل
١٤٢
التفسير الإشاري (١٣-٣٥)
كلِّها. ومَن وقف مع الغير بالشِّرك، وقف على الربِّ تعالى، وعذِّب بأنواع
العذاب؛ لأنَّ الشرك ظلم عظيم. ومن وقف مع الناسوت بمحبَّة الشهوات، وقف
على الملكوت وعذِّب بنيران الحرمان، وسلِّط عليه زبانيةُ الهيئات المظلمة، وقُرن
بشياطين الأَهواء المردية. ومَن وقف مع الأفعال، وقف على الجبروت، وعذِّب بنار
الطمع والرجاء، وردّ إلى مقام الملكوت. ومن وقف مع الصفات، وقف على
الذات، وعذِّب بنار الشَّوق والهجران. وليس هذا هو الوقوف على الربِّ؛ لأن فيه
حجابَ الأَنية، وفي الوقوف على الذات معرفةُ الربِّ الموصوف بصفات اللطف،
والمشركُ موقوف أولاً على الربِّ، فيحجب بالردِّ والطرد ﴿أَخْسَثُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾
[المؤمنون: ١٠٨] ثم على الجبروت، فيُطرد بالسخط واللعن ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا
يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] ثم على الملكوت، فيزجر بالغضب واللَّعن
﴿قِيلَ أَدْخُلُواْ أَنْوَبَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: ٧٢] ثم على النار يسجرون، فيعذَّب بأنواع
النيران أبداً، فيكون وَقفه على النار متأخِّراً على وقفه على الربِّ تعالى معلولاً له،
كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾
[يونس: ٧٠] وأما الواقفُ مع الناسوت، فيوقف للحساب على الملكوت، ثم على
النَّار، وقد ينجو لعدم السخط، وقد لا ينجو لوجوده. والواقفُ مع الأَفعال لا يوقف
على النَّار أصلاً، بل يحاسَب ويدخل الجنة. وأما الواقفُ مع الصفات، فهو من
الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه. انتهى، فتأمَّل فيه.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَاءِ اَللَّهِ حَتَّىَ إِذَا جَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ وهي القيامةُ
الصغرى، أعني الموت. حُكي عن بعض الكبار أنه قيل له: إنَّ فلاناً مات فَجأة،
فقال: لا عجب، إذ من لم يمت فجأة، مرض فجأةً فمات ﴿قَالُواْ يَحَسْرَئِنَا عَلَى مَا
فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ أي: في حقِّ تلك الساعةِ بترك العمل النافع ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى
ظُهُورِهِے﴾ تصویر لحالهم.
﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ أي: الحياة الحِسِّية، فإن المحسوس أدنى وأقربُ من
المعقول ﴿إِلَّا لَيِبٌ وَلَهْرٌ﴾ لا أصلَ له ولا حقيقة، سريعُ الفناء والانقضاء ﴿وَلَّارُ
الْآَخِرَةُ﴾ أي: عالم الروحانيات ﴿غَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وهم المتجرِّدون عن ملابس
الصفات البشرية واللَّذَّات البدنية.
الآية : ٣٦
١٤٣
سُؤَدَّةُ الأَنْعَام
﴿قَدَ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ بمقتضى البشرية ﴿الَّذِى يَقُولُونَ﴾ ما يقولون ﴿فَإِنَّهُمْ لَا
يُكَذِبُونَكَ﴾ في الحقيقة ﴿وَلَكِنَّ الظَِّمِينَ بِثَايَتِ الَّهِ﴾ التي تجلَّى بها ﴿يَجْحَدُونَ﴾ فهو
سبحانه ينتقم منهم.
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِبُواْ وَأُوْذُواْ حَّةَ أَنَهُمْ نَصْرًا﴾ فتأسَّ بهم
وانتظر الغاية ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللهِ﴾ التي يتجلَّى بها لعباده، فلْيطمئنَّ قلبُك، ولا
تكوننَّ من الجاهلين الذين لا يطَّلعون على حكمة تفاوت الاستعدادات، فتتأسَّفَ على
احتجاب مَن احتجب وتكذيب من كذَّب. والله تعالى الهادي إلى سواءِ السبيل.
﴿إِنََّا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ تقرير لما يُفهمه الكلامُ السابق من أنهم لا يؤمنون،
والاستجابةُ بمعنى الإِجابة، وكثيراً ما أُجري استفعل مُجرى أفعل، كاستخلص
بمعنى أَخلص، واستوقد بمعنى أوقد، إلى غير ذلك. ومنه قولُ الغَنَوي(١):
وداعٍ دعا يا من يُجيب إلى النِّدا فلم يستجبه عند ذاك مجيبُ
ويدلُّ على ذلك أنه قال: مجيب، ولم يقل: مستجيب.
ومنهم من فرَّق بين استجاب وأجاب بأنَّ استجاب يدلُّ على قبول.
والمراد بالسماع الفردُ الكامل، وهو سماعُ الفهم والتدبُّر بجعل ما عداه كَلَا
سماعٍ، أي: إنما يجيب دعوتَك إلى الإِيمان الذين يسمعون ما يُلقَى إليهم سماعَ
فهم وتدبر، دون الموتى الذين هؤلاء منهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾
[النمل: ٨٠].
﴿وَالْمَوْنَى﴾ أي: الكفارُ، كما قال الحسن، ورواه عنه غيرُ واحد ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾
من قبورهم إلى المحشر. وقيل: بعثُهم هدايتُهم إلى الإِيمان. وليس بشيء.
﴾ للجزاء، فحينئذٍ يسمعون، وأما قبلَ ذلك فلا سبيل إلى
◌ُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
سماعهم؛ لما أنَّ على قلوبهم أكنةً وفي آذانهم وقراً.
(١) هو كعب بن سعد بن عمرو، والبيت من قصيدة مشهورة في رثاء أخيه أبي المغوار، وسلف
٢٢٤/٥.
..
سُؤَدَّةُ الأَنْفَهُ
١٤٤
الآية : ٣٧
وفي إطلاق الموتى على الكفار استعارةٌ تبعيَّة مبنية على تشبيه كفرِهم وجهلهم
بالموت، كما قيل :
لا يُعجِبنَّ الجهولَ بِزَّتُه فذاك مَيْتُ ثيابه كفرُ(١)
وقيل: الموتى على حقيقته، والكلام تمثيلٌ لاختصاصه تعالى بالقدرة على
توفيق أولئك الكفارِ للإيمان باختصاصه سبحانه بالقدرة على بعث الموتى الذين
رمَّت عظامُهم من القبور، وفيه إشارةٌ إلى أنه ◌َّهِ لا يَقْدر على هدايتهم؛ لأنَّها
کبعث الموتى .
وتُعقِّب بأنه على هذا ليس لقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ كبيرُ دخلٍ في
التمثيل، إلَّا أن يرادَ أنه إشارة إلى ما يترتَّب على الإِيمان من الآثار.
وفي إعراب ((الموتى)) وجهان، أحدُهما: أنه مرفوع على الابتداء. والثاني: أنه
منصوبٌ بفعل محذوف يفسِّره ما بعده. واختاره أبو البقاء(٢).
ويُفهم من كلام مجاهدٍ أنه مرفوعٌ بالعطف على الموصول، والجملة بعده في
موضع الحال. والظاهرُ خلافه.
وقُرئ: ((يَرجِعون)) على البناء للفاعل، من: رجع رجوعاً. والمتواترة أَوْفَى
بحقِّ المقام(٣)؛ لإِنبائها عن كون مرجعهم إليه تعالى بطريق الاضطرار.
﴿وَقَالُواْ﴾ أي: رؤساء قريشِ الذين بلغ بهم الجهلُ والضلالُ إلى حيث لم يقنعوا
بما شاهدوه من الآيات التي تَخِرُّ لها صُمُّ الجبال ولم يعتدُّوا به: ﴿لَوْلًا﴾ أي: هلًا
﴿نُزْلَ﴾ أي: أُنزِل ﴿عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّهِ﴾ ملجِئة للإيمان.
﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿إِنَّ اللَّهَ قَادِرُ عَلَىَ أَنْ يُنَزِلَ ءَايَةٌ﴾ من الآيات الملجئة ﴿وَلَكِنَّ
®) فلا يدرون أنَّ عدم تنزيلها مع ظهور قدرته سبحانه وتعالى
أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
(١) حاشية الشهاب ٥٤/٤. وللمتنبي في ديوانه ٤/ ٣٤٤:
لا يعجبنَّ مَضيماً حُسْنُ بِزَّته وهل يروق دفيناً جَودةُ الكفنِ
(٢) في الإملاء ٥٣٥/٢ .
(٣) وقراءة البناء للفاعل من المتواتر أيضاً، فقد قرأ بها يعقوب من العشرة. ينظر النشر
٢٠٨/٢.
الآية : ٣٨
١٤٥
سُورَةُ الأَنْعَم
عليه لِمَا أنَّ في تنزيلها قلعاً لأساس التكليف المبنيِّ على قاعدة الاختيار، أو
استئصالاً لهم بالكلِّية؛ إذ ذلك من لوازم جَحد الآيةِ الملجثة.
وجوِّز ألَّا يكونوا قد طلبوا الملجِىَ، ولا يلزم من عدم الاعتداد بالمشاهَد
طلبُه، بل يجوز أن يكونوا قد طلبوا غيرَ الحاصل مما لا يُلجئ لَجاجاً وعناداً،
ويكون الجواب بالملجئ حينئذٍ من أسلوب الحكيم، أو يكون جواباً بما يستلزم
مطلوبَهم بطريقٍ أقوى، وهو أبلغ.
و(مِن)) لابتداء الغاية، والجارُّ والمجرور يجوز أن يكونَ متعلِّقاً بـ ((نُزِّل)) وأن
يكون متعلقاً بمحذوف وقع صفةً لـ («آيةٌ».
وما يفيده التعرُّض لعنوان ربوبيَّته تعالى له عليه الصلاة والسلام من الإِشعار
بالعلِّية إنَّما هو بطريق التعريض بالتهكّم من جهتهم.
والاقتصار في الجواب على بيان قدرته سبحانه وتعالى على التنزيل مع أنها
ليست في حيِّز الإِنكار؛ للإِيذان بأنَّ عدم تنزيله تعالى للآية مع قدرته عليه بحكمة
بالغةٍ يجب معرفتُها وهم عنها غافلون، كما يُنبئ عنه الاستدراكُ. وإظهارُ الاسمِ
الجليل لتربية المهابةِ مع الإِشعار بالعِلِّية.
ومفعول ((يعلمون)) إما مطروحٌ بالكلِّية، على معنى أنَّهم ليسوا من أهل العلم،
أو محذوفٌ مدلول عليه بقرينة المقام، أي: لا يعلمون شيئاً. وتخصيصُ عدم العلم
بأكثرهم؛ لِمَا أنَّ بعضهم واقفون على حقيقة الحال، وإنما يفعلون ما يفعلون مكابرةً
وعناداً.
وقرأ ابن كثير: ((يُنْزِل)) بالتخفيف(١)، والمعنى هنا - كما قيل - واحدٌ؛ لأنه لم
ينظر إلى التدريج وعدمِه .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ كلام مستأنفٌ مسوق - كما قال
الطبرسيُّ(٢) وغيره - لبيان كمالٍ قدرته عزَّ وجلَّ وحسنٍ تدبيره وحكمته وشمولٍ علمه
(١) التيسير ص ٧٥، والنشر ٢١٨/٢، ٢٥٨.
(٢) في مجمع البيان ٧ / ٥٦.
سُورَةُ الأَنْسَعَل
١٤٦
الآية : ٣٨
سبحانه وتعالى، فهو كالدَّليل على أنه تعالى قادرٌ على الإِنزال، وإنَّما لا يُنزل
محافظةً على الحِكم الباهرة.
وقيل: إنه دليلٌ على أنه سبحانه وتعالى قادرٌ على البعث والحشر. والأَوَّل
أنسب.
وزيدت ((مِن)) تنصيصاً على الاستغراق. والدابَّة ما يدِبُّ من الحيوان، وأصله من:
دبَّ يَدِبُّ دبيباً، إذا مشى مشياً فيه تَقَارُبُ خَطوٍ. والجارُّ والمجرور متعلِّق بمحذوفٍ
مجرورٍ أو مرفوعٍ وقع صفةً لـ ((دابة))، ووُصفت بذلك لزيادة التعميم، كأنه قيل: وما من
فردٍ من أفراد الدوابِّ يستقرُّ في قطر من أقطار الأرض، وجهِها أو جوفها .
وكذا الوصفُ في قوله سبحانه: ﴿وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ لزيادة التعميم أيضاً،
أي: ولا فردٍ من أفراد الطير يطير في ناحيةٍ من نواحي الجوِّ بجناحيه.
وقيل: إنه لقطع مجازٍ السرعة، فقد استُعمل الطيران في ذلك، كقوله(١):
قومٌ إذا الشرُّ أبدى ناجذَيه لهم طاروا إليه زَرافاتٍ ووُحدانا
وكذا استعمل الطائرُ في العمل والنصيب مجازاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ
إِنَّنِ أَلْزَمْنَهُ طَرَهُ فِ عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] واحتمالُ التجوُّز مع ذلك بجعله ترشيحاً
للمجاز بعید، لا يُلتفت إليه بدون قرينة.
واختار بعض المتأخّرين أن وجه الوصف تصويرُ تلك الهيئةِ الغريبة الدالّة على
كمال القوة والقدرة، وأَورد على الوجهين السابقين أنَّه لو قيل: ولا طائرٍ في
السماء، لكان أخصرَ، وفي إِفادة ذَينِكَ الأَمرين أظهر، مع ما فيه من رعاية المناسبةِ
بين القرينتين بذكر جهة العلوِّ في إحداهما وجهةِ السُّفل في الأخرى.
ورُدَّ - كما قال الشِّهاب(٢) - بأنه لو قيل: في السماءِ يطير بجناحيه، لم يشمل
أكثرَ الطيور؛ لعدم استقرارِها في السماء، ثم إنَّ قصد التصوير لا ينافي قطعَ
المجاز؛ إذ لا مانعَ من إرادتهما جميعاً كما لا يخفى.
(١) قائله قُرَيْط بن أُنَيف العنبري، كما في شرح الحماسة للتبريزي ٥/١، والخزانة ٣٣٢/٣ (دار
صادر).
(٢) في حاشيته ٤/ ٥٥ .
الآية : ٣٨
١٤٧
سُورَةُ الأَنْفَعَل
ثم لَمَّا كان المقصودُ من ذِكر هذين الأمرين الدَّلالةَ على كمال قدرته جلَّ وعلا
ببيان ما يعرفونه ويشاهدونه من هذين الجنسين، وشمولٍ قدرته وعلمه سبحانه لهما،
كان غيرُهما غيرَ مقصود بالبيان، فالاعتراضُ بأنَّ أمثال حيتان البحر خارجةٌ عنهما
والجواب بأنها داخلةٌ في القسم الأوَّل لأنَّ الأرض فيه بمعنى جهة السُّفل، مِمَّا
لا یلتفت إليه .
وقرأ ابن أبي عبلة: ((ولا طائرٌ)) بالرفع(١)، عطفٌ على محلِّ الجارِّ والمجرور،
كأنه قيل: وما دابَّةٌ ولا طائرٌ.
﴿إِلَّ أُّ﴾ أي: طوائفُ متخالفة ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ في أنَّ أحوالها محفوظةٌ وأمورها
معنيَّة ومصالحها مَرعية، جاريةٌ على سَنَن السَّداد، منتظمةٌ في سلك التقديرات
الإلهية والتدبيراتِ الربانية.
وجمع الأُمم باعتبار الحملِ على معنى الجمعيةِ المستفادِ من العموم، كما
اختاره غيرُ واحد، وهو يقتضي جوازَ أن يقال: لا رجلَ قائمون، والقياسُ - كما
قيل - لا يأباه، إلَّا أنه لم يَرِدِ إلَّا مع الفصل.
وصرَّح السيِّد السَّند بأن النكرة هاهنا محمولةٌ على المجموع من حيث هو
مجموعٌ. ولعل مرادَه أنَّ النكرة المذكورةَ من حيث الإِخبارُ عنها محمولةٌ على
المجموع لا أنه مرادٌ منها، فلا يَرِد أن الحكم بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّ أُّمُ﴾
يأبى أن يكونَ التنكيرُ فيما سبق على ما أُشير إليه للفردية؛ لأن الفردَ لیس بجماعة،
وكذا يأبى أن يكونَ للنوعية أيضاً؛ لأن الفرد ليس بجماعات. وهو ظاهر.
وأما ما قيل: إنَّ النوع يشتمل على أصناف، وكلُّ صنف أمةٌ، أو الأُمة كلُّ
جماعة في زمان، فيدفعه توصيفُ ((أمم)) بـ ((أمثالكم))؛ إذ الخطاب بـ (كم)) لأَفراد نوعِ
الإنسان، فالمناسب تشبيهُ النوع بالنوع في كونهما محفوظَي الأَحوال، لا تشبيهُ
الصنف بالنوع، أو تشبيهُ جماعةٍ في وقتٍ بالنوع، نعم قال السكّاكي في
((المفتاح))(٢): إنَّ ذِكر ((في الأرض)) مع ((دابة))، و((يطير بجناحيه)) مع ((طائر))؛ لبيان
(١) المحرر الوجيز ٢/ ٢٩٠، والبحر المحيط ١١٩/٤.
(٢) ص ١٩٠ .
سُورَةُ الأَنْعَل
١٤٨
الآية : ٣٨
أنَّ القصد من لفظ ((دابة)) ولفظ ((طائر)) إنَّما هو إلى الجنسين وإلى تقريرهما. وعليه
لا إِشكال في صحَّة الحمل؛ لاشتمال كلٍّ من الجنسين على أنواع كثيرةٍ كلٍّ منها
أُمة، كالإنسان، فكأنه قيل: ما من جنس من هذين الجنسين إلَّا أمم ... إلخ. وهذا
كما يقال: ما من رجلٍ من هذين الرجلين إلَّا كذا. ومراده أنَّ لفظ ((دابة)) و((طائر))
حاملٌ لمعنى الجنس والوحدةِ؛ فلبيان أنَّ القصدَ من كلٍّ منهما إلى الجنس من حيث
هو دونَ الوحدة أو الكثرة، وُصِف بصفة لازمةٍ للجنس من حيث هو، أي: بلا شرطٍ
شيءٍ منهما، والاستغراقُ المستفاد من كلمة ((من)) بالنظر إلى الجنسين.
وبهذا يندفع القولُ بوجوب تأويلٍ كلام السِّاكيِّ وإرجاعِه إلى ما ذكره
الزمخشريُ(١) في هذا المقام، وعليه لا يتصوَّر كونُ الوصف مفيداً لزيادة التعميم
والإِحاطة؛ لأن الجنس من حيث هو - أي: لا بشرطِ شيءٍ - مفهومٌ واحد كما لا يخفى.
واعتُرض أيضاً القولُ بالعموم بأنه كيف يصحُّ مع وجوب خروج المشبّه به عنه؟
وأُجيب بأنَّ القصد أولاً إلى العامٌّ، والمشبَّهُ به في حكم المستثنى بقرينة
التشبيه، كأنه قيل: ما من واحدٍ من أفراد هذين الجنسين بعمومهما سواكم إلَّا أممٌ
أمثالكم. ولك أن تدَّعي دخولَ كلِّ فرد من أفراد المخاطبين بالتزامِ أنَّ له اعتبارين:
اعتبار أنه مشبَّه، واعتبار أنه مشبّه به، فتأمَّل جميع ذلك.
﴿مَّا فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٌ﴾ التفريطُ: التقصير، وأصله أن يتعدّى بـ ((في))،
وقد ضمِّن هنا معنى: أَغفلنا وتركنا، فـ ((من شيء)) في موضع المفعول به، و((من))
زائدةٌ للاستغراق، ويَبعد جعلُها تبعيضية، أي: ما فرَّطنا في الكتاب بعضَ شيء،
وإن جوَّزه بعضهم .
والمراد من الكتاب القرآنُ، واختاره البلخيُّ وجماعة، فإنه ذُكر فيه جميع
ما يُحتاج إليه من أمر الدِّين والدنيا، بل وغير ذلك، إمَّا مفصَّلاً وإما مجملاً، فعن
الشافعي عليه الرحمة: ليست تنزل بأحد في الدِّين نازلةٌ إلَّا في كتاب الله تعالى
الھدی فیھا(٢).
(١) في الكشاف ٢/ ١٧ .
(٢) الرسالة ص ٢٠.
الآية : ٣٨
١٤٩
سُورَةُ الأَنْعَم
وروى البخاريُّ(١): عن ابن مسعودٍ رَظُه أنه قال: لعن اللهُ تعالى الواشماتِ
والمتوشِّمات، والمتنمِّصات، والمتغلِّجات للحسن(٢)، المغيِّرات خلقَ الله تعالى.
فقالت له امرأةٌ في ذلك، فقال: مالي لا ألعن مَن لعن رسولُ اللهِ وَّ، وهو في
كتاب الله تعالى، فقالت له: قرأتُ ما بين اللَّوحين فما وجدت فيه ما تقول. قال:
لَئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت: ﴿وَمَآ ءَاتَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ
فَأَنْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧] قالت: بلى. قال: فإنَّه عليه الصلاة والسلام قد نهى عنه .
وقال الشافعيُّ رحمه الله تعالى مرَّةً بمكة: سلوني عمَّا شئتم أُخبركم عنه من
كتاب اللهِ تعالى. فقيل له: ما تقول في المُحرِم يقتل الزُّنبور؟ فأجاب بأنه يقتله،
واستدلَّ عليه بنحو استدلال ابن مسعودٍ رُه.
وأخرج ابن جَرير(٣) وابنُ أبي حاتم(٤) عنه (٥) أنه قال: أُنزل في هذا القرآن كلُّ
علم، وبيِّن لنا فيه كلُّ شيء، ولكن عِلْمنا يَقصُر عما بيِّن لنا في القرآن.
وأخرج أبو الشَّيخ في كتاب ((العظمة))(٦) عن أبي هريرةَ ظُه قال: قال
رسول الله وَّله: ((إنَّ الله سبحانه وتعالى لو أغفل شيئاً، لأغفل الذَّرَّة والخردلة
والبعوضة)» .
وقال ابنُ عباس رَّ: لو ضاع لي عِقالُ بعير لوجدته في كتاب اللهِ تعالى.
وقال المرسي: جمع القرآنُ علوم الأوَّلين والآخِرِين بحيث لم يُحِط بها علماً
حقيقةً إلَّا المتكلِّمُ به، ثم رسولُ الله ◌َّهَ، خلا ما استأثر اللهُ تعالى به.
وقد سمعتُ من بعضهم - والعهدةُ عليه - أنَّ الشيخ الأكبرَ محيي الدين بنَ عربي
(١) في صحيحه (٥٩٣٩)، وهو عند مسلم (٢١٢٥)، وأحمد (٤١٢٩).
(٢) النامصة: التي تنتف الشعر من وجهها، والمتنمصة: التي تأمر من يفعل بها ذلك.
والمتفلجات: النساء اللاتي يفرقن أسنانهن رغبة في التحسين. النهاية (نمص) و(فلج).
(٣) في تفسيره ١٤/ ٣٣٤.
(٤) انظر تفسيره ٧/ ٢٢٩٧، والدر المنثور ٤/ ١٢٧.
(٥) أي: عن عبد الله بن مسعود رێته.
(٦) برقم (١٨٩) وفي إسناده إسماعيل بن يعلى، وهو متروك كما قال النسائي والدارقطني.
الميزان ٢٥٤/١.
سُورَةُ الأَنْسَعَم
١٥٠
الآية : ٣٨
قدَّس الله تعالى سرَّه وقع يوماً عن حماره فرضَّت رِجله، فجاؤوا ليحملوه، فقال:
أَمهلوني، فأمهلوه يسيراً، ثم أَذِن لهم فحملوه، فقيل له في ذلك، فقال: راجعت
كتابَ الله تعالى فوجدت خبرَ هذه الحادثةِ قد ذُكر في الفاتحة. وهذا أمرٌ لا تصل
إليه عقولنا .
ومثلُه استخراجُ بعضهم من الفاتحة أيضاً أسماءَ سلاطين آل عثمان وأحوالَهم
ومدةً سلطنتهم إلى ما شاء الله تعالى من الزمان. ولا بدع فهي أمُّ الكتاب وتلد كلَّ
أمر عجيب.
وعلى هذا لا حاجةً إلى القول بتخصيص ((الشيءٍ)) بما يُحتاج إليه من دلائل
التوحيدٍ والتكاليف.
وقال أبو البقاء(١): إنَّ((شيئا)) هنا واقعٌ موقعَ المصدر، أي: تفريطاً، ولا يجوز
أن يكونَ مفعولاً به؛ لأنَّ ((فرَّطنا)) لا تتعدَّى بنفسها بل بحرف الجرِّ، وقد عدِّيت
بـ ((في)) إلى ((الكتاب))، فلا تتعدَّى بحرف آخر.
وتبعه في ذلك غيرُ واحد، وجعلوا ما يفهم من ((القاموس)) من تعدِّي هذا
الفعلِ بنفسه، حيث قال: فرَّط الشيءَ وفرَّط فيه تفريطاً: ضيَّعه وقدَّمَ العجزَ فيه
وقصَّرَ(٢)، مما تفرَّد به في مقابلةِ مَن هو أطولُ باعاً منه، مع أنه يحتمل أنَّ تعديته
المذكورةَ فيه ليست وضعيَّة بل مجازية، أو بطريق التضمينِ الذي أُشير إليه سابقاً .
وعلى هذا لا يبقَى - كما قال أبو البقاء - في الآية حجَّةٌ لمن ظنَّ أن الكتاب
يحتوي على ذِكر كلِّ شيء، والكلامُ حينئذ نظيرُ قوله تعالى: ﴿لَا يَغُّكُمْ كَيْدُهُمْ
شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠] أي: ضَيراً.
وأُورد عليه أنه ليس كما ذكر؛ لأنه إذا تسلّط النفيُ على المصدر كان منفيًّا على
جهة العموم، ويلزمه نفيُ أنواع المصدر، وهو يستلزم نفي جميع أفراده. وليس
بشيء؛ لأنه يريد أنَّ المعنى حينئذ أنَّ جميع أنواع التفريط منفيَّة عن القرآن، وهو
مما لا شبهةَ فيه، ولا يلزمه أن يُذكر فيه كلُّ شيء كما لزم على الوجه الآخَر.
(١) في الإملاء ٥٣٥/٢-٢٣٦.
(٢) القاموس (فرط).
الآية : ٣٨
١٥١
سُورَةُ الأَنْعَم
وأيًّا ما كان فالجملة اعتراضية مقرِّرة لمضمون ما قبلها؛ فإنَّ من جملة الأشياءِ
أنه تعالى مراعٍ لمصالح جميع مخلوقاتِه على ما ينبغي.
وعن الحسن وقتادة: أنَّ المراد بالكتاب الكتابُ الذي عند اللهِ تعالى، وهو
مشتملٌ على ما كان ويكون، وهو اللوحُ المحفوظ. والمراد بالاعتراض حينئذ
الإِشارة إلى أنَّ أحوال الأمم مستقصاةٌ هناك غير مقصورةٍ على هذا القَدْر المجمَل.
وعن أبي مسلم: أنَّ المراد منه الأَجَل، أي: ما من شيء إلَّا وقد جعلنا له
أجلاً هو بالغُه. ولا يخفَى بُعده.
وقرأ علقمة: ((ما فَرَطنا)) بالتخفيف(١)، وهو والمشدَّد بمعنّى. وقال أبو العباس:
معنى ((فَرَطنا)) المخفَّف: أخّرنا، كما قالوا: فَرَطَ الله تعالى عنك المرضَ، أي:
أزاله .
الضمير للأُمم المذكورةِ في النَّظم الكريم، وصيغةُ
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ لَّ
جمع العقلاء لإجرائها مُجراهم والتعبيرِ عنها بالأمم. وقيل: هو للأُمم مطلقاً،
وتكون صيغةُ الجمع للتغليب، أي: إلى مالك أمورهم لا إلى غيره يُحشرون يومَ
القيامة، فيجازيهم ويُنصف بعضهم من بعض، حتى إنه سبحانه وتعالى يبلغ من عدله
أن يأخذَ للجمَّاء من القرناء، كما جاء في حديث صحيح رواه الشيخان(٢).
وأخرج ابن جَرير (٣) وابنُ أبي حاتم(٤) وأبو الشَّيخ عن ابن عباس ﴿مَا أنَّ حشر
الحيوانات موتُها. ومرادُه ◌َبه - على ما قيل - أنَّ قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَ رِهِمْ
يُحْشَرُونَ﴾ مجموعُهُ مستعارٌ على سبيل التمثيلِ للموت، كما ورد في الحديث: ((مَن
مات فقد قامت قيامته))(٥)، فلا يَرِد عليه أنَّ الحشر بعثٌ من مكان إلى آخر، وتعديته
بـ (إلى)) تنصيصٌ على أنه لم يُرِد به الموت، مع أنَّ في الموت أيضاً نقلاً من الدنيا
إلى الآخرة، نعم ما ذكره الجماعةُ أوفقُ بمقام تهويل الخطبِ وتفظيعِ الحال.
(١) الكشاف ١٧/٢، والبحر المحيط ١٢١/٤.
(٢) أخرجه مسلم (٢٥٨٢) من حديث أبي هريرة ◌ُه. وليس في صحيح البخاري.
(٣) في تفسيره ٢٣٤/٩-٢٣٥.
(٤) في تفسيره ١٢٨٦/٤.
(٥) تقدم ص١٢٢ من هذا الجزء.
سُؤَدَّةُ الأَنْعَّ
١٥٢
الآية : ٣٨
هذا وفي رسالة ((المعاد)) لأبي علي (١): قال المعترفون بالشّريعة من أهل
التناسخ: إنَّ هذه الآيةَ دليل عليه؛ لأنه سبحانه قال: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ﴾ إلخ، وفيه
الحكمُ بأنَّ الحيواناتِ الغيرِ الناطقة أمثالُنا، وليسوا أمثالَنا بالفعل، فيتعيَّن كونُهم
أمثالَنا بالقوة؛ لضرورة صدقِ هذا الحكم وعدم الواسطة بين الفعل والقوة، وحينئذٍ
لا بدَّ من القول بحلول النفس الإِنسانية في شيءٍ من تلك الحيوانات، وهو التناسخُ
المطلوب.
ولا يخفى أنه دليلٌ كاسد، على مذهب فاسد.
ومن الناس مَن جعلها دليلاً على أنَّ للحيوانات بأسرها نفوساً ناطقةً كما لأفراد
الإِنسان. وإليه ذهب الصوفية وبعضُ الحكماء الإِسلاميين. وأورد الشعرانيُّ في
((الجواهر والدُّرر)) لذلك أدلةً غير ما ذُكر، منها أنه وَّ لما هاجر وتعرَّض كلٌّ من
الأنصار لزِمام ناقته، قال عليه الصلاة والسلام: ((دعوها فإنَّها مأمورة))(٢) ووجهُ
الاستدلال بذلك أنه وَّله أخبر أنَّ الناقة مأمورة، ولا يَعقل الأمرَ إلَّا مَن له نفْسٌ
ناطقة، وإذا ثبت أنَّ للناقة نفساً كذلك، ثبت للغير، إذ لا قائلَ بالفرق. ومنها
ما يشاهد في النَّحل وصَنعتها أقراصَ الشمع، والعناكبِ واحتيالها لصيد الذُّباب،
والنملِ وادِّخاره لقُوْته على وجه لا يفسد معه ما ادَّخره.
وأَورد بعضهم دليلاً لذلك أيضاً النملةَ التي كلَّمت سليمانَ عليه الصلاة والسلام
بما قصَّ الله تعالى لنا عنها مِمَّا لا يهتدي إلى ما فيه إلَّ العالِمون، وخوفَ الشاة من
ذئب لم تشاهد فعلَه قبل، فإنَّ ذلك لا يكون إلَّا عن استدلال، وهو شأنُ ذوي
النفوس الناطقة، وعدمَ افتراس الأسدِ المعلَّم مثلاً صاحبه، فإنَّ ذلك دليل على
اعتقاد النفع ومعرفة الحسن، وهو من شأن ذوي النفوس.
وأغربُ من هذا دعوى الصوفية - ونقله الشعرانيُّ عن شيخه عليٍّ الخوَّاص
قدَّس الله تعالى سرَّه - أنَّ الحيواناتِ مخاطبة مكلّفة من عند الله تعالى من حيث
(١) هو ابن سينا.
(٢) أخرجه ابن سعد ٢٣٥/١-٢٣٦ من حديث أنس به، وأخرجه الطبراني في الأوسط كما
في مجمع الزوائد ٦٣/٦ من حديث عبد الله بن الزبير ﴿ًا، وأخرجه ابن عدي في الكامل
٥٩١/٢-٥٩٢ من حديث ابن عمر
الآية : ٣٨
١٥٣
سُورَةُ الأَنْعَوَُّ
لا يشعر المحجوبون، ثم قال: ويؤيِّده قولُه تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾
[فاطر: ٢٤] حيث نكَّر سبحانه وتعالى الأمةَ والنذير، وهم من جملة الأمم.
ونقل عن ابن عباس ◌ًّا أنّه كان يقول: جميع ما في الأمم فينا، حتى إنِّ فيهم
ابنَ عباس مثلي .
وذكر(١) في ((الأجوبة المرضية)) أنَّ فيهم أنبياء، وفي ((الجواهر)) أنه يجوز أن
يكونَ النذيرُ من أنفسهم، وأن يكونَ خارجاً عنهم من جنسهم. وحكى شيخُه عن
بعضهم أنه قال: إنَّ تشبيه الله تعالى مَن ضلَّ من عباده بالأنعام في قوله سبحانه
وتعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّ كَلْأَنْعَمْ﴾ [الفرقان: ٤٤] ليس لنقص فيها، وإنَّما هو لبيان كمالٍ
مرتبتها في العلم بالله تعالى، حتى حارت فيه، فالتشبيه في الحقيقة واقع في الحَيرة
لا في المُحار فيه، فلا أشدَّ حيرةً من العلماء بالله تعالى، فأعلَى ما يصل إليه
العلماءُ بربِّهم سبحانه وتعالى هو مبتدأُ البهائم الذي لم تنتقل عنه، أي: عن أصله،
وإن كانت منتقلةً في شؤونه بتنقُّل الشؤون الإلهية؛ لأنها لا تَثبت على حال؛ ولذلك
كان مَن وصفهم الله عزَّ وجلَّ من هؤلاء القومِ أضلَّ سبيلاً من الأنعام، لأنهم
یریدون الخروج من الحيرة من طریق فکرِهم ونظرهم، ولا یمکن ذلك لهم،
والبهائمُ علمت ذلك ووقفت عنده ولم تطلب الخروج عنه؛ وذلك لشدّة عِلمها بالله
تعالى. اهـ.
ونقل الشِّهاب(٢) عن ابن المنير أنَّ من ذهب إلى أنَّ البهائم والهوامَّ مكلَّفة لها
رسلٌ من جنسها، فهو من الملاحدة الذين لا يعوَّل عليهم، كالجاحظ وغيره، وعلى
إِكفار القائلِ بذلك نصَّ كثير من الفقهاء، والجزاء الذي يكون يوم القيامةِ للحيوانات
عندهم ليس جزاءَ تكليف. على أنَّ بعضهم ذهب إلى أنَّ الحيوانات لا تُحشر يوم
القيامة، وأوَّلَ الظواهرَ الدالّة على ذلك، وما نُقل عن ابن عباس ◌ًَّا لا أصل له.
والمِثلية في الآية لا تدلُّ على شيء مما ذكر.
وأغرب الغريبِ عند أهل الظاهر أنَّ الصوفية قدَّس الله تعالى أسرارهم جعلوا
كلَّ شيءٍ في الوجود حيًّا درَّاكاً، يفهم الخطاب ويتألَّم كما يتألم الحيوان، وما
(١) أي: الشعراني.
(٢) في حاشيته ٤/ ٥٧ .
سُورَّةُ الأَنْفَعَل
١٥٤
الآية : ٣٨
يزيد الحيوانُ على الجماد إلَّا بالشهوة، ويستندون في ذلك إلى الشهود. وربما
يستدلُّون بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ بِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ
تَسْبِحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] وينحو ذلك من الآياتِ والأخبار.
والذي ذهب إليه الأكثرون من العلماء أنَّ التسبيح حاليٍّ لا قاليّ ونظير ذلك:
شكى إليَّ جملي طولَ السُّرى(١)
و :
امتلأ الحوضُ وقال قَطْني(٢)
وما يصدر من بعض الجماداتِ من تسبيح قاليٍّ، كتسبيح الحصى في كفِّه
الشريف {10 مثلاً (٣)، إنما هو عن خَلق إدراك إذ ذاك، وما يشاهَد من الصنائع
العجيبة لبعض الحيوانات، ليس - كما قال الشيخُ الرئيس - مما يصدر عن استنباطِ
وقياس، بل عن إِلهام وتسخير، ولذلك لا تختلف ولا تتنوّع، والنقض بالحركة
الفلكية لا يَرِد بناءً على قواعدنا، وعدمُ افتراس الأسدِ المعلّم مثلاً صاحبه ليس عن
اعتقاد، بل هناك هيئةٌ أخرى نفسانية، وهي أنَّ كلَّ حيوان يحبُّ بالطبع ما يَلَذُّه،
والشخصُ الذي يُطعمه محبوبٌ عنده، فيصير ذلك مانعاً من افتراسه. وربما يقع
هذا العارضُ عن إلهام إلهيٍّ، مثل حبِّ كلِّ حيوان ولدَه. وعلى هذا الطرز يخرَّج
الخوف - مثلاً - الذي يعتري بعض الحيوانات.
وقد أطالوا الكلامَ في هذا المقام، وأنا لا أرى مانعاً من القول بأنَّ للحيوانات
نفوساً ناطقةً، وهي متفاوتةُ الإدراك حسب تفاوتها في أفراد الإنسان، وهي مع ذلك
كيفما كانت لا تصل في إدراكها وتصرُّفها إلى غايةٍ يصلها الإِنسان، والشواهد على
(١) الرجز في جمهرة الأمثال ١٠٨/١، وأمالي المرتضى ١٠٧/١، وأسرار البلاغة ص٣٦٧،
ولسان العرب (شكى) دون نسبة.
(٢) الرجز في إصلاح المنطق ص٦٧، ولسان العرب (قطن) دون نسبة، وبعده:
سلَّا رويداً قد ملأت بطني
وقوله: قطني، أي: حسبي.
(٣) سلف ٢٥٤/٢.
الآية : ٣٩
١٥٥
سُؤَدَّةُ الأَنْدَا
هذا كثيرةٌ، وليس في مقابلتها قطعيٍّ يجب تأويلُها لأجله، وقد صرَّح غير واحد أنها
عارفةٌ بربِّها جلَّ شأنه، وأما أنَّ لها رسلاً من جنسها، فلا أقولُ به ولا أُفتي بكفر
مَن قال به. وأما أنَّ الجمادات حيَّة مدركة، فأمر وراءَ طورٍ عقلي، والله تعالى
على كلِّ شيءٍ قدير، وهو العليم الخبير.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِّنَا﴾ أي: القرآنِ، أو سائر الحُجج ويدخل دخولاً أوليًّا،
والموصول عبارةٌ عن المعهودين في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَيِعُ إِلَيْكَ﴾ إلخ
[الآية: ٢٥]، أو الأعمِّ من أولئك، والكلام متعلِّق بقوله سبحانه: ﴿مَّا فَرَّطْنَا﴾ إلخ،
أو بقوله جلَّ شأنه: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ والواو للاستئناف، وما بعدها
مبتدأُ خبرُه ﴿صٌُّ وَبُّكُمْ﴾.
وجوّز أن يكون هذا خبرَ مبتدأ محذوف، أي: بعضهم صمٌّ وبعضهم بكم،
والجملةُ خبر المبتدأ، والأوَّل ◌َولى.
وهو من التشبيه البليغ على القول الأصحِّ في أمثاله، أي: إنهم كالصُّمِّ
وكالبكم، فلا يسمعون الآياتِ سماعاً تتأثَّر به نفوسهم، ولا يقدرون على أن ينطقوا
بالحق؛ ولذلك لا يستجيبون، ويقولون في الآياتِ ما يقولون.
وقوله سبحانه: ﴿فِي الُظُلُمَتِ﴾ أي: في ظلمات الكفر وأنواعه، أو في ظلمة
الجهل وظلمةِ العناد وظلمة التقليد في الباطل، إمَّا خبرٌ بعد خبر للموصول، على
أنه واقع موقعَ (عُمْي)) كما في قوله تعالى: ﴿هُمْ بُكْمُّ عُنِىٌ﴾ [البقرة: ١٨] ووجه تركِ
العطف فيه دون ما تقدَّمه الإيماءُ إلى أنه وحده كافٍ في الذمِّ والإعراض عن الحقّ،
واختير العطفُ فيما تقدَّم للتلازم، وقد يترك رعايةً لنكتة أخرى، وإما متعلّق
بمحذوف وقع حالاً من المستكِنِّ في الخبر، كأنه قيل: ضالُّون خابطين أو كائنين
في الظلمات.
ورجِّحت الحالية بأنها أبلغ؛ إذ يُفهم حينئذ أنَّ صممهم وبَكَمهم مقيّد بحال
كونهم في ظلمات الكفر، أو الجهلِ وأخويه، حتى لو أُخرجوا منها لسمعوا
ونطقوا، وعليها لا يُحتاج إلى بيان وجهٍ ترك العطف.
سُورَةُ الأَنْعَل
١٥٦
الآية : ٣٩
وجوَّز أبو البقاء(١) أن يكونَ خبرَ مبتدأ محذوف، أي: هم في الظلمات؛ وأن
يكون صفةً لـ ((بُكْم)) أو ظرفاً له، أو لـ ((صم)) أو لما ينوب عنهما من الفعل.
وعن أبي عليٍّ الجبّائي أنَّ المراد بالظلمات ظلماتُ الآخرة على الحقيقة، أي:
أنهم كذلك يومَ القيامة؛ عقاباً لهم على كفرهم في الدنيا، والكلام عليه متعلّق بقوله
تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْثَرُونَ﴾ على أن الضمير للأُمم على الإطلاق. وفيه بُعد.
وقوله سبحانه: ﴿مَن يَشَلِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ تحقيق للحقِّ وتقرير لما سبق من حالهم،
ببيان أنَّهم من أهل الطبع لا يتأتَّى منهم الإِيمان أصلاً. فـ ((مَن)) مبتدأ خبرُه ما بعده،
ومفعول ((يشأ)) محذوف، أي: إضلالَه. ولا يجوز أن يكون ((مَن)) مفعولاً مقدَّماً له؛
لفساد المعنى. والمراد: مَن يُرد سبحانه أن يخلقَ فيه الضلالَ عن الحقّ، يخلقه فيه
حسب اختيارِه الناشئٍ عن استعداده.
وجوَّز بعضهم أن يكون ((مَن)) في موضع نصبٍ بفعلٍ مقدَّرٍ بعده يفسِّره ما بعده،
أي: مَن يشقَ أو يعذَّب يشأ إِضلاله.
(1) عطف على ما تقدَّم، والكلامُ فيه
﴿وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيبٍ (
کالكلام فيه .
والآية دليلٌ لأهل السنة على أنَّ الكفر والإيمان بإرادته سبحانه، وأنَّ الإرادة
لا تتخلَّف عن المراد. والزمخشريُّ لَمّا رأى تخرُّقَ عقيدته الفاسدة، رام رقعها
كما هو دأبُه فقال(٢): معنى ((يضلله)): يَخذله ولم يلطف به، و((يجعله)) إلخ:
يلطف به .
وقال غيره: المراد: مَن يشأ إِضلالَه يوم القيامة عن طريق الجنة يُضلله، ومَن
يشأ يجعله على الصِّراط الذي يسلكه المؤمنون إلى الجنة. وهو كما ترى.
وكان الظاهرُ ـ على ما قيل -: أن يقال: ومَن يشأ يَهدِهِ، إلَّا أنه عدل عنه؛ لأنَّ
هدايته تعالى - وهي إِرشادُه إلى الهدى - غيرُ مختصَّة ببعض دون بعض؛ ولهذا قيل
في تفسير ((يجعله)) إلخ، أي: يرشده إلى الهدى ويحمله عليه.
(١) في الإملاء ٥٣٨/٢.
(٢) في الكشاف ٢/ ١٧ .
الآية : ٤٠
١٥٧
سُورَةُ الأَنْفَم
﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ﴾ أمرٌ لرسول الله وَّهِ بأن يُبَكِّتهم ويُلقمَهم الحجرَ بما لا سبيل لهم
إلى إنكاره.
والتاء - على ما قاله أبو البقاء (١) - ضميرُ الفاعل، وما بعدَه حرفُ خطاب جيء
به للتأكيد، وليس اسماً؛ لأنه لو كان كذلك لكان إمَّا مجروراً ولا جارَّ هنا، أو
مرفوعاً وليس من ضمائرِ الرفع، ولا مقتضَى له أيضاً، أو منصوباً، وهو باطل لثلاثة
أوجه :
الأوَّل: أنَّ هذا الفعل قلبيٍّ بمعنى ((عَلِمَ)) يتعدَّى إلى مفعولين، كقولك: أرأيت
زيداً ما فعل، فلو جُعل المذكورُ مفعولاً لكان ثالثاً.
والثاني: أنه لو جعل مفعولاً، لكان هو الفاعل في المعنى، وليس المعنى على
ذلك؛ إذ ليس الغرض: أرأيت نفسَك، بل: أرأيتَ غيرَك؛ ولذلك قلت: أرأيتك
زيداً، وزيد غيرُ المخاطب ولا هو بدلٌ منه.
والثالث: أنه لو جعل كذلك، لَظهرت علامةُ التثنية والجمع والتأنيثِ في التاء،
فكنت تقول: أرأيتماكما وأرأيتموكم وأرأيتكنَّ، وهذا مذهبُ البصريين.
والمفعولان في هذه الآية قيل: الأوَّل منهما محذوف، تقديره: أرأيتكم إياه أو
إياها، أي: العذابَ أو الساعةَ الواقعَين في قوله سبحانه: ﴿إِنْ أَتَلَكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾
أي: الدنيويُّ حسبما أتى مَن قبلكم ﴿أَوْ أَتَنْكُمُ السَّاعَةُ﴾ أي: هولُها، كما يدلُّ عليه
ما بعد؛ لأنَّ الكلام من باب التنازع، حيث تنازع ((رأى)) و ((أتى)) في معمولٍ واحد،
وهو ((عذاب الله)) و((الساعة)) فأُعمل الثاني وأُضمر في الأول. والثاني منهما جملة
الاستفهام، وهي قوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اَللَّهِ تَدْعُونَ﴾ والرابط لها بالمفعول الأوَّل
محذوف، أي: أغيرَ الله تدعون لكشف ذلك؟
وقيل: لا تنازعَ، والتقدير: أرأيتكم عبادتكم للأصنام، أو الأصنامَ التي
تعبدونها هل تنفعكم؟
وقيل: إنَّ الجملة الاستفهامية سادَّة مسدَّ المفعولين.
(١) في الإملاء ٥٣٩/٢ -٥٤١.
سُورَةُ الأَنْسَعَل
١٥٨
الآية : ٤٠
وذهب الرضيُّ تبعاً لغيره أنَّ ((رأى)) هنا بَصَرية. وقيل: قلبيَّة بمعنى عرف. وهي
على القولين متعدِّية لواحد.
وأصل اللفظ الاستفهامُ عن العلم أو العرفان أو الإبصار، إلَّا أنه تجوِّز به
عن معنى أخبرني، ولا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبةٍ لشيء.
وفيه - على ما قال الكَرمانيُّ وغيره - تجوُّزان: إطلاقُ الرؤية وإرادةُ الإِخبار؛
لأن الرؤية بأيِّ معنّى كانت سببٌ له. وجعلُ الاستفهام بمعنى الأمرِ بجامع
الطلب.
وقولُ بعضهم: إنَّ الاستفهام للتعجيب، لا ينافي كونَ ذلك بمعنى أَخبِرني؛ لِما
قيل: إنَّه بالنظر إلى أصل الكلام.
ونقل عن أبي حيّان(١) أنَّ الأخفش قال: إنَّ العرب أَخرجت هذا اللفظَ عن
معناه بالكلِّية فقالوا: أرأيتَك، وأريتك بحذف الهمزة الثانية إذا كان بمعنى أَخبرتُ،
وإذا كان بمعنى أَبصرتُ لم تَحذفْ همزته، وأَلزمَتْه أيضاً الخطابَ على هذا المعنى،
فلا تقول أبداً: أراني زيدٌ عمراً ما صنع، وتقول هذا على معنى أَعلم، وأَخرجَته
أيضاً عن موضوعه بالكلِّة لمعنّى، إمّا بدليل دخول الفاءِ بعده، كقوله تعالى:
﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ الآية [الكهف: ٦٣]، فما دخلت الفاء إلَّا وقد خرجت
لمعنى أمَّا، والمعنى: أمَّا إذ أوينا إلى الصخرة، فالأمرُ كذا وكذا. وقد أخرجته
أيضاً إلى معنى أخبرني كما قدَّمنا، وإذا كان بهذا المعنى، فلا بدَّ بعدَه من اسم
المستخبَر عنه، وتلزم الجملةُ بعد الاستفهام. وقد يخرج لهذا المعنى وبعده الشرط
وظرفُ الزمان. اهـ. ولم يوافَق في جميع ذلك.
وذهب شيخُ أهل الكوفة الكسائيُّ إلى أنَّ التاء ضميرُ الفاعل، وأداةُ الخطاب
اللاحقةُ في موضع المفعول الأوَّل.
وذهب الفرَّاء(٢) إلى أنَّ التاء حرف خطاب، واللواحقُ بعده في موضع الرفعِ
على الفاعلية، وهي ضمائرُ نصب استعملت استعمالَ ضمائر الرفع.
(١) انظر البحر المحيط ١٢٦/٤-١٢٧، وحاشية الشهاب ٥٨/٤.
(٢) في معاني القرآن ٣٣٣/١.
الآية : ٤١
١٥٩
سُورَةُ الأَنْعَم
والكلام على ذلك مبسوط في محلُّه، والمختار عند كثير من المحقّقين ما ذهب
إليه البصريُّون من جعل ((كُم)) هنا وكذا سائرُ اللواحق حرفَ خطاب، ومتعلَّق
الاستخبار عندهم ومحظُ التبكيت قولُه تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ﴾ إلخ.
وقوله سبحانه: ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ متعلّق بـ ((أرأيتكم)) مؤكِّد للتبكيت
كاشفٌ عن كذبهم. وجواب الشرطِ محذوف ثقةً بدلالة المذكورِ عليه، والتقدير - على
ما قيل -: إنْ كنتم صادقين في أنَّ أصنامكم آلهة وأنَّ عبادتكم لها نافعة، أو: إنْ
كنتم قوماً مِن شأنكم الصدقُ، فأَخبروني أإِلھاً غيرَ الله تعالى تدعون إن أتاكم
عذابُ الله ... إلخ، فإنَّ صدقهم من موجبات إخبارهم بدعائهم غيرَه سبحانه.
وقيل: إن الجواب ما يدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿أَغَيّرَ الَّهِ تَدْعُونَ﴾ أعني:
فادعوه، على أنَّ الضمير لغير الله تعالى.
واعتُرض بأنه يُخلُّ بجزالة النظم الكريم، كيف لا والمطلوبُ منهم إنَّما هو
الإِخبار بدعائهم غيرَه جلَّ شأنه عند إتيان ما يأتي، لا نفسُ دعائهم إياه.
وجوَّز آخرون كونَ متعلَّق الاستخبار محذوفاً تقديره: أَخبِروني إنْ أتاكم
عذاب الله أو أتتكم الساعة مَن تدعون، وجعلوا قوله سبحانه: ﴿أَغْرَ اللَّهِ﴾ إلخ
استئنافاً للتبكيت، على معنى: أتخصُّون آلهتكم بالدَّعوة كما هو عادتكم إذا أصابكم
ضُرّ، أم تدعون اللهَ تعالى دونها؟ وعليه فتقديمُ المفعول للتخصيص.
وبعضُهم جعل تقديمه لأنَّ الإِنكار متعلِّق به، وأنكر تعلُّقَه بالتخصيص، نَعَم
التقديمُ في قوله تعالى: ﴿بَّ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ للتخصيص، أي: بل تخصُّونه سبحانه
بالدعاء، وليس لرعاية الفواصل، والتخصيصُ مستفاد مِمَّا بعد، وهو عطفٌ على
جملة منفية تُفهَم من الكلام السابق، كأنه قيل: لا غيرَ الله تدعون بل إِيَّاه تدعون،
وجعله في ((الكشف)» عطفاً على ((أغير الله تدعون)).
وأورد الزمخشريُّ(١) على كون ((أغير الله تدعون)) متعلقَ الاستخبار أنَّ قوله
سبحانه: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: ما تدعونه إلى كشفه مع قوله تعالى: ﴿أَوْ
أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ﴾ يأباه؛ فإنَّ قوارع الساعة لا تُكشَف عن المشركين. وأجاب: بأنه قد
(١) في الكشاف ١٨/٢ .
سُؤَدَّةُ الأَنْعَل
١٦٠
الآية : ٤١
اشتُرط في الكشف المشيئةُ بقوله جلَّ شأنه: ﴿إِن شَآءَ﴾ وهو عزَّ وجلَّ لا يشاء
كشفَ هاتيكَ القوارعِ عنهم.
وخصَّ الإِيراد بذلك الوجه - على ما في ((الكشف)» - لأنَّ الشرطين فيه لَمَّا كانا
متعلّقين بقوله سبحانه: ((أغير ... )) إلخ، وكان ((بل إياه ... )) إلخ عطفاً عليه إضراباً
عنه، والمعطوفُ في حكم المعطوف عليه، وجب أن يكونا متعلقَين به أيضاً. ولما
كان الكشفُ مستعقِبَ الدعاء مستفاداً عنه، وجب أن يكونا متعلقَين به أيضاً، فجاء
سؤال أنَّ قوارع الساعة لا تكشف.
وأما في الوجه الآخر؛ فلأن ((أغير ... )) إلخ لَمَّا كان كلاماً مستقلًّا، لم يتعلَّق
به الشرطان لفظاً، بل جاز أن يقدَّرا، وهو الظاهرُ إن ساعد المعنى، وأن يقدَّر
واحدٌ منهما حسبَ استدعاء المقام، وذلك أنه سبحانه وتعالى بكَّتهم بما كانوا عليه
من اختصاصهم إيَّه تعالى بالدعاء عند الكرب، أَلَا ترى إلى قوله جلَّ شأنه: ﴿ثُمَّ
إِذَا مَشَكُمُ الضُّرُ فَإِلَيْهِ تَخْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] فلا مانعَ من ذِكر أمرين والتقريعِ على
أحدهما دون الآخر، لاسيّما عند اختصاصه بالتقریع. انتهى.
وربَّما يقال: إنَّ كشف القوارع الدنيوية والأخرويةِ بدعاء المؤمن أو المشرك بل
قَبول الدعاء مطلقاً مشروطٌ بالمشيئة، وبذلك تقيَّد آية ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:
٦٠] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦]
لكن انتفاء المشيئة متحقِّق في بعض الصور، كما في قَبول دعاء الكفّار بكشف
قوارع الساعة وما يلقَونه من سوء الجزاءٍ على كفرهم، وكشفٍ بعض الأَهوال
عنهم، ككرب طولِ الوقوف حين يشفع وَّر، فيشفع في الفصل بين الخلائق يومئذ،
وليس من باب استجابةٍ دعائهم في شيء. على أنَّ كرب طولٍ الوقوف الذي
يفارقونه نعيمٌ بالنسبة إلى ما يلاقونه بعدُ وإنْ لم يعلموا ذلك قبل، فالقوارع محيطةٌ
بهم في ذلك اليوم لا تفارقهم أصلاً، وإنَّما ينتقلون فيها من شديد إلى أشدَّ، فقول
بعضهم إِثْرَ قول الزمخشريِّ: فإنَّ قوارع الساعة لا تُكشّف عن المشركين: الأَحسن
عندي أنَّ هول القيامة يُكشَف أيضاً ككرب الموقف إذا طال، كما ورد في حديث
الشَّفاعة العظمى(١)، إلا أنَّ الزمخشريَّ لم يذكره لأن المعتزلة قائلون بنفي
(١) أخرجه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤) عن أبي هريرة ظُه. وتقدمت قطعة منه ٤٣٢/١.