النص المفهرس
صفحات 121-140
الآية : ٣١ ١٢١ سُورَةُ الأَنْعَم واستدلَّ بعض الظاهرية بالآية على أنَّ أهل القيامة يقفون بالقرب من الله تعالى في موقف الحساب. ولا يخفَى ما فيه. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ نشأ من الكلام السابق، كأنه قيل: فماذا قال لهم ربُّهم سبحانه وتعالى إذ ذاك؟ فقيل: قال .. إلخ. وجوِّز أن يكونَ في موضع الحال، أي: قائلاً ﴿أَيْسَ هَذَا﴾ أي: البعثُ وما يَتْبعه ﴿يِآلْحَقٌّ﴾ أي: حقًّا لا باطلاً كما زعمتم. وقيل: الإِشارة إلى العقاب وحده. وليس بشيءٍ، ولا دلالةَ في ((فذوقوا)) عند أرباب الذَّوق على ذلك. والهمزةُ للتقريع على التكذيب. ﴿قَالُوا﴾ استئنافٌ كما سبق ﴿بَ﴾ هو حقٌّ ﴿وَرَبْنَا﴾ أَّدوا اعترافهم باليمين إِظهاراً لكمال تيقُّنهم بحقِّيته، وإيذاناً بصدور ذلك عنهم برغبة ونشاط، طمعاً بأن ينفعهم، وهيهات. ﴿قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ الذي كفرتم به من قبلُ وأنكرتموه ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي: بسبب كفركم المستمرِّ، أو ببدله، أو بمقابلته، أو بالذي كنتم تكفرون به، فـ (ما)) إمَّا مصدرية، أو موصولة. والأوَّل أَولى. ولعل هذا التوبيخَ والتقريع - كما قيل - إنَّما يقع بعدما وُقفوا على النار فقالوا ما قالوا، إذ الظاهرُ أنه لا يبقى بعد هذا الأمرِ إلَّا العذاب، ويحتمل العكسَ، وأمر الأمر سهل. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَِّ اَللَّهِ﴾ هم الكفار الذين حُكيت أحوالُهم، لكن وُضع الموصول موضعَ الضمير؛ للإيذان بتسبُّب خسرانهم عما في حيِّز الصلة من التكذيب بلقاء الله تعالى والاستمرار عليه، والمرادُ به لقاء ما وعد به سبحانه وتعالى، على ما روي عن ابن عباس والحسنِ ﴿ّ. وصرَّح بعضهم بتقدير المضاف، أي: لقاءٍ جزاءِ الله تعالى. وصرَّح آخرون بأنَّ لقاء الله تعالى استعارةٌ تمثيلية عن البعث وما يَتْبعه. ﴿حَّى إِذَا جَآَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾ أي: الوقتُ المخصوص، وهو يومُ القيامة. وأصل الساعة: القطعةُ من الزمان، وغلبت على الوقت المعلوم، كالنَّجم للثريا. وسمِّي ساعةً لقلَّته بالنسبة لما بعده من الخلود، أو لسرعة الحساب فيه على الباري عزَّ اسمه. وفسَّرها بعضهم هنا بوقت الموت. سُورَةُ الأَنْعَل ١٢٢ الآية : ٣١ والغاية المذكورة للتكذيب. وجوِّز أن تكون غايةً للخسران، لكن بالمعنى المتعارَف، والكلام حينئذٍ على حدٍّ قولهِ تعالى: ﴿وَإِنَّ عَيْكَ لَعْنَتِىّ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨] أي: إنك مذموم مدعوِّ عليك باللعنة إلى ذلك اليوم، فإذا جاء اليومُ، لقيت ما تنسى اللعنَ معه، فكأنه قيل: خسر المكذِّبون إلى يوم قيام الساعة بأنواع المحنِ والبلاء، فإذا قامت الساعة، يقعون فيما ينسَون معه هذا الخسران، وذلك هو الخسرانُ المبين. وَفْتَّةُ﴾ أي: فجأة، وبَغَتة - بالتحريك - مِثْلُها، وبَغَتُهُ كمنعه: فَجَأَه، أي: هجم عليه من غير شعور، وانتصابُها على أنها مصدر واقعٌ موقعَ الحال من فاعل ((جاءتهم))، أي: مباغتة، أو من مفعوله، أي: مبغوتين. وجوِّز أن تكون منصوبةً على أنها مفعولٌ مطلق لـ ((جاءتهم)) على حدٍّ: رجع القهقرى، أو لفعل مقدَّر من اللفظ، أو من غيره. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿قَالُواْ﴾ جوابُ ((إذا)) ﴿يَحَسْرَثَنَا﴾ نداء للحسرة، وهي شدَّة الندم، كأنه قيل: يا حسرتنا تعالَي فهذا أوانُك. قيل: وهذا التحسُّر وإن كان يعتريهم عند الموت، لكن لما كان الموتُ من مقدِّمات الآخرة، جُعل من جنس الساعة وسمِّي باسمها؛ ولذا قال ◌َّى: ((مَن مات فقد قامت قيامتُه))(١) أو جُعل مجيءُ الساعة بعد الموت لسرعته كالواقع بغيرِ فترة. وقال أبو البقاء(٢): التقدير: يا حسرةُ احضُري هذا أوانُك، وهو نداء مجازيّ، ومعناه تنبيهُ أنفسهم لتذكير أسباب الحسرة؛ لأن الحسرة نفسَها لا تُطلب ولا يتأتّى إقبالها، وإنما المعنى على المبالغة في ذلك، حتى كأنهم ذهلوا فنادَوها. ومثلُ ذلك نداءُ الويل ونحوه. ولا يخفى حسنُه. ﴿َعَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾ أي: على تفريطنا. فـ ((ما)) مصدريّة، فالتفريط: التقصيرُ فيما قُدِرَ على فعله. وقال أبو عبيدة: معناه التضييع(٣). (١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت من حديث أنس به بسند ضعيف. كما قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ٦٤/٤. (٢) في الإملاء ٥٣٠/٢. (٣) مجاز القرآن ١/ ١٩٠. الآية : ٣١ ١٢٣ سُورَةُ الأَتْعَم وقال ابن بحر: معناه السَّبْق، ومنه الفارط للسابق. ومعنى فرَّط: خلَّى السبقَ لغيره، فالتضعيف فيه للسلب، كجلَّدت البعير، أي: أزلت جلده وسلبته. ﴿فِيهَا﴾ أي: الحياةِ الدنيا، كما رُوي عن ابن عباس ﴿يَا. أو في الساعة، كما رُوي عن الحسن. والمراد من التفريط في الساعة: التقصيرُ في مراعاة حقّها والاستعدادِ لها بالإِيمان والأعمال الصالحة. وقيل: الضمير للجَّة، أي: على ما فرَّطنا في طلبها. ونُسب إلى السُّدِّي، ولا یخفی بعده. وقول الطبرسيِّ(١): ويدلُّ عليه ما رواه الأعمشُ عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبيِّ ◌َّ أنه قال في هذه الآية: ((يرى أهلُ النار منازلَهم من الجنة، فيقولون: (يا حسرتنا)) إلخ(٢) = لا يخلو عن نظر؛ لقيام الاحتمالِ بعدُ، وهو يُبطل الاستدلال. وعن محمد بن جَرير(٣) أن الهاء يعود إلى الصفقة(٤)؛ لدلالة الخسران عليها. وهو بعيد أيضاً. ومثلُ ذلك ما قيل: إن ((ما)) موصولةٌ بمعنى التي، والمراد بها الأعمال، والضمير عائدٌ إليها، كأنه قيل: يا حسرتنا على الأعمال الصالحةِ التي قصَّرنا فيها. نَعَم مرجعُ الضمير على هذا مذكور في كلامهم دونه على الأقوال السابقة، فإنه غيرُ مذكور فيه، بل ولا في كلامه تعالى في قصِّ حال هؤلاء القائلين على القول الأوَّل عند بعض. فتدبّر. ﴿وَهُمْ يَحِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ في موضع الحالِ من فاعل ((قالوا))، وهي حالٌ مقارِنة، أو مقدَّرة. والوِزر في الأصل الثِّقل، ويقال للذنب، وهو المرادُ هنا. أي: يحملون ذنوبهم وخطایاهم، کما روي عن ابن عباس (١) في مجمع البيان ٤٧/٧ . (٢) أخرجه الطبري ٢١٥/٩. وقال السيوطي في الدر المنثور ٩/٣: سنده صحيح. (٣) في تفسيره ٩/ ٢١٥. (٤) في (م): الصفة. وهو خطأ. سُورَةُ الأَنْسَعَل ١٢٤ الآية : ٣١ وذَكَرَ الظهور لأنَّ المعتاد الأغلب الحملُ عليها، كما في: ﴿كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فإنَّ الكسب في الأكثر بالأيدي. وفي ذلك أيضاً إشارة إلى مزيد ثِقَل المحمول. وجَعْل الذنوب والآثام محمولةً على الظهر من باب الاستعارةِ التمثيلية، والمراد بيانُ سوءٍ حالهم، وشدَّةٍ مَا يجدونه من المشقّة والآلام والعقوبات العظيمةِ بسبب الذنوب. وقيل: حَمْلها على الظهر حقيقةٌ وأنها تجسَّم؛ فقد أخرج ابن جرير وابنُ أبي حاتم(١) عن السُّدِّي أنه قال: ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره، إلَّا جاءه رجلٌ قبيح الوجه، أسود اللون، مُنْتِنُ الريح، عليه ثياب دَنِسة، حتى يدخلَ معه قبرَه، فإذا رآه قال له: ما أقبحَ وجهَك! قال: كذلك كان عملُك قبيحاً، قال: ما أنتنَ ريحَك! قال: كذلك كان عملك منتِناً، قال: ما أدنسَ ثيابَك! فيقول: إنَّ عملك كان دنساً، قال: من أنت؟ قال: أنا عملك. فيكون معه في قبره، فإذا بعث يومَ القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذَّات والشَّهوات، فأنت اليومَ تحملني، فيركب على ظهره فيسوقه حتى يُدخلَه النار. وأخرجا(٢) عن عمرو بنٍ قيس قال: إنَّ المؤمن إذا خرج من قبره، استقبله عملُه في أحسن شيءٍ صورةً وأطيبهِ ريحاً، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلَّا أنَّ الله تعالى قد طيّب ريحك وحسَّن صورتك. فيقول: كذلك كنتَ في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا، فاركبني أنت اليومَ، وتلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] وإنَّ الكافر يستقبله أقبحَ شيءٍ صورةً وأنتتَه ريحاً، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا ، إلّا أن الله تعالى قد قبَّح صورتك ونثَّن ريحك، فيقول: كذلك كنتَ في الدنيا، أنا عملك السيِّءُ، طالما ركبتَني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك، وتلا: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ﴾ الآية. وبعضهم يجعل كلَّ ما ورد في هذا البابِ مما ذُكر تمثيلاً أيضاً. ولا مانعَ من الحمل على الحقيقة وإِجراءِ الكلام على ظاهره، وقد قال كثيرٌ من أهل السُّنَّة بتجسيم الأعمال في تلك الدار، وهو الذي يقتضيه ظاهرُ الوزن. (١) تفسير الطبري ٢١٧/٩، وتفسير ابن أبي حاتم ١٢٨١/٤ . (٢) الطبري ٢١٦/٩، وأخرجه ابن أبي حاتم ١٢٨١/٤ مختصراً. الآية : ٣٢ ١٢٥ سُورَةُ الْأَنْفُ ﴾ تذييل مقرِّر لما قبله وتكملة له. و((ساء)) تحتمل - كما ﴿أَلَا سَآءُ مَا يَزِرُونَ قيل - هنا ثلاثةً أوجه : أحدها: أن تكونَ المتعدِّيةَ المتصرِّفةَ، ووزنها: فَعَلَ، بفتح العين، والمعنى: ألا ساءَهم ما يَزِرون. و((ما)) موصولة، أو مصدريّة، أو نكرة موصوفة، فاعلٌ لها، والكلام خبر. وثانيها: أنها حوّلت إلى فعل اللازم بضمِّ العين وأُشربت معنى التعجُّب، والمعنى: ما أسواَ الذي يزرونه، أو: ما أسوأ وِزرّهم. وثالثها: أنها حوّلت أيضاً للمبالغة في الذم، فتساوي: ((بئس)) في المعنى والأحكام. ﴿وَمَا أَلْحَيَّوَةُ الذُّنْيَا إِلَّا لَيِّبٌ وَلَهْوٌّ﴾ لمَّا حقَّق سبحانه وتعالى فيما سبق أنَّ وراء الحياة الدنيا حياةً أخرى يلقَون فيها من الخطوب ما يلقون، بيَّن جلَّ شأنه حال تَينِكَ الحياتَين في أنفسهما . وجعله بعضُهم جواباً لقولهم: ((إن هي إلا حياتنا الدنيا)) وفيه بُعد. وكيفما كان، فالمراد: وما أعمالُ الحياة الدنيا المختصّةُ بها إلَّا كاللعب واللهو في عدم النفع والثبات. وبهذا التقدير خَرَجَ - كما قال غيرُ واحد - ما فيها من الأعمال الصالحة، كالعبادة، وما كان لضرورة المعاش. والكلامُ من التشبيه البليغ. ولو لم يقدَّر مضاف وجعلت الدنيا نفسُها لعباً ولهواً مبالغةً كما في قوله: وإنما هي إقبال وإدبار(١) صحَّ. واللهو واللعب - على ما في ((درَّة التنزيل))(٢) - يشتركان في أنهما الاشتغالُ بما (١) البيت للخنساء، وهو في ديوانها ص٤٨، وصدره: ترتعُ ما رَتَعتْ حتى إذا اذَّكرت. وفيه: فإنما هي ... (٢) سيذكره المصنف عند تفسير الآية (٢٠) من سورة السجدة منسوباً للراغب الأصبهاني. وسماه صاحب كشف الظنون: درة التأويل في متشابه التنزيل. وانظر حاشية الشهاب ٤٩/٤. سُورَةُ الَنْتَعَل ١٢٦ الآية : ٣٢ لا يعني العاقلَ ويُهمُّه من هوّى وطرب، سواءٌ كان حراماً أو لا. وفرِّق بينهما بأن اللعب ما قُصد به تعجيل المسرَّة والاسترواحُ به، واللهو كلُّ ما شَغَلَ من هوّى وطربٍ وإن لم يُقصد به ذلك. وإذا أُطلق اللهوُ فهو - على ما قيل - اجتلابُ المسرة بالنساء، كما في قوله: كبرت وأنْ لا يُحسنُ اللهوَ أمثالي(١) ألَا زعمتْ بسباسةُ اليومَ أنني وقال قتادة: اللهو في لغة اليمنِ المرأة. وقيل: اللعب: طلب المسرَّة والفرح بما لا يَحسُن أن يطلب به، واللهو: صرف الهمِّ بما لا يَصلُح أن یصرف به. وقيل: إن كلَّ شغل أَقبل عليه لزم الإِعراضُ عن كلِّ ما سواه؛ لأن مَن لا يشغله شأنٌ عن شأن هو الله تعالى، فإذا أَقبل على الباطل لزم الإِعراضُ عن الحقِّ، فالإقبالُ على الباطل لعب، والإِعراض عن الحقِّ لهو. وقيل: العاقل المشتغل بشيءٍ لا بدَّ له من ترجيحه وتقديمِه على غيره، فإن قدَّمه من غیر تركٍ للآخَرِ، فَلَعِبٌ، وإن ترکه ونسيه به، فھو لهو . وقد بيَّن صاحب ((الدرَّة)» بعد أن سرد هذه الأقوالَ سرَّ تقديم اللعب على اللهو حيث جُمعا كما هنا، وتأخيرِه عنه كما في ((العنكبوت))(٢) بأنه لَمَّا كان هذا الكلام مسوقاً للردّ على الكفرة فيما يزعمونه من إِنكار الآخرة والحصرِ السابق، وليس في اعتقادهم لجهلهم إلَّا ما عُجِّل من المسرَّة بزخرف الدنيا الفانية، قدَّم اللعبَ الدالَّ على ذلك، وتَمَّم باللهو. أو لَمَّا طلبوا الفرح بها وكان مطمحَ نظرهم، وصرفُ الهَمِّ لازم وتابع له، قدَّم ما قدم. أو لَمَّا أقبلوا على الباطل في أكثر أقوالهم وأفعالهم، قدَّم ما يدلُّ على ذلك. أو لما كان التقديم والترجيح مقدَّماً على الترك والنسيان، قدَّم اللعبَ على اللهو رعايةً للترتيب الخارجي. وأمَّا في ((العنكبوت)) فالمقام لذكر قِصَرٍ مدَّة الحياة الدنيا بالقياس إلى الآخرة، وتحقيرِها بالنسبة إليها؛ ولذا ذكر اسم (١) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٢٨. (٢) أي: قوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبُّ وَإِنَ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [الآية ٦٤]. الآية : ٣٢ ١٢٧ سُورَةُ الأَنْتَعَمِ الإِشارة المشعِر بالتحقير، وعقَّب ذلك بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ﴾ والاشتغالُ باللهو مما يَقصُر به الزمان، وهو أَدخلُ من اللعب فيه، وأيامُ السرور قصار، كما قال: وليلةٍ إحدى الليالي الزُّهر لم تكُ غيرَ شفقٍ وفجرٍ(١) وينزَّل هذا على الوجوهِ(٢) في الفرق، وتفصيلُه في ((الدرَّة)). قاله مولانا شهابُ الدین، فلیفهم. ﴿وَلَذَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ التي هي محلُّ الحياة الأُخرى ﴿غَيْرٌ لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ ﴾ الكفرَ والمعاصي؛ لخلوص منافعها عن المضارِّ والآلام، وسلامةٍ لذَّاتها عن الانصرام. ﴿أَفَلاَ تَّعْقِلُونَ ﴾﴾ ذلك حتى تتَّقوا ما أنتم عليه من الكفر والعصيان. والفاءُ للعطف على محذوف، أي: أتغفُلون، أو: ألا تتفكّرون فلا تعقلون. وكان الظاهر أن يقال - كما قال الطّيبي ـ: وما الدارُ الآخرة إلَّ جِدٌّ وحقّ؛ لمكان ((وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو)) إلَّا أنه وُضع ((خير للذين يتقون)) موضعَ ذلك، إقامة للمسبَّب مقام السبب. وقال في ((الكشف)): إنَّ في ذلك دليلاً على أنَّ ما عدا أعمالَ المتقين لعب ولهو؛ لأنه لما جعل الدارَ الآخرة في مقابلة الحياةِ الدنيا وحكم على الأعمال المقابل بأنها لعبٌ ولهو، عُلِم تقابل العملين حَسْبَ تقابل ما أُضيفا إليه، أعني الدنيا والآخرةَ، فإذا خصَّ الخيرية بالمتقين، لزم منه أنَّ ما عدا أعمالَهم ليس من أعمال الآخرة في شيءٍ، فهو لعب ولهو لا يُعقِب منفعة. وقرأ ابنُ عامر: ((ولَدارُ الآخرةِ)) بالإضافة(٣)، وهي من إضافة الصفةِ إلى الموصوف، وقد جوَّزها الكوفيون، ومَن لم يجوِّز ذلك، تأوَّله بتقدير: ولدارُ النشأةِ الآخرة، أو إجراءِ الصفة مُجرَى الاسم. (١) هما صدرا بيتين لإبراهيم الصولي، كما في زهر الآداب ٢٩٩/١، والأغاني ٦١/١٠ وغيرهما. وعجز الأول: قابلتُ فيها بدرَها ببدرٍ، والثاني: حتى تولَّت وهي بِكْرُ الدهر. (٢) في الأصل و(م): على هذا الوجوه. والمثبت من حاشية الشهاب ٤٩/٤. (٣) التيسير ص ١٠٢، والنشر ٢٥٧/٢. سُورَةُ الأَنْعَم ١٢٨ الآية : ٣٣ وقرأ ابن كثير وغيرُه: ((يعقلون)) بالياء (١)، والضميرُ للكفار القائلين: ((إن هي إلا حياتنا الدنيا)). وقيل: للمتقين، والاستفهامُ للتنبيه والحثِّ على التأمل. ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ﴾ استئنافٌ مسوق لتسلية رسولِ اللهِ وَّر عن الحزن الذي يعتريه عليه الصلاة والسلام مما حُكي عن الكفرة من الإصرار على التكذيب والمبالغة. وكلمة ((قد)) للتكثير، وهو - كما قال الحلبيُّ(٢) رادًّا به اعتراضَ أبي حيان(٣) - راجع إلى متعلَّقات العلم لا العلم نفسه؛ إذ صفةُ القديم لا تقبل الزيادةَ والتكثير، وإلَّا لزم حدوثُها المستلزِم لحدوث مَن قامت به سبحانه وتعالى. وقال السفاقسيّ: قد تصحُّ الكثرة باعتبار المعلومات، وما في حيِّز العلم هنا كثير، بناءً على أنَّ الفعل المذكور داٌّ على الاستمرار التجدُّدي، وأنشدوا على إِفادتها ذلك بقول الهذلي : قد أَتركُ القِرنَ مصفرًا أناملُهُ كأنَّ أثوابه مُجَّت بفِرصادٍ(٤) وادَّعى أبو حيان(٥) أنَّ إفادتها للتكثير قولٌ غير مشهور للنحاة وإنْ قال به بعضهم. وكلام سيبويه حيث قال(٦): وتكون ((قد)) بمنزلة ربَّما، ليس نصًّا في ذلك، وما استشهدوا به على دعواهم إنَّما فُهم التكثير فيه من سياق الكلام، ومنه البيت، فإنَّ التكثير إنما فهم فيه لأنَّ الفخر إنما يحصل بكثرة وقوعِ المفتخَّر به. (١) التيسير ص١٠٢، والنشر ٢٥٧/٢، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء. (٢) في الدر المصون ٤ / ٦٠٢ . (٣) في البحر المحيط ١١٠/٤. (٤) نسب البيت الهذلي سيبويه في الكتاب ٢٢٤/٤، وابن يعيش في شرح المفصل ١٤٧/٨، وابن هشام في المغني ص٢٣١ وغيرهم. وسماه الشنتمري في شرح شواهد سيبويه ص٥٧٦ شماس الهذلي. ونسبه السيرافي ٣٦٨/٢، وصاحب الخزانة ٢٥٣/١١-٢٥٦ لعَبيد بن الأبرص. وهو في ديوانه ص٦٤. والفرصاد: التوت الأحمر خاصة. الصحاح (فرصت). (٥) في البحر ٤ / ١١٠. (٦) في الكتاب ٤/ ٢٢٤. الآية : ٣٣ ١٢٩ سُورَةُ الأَنْعَهُ وذكر بعض المحقّقين أن الحقَّ ما قاله ابنُ مالك: إن إِطلاق سيبويه أنها بمنزلة ربَّما يوجب التسويةَ بينهما في التقليل والصرفِ إلى المضيّ، والبيتُ دليل عليه؛ فإنَّ الفخر يقع بترك الشجاع قِرِنَه وقد صُبغت أثوابه بدمائه في بعض الأحيان. وقولُ أبي حيان: إن الفخر إنما يحصل بكثرة ... إلخ، غيرُ مسلَّم على إِطلاقه، بل هو فيما يكثُر وقوعه، وأمَّا ما يندر فيفتَخَر بوقوعه نادراً؛ لأن قِرن الشجاع لو غلبه كثيراً لم يكن قرناً له؛ لأن القِرْن - بكسر القاف وسكون الراء - المقاومُ المساوي. وفي ((القاموس))(١): القِرن: كفؤك في الشَّجاعة، أو أعمُّ. فلفظه يقتضي بحسَب دقيقِ النظر أنَّه لا يغلبه إلَّا قليلاً، وإلّا لم يكن قرناً، ويتناقض أولُ الكلام وآخره. وادعى الطَّيبي أنَّ لفظ ((قد)» للتقليل، وقد يُراد به في بعض المواضع ضدُّه، وهو من باب استعارة أحد الضدَّين للآخر، والنكتة هاهنا تصبيرُ رسولِ الله وَظله من أذى قومه وتكذيبهم، يعني: من حقِّك وأنت سيِّد أولي العزم ألَّا تُكثر الشكوى من أذى قومِك، وألَّا يعلمَ الله تعالى من إظهارك الشكوى إلَّا قليلاً، وأن يكون تهّماً بالمكذِّبين وتوبيخاً لهم. ونصَّ بعضهم على أنَّ ((قد)» هنا للتقليل، على معنى أنَّ ما هم فيه أقلُّ معلوماته تعالى . وضمير ((إنه)) للشأن، وهو اسم ((إن)) وخبرُها الجملة المفسِّرة له، والموصولُ فاعل ((يحزنك)) وعائدُه محذوف، أي: الذي يقولونه، وهو ما حكي عنهم من قولهم: ((إن هذا إلا أساطير الأولين))، أو هو وما يعمُّه وغيرَه من هذيانهم، وجملة ((إنه ... )) إلخ سادَّة مسدَّ مفعولَي ((يعلم)). وقرأ نافع: (لَيُحْزِنك))(٢) مِنْ أَحْزَنَ المنقولِ من حَزَنَ اللازم. وقولُه سبحانه: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ تعليلٌ لما يشعر به الكلامُ السابق من النهي عن الاعتداد بما قالوا، بطريق التسلِّي بما يفيده من بلوغه وَّ في جلالة القَدْر (١) مادة (قرن). (٢) التيسير ص٩١- ٩٢، والنشر ٢٤٤/٢. سُورَةُ الأَنْتَل ١٣٠ الآية : ٣٣ ورِفعة الشأن غايةً ليس وراءها غاية، حيث نفَى تكذيبهم - قاتلهم الله تعالى - عنه وَّهِ، وأثبته لآياته تعالى على طريقة قولِه سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَابِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] إيذاناً بكمال القرب واضمحلالِ شؤونه بَّل في شأن الله عزَّ وجلّ. وفيه أيضاً استعظامٌ لجنايتهم مُنْبئ عن عِظَم عقوبتهم، كأنه قيل: لا تعتدَّ به وكِلْه إلى الله تعالى، فإنهم في تكذيبهم ذلك لا يكذّبونك في الحقيقة ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِئَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ أي: ولكنهم بآياته تعالى يكذُّبون، فوضع المظهَر موضعَ المضمَر تسجيلاً عليهم بالرسوخ في الظلم الذي جحودُهم هذا فنٌّ من فنونه. وقيل: إن كان المراد من الظلم مطلقَه، فالوضع للإشارة إلى أنَّ ذلك دأبُهم وديدنهم، وأنه علَّة الجحود؛ لأن التعليق بالمشتقِّ يفيد علِيةَ المأخذ، وإن أُريد به الظلم المخصوص، فهو عينُ الجحد وواقع به، نحو: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِأَنْخَذِكُمُ اُلْمِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤] فيكون المبتدأ مشيراً إلى وجه بناءِ الخبر، كقوله: إنَّ الذي سمك السماءَ بنى لنا بيتاً دعائمُه أعزُّ وأطولُ(١) وقيل: إن ((أل)) في ((الظالمين)) إنْ كانت موصولةً واسمُ الفاعل بمعنى الحدوث، أفاد الكلامُ سببيةَ الجحد للظلم، وإن كانت حرفَ تعريف واسمُ الفاعل بمعنى الثبوت، أفاد سببيةَ الظلم للجحد. ولا يخفى ما فيه. والالتفات إلى الاسم الجليلِ لتربية المهابةِ واستعظاماً لما قَدِموا عليه. وإِيرادُ الجحود في مورد التكذيب؛ للإيذان بأن آياتهِ سبحانه من الوضوح بحيث يشاهد صدقَها كلُّ أحد، وأنَّ من ينكرها فإنَّما ينكرها بطريق الجحود، وهو كالجحد: نفي ما في القلب ثباتُه، أو إثباتُ ما في القلب نفيه. والباء متعلّق بـ ((يجحدون))، والجحد يتعدَّى بنفسه وبالباء، فيقال: جَحَدَه حقَّه وبحقٌّه، وهو الذي يقتضيه ظاهرُ كلام الجوهريِّ(٢) والراغب(٣). (١) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٢/ ١٥٥. (٢) في الصحاح (جحد). (٣) في المفردات (جحد). الآية : ٣٣ ١٣١ سُورَةُ الأَنْعَوَّ وقيل: إنه إنَّما يتعدَّى بنفسه، والباءُ هاهنا لتضمينه معنى التكذيب. وأيًّا ما كان، فتقديم الجارِّ والمجرور مراعاةً لرؤوس الآي، أو للقَصْر. ونقل الطبرسيُّ(١) عن أبي عليٍّ أن الجارَّ متعلق بـ ((الظالمين))، وفيه خفاء. وما ذُكر من أنَّ الفاء لتعليل ما يُشعر به الكلام هو الذي قرَّره بعض المحقّقين. وقيل: إنها تعليلٌ لقوله سبحانه: ﴿قَدْ نَعَلَمُ﴾ إلخ، بناءً على أن معناه: لا تحزن، كما يقال في مقام المنعِ والزَّجر: نعلم ما تفعل، فكأنه قيل: لا تحزن مما يقولون، فإنَّ التكذيب في الحقيقة لي، وأنا الحليمُ الصبور، فتخلَّق بأخلاقي. ويحتمل أن يكونَ المعنى: إنه يَحزنك قولهم لأنه تكذيبٌ لي، فأنت لم تحزن لنفسك، بل لِمَا هو أهمُّ وأعظم. ولا يخفى أنَّ هذا خلافُ المتبادر. وقيل: معنى الآية: فإنهم لا يكذِّبونك بقلوبهم، ولكنهم يجحدون بألسنتهم. وروي ذلك عن قتادة وغيرِهِ، ويؤيِّده ما رواه السديُّ: أنه التقى الأَخنس بنُ شَريق وأبو جهل، فقال الأَخسُ لأبي جهل: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد أصادقٌ هو أم كاذب، فإنه ليس هنا أحدٌ يسمع كلامَك غيري؟ فقال أبو جهل: واللهِ إنَّ محمداً لصادق، وما كَذَبَ محمد قظُ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللِّواء والسِّقاية والحِجابة والنَّدوة والنبوَّة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فأَنزل اللهُ تعالى هذه الآية. وكذا ما أخرجه الواحديُّ(٢) عن مقاتل قال: كان الحارث بنُ عامر بنِ نوفل بن عبد مناف بن قُصَيِّ بن كلاب يكذِّب النبيَّ وَّر في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمدٌ من أهل الكذب، ولا أحسبه إلَّا صادقاً. فأنزل الله تعالى الآية. وقيل: المعنى: إنهم ليس قَصْدُهم تكذيبَك، لأنك عندهم موسومٌ بالصدق، وإنما يقصدون تكذيبي والجحودَ بآياتي. ونسب هذا إلى الكِسائي، وأُيِّد بما أخرجه الترمذيُّ والحاكم وصحّحاه عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: أنَّ أبا جهل (١) في مجمع البيان ٧/ ٥١ . (٢) أورده في أسباب النزول ص٢١١ دون إسناد. سُؤَدَّةُ الأَنْتَهُم ١٣٢ الآية : ٣٣ كان يقول النبيِّ نَّهِ: ما نكذِّبك، وإنك عندنا لَصادق، ولكنَّا نكذِّب ما جئتنا به. فنزلت(١). وكذا أخرج الواحديُّ عن أبي مَيْسرة (٢). واعترض المرتضى (٣) هذا القول بأنه لا يجوز أن يصدِّقوه وَّ في نفْسه ويكذِّبوا ما أتى به؛ لأنَّ من المعلوم أنه عليه الصلاة والسلام كان يشهد بصحّة ما أتى به وصِلْقِهِ، وأنه الدين القيِّم والحقُّ الذي لا يجوز العدولُ عنه، فكيف يجوز أن يكونَ صادقاً في خبره ويكون الذي أتى به فاسداً؟ بل إنْ كان صادقاً، فالذي أتى به صحيح، وإن كان الذي أتى به فاسداً، فلا بدَّ أن يكون كاذباً فيه . وقال مولانا سنان (٤): إنَّ حاصل المعنى: إنهم لا يكذِّبونك في نفس الأمر؛ لأنهم يقولون: إنك صادقٌ، ولكن يتوهَّمون أنه اعترى عقلَك - وحاشاك - نوعُ خلل، فخيِّل إليك أنك نبيٌّ، وليس الأَمر بذاك وما جئتَ به ليس بحقِّ. وقال الطيبي: مرادهم: إنك لا تكذَّب لأَنك الصادق الَمين، ولكن ما جئت به ◌ِحرٌ. ويُعلم من هذا الجوابُ عن اعتراض المرتضى(٥) فتدبّر. وقيل: معنى الآية: إنهم لا يكذِّبونك فيما وافق كتبهم وإن كذَّبوك في غيره. وقيل: المعنى: لا يكذِّبك جميعهم وإن كذَّبك بعضهم، وهم الظالمون المذكورون في هذه الآية. وعلى هذا لا يكون ذِكر ((الظالمين)) من وضع المظهَر موضعَ المضمّر. وقيل غيرُ ذلك، ولا يخفى ما هو الأَليق بجزالة التنزيل. (١) سنن الترمذي (٣٠٦٤)، والمستدرك ٣١٥/٢، وهو من طريق ناجية بن كعب عن علي نظابه، ولم يذكر الترمذي فيه شيئاً، ثم أخرجه عن ناجية بن كعب مرسلاً وقال: وهذا أصح. (٢) أسباب النزول ص٢١١ دون سند. (٣) في الأصل و(م): الرضي، وهو تصحيف، والمثبت من حاشية الشهاب ٥١/٤، وعنه نقل المصنف، وكلام الشريف المرتضى في أماليه ٢٦٧/٢ . (٤) لعله سنان الدين يوسف بن حسام المتوفى سنة (٩٨٦ هـ)، له حاشية على تفسير البيضاوي، كما في كشف الظنون ١/ ١٩١ . (٥) في الأصل و(م): الرضي، وهو تصحيف كما ذكرنا، والمثبت من حاشية الشهاب ٤/ ٥٢. الآية : ٣٤ ١٣٣ سُؤَدَّةُ الأَنْتَعَل وقرأ نافع والكسائيُّ(١) والأعمش(٢) عن أبي بكر: ((لا يُكْذِبونك)) من الإكذاب. وهي قراءة عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه. ورويت أيضاً عن جعفرٍ الصادق رضُ﴾(٣). فقال الجمهور: كلاهما بمعنى، كأَكْثَرَ وكثَّر، وأَنْزَلَ ونزَّل. وقيل: معنى أَكْذَبْتُه: وجدته كاذباً، كأَحْمَدْتُه بمعنى: وجدته محموداً، ونقل أحمد بن يحيى عن الكسائيِّ أنَّ العرب تقول: كذَّبْتُ [الرجلَ] - بالتشديد - إذا نَسَبْتَ الكذب إليه، وأَكْذَبْتُه، إذا نسبتَ الكذبَ إلى ما جاء به دونَه(٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ تسلية إثرَ تسليةٍ لرسول الله وَّل، فإن عموم البلوى ربَّما یھوِّنها بعض تهوین. وفيه إرشادٌ له عليه الصلاة والسلام إلى الاقتداء بمن قبله من الرُّسل الكرام في الصبر على الأذى، وعِدَةٌ ضمنية بمثل ما مُنحوه من النصر. وتصدير الكلام بالقَسَم لتأكيد التسلية، وتنوينُ ((رسل)) للتفخيم والتكثير، و((من)) متعلقة بـ ((تكذيب))، وجوِّز أن تتعلَّق بمحذوف وقعَ صفةً لـ ((رسل))، وردّه أبو البقاء(٥) بأن الجثّة لا توصف بالزمان. وفيه منعٌ ظاهر. والمعنى: تاللهِ لقد كُذِّبت من قبل تكذيبك رسلٌ أولو شأن خطير وعددٍ كثير، أو: كذِّبت رسل كانوا من زمان قبلَ زمانك. ﴿فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ﴾ ((ما)) مصدرية، وقوله: ﴿وَأُوَذُوا﴾ عطف على ((كذِّبوا)) داخلٌ في حكمه، ومصدر كذَّب: التكذيب، وآذى أَذِى وأَذاةً وأَذِيَّة، كما في ((القاموس)) (٦)، وإيذاءً، كما أثبته الراغبُ(٧) وغيره. وقولُ صاحب ((القاموس)): ولا (١) التيسير ص١٠٢، والنشر ٢٥٧/٢-٢٥٨. (٢) كذا، والصواب: الأعشى، انظر جامع البيان لأبي عمرو الداني ١٢٤/٢، ومجمع البيان ٤٨/٧ . (٣) مجمع البيان ٤٨/٧ . (٤) أي: دون أن تنسبه إليه. البحر ١١١/٤، وما بين حاصرتين منه. (٥) في الإملاء ٥٣٣/٢. (٦) مادة (أذي). (٧) في مفرداته (أذي). سُورَةُ الأَنْقَظ ١٣٤ الآية : ٣٤ تقل إيذاءً، خطأ، والذي غرَّه تركُ الجوهريِّ وغيرِه له(١)، وهو وسائرُ أهل اللغة لا يذكرون المصادر القياسية؛ لعدم الاحتياج إلى ذكرها . والمصدران هنا من المبنيِّ للمفعول، وهو ظاهر، أي: فصبروا على تكذيب قومِهم لهم وإيذائهم إياهم، فتأسَّ بهم واصبر على ما نالك من قومك، والمراد بإيذائهم إمَّا عينُ تكذيبهم، أو ما يقارنه من فنون الإِيذاء، واختاره الطبرسيُّ(٢)، ولم يصرِّح به ثقةً باستلزام التكذيب إِياه غالباً، وفيه تأكيد للتسلية، وجوِّز العطف على ((كُذُّبت)) أو على ((صبروا)). وجوَّز أبو البقاء (٣) أن يكونَ هذا استئنافاً، ثم رجَّح الأول. وقوله سبحانه: ﴿حَّ أَنَهُمْ نَصْرَا﴾ غايةٌ للصبر، وفيه إيماءٌ إلى وعد النصر للصابرين، وجوِّز أن يكون غايةً للإيذاء، وهو مبنيٌّ على احتمال الاستئناف. والالتفاتُ إلى نون العَظَمة للإشارة إلى الاعتناء بشأن النَّصر. ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ﴾ تقريرٌ لمضمون ما قبله من إتيان نصرِه سبحانه إياهم، والمراد بكلماته تعالى - كما قال الكلبيُّ وقتادة - الآياتُ التي وعد فيها نصرَ أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، الدالَّةُ على نصر النبيِّ ◌ٍَّ أيضاً، كقوله تعالى: ﴿كَتَّبَ اَللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِيَّ﴾ [المجادلة: ٢١] وقوله عزَّ شأنه: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَصُورُونَ (٣) وَإِنَّ مُنْدَنَا لَمُ الْغَلِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢ - ١٧٣]. وجوِّز أن يرادَ بها جميعُ كلماته سبحانه، التي من جملتها الآياتُ المتضمِّنة للمواعيد الكريمة، ويدخل فيها المواعيدُ الواردة في حقِّ نَّهِ دخولاً أوليًّا. والالتفاتُ إلى الاسم الجليل - كما قيل - للإِشعار بعلَّة الحكم، فإنَّ الألوهية من موجبات ألَّا يغالبَه سبحانه أحدٌ في فعل من الأفعال، ولا يقعَ منه جلَّ شأنه خَلْف في قول من الأَقوال. وظاهر الآية أنَّ أحداً غيره تعالى لا يستطيع أن يبدِّلَ كلماتِ الله عزَّ وجلَّ؛ (١) كذا قال، والصواب أن الجوهري لم يتركه. ينظر الصحاح (أذي)، وينظر كذلك تاج العروس (أذي). (٢) في مجمع البيان ٧/ ٥١ . (٣) في الإملاء ٢/ ٥٣٤. الآية : ٣٥ ١٣٥ سُورَةُ الأَنْعَم بمعنى أن يفعل خلافَ ما دلَّت عليه، ويحولَ بين الله عزَّ اسمه وبين تحقيقٍ ذلك، وأمَّا أنه تعالى لا يبدِّل، فلا تدلُّ عليه الآية، والذي دلَّت عليه النصوص أنه سبحانه ربما يبدِّل الوعيد ولا يبدِّل الوعد. ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِى الْمُرْسَلِينَ تقرير أيُّ تقريرٍ لما مُنحوا من النصر، ٣٤ وتأكيدٌ لما أَشعر به الكلامُ من الوعد لرسول الله وَّ، أو تقريرٌ لجميع ما ذكر من تكذيب الرُّسل عليهم الصلاة والسلام وإيذائهم ونصرهم. والنبأ كالقَصَص لفظاً ومعنَى. وفي ((القاموس)) (١): النبأ محرَّكة: الخبر، جمعه: أنباء. وقيَّده بعضهم - وقد مرت الإِشارة إليه - بما له شأن(٢). وهو عند الأخفش ـ المجوِّز زيادةً ((مِن)) في الإثبات وقبل المعرفة مخالفاً في ذلك لسيبويه - فاعلُ ((جاء))(٣). وصحِّح أن الفاعل ضميرٌ مستتر تقديره هو، أي: النبأ أو البيان، والجارُّ متعلق بمحذوف وقع حالاً منه. وقيل - وإليه يشير كلامُ الرمَّاني -: إنه محذوف، والجارُّ والمجرور صفته، أي: ولقد جاءك نبأ كائن من نبأ المرسلين. وفيه أنَّ الفاعل لا يجوز حذفُه هنا. وقال أبو حيَّان(٤): الذي يظهر لي أن الفاعل ضميرٌ عائد على ما دلَّ عليه المعنى من الجملة السابقة، أي: ولقد جاءك هذا الخبرُ من التكذيب وما يتبعه. وقيل - وربَّما يُشعر به كلام ((الكشَّاف))(٥) -: إن ((مِن)) هي الفاعل، والمراد: بعضُ أنبائهم. ﴿وَإِن كَانَ كَبُرٌ﴾ أي: شقَّ وعَظُم. وأتى بـ ((كان)) - على ما قيل - ليبقى الشرطُ على المضيِّ ولا ينقلبَ مستقبلاً؛ لأن ((كان)) لقوَّة دلالته على المضي لا تَقلبه ((إن)) للاستقبال، بخلاف سائر الأفعال، وهو مذهب المبرِّد. (١) مادة (نبأ). (٢) ينظر ما سلف عند تفسير الآية (٦٠) من سورة المائدة، ومفردات الراغب (نبأ). (٣) انظر معاني القرآن له ٢٧٢/١ و٤٨٨/٢. (٤) في البحر ١١٣/٤. (٥) ١٥/٢. سُورَةُ الأَنْقَم ١٣٦ الآية : ٣٥ والنحويُّون يؤوِّلون ذلك بنحو: وإن تبيَّن وظهر أنه كَبُر ﴿عَلَيْكَ إِعَرَاضُهُمْ﴾ أي: الكفار عن الإِيمان بك وبما جئتَ به من القرآن المجيد، حسبما يُفصح عنه قولُهم فيه: ((أساطير الأولين)) وينبئ عنه فعلُهم من النأي والنهي. ولعل التعبير بالإِعراض دون التكذيب - مع أنَّ التسلية على ما ينبئ عنه قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ كانت عنه - لتهويل أمرِ التكذيب، وهو فاعلُ (كبر)"، وتقديم الجارِّ والمجرور لَمَّا مر مراراً. والجملة خبرُ ((كان)) مفسِّرة لاسمها الذي هو ضميرُ الشأن، ولا حاجةً إلى تقدير قد. وقيل: اسم كان ((إعراضهم))، و((كبر)) مع فاعله المستترِ الراجع إلى الاسم خبرٌ لها مقدَّم على اسمها . والكلام استئنافٌ مسوق لتأكيد إِيجاب الصبرِ المستفاد من التسلية، ببيان أنَّ ذلك أمر لا محيد عنه أصلاً. وفي بعض الآثار: أنَّ الحارث بن عامر بنِ نوفل بن عبد مناف أتى رسولَ الله وَيه في محضر من قريش، فقالوا: يا محمد، ائتنا بآية من عند اللهِ كما كانت الأنبياءُ تفعل وإنَّا نصدِّقك. فأبى الله تعالى أن يأتيَهم بآية مما اقترحوا، فأعرضوا عن رسول اللهِ وَّهِ، فشقَّ ذلك عليه عليه الصلاة والسلام؛ لِمَا أنه وَّ كان شديدَ الحرص على إيمان قومه، فكان إذا سألوه آيةً يودُّ أن ينزلها الله تعالى، طمعاً في إیمانهم، فنزلت. ﴿فَإِنِ أَسْتَطَعْتَ﴾ أي: إن قَدَرتَ وتهيَّأ لك ﴿أَنْ تَبْتَغِىَ﴾ أي: تطلب ﴿نَفَقًّا فِى اْأَرْضِ﴾ هو السَّرَب فيها له مَخْلَصٌ إلى مكان، كما في ((القاموس))(١)، وأصل معناه: جُحر اليربوع، ومنه النافِقاء لأَحد منافذه، ويقال لها: النُّفَقة، كهمزة، وهي التي يكتمها ويُظهر غيرَها، فإذا أُتِيَ من القاصعاء ضربها برأسه فانتفقَ، ومنه أُخذ النفاق. والجارُّ متعلق بمحذوف وقع صفةً ((نفقاً))، والكلامُ على التجريد في رأي، وجوِّز تعلقه بـ ((تبتغي))، وبمحذوف وقع حالاً من ضميره المستتر. أي: نفقاً كائناً في الأرض، أو: تبتغي في الأرض، أو: تبتغي أنت حالَ كونك في الأرض. (١) مادة (نفق). الآية : ٣٥ ١٣٧ سُؤَدَّةُ الأَنْعَم ﴿أَوْ سُلَّمَا فِى السَّمَآءِ﴾ أي: مِرقاةً فيها، أخذاً من السلامة؛ قال الزجَّاج(١): لأنه الذي يسلمك إلى مصعدك. وهو - كما قال الفرَّاء(٢) - مذكَّر، واستشهدوا لتذكيره بقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهْ سُلٌَّ يَسْتَمِعُونَ فِهِ﴾ [الطور: ٣٨] ثم قال: وأُنشدتُ في تأنيثه بيتاً أُنسيته. انتهى. قال الغضايري: البيت الذي أُنسيه الفراءُ بيت أوس، وهو: وليس لهم في سُورة المجدِ سلَّمُ(٣) لنا سلَّم في المجد لا يرتقونها وأنشدوا أيضاً في تذكيره: الشعر صعبٌ وطويلٌ سُلَّمُهْ إذا ارتقى فيه الذي لا يَعْلَمُهْ يريد أن يُعربَه فيُعْجِمُه(٤) و((في السماء)) نظيرُ ما في الجارِّ قبله من الاحتمالات. ﴿فَتَأْتِيَهُمْ﴾ أي: منها ﴿ِتَابَّةٌ﴾ مما اقترحوه من الآيات. والفاءُ في صدر هذه الشرطية جوابيةٌ، وجواب الشرط فيها محذوف، ولك تقديره: أتيتَ، بصيغة الخبر، أو فافعل، فعل أمر، والجملة جواب للشرط الأوَّل، والمعنى: إن شقَّ عليك إِعراضهم عن الإِيمان وأحببتَ أن تجيبَهم عما سألوه اقتراحاً ليؤمنوا، فإن استطعت كذا فتأتيهم بآية فافعل، وفيه إشارةٌ إلى مزيد حرصه بَّر على إيمان قومِه وتحصيلِ مطلوبهم واقتراحهم مع الإِيماء إلى توبيخ القوم. أو المعنى: إن شقَّ عليك إِعراضهم فلو قدرتَ أن تأتيَ بالمحال، أتيتَ به. والمقصود بيانُ أنه وَّهِ بلغ في الحرص على إيمانهم إلى هذه الغاية. وفيه إِشعار بُعد إسلامهم عن دائرة الوجود كما لا يخفى على المتدبِّر. (١) في معاني القرآن ٢/ ٢٤٤. (٢) في المذكر والمؤنث ص٢٧ . (٣) ذكره ابن الأنباري في المذكر والمؤنث ٣٨٦/١، وعزاه لأوس بن مَغْراء. (٤) قائلها الحطيئة، كما في العمدة لابن رشيق ١١٦/١، ومجمع الأمثال ٢٢٣/٢. سُورَةُ الأَنْدَعَل ١٣٨ الآية : ٣٥ وإيثار الابتغاء على الاتخاذ ونحوه؛ للإيذان بأنَّ ما ذكر من النَّفق والسُّلَّم مما لا يستطيع ابتغاءه، فكيف باتخاذه. وجوِّز أن يكونَ ابتغاءُ ذينِكَ الأمرين - أعني نفسَ النفوذ في الأرض والصعودِ إلى السماء - آيةً، فالفاء في ((فتأتيهم)) حينئذ تفسيرية، وتنوينُ («آية)) للتفخیم، والمعنى عليه: فإن استطعت ابتغاءهما فتجعل ذلك آيةً لهم فعلت. وردّه أبو حيان(١) بأنَّ هذا لا يظهر من ظاهر اللفظ، إذ لو كان كذلك لكان التركيبُ: فتأتيهم بذلك آيةً أيَّ آية (٢)، وأيضاً فأيُّ آيةٍ في دخول سَرَب في الأرض، وإن صحَّ أن يكونَ الرقيُّ إلى السماء آية؟ وما ذكرناه من أنَّ إيتاء الآية منهما هو الظاهرُ المتبادر إلى الأذهان، ورواه ابن جَرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقيُّ في ((الأسماء والصفات)) عن ابن طي (٣) عباس وقيل: إنَّ المراد: فتأتيهم بآية من السماء، وابتغاءُ النفق للهرب، وأيِّد بما أخرجه الطّستيُّ عن نافع بن الأزرق، أنه قال لابن عباس ﴿ًّا: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿فَإِنِ أَسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقًّا فِ اْأَرْضِ﴾ فقال ◌َله: سَرَباً في الأرض فتذهب هرباً(٤). وفيه بُعدٌ، وخبر ابنِ الأزرق قد قيل فيه ما قيل. ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ﴾ أي: لو شاء الله تعالى جَمْعَهم على ما أنتم عليه من الهدى، لَجمعهم عليه، بأن يوفِّقَهم للإِيمان فيؤمنوا معكم، ولكن لم يشأ ذلك سبحانه؛ لسوء اختيارهم حسبما عَلِمه اللهُ تعالى منهم في أزل الآزال. وقالت المعتزلة: المراد: لو شاء سبحانه جَمْعَهم على الهدى لفعل، بأن يأتيَهم بآية ملجِئة إليه، لكنه جلَّ شأنه لم يفعل ذلك لخروجه عن الحكمة. والحقُّ ما عليه أهلُ السنة. (١) في البحر ٤/ ١١٤ . (٢) قوله: أي آية، ليس في البحر. (٣) تفسير الطبري ٢٢٦/٩، وتفسير ابن أبي حاتم ١٢٨٤/٤، والأسماء والصفات (٣٧٧)، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣/ ١٠ . (٤) الدر المنثور ١٠/٣. التفسير الإشاري (١٣-٣٥) ١٣٩ سُورَةُ الأَنْعَل ﴿فَلَ تَكُونَنَّ مِنَ اُلْجَاهِلِينَ ﴾ أي: إذا عرفت أنه سبحانه لم يشأ هدايتهم وإِيمانهم، فلا تكن بالحرص الشديد على إِسلامهم أو الميل إلى نزول مقترحاتهم من قوم يُنسَبون إلى الجهل بدقائق شؤونه تعالى. وجوِّز أن يراد بالجاهلين - على ما نُقل عن المعتزلة - المقترحون، ويراد بالنهي مِنْعُهُ وَّهِ من المساعدة على اقتراحهم، وإِيرادُهم بعنوان الجهل دون الكفر لتحقُّق مناطِ النهي . وقال الجبَّائي: المراد: لا تجزَع في موطن الصبر، فيقارب حالُك حالَ الجاهلين بأن تسلك سبيلَهم. والأوَّل أولى. وفي خطابه سبحانه لنبيِّه وَ لّ بهذا الخطاب دون خطابه بما خوطب به نوحٌ عليه السلام من قوله سبحانه له: ﴿إِنَّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] إشارةٌ إلى مزيد شفقته وّيقر، واشتباب حرصه عليه الصلاة والسلام، فافهم هذا. ومن باب الإِشارة في الآيات: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى الَّْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يحتمل أن يكون الليلُ والنهار إشارةً إلى قلب الكافر وقلبِ المؤمن، وما سكن فيهما الكفرُ والإيمان، ومعنى كونِ ذلك له سبحانه أنه من آثار جلاله وجمالِه. ويحتمل أن يكون إشارةً إلى قلب العارف في حالتي القبضٍ والبسط، فكأنه قيل: وله ما سكن في قلوب العارفين المنقبضةِ والمنبسطة من آثار التجلِّيات، فلا تلتفت في الحالتين إلى سواه عزَّ شأنه. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فيسمع خواطرَها السيئةَ والحسنة، ويعلم شرَّها وخيرها، أو فيسمع أنينَها في شوقه، ويعلم أُنسَها به، أو نحو ذلك. ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَنَِّذُ وَلًِا﴾ أي: ناصراً ومعيناً ﴿فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مبدعهما، فهي ملكُه سبحانه، ونسبةُ المملوك إلى المالك نسبةُ اللاشيء إلى الشيء ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَؤُ﴾ فهو الغنيُّ المطلق، وغيره جلَّ شأنه محتاج بحت، وطلبُ سُورَةُ الأَنْعَل ١٤٠ التفسير الإشاري (١٣-٣٥) المحتاج من المحتاج سَفَه في رأيه، وضِلَّة من عقله. ﴿قُلْ إِنَّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلٌَّ﴾ نفسَه لربّه عزَّ شأنِه. والمراد بالأمر بذلك الأمرُ الكوني، أي: قل: إني قيل لي: كن أولَ مَن أسلم، فكنت، وذلك قبل ظهور هذه التعيُّنات، وإليه الإشارةُ بما شاع من قوله وَ ◌ّ: ((كنت نبيًّا وآدمُ بين الماءِ والطين)»(١) فأوَّل روحٍ ركضت في ميدان الخضوع والانقيادِ والمحبّة روحُ نبيِّنَا وَّةَ، وقد أسلم نفسَه لَمولاه بلا واسطة، وكلُّ إخوانه الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام إنَّما أسلموا نفوسَهم بواسطته عليه الصلاة والسلام، فهو بَِّ المرسَل إلى الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام في عالَم الأرواح، وكلُّهم أمَّته، وهم نوَّابه في عالم الشَّهادة. ولا ينافي ذلك أمرُه عليه الصلاة والسلام باتِّباع بعضهم في النشأة الجسمانية؛ لأنَّ ذلك لمحض استجلابِ المعتقدين بأولئك البعض على أحسن وجه. ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: وقيل لي: لا تكوننَّ ممن أَشركَ مع الله تعالى أحداً بشيءٍ من الأشياء. ﴿وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ بإِفنائهم والتصرُّف بهم كيف شاء ﴿وَهُوَ لَلَكِيمُ﴾ أي: الذي يفعل ما يفعل في عباده بالحكمة ﴿الْخَبِيرُ﴾ الذي يطَّلع على خفايا الأحوال ومراتبٍ الاستحقاق. ﴿قُلْ أَعُّ شَىْءٍ أَكَبِرُ شَهِدَةٌ قُلِ اللّهُ شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ بإظهار المعجزات، وأعظمُ من ذلك عند العارفين ظهورُ أنوار اللهِ تعالى في مرآة وجهه الشريفِ وَله. ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْتَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَهُمُ﴾ وذلك بالصِّفات التي وجدوها في كتابهم، لا بالنور المتلألئِ على صفحات ذلك الوجهِ الكريم. (١) قال السخاوي في المقاصد الحسنة ص٥٢١: لم نقف عليه بهذا اللفظ. اهـ. وأخرج الترمذي (٣٦٠٩) عن أبي هريرة به قال: قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة؟ قال: ((وآدم بين الروح والجسد)) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأخرج أحمد (٢٠٥٩٦) عن ميسرة الفجر قال: قلت: يا رسول الله، متى كتبت نبيًّا؟ قال: ((وآدم بين الروح والجسد)) قال الهيثمي في المجمع ٢٢٣/٨: رجاله رجال الصحيح.