النص المفهرس

صفحات 41-60

الآية : ٦
٤١
سُورَةُ الأَنْعَل
والأنباء جمع نبأ، وهو الخبر الذي يَعُم وقعُه. والمراد بأنباء القرآن: التي
تأتيهم ويتحقَّق مدلولها فيهم، ويظهر لهم آياتُ وعيده وإخباره بما يحصل بهم في
الدنيا من القتل، والسَّبي، والجلاء، ونحوِ ذلك من العقوبات العاجلة.
وقيل: المراد ما يعمُّ ذلك والعقوباتِ التي تَحلُّ بهم في الآخرة من عذاب النار
ونحوِه.
وقيل: المراد بأنباء ذلك ما تضمَّن عقوباتِ الآخرة، أو ظهورَ الإسلام وعلوَّ
كلمته. وظاهر ما يأتي من الآيات يرجِّح الأوَّل.
وصرَّح بعض المحقّقين بأنَّ إضافة ((أنباء)) بيانية، وهو احتمال مقبول.
وادِّعاءُ أنه مقحَم وأنَّ المعنى: سيظهر لهم ما استهزؤوا به من الوعيد الواقعِ
فيه، أو من نبوَّة محمدٍ بَّه أو نحو ذلك؛ لا وجه له؛ إذ لا داعيَ لإِقحامه.
وفي ((البحر)(١): إنما قيِّد الكذب بالحقِّ هنا وكان التنفيس بـ ((سوف))، وفي
((الشعراء)»: ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِهِمْ﴾ [الآية: ٦] بدون تقييد الكذب والتنفيس بالسين؛
لأن ((الأنعام)) متقدِّمة في النزول على «الشُّعراء»، فاستوفي فيها اللفظُ، وحُذف من
((الشعراء)» وهو مرادٌ إِحالةً على الأول. وناسب الحذف الاختصار في حرف
التنفيس فجيء بالسين.
﴿أَلَ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَّرْنٍ﴾ استئناف مسوقٌ لتعيين ما هو المراد بما
تقدَّم. وقيل: شروعٌ في توبيخهم ببذل النصح لهم. والأوَّل أظهر.
والرؤية عِرفانية. وقيل: بصريّة، والمراد: في أسفارهم. وليس بشيء. وهي
على التقديرين تستدعي مفعولاً واحداً. و((كم)) استفهاميةً كانت أو خبريةً معلِّقةٌ لها
عن العمل مفيدة للتكثير سادَّة مع ما في حيِّزها مسدّ مفعولها. وهي منصوبة
بـ ((أهلكنا)) على المفعولية وهي عبارة عن الأشخاص.
وقيل: إنَّ الرؤية علمية تستدعي مفعولين، والجملة سادَّة مسدّهما.
(١) ٤ / ٧٥.

سُؤَدَّةُ الأَنْعَم
٤٢
الآية : ٦
و ((من قرن)) مميِّز لـ ((كَمْ)) على أنه عبارةٌ عن أهل عصر من الأَعصار سمُّوا بذلك
الاقترانهم مدةً من الزمان، فهو من: قَرَنت.
واختلف في مقدار تلك المدة، فقيل: مئةٌ وعشرون سنة. وقيل: مئة. وقيل:
ثمانون. وقيل: سبعون. وقيل: ستُّون. وقيل: ثلاثون. وقيل: عشرون. وقيل:
مقدار الأوسط في أعمار أهل كلِّ زمان.
ولما كان هذا لا ضابطً له يضبط، قال الزجَّاج (١): إنه عبارةٌ عن أهل عصرٍ
فيهم نبيٍّ أو فائقٌ في العلم على ما جرت به عادةُ الله تعالى. ويحتمل أن يُعتبرَ ذلك
مئةَ سنة؛ لِمَا ورد: ((إنَّ الله تعالى قيَّض لهذه الأُمَّةِ على رأس كلِّ مئة سنةٍ مَن يجدِّد
لها أمرَ دینها»(٢) .
وقيل: هي عبارة عن مدَّةٍ من الزمان اختلف فيها على طِرز ما تقدَّم.
واختار بعضهم أنه حقيقةٌ في الزمان المعيَّن وفي أهله. والمراد به هنا الأهلُ
من غیرٍ تجشُّم تقدیرٍ مضافٍ أو ارتكاپٍ تجُّز.
وجوَّز بعضهم انتصاب ((كم)) على المصدرية بـ ((أهلكنا))، بمعنى إهلاك، أو
على الظرفية بمعنى أزمنة. وهو تكلُّف.
و((مِن)) الأولى ابتدائية متعلِّقة بـ ((أهلكنا)) وهمزةُ الإنكار لتقرير الرؤية.
والمعنى: ألم يعرف هؤلاء المكذِّبون المستهزئون بمعاينة الآثار وتواترِ الأخبار كم
أمةً أهلكنا من قبل خلقهم، أو من قبل زمانهم، كقوم نوح، وعاد، وثمود، وقومٍ
لوط، وأَضرابهم. فالكلام على حذف مضاف وإقامةِ المضاف إليه مُقامه.
وقوله تعالى: ﴿مَّكْتَّهُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ استئناف بيانيٌّ، كأنه قيل: ما كان حالُهم؟
وقال أبو البقاء (٣): إنه في موضع جرّ صفة ((قرن)) لأن الجُمَل بعد النكرات
صفات؛ لاحتياجها إلى التخصيص. وجُمع الضمير باعتبار معناه.
(١) في معاني القرآن ٢٢٩/٢.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٢٩١) من حديث أبي هريرة حص ته مرفوعاً.
(٣) في الإملاء ٢/ ٥١٠.

الآية : ٦
٤٣
سُؤَةُ الأَنْدَهُ
وتعقبه مولانا شيخ الإِسلام(١) بأن تنوينه التفخيميَّ مُغنٍ له عن استدعاء الصفة،
على أنَّ ذلك - مع اقتضائه أن يكونَ مضمونُه ومضمونُ ما عطف عليه من الجمل
الأربع مفروغاً عنه غيرَ مقصودٍ لسياق النظم - مؤدٍّ إلى اختلال النظم الكريم. كيف
لا والمعنى حينئذ: ألم يرَوا كم أهلكنا من قبلهم من قرنٍ موصوفین بكذا وكذا
وبإهلاكنا لهم بذنوبهم، وأنه بيِّن الفساد. انتهى.
ولا يخفى أنَّ التنوين التفخيميَّ لا يأبى الوصف. وما ورد فيه ذلك من النكرات
أكثرُ من أن يحصى. وأمَّا ما ذكره بعدُ، فقد قال الشهاب(٢): إنه غفلة منه، أو
تغافلٌ عن تفسيرهم ((فأهلكناهم)) إلخ الآتي بقولهم: لم يُغنِ ذلك عنهم شيئاً.
وتمكين الشيء في الأرض - على ما قيل - جَعْلُه قارًّا فيها. ولَمَّا لزم ذلك
جَعْلَها مقرًّا له، ورد الاستعمال بكلٍّ منهما، فقيل تارة: مكَّنه في الأرض، ومنه
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَتَّهُمْ فِيمَا إِن تَكَّنَّكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] وأخرى: مكَّن له
في الأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَنَّا لَهُ فِ الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤] حتى أُجري كلٌّ
منهما مُجرى الآخَر، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَمْ نُمَكِن لَّكُمْ﴾ بعد ما تقدَّم، كأنه قيل
في الأوَّل: مكَّنا لهم، وفي الثاني: ما لم نمكِّنْكم.
وفي ((التاج))(٣) أنَّ مَّنته ومكّنت له مثل نصحته ونصحت له. وقال أبو عليٍّ:
اللام زائدة مثل ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]. وكلام الراغب في ((مفرداته))(٤) يؤيِّده.
وذكر بعض المحقّقين أنَّ مَّنه أبلغُ من مكَّن له؛ ولذلك خصَّ المتقدم
بالمتقدمين والمتأخِّرُ بالمتأخرين.
وهما)» إما موصولة صفةً لمحذوف تقديره: التمكين الذي لم نمگّنه لکم، أو
نكرةٌ موصوفة، أي: تمكيناً لم نمكنه. وعليهما فهي مفعول مطلق، والعائد إليها من
الصِّلة أو الصفة محذوف.
(١) في تفسيره ١١١/٣ .
(٢) في حاشيته ٢١/٤ .
(٣) لعله تاج المصادر في اللغة لأبي جعفر أحمد بن علي المعروف بجعفرك المتوفى سنة
٥٤٤هـ. كشف الظنون ٢٦٩/١.
(٤) مادة (مكن).

سُؤَةُ الأَنْفَها
٤٤
الآية : ٦
وقيل: إنها مفعول به؛ لأنَّ المراد من التمكين الإِعطاء، كما يشير إليه ما روي
عن قتادة: أي: أعطيناهم ما تمكّنوا به من أنواع التصرُّف ما لم نعطكم (١).
وقيل: إنها مصدرية ظرفية، أي: مدةً عدم تمكينكم. ولا يخفى بُعدُه.
والخطاب للكفرة. وقيل: لجميع الناس. وقيل: للمؤمنين. والظاهر الأوَّل.
والالتفات لما في مواجهتهم بضعف حالهم من التبكيت ما لا يخفى. وقيل:
ليتَّضع مرجع الضميرين ولا يشتبهَ من أوَّل الأمر. وهي نكتةٌ في الالتفات لم يعرِّج
عليها أهلُ المعاني.
﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَّةَ﴾ أي: المطرَ، كما روي عن هارون التيميّ(٢)، ونُسب إلى ابن
عباس ﴿هما أيضاً. وقيل: السحاب، واستعمالها في ذلك مجازٌ مرسل(٣). وقيل:
هي على حقيقتها بمعنى المُظِلّة، والمجاز في إسناد الإِرسال إليها؛ لأن المرسَل ماءُ
المطر، وهي مبدأ له. وفيه من المبالغة ما لا يخفَى. والإرسال والإنزال - كما في
((البحر)) (٤) - متقاربان في المعنى؛ لأنَّ اشتقاقه من رِسْل اللَّبَن، وهو ما ينزل من
الضَّرع متابعاً .
﴿عَلَيْهِم مِّدْرَارًا﴾ أي: غزيراً كثيرَ الصبِّ. وهو صيغة مبالغة يستوي فيه المذكّرُ
والمؤنَّث. وهو حال من السماء، والظرف متعلِّق بـ ((أرسلنا)).
﴿وَجَعَلْنَا اُلْأَنْهَرَ﴾ أي: صَيَّرناها ﴿تَجْرِى مِن تَحْنِمُ﴾ أي: من تحتِ مساكنهم،
والمراد أنَّهم عاشوا في الخِصب والريف(٥) بين الأنهار والثمار. والجملة في
موضع المفعول الثاني لـ «جعلنا)).
(١) أخرجه الطبري ١٥٦/٩ -١٥٧ مختصراً بلفظ: يقول: أعطيناهم ما لم نعطكم.
(٢) هو هارون بن هارون القرشي التيمي المدني، أبو محرَّر، ويقال: أبو عبد الله. روى عن
الأعرج، وروى عنه مجاهد وغيره. تهذيب التهذيب ٢٥٨/٤ .
(٣) في الأصل: مشهور. وانظر حاشية الشهاب ٢٢/٤.
(٤) ٤ / ٧٦ .
(٥) الريف هنا: سعة المأكل والمشرب، والأرضُ القريبة من الماء، كما ذكر الشهاب في
الحاشية ٢٢/٤، وقال: ولا ينبغي هنا تفسيره بأرض فيها خصب وزرع.

الآية : ٧
٤٥
سُوَّةُ الْأَنْتَهَا
ولم يقل سبحانه: أَجرينا الأنهار، كما قال عزَّ شأنه: ((أرسلنا السماء))
للإيذان بكونها مسخّرةً مستمرَّة الجريان، لا لأنَّ النهر لا يكون إلَّا جارياً فلا يفيد
الكلام؛ لأن النظم حينئذٍ ناظرٌ إلى كونه من تحتهم، فالفائدة ظاهرة، ولو كان
ما ذكر صحيحاً، لما ورد في النَّظم الكريم كقوله تعالى: ﴿تَجْرِى مِن تَحْنِهَا
اَلْأَنْهَرُ﴾ [البقرة: ٢٥].
واستُظهر كونُ الجعل بمعنى الإِنشاء والإِيجاد، وهو مخصوص به تعالى؛ فلذا
غيَّر الأسلوب. وعليه فالجملة في موضع الحال من المفعول.
وليس المراد - على ما قيل - بتعداد هاتيك النِّعم العظام الفائضة عليهم بعد ذكر
تمكينهم بيانَ عظم جنايتهم في كفرانها واستحقاقِهم بذلك لأعظم العقوبات، بل
بيانَ حيازتهم لجميع أسباب نيلِ المآرب، ومبادئ الأَمن من المكاره والمعاطب،
وعدمٍ إغناء ذلك عنهم شيئاً .
وينبئ عن عدم الإِغناء عند جمهور المفسرين قوله تعالى: ﴿ فَآَمْلَكْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾
والفاء للتعقيب. وقيل: فصيحة؛ والمراد: فكفروا فأهلكناهم. ورجّح الأوَّل.
والباء للسببية، أي: أهلكنا كلَّ قرن من تلك القرون بسبب ما يخصُّهم من الذنوب،
كتكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام.
﴿وَأَنْشَأْنَ﴾ أي: أوجدنا ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: بعد إهلاكهم بسبب ذلك
ءَاخِرِينَ ﴾﴾ بدلاً من الهالكين. وهذا بيان؛ لأنه تعالى لا يتعاظمه أن يهلكَ قرناً
ويخليَ بلاده منهم، فإنه جلَّ جلاله قادر على أن ينشئَ مكانَهم آخرين يَعمر بهم
البلاد، فهو كالتتميم لما قبلَه، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا﴾ [الشمس: ١٥]
وفيه إشارةٌ إلى أنهم قُلعوا من أصلهم ولم يبقَ أحد من نسلهم لجعلهم آخّرين
وكونهم من بعدهم.
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاسِ﴾ استئنافٌ سيق بطريق تلوين الخطاب لبيان شدَّة
شكيمتهم في المكابرة، وما يتفرَّع عليها من الأَقاويل الباطلة، إثرَ بيان ما هم فيه من
غير ذلك.
وعن الكلبيِّ وغيره: أنها نزلت في النَّضر بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية

سُورَةُ الأَنْعَل
٤٦
الآية : ٧
ونوفلٍ بن خويلد، لَمَّا قالوا لرسول الله وَّه: يا محمد، لن نؤمنَ لك حتى تأتينا
بكتاب من عند الله تعالى ومعه أربعةٌ من الملائكة يشهدون أنَّه من عند الله تعالى
وأنَّك رسوله(١).
والكتاب: المكتوب، والجارُّ بعده متعلِّق بمحذوف وقع صفةً له، أو متعلق به.
وقيل: إنْ جُعِل اسماً كالإِمام، فالجارُّ في موضع الصفة له، وإنْ جعل مصدراً
بمعنی المكتوب، فهو متعلّق به.
وجوِّز أن يتعلَّق بـ ((نزلنا)) وفيه بُعد.
والقرطاس بكسر القاف وضمِّها - وقُرئ بهما(٢) - معرَّب كُرّاسة كما قيل. وممن
نصّ على أنه غير عربيٍّ الجَواليقيُّ(٣).
وقيل: إنه مشترك، ومعناه: الوَرَق. وعن قتادة: الصحيفة. وفي
(القاموس))(٤): القرطاس مثلَّةَ القاف وكجَعفَر ودِرهم: الكاغِد. وقال الشِّهاب(٥):
هو مخصوص بالمكتوب، أو أعمُّ منه ومن غيره.
﴿فَمَسُوُ﴾ أي: الكتابَ، أو القرطاس. واللَّمس - كما قال الجوهري(٦) -:
المسُّ باليد، فقوله تعالى: ﴿يَدِهِمْ﴾ لزيادة التعيين ودفع احتمال التجوُّزِ الواقع في
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَةَ﴾ [الجن: ٨] أي: تفخّصنا.
وقيل: إنه أعُّ من المسِّ باليد، فعن الراغب (٧): المسُّ: إدراكٌ بظاهر البشرة
كاللمس. وبالتقييد به يندفع احتمالُ التجوُّز أيضاً.
وقيل: إنما قيّد بذلك؛ لأن الإحساس باللصوق يكون بجميع الأعضاء، ولليد
خصوصيةٌ في الإحساس ليست لسائرها، وأما التجوُّز باللمس عن الفحص فلا
(١) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٢٠٨، والبغوي في تفسيره ٨٥/٢-٨٦.
(٢) قراءة الضم ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣٦.
(٣) في المعرب ص٢٩٩ .
(٤) مادة (قرطس).
(٥) في حاشيته ٤/ ٢٢.
(٦) في الصحاح (لمس).
(٧) في المفردات (لمس).

الآية : ٨
٤٧
سُورَةُ الأَنْعَم
یندفع به، إذ لا بُعد في أن یکون ذلك لمباشرتهم للفحص بأنفسهم، بل یندفع لكون
المعنى الحقيقيّ أنسبَ بالمقام. وليس بشيءٍ كما لا يخفى.
وقيل: إنَّ ذِكر الأَيدي ليفيدَ أن اللمس كان بكلتا اليدين. ولا يظهر وجه
الإِفادة. وتخصيص اللمس لأنه يتقدَّمه الإبصار حيث لا مانع، ولأن التزوير لا يقع
فيه، فلا يمكنهم أن يقولوا إذا تُرك العناد والتعنت: إنَّما سكِّرت أبصارُنا.
واعتُرض: بأنَّ اللمس هنا إنما يدفع احتمالَ كون المرئيّ مخيَّلاً، وأما نزولُه
من السماء فلا يثبت به.
وأُجيب: بأنه إذا تأيَّد الإدراك البصريُّ في النزول بالإِدراك اللمسي في المنزَّل
يَجْزِمِ العقل بديهةً بوقوع المبصَر جزماً لا يَحتمل النقيض، فلا يبقى بعده إلَّا مجرَّدُ
العناد، مع أنَّ حدوثه هناك من غير مباشرة أحدٍ يكفي في الإعجاز كما لا يخفى.
وقال ابن المنير(١): الظاهر أنَّ فائدة زيادة لمسهم بأيديهم تحقيقُ القراءة على
قرب، أي: فقرؤوه وهو بأيديهم لا بعيدٌ عنهم لَمَا آمنوا.
وقوله تعالى: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ جواب ((لو)) على الأَفصح من اقتران جوابها
المثبَت باللام، والمراد: لَقالوا تعنُّاً وعناداً للحق. وإنَّما وضع الموصولُ موضعَ
الضمير؛ للتنصيص على اتِّصافهم بما في حيِّز الصلة من الكفر الذي لا يُكفَر - كما
قيل - حُسنُ موقعه باعتبار معناه اللغويِّ أيضاً. وجوِّز أن يكون المرادُ بهم: قوم
معهودون من الكفرة. فحديث الوضع حينئذٍ موضوع.
و((إن) في قوله سبحانه: ﴿إِنّ هَذَا﴾ - أي: الكتابُ - نافيةٌ، أي: ما هذا ﴿إلَّا
سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾﴾ أي: ظاهرٌ كونه سحراً.
﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الظاهر أنه استئنافٌ لبيان قدحهم بنبوَّته عليه الصلاة
والسلام بما هو أصرحُ من الأوَّل.
وقيل: إنه معطوفٌ على جواب ((لو) ويغتفر في الثواني ما لا يُغتفر في الأَوائل.
واعتُرض بأنَّ تلك المقالةَ الشنعاء ليست مما يقدَّر صدورُه عنهم على تقدير
(١) في الانتصاف ٦/٢.

سُورَةُ الأَنْفَظَا
٤٨
الآية : ٨
تنزيل الكتاب المذكور، بل هي من أباطيلهم المحقّقة، وخرافاتهم الملفَّقة، التي
يتعلَّلون بها كلَّما ضاقت عليهم الحيل، وعيَّت بهم العِلَل.
وأُجيب: بأنه لا بُعد في تقدير صدور هذه المقالةِ على تقدير ذلك التنزيل؛
لأنه مما يوقع الكافر المعاند في حَيْص بَيْص، فلا يدري بماذا يقابله، وأيَّ شيء
یتشبّٹ به.
وكلمة ((لولا)) هنا للتحضيض، والمقصود به التوبيخُ على عدم الإِتيان بمَلَك
يشاهَد معه حتى تنتفي الشبهةُ بزعمهم.
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم(١) عن محمد بن إسحاق قال: دعا
رسولُ اللهِ وَله: قومَه إلى الإسلام، وكلَّمهم فأبلغ إليهم فيما بلغني، فقال له زَمعة بن
الأسود بنِ المطّلب، والَّضر بن الحارث بنِ كِلْدة، وعبدة بن عبد يغوث، وأُبُّ بن
خلف بنِ وهب، والعاص بن وائل بنِ هشام: لو جُعل معك يا محمدُ مَلَكٌ يحدث
عنك الناس ويُرى معك، فأنزل الله قوله سبحانه: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنزِلَ﴾ إلخ، أي:
هلَّا أُنزل عليه مَلَكٌ يكون معه يحدث الناس عنه، ويخبرهم أنَّه رسول من ربِّه
سبحانه إليهم. ولعل هذا نظيرُ ما حكى الله تعالى عنهم بقوله جلَّ شأنه: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ
إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧].
ولما كان مدارُ هذا الاقتراح على شيئين: إنزال الملك على صورته، وجعله
معه ◌َّه يحدِّث الناسَ عنه وينذَرهم، أُجيب عنه بأنَّ ذلك مما لا يكاد يوجد؛
لاشتماله على المتباينين، فإنَّ إنزال الملك على صورته يقتضي انتفاءَ جعله محدِّثاً
ونذيراً، وجعلَه محدِّثاً ونذيراً يستدعي عدمَ إنزاله على صورته.
وقد أُشير إلى الأوَّل بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَزْنَا﴾ عليه ﴿مَلَكًا﴾ على صورته
الحقيقية فشاهدوه بأعينهم ﴿لَقُضِىَ الْأَمْرُ﴾ أي: لأَتَمَّ أمرَ إِهلاكهم بسبب مشاهدتهم
له؛ لمزيد هول المنظرِ مع ما هم فيه من ضعف القُوى وعدمِ اللياقة.
وقد قيل: إنَّ جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - وهم هم - إنَّما رأوا المَلَكَ
في صورة البشر، ولم يره أحدٌ منهم على صورته غيرُ النبيِّ وَّ ر، رآه كذلك مرتين:
(١) في تفسيره ١٢٦٥/٤، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣/ ٥.

الآية : ٨
٤٩
سُؤَدَّةُ الأَنْعَ
مرةً في الأرض بجياد(١)، ومرة في السماء. ولا يخفى أنَّ هذا محتاجٌ إلى نقلٍ عن
الأَحاديث الصحيحة، والذي صحَّ من رواية الترمذيِّ (٢) عن عائشة ﴿ّا أنَّ النبيَّ وَله
رأى جبريل عليه السلام مرتين - كما ذكر - على صورته الأصليَّة، لكن ليس فيه أنَّ
أحداً من إخوانه الأنبياء غيرَه عليه الصلاة والسلام لم يره كذلك؛ ولم يَرِد هذا كما
قال ابن حجر - وناهيك به حافظاً - في شيءٍ من كتب الآثار(٣).
وأما رؤية النبيِّ وَّهَ وكذا رؤيةُ غيره من الأنبياء غيرَ جبريل عليه السلام على
الصورة الأصلية، فهي جائزة بلا ريب، وظاهر الأخبار وقوعُها أيضاً لنبيِّنا عليه
الصلاة والسلام. وأما وقوعُ رؤية سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فلم أَقف
فيها على شيء، لا نفياً ولا إثباتاً، وعدمُ وقوع رؤية جبريل عليه السلام لو صحَّ
لا يدلُّ على عدم رؤية غيره؛ إذ ليست صور الملائكة كلِّهم كصورته عليه السلام في
العِظَم. وخبرُ الخصمين والأَضياف لإبراهيم ولوط وداود عليهم السلام ليس فيه
دلالةٌ على أكثرَ من رؤية هؤلاء الأنبياءِ للملائكة بصورة الآدميين، وهي لا تستلزم
أنهم لا يرونهم إِلَّ كذلك، وإلَّا لاستلزمت رؤيةُ نبيِّنَا وَه جبريل عليه السلام بصورة
دِحيةَ بنِ خليفة الكلبيِّ ◌َُ(٤) - مثلاً - عدمَ رؤيته عليه الصلاة والسلام إياهم إلَّا
بالصورة الآدمية، وهو خلاف ما تُفهِمه الأخبار.
وبناءُ الفعل الأوَّل في الجواب للفاعل مسنداً إلى نون العظمة مع كونه في
السؤال مبنيًّا للمفعول؛ لتهويل الأمر وتربيةِ المهابة. وبناءُ الثاني للمفعول؛ للجري
على سَنَن الكبرياء.
وكلمة ((ثم)) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُنْظُرُونَ ﴾﴾ أي: لا يُمهَلون بعد إنزاله
ومشاهدتِهم له طرفةَ عين فضلاً عن أن يحظّوا منه بكلمة أو يزيلوا به بزعمهم
(١) موضع بأسفل مكة، والأشهر فيه: أجياد. انظر معجم البلدان ١٠٤/١ -١٠٥، ١٩٥/٢
والنهاية (جيد).
(٢) في سننه (٣٠٦٨) و(٣٢٧٨). وهو عند البخاري (٤٨٥٥)، ومسلم (١٧٧)، وأحمد
(٢٤٢٢٧) و(٢٥٩٩٣).
(٣) قال في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ص ١٦٠ : قوله (يعني الزمخشري):
وقيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية .... لم أجده.
(٤) تقدم ٢/ ٨٧.

سُورَةُ الأَنْعََّم
٥٠
الآية : ٨
شبهةً = للتنبيه على بُعد ما بين الأمرين: قضاء الأمر، وعدم الإنظار، فإنَّ مفاجأة
الشدة أشدُّ من نفس الشدة.
وقيل: إنها للإشارة إلى أنَّ لهم مهلةً قَدْرَ أن يتأمَّلوا .
واعتُرض بأنَّ قوله سبحانه: ((ثم لا ينظرون)) عطفٌ على قوله عزَّ وجلَّ:
(قضي))، ولا يُمهَل للتأمُّل بعد قضاء الأمر.
وقيل في سبب إهلاكهم على تقدير إنزال المَلَك حسبما اقترحوه: إنَّهم إذا
عاينوه قد نزل على رسول الله ◌َ﴿ في صورته الأصلية، وهي آية لا شيءَ أبينُ منها،
ثم لم يؤمنوا، لم يكن بدٌّ من إهلاكهم، فإنَّ سنة الله تعالى قد جرت بذلك فيمن
قبلهم مِمَّن كفر بعد نزول ما اقترح. ورُوي هذا عن قتادة.
وقيل: إنه يزول الاختيارُ الذي هو قاعدة التكليف عند نزوله؛ لأن هذه آيةٌ
ملجِئة، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] فيجب
إهلاكهم لئلا يبقى وجودهم عارياً عن الحكمة؛ إذ ما خُلقوا إلَّا للابتلاء بالتكليف،
وهو لا يبقى مع الإلجاء.
وفيه أنه مخالفٌ لقواعد أهل السنَّة، ولا يتسنَّى إلَّا على قواعد المعتزلة، وهي
أَوهنُ من بيت العنكبوت، ومع هذا هو غير صافٍ عن الإشكال كما لا يخفى على
المتتبع.
وذكر بعض الفضلاء أنَّ هذا الوجهَ ينافي ما قبله، لدلالة ما قبلُ على بقاء
الاختيار وأنهم لا يؤمنون إذا عاينوا المَلَك قد نزل، ودلالةِ هذا على سلب الاختيار
وزواله، وأنَّ الإيمانإيمان يأس.
وقال ابن المنير(١): لا يحسن أن يُجعلَ سبب مناجزتهم بالهُلك وضوحَ الآية
في نزول المَلَك، فإنه ربما يُفهم من ذلك أنَّ الآيات التي لزمهم الإِيمان بها دون
نزول المَلَك في الوضوح، وليس الأمر كذلك. فالوجه - والله تعالى أعلم - أن
يكون سببُ تعجيل عقوبتهم بتقدير نزول المَلَك وعدم إيمانهم أنَّهم اقترحوا ما لا
يتوقّف وجوب الإِيمان عليه، إذ الذي يتوقَّف الوجوبَ عليه المعجِزُ من حيث کونُه
(١) في الانتصاف ٦/٢.

الآية : ٩
٥١
سُورَةُ الأَنْسَعَل
معجزاً، لا المعجز الخاصُّ، فإذا أُجيبوا على وَفق مقترحهم فلم يَنجَع فيهم، كانوا
حينئذ على غاية من الرُّسوخ في العناد المناسبٍ لعدم النظرة.
ولعل الوجه الذي عوَّلنا عليه هو الأَولى، وقد أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم
وأبو الشَّيخ عن ابن عباس ﴾(١). والاعتراض عليه بأنَّ ((لا ينظرون)) يدلُّ على
إهلاكهم لا علی هلاکهم برؤیة المَلَك یندفع بما اشرنا إلیه کما لا یخفی. ولیس
بتكلُّفٍ يُترك له كلامُ ترجمان القرآن.
وقد أُشير إلى الثاني بقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ جَعَلْتَهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا﴾ على أنَّ
الضمير الأول للنذير المحدَّث للناس عنه عليه الصلاة والسلام المفهوم من فحوى
الكلام بمعونة المقام، والضمير الثاني للمَلَك، لا لما رجع إليه الأوَّلَ، أي: ولو
جعلنا النذيرَ الذي اقترحتم إنزاله ملكاً، لمثَّلنا ذلك المَلَكَ رجلاً؛ لعدم استطاعتكم
معاينةَ الملك على هيكله الأصليّ.
وفي إيثار ((رجلاً)) على بشراً إيذان - على ما قيل - بأنَّ الجعل بطريق التمثيل
لا بطريق قلبٍ الحقيقة، وتعيينٌ لما يقع به التمثيل. وفيه إشعارٌ - كما قال عصام
الدين وغيره - بأنَّ الرسول لا يكون امرأةً، وهو متفق عليه، وإنما الاختلاف في
نبوَّتها. والعدول عن: ولو أنزلناه مَلَكاً، إلى ما في النَّظم الجليل يُعلم سرُّه مما
تقدَّم في بيان المراد. وقيل: العدول لرعاية المشاكلة لما بعد.
ووجَّه شيخ الإِسلام(٢) عدمَ جعل الضمير الأوَّل للمَلَك المذكور قبلُ بأن
يُعكسَ ترتيب المفعولين ويقال: ولو جعلناه نذيراً لجعلناه رجلاً، مع فهم المراد
منه أيضاً؛ بأنه لتحقيق أنَّ مناط إبراز الجعل الأوَّل في معرض الفرض والتقدير،
ومدارَ استلزامه للثاني إنما هو مَلّكية النذير لا نذيرية المَلَك؛ وذلك لأن الجعل
حقُّه أن يكون مفعوله الأوَّل مبتدأً والثاني خبراً، لكونه بمعنى التصيير المنقولِ من
(((صار)) الداخلِ على المبتدأ والخبر، ولا ريب في أن مصبَّ الفائدة ومدارَ اللزوم
بين طرفي الشرطية هو محمولُ المقدَّم لا موضوعه، فحيث كانت ((لو)) امتناعية
(١) تفسير الطبري ٩/ ١٦١، وتفسير ابن أبي حاتم ١٢٦٥/٤. ولفظ الطبري: لو أتاهم ملك في
صورته لماتوا، ثم لم يؤخروا طرفة عين.
(٢) في تفسيره ١١٣/٣.

الآية : ٩
٥٢
سُؤَةُ الأَنْفَعَل
أُريد بيان انتفاء الجعل الأوَّل لاستلزامه المحذورَ الذي هو الجعلُ الثاني، وجب
أن يُجعلَ مدار الاستلزام في الأول مفعولاً ثانياً لا محالة، ولذلك جُعِل مقابله في
الجعل الثاني كذلك؛ إبرازاً لكمال التنافي بينهما الموجِبٍ لانتفاء الملزوم. ولا
يخلو عن حُسن.
وجوَّز غير واحد كونَ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ﴾ إلخ جوابَ اقتراح ثانٍ. وذلك
أنَّ للكفرة اقتراحين، أحدهما بأن ينزلَ على الرسولِ وَّ هِ مَلَكٌ في صورته الأَصلية
بحيث يعاينه القوم. والآخر: أن ينزلَ إلى القوم ويرسل إليهم مكانَ الرسول البشرِ
مَلَكٌ، فإنهم كما كانوا يقولون: لولا أُنزل على محمد ◌َ ﴿ مَلَكٌ فيكونَ معه نذيراً،
كانوا يقولون: ((ما هذا إلا بشر مثلكم ... ولو شاء الله لأنزل ملائكة)) [المؤمنون:
٢٤] فأجيبوا عن قولهم الأولِ بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا﴾ إلخ، وعن
قولهم الأخيرِ بما ذكر، فضمير ((جعلناه)) للرسول المنزل إلى القوم. ولا يخفى أنَّ
جعله جواباً عن اقتراح آخَرَ غيرُ ظاهر من النظمِ الكريم، ولا داعي إليه أصلاً .
وبعضهم جعله جواباً آخَر وجعل الضمير للمطلوب.
واعترض بأنَّ المطلوب أيضاً مَلَك، ولا معنى لقولنا: ولو جعلنا الملك ملكاً،
إلّا أن يقال: المراد: لو جعلنا المطلوب مَلَكيتُه ملكاً.
وتُعقب بأنَّ المطلوب هو النازل المقارِن للرسول وَّر، وحينئذ لا غبار في
الكلام، خَلَا أن لزوم جَعْلِ المَلَك النازل رجلاً لِجَعْلِه ملكاً كما هو مفهوم الآيةِ
الثانية ينافي لزومَ هلاكهم له كما هو مفهوم الآية الأولى؛ لتوقُّف الثاني على عدم
الأوَّل، لأن مبناه على نزوله في صورته لا في صورة رجل، فحينئذ يجب أن تكونَ
الآية جواباً عن اقتراح آخَر، لا جواباً آخَرَ عن الاقتراح الأوَّل، حتى لا يلزمَ
المنافاة .
وأُجيب بأنه على تقدير كونه جواباً آخَر، يكون جواباً على طريق التنزّل،
والمعنى: لو أنزلناه كما اقترحوا لهلكوا، ولو فرضنا عدمَ هلاكهم، فلا بدَّ من
تمثُّله بشراً؛ لأنهم لا يطيقون رؤيته على صورته الحقيقية، فيكون الإِرسال لغواً
لا فائدة فيه .

الآية : ٩
٥٣
سُؤَّةُ الأَنْعَم
وأنت تعلم أن ما عوَّلنا عليه - وهو المرويُّ عن حَبر الأمة - سالمٌ عن مثل هذه
الاعتراضات. نعم ذكر بعض الفضلاء إِشكالاً، وهو أنَّ المقرَّر عند أهل الميزان أنَّ
صدق العکس لازم لصدق الأصل، فعلى هذا یلزم من كذب اللازم کذبُ الملزوم،
فهاهنا عکسُ القضية الصادقة - وهي ((لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا)» ۔ غیرُ صادق،
إذ هو: لو جعلناه رجلاً لجعلناه ملكاً، ولا خفاء في عدم تحقُّقه، فإنَّ الله تعالى قد
جعله رجلاً ولم يجعله مَلَكاً .
والجواب بأنَّ ما ذكره أهل الميزان اصطلاح طارئ فلا يجب موافقةُ قاعدتهم
لقاعدة أهلِ اللسان = غيرُ مَرضيٍّ؛ فإنه قد تقرَّر أن تلك القاعدة غيرُ مخالفة لقاعدة
اللغة، وأنها مما لا خلاف فيه.
وأُجيب عن ذلك بعد تمهيد مقدمة، وهي أنَّ لـ ((لو)) الشرطيةِ استعمالين: لغويًّا،
وهي فيه لانتفاء الثاني لانتفاء الأوَّل، كما في: لو جئتني أكرمتك، ومفهوم القضية
عليه الإِخبارُ بأن شيئاً لم يتحقَّق بسبب عدم تحقّق شيءٍ آخَر. وعرفيًّا تعارفه
الميزانيون فيما بينهم، وذلك أنَّهم جعلوها من أدوات الاتصال لزوميًّا واتفاقيًّا،
وصدق القضية التي هي فيها بمطابقة الحكم باللزوم للواقع، وكَذِبُها بعدمها،
ويحكمون بكذبها وإن تحقَّق طرفاها إذا لم يكن بينهما لزوم. وقد استعملها
اللغویون أيضاً في هذا المعنى، إمَّا بالاشتراك، أو بالمجاز، كما يقال: لو كان زيد
في البلد لرآه أحد، وفي بعض الآثار: ((لو كان الخَضِر حيًّا لزارني)(١) ومن البيِّن
أن المقصود الاستدلالُ بالعدم على العدم، لا الدلالةُ على أنَّ انتفاء الثاني سببُ
انتفاء الأول، وجعلوا من هذا الاستعمال: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِمَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾
[الأنبياء: ٢٢].
وقد اشتبه هذان الاستعمالان على ابن الحاجب حتى قال ما قال بأنَّ قول
المستشكِل: إنَّ عكس القضية الصادقة ... إلخ، إنْ أراد به أنَّ القضية الصادقة
هي المأخوذة باعتبار الاستعمال الأوَّل، فلا نسلِّم أن عكسه ما ذكر، فإنَّ
(١) أورده ملا علي القاري في ((الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة)) ص٢٩٤-٢٩٥ وقال:
قال الحافظ العسقلاني: لم يثبت مرفوعاً، وقال الحافظ الخيضري: لا يعرف له إسناد،
وإنما هو من اختلاق بعض الكذابين.

سُورَةُ الأَنْعَمَا
٥٤
الآية : ٩
عكس: لو جئتني أكرمتك، ليس: لو أكرمتك لجئتني، وإنما يكون كذلك لو
كان الحكمُ في هذا الاستعمال بين الشرط والجزاء بالاتّصال، وليس كذلك، بل
القضية هي الجملة الجزائية، والشرط قيدٌ لها كما صرَّح به السكاكيُّ(١). على
أنَّ بعض أئمَّة التفسير قالوا: المراد من الآية: ولو جعلناه مَلَكاً لجعلناه على
صورة رجل، وأنَّ المقصود بيانُ انتقاض غرضهم من قولهم: لولا أُنزل عليه
مَلَك، يعني أنَّ نزول المَلَك لا يجديهم؛ لأنهم - وهم هم - لا يقدرون على
مشاهدة المَلَك على صورته التي هو عليها، إلَّا أن يجعله متمثِّلاً على صورة
البشر في مرتبةٍ من مراتب التنزُّل حتى تحصلَ لهم معه مناسبةٌ فيروه، فتكون
الآية على هذا بمراحلَ عن أن يُبحث فيها عن أنَّ عكسها ماذا أو كيف حالُها
في الصدق والكذب، فإنها لم تُسَق لبيان لزوم الجعل الثاني للجعل الأوَّل حتى
يستدلَّ بالعدم على العدم، أو بالوجود على الوجود، فنسبة هذا البحثِ إلى الآية
كنسبة السَّمك إلى السِّماك.
وإن أراد به أنَّ القضية الصادقة هي المأخوذةُ باعتبار الاستعمال العرفيِّ
المنطقي، فمسلَّم أنه لا بدَّ من صدق عكسها على تقدير صدق أصلها، لكن لا نسلِّم
كذب العكس هنا على ذلك التقدير، فإنه إذا فُرض لزوم الجعل رجلاً لِلجعل الأول
كليًّا على جميع التقادير، يصدق لزوم الجعل مَلَكاً للجعل رجلاً على بعض
الأوضاع والتقادير، وهو اللازم المقرَّر في قواعدهم، على أنَّ قوله: إنَّ الله تعالى
قد جعله رجلاً ولم يجعله مَلَكاً، لا يليق أن يصدرَ مثلُه من مثله؛ لأنه استدلال
بعدم اللازم مع وجود الملزوم على بطلان اللزوم، وهو كما لو قال قائل: إذا قلنا:
إن كان زيد صاهلاً كان حيواناً، لا يصدق عكسه، وهو قد يكون: إذا كان زيدٌ
حيواناً كان صاهلاً؛ لأنه ليس بصاهل في الواقع، ومنشأ هذا هو ظنُّ أنَّ عدم تحقُّق
أحد الطرفين، أو كليهما ينافي اللزوم. وأنت خبير بأنَّ صدق اللزوم لا يتوقَّف على
تحقّق الطرفين ولا تحققِ المقدَّم. اهـ.
وبحث فيه المولى العلائيُّ:
أمّا أولاً: فبأنَّ كون القضية هي الجملةَ الجزائية والشرطُ قيدٌ لها، كلامٌ ذكره
(١) انظر مفتاح العلوم ص ٤٩٠ فما بعد.

الآية : ٩
٥٥
سُورَةُ الْأَنْقَاء
بعض أهل العربية، وردَّه السيد السَّند، وحقّق اتفاقَ الفريقين على كون الجملة هي
المجموع، وحينئذ كيف يصحُّ بناء الجواب على ذلك؟
وأمّا ثانياً: فبأن المستشكِل لم يستدلَّ بعدم اللازم مع وجود الملزومٍ على
بطلان اللزوم، كما لا يخفَى على الناظر في عبارته.
فالصواب أن يقال: أكثر استعمال ((لو)) عند أهل العربية لمعنيين:
الأول: ما ذكره المجيبُ من انتفاء الثاني لانتفاء الأوَّل.
والثاني: الدلالة على أنَّ الجزاء لازم الوجود في جميع الأزمنة في قصد
المتكلِّم، وذلك إذا كان الشرط يُستبعد استلزامُه لذلك الجزاء، ويكون نقيض ذلك
الشرطِ أنسبَ وأليقَ باستلزام ذلك الجزاء، فيلزم استمرارُ وجود الجزاء على تقدير
وجود الشرط وعدمه، كما في: نِعمَ العبدُ صُهَيب، لو لم يخفِ اللهَ تعالى لم
يَعْصِه(١).
وقد صرَّح المحقِّقون أنَّ الآية إما من قبيل الأوَّل، أي: لو جعلناه قريناً لك
مَلَكاً يعاينونه، أو الرسولَ المرسل إليهم ملكاً، لجعلنا ذلك الملك في صورة رجل،
وما جعلنا ذلك الملكَ في صورة رجل؛ لأنا لم نجعل القرين أو الرسول المرسَل
إليهم ملكاً. وإمّا من قبيل الثاني، أي: ولو جعلنا الرسول مَلَكاً لكان في صورة
رجل، فكيف إذا كان إنساناً. وكلٌّ منهما لا يقبل العكس المذكور، ولا ثالث فلا
إشكال. فتدبّر، فالبحث بعدُ محتاج إلى بسط كلام، ولو بسطناه لأَملَّ الناظرين.
جعله بعضهم جواب محذوف، أي: ولو
﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (
جعلناه رجلاً لَلَبسنا ... إلخ. وكأن الداعيّ إليه إعادةُ لام الجواب؛ فإنه يقتضي
استقلالَه وأنَّه لا ملازمة بين إِرسال المَلَك واللَّبسِ عليهم، فإنه ليس سبباً له بل
لعكسه.
ويجوز أن يكونَ عطفاً على جواب ((لو)) المذكور، ولا ضَير في عطف لازم
الجواب عليه. ونكتة إِعادة اللام أنَّ لازم الشيءٍ بمنزلته، فكأنه جواب (٢).
(١) ذكره أبو عبيد في غريب الحديث ٣٩٤/٣ عن عمر وب قوله، وسلف ١/ ٤٩٢.
(٢) في (م): جلباب، والمثبت موافق لما في حاشية الشهاب ٤/ ٢٥.

سُورَةُ الأَنْتَعَل
٥٦
الآية : ٩
واللَّبس في الأصل السَّتر بالثوب، ويطلق على منع النفس من إدراك الشيءٍ بما
هو كالسَّتر له، يقال: لَبَستُ الأمرَ على القوم أَلبِسه، إذا شبَّهتَ عليهم وجعلته
مشكلاً. قال ابن السكّيت(١): يقال: لبست عليه الأمرَ، إذا خلطته عليه حتى
لا یعرفَ جھته.
أي: لَخلطنا علیهم بتمثیله رجلاً ما يخلطون على أنفسهم حينئذ بأن يقولوا له:
إنما أنت بشرٌ ولست بمَلك. ولو استدلَّ على مَلَكيته بالمعجز كالقرآن ونحوه، كذَّبوه
كما كذَّبوا محمداً ◌َِّ .
وإسناد اللَّبس إليه تعالى لأنه بخلقه سبحانه وتعالى، أو للزومه لِجعله رجلاً.
ويحتمل أن يكونَ المعنى: للبسنا عليهم حينئذ ما يلبسون على أنفسهم الساعةً
في تكذيبهم النبيَّ وَّهِ ونسبةِ آياته البيّنات إلى السِّحر.
و (ما) - على ما اختاره في ((الكشف)) - على الأوَّل موصولة. وعلى الثاني يجوز
أن تكون مصدرية، وهو الأَظهر؛ لاستمرار حذفِ المِثل في نحو: ضربت ضربَ
الأمير. وأن تكونَ موصولة، أي: مثلَ الذي يَلبِسونه.
ومتعلق ((يلبسون)) على الوجهين: على أنفسهم. ويُفهم من كلام الزجَّاج(٢) أنه
على ضعفائهم، حيث قال: كانوا يَلبِسون على ضعفائهم في أمر النبيِّ بَّارِ،
فيقولون: إنَّما هذا بشر مثلكم، فأخبر سبحانه وتعالى أنه لو جعلنا المرسَل إليهم
ملكاً، لأريناهم إياه في صورة الرجل، وحينئذٍ يَلحقهم فيه من اللَّبس مثلُ ما لحق
ضعفاءهم منه .
وقرأ ابن محيصن: ((ولَبَسنا)) بلام واحدة، والزهريُّ: ((وللبَّسنا عليهم ما يَلبِسون))
بالتشديد(٣).
هذا وقد ذكر الإِمام الرازيُّ(٤) في بيان وجهِ الحكمة في جعل المَلَك - على
(١) في إصلاح المنطق ص ٢٣٠.
(٢) في معاني القرآن ٢٣١/٢.
(٣) القراءات الشاذة ص٣٦.
(٤) في تفسيره ١٢/ ١٦٢.

الآية : ١٠
٥٧
سُورَةُ الأَنْعَل
تقدير إنزاله - في صورة البشر أموراً: الأوَّل: أن الجِنس إلى الجنس أَميَل.
الثاني: أن البشر لا يُطيق رؤيةً الملك. الثالث: أنَّ طاعاتِ الملك قوية،
فيستحقرون طاعات البشر، وربما لا يَعذُرونهم في الإِقدام على المعاصي.
الرابع: أن النبوّة فضل من الله تعالى، فيختصُّ بها من يشاء من عباده، سواءٌ كان
ملكاً أو بشراً.
ولا يخفى أنه يَرِد على الوجه الثالث أنه إنما يتمُّ إذا تبدَّلت حقيقة الملك المقدَّرِ
نزولُه بحقيقة البشر، وهو مع كونه من انقلاب الحقائق خلافُ ما يفهم من كتب أئمّة
التفسير من أن التبدُّل صوريٌّ لا حقيقي. وأنَّ الوجه الرابع لا يظهر وجهُ كونه حكمةً
لتصوير المَلَك بصورة البشر.
وقول العلائيّ: لعل وجهه أن المصوّر الذي قدِّر كونه نبيًّا لمَّا اشتمل على
جهتين: البشرية صورةً، والمَلَكية حقيقة، لم يَبعد أن يكون دليلاً على أن النبوّة
فضل من الله تعالى يختصُّ بها من يشاء من عباده، سواءٌ كان ملكاً كهذا المصوَّر
باعتبار حقيقته، أو بشراً مثلَه باعتبار صورته = مما لا يتبلَّج له وجهُ القبول.
﴿وَلَقَدِ أُسْنُهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ تسليةٌ لرسول الله و ﴿ عما يلقاه من قومه،
كالوليد بنِ المغيرة، وأمية بن خلف، وأبي جهل، وأضرابهم، أي: إنك لست أولَ
رسول استهزأ به قومُه، فكم وكم من رسول جليلِ الشأن فُعل معه ذلك. فالتنوين
للتفخيم والتكثير، و((من)) ابتداء متعلِّقة بمحذوف وقع صفةً لـ ((رسل))، والكلام على
حذف مضاف. وفي تصدير الجملة بالقَسَم وحرفِ التحقيق من الاعتناء ما لا
یخفی.
وكون التسلية بهذا المقدار مِمَّا خفي على بعض الفضلاء، وهو ظاهر. ولك أن
تقول: إنَّ التسلية به وبما بعده من قوله تعالى: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا
كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴾﴾ لأنه متضمّن أنَّ من استهزأ بالرسل عوقب، فكأنه سبحانه
وتعالى وعده وَّرُ بعقوبة مَن استهزأ به عليه الصلاة والسلام إن أصرَّ على ذلك.
و((حاق)) بمعنى أَحاط، كما روي عن الضخَّاك، واختاره الزجَّاج(١). وفسَّره
(١) في معاني القرآن ٤١/٣.

سُوَبَةُ الأَنَا
٥٨
الآية : ١٠
الفرَّاء(١) بـ: عاد عليه وبالُ أمره. وقيل: حلَّ. واختاره الطبرسيّ(٢). وقيل: نزل.
وهو قريبٌ من سابقه. ومعناه يدور على الإِحاطة والشمول، ولا يكاد يستعمل إلا
في الشرِ، کما قال:
فأَوطاً جُردَ الخيل عُقرَ ديارهمْ وحاق بهم من بأسٍ ضبَّة حائقُ(٣)
وقال الراغب: أصله(٤) حقَّ، فأُبدل من أحد حرفَي التضعيف حرفُ علَّة، كـ :
تظََّت، وتظنَّيت، أو هو مثل: ذمَّه وذامَه.
والمعروف في اللغة ما اختاره الزجَّاج. وقال الأزهريّ(٥): جعل أبو إسحاق.
حاق بمعنى أَحاط، وكأنه جعل مادَّته من الحُوق بالضمّ، وهو ما أحاط بالكَمَرة من
حروفها .
وقد يفتح كما في ((القاموس)) (٦)، وجَعَلَ أحد معاني الحَوق - بالفتح - الإِحاطةَ.
وفيه أيضاً(٧): حاق به يَحيق حَيقاً وحُيوقاً وحَيَقاناً - بفتح الياء -: أَحاط به،
كأحاق. و[حاق] فيه السيفُ: حاك، و[حاق] بهم الأمر: لزمهم ووجب عليهم
ونزل، وأَحاق اللهُ تعالى بهم مَكْرَهم. والحَيْق ما يشتمل على الإِنسان من مكروهٍ
فِعله. وظاهره أنَّ حاق يائيٍّ، وعليه غالبُ أهل اللغة، وهو مخالف لظاهر كلام
الأزهريِّ من أنه واويٌّ.
و ((منهم)) متعلّق بـ ((سخروا) والضمير للرُّسل. ويقال: سخر منه وبه، كـ: هَزِئ
منه وبه، فهما متَّحدان معنّى واستعمالاً. وقيل: السُّخرية والاستهزاء بمعنّى، لكن
الأول قد يتعدَّى بـ ((مِن)) والباء.
(١) في معاني القرآن ٥٦/٣.
(٢) في مجمع البيان ١٦/٧ .
(٣) البيت في المحرر الوجيز ٢/ ٢٧٠، والبحر ٦٦/٤، والدر المصون ٥٤٦/٤، واللباب
٤٢/٨، وحاشية الشهاب ٢٦/٤، ووقع في الأصل و(م) والحاشية: ضربة، بدل: ضبة.
(٤) في المفردات (حاق): قيل: أصله ...
(٥) في تهذيب اللغة ١٢٦/٥ .
(٦) مادة (حوق).
(٧) في مادة (حيق). وما سيأتي بين حاصرتين منه.

الآية : ١٠
٥٩
سُورَةُ الأَنْسَعَل
وفي ((الدُّرّ المصون))(١): لا يقال إلَّا: استهزأ به، ولا يتعدَّى بـ (مِن)).
وجوَّز أبو البقاء(٢) أن يكون الضميرُ للمستهزئين، والجارُّ والمجرور حينئذ
متعلّق بمحذوف وقع حالاً من ضمير الفاعل في ((سخروا)).
ورُدَّ بأنَّ المعنى حينئذ: فحاق بالذين سخروا كائنين من المستهزئين، ولا فائدةً
لهذه الحال؛ لانفهامها مِن ((سخروا)).
وأُجيب بأنَّ هذا مبنيٌّ على أنَّ الاستهزاء والسخرية بمعنّى، وليس بلازم. فلعل
مَن جعل الضمير للمستهزئين، يجعل الاستهزاءَ بمعنى طلب الهزء، فيصحُّ بيانه ولا
يكون في النَّظم تكرار. فعن الراغب(٣): الاستهزاء: ارتياد الهزءٍ، وإن كان قد يعبّر
به عن تعاطي الهزء، كالاستجابة في كونها ارتياداً للإجابة وإن كان قد يجري مَجرى
الإِجابة.
وجوِّز رجوعُ الضمير إلى أمم الرسل، ونُسب إلى الحوفي. وردَّه أبو حيان(٤)
بأنه يَلزم إرجاعُ الضمير إلى غيرِ مذكور. وأُجيب عنه بأنه في قوَّة المذكور.
و((بالذين)) متعلّق بـ ((حاق)) وتقدیمُه على فاعله - وهو ((ما)) - للمسارعة إلى بيان
لُحوق الشرِّ بهم. وهي إمَّا مصدرية، وضميرُ ((به)) للرسول الذي في ضمنِ الرسل.
وإمَّا موصولة، والضمير لها، والكلامُ على حذف مضاف، أي: فأحاط بهم وبالُ
الذي كانوا يستهزئون به. وقد يقال: لا حاجةً إلى تقدير مضاف، وفي الكلام
إِطلاق السبب على المسبَّب؛ لأن المحيط بهم هو العذاب ونحوُه، لا الاستهزاء
ولا المستهزَأ به، لكنْ وضع ذلك موضعَه مبالغةً.
وقيل: إنَّ المراد من الذي كانوا يستهزئون به هو العذابُ الذي كان الرسل
يخوِّفونهم إياه، فلا حاجةً إلى ارتكاب التجوُّز السابق أو الحذفِ. وقد اختار ذلك
الإِمام الواحديُّ. والاعتراضُ عليه بأنه لا قرينة على أنَّ المراد بالمستهزأ به هو
(١) ٤ / ٥٤٧ .
(٢) في الإملاء ٢/ ٥١٤-٥١٥.
(٣) في المفردات (هزؤ).
(٤) في البحر ٤/ ٨٠.

٦٠
الآية : ١١
العذابُ، بل السِّياق دليل على أنَّ المستهزأ بهم الرسلُ عليهم الصلاة والسلام:
يدفعه أنَّ الاستهزاء بالرسل عليهم الصلاة والسلام مستلزِم لاستهزائهم بما جاؤوا به
وتوَّدوا قومهم بنزوله، وأنَّ مِثله لظهوره لا يحتاج إلى قرينة.
ومن الناس مَن زعم أنَّ ((حاق بهم)) كنايةٌ عن إهلاكهم، وإسنادُه إلى ما أسند
إليه مجاز عقليٍّ، من قبيل: أَقدمَني بلدَك حقٌّ لي على فلان، إذ من المعلوم من
مذهب أهل الحقِّ أنَّ المُهلِك ليس إلا الله تعالى، فإسناده إلى غيره لا يكون إلَّا
مجازاً.
وأنت تعلم أن الحَيق الإِحاطة، ونسبتها إلى العذاب لا شبهة في أنها حقيقة،
ولا داعيَ إلى تفسيره بالإِهلاك وارتكابِ المجاز العقلي. ولعل مرادَ مَن فسَّر بذلك
بيانُ مؤدَّى الكلام ومجموعٍ معناه. نَعَم إذا قلنا: إن الإحاطة إنما تكون للأجسام
دون المعاني، فلا بدَّ من ارتكاب تجوُّز في الكلام على تقدير إسنادها إلى العذاب،
لكن لا على الوجه الذي ذكره هذا الزاعمُ، كما لا يخفى.
وفي جمع ((كانوا)) و((يستهزئون)) ما مرَّ غيرَ مرَّة في أمثاله. و((به)) متعلِّق بما
بعده. وتقديمُه لرعاية الفواصل.
خطاب
﴿قُلّ سِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
لسيِّد المخاطَبين ◌َّه بإنذار قومه، وتذكيرِهم بأحوال الأمم الخالية وما حاق بهم
لسوء أفعالهم، تحذيراً لهم عما هم عليه مما يحاكي تلك الأفعالَ. وفي ذلك أيضاً
تكملةٌ لتسليته عليه الصلاة والسلام بما في ضمنه من العِدَة اللطيفة بأنه سيَحيق بهم
مثلُ ما حاق بأضرابهم الأوَّلين. وقد أَنجزَ سبحانه وتعالى ذلك إِنجازاً أَظهرَ من
الشمس يومَ بدر.
والمراد من النظر التفكّر. وقيل: النظر بالأَبصار. وجمع بينهما الطبرسيُّ(١) بناءً
على القول بجواز مثل ذلك.
و((كيف)) خبر مقدَّم لـ ((كان))، أو حال، وهي تامّة. والعاقبة مآل الشيء، وهي
مصدر کالعافية.
(١) في تفسيره ٧/ ١٧ .