النص المفهرس
صفحات 501-520
الآية : ١١٧ ٥٠١ سُورَةُ القَائِدَة وأنتَ الذي في رحمة الله أَطمعُ(١) ولا يخفى أنَّ في صحة قيام الظاهر هنا مَقامَ الضمير خلافاً لهم. وجوِّز أن يكونَ بدلاً من ((ما أمرتني به)). واعتُرض بأنَّ ((ما)) مفعولُ القول، ولا بدَّ فيه أن يكونَ جملةً مَحكية، أو ما يؤدِّي مؤدّاها، أو ما أُريد لفظه، وإذا كانت العبادة بدلاً كانت مفعولَ القول، مع أنها ليست واحداً من هذه الأمور، فلا يقال: ما قلت لهم إلَّ العبادة. وفي ((الانتصاف))(٢): أنَّ العبادة وإن لم تُقَل، فالأمر بها يقال، و((أنْ)) الموصولةُ بفعل الأمر يقدَّر معها الأَمر، فيقال هنا: ما قلت لهم إلَّ الأمرَ بالعبادة، ولا ريب في صحّته؛ لأن الأمر مقول، بل قول، على أنَّ جعل العبادة مقولةً غيرُ بعيد على طريقة: ﴿ثُمَّ يَعُدُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] أي: الوطء (٣) الذي قالوا قولاً يتعلق به، وقولِه تعالى: ﴿وَزَرِثُهُ، مَا يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠]، ونحو ذلك. وفي ((الفرائد))(٤): أنَّ المراد: ما قلتُ لهم إلَّا عبادتَه، أي: الزموا عبادته، فيكون هو المرادَ من ((ما أمرتني به)). ويصحُّ كون هذه الجملةِ بدلاً من ((ما أمرتني به)) من حيث إنها في حكم المفرد(٥)؛ لأنها مَقولة، و((ما أمرتني به)) مفرد لفظاً وجملةٌ معنّى. ولا يخلو عن تعشُّف. وجوِّز إبقاء القول على معناه، و((أن)) مفسِّرة إمّا لفعل القول، أو لفعل الأمر. واعتُرض بأنَّ فعل القول لا يفسّر، بل يُحكى به ما بعده من الجمل ونحوِها، وبأنَّ فعل الأمر مسنَد إلى الله تعالى، وهو لا يصحُّ تفسيره بـ ((اعبدوا الله ربي وربَّكم))، بل بـ: اعبدوني، أو: اعبدوا اللهَ، ونحوَه. وأجيب عن هذا: بأنه يجوز أن يكون (١) وصدره: فيا رَبَّ ليلى أنت في كلِّ موطن، وهو في زاد المسير ٢٨٣/٣، والبحر ٥١١/٢، ومغني اللبيب ص ٦٥٥ . (٢) ١/ ٦٥٦. (٣) في (م): الوطن، وهو خطأ . (٤) في (م): الفوائد، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣٠٥/٣، والفرائد لعله فرائد التفسير لفصيح الدين محمد بن عمر المابرنابازي، وهو مختصر للکشاف مع زيادات. (٥) في (م): المراد. سُورَةُ القَائِدَة ٥٠٢ الآية : ١١٧ حكايةً بالمعنى، كأنه عليه السلام حكى معنى قولِ الله عزَّ وجلَّ بعبارة أخرى، وكأن الله تعالى قال له عليه السلام: مُرهم بعبادتي، أو قال لهم على لسان عيسى عليه السلام: اعبدوا الله ربَّ عيسى وربَّكم، فلمَّا حكاه عيسى عليه السلام قال: ((اعبدوا الله ربي وربكم)) فكنى عن اسمه الظاهرِ بضميره، كما قال الله تعالى حكايةً ٥٢ عن موسى عليه السلام: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبٍِ فِ كِتَبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَسَى الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَحْنَا بِ= أَزْوَجًا مِّن نََّاتٍ شَقَّ﴾ [طه: ٥٢ - ٥٣] فإنَّ موسى عليه السلام لا يقول: فأخرجنا، بل: فأخرج الله تعالى، لكن لَمَّا حكاه الله تعالى عنه عليه السلام، ردَّ الكلام إليه عزَّ شأنه وأضاف الإخراجَ إلى ذاته عزَّ وجلَّ على طريقة المتكلِّم لا الحاكي، وإن كان أولُ الكلام حكاية. ومثلُه قوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ، بَلْدَةٌ مَّيْنَا﴾ [الزخرف: ٩ -١١] إلى غير ذلك. وقال أبو حيّان(١): يجوز أن يكون المفسِّر ((اعبدوا الله)) ويكون ((ربي وربكم)) من كلام عيسى عليه السلام، على إضمار: أعني، لا على الصفة لله عزَّ اسمه. واعتمده ابنُ الضائع وجعله نظيرَ قوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْتَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧] على رأي. وفي ((أمالي ابنِ الحاجب)): إذا حكى حاكٍ كلاماً، فله أن يصف المخبَرَ عنه بما ليس في كلام المحكيِّ عنه. واستبعد ذلك الحلبيُّ(٢) والسفاقسي، وهو الذي يقتضيه الإنصاف. وقيل على الأوَّل: إنَّ بعضهم أجاز وقوع ((أن)) المفسِّرة بعد لفظ القول، ولم يقتصر بها على ما في معناه، فيقع حينئذٍ مفسِّراً له. لكن أنت تعلم أنه لا ينبغي الاختلافُ في أنه لا يقترن المقولُ المحكيُّ بحرف التفسير؛ لأنَّ مقول القول في محلِّ نصب على المفعولية، والجملةُ المفسِّرة لا محلَّ لها، فلعلَّ مراد البعض مجرَّدُ الوقوع والتزام أنَّ المقول محذوف، وهو المحكيُّ، وهذا تفسير له، أي: ما قلت لهم مقولاً. فتدبَّر فقد انتشرت كلماتُ العلماء هنا. (١) في البحر ٤/ ٦١ . (٢) في الدر المصون ٥١٥/٤_٥١٦. الآية : ١١٧ ٥٠٣ سُورَةُ القَائِدَة ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أي: رقيباً أراعي أحوالَهم، وأَحملهم على العمل بموجب أمرك من غير واسطة، ومشاهداً لأحوالهم من إيمان وكفر. و ((عليهم)) - كما قال أبو البقاء(١) - متعلّق بـ ((شهيداً)) ولعلَّ التقديم لِمَا مرَّ غيرَ مَرَّة. ﴿َّا دُمْتُ فِهِمْ﴾ أي: مدَّةَ دوامي فيما بينهم. ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِ﴾ أي: قبضتني بالرَّفع إلى السماء، كما يقال: توقَّيت المال، إذا قبضتَه. وروي هذا عن الحسن، وعليه الجمهور. وعن الجبّائي: أن المعنى: أمتَّنَي. وادَّعى أنَّ رَفْعَه عليه السلام إلى السماء كان بعد موته، وإليه ذهب النَّصارى. وقد مرَّ الكلام في ذلك. ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمَّ﴾ أي: الحفيظَ المراقب، فمنعتَ مَن أردت عصمتَه عن المخالفة بالإرشاد إلى الدلائل، والتنبيهِ عليها بإرسال الرسول وإنزال الآيات، وخذلتَ مَن خذلت من الضالِّين فقالوا ما قالوا. وقيل: المراد بالرقيب: المطّلعُ المشاهد. ومعنى الجملتين: إنّي ما دمت فيهم كنتُ مشاهداً لأحوالهم، فيمكن لي بيانها، فلمَّا توفَّتني كنت أنت المشاهِدَ لذلك لا غیرك، فلا أعلم حالهم ولا يمكنني بيانها . ولا يخفى أن الأوَّل أوفقُ بالمَقام. وقد نصَّ بعض المحقّقين أنَّ الرقيب والشهيد هنا بمعنّى واحد، وهو ما فسِّر به الشهيد أولاً، ولكن تفنَّن في العبارة ليميِّز بين الشهيدين والرقيبين؛ لأن كونه عليه الصلاة والسلام رقيباً ليس كالرقيب الذي يَمنع ويُلزِم، بل كالشاهد على المشهود عليه، ومنعُه بمجرد القول، وأنه تعالى شأنُه هو الذي يمنع منعَ إِلزام بالأدلّة والبيِّئات. و ((أنت)) ضمير فصلٍ، أو تأكيد، و((الرقيب)) خبر ((كان)). وقرئ: ((الرقيبُ)) بالرفع(٢) على أنه خبرُ ((أنت)) والجملة خبر ((كان)). و((عليهم)) في القراءتين متعلّق بـ (الرقيب)). (١) في الإملاء ٢/ ٥٠٠. (٢) القراءات الشاذة ص٣٦. سُورَةُ القَائِدَة ٥٠٤ الآية : ١١٨ تذییل مقرِّر لمضمون ما قبله. وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ وفيه - على ما قيل - إيذانٌ بأنه سبحانه كان هو الشهيدَ في الحقيقة على الكلِّ حين كونه عليه السلام فيما بينهم. و((على)) متعلِّقة بـ ((شهيد))، والتقديمُ لمراعاة الفاصلة. وقولُه تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإَِهُمْ عِبَادٌُ﴾ على معنى: إن تعذبهم لم يلحقك بتعذيبهم اعتراضٌ؛ لأنك المالكُ المُطلَق لهم، ولا اعتراضَ على المالك المُطلَق فیما يفعله بملكه. وقيل: على معنى: إنْ تعذِّبهم لم يستطع أحدٌ منهم على دفع ذلك عن نفسه؛ لأنهم عبادك الأَرِقّاءُ في أَسْر ملكك، وماذا تبلغ قدرةُ العبد في جنب قدرةٍ مالكه؟! وقيل: المعنى: إن تعذِّبهم فإنهم يستحقُّون ذلك؛ لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرَك وخالفوا أمرَك وقالوا ما قالوا. ونُسب ذلك إلى ابن عباس ﴿ه، وهو بعيد عن النَّظم، نعم لا يبعد أن يكونَ في النظم إشارةٌ إليه. . أي: فإنْ تغفر لهم ما كان منهم، ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَرِبِزُ الْحَكِيمُ (َ﴾ لا يلحقُك عجزٌ بذلك ولا استقباح؛ فإنك القويُّ القادر على جميع المقدورات التي من جملتها الثوابُ والعقاب، الحكيمُ الذي لا يريد ولا يفعل إلَّا ما فيه حكمة. والمغفرة للكافر لم يعدم فيها وجهُ حكمة؛ لأن المغفرة حسنة لكلِّ مجرم في المعقول، بل متى كان المجرم أعظمَ جرماً كان العفو عنه أحسن؛ لأنه أَدخلُ في الكرم، وإن كانت العقوبة أحسنَ في حكم الشرع من جهات أُخَر، وعدمُ المغفرة للكافر بحكم النصِّ والإجماع، لا للامتناع الذاتيٌّ فيه ليمتنعَ الترديدُ والتعليق بـ ((أن)). وقد نقل الإمام(١) أنَّ غفران الشِّرك عندنا جائز وعند جمهور البصريِّين من المعتزلة، قالوا: لأن العقاب حقُّ الله تعالى على المذنب، وليس في إسقاطه على الله سبحانه مَضرَّة. وأخرج ابن جَريرٍ وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدِّي أن معنى الآية: إن تعذِّبهم فتُميتهم بنصرانيَّتهم فيحقُّ عليهم العذاب، فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم (١) في التفسير الكبير ١٣٦/١٢. الآية : ١١٨ ٥٠٥ سُوَرَُّ لْقَائِدَة فتخرجُهم من النصرانية وتَهديهم إلى الإسلام، فإنك أنت العزيزُ الحكيم. وهذا قولُ عيسى عليه السلام في الدنيا(١). اهـ. ولا يخفَى أنه مخالفٌ لما يقتضيه السياق والسِّباق. وقيل: الترديد بالنسبة إلى فِرقتين، والمعنى: إن تعذُّبهم - أي: مَن كفر منهم - فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم وتعفُ عَمَّن آمن منهم، فإنك .. إلخ. وهو بعيد جدًّا. وظاهرُ ما قالوه أنه ليس في قوله سبحانه: وإن تغفر .. إلخ تعريضُ بسؤال المغفرة، وإنما هو لإظهار قدرته سبحانه وحكمتِه؛ ولذا قال سبحانه: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) دون: الغفور الرحيم، مع اقتضاء الظاهر لهما . وما جاء في الأخبار مما أخرجه أحمدُ [وابن أبي شيبة] في ((المصنَّف)) والنَّسائيُّ والبيهقي في ((سننه)) عن أبي ذرِّ قال: صلَّى رسول الله وَّهِ ليلةٌ، فقرأ آيةً حتى أصبح يركع بها ويسجد بها: (إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإَِهُمْ عِبَادٌُ) إلخ، فلما أصبح قلتُ: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآيةَ حتى أصبحت؟ قال: «إني سألت ربِّي سبحانه الشفاعةَ فأعطانيها، وهي نائلٌ إن شاء الله تعالى مَن لا يشرك بالله تعالى شيئاً)(٢). وما أخرجه مسلم وابن أبي الدُّنيا في ((حسن الظَّنِّ) والبيهقيُّ في ((الأَسماء والصفات)) وغيرُهم عن عبد الله بن عمرو (٣) ﴾: أنَّ النبيَّ وَّرِ تلا قولَ الله سبحانه في ((إبراهيم)) عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَنْ تَّبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِىِ﴾ الآية [الآية: ٣٦] وقولَه عزَّ وجلَّ في عيسى بن مريم: (إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَّ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ) إلخ، فرفع يديه فقال: ((اللهمَّ أمَّتي أمَّتي)، وبكى. فقال الله جلَّت رحمته: يا جبرائيل، اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنُقِرُّ عينَك في أُمَّتك ولا نسوءُكَ(٤). (١) تفسير الطبري ١٣٩/٩، وتفسير ابن أبي حاتم ١٢٥٥/٤، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ٣٥٠/٢، وعنه نقل المصنف. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٤٩٧/١١-٤٩٨، ومسند أحمد (٢١٣٢٨)، وسنن النسائي (المجتبى) ١٧٧/٢، وسنن البيهقي ١٣/٣-١٤، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٣٤٩/٢، وما سلف بین حاصرتین منه. (٣) في الأصل و(م): عمر، والصواب ما أثبتناه. (٤) صحيح مسلم (٢٠٢)، وحسن الظن ص ٤٧، والأسماء والصفات ٥٣٤/١-٥٣٥. سُؤَدَّةُ للَائِدَة ٥٠٦ الآية : ١١٨ وما أخرجه ابن مردويه(١) عن أبي ذرِّ قال: قلت للنبيِّ وَلّهِ: بأبي أنت وأمِّي يا رسول الله، قمتَ الليلةَ بآية من القرآن - يعني بها هذه الآيةَ - ومعك قرآن، لو فعل هذا بعضُنا وجدنا عليه. قال: ((دعوت اللهَ سبحانه لأُمَّتي)) قال: فماذا أُجبت. قال: ((أُجبت بالذي لو اطّلع كثير منهم عليه تركوا الصلاة)) قلت: أفلا أبشِّر الناس؟ قال: ((بلى)) فقال عمر: يا رسول الله، إنك إنْ تبعث إلى الناس بهذا يتَّكلوا ويدَعوا العبادة. فناداه أن ارجع، فرجع = لا يقوم (٢) دليلاً على أنَّ في الآية تعريضاً بطلب المغفرة للكافر، إذ لا يبعد منه وَلِّ الدعاءُ لأُمته وطلبُ الشفاعة لهم بهذا النظم، لكن على الوجه الذي قصده عيسى عليه السلام منه. ويحتمل أنه وَله اقتبس ذلك من القرآن مؤدِّياً به مقصودَه الذي أراد. وليس ذلك أوّلَ اقتباس له عليه الصلاة والسلام؛ فقد صرَّح بعض العلماء أنَّ دعاء التوجُّه عند الشافعية من ذلك القبيل، والصلاةُ لا تنافي الدعاء، وما أخرجه مسلم ومَن معه ليس فيه أكثرُ من أنَّ ما ذكر أَثاره كامنُ شفقته وَّرِ على أمَّته، فدعا لهم بما دعا، وذلك لا يتوقَّف على أنَّ في الآية تعريضاً لسؤال المغفرة للكافر. ثم إنَّ للعلماء في بيان سرِّ ذِكر ذَينك الاسمين الجليلين في الآية كلاماً طويلاً، حيث أشكل وجهُ مناسبتهما لسياق ما قُرِنا به، حتى حُكي عن بعض القرّاء(٣) أنه غيَّرهما لسخافة عقله، فكان يقرأ: فإنَّك أنت الغفورُ الرحيم، إلى أن حُبس وضرب سبعَ دِرَر. ووقع لبعض الطّاعنين في القرآن من الملاحدة أنَّ المناسب ما وقع في مصحف ابنِ مسعود: ((فإنك أنت العزيزُ الغفورُ)) كما نقل ذلك ابنُ الأنباريّ(٤)، وقد علمتَ أحد توجيهاتهم لذلك. وقيل: إنَّ ذِكرهما من باب الاحتراس؛ لأن ترك عقاب الجاني قد يكون لعجزٍ في القدرة، أو لإهمال ينافي الحكمة، فدفع توقُّم ذلك بذکرهما . وفي ((أمالي العزِّ بن عبد السلام)): أنَّ ((العزيز)) معناه هنا: الذي لا نظير له، (١) كما في الدر المنثور ٢/ ٣٥٠، وأخرجه أيضاً أحمد (٢١٤٩٥). (٢) خبر لقوله: وما جاء في الأخبار ... (٣) هو أبو الحسن بن شَنَبوذ، ينظر معرفة القراء الكبار ٥٤٩/١. (٤) ذكرها الشهاب في الحاشية ٣٠٦/٣. الآية : ١١٩ ٥٠٧ وَرَُّ لعَائِدَة والمعنى: وإنْ تغفر لهم، فإنك أنت الذي لا نظير لك في غفرانك وسَعة رحمتك، وأنت أولى من رحم وأجدرُ مَن غفر وستر، الحكيمُ الذي لا يفعل شيئاً إلَّا في مستحقه، وهم مستحقُّون ذلك؛ لفضلك وضَعفهم. وهذا ظاهرٌ في أنَّ في الآية تعريضاً بطلب المغفرة، ولا أظنُّك تقول به. وادَّعى بعضهم أنهما متعلِّقان بالشرطين، لا بالثاني فقط. وحينئذ وجهُ مناسبتهما لا سُترَةَ عليه؛ فإنَّ مَن له الفعلُ والترك عزيزٌ حكيم. وذُكر أنَّ هذا أنسب وأدقُّ وأليق بالمقام. ﴿قَالَ اللَّهُ﴾ كلامٌ مستأنف خُتم به حكايةُ ما حكي مما يقع يومَ يجمع اللهُ الرسل عليهم الصلاة والسلام وأُشير إلى نتيجته ومآله. وصيغةُ الماضي لما تحقَّق، والمراد: يقول الله تعالى عَقيبَ جواب عيسى عليه السلام مشيراً إلى صدقه ضمن بيانِ حال الصادقين الذين هو في زمرتهم، وبذلك يزول أيضاً عنه عليه السلام خوفُه من صورة ذلك السؤال، لا أنَّ إزالته هي المقصودةُ من القول على ما قيل. ﴾ أي: اليوم الحاضر ﴿يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ﴾ أي: المستمرِّين على الصدق في الأمور المطلوبة منهم، التي معظمُها التوحيد الذي نحن بصدده، والشرائعُ والأحكام المتعلّقة به، من الرُّسل الناطقين بالحقِّ والصدق الداعين إلى ذلك، وبه تحصل الشهادةُ بصدق عيسى عليه السلام، ومن الأمم المصدِّقين لأولئك الكرام عليهم الصلاة والسلام، المقتدين بهم عقداً وعملاً، وبه يتحقَّق ترغيبُ السامعين المقصودُ بالحكاية في الإيمان برسول الله وَلِ ﴿صِدْقُّهُمْ﴾ أي: فيما ذُكر في الدنيا، إذ هو المستتبع للنفع والمجازاة يومَئذ. وقيل: في الآخرة. والمراد من ((الصادقين)) الأممُ، ومِن ((صدقهم)) صدقُهم في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ، وهو ينفعهم؛ لقيامهم فيه بحقِّ الله تعالى. وهو كما ترى. وقيل: المراد صدقُهم المستمرُّ في دنياهم إلى آخرتهم، ليتسنَّى كونُ ما ذكر شهادةً بصدق عيسى عليه السلام فيما قاله جواباً عن السؤال على ما يقتضيه السَّوق، ويكون النفعُ باعتبار تحقُّقه في الدنيا، والمطابقةُ لما يقتضيه السوقُ باعتبار تقرُّره ووقوعٍ بعض جزئيَّاته في الآخرة. والمستمرُّ هو الأمر الكلِّيُّ الذي هو الاتِّصاف بالصدق. ولا يَلزم من هذا محذورُ مدخليّة الصدق الأُخرويِّ في الجزاء، سُورَةُ القَائِدَة ٥٠٨ الآية : ١١٩ ولا يحتاج إلى جعل الصِّدق الأُخرويِّ شرطاً في نفع الصدق الدُّنيوي والمجازاةِ عليه. ولعلَّ فيما تقدَّم غنّى عن هذا، كما لا يخفى على الناظر. وقيل: المراد من ((الصادقين)) النبيُّون، ومن ((صدقهم)) صدقهم في الدنيا بالتبليغ، ويكون مساقُ الآية للشهادة بصدقه عليه السلام في قوله: ((ما قلتُ لهم إلّا ما أمرتَني به)). وأنت تعلم أنَّ هذا الغرضَ حاصلٌ على تقدير التعميم وزيادة. وقيل: المراد من الصدق الصدقُ في الدنيا، إلَّا أن المراد من الصادقين الأُمم، والكلام مسوقٌ لردِّ عرض عيسى عليه السلام المغفرةَ عليه سبحانه وتعالى، كأنه قيل: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لا غير، فلا مغفرةً لهؤلاء. ولا يخفى أنَّ التعميم لا ينافي كونَ الكلام مسوقاً لِما ذكر على تقدير تسليم ذلك. واسم الإشارة مبتدأ، و((يومُ)) بالرفع - وهي قراءة الجمهور - خبرُه. وقرأ نافعٌ وحده: ((يومَ)) بالنصب(١)، على أنه ظرف لـ ((قال))، و((هذا)) مبتدأ خبرُه محذوف، أي: كلامُ عيسى عليه السلام، أو: حقٌّ، أو نحو ذلك. أو ظرفٌ مستقرٌّ وقع خبراً. والمعنى: هذا الذي مرَّ من جواب عيسى عليه السلام، أو السؤال والجواب واقع یوم ینفع . وجوّز أن يكونَ ((هذا)) مفعولاً به للقول؛ لأنه بمعنى الكلام والقَصصِ، أو مفعولاً مطلقاً؛ لأنه بمعنى القول. وقيل: إنَّ ((هذا)) مبتدأ، و((يوم)) خبره، وهو مبنيٌّ على الفتح، بناء على أنَّ الظرف يُبنى عليه إذا أُضيف إلى جملة فعليّة وإنْ كانت معربة، وهو مذهب الكوفيين، واختاره ابنُ مالك(٢) وغيرُه، والبصريون لا يُجيزون البناء إلّا إذا صدِّرت الجملةُ المضافُ إليها بفعلٍ ماضٍ، كقوله: على حينَ عاتبتُ المشيب على الصِّبا(٣) (١) التيسير ص١٠١، والنشر ٢٥٦/٢. (٢) في التسهيل ص١٥٩ . (٣) قائله النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص٧٩، وعجزه: وقلتُ أَلَمّا أَصحُ والشيب وازعُ الآية : ١٢٠ ٥٠٩ سُورَةُ القَائِدَة وألحقوا بذلك الفعلَ المنفيَّ، ويخرِّجون هذه القراءةَ على أحد الأَوجه السابقة. وقرأ الأعمش: ((يومٌ)) بالرفع والتنوين(١)، على أنه خبرُ ((هذا)) والجملة بعده صفتُه بحذف العائد. وقُرئ: ((صدقَهم)) بالنصب(٢) على أن يكون فاعلَ ((ينفع)) ضميرُ ((الله)) تعالى، و((صدقَهم)) - كما قال أبو البقاء(٣) - إمَّا مفعولٌ له، أي: لصدقهم، أو منصوب بنزع الخافض، أي: بصدقهم، أو مصدر مؤكِّد، أو مفعول به على معنى: يصدقون الصدقَ، كقولك: صدقته القتالَ، والمراد: يحقِّقون الصّدق. ﴿لَهُمْ جَّتُ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَا أَبْدٌ﴾ تفسيرٌ للنفع؛ ولذا لم يعطف عليه، كأنه قيل: ما لهم من النفع؟ فقيل: لهم نعيمٌ دائم وثواب خالد. وقولُه سبحانه: ﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بيانٌ لكونه تعالى أَفاض عليهم غيرَ ما ذكر، وهو رضوانه عزَّ وجلَّ الذي لا غايةَ وراءه، كما يُنبئ عن ذلك قولُه سبحانه: ﴿وَرَضُواْ عَنْذُ﴾ إذ لا شيءَ أعزُّ منه حتى تمتدَّ إليه أعناقُ الآمال. ﴿وَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى نَيل رضوانه جلَّ شأنه، كما اختاره بعض المحقّقين، أو إلى جميع ما تقدَّم، كما اختاره في ((البحر))(٤)، وإليه يشير ما روي عن الحسن(٥). ﴿اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ ، الذي لا يحيط به نطاقُ الوصف، ولا يوقَف على مطلب ١١٩) یدانیه أصلاً. ﴿لِلَِّ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِهِنُّ﴾ تحقيق للحقِّ، وتنبيه - بما فيه من تقدیم الظَّرف المفيدِ للحصر - على كَذِب النصارى وفسادٍ ما زعموه في حقِّ المسيح وأُمِّه عليهما السلام. وقيل: استئناف مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من الكلام السابق، كأنه قيل: مَن يملك (١) الكشاف ٦٥٨/١. (٢) الإملاء ٢/ ٥٠٤، والبحر المحيط ٤ /٦٣. (٣) في الإملاء ٥٠٤/٢ . (٤) ٤ / ٦٤. (٥) وهو قوله: فازوا بالجنة ونجوا من النار. كما في الوسيط للواحدي ٢٤٩/٢. سُورَةُ القَائِدَة ٥١٠ الآية : ١٢٠ ذلك ليعطيَهم إياه؟ فقيل: ((لله ملك السماوات ... )) إلخ، فهو المالك والقادر على الإِعطاء. ولا يخفَى بُعده. وفي إيثار ((ما)) على ((مَن)) المختصَّةِ بالعقلاء على تقدير تناولها للكلِّ مراعاةٌ - كما قيل - للأصل، وإشارةٌ إلى تساوي الفريقين في استحالة الرُّبوبية حسب تساويهما في تحقّق المربوبيَّة. وعلى تقدير اختصاصها بغير العقلاء - كما يشير إليه خبرُ ابن الزِّبَعَرَى رَبُه(١) - تنبيهٌ على كمال قصورهم عن رتبة الأُلوهيَّة. وفي تغليب غيرِ العقلاء على العقلاء - على خلاف المعروف - ما لا يخفَى من حطّ قَدْرهم. ﴾ أي: مبالغ في القدرة. وفسَّرها ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ﴾ من الأشياء ﴿قَدِيرٌ الغزاليُ(٢)، بالمعنى الذي به يوجد الشيءُ متقدِّراً بتقدير الإرادة والعلم واقعاً على وَفقهما، وفسَّر الموصوف بها على الإطلاق بأنه الذي يخترع كلَّ موجود اختراعاً ينفرد به ويستغني به عن معاونة غيره، وليس ذاك إلَّا الله تعالى الواحدُ القهّار. والظرف متعلِّق بـ ((قدير))، والتقديمُ لمراعاة الفاصلة. ولا يخفى ما في ذِكر كبرياء الله تعالى وعزَّته وقهرِه وعلوِّه في آخر هذه السورةِ من حسن الاختتام. وأخرج أبو عبيد(٣) عن أبي الزاهريّة: أنَّ عثمان رظُه كتب في آخر المائدة: ((ولله ملك السموات والأرض والله سميع بصير». فها في (١) يريد ما أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص٣١٥ - ٣١٦ وغيره عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] أن عبد الله بن الزبعرى - وذلك قبل أن يُسلم - قال لرسول الله وَلقر فيما قال: ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون؟ وأن عيسى عبد صالح؟ وأن عزيراً عبد صالح؟ قال: ((بلى)). قال: فهذه بنو مليح يعبدون الملائكة، وهذه النصارى يعبدون عيسى، وهذه اليهود يعبدون عزيراً. قال: فصاح أهل مكة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا اُلْحُسْفَ﴾ الملائكة وعيسى وعزير عليهم السلام ﴿أُوْلَئِكَ عَنَّهَا مُبْعَدُونَ﴾ . وسيأتي خبره في سورة الأنبياء عند تفسير الآية. (٢) في المقصد الأسنى ص١٣٤ . (٣) في فضائل القرآن ص١٧١، وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف. التفسير الإشاري (٩٧ - ١٢٠) ٥١١ سُورَةُ القَائِدَة ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ هي عندهم حضرةُ الجمع المحرَّمةُ على الأَغیار. وقيل: قلبُ المؤمن. وقيل: الكعبة المخصوصةُ لا باعتبار أنها جدرانٌ أربعة وسقف، بل باعتبار أنها مَظهرُ جلالِ الله تعالى. وقد ذكروا أنَّه سبحانه يتجلَّى منها لعيون العارفين، كما يشير إليه قوله عزَّ شأنه - على ما في التوراة -: ((جاء الله تعالى من سينا فاستعلن بساعير وظهر من فاران))(١) . ﴿قِيَمًا لِلنَّاسِ﴾ من موتهم الحقيقيِّ لِمَا يحصل لهم بواسطة ذلك. ﴿وَالشَّهَرَ اُلْحَرَامَ﴾ وهو زمنُ الوصول، أو مراعاة القلب، أو الفوزُ بذلك التجلِّي الذي يَحرم فيه ظهورُ صفات النفس، أو الالتفاتُ إلى مقتضيات القُوى الطبيعية، أو نحو ذلك. ﴿وَاَلْهَدْىَ﴾ وهي النفسُ المذبوحة بفِناء حضرة الجمع، أو الوارداتُ الإلهية التي تَرِد القلبَ، أو ما يحصل للعبد من المِنَن عند ذلك التجلِّي. ﴿وَالْعَلَيْدَّ﴾ وهي النفس الشريفةُ المنقادة، أو هي نوعٌ مما يحصل للعبد من قِبَل مولاه يقوده قَسراً إلى ترك السِّوى. ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ﴾ بما يحصل لكم ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيهُ﴾ أي: يعلم حقائقَ الأشياءِ في عالمَي الغيب والشهادة، وعلمه محيطٌ بكلِّ شيء. ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ﴾ من النفوس والأعمال والأخلاق والأموال ﴿ وَاَلَّيِّبُ﴾ من ذلك ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ بسبب ملاءمته للنَّفس، فإن الأوَّل موجبٌ للقُربة دون الثاني. ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الإِيمانَ البرهانيَّ ﴿لَا تَسْشَلُواْ﴾ مِن أرباب الإِيمان العيانيّ ﴿عَنْ أَشْيَاءَ﴾ غيبيةٍ وحقائقَ لا تُعلَم إلا بالكشف ﴿إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ تهلكُكم؛ (١) ينظر ما سلف ٤/ ١٩٤. سُورَةُ للفائِدَة ٥١٢ التفسير الإشاري (٩٧ - ١٢٠) لقصوركم عن معرفتها، فيكون ذلك سبباً لإنكاركم، والله سبحانه غيور، وإنه لَیغضب لأوليائه كما يغضب الليث الحَرِب (١)، وفي هذا - كما قيل - تحذيرٌ لأَهل البداية عن كثرة سؤالهم من الكاملين عن أسرار الغيب، وإرشادٌ لهم إلى الصُّحبة مع التسليم. ﴿وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ﴾ الجامعُ للظاهر والباطن، المتضمِّنُ لما سألتم عنه ﴿تُبْدَ لكم﴾ بواسطته. ﴿مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَبِيرَةٍ﴾ وهي النفسُ التي شقَّت أُذنَها لسماع المخالفات. ﴿وَلَا سَأَيَِّةٍ﴾ وهي النفس المطلقة العِنان، السارحةُ في رياض الشهوات. ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾ وهي النفس التي وصلت حبالَ آمالها بعضاً ببعض، فسوَّفت التوبةً والاستعداد للآخرة. ﴿وَلا حامٍ﴾ وهو من اشتغل حيناً بالطاعة ولم يُفتح له بابُ الوصول، فوسوس إليه الشيطان وقال: يكفيكَ ما فعلت، وليس وراءَ ما أنت فيه شيء، فأَرح نفسك. فحمَى نفسه عن تحمُّل مشاقٌ المجاهدات. ونقل النيسابوريُّ عن الشيخ نجم الدِّين المعروف بـ: داية(٢): أنَّ البحيرة إشارةٌ إلى الحيدرية والقلندرية(٣)، يثقبون آذانهم ويجعلون فيها حِلَق الحدید ویترکون الشريعة، والسائبةَ إشارةٌ إلى الذين يضربون في الأرض خالعين العِذار بلا لجام الشريعة وقَيدِ الطريقة ويدَّعون أنَّهم أهل الحقيقة، والوصيلة إشارة إلى أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد، ويرفضون صحبةً الأقارب لأجل العصبية والعناد، والحامَ إشارة إلى المغرور بالله عزَّ وجلَّ يظنُّ أنه بلغ مقامَ الحقيقة فلا يضرُّه مخالفة الشريعة. (١) في (م): للحرب. (٢) هو أبو بكر عبد الله بن محمد الأسدي الرازي، صنف التفسير المسمَّى: بحر الحقائق والمعاني في تفسير السبع المثاني، وغيره، وكان عالماً في الطريقة والحقيقة، توفي سنة (٦٥٤هـ). الوافي بالوفيات ٥٧٩/١٧، والأعلام ١٢٥/٤. والكلام من غرائب القرآن النيسابوري ٧/ ٦٠. (٣) في الأصل و(م): القنلدرية وهو تصحيف، وينظر الكلام عليهم في عوارف المعارف ص٧١، ومجموع فتاوى ابن تيمية ١٦٣/٣٥ . التفسير الإشاري (٩٧ - ١٢٠) ٥١٣ سُورَةُ القَائِدَة ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنَزَلَ الَّهُ﴾ من الأحكام ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ لمتابعته ﴿قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابََنَا﴾ من الأفعال التي عاشوا بها وماتوا عليها ﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ من الشريعة والطريقة ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ إلى الحقيقة. ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ فاشتغلوا بتزكيتها ﴿لَا يَضُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ عما أنتم فيه فأنكرَ عليكم ﴿إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ وزَّيتم أنفسكم، وإنما ضررُ ذلك على نفسه. وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيتين، لم يظهر للعبد فيه شيءٌ يصلُح للتحرير، وقد ذكر النيسابوريُّ في تطبيقه على ما في الأَنفُس ما رأيت التركَ له أنفَس. ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ وهو يومُ القيامة الكبرى ﴿فَيَقُولُ﴾ لهم ﴿مَاذَا أُجْتُمْ﴾ حين دعوتم الخلقَ ﴿قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَا﴾ بذلك ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ اٌلْغُيُوبِ فتعلم ١٠٩ جوابَ ما سئلنا . وهذا - على ما قيل - عند تراكم سطوات الجلالِ وظهورٍ رداء الكبرياء وإزار العَظَمة؛ ولهذا بُهتوا وتاهوا، وتحيَّروا وتلاشوا. ولله سبحانه تجلياتٌ على أهل قُربه وذوي حبِّه، فيُفنيهم تارة بالجلال، ويُبقيهم ساعةً بالجمال، ويخاطبهم مرَّة باللطف، ويعاملهم أخرى بالقهر، وكلُّ ما فعل المحبوب محبوب. وقال بعض أهل التأويل: يجمع الله تعالى الرسلَ في عين الجمع المطلَق، أو عينٍ جمع الذات، فيسألهم: هل اطّلعتم على مراتب الخلق في كمالاتهم حين دعوتموهم إليّ؟ فيَنْفُوا العلمَ عن أنفسهم ويُثبتوه لله تعالى؛ لاقتضاء مقام الفَناء ذلك. ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ﴾ للأحباب والمريدين ﴿نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَلِدَتِكَ﴾ لتزدادَ رغبتهم فيَّ، واشْكُرْ ذلك لأَزيدَك مما عندي، فخزائني مملوءةٌ بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ﴿إِذْ أَبَّدَتُّكَ بِرُوج اُلْقُدُسِ﴾ وهو الروحُ الذي أشرق من صبح الأزل، وهي روحه الطاهرة. وقيل: المراد: أيَّدتك بجبرائيل حيث عرَّفك رسومَ العبودية. ﴿ُكُِّ النَّاسَ فِ اَلْمَهْدِ﴾ أي: مهد البدن، أو في المهد المعلوم. والمعنى: نطقتَ لهم صغيراً بتنزيه اللهِ تعالى وإِقرارك له بالعبوديّة ﴿وَكَهْلَا﴾ أي: في حال سُورَةُ القَائِدَة ٥١٤ التفسير الإشاري (٩٧ - ١٢٠) كِبَرك، والمراد أنك لم يختلف حالُك صِغَراً وكبراً، بل استمرَّ تنزيهُك لربِّك ولم ترجع القهقرى. ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ﴾ وهو كتابُ الحقائق والمعارف ﴿وَاَلْحِكْمَةَ﴾ وهي حكمةُ السلوك في الله عزَّ وجلَّ، بتحصيل الأخلاق والأحوالِ والمقامات والتجريدِ والتفريد ﴿وَالتَّوْرَةَ﴾ أي: العلومَ الظاهرة والأحكامَ المتعلّقةَ بالأفعال وأحوالٍ النفسِ وصفاتها ﴿وَالْإِنِيلِّ﴾ العلومَ الباطنة، ومنها علمُ تجلِّياتِ الصفات والأحكام المتعلّقةَ بأحوال القلب وصفاته. ﴿وَإِذْ تَّخْلُقُ﴾ بالتربية أو بالتصوير ﴿مِنَ اُلْطِينٍ﴾ وهو الاستعداد المحضُ، أو الطين المعلوم ﴿كَهَنَةِ اٌلَّيْرِ﴾ أي: كصورة طير القلبِ الطائر إلى حضرة القُدس، أو الطير المشهور ﴿فَتَنْفُغُ فِيهَا﴾ من الروح الظاهرةِ فيك ﴿فَتَكُونُ طَيْرًا﴾ نَفْساً مجرَّدة طائرة بجناح الصَّفاء والعشق، أو طيراً حقيقة ﴿إِذْنِ﴾ حيث صرتَ مظهراً لي. ﴿وَتُبْرِئُ اَلْأَكْمَةَ﴾ أي: المحجوب عن نور الحقِّ ﴿وَالْأَسَ﴾ أي: الذي أَفسد قلبه حبُّ الدنيا وغلبةُ الهوى ﴿بِإِذْنِّ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْنَ﴾ بداء الجهل من قبور الطبيعة ﴿بِإِذْنِ﴾. ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾ وهي القُوى النفسانية، أو المحجوبين عن نور تجلِّيات الصفات ﴿عَنكَ﴾ فلم ينقصك كيدُهم شيئاً ﴿إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾ وهي الحُجج الواضحة، أو القُوى الروحانيّة الغالبة. ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ﴾ بطريق الإلهام ﴿إِلَى الْحَوَارِبْنَ﴾ وهم الذين طهَّروا نفوسَهم بماء العلم النافع، ونقَّوا ثياب قلوبهم عن لَوث الطبائع ﴿أَنّ ءَامِنُواْ بِ﴾ إيماناً حقيقيًّا بتوحيد الصفات ﴿وَيِرَسُولِ﴾ برعاية حقوق تجلِياتها على التفصيل. وذكر بعض السَّادة أنَّ الوحي يكون خاصًّا ويكون عامًّا، فالخاصّ: ما كان بغير واسطة، والعامُّ: ما كان بالواسطة، من نحو الملَك، والرُّوحِ، والقلب، والعقل، والسِّر، وحركة الفطرة. وللأَولياء نصيبٌ من هذا النوع. ولوحي الخاصّ مراتبُ: وحي الفعل ووحي الذات. فوحيُّ الذات يكون في مقام التوحيد عند رؤية العظمة والكبرياء، ووحي الفعل يكون مقام العشق والمحبّة، وهناك منازلُ الأُنس والانبساط. التفسير الإشاري (٩٧ - ١٢٠) ٥١٥ سُورَةُ القَائِدَة ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُونَ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ أي: المربِّي لك والمُفيض عليك ما كمَّلك ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآيِدَةً﴾ أي: شريعةً مشتملة على أنواع العلوم والحِكَم والمعارفِ والأحكام ﴿مِّنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من جهة سماء الأرواح. ﴿قَالَ أَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أي: اجعلوه سبحانه وقايةً لكم فيما يصدر عنكم من الأفعال والأخلاق ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ ولا تسألوا شريعة مجدَّدة. ﴿قَالُواْ فُرِيدُ أَن ◌َّأْكُلَ مِنْهَا﴾ بأن نعملَ بها ﴿وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا﴾ فإنَّ العلم غذاء ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ في الإِخبار عن ربِّك وعن نفسك ﴿وَتَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّهِدِينَ﴾ فنعلُّم بها الغائبين وندعوهم إليها . ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ﴾ بها منكم ويحتجبْ عن ذلك الدِّين ﴿بَعْدُ﴾ أي: بعد الإنزال ﴿فَإِنَّ أُعَذِبُ عَذَابًا لََّ أُعَذِبُ أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾ وذلك بالحجاب عني؛ لوجود الاستعداد ووضوحِ الطريق وسطوعِ الحَجَّة. والعذابُ مع العلم أشدُّ من العذاب مع الجهل. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى ابْنَ مَهْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ إلخ. كلام الشيخِ الأكبر قُدِّس سرُّه وكلامُ الشيخ عبد الكريم الجيليِّ فيه شهيرٌ منتشر على ألسنةً المخلصين والمنكرين فيما بيننا. والله تعالى أعلم بمراده. نسأل الله تعالى أن يُنزلَ علينا موائدَ كرمه، ولا يقطعَ عنا عوائدَ نِعَمِه، ويَلِطُفَ بنا في كلِّ مبدأ وختام، بحرمة نبيِّنا عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام. تم الجزء السابع من تفسير روح المعاني، ويليه الجزء الثامن ويبدأ بسورة الأنعام ٠٠ فهرس الموضوعات ١١٦ آیة رقم (١٧) ٧ آیة رقم (١) ١٢٠ آیة رقم (١٨) ١٧ آية رقم (٢) آية رقم (١٩) آیة رقم (٣) ١٣٠ آية رقم (٢٠) آية رقم (٢١) ٤٤ ١٣٢ آية رقم (٥) آية رقم (٢٢) ١٣٤ آية رقم (٢٣) ٥٢ آیة رقم (٦) آية رقم (٢٤) ٨٢ آیة رقم (٧) ١٣٧ آية رقم (٢٥) ٨٣ آیة رقم (٨) ١٣٧ ١٣٩ آية رقم (٢٦) ٨٥ آیة رقم (٩) آية رقم (٢٧) ١٤٢ ١٤٥ آیة رقم (٢٨) ٨٦ آیة رقم (١١) آية رقم (٢٩) ٨٨ آیة رقم (١٢) ٩٦ آية رقم (١٣) التفسير الإشاري ١٠٠ آیة رقم (١٤) ١١٠ آية رقم (٣٣) ١٤٧ آية رقم (٣٠) ١٥٠ آية رقم (٣١) ١٥٣ آية رقم (٣٢) ١٥٧ ١١٣ آیة رقم (١٥) ١٦٠ آية رقم (٣٤) ١١٥ آية رقم (١٦) ١٦٤ ٢٧ ١٢٦ ٣٧ آية رقم (٤) ٤٩ التفسير الإشاري ١٣٥ ٨٦ آية رقم (١٠) ٥١٨ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ٢٧٢ آیة رقم (٥٧) ١٦٧ التفسير الإشاري ١٧٢ آیة رقم (٣٥) ١٨٢ آية رقم (٣٦) ٢٧٥ آیة رقم (٥٩) ١٨٦ آية رقم (٣٧) ٢٧٩ آیة رقم (٦٠) ١٨٧ آیة رقم (٣٨) ٢٨٧ آیة رقم (٦١) ٢٨٩ آية رقم (٦٢) ١٩٤ آية رقم (٣٩) آية رقم (٦٣) ١٩٥ آية رقم (٤٠) ٢٩٠ ٢٩١ آية رقم (٦٤) ١٩٦ آية رقم (٤١) ٢٠٥ آیة رقم (٤٢) ٢٠٩ آية رقم (٤٣) ٢١٠ ٢١٩ التفسير الإشاري آیة رقم (٤٥) ٢٢١ آية رقم (٤٦) ٣٤٠ آية رقم (٧٠) ٢٢٩ آیة رقم (٤٧) ٣٤٨ آية رقم (٧٣) ٢٤٠ آية رقم (٥٠) ٣٥٠ آية رقم (٧٤) ٢٤٢ آیة رقم (٥١) آیة رقم (٧٥) ٣٥٠ آیة رقم (٧٦) ٣٥٤ آية رقم (٧٧) ٢٥٠ آية رقم (٥٤) ٢٦٠ التفسير الإشاري آية رقم (٧٨) ٣٥٦ آیة رقم (٥٥) ٣٥٨ آية رقم (٧٩) ٢٦٣ ٢٧٢ آية رقم (٥٦) ٣٦٠ آية رقم (٨٠) ٢٩٩ آیة رقم (٦٥) ٣٠١ آية رقم (٦٦) ٣٠٤ التفسير الإشاري ٣٠٩ آية رقم (٦٧) ٣٣٢ آیة رقم (٦٨) ٣٣٤ آية رقم (٦٩) ٣٤٤ آية رقم (٧١) ٢٣١ آیة رقم (٤٨) ٢٣٧ آیة رقم (٤٩) ٢٤٣ آية رقم (٥٢) ٢٤٧ آیة رقم (٥٣) ٣٥٣ آية رقم (٧٢) ٣٤٩ ٢٢٧ آیة رقم (٤٤) ٢٧٤ آیة رقم (٥٨) ٥١٩ فهرس الموضوعات ٤٣٥ آية رقم (١٠١) ٣٦١ آية رقم (٨١) ٤٤٣ آية رقم (١٠٢) ٣٦٣ آية رقم (٨٢) ٣٦٦ آية رقم (٨٣) ٤٤٥ آية رقم (١٠٣) ٤٤٩ آية رقم (١٠٤) ٣٦٨ آية رقم (٨٤) ٣٧٠ آية رقم (٨٥) آیة رقم (١٠٥) ٤٥٤ آية رقم (١٠٦) ٣٧١ آية رقم (٨٦) ٣٧٢ التفسير الإشاري ٣٧٥ آية رقم (٨٧) ٣٧٦ آية رقم (٨٨) آية رقم (١١٠) ٣٧٨ آية رقم (٨٩) آية رقم (١١١) ٣٩٠ آية رقم (١١٢) ٤٨٠ آية رقم (١١٣) ٣٩٤ آية رقم (٩٢) آية رقم (١١٤) ٤٨٤ ٤٨٧ آية رقم (١١٥) ٤٩٢ آية رقم (١١٦) ٤٩٩ آية رقم (١١٧) آية رقم (١١٨) ٥٠٤ آية رقم (١١٩) ٥٠٧ آية رقم (١٢٠) ٥٠٩ التفسير الإشاري ٤٠١ آية رقم (٩٤) ٤٠٥ آية رقم (٩٥) ٤٢٠ آية رقم (٩٦) ٤٢٧ التفسير الإشاري آية رقم (٩٧) ٤٣١ آية رقم (٩٨) ٤٣٣ آية رقم (٩٩) ٤٣٤ ٤٣٤ آية رقم (١٠٠) ٤٥١ آية رقم (١٠٧) ٤٦٢ آية رقم (١٠٨) ٤٦٩ آية رقم (١٠٩) ٤٧٠ ٤٧٥ آية رقم (٩٠) ٣٩٢ آية رقم (٩١) ٤٨٣ ٣٩٤ آية رقم (٩٣) ٤٧٩ .٥١١