النص المفهرس
صفحات 61-80
الآية : ١١ ٦١ سُؤَدَّةُ الأَنْقَ والتعبير بالمكذِّبين دون المستهزئين، قيل: للإشارة إلى أنَّ مآلَ من كذَّب إذا كان كذلك، فكيف الحال في مآل مَن جمع بينه وبين الاستهزاء. وأُورد عليه أنَّ تعريف المكذِّبين للعهد، وهم الذين سخروا، فيكونون جامعين بين الأمرَين، مع أنَّ الاستهزاء بما جاؤوا به يستلزم تكذيبَه. ولا يخفى أنَّ مقصود القائل أنَّ أولئك وإن جمعوا الأمرين، لكن في الإشارة إليهم بهذا العنوان هنا ما لا يخفَى من الإِشارة إلى فظاعة ما نالهم. وقيل: إن وضع المكذِّبين موضعَ المستهزئين لتحقيق أنَّ مدار ما أصابهم هو التكذيب؛ لينْزجرَ السامعون عنه، لا عن الاستهزاء فقط مع بقاءِ التكذيب بحاله بناءً على توهُّم أنه المدارُ في ذلك. وعطفُ الأمر بالنظر على الأمر بالسير بـ ((ثم)) قيل: للإيذان بتفاوتٍ ما بينهما وإن كان كلٌّ من الأمرين واجباً؛ لأنَّ الأول إنما يُطلب للثاني، كما في قولك: توضّأ ثم صلِّ. وقيل: للإِيذان بالتفاوت؛ لأن الأوَّل لإِباحة السير في الأرض للتجارة وغيرِها من المنافع، والثاني: الإيجاب النظر في آثار الهالكين، ولا ريب في تباعد مابين الواجب والمباح. وأورد عليه - كما قال الشِّهاب(١) - أنه يأباه سلامةُ الذوق؛ لأنَّ فيه إِقِحامَ أمرٍ أجنبي - وهو بيان إباحة السير للتجارة - بين الإِخبار عن حال المستهزئين وما يناسبه وما يتَّصل به من الأمر بالاعتبار بآثارهم، وهو مما يخلُّ بالبلاغة إخلالاً ظاهراً. وتُعقّب بأن هذا وإن تراءى في بادئ النظر، لكنه غيرُ واردٍ، إذ ◌ْك هير أجنبيٍّ؛ لأن المراد خِذلانُهم وتخليتهم وشأنَهم من الإِعراض عن الحقِّ بالتشاغل بأمر دنياهم، كقوله تعالى: ﴿وَلِتَمَثَّعُواْ﴾ [العنكبوت: ٦٦] وهذا حاصلُ ما قيل: إن الكلام مجازٌ عن الخذلان والتخلية، وإنَّ ذلك الأمرَ متسخَّط إلى الغاية، كما تقول لمن عزم على أمر مؤدِّ إلى ضرر عظيم فبالغتَ في نصحه ولم ينجع فيه: أنت وشأنَك، و: افعل ما شئت، فإنك لا تريد بذلك حقيقةً الأمر، كيف والآمر بالشيء مریدٌ له، (١) في حاشيته ٢٧/٤. سُؤَا الأَنْسَعَل ٦٢ الآية : ١٢ وأنت شديد الكراهة متحسِّر؟ ولكنك كأنك قلت له: إذ قد أبيت النصح فأنت أهلٌ لأن يقال لك: افعل ما شئت. ولا يخفى أنَّ انفهام ذلك من الآية في غاية البعد. وفرَّق الزمخشريُّ(١) بين هذه الآية وقولهِ في سورة النمل: ﴿قُلّ سِيرُواْ فِ اَلْأَرْضِ فَنْظُرُوا﴾ [الآية: ٦٩] بحمل الأمر بالسير هنا على الإِباحة المذكورة آنفاً، وحملِ الأمر به هناك على السير لأجل النظر؛ ولهذا كان العطفُ بالفاء في تلك الآية. ونظر فيه بعضهم بغير ما أشرنا إليه أيضاً، وذكر أنَّ التحقيق أنه سبحانه قال هنا: ((ثم انظروا) وفي غيرِ ما موضع: ((فانظروا))؛ لأنَّ المقام هنا يقتضي ((ثم)» دونَه في هاتيك المواضع، وذلك لتقدُّم قولهِ تعالى فيما نحن فيه: ((ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض)) مع قوله سبحانه وتعالى: ((وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين)) والأول يدلُّ على أن الهالكين طوائفُ كثيرة، والثاني يدلُّ على أن المُنشأ بعدهم أيضاً كثيرون، فيكون أمرهم بالسير دعاءً لهم إلى العلم بذلك، فيكون المراد به استقراءَ البلاد، ومنازلٍ أهل الفساد، على كثرتها، ليروا الآثار، في ديارٍ بعد ديار. وهذا مما يحتاج إلى زمان ومدَّة طويلة تمنع من التعقيب الذي تقتضيه الفاءُ، ولا كذلك في المواضع الأخر. اهـ. ولا يخلو عن دغدغة. واختار غيرُ واحد أن السير متَّحد هناك وهنا، ولكنه أمر ممتدٌّ، يعطف النظر عليه بالفاء تارةً نظراً إلى آخره، وبـ ((ثم)) أخرى نظراً إلى أوله، وكذا شأنُ كلِّ ممتدٍ . ﴿قُل﴾ على سبيل التقريع لهم والتوبيخ ﴿لَّمَنْ نَا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ من العقلاء وغيرهم، أي: لمن الكائناتُ جميعاً، خلقاً وملكاً وتصرُّفاً . وقوله سبحانه وتعالى: ﴿قُل ◌ِلَّهُ﴾ تقرير للجواب نيابةً عنهم، أو إلجاءٌ لهم إلى الإقرار بأن الكلَّ له سبحانه وتعالى. وفيه إشارة إلى أنَّ الجواب قد بلغ من الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكِر، ولا على دفعه دافع، فإنَّ أمر السائل بالجواب إنما يَحسُن - كما قال الإِمام(٢) - في موضع يكون فيه الجواب كذلك. قيل: وفيه إشارةٌ إلى أنهم تثاقلوا في الجواب مع تعيُّنه لكونهم محجوجين. (١) في الكشاف ٢/ ٧. (٢) في التفسير الكبير ١٢/ ١٦٤ . الآية : ١٢ ٦٣ سُورَةُ الأَنْعَم وذكر عصام المِلَّة أن قوله سبحانه وتعالى: ((قل لمن ... )) إلخ معناه الأمر بطلب هذا المطلب والتوجُّهِ إلى تحصيله، وقوله عزَّ وجلَّ: ((قل الله)) معناه: أنك إذا طلبت وأدَّى نظرك إلى الحقِّ، فاعترف به ولا تنكره. وهذا إرشادٌ إلى طريق التوحيد في الأفعال بعد الإرشاد إلى التوحيد في الألوهية، وهو الاحتراز عن حال المكذِّبين. وفي هذا إشارةٌ إلى وجه الربط، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً ما يُعلم منه الوجهُ الوجيه لذلك. والجارُّ والمجرور خبرُ مبتدأ محذوف، أي: لله تعالى ذلك، أو ذلك لله تعالى شأنه . ﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ﴾ جملة مستقلَّة داخلة تحت الأمر، صادحةٌ بشمول رحمته عزَّ وجلَّ لجميع الخلقِ إثرَ بيان شمولٍ ملكه وقدرتهِ سبحانه وتعالى للكلِّ المصحِّح لإِنزال العقوبة بالمكذِّبين، مسوقةٌ لبيان أنه تعالى رؤوف بالعباد، لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم التوبة، وما سبق وما لَحِق من أحكام الغضب ليس إلَّا من سوء اختيار العباد؛ لسوء استعدادهم الأزليِّ، لا من مقتضيات ذاته جلَّ وعلا ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣]. ومعنى كُتْبِ الرحمة على نفسه جلَّ شأنه إِيجابُها - بطريق التفضُّل والإِحسان - على ذاته المقدَّسة بالذات، لا بتوسُّط شيء. وقيل: هو ما أخرجه الشيخان(١) وغيرُهما عن أبي هريرة رَُّه قال: قال رسول الله وَ﴾: (لَمَّا قضى الله تعالى الخلقَ، كتب كتاباً فوضعه عنده فوق العرش: إنَّ رحمتي سبقت غضبي))، وفي رواية الترمذي عنه مرفوعاً: ((لما خلق الله تعالى الخلق كتب كتاباً عنده بيده على نفسه أن رحمتي تغلبُ غضبي)»(٢)، وفي رواية ابن مردويه عنه: ((إنَّ الله تعالى كتب كتاباً بيده لنفسه قبل أن يخلق السماواتِ والأرض، فوضعه تحت عرشه، فيه: رحمتي سبقت غضبي))(٣) إلى غير ذلك من الأخبار. (١) صحيح البخاري (٣١٩٤) و(٧٤٢٢)، وصحيح مسلم (٢٧٥١). (٢) سنن الترمذي (٣٥٤٣) بلفظ قريب. (٣) الدر المنثور ٦/٣، وأخرجه أيضاً أحمد (٩١٥٩). ٦٤ الآية : ١٢ ومعنى سبق الرحمة وغَلَبتها فيها أنها أقدم تعلُّقاً بالخلق وأكثرُ وصولاً إليهم، مع أنها من مقتضيات الذات المفيضةِ للخير. وفي ((شرح مسلم))(١) للإمام النوويِّ: قال العلماء: غضبُ الله تعالى ورضاه يرجعان إلى معنى الإِرادة، فإرادته الثوابَ للمطيع والمنفعةً للعبد تسمَّى رضًا ورحمة، وإرادتُه عقابَ العاصي وخذلانَه تسمَّى غضباً، وإرادته سبحانه وتعالى صفةٌ له قديمةٌ يريد بها [جميعَ الممكنات]. قالوا: والمراد بالسبق والغَلَبة هنا كثرةٌ الرحمة وشمولُها، كما يقال: غلب على فلان الكرمُ والشَّجاعة، إذا كثرا منه. انتھی. وهو یرجع إلى ما قلنا. وحاصل الكلام في ذلك أنَّ السبق والغلبة في التعلَّقات في نفس الصفة الذاتية، إذ لا يتصوَّر تقدمُ صفة على صفة فيه تعالى؛ لاستلزامه حدوثَ المسبوق، وكذا لا يتصوَّر الكثرة والقلَّة بين صفتين؛ لاستلزام ذلك الحدوث. وقد يراد بالرحمة ما يُرحم به، وهي بهذا المعنى تتَّصف بالتعدُّد والهبوط، ونحوِ ذلك أيضاً. وعليه يخرَّج ما أخرجه مسلم(٢) وابنُ مردويه عن سلمانَ الفارسيِّي ◌َُّه قال: قال رسول الله وَّ﴾: ((إنَّ الله تعالى خلق يومَ خَلَقَ السماواتِ والأرض مئةً رحمة، كلُّ رحمة طِباقَ ما بين السماوات والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، بها تعطف الوالدةُ على ولدها، والوحشُ والطير بعضُها على بعض، فإذا كان يومُ القيامة أكملها بهذه الرحمة)). وأخرج عبد بن حميد وغيره عن عبد الله بن عمرو قال: إنَّ اللهِ تعالى مئةً رحمة، أَهبط منها رحمةً واحدة إلى أهل الدنيا، يتراحم بها الجِنُّ والإنس، وطائرٌ السماء، وحيتان الماء، ودوابُّ الأرض وهوامُّها، وما بين الهواء، واختزن عنده تسعاً وتسعين رحمةً، حتى إذا كان يومُ القيامة، اختلج الرحمةَ التي كان أَهبطها إلى أهل الدنيا فَحَواها إلى ما عنده، فجعلها في قلوب أهل الجنَّة وعلى أهل الجنة(٣). (١) ٦٨/١٧. وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٢) برقم (٢٧٥٣). (٣) في الدر المنثور ٦/٣، وأخرجه أيضاً الطبري ٩/ ١٧٠ واختلج: انتزع. اللسان (خلج). الآية : ١٢ ٦٥ سُورَةُ الأَنْتََّم والمراد بالرحمة في الآية ما يعمُّ الدارين مع عموم متعلَّقها، فما روي عن الكلبيِّ من أنَّ المعنى: أَوجب لنفسه الرحمةَ لأمَّة محمد ◌َّهِ بأَلَّا يعذبَهم عند التكذيب كما عذَّب من قبلهم من الأُمم الخالية والقرون الماضية عند ذلك، بل يؤخّرهم إلى يوم القيامة = لم يدعُ إليه إلَّا إظهارُ ما يناسب المقام من أَفراد ذلك العامّ. وفي التعبير عن الذات بالنفس ردّ على من زعم أنَّ لفظ النفس لا يطلق على الله تعالى وإِنْ أُريد به الذات إلَّا مشاكلة. واعتبارُ المشاكلة التقديرية غيرُ ظاهر كما هو ظاهر. وقوله سبحانه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ جوابُ قَسَم محذوف، وقع - على ما قال أبو البقاء(١) - ((كتب)) موقعه. والجملة استئناف نحويٌّ مسوق للوعيد على إشراكهم وإغفالهم النظرَ. وقيل: بيانيّ، كأنه قيل: وما تلك الرحمة، فقيل: إنه تعالى لَيجمعنَّكم ... إلخ؛ وذلك لأنه لولا خوفُ القيامة والعذاب، لحصل الهرجُ والمرج، وارتفع الضبط وكثر الخبط. وأُورد عليه أنه إنما يظهر ما ذُكر لو كانوا معترفين بالبعث، وليس فليس. وقال بعض المحقّقين أيضاً: إنه تكلُّف، ولا يتوجّه فيه الجواب إلَّ باعتبار ما يلزم التخويفَ من الامتناع عن المناهي المستلزِم للرَّحمة. وقيل: صلاحية ما في الآية للجواب باعتبار أنَّ المراد: لَيجمعنّكم إلى يوم القيامة ولا يعاجلكم بالعقوبة الآنَ على تكذيبكم، على ما أشار إليه الكلبيّ. وقيل: إن القَسَم وجوابه في محلِّ نصب على أنه بدلٌ من ((الرحمة)) بدلَ البعض، وقد ذكر النحاةُ أنَّ الجملة تُبدَل من المفرد. نعم لم يتعرَّضوا لأَنواع البدل في ذلك. والجارُّ والمجرور قيل: متعلّق بمحذوف، أي: لَيجمعنَّكم في القبور مبعوثين (١) في الإملاء ٥١٦/٢. سُورَةُ الأَنْعَم ٦٦ الآية : ١٢ إلى يوم ... إلخ، على أنَّ البعث بمعنى الإِرسال، وهو مما يتعدّى بـ ((إلى))، ولا يحتاج إلى ارتكاب التضمين. واعتُرض بأن البعث يكون إلى المكان لا إلى الزمان، إلّا أن يرادَ بيوم القيامة واقعتُها في موقعها . وقيل: هو متعلِّق بالفعل المذكور، والمراد جمعٌ فيه معنى السَّوق والاضطرار، كأنه قيل: لَيبعثنَّكم ويسوقنَّكم ويَضطرنَّكم إلى يوم القيامة، أي: إلى حسابه . وقيل: إنه متعلِّق بالفعل، و((إلى)) بمعنى ((في)) كما في قوله : [فـ ]لا تتركنِّي بالوعيد كأنني إلى الناس مَطليٍّ به القارُ أَجربُ(١) ومنع بعضهم مجيءَ ((إلى)) بمعنى ((في)) في كلامهم، ولو صحَّ ذلك لجاز: زيد إلى الكوفة، بمعنى: في الكوفة، وتأوَّل البيت بتضمين: مضافاً أو مبغَضاً أو مكرَهاً . وأجيب: بأنَّ ذلك إنما يَرِد إذا قيل: إنَّ استعمال ((إلى)) بمعنى ((في)) قياس مطَّرد، ولعل القائل بالاستعمال لا يقول بما ذُكر، وارتكابُ التضمين خلافُ الأصل، وارتكاب القول بأنَّ ((إلى)) بمعنى ((في)) وإنْ لم يكن مطَّرداً أهونُ منه. وقيل: إنها بمعنى اللام. وقيل: زائدة. والخطاب للكافرين كما هو الظاهر من السِّياق. وقيل: عامٌّ لهم وللمؤمنين، بعد أن كان خاصًّا بالكافرين، أي: لَيجمعنَّكم أيها الناسُ إلى يوم القيامة ﴿لَا رَيّبَ فِيذٍ﴾ أي: لا ينبغي لأحد أن يرتابَ فيه؛ لوضوح أدَّته وسطوعٍ براهينه التي تقدَّم بعضٌ منها . والجملة حال من اليوم، والضميرُ المجرور له. ويحتمل أن تكونَ صفةً لمصدر محذوف، والضمير له، أي: جمعاً لا ريب فيه. وجوِّز أن تكون تأكيداً لما قبلها، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبُ فِهْ﴾ [البقرة: ٢]. (١) البيت للنابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص١٨، وما بين حاصرتين منه. الآية : ١٢ ٦٧ سُؤَّةُ الأَنْعَم ﴿الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ بتضييع رأس مالهم، وهو الفطرةُ الأصلية والعقلُ السليم، والاستعداد القريب الحاصلُ من مشاهدة الرسولِ وَّرِ واستماعِ الوحي، وغيرِ ذلك من آثار الرَّحمة. وموضع الموصول قيل: نصب على النَّمِّ، أو رفع على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: أنتم الذين، وهو نعتٌ مقطوعٌ، ولا يلزم أن يكون كلُّ نعت مقطوع يصح إتباعه نعتاً، بل يكفي فيه معنى الوصف، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُّلٍّ هُمَزَّةٍ ثُمَّزَةٍ اُلَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَذَّدَهُ﴾ [الهمزة: ١-٢] كيف قطع فيه ((الذي)) مع عدم صحَّة إِتباعه نعتاً للنكرة، فلا يَرِد أن القطع إنما يكون في النعت والضميرُ لا ينعت. وقيل: هو بدل من الضمير بدلَ بعضٍ من كلِّ بتقدير ضمير، أو هو خبرُ مبتدأ على القطع على البدلية أيضاً، ولا اختصاصَ للقطع بالنعت. ولعلهم إنما لم يجعلوه منصوباً بفعل مقدَّر، أو خبراً لمبتدأ محذوف من غير حاجة لما ذُكر؛ لدعواهم أن مجرَّد التقدير لا يفيد الذَّ أو المدح إلَّا مع القطع. واختار الأَخفش(١) البدليةَ، وتعقّب ذلك أبو البقاء (٢) بأنه بعيد؛ لأن ضمير المتكلِّم والمخاطَب لا يُبدَل منهما، لوضوحهما غايةَ الوضوح، وغيرُهما دونَهما في ذلك. وقيل: هو مبتدأٌ، خبرُه: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ والفاء للدلالة على أنَّ عدم إيمانهم وإصرارَهم على الكفر مسبَّب عن خسرانهم؛ فإنَّ إبطال العقل باتِّباع الحواسِّ والوهمِ والانهماكِ في التقليد أدَّى بهم إلى الإِصرار على الكفر والامتناعِ عن الإيمان. وفي ((الكشاف))(٣): فإنْ قلت: كيف يكون عدمُ إيمانهم مسبّباً عن خسرانهم، والأمرُ على العكس؟ قلت: معناه: الذين خسروا أنفسَهم في علم الله تعالى لاختیارهم الکفرَ فهم لا يؤمنون. (١) في معاني القرآن ٢/ ٤٨٢. (٢) في الإملاء ٥١٦/٢. (٣) ٨/٢. سُورَةُ الأَنْسَهُ ٦٨ التفسير الإشاري (١- ١٢) وحاصل الكلام على هذا: الذين حَكّمَ اللهُ تعالى بخسرانهم لاختيارهم الكفرَ فهم لا يؤمنون. والحكم بالخسران سابقٌ على عدم الإيمان؛ لأنه مقارِنٌ للعلم باختيار الكفرِ لا لحصوله بالفعل، فيصُّ ترتُّب عدم الإيمان عليه من هذا الوجه. وأنت تعلم أنَّ هذا السؤالَ يندفع بحمل الخسران على ما ذكرناه، ولعله أَولى مما في ((الكشاف)) لما فيه من الدَّغدغة. والجملة - كما قال غير واحد - تذييل مسوقٌ من جهته تعالى لتقبيح حالهم، غيرُ داخلة تحت الأمر. وقيل: الظاهر على تقدير الابتداء عطفُ الجملة على ((لا ريب فيه)) فيحتاج الفصل إلى تكلُّف تقديرٍ سؤال، كأنه قيل: فلِمَ يرتاب الكافرون به؟ فأُجيب: بأن خسرانهم أنفسَهم صار سبباً لعدم الإيمان. وجوِّز على ذلك التقدير كونُ الجملة حالية. وهو كما ترى. هذا ومن باب الإِشارة في الآيات: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: سماواتٍ عالَم الأرواح، وأرضَ عالم الجسم. ويقال: الروح سماء القلب؛ لأنَّ منها ينزل غيثُ الإِلهام، والقلبُ أرضها؛ لأن فيه ينبت زهرُ الحكمة ونور المعرفة . ﴿وَجَعَلَ الظُّلْمَتِ﴾ أي: وأَنشأ في عالم الجسم ظلماتِ المراتب التي هي حُجُبٌ ظلمانية للذَّات المقدَّس، وأنشأ في عالم الأرواح نورَ العلم والإِدراك. ويقال: الظلمات الهواجسُ والخواطر الباطلة، والنور الإِلهام. وقال بعضهم: الظلمات أعمالُ البدن، والنور أحوال القلب. ﴿ثُمَّ﴾ بعد ظهور ذلك ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ غيرَه ويُثبتون معه سبحانه وتعالى مَن يساويه في الوجود، وهو الله الذي لا نظير له في سائر صفاته. ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍ﴾ وهو طين المادّة الهيولانية ﴿ثُمَّ تَضَى أَجَلَاً﴾ أي: حدًّا معيَّناً من الزمان، إذا بلغه السالك إلى ربِّه سبحانه وتعالى فني فيه عزَّ شأنه ﴿وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندٌَ﴾ وهو البقاءُ بعد الفناء. سُورَةُ الأَنْعَم ٦٩ التفسير الإشاري (١- ١٢) وقيل: الأجل الأوَّل هو الذي يقتضيه الاستعدادُ طبعاً بحسب الهويّة - وهو المسمَّى أجلاً طبيعيًّا - للشخص بالنظر إلى مزاجه الخاصِّ وتركيبه المخصوص، بلا اعتبار عارضٍ من العوارض الزمانية. ونُكِّر؛ لأنه من أحكام القضاءِ السابق الذي هو أمُّ الكتاب، وهي كُلِّيَّة منزَّهة عن التشخُّصات، إذ محلُّها الروح الأول المقدَّس. والأجل الثاني هو الأجل المقدّر الزمانيُّ الذي يقع عند اجتماع الشرائط وارتفاعٍ الموانع، وهو مثبت في كتاب النفس الفَلَكية التي هي لَوح القَدَر. ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ بعد ما علمتم ذلك ﴿تَمْتَرُونَ﴾ وتشكُّون في تصرُّفه فيكم كما يشاء. ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ أي: سواءٌ ألوهيته بالنسبة إلى العالم العلويِّ والسفلي ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ في عالم الأرواح، وهو عالمُ الغيب ﴿وَجَهْرَّكُمْ﴾ في عالم الأجسام، وهو عالم الشَّهادة ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ فيهما من العلوم والحركات والسَّكنات وغيرِها، فيجازيكم بحسَبها . وقيل: المعنى: يعلم جَوَلانَ أرواحكم في السماء لطلب معادن الأفراح، وتقلُّبَ أشباحكم في الأرض لطلب الوسيلة إلى مشاهدته، ويعلم ما تحصِّلونه بذلك. ﴿وَمَا تَأْنِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبِهِمْ﴾ الأَنفُسية والآفاقية ﴿إِلَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ لسوء اختيارهم وعَمَى أَعينهم عن مشاهدة أنوار اللهِ تعالى الساطعةِ على صفحات الوجود. ﴿وَقَالُوا﴾ لضَعف يقينهم: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَكٌ﴾ فنراه؛ لتزولَ شبهتنا ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِىَ الْأَمْرُ﴾ أي: أمرُ هلاكهم؛ لعدم قدرتهم على تحمُّل مشاهدته ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا أَجَعَلْتَهُ رَجُلًا﴾ ليمكنّهم مشاهدتُه. ﴿قُل لِمَن ◌َّا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ما في العالمين ﴿قُل لِلَّهُ﴾ إيجاداً وإفناءً ﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. قال سيِّدي الشيخ الأكبر قدَّس الله تعالى سرَّه: إن رحمة الله تعالى عامَّةٌ، وهي نعمة الامتنان التي تُنال من غير استحقاق، وهي المرادة في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وإليها الإشارةُ بالرحمن في البسملة. وخاصَّةٌ، وهي الواجبة المرادة بقوله تعالى: سُورَةُ الأَنْعَظِ ٧٠ التفسير الإشاري (١- ١٢) ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وإليها الإِشارةُ بالرحيم فيها. ويشير كلامه قدَّس الله تعالى سرَّه في ((الفتوحات))(١) إلى أنَّ ما في الآية هو الرحمةُ الخاصة، ومقتضى السِّياق أنها الرحمة العامة. وذكر قدَّس الله تعالى سرَّه في أثناء الكلام على الرحمة وقولِ الله عزَّ شأنه يومَ القيامة: ((شفعت الملائكة، وشفعت النبيُّون والمؤمنون، وبقي أَرحمُ الراحمين))(٢): إن رحمة الله تعالى سبقت غضبه كما في الخبر (٣). فهي أمامَ الغضب، فلا يزال غضبُ الله تعالى يجري في شأواه بالانتقام من العباد حتى ينتهيَ إلى آخر مداه، فيجد الرحمةَ قد سبقته، فتتناول منه العبدَ المغضوب عليه، فتُبسَط عليه ويرجع الحكمُ لها فيه، والمدى الذي يقطعه(٤) الغضبُ ما بين ((الرحمن الرحيم)) الذي في البسملة، وبين ((الرحمن الرحيم)) الذي بعد ((الحمد لله رب العالمين))، فـ((الحمد لله رب العالمين)) هو المدى، وأولُه وآخِره ما قد علمت. وإنما كان ذلك عينَ المدى؛ لأن فيه يظهر السرَّاء والضرَّاء؛ ولهذا كان فيه الحمدُ وهو الثناء، ولم يقيد بسرَّاء ولا ضرَّاء، فيعمُّهما(٥). ويقول الشرع في حمد السرَّاء: الحمد لله المنعم المتفضِّل، ويقول في حمد الضرَّاء: الحمد لله على كلِّ حال. فالحمد لله قد جاء في السرَّاء والضرَّاء؛ فلهذا كان عينَ المدى، وما من أحد في الدار الآخرة إلَّا وهو يَحمد اللهَ تعالى، ويرجو رحمته ويخاف عذابه واستمراره عليه، فجعل الله تعالى عَقِيب ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾: ﴿الزَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فالعالَم بينهما(٦) بما هو عليه من محمود ومذموم. وهذا شبيهٌ بما جاء في سورة ((ألم نشرح))(٧)، وهو تنبيه عجيبٌ منه سبحانه وتعالى لعباده ليتقوَّى عندهم الرجاءُ والطمع في رحمة الله تعالى. (١) في الباب الثاني والتسعين وثلاثمئة ٣/ ٥٥٠ دار صادر. وما قبله منه. (٢) قطعة من حديث أبي سعيد الخدري الطويل، أخرجه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣). وهو عند أحمد (١١٨٩٨). (٣) تقدم تخريجه ص٦٣ من هذا الجزء. (٤) في الفتوحات: يعطيه. (٥) في الفتوحات: لأنه يعم السراء والضراء. (٦) في الفتوحات: فالعالم بين هذه الرحمة ورحمة البسملة. (٧) في الفتوحات: قوله تعالى: ((فإن مع العسر يسراً)) ثم ((إن مع العسر يسرا). التفسير الإشاري (١ - ١٢) ٧١ سُؤَدَةُ الْأَتْعَم وأنت إذا التفتَّ أدنى التفاتٍ تعلم أنه ما من أثر من آثار البطش إلَّا وهو مطرّز برحمة الله تعالى، بل ما من سعدٍ ونحس إلَّا وقد خرج من مطالع أَفلاك الرَّحمة التي فاضت شآبيبُها على القوابل حسب القابليات. ومما يُظهر سبقَ الرحمة أن كلَّ شيءٍ موجودٍ مسبوقٌ بتعلُّق الإرادة بإيجاده وإخراجه من حيِّز العدم الذي هو معدن كلِّ نقص، ولا ريب في أنَّ ذلك رحمةٌ، کما أنه لا ريب في سبقه. نعم تنقسم الرحمةُ من بعض الحيثيات إلى قسمين: رحمة مَحْضة لا يشوبها شيءٌ من النِّقمة، كنعيم الجنة، وهي الطالعةُ من بروج اسمه سبحانه ((الرحيم))، ولكونه وَّ* يحبُّ دخول أمَّته الجنةَ ويكره لهم النارَ، سمَّاه الحقُّ عزَّ اسمه: ((الرحيم)) في قوله سبحانه وتعالى: ﴿عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيْصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ورحمة قد يشوبها نقمةٌ، كتأديب الولد بالضرب رحمةً به، وكشرب الدواء المرِّ البشع، وهي المُشرقة من مطالع آفاق اسمه عزَّ اسمُه ((الرحمن)). ولعل هذه الرحمةَ العامَّة هي المرادةُ في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. ثم اعْلَمْ أنَّ سَبْقَ الرحمةِ الغضبَ يقتضي ظاهراً سَبْقَ تجلِّات الجمال على تجلّيات الجلال، لأنَّ الرحمة من الجمال، والغضب من الجلال. وذكر مولانا الشيخ عبدُ الكريم الجيليُّ قدّس سرُّه أنَّ الجلال أسبقُ من الجمال؛ فقد ورد في الحديث: ((العظمة إزاري والكِبرياءُ ردائي))(١) ولا أقربَ من ثوب الرِّداء والإِزار إلى الشخص، ثم قال: ولا يناقض هذا قولَه جلَّ شأنه: (سبقت رحمتي غضبي)) فإنَّ الرحمة السابقة إنما هي بشرط العموم، والعمومُ من الجلال. وادَّعى أنَّ الصفة الواحدة الجمالية إذا استوفت كمالَها في الظهور أو قاربت، سمِّيت جلالاً؛ لقوَّة ظهور سلطان الجمال، فمفهومُ الرحمة من الجمال، وعمومُها وانتهاؤها جلال. (١) أخرجه أحمد (٨٨٩٤) من حديث أبي هريرة حظ ه، وقد تقدم ٤٠٤/١. سُورَةُ الأَنْسَل ٧٢ الآية : ١٣ وأنت تعلم أنه إذا فسِّر السبقُ بالمعنى الذي نقله النوويُّ عن العلماء سابقاً، وهو الكثرةُ والشمول، فهو مما لا ريبَ في تحقُّقه في الرحمة، إذ في كلِّ غضبٍ رحمةٌ، وليس في كلِّ رحمةٍ غضب، كما لا يخفى على مَن حقَّق النظر. وبالجملة في رحمته سبحانه مطمعٌ أيُّ مطمع، حتى إن إبليس يرجوها يوم القيامة، على ما يدلُّ عليه بعض الآثار. وأحظى الناس بها إن شاء الله تعالى هذه الأمةُ. نسأل الله تعالى لنا ولكم الحظّ الأوفرَ منها. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ الصُّغرى أو الكبرى ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في نفس الأمر، وإنْ لم يشعر به المحجوبون. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ﴾ بإهلاكها في الشهوات واللَّذات الفانية، فحُجبوا عن الحقائق الباقية النورانية، واستبدلوا بها المحسوساتِ الفانيةَ الظّلمانية ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لذلك. نسأل اللهَ سبحانه وتعالى العفو والعافية في الدِّين والدنيا والآخرة. ﴿وَلَهُ﴾ عطف على (الله)) فهو داخلٌ تحت ((قل)) على أنه احتجاج ثانٍ على المشرکین. وإليه ذهب غير واحد. وقال أبو حيّان(١): الظاهر أنه استئنافُ إخبار، وليس مندرجاً تحت الأمر، أي: والله سبحانه وتعالى خاصَّة ﴿مَا سَكَنَ فِ الَّيْلِ وَالنََّارِ﴾ أي: الوقتين المخصوصين. و ((ما)) موصولة. و(سكن)) إما من السُّكنى، فيتناول الكلامُ المتحركَ والساكنَ من غير تقدير. وتَعدِيتها بـ ((في)) إلى الزمان، مع أن حقَّ استعمالها في المكان؛ لتشبيه الاستقرارِ بالزمان بالاستقرار بالمكان. وجوِّز أن يكون هناك مشاكلةٌ تقديرية؛ لأنَّ معنى ((لله ما في السماوات والأرض»: ما سكن فيهما واستقرَّ، والمراد: وله ما اشتملا عليه . (١) في البحر ٨٣/٤. الآية : ١٣ ٧٣ سُورَةُ الأَنْعَام وإما من السكون ضد الحركة كما قيل، وفي الكلام الاكتفاءُ بأحد الضدَّين، كما في قوله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] والتقدير: ما سكن فيهما وتحرَّك. وإنَّما اكتفى بالسكون عن ضدِّه دون العكس؛ لأن السكونَ أكثر وجوداً، وعاقبةُ كلِّ متحرِّك السكونُ، كما قيل: إذا هبَّت رياحك فاغتنمها فإنَّ لكل خافقةٍ سكونُ(١) ولأنَّ السكون في الغالب نعمة؛ لكونه راحةً، ولا كذلك الحركةُ. ورُدَّ بأنه لا وجهَ للاكتفاء بالسكون عن التحرُّك في مقام البسطِ والتقرير، وإظهارٍ كمال الملك والتصرُّف. وأجيب بأن هذا المحذوفَ في قوَّة المذكور؛ لسرعة انفهامه مِن ذكر ضدِّه، والمقام لا يستدعي الذِّكر، وإنما يستدعي عمومَ التغيرات والتصرُّفات الواقعةِ في الليل والنهار، ومتى التُزم كونُ السكون مع ضدِّه السريعِ الانفهام كنايةً عن جميع ذلك، ناسب المقام. وقيل: إنَّ ما سكن يعمُّ جميع المخلوقات؛ إذ ليس شيءٌ منها غيرَ متَّصف بالسكون، حتى المتحرِّك حالَ ما يرى متحركاً، بناءً على ما حُقِّق في موضعه من أنَّ تفاوت الحركات بالسرعة والبطء لقلَّة السَّكنات المتخلِّلة وكثرتها . وفي معنى الحركة والسكونِ وبيانِ أقسام الحركة المشهورةِ كلامٌ طويل يطلب من محلِّه. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ أي: المبالغ في سَماع كلِّ مسموع، فيسمع هواجسَ كلِّ ما سكن في المَلَوين. ﴿اَلْعَلِيمُ ﴾﴾ أي: المبالغ في العلم بكلِّ معلوم من الأجناس المختلفة. والجملة مسوقة لبيان إِحاطة سمعِه وعلمه سبحانه وتعالى بعد بيان إِحاطة قدرته جلَّ شأنه. أو للوعيد على أقوالهم وأفعالهم؛ ولذا خصَّ السمع والعلم بالذِّكر. وهي تحتمل أن تكونَ من مقول القول، وأن تكونَ من مقول الله تعالى. (١) نسبه في غرر الخصائص الواضحة ص ٢٤٠ لابن هندو. وهو في التمثيل والمحاضرة ص٢٤١، والحلل في شرح أبيات الجمل ص٣٠٢ دون نسبة. سُورَةُ الأَنْقَل ٧٤ الآية : ١٤ ، للمشركين بعد توبيخهم بما سبق ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ إنكار لاتخاذ غيرِ الله تعالى وليًّا، لا لاتخاذ الوليّ مطلقاً؛ ولذا قدِّم المفعول الأوَّل وأُوليَ الهمزةَ. ونحوُهُ ﴿أَفَغَيْرَ اَللَّهِ تَأْمُرُوَّنَّ أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]. والمراد بالوليِّ هنا المعبودُ؛ لأنه ردِّ لمن دعاه وَّهِ، فقد قيل: إنَّ أهل مكة قالوا له عليه الصلاة والسلام: يا محمد، تركتَ ملَّة قومك وقد علمنا أنه لا يَحملك على ذلك إلَّ الفقرُ، فارجع فإنَّا نجمع لك من أموالنا حتى تكونَ من أَغنانا، فنزلت(١). واعتُرض بأنَّ المشرك لم يخصّ عبادتَه بغير الله تعالى، فالردُّ عليه إنما يكون لو قيل: أأتخذ غيرَ الله وليًّا. وأجيب: بأنَّ مَن أشرك بالله تعالى غيرَه، لم يتخذ اللهَ تعالى معبوداً؛ لأنه لا يجتمع عبادتُه سبحانه مع عبادة غيره، كما قيل: فقد عاداك وانقطع الكلامُ(٢) إذا صافى صديقُك من تعادي وقيل: الوليُّ بمعنى الناصر، كما هو أحدُ معانيه المشهورة. ويُعلَم من إنكار اتخاذ غيرِ الله تعالى ناصراً أنَّه لا يتخذه معبوداً من باب الأَولى. ويحتمل الكلامُ - على ما قيل - أن يكونَ من الإِخراج على خلاف مقتضَى الظاهر؛ قصداً إلى إِمحاض النصح، ليكونَ أَعْوَنَ على القبول، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لِىَ لَّ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢]. ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مبدعِهما، كما أخرجه ابن أبي حاتم (٣) عن ابن عباس څا. وأخرج أبو عُبَيدٍ(٤) وابن جَرِير(٥) وابن الأنباريّ(٦) عنه ◌َبه قال: كنت لا أدري (١) انظر أسباب النزول ص٢٠٨. (٢) البيت في غرر الخصائص الواضحة ص ٤٣٢، ونفحة الريحانة ١٧٧/٤ دون نسبة. (٣) في تفسيره ١٢٦٩/٤ . (٤) في فضائل القرآن ص٢٠٦، وعزاه إليه السيوطي في الدر المنثور ٧/٣، وقد تحرف في الأصل و(م) إلى: عبيدة. (٥) في تفسيره ٩/ ١٧٥ . (٦) في الوقف والابتداء ٧١/١-٧٢. الآية : ١٤ ٧٥ سُورَةُ الأَنْعَام ما فاطرُ السماوات والأرض، حتى أتاني أَعرابيّان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها. يقول: أنا ابتدأتها . وهو نعت للجلالة مؤكِّد للإِنكار، وصحَّ وقوعه نعتاً للمعرفة لأنه بمعنى الماضي، سواءٌ كان كلاماً من الله تعالى ابتداء، أو محكيًّا عن الرسول وَ*؛ إذ المعتبَرُ زمانُ الحكم لا زمان التكلُّم. ويدلُّ على إرادة المضيِّ أنه قرأ الزهريُّ: ((فَطَرَ))(١)، ولا يضرُّ الفصلُ بينهما بالجملة؛ لأنها ليست بأجنبية، إذ هي عاملةٌ في عامل الموصوف. وقيل: بدل من الاسم الجليل. ورجَّحه أبو حيان(٢) بأنَّ الفصل فيه أسهل. وقُرئ بالرفع والنصب على المدح(٣)، أي: هو فاطرُ، أو: أَمدح فاطرَ، وجوِّز أن يكون النصب على البدليَّة من ((وليًّا)) لا الوصفيةِ؛ لأنّه معرفة، نَعَم يجوز على قراءة الزهريِّ أن تكونَ الجملة صفةً له. ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُّ﴾ أي: يَرزق ولا يُرزَق، كما أخرجه ابن جَرير (٤) وغيرُه عن السُّدِّي. فالمراد من الطّعم الرزقُ بمعناه اللغويِّ، وهو كلُّ ما ينتفع به، بدليل وقوعه مقابلاً له في قوله تعالى: ﴿مَّ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] وعبَّر بالخاصِّ عن العامِّ مجازاً؛ لأنه أَعظمُه وأكثره، لشدَّة الحاجة إليه، ويحتمل أنه اكتفى بذكره عن ذكره؛ لأنه يُعلم من ذلك نفيُ ما سواه، فهو حقيقة. والجملة في محلِّ نصب على الحالية. وعن أبي عَمٍو والأَعمش وعكرمةَ أنهم قرؤوا: ((ولا يَطعَم)) بفتح الياء والعين(٥)، أي: ولا يأكل، والضمير لله تعالى. ومثلُه قراءة [ابن] أبي عبلة، بفتح الياء وكسر العين(٦). (١) القراءات الشاذة ص٣٦. (٢) في البحر المحيط ٤/ ٨٥. (٣) القراءتان في الكشاف ٨/٢، والبحر ٤/ ٨٥. (٤) في تفسيره ١٧٦/٩ . (٥) القراءات الشاذة ص٣٦، والمحرر الوجيز ٢٧٣/٢، والبحر ٨٦/٤. (٦) كذا نقل المصنف عن الشهاب ٣٢/٤ في قراءة ابن أبي عبلة، والذي في المصادر عنه أن قراءته هي بضم الياء وكسر العين مثل الأول، والمعنى: ((وهو يُطْعِمُ)) أي: الله، و((لا يُظْعِم)) سُورَةُ الأَنْعَم ٧٦ الآية : ١٤ وقرأ يعقوب(١) بعكس القراءةِ الأولى، أعني: بناءً الأول للمفعول والثاني للفاعل، والضميرُ حينئذ في الفعلين لغير اللهِ تعالى، أي: أنَّخذ مَن هو مرزوق غيرُ رازق وليًّا، والكلام وإن كان مع عَبَدة الأصنام إلَّا أنه نَظَرٌ إلى عموم غير الله تعالى، وتغليب أولي العقول كعيسى عليه الصلاة والسلام؛ لأن فيه إنكارَ أن يصلحَ الأصنام للأُلوهية من طريق الأَولى. وقد يقال: الكلام كناية عن كونه مخلوقاً غيرَ خالق، كقوله تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] ويُحمل الفعل على معنى النفع، لا يُردُّ شيء رأساً. وقرأ الأشهب: ((وهو يُطعِم ولا يُطعِم)) ببنائهما للفاعل(٢). ووجّهت إمَّا بأن أفعل بمعنى استفعل، كما ذكره الأزهريُّ، أي: وهو يُطعِم ولا يَستطعم، أي: لا يطلب طعاماً ويأخذه من غيره، أو بأن المعنى: يُطعِم تارةً ولا يُطعِم أخرى، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَقْبِضُ وَيَبْصُّطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] والضميران لله تعالى، ورجوعُ الضمير الثاني لغير الله تعالى تكلُّف يحتاج إلى التقدير. ﴿قُلْ﴾ بعد بيان أنَّ اتخاذ غيره تعالى وليًّا مما يقضي ببطلانه بديهةُ العقول: ﴿إِنّ أُمِرْتُ﴾ من جناب وليِّي جلَّ شأنه ﴿أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلِمٌ﴾ وجهَه لله سبحانه وتعالى مخلصاً له؛ لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام مأمور بما شرعه، إلَّا ما كان من خصائصه عليه الصلاة والسلام، وهو إمام أُمَّته ومقتداهم، وينبغي لكلِّ آمر أن يكون هو العاملَ أوَّلاً بما أَمر به؛ ليكون أَدعى للامتثال، ومن ذلك ما حكَى اللهُ تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿سُبْحَنَّكَ بُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وقيل: إنَّ ما ذكر للتحريض، كما يأمر الملكُ رعيَّته بأمر ثم يقول: وأنا أوَّل مَن يفعل ذلك؛ ليَحمَلَهم على الامتثال، وإلَّ فلم يَصدر عنه وَّ امتناعٌ عن ذلك حتى يؤمر به. وفيه نظر . = أي: الولي. المحرر الوجيز ٢٧٣/٢، والبحر ٨٦/٤، والدر المصون ٥٥٧/٤. وسترد هذه القراءة قريباً عن الأشهب، وسيذكر المصنف لها تخريجين غير ما ذكرناه. (١) في رواية ابن المأمون عنه، كما في الكشاف ٨/٢، والبحر ٨٦/٤. (٢) الكشاف ٢/ ٨. الآية : ١٥ ٧٧ سُورَةُ الأَنْعَم ﴿وَلَا تَكُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾﴾ أي: في أمر من أمور الدين. وفي الكلام قول مقدَّر، أي: وقيل لي: لا تكوننَّ. فالواو من الحكاية عاطفةٌ للقول المقدَّر على ((أمرت)). وحاصل المعنى: إني أُمرت بالإِسلام ونُهيت عن الشرك. وقيل: إنه معطوف على مَقول ((قل)) على المعنى؛ إذ هو في معنى: قل: إني قيل لي: كن أولَ مسلم ولا تكوننَّ، فالواو من المحكيِّ. وقيل: إنه عطف على ((قل)) على معنى أنه عليه الصلاة والسلام أُمر بأن يقولَ كذا ونُهي عن كذا . وتعقِّب بأن سلاسة النظم تأبى عن فصل الخطابات التبليغية بعضِها عن بعض بخطابٍ لیس منها . وجوِّز أن يكون معطوفاً على ((إني أمرت)) داخلاً في حيِّز ((قل)) والخطاب لكلِّ من المشركين. ولا يخفى تكلُّفه وتعشُّفه. وعدم صحَّة عطفه على ((أكون)) ظاهر؛ إذ لا وجه للالتفات، ولا معنى لأن يقال: أُمِرْتُ أن لا تكونن. ﴿قُلْ إِنَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ﴾ أي: بمخالفة أمره ونهيه، أيَّ عصيان كان، فيدخل فيه ما ذكر دخولاً أوليًّا . وقولُه سبحانه وتعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ - أي: عذابَ يوم القيامة، وعِظَمُه لعِظَمِ ما يقع فيه - مفعولُ ((أخاف))، والشرطيةُ معترضة بينهما، وجواب الشرط محذوف وجوباً، وما تقدَّم على الأَداة شبيهٌ به، فهو دليلٌ عليه وليس إيّاه على الأَصحّ، خلافاً للكوفيين والمبرِّد. والتقدير: إن عصيت أَخَفْ، أو أَخاف، عذابَ ... إلخ. وقيل: صرتُ مستحقًّا لعذاب ذلك اليوم. وفي الكلام مبالغةٌ أخرى بالنظر إلى ما يفهم مما تقدَّم في قطع أطماعهم، وتعريضٌ بأنهم عصاة مستحقُّون للعذاب، حيث أُسند إلى ضمير المتكلِّم ما هو معلوم الانتفاء، وقرن بـ ((إن)) التي تفيد الشكَّ، وجيء بالماضي إِبرازاً له في صورة الحاصل على سبيل الفرض. ويَؤُول المعنى في الآخرة إلى تخويفهم على صدور ذلك الفعل منهم، فليس في الكلام دلالةٌ على أنه عليه الصلاة والسلام يخاف على سُورَةُ الأَنْعَّ ٧٨ الآية : ١٥ نفسه المقدَّسةِ الكفرَ والمعصيةَ مع أنه ليس كذلك؛ لعصمته وَله. وأَورد بعضهم في (١) دلالة الآية على ما ذُكر بحثاً، ثم قال: وأُجيبَ عنه بأنَّ الخوف تعلَّق بالعصيان الممتنع الوقوع امتناعاً عاديًّا، فلا تدل إلَّا على أنه عليه الصلاة والسلام يخاف لو صدر عنه - وحاشاه ـ الكفرُ والمعصية، وهذا لا يدلُّ على حصول الخوف. وأنت تعلم أنَّ فيما قدَّمنا غنّى عن ذلك. ويُفهَم من كلام بعضهم أنَّ خوف المعصوم من المعصية لا ينافي العصمةَ، لعلمه أن الله سبحانه وتعالى فعَّال لما يريد، وأنه لا يجب عليه شيء. وفي بعض الآثار أنه عزَّ شأنُه قال لموسى عليه السلام: يا موسى، لا تأمن مكري حتى تجوزَ الصِّراط(٢). وجاء في غيرِ ما خبرٍ أنه وَ﴿ إذا عصفت الريح يصفرُّ وجهه الشريف ويقول: ((أخاف أن تقومَ الساعة))(٣) مع أن الله تعالى أخبره أنَّ بين يديها ظهورَ المهدي(٤). وعيسى عليهما السلام(٥). وخروجَ الدجال(٦)، وطلوعَ الشمس من (١) قوله: في، ساقط من (م). (٢) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم ٢/ ٥١ قطعةً من بعض الأخبار الإسرائيلية. (٣) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج البخاري (٤٨٢٨) و(٤٨٢٩)، ومسلم (٨٩٩) عن السيدة عائشة ﴿ّا قالت: ما رأيت رسول الله ﴾ مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لَهَواته، إنما كان يبتسم. قالت: وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه، فقالت: يا رسول الله؛ أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته، عرفت في وجهك الكراهية؟ قالت: فقال: ((يا عائشة! ما يؤمِّنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا)». وهو عند أحمد (٢٤٣٦٩). (٤) وردت أحاديث في ظهور المهدي، منها حديث أبي سعيد الخدري ◌ُه قال: قال رسول الله ◌َ: ((المهدي مني أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، ويملك سبع سنين)) أخرجه أبو داود (٤٢٨٥) واللفظ له، والترمذي (٢٢٣٢) وحسنه، وابن ماجه (٤٠٨٣). وهو عند أحمد (١١٢١٢). (٥) في نزول عيسى عليه السلام أحاديث، منها حديث أبي هريرة عنه قال: قال رسول الله وَله: (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيَكسِرَ الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد)». أخرجه البخاري (٢٢٢٢)، ومسلم (١٥٥). وهو عند أحمد (١٠٤١٤). (٦) ذكر في غير حديث، منها حديث أبي سعيد الخدري ظله، عند البخاري (١٨٨٢) و(٧١٣٢)، ومسلم (٢٩٣٨)، وأحمد (١١٣١٨). الآية : ١٦ ٧٩ سُورَةُ الأَنْعَل مغربها (١)، إلى غير ذلك من الأَمارات التي لم توجد إذ ذاك ولم تحقَّق بعد. وصحَّ أنه وَّر اعتذر عن عدم خروجِه عليه الصلاة والسلام لصلاة التراويح بعد أن صلَّاها أولَ رمضان وتكاثر الناسُ رغبةً فيها بقوله: ((خشيتُ أن تفرضَ عليكم))(٢) مع أنَّ ما كان ليلةَ الإِسراء إذ فُرضت الصلوات يُشعر بأنه تعالى لا يَفرض زيادةً على الخمس . وكلُّ ذلك يدل على أنَّ لله تعالى أن يفعل ما يشاء، وقصارى ما يلزم في أَمثال ذلك لو فُعل تغيُّرُ تعلُّقِ الصفة، وهو لا يستلزم تغيرَ الصفة ليلزمَ الحدوثُ وقيامُ الحوادث به تعالى شأنه. وهذا بحث طويل الذَّيل، ولعل النَّوبة تُفضي إلى تحقيقه إن شاء الله تعالى. ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَيِذٍ﴾ أي: مَن يُصرف العذابُ عنه، فنائب الفاعل ضميرُ العذاب، وضمير ((عنه)) يعود على ((مَن)). وجوِّز العكس، أي: مَن يصرف عن العذاب. و((مَن)) على الوجهين مبتدأ، خبرُه الشرط، أو الجواب، أو هما، على الخلاف. والظرف متعلّق بالفعل، أو بالعذاب، أو بمحذوفٍ وقع حالاً من الضمير. وجوِّز أن يكون نائبَ الفاعل. وهل يحتاج حينئذٍ إلى تقدير مضاف - أي: عذابُ يومئذ - أم لا؟ فيه خلاف. فقيل: لا بدَّ منه؛ لأن الظرف غيرَ التامُّ - أي: المقطوع عن الإِضافة، كـ : قَبْلُ، و: بَعْدُ - لا يقام مُقامَ الفاعل إلَّا بتقديرِ مضاف، و((يومئذ)) له حكمُه. وفي ((الدُّرّ المصون))(٣): لا حاجة إليه؛ لأنَّ التنوين لكونه عوضاً يُجعل في قوَّة المذكور، خلافاً للأخفش. (١) أخرج البخاري (٤٦٣٦)، ومسلم (١٥٧) عن أبي هريرة له أن رسول الله عوض الله قال: ((لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من مغربها، آمن الناس كلهم أجمعون، فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً». وهو عند أحمد (٧١٦١). (٢) أخرجه البخاري (٧٢٩) و(٩٢٤)، ومسلم (٧٦١) من حديث عائشة ظُه. وهو عند أحمد (٢٥٣٦٢). (٣) ٤ / ٥٦١. سُؤْرَةُ الْأَنْدَم ٨٠ الآية : ١٦ وذكر الأُجهوريُّ أن التنوين هنا عوضٌ عن جملة محذوفة يتضمَّنها الكلامُ السابق، والأصل: يومَ إذ يكون الجزاء، ونحو ذلك. والجملة مستأنفةٌ مؤكِّدةٌ لتهويل العذاب، وجوِّز أن تكون صفةً ((عذاب)). وقرأ حمزة والكسائيُّ ويعقوبُ وأبو بكر عن عاصم: ((مَن يَصرِف)) (١) على أنَّ الضمير فيه لله تعالى. وقرأ أُبيِّ: ((مَن يَصرف الله))(٢) بإظهار الفاعل، والمفعولُ به محذوف، أي: العذاب، أو ((يومئذ)) بحذف المضاف، أو يجعل اليوم عبارةً عما يقع فيه. و((مَن)) في هذه القراءةِ أيضاً مبتدأ. وجوَّز أبو البقاء(٣) أن تُجعلَ في موضع نصبٍ بفعل محذوف، تقديره: من يكرم يصرف الله العذاب عنه، فجعل ((يصرف)) تفسيراً للمحذوف، وأن يجعل منصوباً بـ ((يصرف))، ويجعل ضمير ((عنه)) للعذاب، أي: أيَّ إنسان يَصرف اللهُ تعالى عنه العذاب ﴿فَقَدْ رَحِمَةٌ﴾ أي: الرحمةَ العظمى، وهي النَّجاة، كقولك: إنْ أطعمتَ زيداً من جوعة فقد أحسنت إليه، تريد: فقد أَتممت الإحسانَ إليه. وعلى هذا يكون الكلام من قبيل: مَن أدرك مرعى الصَّمَّان فقد أدرك(٤)، و((من كانت هجرتُه إلى الله تعالى)) الخبر(٥)، ومن قبيل صرف المطلَق إلى الكامل. وقيل: المراد: فقد أدخله الجنةَ، فذُكِرَ الملزوم وأُريد اللازم؛ لأن إدخال الجنة من لوازم الرحمة، إذ هي دار الثواب اللازم لترك العذاب. ونُقض بأصحاب الأعراف. وأُجيب بأن قوله تعالى ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْمُبِينُ ﴾﴾ حال مقيِّدة لما قبله، والفوز المبين إنما هو بدخول الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحّزِحَ عَنِ الثَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَةَ فَقَدْ فَازُ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. (١) التيسير ص١٠١، والنشر ٢٥٧/٢. (٢) البحر ٨٦/٤، والدر المصون ٥٥٩/٤. وهي في القراءات الشاذة ص٣٦ بلفظ: ((من يصرفه الله» بهاء. (٣) في الإملاء ٥٢٠/٢. (٤) تقدم ٢١٥/٥. (٥) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٥٤)، ومسلم (١٩٠٧) عن عمر ظُه، وقد تقدم ٢/ ٤١٢.