النص المفهرس

صفحات 21-40

الآية : ١
٢١
سُؤَدَّةُ الأَنْعَل
الثاني: أنَّ البياض قد يكون مضيئاً ومشرقاً، وكذلك السوادُ؛ فإنَّ الضوء ثابت
لهما جميعاً، فلو كان كون كلٍّ منهما مضيئاً نفسَ ذاته، لزم أن يكونَ الضوء بعضُه
مضادًا للبعض، وهو محال؛ إذ الضوء لا يقابله إلَّا الظلمة.
الثالث: أنَّ اللون يوجد من غير الضوء، فإن السواد مثلاً قد لا يكون مضيئاً،
وكذلك الضوءُ قد يوجد بدون اللون، مثل الماء والبلّور إذا كانا في ظلمة ووقع
الضوء عليه وحده، فإنه حينئذ يُرى ضوءُه، فذلك ضوء وليس بلون، فإذا وجد كلّ
منهما دون الآخَر، فلا بدَّ من التغاير.
الرابع: أن المضيء الملوَّن (١) تارة ينعكس منه الضوءُ وحده إلى غيره، وتارةً
ينعكس منه الضوء واللون، وذلك إذا كان قويًّا فيهما جميعاً، فلو كان الضوء ظهورَ
اللون، لاستحال أن يفيد غيرَه بريقاً ساذجاً. وكون هذا البريقِ عبارةً عن إظهار لون
ذلك القابلِ يَرِد عليه أنه لماذا إذا اشتدَّ لونُ الجسم المنعكس منه وضوءُه، أَخفَى
لونَ المنعكس إليه وأبطله وأعطاه لونَ نفسه؟ إلى غير ذلك من الأَدلّة.
وفرَّق الإمام(٢) بين النور، والضوء، والشُّعاع، والبريق: بأنَّ الأجسام إذا صارت
ظاهرةً بالفعل مستنيرة، فإن ذلك الظهورَ كيفيةٌ ثابتة فيها منبسطة عليها من غير أن
يقال: إنها سواءٌ، أو بياض، أو حمرة، أو صفرة. والآخر اللَّمعان، وهو الذي
يترقرق على الأجسام ويستر لونَها وكأنه شيءٌ يفيض منها، وكلُّ واحد من القسمين إمّا
أن يكون من ذاته، أو من غيره، فالظهور للشيء الذي من ذاته كما للشمس والنار
يسمَّى ضوءاً، والظهور الذي للشيء من غيره يسمَّى نوراً، والترقرق الذي للشيء من
ذاته كما للشمس يسمَّى شعاعاً، والذي يكون للشيء من غيره كما للمرآة يسمَّى بريقاً.
وقد تقدَّم لك الكلامُ في الفرق بين النور والضوء في سورة البقرة أيضاً(٣)،
وكذا الكلامُ في الظلمة والنسبةِ بينها وبين النور. والمشهور أنَّ بينهما تقابلَ العدم
والمَلَكة؛ ولهذا قدِّمت الظلمات على النور في الآية الكريمة، فقد صرَّحوا بأنَّ
الأَعدام مقدّمة على الملكات.
(١) في (م): للون.
(٢) أي: ابن سينا في كتابه الشفاء (الطبيعيات - النفس) ص٧٦ وما بعدها.
(٣) ٤٦٧/١ فما بعد.

سُؤَدَّةُ الأَنْقَهُ
٢٢
الآية : ١
وتحقيق ذلك على ما ذكره بعضُ المحقّقين أنه إذا تقابل شيئان أحدُهما وجوديٌّ
فقط، فإن اعتُبر التقابل بالنسبة إلى موضوع قابلٍ للأمر الوجودي، إمَّا بحسَب شخصه،
أو بحسب نوعه، أو بحسب جنسه القريب، أو البعيد، فهما العدمُ والمَلَكة الحقيقيان،
أو بحسب الوقت الذي يمكن حصولُه فيه، فهما العدم والملكة المشهوران، وإن لم
يُعتبَر فيهما ذلك، فهما السلب والإِيجاب. فالعدم المشهور في العمَى والبصر هو
ارتفاع الشيء الوجودي كالقدرة على الإبصار مع ما ينشأ من المادة المهيَّأة لقبوله في
الوقت الذي من شأنها ذلك فيه، كما حقّق في ((حكمة العين)) وشرحها .
فإذا تحقَّق أنَّ كل قابل لأمر وجوديٍّ في ابتداء قابليته واستعدادِهِ متَّصفٌ بذلك
العدم قبل وجود ذلك الأمر بالفعل، تبيَّن أنَّ كل ملكة مسبوقةٌ بعدمها؛ لأن(١)
وجود تلك الصفةِ بالقوَّة، وهو متقدِّم على وجودها بالفعل.
وقال المولى ميرزاجان(٢): لا بدّ في تقابل العدم والمَلَكة أن يؤخذَ في مفهوم
العدميّ كونُ المحلِّ قابلاً للوجودي، ولا يكفي نسبة [العدميِّ إلى] المحلِّ القابل
للوجوديِّ من غير أن يعتبرَ في مفهوم العدميِّ كونُ المحلِّ قابلاً له؛ ولذا صرَّحوا
بأنَّ تقابل العدم والوجود تقابلُ الإِيجاب والسلب.
قال في ((الشِّفاء)»: العمَى: هو عدم البصر بالفعل مع وجوده بالقوّة، وهذا مما
لا بدَّ منه في معناه المشهور. انتهى. وبه يندفع بعضُ الشكوك التي عرضت لبعض
الناظرين في هذا المقام.
وقيل في تقدُّم عدم الملكة على الوجود: إنَّ عدم الملكة عدٌ مخصوص،
والعدم المطلق في ضمنه، وهو متقدِّم على الوجود في سائر المخلوقات، ولذا قال
الإِمام(٣) : إنما قدَّم الظلماتِ على النور؛ لأن عدم المحدثات متقدِّم على وجودها،
كما جاء في حديثٍ رواه أحمد والترمذيُّ(٤) عن عبد الله بن عمرو بن العاص:
(١) في حاشية الشهاب ٤/ ٧ (والكلام منه): لأنها .
(٢) هو العلامة المحقق حبيب الله الشيرازي المتوفى سنة (٩٩٤هـ)، له حاشية على المطول في
البلاغة. كشف الظنون ١/ ٤٧٥. وما سيأتي بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٤ / ٧.
(٣) في تفسيره ١٢ / ١٥١، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٨/٤.
(٤) مسند أحمد (٦٦٤٤) و(٦٨٥٤)، وسنن الترمذي (٢٦٤٢) وقال: هذا حديث حسن.

الآية : ١
٢٣
سُورَةُ الأَنْفُ
(إنَّ الله تعالى خلق الخلقَ في ظُلمة، ثم رشَّ عليهم من نوره) وفي أخرى: ((ثم
أَلقى عليهم من نوره، فمن أَصابه نورُه اهتدى، ومن أخطأه ضلّ، فلذلك جفَّ
القلم بما هو كائن)).
وعليه: الظلمة في الخبر بمعنى العدم، والنورُ بمعنى الوجود، ولا يلائمه سياقُ
الحديث. والظاهر ما قيل: الظلمة عدمُ الهداية وظلمةُ الطبيعة، والنور الهداية.
ومن المتكلِّمين مَن زعم أنَّ الظلمة عَرَض يضادُّ النور، واحتجَّ لذلك بهذه
الآية، ولم يعلم أنَّ عدم الملكة كالعمى ليس صِرفَ العدم حتى لا يتعلَّقَ به الجعل.
وتحقيقه ـ على ما قيل - أنَّ الجعل هنا ليس بمعنى الخلق والإِيجاد، بل تضمين
شيءٍ شيئاً وتصييرُه قائماً به قيامَ المظروف بالظرف أو الصفةِ بالموصوف، والعدم
من الثاني، فصحَّ تعلَّق الجعل به وإن لم يكن موجوداً عينيًّا. وفي ((الطوالع))(١): أن
العدم المتجدِّد يجوز أن يكونَ بفعل الفاعل كالوجود الحادث. فافهم ذاك، والله
تعالى يتولَّى هداك.
﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ بَعْدِلُونَ ﴾﴾ يحتمل أن يكونَ ((يعدلون)) فيه من العدل
بمعنى العُدول، أو منه بمعنى التسوية، والكفر يحتمل أن يكونَ بمعنى الشرك
المقابِل للإِيمان، أو بمعنى كفران النِّعمة .
والباء يحتمل أن تتعلَّق بـ ((كفروا)) وأن تتعلقَ بـ ((يعدلون)).
وعلى التقادير، فالجملة إمّا إنشائيّة لإنشاء الاستبعاد، أو إخبارية واردة للإِخبار
عن شناعة ما هم عليه. ثم هي إمَّا معطوفة على جملة ((الحمد لله)) إنشاءً، أو
إخباراً، أو على قوله سبحانه: ((خلق)) صلةَ ((الذي))، أو على ((الظلمات)) مفعول
((جعل)). فالاحتمالات ترتقي إلى أربعة وستِّين حاصلةٍ من ضرب ستةً عشَرَ
احتمالاتِ المعطوف في أربعة، أعني احتمالاتِ المعطوف عليه، وإذا لوحظ هناك
أمورٌ أُخَرُ مشهورةٌ بلغت الاحتمالاتُ أربعةَ آلاف وزيادةً، ولكن ليس لنا إلى هذه
الملاحظة كبيرُ داعٍ .
(١) واسمه: ((طوالع الأنوار)) للبيضاوي، مختصر في علم الكلام، وقد طبع غير ما مرة في دار
الجيل والمكتبة الأزهرية وغيرهما .

سُورَةُ الَّتْعَل
٢٤
الآية : ١
والذي اختاره كثير من المحقّقين من تلك الاحتمالاتِ: أن تكونَ الجملة
معطوفةً على جملة الحمد، والعدلُ بمعنى العدول، أي: الانصراف، والجارُّ متعلّق
بـ «كفروا)» وهو من الكفر بمعنى الشِّرك، أو كفرانِ النعمة، ويقدَّر مضاف بعد
الجارّ. والمعنى: إنَّ الله تعالى حقيقٌ بالحمد على ما خلق من النِّعم الجسام، التي
أنعم بها على الخاصِّ والعامّ، ثم الذين أشركوا به أو كفروا بنعمه يعدلون فيكفرون
نعمه .
وأن تكونَ معطوفةً على جملة الصِّلة، والعدلُ بمعنى التسوية، والجارُّ متعلِّق
به، والكفر بأحد المعنيين. والمعنى: أنه سبحانه خلق هذه النعمَ الجسام
والمخلوقاتِ العظامَ التي دخل فيها كلُّ ما سواه، ثم إنَّ هؤلاء الكفرة أو هؤلاء
الجاحدين للنعم يسوُّون به غيرَه مِمَّن لا يقدر عليها وهم في قبضة تصرُّفه ومهادٍ
تربيته .
و(ثم)) لاستبعاد ما وقع من الذين كفروا، أو للتوبيخ عليه كما قال ابنُ
عطية(١). وجعلها أبو حيّان(٢) لمجرَّد التراخي في الزمان. وهو وإن صحَّ هنا
باعتبار أنَّ كل ممتدٍّ يصح فيه التراخي باعتبار أوَّله، والفورُ باعتبار آخِرِه، كما حقَّقه
النحاة، إلَّ أنَّ ما ذكر أوفقُ بالمقام.
ونكتة وضع ((الرب)) موضعَ ضميره تعالى على كلِّ تقدير تأكيدُ أمر الاستبعاد.
ووَجْهُ جعل الباءِ متعلقةً بـ ((يعدلون)) على أحد احتمالَيه، وبـ ((كفروا)) على
الاحتمال الآخَر، أنه إذا كان من العدل بمعنى التسوية يقتضي التوصُّلَ بالباء،
بخلاف ما إذا كان منه بمعنى العدول، فالظاهرُ أنها حينئذ متعلِّقةٌ بما قبلها .
وما قاله المحقِّق التفتازانيُّ من أنه لا مخصِّص لكلٍّ من توجيهَي ((بربهم
يعدلون)» بواحد من العطفين، يمكن دفعه بأنَّ وجه تخصيص كلِّ بما خصص به
اتِّساقُ نظم الآية حينئذ، وظهورُ شدَّة المناسبة بين ما عطف بـ ((ثم)) الاستبعادية وبين
ما عطف عليه؛ وذلك لأنه إذا قيل مثلاً في الصورة الأولى: إنَّ الله تعالى استحقَّ
(١) في المحرر الوجيز ٢٦٦/٢.
(٢) في البحر المحيط ٤ / ٦٩ .

الآية : ١
٢٥
سُورَةُ الأَنْعَل
جميعَ المحامد من العباد، فُهِمَ منه أنَّ العدول عنه تعالى والإِعراضَ عن حمده
سبحانه في غاية الاستبعاد، فيناسب أن يقال: ثم الذين كفروا بربِّهم يَعدلون عنه فلا
يَحمدونه ولا يلتفتون لَفتة، ولا يناسب أن يقال: إنهم يسوُّون به غيره؛ إذ لم يسبق
صريحاً وبالقصد الأَوَّليّ ما ينفي التسوية. وإذا قيل مثلاً في الصورة الثانية: إنه
جلّ(١) شأنه خلق هذه الأجسامَ العظام مِمَّا لا يقدر عليه أحد، ناسَبَ في الاستبعاد
أن يقال: ثم الذين كفروا يسوُّون به ما لا يقدر على شيء، لا أنَّهم لا يحمدونه
ويُعرضون عنه .
وقال بعض المحقّقين: إذا كان المعنى على الأوَّل: الحمد والثناء مستحقٌّ
للمنعِم بهذه النِّعم الشاملة سائر الأمم، فكيف يتأتَّى من الكفرة والمشركين
المستغرقين في بحار إحسانه العدولُ عنه؟ وعلى الثاني: المعروفُ بالقدرة على
إيجاد هذه المخلوقاتِ العظام التي دخل فيها كلُّ ما سواه من الخاصِّ والعامّ
كيف يتسنَّى لهؤلاء الكفرةِ أو لهؤلاء الجاحدين للنعم أن يسوُّوا به غيرَه وهم في
قبضته؟ فوجه التخصيص في الأوَّل: أنه لا يخفَى استبعاد انصرافِ العبد عن سيده
ووليِّ نعمته إلى سواه، بخلاف التسوية، فإن المنعِم قد يساويه غيرُه ممن يحسن
إلى غيره. وفي الثاني: أن استبعاد التسوية عليه مِمَّا لا يكاد يتصوَّر، بخلاف
العدول عنه، فإنه قد يتصوَّر لجهل العادل بحقِّه وما يليق بحقه(٢)؛ فإنَّ العدول
لا ينافي عدمَ المعرفة، بخلاف التسوية، فإنه لا يسوِّي بين شيئين لا يعرفهما
بوجهٍ ما . فتدبّر.
واعترض غيرُ واحدٍ على العطف على الصِّلة بأنه لا وجه لضمٍّ ما لا دخل له
في استحقاق الحمدِ إلى ما لَه ذلك، ثم جعل المجموع صلةً في مقام يقتضي كونَ
الصلة محموداً عليه.
وأجيب: بأن في الكلام على ذلك التقدير إشارةً إلى علوِّ شأنه تعالى وعمومٍ
إحسانه للمستحقِّ وغيره، حيث يُنعِم بمثل تلك النعم الجليلة على مَن لا يحمده
ويشرك به جلَّ شأنه، وفي ذلك تعظيم مُنْبئٌ عن كمال الاستحقاق.
(١) في (م): جعل.
(٢) كذا في الأصل و(م)، وفي حاشية الشهاب ٩/٤ (والكلام فيه بنحوه): بعظمته.

سُورَةُ الأَنْعَوَم
٢٦
الآية : ١
وقد يقال: وقوع هذا المعطوف موقعَ المحمود عليه باعتبار معنى التعظيم
المستفاد من إِنكار مضمونه، فكأنه قيل: الحمد لله جلَّ جنابُه عن أن يُعدَل به شيءٍ.
لكن لا يخفى أنَّ المحمود عليه يجب في المشهور أن يكون جميلاً اختياريًّا، وما
ذكر ليس كذلك، فعليه لا بدَّ من التأويل.
وذكر شيخ الإسلام(١) في الاعتراض على العطف المذكور: أنَّ ما ينتظم في
سلك الصلةِ المنبئة عن موجبات حمده تعالى حقُّه أن يكونَ له دخل في ذلك الإنباءِ
في الجملة، ولا ريب في أنَّ كفرهم بمعزل عنه. وادِّعاءُ أنَّ له دخلاً فيه لدلالته
على كمال الجودِ، كأنه قيل: الحمد لله الذي أنعم بمثل هذه النعم العظام على مَن
لا يحمده = تعسُّفٌ لا يساعده النظام، وتعكيسٌ يأباه المقام. كيف لا وسياق النَّظم
الكريم - كما تُفصح عنه الآياتُ - لتوبيخ الكفرة ببيان غاية إِساءتهم في حقِّه سبحانه
وتعالى مع نهاية إِحسانه تعالى إليهم، لا بيانِ إحسانه تعالى إليهم مع غاية إِساءتهم
في حقِّه عزَّ وجلَّ كما يقتضيه الادِّعاء المذكور. وبهذا اتَّضح أنَّه لا سبيل إلى جعل
المعطوف من روادف المعطوف عليه؛ لِمَا أنَّ حقَّ الصلة أن تكون غيرَ مقصودة
الإِفادة، فما ظنُّك بروادفها، وقد عرفت أنَّ المعطوف هو الذي سيق له الكلام.
انتھی .
ورُدَّ بأنه لا شكَّ في أنه على هذا الوجهِ يراد: الحمد لله الذي أنعم بهذه النعم
الجسام على مَن لا يحمده. ولا تعسُّف فيه؛ لبلاغته. وادِّعاء التعكيس ممنوع، فإن
المقام مقامُ الحمد كما تفيده الجملة المصدَّر بها، وما بعده كلام آخَر، ولا يترك
مقتضَى مقام لأجل مقتضَى مقامٍ آخَر، إذ لكلِّ مقام مقال.
واعتُرض أيضاً بأنه لا يصحُّ من جهة العربية، لأن الجملة خاليةٌ من رابط
يربطها بالموصول، اللهم إلَّ أن يخرَّج على نحو قولهم: أبو سعيد [الذي] رويتُ
عن الخدري(٢)، حيث وضع الظاهر موضعَ الضمير، وكأنه قيل: ثم الذين كفروا به
يَعدلون، إلا أنَّ هذا من النُّدور بحيث لا يقاس عليه، فلا ينبغي حملُ كتابِ الله
تعالى على مثله مع إمكان حمله على الوجه الصحيحِ الفصيح.
(١) في تفسيره ١٠٥/٣-١٠٦.
(٢) يريدون: عنه، كما في حاشية الشهاب ٤/ ١٠، وما بين حاصرتين منه.

الآية : ١
٢٧
سُورَةُ الأَنْعَّ
وأجيب: بأنه لا يلزم من ضعف ذلك في ربط الصلة ابتداءً ضعفُه فيما عطف
عليها، فكثيراً ما يغتفر في التابع ما لا يُغتفر في غيره. والجواب بأن هذا العطفَ
لا يحتاج إلى الرابط عجيبٌ؛ لأنه لم يقل أحدٌ من النحاة: إنَّ المعطوف على الصلة
بـ (ثم)) يجوز خلوُّه عن الرابط، وغاية ما ذكروه أنه نكتةٌ للربط بالاسم.
واعترض شيخ الإِسلام(١) على احتمال أن يرادَ بالعدل العدولُ مع اعتبار
التشنيع عليهم بعدم الحمد: بأنَّ كفرهم به تعالى لاسيَّما باعتبار ربوبيته أشدُّ شناعة
وأعظم جنايةً من عدولهم عن حمده سبحانه، فجَعْلُ أهونِ الشّرَّين عمدةً في الكلام
مقصوداً بالإفادة، وإِخراجُ أعظمهما مُخْرَجَ القيد المفروغ منه، مِمَّا لا عهدة له في
الكلام السديد، فكيف بالنَّظم التنزيلي؟
وأجيب: بأنه لَمَّا كان المقام مقامَ الحمد، ناسب التشنيع علیهم بذلك، فلا يَرِد
اعتراض الشيخ، وقد ذكر هو قدّس سرُّه توجيهاً للآية وادَّعى أنه الحقيقُ بجزالة
التنزيل، وحظّ عليه الشهاب فيه، ولعل الأمر أهونُ من ذلك.
والذي تصدح به كلماتهم أنَّ صلة ((يعدلون)) على تقدير أن يكونَ من العدل
بمعنى العدول متروكةٌ؛ ليقعَ الإِنكار على نفس الفعل، وإنما قدَّروا له مفعولاً على
تقدير أن يكونَ من العدل بمعنى التسوية، فقالوا: غيرَه، أو الأَوثان؛ لأنه لا يَحسُن
إنكار العدل، بخلاف إنكار العدول.
ونُظر في ذلك بأنَّ مجرَّد العدول بدون اعتبار متعلَّقه غيرُ منكر، أَلَا ترى أنَّ العدول
عن الباطل لا ينكر، فالظاهر اعتبارُ المتعلَّق، إلَّا أنه حُذف لأجل الفاصلة، كما أن
تقديم ((بربهم)) - على احتمال تعلُّقه بما بعدُ - لذلك، ويجوز أن يكونَ للاهتمام.
وقال بعض المحقّقين: إنَّ هذا وإنْ تراءى في بادئ النظر، لكنه عند التحقيق
ليس بوارد؛ لأنَّ العدول وإن كان له فردان، أحدُهما مذموم: وهو العدول عن
الحقِّ إلى الباطل، وممدوح: وهو العدول عن الباطل إلى الحقِّ، لكن العدولَ
الموصوف به الكفارُ لا يحتمل الثاني؛ فلتعيُّنه لا يحتاج إلى تقدير متعلَّق. وتنزيلُه
منزلةَ اللازم أَبلغُ عند التأمُّل، بخلاف التسوية، فإنها من النِّسب التي لا تتصوَّر
(١) في تفسيره ١٠٥/٣ .

سُورَةُ الأَنْعَم
٢٨
الآية : ٢
بدون المتعلق؛ فلذا قدَّروه. ومن هذا يُعلم أنَّ تنزيل الفعل منزلةَ اللازم الشائعِ فيما
بينهم إنما يكون أو يَحسُن فيما ليس من قبيل النِّسَب.
هذا وأخرج ابن الضُّرَيس في ((فضائل القرآن)) وابنُ جرير وابن المنذر وغيرُهم
عن كعب قال: فُتحت التوراة بـ: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ
اُلُّلْمَتِ وَالنُّورِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. وخُتمت بـ: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذُ
وَلَدََّ﴾ إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَيِّهُ تَكْبِرًا﴾ [الإسراء: ١١١] (١).
﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ﴾ استئنافٌ مَسوق لبيان كفرهم بالبعث، والخطاب - وإن
صحَّ كونه عامًّا - لكنه هنا خاصٌّ بالذين كفروا كما يدلُّ عليه الخطابُ الآتي، ففيه
التفات. والنُّكتة فيه زيادة التشنيع والتوبيخ. وتخصيصُ خلقهم بالذِّكر من بين سائر
أدلَّة صحةِ البعث مع أنَّ ما تقدم من أَظهر أدلته؛ لِمَا أنَّ دليل الأَنفُس أقربُ إلى
الناظر من دليل الآفاق الذي في الآية السابقة.
ومعنى خلق المخاطبين من طين أنَّه ابتدأ خلقَهم منه، فإنه المادةُ الأُولى؛ لِمَا أنه
أصلُ آدَمَ عليه الصلاة والسلام، وهو أصل سائرِ البشر، ولم يَنسُب سبحانه الخلقَ إليه
عليه الصلاة والسلام مع أنه المخلوقُ منه حقيقةً، وكفايةٍ(٢) ذلك في الغرض الذي
سيق له الكلام؛ توضيحاً لمنهاج القياس، ومبالغةً في إزاحة الشُّبهة والالتباس.
وقيل في توجيه خلقهم منه: إنَّ الإنسان مخلوق من النطفة والطَّمث، وهما من
الأغذية الحاصلة من التُّراب، بالذات أو بالواسطة.
وقال المهدويُّ في ذلك: إنَّ كلَّ إنسان مخلوقٌ ابتداءً من طين؛ لخبر: ((ما من
مولود يولَد إلَّا ويُذرُّ على نطفته من تراب حفرته))(٣). وفي القلب من هذا شيءٌ،
والحديث إن صحَّ لا يخلو من ضرب من التجوُّز.
(١) فضائل القرآن لابن الضريس (١٩٧)، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٣/٣، ولم نقف عليه
في تفسير الطبري هكذا، بل فيه ٩/ ١٤٧ عن كعب بدل: وختمت بـ ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ
وَلَدًا﴾ إلخ: وخاتمة التوراة خاتمة هود.
(٢) أي: ومع كفاية ذلك ...
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٢٨٠ من حديث أبي هريرة حوله وقال: حديث غريب. وقال
ابن تيمية: هذا لا يثبت، وما روي فيه كله ضعيف. مجموع الفتاوى ٢٧/ ٢٦١.

الآية : ٢
٢٩
سُؤَدَّةُ الأَنْعَم
وقيل: الكلام على حذفٍ مضاف، أي: خلق آباءكم.
وأيًّا ما كان، ففيه من وضوح الدَّلالة على كمال قدرته تعالى شأنُه على البعث
ما لا يخفى؛ فإنَّ من قَدَرَ على إحياء ما لم يشمَّ رائحةَ الحياة قظٌ، كان على إحياء
ما قارَنَها مدةً أظهرَ قدرة.
﴿ثُمَّ قَضَى﴾ أي: قدَّر وكتب ﴿أَجَلَّ﴾ أي: حدًّا معيَّناً من الزمان للموت. و((ثم)»
للترتيب في الذِّكر دون الزمان؛ لتقدُّم القضاء على الخلق. وقيل: الظاهر الترتيبُ
في الزمان، ويراد بالتقدير والكتابة ما تَعلم به الملائكةُ وتكتبه، كما وقع في حديث
الصحيحين: ((إنَّ أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أُمّه أربعين يوماً نطفةً، ثم يكون علقةً
مثلَ ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يُرسَل إليه المَلَك، فينفخ فيه الرُّوح،
ويؤمر بأربع كلمات: بكَتْب رزقه، وأَجَله، وعمله، وشقيٍّ أو سعيد))(١).
﴿وَأَجَلٌ تُسَتَّى﴾ أي: حدٍّ معيَّن للبعث من القبور، وهو مبتدأ، وصحَّ الابتداء به
لتخصيصه بالوصف، أو لوقوعه في موقع التفصيل، ﴿عِندٌَ﴾ هو الخبر، وتنوينُه
التفخيم شأنه وتهويلِ أمره. وقدِّم على خبره الظرفِ مع أنَّ الشائع في النكرة المخبَر
عنها به لزومُ تقديمه عليها؛ وفاءً بحقِّ التفخيم، فإنَّ ما قُصد به ذلك حقيقٌ بالتقديم،
فالمعنى: وأجلٌ أيُّ أجلٍ، مستقلٌّ بعلمه سبحانه وتعالى لا يقف على وقت حلوله
سواه جلَّ شأنه، لا إجمالاً ولا تفصيلاً. وهذا بخلاف أجل الموت، فإنه معلوم
إجمالاً ، بناءً على ظهور أَماراته، أو على ما هو المعتاد في أعمار(٢) الإِنسان.
وقيل: وجه الإِخبار عن هذا أو التقييدِ بكونه عنده سبحانه وتعالى أنَّه من نفس
المغيَّبات الخمسِ التي لا يعلمها إلَّا الله تعالى، والأوَّل - أيضاً - وإن كان لا يعلمه
إلَّا هو قبل وقوعه كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَّدْرِى نَفْسٌ بِأَتِ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]
لكنا نعلمه للذين شاهدنا موتَهم وضبطنا تواريخَ ولادتهم ووفاتهم، فنعلمه سواءٌ
أريد به آخِرُ المدة أو جملتُها، متى كانت وكم مدةً كان.
وذهب بعضهم إلى أنَّ الأجل الأوَّل ما بين الخلق والموت، والثانيَ ما بين
(١) صحيح البخاري (٣٣٣٢) وصحيح مسلم (٦٤٣)، وتقدم ٣٢٤/٣.
(٢) في (م): أعمال.

سُورَةُ الأَنْتَ
٣٠
الآية : ٢
الموت والبعث. وروي ذلك عن الحسن وابن المسيّب وقتادةَ والضحّاكِ، واختاره
الزجَّاج(١)، ورواه عطاءٌ عن ابن عباس رَّه حيث قال: قضى أجلاً من مولده إلى
مماته، وأجلٌ مسمّى عنده من الممات إلى البعث لا يعلم ميقاتَه أحدٌ سواه
سبحانه(٢). فإذا كان الرجل صالحاً واصلاً لرحمه، زاد الله تعالى له في أجل الحياة
من أَجل الممات إلى البعث، وإذا كان غيرَ صالحٍ ولا واصلٍ، نقصه اللهُ تعالى من
أجَل الحياة وزاد من أجل الممات، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ وَلَا
يُنقَّصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَبٍ﴾ [فاطر: ١١] وعليه فمعنى عدم تغيُّر الأَجَل عدمُ تغيرِ
آخره.
وقيل: الأَجل الأوَّل: الزمن الذي يحيا به أهل الدنيا إلى أن يموتوا، والأَجل
الثاني: أجل الآخرة الذي لا آخِرَ له. ونُسب ذلك إلى مجاهدٍ وابن جبير، واختاره
الجبائي.
ولا يخفى بُعدُ إطلاق الأَجل على المدة الغير المتناهية.
وعن أبي مسلم: أنَّ الأجل الأوَّل: أجلُ من مضى، والثاني: أَجَلُ من بقي
ومن يأتي.
وقيل: الأول: النوم، والثاني: الموت. ورواه ابن جَرير وابن أبي حاتم عن
ابن عباس ◌ً(٣)، وأيَّده الطبرسيُّ بقوله تعالى: ﴿وَبُرْسِلُ الْأُخْرَىّ إلَى أَجَلٍ مُسَمَّىَّ﴾
[الزمر: ٤٢] (٤).
ولا يخفى بُعده؛ لأنَّ النوم وإن كان أخا الموت، لكنه لم تُعهد تسميته أجلاً
وإن سمِّي موتاً.
وقيل: إنَّ كِلَا الأجلين للموت، ولكلِّ شخص أجلان، أجلٌ تكتبه الكتبة، وهو
يقبل الزيادةَ والنقص، وهو المراد بالعمر في خبر: ((إنَّ صِلَة الرَّحم تَزيد في
(١) في معاني القرآن ٢٢٨/٢.
(٢) أخرجه بنحوه الطبري ٩/ ١٥٣، والحاكم ٣١٥/٢.
(٣) تفسير الطبري ٩/ ١٥٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٦١.
(٤) مجمع البيان ٧ / ٩.

الآية : ٢
٣١
سُؤَّةُ الأَنْعَم
العمر))(١) ونحوهٍ. وأجلٌ مسمَّى عنده سبحانه وتعالى لا يقبل التغيير ولا يطَّلع عليه
غيره عزَّ شأنه.
وكثير من الناس قالوا: إنَّ المراد بالزيادة الواردة في غير ما خبرِ الزيادةُ بالبركة
والتوفيقُ للطاعة.
وقيل: المراد طول العمر ببقاء الذِّكر الجميل، كما قالوا: ذِكْر الفتى عمرُه
الثاني. وضعَّفه الشِّهاب(٢).
وقيل: الأَجلان واحد، والتقدير: وهذا أجل مسمَّى. فهو خبر مبتدأ محذوف،
و ((عنده)) خبرٌ بعد خبر، أو متعلِّق بمسمَّى، وهو أبعد الوجوه.
﴿ِثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾﴾ أي: تشكُّون في البعث، كما أخرجه ابن أبي حاتم (٣)
عن خالد بن معدان.
وعن الراغب: المِرية: التردُّد في المتقابلين، وطلب الأمارة. مأخوذ من: مَرَى
الضرعَ، إذا مسحه للدَّرَ(٤). ووجهُ المناسبة في استعماله في الشكِّ أن الشكَّ سبب
لاستخراج العلم الذي هو كاللَّن الخالص من بين فَرثٍ ودم.
وقيل(٥): الامتراء: الجَحد. وقيل: الجدال.
وأيًّا ما كان، فالمراد استبعادُ امترائهم في وقوع البعث وتحقَّقِه في نفسه مع
مشاهدتهم في أنفسهم من الشَّواهد ما يقطع مادّةَ ذلك بالكُلِّية؛ فإن من قَدَرَ على
إفاضة الحياة وما يتفرَّع عليها على مادة غيرٍ مستعدَّة لشيءٍ من ذلك، كان أوضحَ
اقتداراً على إفاضته على مادةٍ قد استعدَّت له وقارنته مدَّة.
(١) قطعة من حديث أخرجه الطبراني في الكبير (٨٠١٤) من حديث أبي أمامة ته. وقال
الهيثمي في المجمع ١١٥/٣: إسناده حسن. اهـ. ويشهد له حديث أنس رضي الله عند البخاري
(٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧): ((من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل
رحمه».
(٢) في حاشيته ٤/ ١٤ .
(٣) في تفسيره ١٢٦٢/٤.
(٤) مفردات الراغب (مري) بنحوه، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٦/٤.
(٥) في (م): قيل.

سُورَةُ الأَنْعَم
٣٢
الآية : ٣
ومن هذا يُعلم أنَّ شطراً من تلك الأَوجه السابقة آنفاً لا يلائم مساقَ النظم
الكريم. وتوجيهُ الاستبعاد إلى الامتراء على التفسير الأول، مع أنَّ المخاطَبين
جازمون بانتفاء البعث، مصرُّون على جحوده وإنكاره - كما يُنبئ عنه كثيرٌ من
الآيات - للدَّلالة على أنَّ جزمهم ذلك في أقصى مراتبِ الاستبعاد والاستنكار.
وذكر بعض المحقّقين أن الآية الأولى دليلُ التوحيد كما أنَّ هذه دليلُ البعث.
ووجَّه ذلك بأنها تدلُّ على أنه لا يليق الثناءُ والتعظيم بشيءٍ سواه عزَّ وجلَّ؛ لأنه
المنعِمُ لا أحد غيره، ويلزم منه أنه لا معبودَ ولا إله سواه بالطريق الأَولى.
وزعم بعضهم أنها لا تدلُّ على ذلك إلَّا بملاحظة برهان التمانع؛ إذ لو قُطع
النظر عنه لا تدلُّ على أكثرَ من وجود الصانع. ومنشأ ذلك حملُ الدليل على
البرهان العقلي، أو مقدِّماته التي يتألَّف منها أشكالُه، وليس ذلك باللازم.
ومن الناس مَن جعل الآيةَ الأولى أيضاً دليلاً على البعث، على منوال قوله
تعالى: ﴿وَأَنْثُ أَشَدُ خَلْقَّا أَمِ اَلْتَمَاءُ بَهَا﴾ [النازعات: ٢٧] ولا يخفى أنَّه خلاف الظاهر.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ جملةٌ من مبتدأ عائدٍ إليه سبحانه - كما قال
الجمهور - وخبرٍ، معطوفةٌ على ما قبلها، مسوقةٌ لبيان شمول أحكام إلا هيّته لجميع
المخلوقات، وإحاطةٍ علمه بتفاصيل أحوال العباد وأعمالِهم المؤدِّية إلى الجزاء،
إثر الإشارة إلى تحقّق المعاد في تضاعيف ما تقدَّم. والحمل ظاهرُ الفائدة إذا اعتُبر
ما يأتي، وإلّا فهو على حدٍّ :
أنا أبو النجم وشعري شعري(١)
وقوله تعالى: ﴿فِ السَّمَوَتِ وَفِ الْأَرْضِ﴾ متعلِّق - على ما قيل - بالمعنى الوصفيِّ
الذي تضمَّنه الاسمُ الجليل، كما في قولك: هو حاتم في طيِّئ، على معنى
الجَوَاد.
والمعنى الذي يُعتبر هنا يجوز أن يكونَ هو المأخوذَ من أصل اشتقاق الاسم
الكريم، أعني المعبودَ، أو ما اشتهر به الاسمُ من صفات الكمال، إلَّا أنه يلاحظ
مـ
(١) تقدم عند تفسير الآية [٦٧] من سورة المائدة.

الآية : ٣
٣٣
سُورَةُ الأَنْدَمَا
في هذا المقام ما يقتضيه منها، أو ما يدلُّ عليه التركيب الحصريُّ - لتعريف طرفي
الإِسناد فيه - من التوحيد والتفرُّدِ بالألوهية، أو ما تقرَّر عند الكلِّ من إطلاق هذا
الاسم عليه تعالى خاصَّة، فكأنه قيل: وهو المعبود فيهما، أو: وهو المالك
والمتصرِّف المدبِّر فيهما حسبما تقتضيه المشيئةُ المبنية على الحِكم البالغة، أو:
وهو المتوحِّد بالألوهية فيهما، أو: وهو الذي يقال له: الله، فيهما، لا يشرَك به
شيءٌ في هذا الاسم. ومعنى ذلك مجرَّدُ ملاحظة أحد المعاني المذكورة في ضمن
ذلك الاسمِ الجليل، ويكفي مثل ذلك في تعلّق الجارِّ، لا (١) أنه يُحمل لفظ ((الله))
على معناه اللغويِّ، أو على نحو المالك والمتصرف، أو المتوحِّد، أو يقدَّر القول.
وعلى كلِّ تقدير يندفع ما يقال: إنَّ الظرف لا يتعلَّق باسم الله تعالى لجموده،
ولا بكائن، لأنَّه حينئذ يكون ظرفاً لله تعالى، وهو سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن المكان
والزمان.
ومن الناس من جوَّز تعلقه بكائن، على أنه خبرٌ بعد خبر، والكلام حينئذٍ من
التشبيه البليغ، أو كنايةٌ على رأي من لم يشترط جوازَ المعنى الأصليّ، أو استعارة
تمثيلية، بأن شبّهت الحالة التي حصلت من إحاطة علمه سبحانه وتعالى بالسماوات
والأرض وبما فيهما بحالة بصير تمكَّن في مكان ينظره وما فيه، والجامعُ بينهما
حضور ذلك عنده.
وجوِّز أن يكونَ مجازاً مرسلاً باستعماله في لازم معناه، وهو ظاهر، وأن يكون
استعارة بالكناية بأن شُبِّه عزَّ اسمه بمن تمكَّن في مكان، وأُثبت له من لوازمه(٢)،
وهو علمُه به وبما فيه، وليس هذا من التشبيه المحظور في شيءٍ. وعليه يكون قولُه
تعالى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَّكُمْ﴾ - أي: ما أسررتموه وما جهرتم به من الأقوال، أو
منها ومن الأفعال - بياناً للمراد، وتوكيداً لما يفهم من الكلام.
وتعليق علمه سبحانه بما ذكر خاصَّة مع شموله لجميع مَن في السماوات
وصاحبتها؛ لانسياق النَّظم الكريم إلى بيان حال المخاطبين، وكذا يعتبر بياناً على
(١) في الأصل: الا، انظر إرشاد العقل السليم ١٠٨/٣.
(٢) أي: وأثبت له ما هو من لوازمه، كما في حاشية الشهاب ١٨/٤، والكلام منه.

سُورَةُ الأَنْفَعَم
٣٤
الآية : ٣
تقدير اعتبار ما اشتهر به الاسمُ الجليل من صفات الكمال عند تعلُّق الجارِّ على
ما علمت، فإن ملاحظته من حيث المالكيةُ الكاملة والتصرُّف الكامل حسبما تقدَّم
مستتبعةٌ لملاحظة علمه تعالى المحيط حتماً.
وعلى التقادير الأُخَر لا مساغ - كما قيل - لجعله بياناً؛ لأنَّ ما ذكر من العلم
غيرُ معتبر في مفهوم شيءٍ من المعبودية واختصاص إطلاق الاسم عليه تعالى، وكذا
مفهومُ المتوحِّد بالألوهية، فكيف يكون هذا بياناً لذلك؟ واعتبار العلم فيما صدق
عليه المتوحِّد غيرُ كافٍ في البيانية. وقيل في بيانها على تقدير اعتبار المتوحِّد
بالألوهية: إنَّ الأُلوهية (١) بمعنى تدبير الخلق، ومن تفرَّد بتدبير جميع أمور أحد،
لزمه معرفةُ جميعها حتى يتمَّ له تدبيرها، فملاحظة المتوحِّد بالأُلوهية مستتبعةٌ
الملاحظة علمه تعالى المحيط، على طِرْز ما تقرّر في ملاحظة اسمه عزَّ اسمه من
حيث المالكيةُ الكاملة والتصرُّف الكامل على الوجه المتقدِّم.
ومن هذا يُعلم اندفاعُ ما أُورد على احتمال تعلق الجارِّ السابق باعتبار ملاحظة
المتوحِّد بالألوهية من أنَّ التوخُّد بها أمر لا تعلُّق له بمكان، فلا معنى لجعله متعلقاً
بمكان فضلاً عن جميع الأمكنة؛ فإنَّ تدبير الخلق مما يتعلق بما في حيِّز الجارِّ من
الحیِّز، وکذا بما فيه.
وتعقِّب ذلك بمنع تفسير الألوهية بما ذكر. ولعل الجملة على هاتيك التقادير
خبرٌ ثالث.
وقد جوَّز غير واحد الإِخبارَ بالجملة بعد الإِخبار بالمفرد، وبعضهم جعلها
كذلك مطلقاً. والقرينةُ على إرادة المراد من الجملة الظرفية حينئذ عقليةٌ، وهي أنَّ
كلَّ أحد يعلم أنه تقدَّس وتعالى منزَّه عما يقتضيه الظاهرُ من المكان، وذلك كما في
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [الحديد: ٤] إذ لم يردف بما يبيِّنْه.
وجوِّز أن تكون كلاماً مبتدأ، وهو استئناف نحويٌّ، ورجحه غير واحد لخلوِّه
عن التكلُّف، أو استئناف بيانيٌّ، ويتكلَّف له تقديرُ سؤال.
وقيل: إنَّ الجملة هي خبر ((هو)) والاسم الجليل بدلٌ منه، والظرف متعلّق
(١) في (م): إن حصر الألوهية، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٤/ ١٧ .

الآية : ٣
٣٥
سُورَةُ الأَنْدَم
بـ ((يعلم))، ويكفي في ذلك كونُ المعلوم فيما ذكر، ولا يتوقَّف على كون العالِم فيه
لَيَلزمَ تحيُّزُه سبحانه وتعالى المحالُ. وهذا - كما قيل - كقولك: رميت الصيد في
الحرم. فإنه صادق إذا كنت خارجَه والصيدُ فيه.
ونقل بعض المدقِّقين عن الإِمام التُّمُرتاشي(١) في الأيمان إذا ذُكر ظرف بعد
فعل له فاعل [ومفعول]، كما إذا قلت: إذا ضربت [زيداً] في الدَّار، أو في
المسجد، فإنْ كانا معاً فيه، فالأمر ظاهر، وإن كان الفاعلُ فيه دون المفعول، أو
بالعكس، فإن كان الفعل مِمَّا يظهر أثره في المفعول، كالضرب والقتل والجرح،
فالمعتبر كونُ المفعول فيه، وإن كان مِمَّا لا يظهر أثرُه فيه، كالشتم، فالمعتبر كونُ
الفاعل فيه؛ فلذا قال بعض الفقهاء: لو قال: إن شتمته في المسجد، أو: رميت
إليه، فكذا، فشرط حِنثه كونُ الفاعل فيه. وإن قال: إنْ ضربته في المسجد، أو
جرحته، أو: قتلته، أو: رميته، فكذا، فشرطُه كون المفعولِ فيه. وفرق بين
الرميين: المتعدِّي بإلى، والمتعدي بنفسه، بأن الأوَّل إرسال السهم من القوس بنيّة،
وذلك مِمّا لا يظهر له أثر في المحلِّ ولا يتوقَّف على وصول فعلِ الفاعل، والثاني
إرسال السهم أو ما يضاهيه على وجهٍ يصل إلى المرميِّ إليه فيؤثِّر فيه؛ ولذا عُدَّ كلٌّ
منهما في قبيل.
وعلى هذا يُشكل ما نحن فيه؛ لأنَّ العلم لا يظهر له أثرٌ في المعلوم، فيلزم أن
يكونَ الكلام من قبيل: شتمته في المسجد، ويجيء المحال. وكونُ العلم هنا
مجازاً عن المجازاة، وهي مما يظهر(٢) أثرُها في المفعول، فيكون الكلامُ من
قبيل: إن ضربته في المسجد، ويكفي كونُ المفعول فيه دون الفاعل = في القلب منه
شيء، على أنَّ كون المفعول هنا - أعني: سرَّ المخاطبين وجهرَهم - في السماوات
مما لا وجه له.
والقول بأنَّ المعنى حينئذ: يعلم نفوسَكم المفارقة الكائنةَ في السماوات،
ونفوسَكم المقارنةَ لأَبدانكم الكائنةَ في الأرض، تعسُّفٌ وخروجٌ عن الظاهر. على
أنَّ الخطاب حينئذٍ يكون للمؤمنين، وقد كان فيما قبل للكافرين، فتفوت المناسبةُ
(١) كما في حاشية الشهاب ١٧/٤، وسلف ٣٣٥/٥، وما سيأتي بين حاصرتين منهما.
(٢) في الأصل: لا يظهر. وهو خطأ.

سُورَةُ الأَنْتَعَل
٣٦
الآية : ٣
والارتباط. ومثله القولُ بتعميم الخطاب بحيث يشمل الملائكةً، وظاهرٌ أنَّ سرَّهم
وجهرَهم في السماوات.
وأُجيب بأنه يمكن أن يكونَ جعلُ سرِّ المخاطبين وجهرِهم فيها لتوسيع الدائرة،
وتصويرٍ أنه سبحانه وتعالى لا يَعزُب عن علمه شيءٍ في أيِّ مكان كان، لا أنهما
يكونان في السماوات أيضاً.
وقيل: المراد بالسرِّ: ما كُتم عنهم من عجائب الملك وأسرارٍ الملكوت مما لم
يطَّلعوا عليه، وبالجهر: ما ظهر لهم من السماوات والأرض. وإضافةُ السرِّ والجهر
إلى ضمير المخاطَبين مجازية. وليس بشيءٍ كما لا يخفَى.
وجوَّز بعضهم أن يكون الجارُّ متعلقاً بالمصدر على سبيل التنازع.
واعتُرض بأن معمول المصدر لا يتقدَّم عليه. ويلزم أيضاً التنازع مع تقدُّم
المعمول.
وأجيب: بأنَّ منهم من يجوِّز التنازع مع تقدم المعمول، ومَن يقول بجواز تقديم
الظرفِ على المصدر؛ لتوسُّعهم فيه ما لم يتوسّع في غيره. ونقل عن ابن هشام أنه
قال(١): إنَّما يمتنع تقدُّم متعلِّق المصدر إذا قدِّر بحرف مصدريٍّ وفعل، وهذا ليس
كذلك، فليس مِمَّا منعوه.
وقال مولانا صدر الدِّينِ: يَرِدِ على منع تعلُّق الجارِّ بالمصدر المتأخّر تعلُّقُه
بـ ((إله)) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] مع أن إلهاً
مصدر، وصرَّح بتعلقه به غيرُ واحد، فإنْ أوّل بالصفة مثلَ المعبود، فليؤؤَّل السرُّ
والجهر بالخفيِّ والظاهر.
وعن أبي عليٍّ الفارسي أنه جعل ((هو)) ضميرَ الشأن، و((الله)) مبتدأَ خبرُه
ما بعده، والجملةُ خبر عن ضمير الشأن، أي: الشأن والقصةُ ذلك.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾﴾ أي: ما تفعلونه لجلب نفع أو دفع ضرٍّ من الأعمال
المكتسبة بالقلوب والجوارح سرًّا وعلانية. وتخصيص ذلك بالذّكر مع اندراجه فيما
(١) في المغني ص٥٦٩.

الآية : ٤
٣٧
سُورَةُ الأَنْعَ
تقدَّم على تقدير تعميم السرِّ والجهر؛ لإظهار كمال الاعتناء به؛ لأنه مدارُ فلك
الجزاء، وهو السرُّ في إعادة ((يعلم)).
ومن الناس مَن غاير بين المتعاطفين بجعل العلم هنا عبارةً عن جزائه، وإبقائه
على معناه المتبادر فيما تقدَّم. وتفسيرُ المكْتَسَبِ بجزاء الأعمال من المثوبات
والعقوبات غيرُ ظاهر. وكذا حمل السرِّ والجهر على ما وقع والمكتسَبِ على ما لم
يقع بعد .
﴿وَمَا تَأْنِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِمْ﴾ كلام مستأنفٌ سيق لبيان كفرهم بآيات الله
تعالى وإِعراضِهم عنها بالكلية، بعد بيان كفرِهم بالله تعالى وإِعراضهم عن بعض
آياتِ التوحيد، وامترائهم في البعث وإِعراضهم عن بعض أدلَّته.
والإعراضُ عن خطابهم للإِيذان بأنَّ إعراضهم السابقَ قد بلغ مبلغاً اقتضى ألَّا
يواجَهوا بكلام، بل يُضرب عنهم صفحاً، وتُعدَّد جناياتهم لغيرهم؛ ذمَّا لهم وتقبيحاً
لحالهم.
٠
فـ(ما)) نافية، وصيغة المضارع لحكاية الحالِ الماضية كما أشار إليه العلّامة
البيضاويُّ(١)، ولله تعالى دَرُّه. أو للدَّلالة على الاستمرار التجدُّدي.
و(مِن)) الأولى مزيدة للاستغراق، أو لتأكيده، والثانيةُ للتبعيض، وهي متعلّقة
بمحذوفٍ مجرور أو مرفوع وقع صفةً لـ ((آية)»، وجَعَلها ابن الحاجب للتَّبيين؛ لأنَّ
كونها للتبعيض ينافي كونَ الأولى للاستغراق، إذ الآية المستغرقة لا تكون بعضاً من
الآيات. ورُدَّ بأن الاستغراق هاهنا لآية متصفةٍ بالإِتيان، فهي وإن استغرقت، بعضٌ
من جميع الآيات. على أنَّ كلامه بعدُ لا يخلو عن نظر.
وإضافةُ الآيات إلى الربِّ المضافِ إلى ضميرهم؛ لتفخيم شأنها المستتبع
لتهويل ما اجترؤوا عليه في حقٌّها .
والمراد بها إمَّا الآيات التنزيلية، أو الآياتُ التكوينية الشَّاملة للمعجزات
وغيرِها من تعاجيب المصنوعات. والإِتيان على الأول بمعنى النزول، وعلى الثاني
(١) في تفسيره ٢/ ١٨٠.

سُورَةُ اللَنْسَّهُل
٣٨
الآية : ٥
بمعنى الظهورِ على ما قيل. ويُفهم من كلام بعض المحقّقين أنَّه مطلقاً بمعنى
الظهور، استعمالاً له في لازم معناه - وهو المجيءُ الذي لا يوصف به إلَّا
الأجسامُ - مجازاً لا كتابةً كما قيل.
وحاصل المعنى على الأوَّل: ما تنزل إليهم آيةٌ من الآيات القرآنية الجليلةٍ
الشأن، التي مِن جملتها هاتيك الآياتُ الناطقة بما فصِّل من بدائع صنع الله
تعالى شأنُه، المنبئةُ عن جريان أحكام ألوهيَّته على كافَّة الكائنات، وإحاطةٍ علمه
بجميع أحوال العباد وأعمالهم الموجبة للإِقبال عليها والإِيمان بها ﴿إِلَّا كَانُواْ عَنَّهَا
مُعْرِضِينَ ﴾﴾ غيرَ مقبلين عليها ولا معتنين بها .
وعلى الثاني: ما تظهر لهم آيةٌ من الآيات التكوينية، التي من جملتها ما ذُكر
من جلائل شؤونه سبحانه وتعالى الشاهدةِ بوحدانيته عزَّ وجلَّ، إلَّا كانوا تاركين
للنظر الصحيح فيها المؤدّي إلى الإِيمان بمکوِّنها .
وأصل الإعراض: صرفُ الوجه عن شيء من المحسوسات. واستعماله في
عدم الاعتناء أو تركِ النظر مجازٌ على ما حقَّقه البعض. وفسَّر شيخ الإِسلام(١)
الإعراضَ على الوجه الأوَّل بما كان على وجه التكذيب والاستهزاء.
و ((عن)) متعلّقة بـ ((معرضين)) والتقديمُ لرعاية الفواصل. والجملة بعد ((إلَّا)) - كما
قال الكرخيُّ - في موضع النصب على أنها حال من مفعول ((تأتي)) أو من فاعله
المخصَّص بالوصف كما قيل، وهي مشتملة على ضمير كلٌّ منهما. وإيثارُها على:
أَعرضوا عنها، كما وقع مثلُه في قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ﴾ [القمر: ٢]
للدَّلالة على استمرارهم على الإِعراض حسب استمرار إتيان الآيات.
وفي الكلام إشارةٌ إلى غاية انهماكهم في الضلال، حيث آذن أنَّ إعراضهم عما
يأتيهم من الآيات آن الإِتيان، كما يفصح عنه كلمة ((لَمَّا)) في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ
كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآَهُمّ﴾ فإنَّ الحقَّ عبارة عن القرآن الذي أعرضوا عنه حين أَعرضوا
عن كلِّ آيةٍ آيةٍ منه. وعبَّر عنه بذلك إظهاراً لكمال فظاعةِ ما فعلوا به.
والفاء على تقدير أن يرادَ بالآيات الآياتُ التنزيلية - كما هو الأَظهر على ما قدَّره
(١) في تفسيره ١٠٩/٣.

الآية : ٥
٣٩
سُؤَّةُ الْأَنْقَا
مولانا شيخُ الإسلام(١) - لترتيب ما بعدها على ما قبلَها، لا باعتبار أنه مغايرٌ له
حقيقةً واقعٌ عَقِيبه أو حاصلٌ بسببه، بل على أنه عَينُه في الحقيقة والترتيب بحسب
التغاير الاعتباريِّ، حيث إنَّ مفهوم التكذيب بالحقِّ أشنعُ من الإِعراض المذكور، إذ
هو مما لا يتصوَّر صدورُه من أحد؛ ولذلك أُخرج مُخرجَ اللازم البيِّنِ البطلان،
وترتب عليه بالفاء إظهاراً لغاية بطلانه. ثم قيِّد ذلك بكونه بلا تأمُّل، بل آنَ
المجيء؛ تأكيداً لشناعة فعلهم الفظيع.
وعلى تقدير أن يرادَ الآياتُ التكوينية داخلةٌ(٢) على جواب شرطٍ محذوف.
والمعنى على الأوَّل: حيث أعرضوا عن تلك الآياتِ حين إتيانها، فقد كذَّبوا بما
لا يمكن لعاقل تكذيبُه أصلاً من غير أن يتدبَّروا في حاله وماله، ويقفوا على ما في
تضاعيفه من الشواهد الموجبة لتصديقه. وعلى الثاني: أنهم إنْ كانوا معرضين عن
الآيات حال إتيانها، فلا تعجب من ذلك، فقد فعلوا بما هو أعظمُ منها ما هو
أعظمُ من الإِعراض، حيث كذبوا بالحقِّ الذي هو أعظمُ الآيات.
واختار في ((البحر)) كونَ الفاء سببية وما بعدها مسبَّب عما قبلها(٣).
وجوّز أيضاً كونُها سببية على معنى أنَّ ما بعدها سببٌ لما قبلها، فقد قال
الرَّضي: وقد تكون فاء السببيةِ بمعنى لام السببية، وذلك إذا كان ما بعدها سبباً لما
قبلَها، نحو قولِه تعالى: ﴿فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤] وأطلق عليها الكثيرُ
حينئذ الفاءَ التعليلية .
وهل تفيد الترتيبَ حينئذٍ أم لا؟ لم يصرِّح الرضيُّ بشيء من ذلك، ويُفهِم كلامُ
البعض أنَّها للترتيب والتعقيب أيضاً.
واستُشكل بأن السبب متقدِّم على المسبّب لا متعقّب إياه. وتكلَّف صاحب
((التوضيح)) لتوجيهه بأنَّ ما بعد الفاء عِلَّة باعتبار، معلولٌ باعتبار، ودخولُ الفاء عليه
(١) في تفسيره ٣/ ١١٠.
(٢) أي: الفاء.
(٣) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ٢٠/٤، والذي في البحر ٧٤/٤ أن الفاء
للتعقيب، يعني أن الإعراض عن الآيات أعقبه التكذيب.

سُورَةُ الأَنْعَم
٤٠
الآية : ٥
باعتبار المعلوليّة لا باعتبار العِلِّية. وردَّ بأنها لا تتأنَّى في كل محلٌّ. وفي
((التلويح)): الأقرب ما ذكره القومُ من أنها إنَّما تدخل على العِلل باعتبار أنها تدوم
فتتراخَى عن ابتداء الحكم. وفي شرح المفتاح الشَّريفي: فإن قلتَ: كيف يتصوَّر
ترقّب السبب على المسبَّب؟ قلت: من حيث إن ذِكر المسبَّب يقتضي ذكرَ السبب.
انتھی.
وعليه يظهر وجهُ الترتيب هنا مطلقاً، لكن ظاهر كلام النُّحاة وغيرِهم أنَّ هذه
الفاءَ تختصُّ بالوقوع بعد الأمر، كـ : أَكرِم زيداً فإنه أبوك، و: اعبد الله فإنَّ العبادة
حقٌّ، إلى غير ذلك، فالوجه الأوَّل أَولى.
وليست الفاء فصيحةً كما توقَّمه بعضهم من قول العلّامة البيضاويِّ في بيان
معنى الآية: كأنه قيل: لَمَّا كانوا معرضين عن الآيات كلِّها، كذَّبوا بالقرآن(١). لأنَّ
الفاء الفصيحة لا تقدَّر جواب ((لَمَّا))؛ لأنَّ جوابها الماضي لا يقترن بالفاء على
الفصيح، فكيف يقدَّر للفاء ما يقتضي عدمَها؟ فما مرادُ العلَّامة إلَّا بيان حاصلٍ
المعنى؛ ولذا أَسقط الفاء. نعم قيل: إنَّ هذا المعنى مما ينبغي تنزيه التنزيل عنه.
وفيه تأمُّل.
وقد صرَّح بعض المحقّقين أنَّ أمر الترتيب يجري في الآية، سواءٌ كانت الآية
بمعنى الدليل، أو المعجزة، أو الآية القرآنية؛ لتغاير الإِعراض والتكذيب فيها.
للترتيب
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِهِمْ أَنْبُأُ مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
أيضاً، بناءً على أنَّ ما تقدَّم - لكونه أمراً عظيماً - يقتضي ترتُّبَ الوعيد عليه.
وقيل: ((يستهزئون)) إِيذاناً بأن ما تقدَّم كان مقروناً بالاستهزاء.
واستدلَّ به أبو حيان(٢) على أنَّ في الكلام معطوفاً محذوفاً، أي: فكذَّبوا
بالحقِّ واستهزؤوا به. ولا يخفى أنَّ ذلك مما لا ضرورةَ إليه.
و (ما)) عبارة عن الحقِّ المذكور. وعبَّر عنه بذلك تهويلاً لأمره بإبهامه، وتعليلاً
للحكم بما في حيِّز الصلة.
(١) تفسير البيضاوي ٢/ ١٨٠ .
(٢) في البحر ٤/ ٧٤-٧٥.