النص المفهرس
صفحات 441-460
الآية : ١٠١ ٤٤١ سُورَة للعائدة (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لأنَّ من الفلاح تركَ السؤال عمّا لا خير فيه. والثاني: أنها متصلة بقوله سبحانه: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ) فإنَّه بلَّغ ما فيه المصلحة، فلا تسألوه عمَّا لا يعنيكم. والثالث: أنها متصلة بقوله جلَّ وعلا: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) أي: فلا تسألوا عن تلك الأَشياء فتظهرَ سرائركم. ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنْهًا﴾ أي: عن المسألة المدلولِ عليها بـ ((لا تسألوا)). والجملة استئناف مَسوق لبيان أنَّ نهيهم عنها لم يكن لمجرَّد صيانتهم عن المَساءة، بل لأنها في نفسها معصيةٌ مستتبِعة للمؤاخذة، وقد عفا سبحانه عنها، وفيه من حثِّهم على الجدِّ في الانتهاء عنها ما لا يخفَى، أي: عفا الله تعالى عن مسألتكم السالفةِ حيث لم يَفرض عليكم الحجّ في كلِّ عامٍ جزاءً لمسألتكم. أو المراد: تَجاوَزَ عن عقوبتكم الأخروية، واختاره بعض المحقّقين. وجوَّز غير واحدٍ كونَ الجملة صفةً أخرى لـ ((أشياء)» والضميرُ المجرور عائد إليها، وهو الرابط، على معنى: لا تسألوا عن أشياء لم يكلِّفكم اللهُ تعالى بها . واعتُرض بأنَّ هذا يقتضي أن يكونَ الحجُّ قد فرض أوَّلاً ثم نُسخ بطريق العفو، وأن يكونَ ذلك معلوماً للمخاطَبين، ضرورةَ أنَّ حقَّ الوصف أن يكون معلومَ الثبوت للموصوف عند المخاطَب قبل جعله وصفاً له، وكلاهما ضروريُّ الانتفاء قطعاً، على أنَّه يستدعي اختصاصَ النهي بمسألة الحجّ ونحوها، مع أنَّ النظم الكريم صريحٌ في أنه مَسوق للنهي عن السؤال عن الأشياء التي يسوءُهم إبداؤها، سواءٌ كانت من قبيل الأحكام والتكاليف الموجبة لمساءتهم بإنشائها وإيجابها بسبب السؤال عقوبة وتشديداً، كمسألة الحجِّ لولا عفوُه تعالى عنها، أو من قبيل الأمور الواقعةِ قبل السؤال الموجبة للمساءة بالإِخبار بها، كما في سبب النزول، على ما أخرج ابنُ جَرِير(١) وغيرُه عن أبي هريرة قال: خرج رسول اللهِوَّهِ وهو غضبانُ محمارٌّ وجهُه حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجلٌ فقال: أين أبي؟ قال: ((في النار)). وفسَّر بعضهم العفوَ عنها بالكفّ عن بيانها والتعرُّض لشأنها، وحينئذ يوشك ألَّا يتوجَّهَ هذا الاعتراض أصلاً. (١) في تفسيره ٩/ ١٧ . ٠٦ سُورَةُ القَائِدَة ٤٤٢ الآية : ١٠١ وإلى التفسير الأوَّل يشير كلامُ ابن عباس ﴿ها، فقد أخرج مجاهدٌ عنه أنه كان إذا سئل عن الشيء لم يَجِئ فيه أثرٌ يقول: هو من العفو، ثم يقرأ هذه الآية. والذي ذهب إليه شيخُ الإسلام(١) عليه الرحمة هو الاستئنافُ لا غير؛ لِمَا علمت. واستبعادُ بعض الفضلاء ليس في محلِّه. ثم قال: إن قلتَ: تلك الأشياء غيرُ موجبة للمساءة ألبّة، بل هي محتمِلةٌ لإيجاب المسرَّة أيضاً؛ لأنَّ إيجابها للأُولى وإن كان من حيث وجودُها، فهي من حيث عدمها موجبة للأخرى قطعاً، وليست إحدى الحيثيّتين محقَّقةً عند السائل، وإنَّما غرضه من السؤال ظهورُها كيف كانت، بل ظهورها بحيثية إيجابها للمسرَّة، فلِمَ عبَّر عنها بحيثية إيجابِها للمساءة؟ قلت: لتحقيق المنهيّ عنه كما ستعرفه، مع ما فيه من تأكيد النهي وتشديدِه؛ لأنَّ تلك الحيثيةَ هي الموجبةُ للانتهاء، لا الحيثيةُ الثانية، ولا حيثية التردُّد بین الإیجابین. فإن قيل: الشرطية الثانية ناطقةٌ بأنَّ السؤال عن تلك الأشياءِ الموجبة للمساءة مستلزمٌ لإبدائها، فلمَ تخلَّف الإبداء في مسألة الحجِّ ولم يُفرض كلَّ عام؟ قلنا: لوقوع السؤال قبل النهي، وما في الشرطية إنما هو السؤال الواقع بعده؛ إذ هو الموجب للتغليظ والتشديد، ولا تخلُّف فيه. فإن قيل: ما ذكر إنما يتمشَى فيما إذا كان السؤال عن الأمور المتردِّدة بين الوقوع وعدمِه كما ذكر في التكاليف الشاقّة، وأمَّا إذا كان عن الأمور الواقعةِ قبله، فلا يكاد يتسنَّى؛ لأنَّ ما يتعلَّق به الإبداء هو الذي وقع في نفس الأمر، ولا مردَ له، سواءٌ كان السؤال قبلُ أو بعد، وقد يكون الواقع ما يوجب المسرَّة كما في مسألة ابنِ حذافة، فيكون هو متعلَّق الإبداء لا غيرُه، فيتعيّن التخلُّف حتماً. قلنا: لا احتمال له فضلاً عن تعيُّنه؛ فإنَّ المنهيَّ عنه في الحقيقة إنما هو السؤال عن الأَشياء الموجبة للمساءة الواقعة في نفس الأمر قبل السؤال، كسؤال مَن قال: أين أبي؟ لا ما يعمُّها وغيرَها مما ليس بواقع لكنَّه محتمل الوقوع عند المكلَّفين، حتى يلزمَ التخلفُ في صورة عدم الوقوع. (١) في تفسيره ٨٥/٣. الآية : ١٠٢ ٤٤٣ سُوَرَّةُ القَائِدَة وجملة الكلام أنَّ مدلول النَّظم الكريم بطريق العبارة إنما هو النهيُ عن السؤال عن الأشياء التي يوجب إبداؤها المساءةَ أَلبتة، إمَّا بأن تكون تلك الأشياءُ بعرضيّة الوقوع، فتُبدَى عند السؤال بطريق الإنشاء، عقوبةً وتشديداً، كما في صورة كونها من قبيل التكاليف الشاقّة، وإما بأن تكونَ واقعةً في نفس الأمر قبل السؤال، فتبدَى عنده بطريق الإخبار بها، فالتخلُّف ممتنع في الصورتين معاً، ومنشأ توقُّمه عدمُ الفرق بين المنهيِّ عنه وغيره، بناءً على عدم امتياز ما هو موجودٌ أو بعرضيّة الوجود من تلك الأشياءِ في نفس الأمر وما ليس كذلك عند المكلَّفين وملاحظتِهم للكلِّ باحتمال الوجود والعدم. وفائدةُ هذا الإبهام الانتهاءُ عن تلك الأشياء على الإطلاق؛ حذارَ إبداءِ المكروه. انتهى. وهو تحرير لم يُسبق إلیه. ﴿وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ ﴾﴾ أي: مبالغ في مغفرة الذنوب والإغضاء عن المعاصي؛ ولذلك عفا سبحانه عنكم ولم يعاقبكم بما فَرَط منكم. والجملة اعتراضٌ تذييلي مقرِّر لما سبق من عفوه تعالى. ﴿قَدْ سَأَلَهَا﴾ أي: المسألةَ، فالضمير في موقع المصدر لا المفعولِ به. والمراد: سأل مِثْلَها في كونها محظورةً ومستتبِعةً للوبال ﴿قَوْمٌ﴾ وعدم التصريح بالمِثل للمبالغة في التحذير، وجوِّز أن يكونَ الضمير للأشياء على تقدير المضافِ أيضاً، فالضمير في موقع المفعول به، وذلك من باب الحذف والإِيصال، والمراد: سأل عنها. وقيل: لا حاجةً إلى جعله من ذلك الباب؛ لأنَّ السؤال هنا استعطاء، وهو يتعدَّى بنفسه، كقولك: سألته درهماً، بمعنى: طلبته منه، لا استخبارٌ كما في صدر الآية. واختلف في تعيين القوم، فعن ابن عباس ها: هم قوم عيسى عليه الصلاة والسلام، سألوه إنزالَ المائدة ثم كفروا بها . وقيل: هم قوم صالحٍ عليه السلام، سألوه الناقةً ثم عقروها وكفروا بها . وقيل: هم قوم موسى عليه السلام، سألوه أن يريَهم الله تعالى جهرة، أو سألوه بيانَ البقرة. وعن مقاتل: هم بنو إسرائيل مطلقاً، كانوا يسألون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أخبروهم كذَّبوهم. سُورَةُ القَائِدَةِ ٤٤٤ الآية : ١٠٢ وعن السُّدِّي: هم قريش، سألوا النبيَّ وَطِّ أن يحوِّل الصفا ذهباً. وقال الجبّائي: كانوا يسألونه وَلير عن أنسابهم، فإذا أخبرهم عليه الصلاة والسلام لم يصدِّقوا، ويقولون (١): ليس الأمر كذلك. ولا يخفى عليك الغثُّ والسمين من هذه الأَقوال، وأنَّ بعضها يؤيِّد حمل السؤال على الاستعطاء وبعضَها يؤيِّد حمله على الاستخبار، والحملُ على الاستخبار أولى، وإلى تعيُّنْه ذهب بعضُ العلماء. ﴿مِّنْ قَبْلِكُمْ﴾ متعلِّق بـ ((سألها)). وجوِّز كونُه متعلقاً بمحذوف وقع صفةً لـ ((قوم)). واعتُرض بأنَّ ظرف الزمان لا يكون صفةَ الجُثة، ولا حالاً منها، ولا خبراً عنها . وأجيب: بأنَّ التحقيق أنَّ هذا مشروط بما إذا عَدِمت الفائدة، أما إذا حصلت فيجوز، كما إذا أشبهت الجثةُ المعنى في تجدُّدها ووجودِها وقتاً دون وقت، نحو: الليلةَ الهلالُ، بخلاف: زيدٌ يومَ السبت، وما نحن فيه ممّا فيه فائدة؛ لأنَّ القوم لا يُعلم هل هم ممَّن مضى أم لا . وقال أبو حيّان(٢) - وهو تحقيقٌ بديع غَفَلوا عنه -: هذا المنع إنَّما هو في الزمان المجرَّد عن الوصف، أما إذا تضمَّن وصفاً فيجوز، كـ: قبل وبعد، فإنهما وصفان في الأصل، فإذا قلت: جاء زيدٌ قبل عَمرٍو، فالمعنى: جاء في زمانٍ قبل زمان مجيئه، أي: متقدِّم عليه؛ ولذا وقع صلةً للموصول، ولو لم يُلحظ فيه الوصف وكان ظرفَ زمانٍ مجرَّد، لم يَجُز أن يقعَ صلة ولا صفة، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] ولا يجوز: والذين اليومَ، وما نحن فيه من المتضمِّن لا المجرّد، وهو ظاهر. وما قيل من أنَّه ليس من المتنازَع فيه في شيء؛ لأنَّ الواقع صفةً هو الجارُّ والمجرور لا الظرف نفسُه، ليس بشيء؛ لأنَّ دخول الجارِّ عليه إذا كان ((مِن)) أو (في)) لا يُخرجه عن كونه في الحقيقة هو الصفةً أو نحوَها، فليفهم. (١) في الأصل و(م): ويقولوا. (٢) في البحر المحيط ٣٢/٤ - ٣٣. الآية : ١٠٣ ٤٤٥ سُوَرَّةُ القَائِدَة ﴿ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا﴾ أي: بسببها، وهو متعلِّق بقوله سبحانه وتعالى: ﴿كَفِرِينَ قدِّم عليه رعايةً للفواصل. ١٠٢ وقرأ أُبَيّ: ((قد سألها قومٌ بَيِّنت لهم فأصبحوا بها كافرين))(١). جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيَةٍ﴾ هي فعيلٌ بمعنى مفعولة، من البحر، وهو الشَّق، والتاء للنقل إلى الاسميّة، أو لحذف الموصوف. قال الزجَّاج (٢): كان أهل الجاهلية إذا نُتجت الناقةُ خمسةَ أبطن آخرُها ذَكَر، بحروا أُذنها وشقُوها، وامتنعوا عن نحرها ورُكوبها، ولا تُطرد من ماءٍ ولا تمنع عن مرعَى، وهي البحيرة. وعن قتادة: أنها إذا نُتجت خمسةً أبطن نظر في الخامس، فإن كان ذكراً ذبحوه وأكلوه، وإن كان أنثى شقُّوا أُذنها وتركوها ترعى، ولا يستعملها أحد في حَلْب ورکوب ونحو ذلك. وقيل: البحيرة هي الأنثى التي تكون خامسَ بطن، وكانوا لا يُحِلُّون لحمها ولبنها للنساء، فإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكلها . وعن محمد بن إسحاق ومجاهد: أنها بنت السَّائبة، وستأتي إن شاء الله تعالى قريباً، وكانت تهمل أيضاً. وقيل: هي التي ولدت خمساً أو سبعاً. وقيل: عشرةَ أبطن، وتترك هَمَلاً، وإذا ماتت حلَّ لحمها للرِّجال خاصّة. وعن ابن المسيب: أنها التي مُنع لبنها للطّواغيت فلا تُحلب. وقيل: هي التي ولدت خمس إناث فشقُّوا أُذنها وتركوها هَمَلاً. وجعلها في ((القاموس))(٣) على هذا القول من الشَّاء خاصّة. وكما تسمَّى بالبحيرة تسمَّى بالغزيرة أيضاً . (١) الدر المنثور ٣٣٤/٢. (٢) في معاني القرآن ٢١٣/٢. (٣) مادة (بحر). سُؤَدَّةُ القَائِدَة ٤٤٦ الآية : ١٠٣ وقيل: هي السَّقب الذي إذا ولد شقُّوا أذنه وقالوا: اللهمَّ إن عاش فقِنِيّ(١)، وإن مات فذَكيّ، فإذا مات أكلوه. وقيل: هي التي تترك في المرعى بلا راع. ﴿وَلَا سَآِبَةٍ﴾ هي فاعلة مِن سيَّبته، أي: تركته وأَهملته، فهو سائب وهي سائبة، أو بمعنى مفعول، كـ ﴿عِيشَةٍ رََّضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]. واختلف فيها، فقيل: هي الناقة تبطن عشرةَ أَبطن إناث، فتُهمَل ولا تركب، ولا يجزُّ وبرها، ولا يَشرب لبنَها إلَّا ضيف. ونُسب إلى محمد بن إسحاق. وقيل: هي التي تسيَّب للأصنام، فتُعطَى للسَّدنة ولا يَطعم من لبنها إلَّا أبناءُ السبيل ونحوهم. وروي ذلك عن ابن عباس وابنٍ مسعود وقيل: هي البعير يُدرِك نِتَاجَ نتاجِهِ، فُيُترك ولا يركب. وقيل: كان الرجل إذا قدم من سفر بعيد، أو نَجَت دابَّته من مشقَّة أو حرب، قال: هي سائبة، أو كان ينزع من ظهرها فَقارةً أو عظماً، وكانت لا تُمنع عن ماء ولا کلاٍ ولا ترکب. وقيل: هي ما ترك ليحجّ عليه. وقيل: هي العبد يَعْتِقِ على ألَّ يكونَ عليه ولاء، ولا عَقْل ولا ميراث. ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾ هي فَعيلة بمعنى فاعلة. وقيل: مفعولة. والأوَّل أَظهر، كما يُنبئُ عن ذلك بيانُ المراد بها . واختلف فيه، فقال الفرّاء (٢): هي الشاة تُنتَج سبعةَ أبطن، عَناقَين عَناقَين(٣)، وإذا ولدت في آخرها عَناقاً وجَدْياً، قيل: وَصلت أخاها، فلا يَشرب لَبن الأمّ إلَّا الرجالُ دون النساء، وتجري مَجرَى السائبة. (١) قني الغنم: ما يتخذ منها لولد أو لبن. القاموس (قني). (٢) في معاني القرآن ١/ ٣٢٢. (٣) العناق: الأنثى من ولد المعز. الآية : ١٠٣ ٤٤٧ سُورَةُ القَائِدَة وقال الزجّاج(١): هي الشاة إذا ولدت ذكراً كان لآلهتهم، وإذا ولدت أنثى كانت لهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى، قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذَّكر لآلهتهم. وقيل: هي الشاةُ تلد ذكراً ثم أنثى، فتَصِل أخاها، فلا يذبحون أخاها من أجلها، وإذا وَلدت ذكراً قالوا: هذا قُربانٌ لآلهتنا. وعن ابن عباس ﴿: هي الشاةُ تُنْتَج سبعةَ أبطن، فإن كان السابع أنثى، لم ينتفع النساء منها بشيء إلَّا أن تموتَ، فتأكلُها الرجال والنساء، وكذا إنْ كان ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فتُتُرَك معه ولا ينتفع بها إلا الرجالُ دون النساء، فإن ماتت اشتركوا فيها . وقال ابنُ قتيبة: إن كان السابعُ ذكراً ذُبح وأكلوا منه دون النساء(٢)، وقالوا: خالصة لذُكورنا محرَّمة على أزواجنا، وإن كانت أنثى تُركت في الغنم، وإن كان ذکراً وأنثى، فکقول ابن عباس قُته. وقال محمد بن إسحاق: هي الشاة تنتَج عشرةَ إناث متوالياتٍ في خمسة أبطن، فما ولدت بعده للذَّكور دون الإناث، فإذا ولدت ذكراً وأنثى معاً، قالوا: وصلت أخاها، فلم یذبحوه لمكانها . وقيل: هي الشاة تنتج خمسةً أبطن أو ثلاثةً، فإن كان جدياً ذبحوه، وإن كان أنثى أبقَوها، وإن كان ذكراً وأنثى، قالوا: وصلت أخاها. وقال بعضهم: الوصيلة من الإبل وهي الناقة تبكِّر فتلد أنثى، ثم تثنِّ بولادة أنثى أخرى ليس بينهما ذَكَر، فيتركونها لآلهتهم ويقولون: قد وصلت أنثى بأنثى لیس بینھما ذَگر. وقيل: هي الناقة التي وصلت بين عشرة أبطن لا ذكرَ بينهما. ﴿وَلَا حَالٍِّ﴾ هو فاعلٌ من الحِمَى بمعنى المنع. واختُلف فيه أيضاً، فقال (١) في معاني القرآن ٢١٣/٢. (٢) في تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ١٤٧: فأكل منه الرجال والنساء. سُورَةُ للغائِدَة ٤٤٨ الآية : ١٠٣ الفرّاء(١): هو الفحل إذا لَقِح ولدُ ولده، فيقولون: قد حمَى ظهره، فيُهمل ولا يطرد عن ماء ولا مرعى. وعن ابن عباس ﴿ وابن مسعود، وهو قولُ أبي عبيدة(٢) والزجّاج(٣): أنَّه الفحل يولد من ظهره عشرةُ أبطن، فيقولون: حمَى ظهره، فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ومرعى. وعن الشافعيِّ: أنه الفحل يَضرب في مال صاحبِه (٤) عشرَ سنين. وقيل: هو الفحل ينتج له سبع إناث متواليات فيحمي ظهره. وجُمع بين الأقوال المتقدِّمة في كلِّ من تلك الأنواع بأنَّ العرب كانت تختلف أفعالُهم فيها. والمراد من هذه الجملة ردٌّ وإبطال لما ابتدعه أهلُ الجاهلية. ومعنى ((ما جعل)): ما شَرع؛ ولذلك عدِّي إلى مفعول واحد، وهو ((بحيرة)) وما عُطف عليها. و(مِن)) سيفُ خطيب أتى بها لتأكيد النفي. وأنكر بعضهم مجيءَ ((جعل)) بمعنى شرع عن أحدٍ من أهل اللغة، وجَعَلها هنا للتَّصيير، والمفعول الثاني محذوف، أي: ما جعل البحيرة ولا .. ولا .. مشروعة. وليس كما قال؛ فإنَّ الراغب نقل ذلك عن أهل اللغة، وهو ثقةٌ لا يفتري عليهم. ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ اَلْكَذِبِّ﴾ حيث يفعلون ما يفعلون ويقولون: اللهُ سبحانه وتعالى أمرنا بهذا. وإمامهم عمرو بن لُحَيّ، فإنه في المشهور أوَّلُ مَن فعل تلك الأفاعيلَ الشنيعة. أخرج ابن جَرِيرٍ(٥) وغيرُه عن أبي هريرة قال: سمعت رسولَ اللهِ وَ﴿ يقول لأكثمَ بن الجَوْن: يا أكثم، عُرضت عليَّ النار، فرأيت فيها عَمرَو بن لُحَيٍّ بن قَمَعة بن خِندف يجرُّ قُصْبه في النار، فما رأيت رجلاً أشبهَ برجل منك به، ولا به منك، فقال أكثم: أخشى أن يضرَّني شَبَهُه يا رسول الله. فقال (١) في معاني القرآن ٣٢٢/١. (٢) في مجاز القرآن ١٧٩/١. (٣) في معاني القرآن ٢١٣/٢. (٤) أي: في إبل صاحبه، كما في الأم ١٨١/٦. (٥) في تفسيره ٢٧/٩. وأصل الحديث عند البخاري (٣٥٢٠) ومسلم (٢٨٥٦). ٤ الآية : ١٠٤ ٤٤٩ سُورَةُ لقَائِدَة رسول الله وَّه: ((لا، إنك مؤمنٌ وهو كافر، إنه أولُ من غيَّر دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وبَحَرَ البحيرة، وسيَّب السائبة، وحمى الحامي))، وجاء في خبر آخرَ عن ابن عباس ﴿ه: ((ووصل الوصيلة))(١). وأخرج عبد الرزاق(٢) وغيره عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله وَّ ر: ((إني لأَعرف أوَّلَ مَن سَيَّب السوائب، ونَصَبَ النُّصب، وأولَ مَن غيَّر دين إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام)» قالوا: مَن هو يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: ((عَمرو بن لُحَيِّ أخو بني كعب، لقد رأيته يجرُّ قُصْبه في النار، يؤذي أهلَ النار ريحُ قصبه. وإني لأَعرف أوَّلَ مَن بَحَرَ البحائر)) قالوا: مَن هو يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: ((رجل من بني مُدْلِج، كانت له ناقتان، فجدع آذانَهما وحرَّم ألبانهما وظهورهما، وقال: هاتان لله، ثم احتاج إليهما فشرب أَلبانَهما وركب ظهورَهما، فلقد رأيته في النار وهما تقضَمانه بأفواههما وتطانه بأخفافهما)». واستُدلَّ بالآية على تحريم هذه الأمور، وهو ظاهر. واستنبط منه تحريمُ جميع تعطيل المنافع. واستدلَّ ابن الماجِشون بها على منع أن يقولَ الرجل لعبده: أنتَ سائبة، وقال: لا يعتِق بذلك. وجعل بعضُ العلماء من صور السائبة إرسالَ الطير ونحوِهِ، وصرَّح بعض علمائنا بأنَّه لا ثواب في ذلك، ولعل الجاعل لا يكتفي بهذا القَدْر ويدَّعي الإثمَ فیه، والناسُ عن ذلك غافلون. أنَّ ذلك افتراٌ باطل. فما تقدَّم فِعلُ الرؤساء، وهذا ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شأنُ الأَتباع، وهم المراد بالأكثر، كما روي عن قتادة والشعبيِّ. وظاهرُ سياق النَّظم الكريم أنهم المقلِّدون لأَسلافهم المفترين من معاصري رسولِ الله ◌َّقـ، وهذا بيانٌ لقصور عقولهم وعجزهم عن الاهتداء بأنفسهم. وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: للذين عبَّر عنهم بـ (أكثرهم)) على سبيل (١) أخرجه هشام بن محمد بن السائب الكلبي في كتاب الأصنام ص ٥٨، وجاء ذلك أيضاً في رواية حديث أبي هريرة عند ابن أبي عاصم في الأوائل (٨٣). (٢) في تفسيره ١٩٧/١، وهو عند الطبري ٢٨/٩. سُورَةُ القَائِدَة ٤٥٠ الآية : ١٠٤ الهداية والإرشادِ إلى الحقّ: ﴿تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ من الكتاب المبيِّن للحلال والحرام والإيمانِ به ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ الذي أُنزل عليه ذلك؛ لتقفوا على حقيقة الحال، وتميِّزوا الحرامَ من الحلال ﴿قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآَنَأَ﴾ في هذا الشأن، فلا نلتفتُ لغيره: بيانٌ لعنادهم واستعصائهم على الهادي إلى الحقِّ وانقيادِهم للداعي إلى الضَّلال. و((ما)) موصولة اسمية. وجوِّز أن تكون نكرةً موصوفة، والوجدان المصادفة، و((عليه)) متعلِّق به، أو حالٌ من مفعوله. وجوِّز أن يكون بمعنى العِلْم، وعليه ((عليه)» في موضع المفعول الثاني. ﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (® ذهب الراغب إلى أنَّ الواو (١٠٤) للعطف، وصرَّح غير واحدٍ أنه على شرطيَّة أخرى مقدَّرةٍ قبلَها، والهمزةُ للتعجيب، وهي داخلة على مقدَّر في الحقيقة، أي: أيكفيهم ذلك لو لم يكن آباؤهم جهلةً ضالِين ولو كانوا كذلك. وكلتا الجملتين في موقع الحال، أي: أيكفيهم ما وجدوا عليه آباءهم كائنين على كلِّ حال مفروض. وعلى هذا لا يلزم كونُ الجملة الاستفهامية الإنشائية حالاً ليحتاج توجيهُ ذلك إلى نظر دقيق. وحذفت الجملة الأولى للدَّلالة عليها دلالةً واضحة، وهو حذف مطّرد في هذا الباب لذلك، كما في قولك: أَحسِن إلى زيد ولو أساء إليك، فإنَّ الشيء إذا تحقَّق عند المانع فلأن يتحقَّق عند عدمه أَولى. وجواب ((لو)) - كما قال أبو البقاء(١) - محذوف؛ لظهور انفهامِه مما سبق، وقدّره: يتبعونهم. ويجوز أن يقدَّر: حسبهم ذلك، أو: يقولون. وما في ((لو)) من معنى الامتناع والاستبعادِ إنَّما هو بالنظر إلى زعمهم لا في نفس الأمر، وفائدةُ ذلك المبالغةُ في الإِنكار والتعجيب. وقيل: الواو للحال، والهمزةُ لإنكار الفعل على هذه الحال، والمراد نفيُ صحَّة الاقتداء بالجاهل الضالّ، والحال ما يُفهم من الجملة، أي: كائنين على هذا الحال المفروض. فما قيل: إنَّهم جعلوا الواو للحال، وليس ما دخلته الواوُ حالاً من جهة المعنى، بل ما دخلته ((لو))، أي: ولو كان الحال أنَّ آباءهم لا يعلمون فيفعلون ما يقتضيه علمُهم ولا يهتدون بمَن له علم = ناشئ من قلَّة التأمُّل، وذلك غريبٌ من حال ذلك القائل. (١) في الإملاء ٢/ ٤٧٣ . الآية : ١٠٥ ٤٥١ سُوَرَّةُ القَائِدَة وأَغرب من ذلك ما قيل: إنَّ المعنى: أنَّهم هل يكفيهم ما عليه آباؤهم ولو كان آباؤهم جهلةً ضالِّين، أي: هل يكفيهم الجهلُ والضلال اللذان كان عليهما آباؤهم. ويوشك أن يكونَ هذا من الجهل والضَّلال فيما يليق بالتنزيل. واستُدلَّ بالآية على أنَّ الاقتداء إنَّما يصحُّ بمَن عُلم أنه عالمٌ مهتدٍ، وذلك لا يعرف إلا بالحجَّة، فلا يكفي التقليد من غير أن يعلمَ أنَّ لمن قلَّده حجَّةٌ صحيحة على ما قلَّده فيه، حتى قالوا: إن للمقلِّد دليلاً إجماليًّا، وهو دليلُ مَن قَلَّده. فتدبر. وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: الزَموا أنفسكم واحفظوها من ملابسة المعاصي والإصرارِ على الذنوب، فـ ((عليكم)) اسمُ فعلٍ أمر، نُقل إلى ذلك مجموعُ الجارِّ والمجرور، لا الجارُّ وحده كما قيل. وهو متعدٍّ إلى المفعول به بعده، وقد يكون لازماً. والمراد به الأمر بالتمسُّك، كما في قوله وَّهِ: ((عليكَ بذات الدِّين))(١). وذكر أبو البقاء(٢): أنَّ الكاف والميم في موضع جرٍّ؛ لأنَّ اسم الفعل هو المجموع، و((على)) وحدها لم تستعمل اسماً للفعل، بخلاف رويدكم، فإنَّ الكاف والميم هناك للخطاب فقط ولا موضعَ لها؛ لأنَّ رويداً قد استعمل اسماً لأمر المواجه من غير كاف الخطاب. وإلى ذلك ذهب سيبويه، وهو الصَّحيح. ونقل الطبرسيّ(٣): أنَّ استعمال ((على)) مع الضمير اسم فعل خاصٌّ فيما إذا كان الضمير للخطاب، فلو قلتَ: عليه زيداً، لم يَجُز. وفيه خلاف. وقرأ نافع في الشواذِ: ((أنفسُكم)) بالرفع(٤). والكلام حينئذ مبتدأً وخبر. أي: لازمةٌ عليكم أنفسُكم، أو: حِفْظ أنفسكم لازمٌ عليكم، بتقدير مضافٍ في المبتدأ. وقوله تعالى: ﴿لَا يَضُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ يَحتمل الرفعَ على أنه كلامٌ مستأنف في موضع التعليل لما قبله، وينصره قراءةُ أبي حَيوة: ((لا يضيركم))(٤). ويحتمل أن يكون مجزوماً جواباً للأمر، والمعنى: إنْ لزمتم أنفسَكم لا يضرُّكم. (١) أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة ٣١٠/٤ - ٣١١ من حديث جابر وأبي سعيد ويحيى بن جعدة، وقد سلف الحديث ٢٦٢/٣ بلفظ: ((فاظفر بذات الدين)). (٢) في الإملاء ٢/ ٤٧٤ . (٣) في مجمع البيان ٢١٦/٧. (٤) الكشاف ١/ ٦٥٠. سُورَّةُ القَائِدَة ٤٥٢ الآية : ١٠٥ وإنما ضُمَّت الراء إتباعاً لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغَمة، والأصل: لا یضرُرْکم. ويجوز أن يكون نهياً مؤكّداً للأمر السابق، والكلام على حدٍّ: لا أَرينَّك هاهنا. وينصر احتمالَ الجزم قراءةٌ من قرأ: ((لا يضرَّكم)) بالفتح، و ((لا يَضرْكم)) بكسر الضاد وضمِها(١)، مِن ضارَه يَضِيرُه ويضُورُه، بمعنى ضرَّه، كذمَّه وذامه. وتوهّم من ظاهر الآية الرخصةُ في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأُجيب عن ذلك بوجوه: الأوَّل: أنَّ الاهتداء لا يتمُّ إلَّا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنَّ تركَ ذلك مع القدرة عليه ضلال. فقد أخرج ابنُ جرير عن قيس بن أبي حازم قال: صَعِد أبو بكر ﴿له منبرَ رسولِ الله وَل﴿ فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنكم لَتتلون آيةً من كتاب الله سبحانه وتَعدُّونها رخصة، والله ما أنزل الله تعالى في كتابه أشدَّ منها: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) الآية، واللهِ لتأمرُنَّ بالمعروف ولَتنهوُنَّ عن المنكر، أو لَيعمَّنكم اللهُ تعالى منه بعقاب. وفي رواية: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآيةَ، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإِنِّي سمعت رسولَ الله وَله يقول: ((إنَّ الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيِّروه، أوشك أن يعمَّهم اللهُ تعالى بعقاب))(٢). وفي رواية ابنٍ مردويه: عن أبي بكر بن محمد قال: خطب أبو بكر الصِّدِّيق الناسَ، فكان في خُطبته: قال رسول الله وَلتر: ((يا أيها الناس لا تتَّكلوا على هذه الآية: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ) إلخ، إنّ الذاعر لَيكون في الحيّ، فلا يمنعونه، فيعمُّهم الله تعالى بعقاب))(٣). (١) القراءات الشاذة ص٣٥، والمحتسب ٢٢٠/١. (٢) تفسير الطبري ٥٢/٩ - ٥٣، والرواية الثانية أخرجها أيضاً أبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨)، وابن ماجه (٤٠٠٥). (٣) الدر المنثور ٣٤٠/٢، وأبو بكر بن محمد (وهو ابن عمرو بن حزم) لم يسمع من الصدِّيق الآية : ١٠٥ ٤٥٣ سُوَُّ لْقَائِدَة ومن الناس مَن فسَّر الاهتداء هنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وروي ذلك عن حذيفة وسعيد بن المسيّب. والثاني: أنَّ الآية تسليةٌ لمن يأمر وينهى ولا يُقبل منه عند غَلَبة الفسق وبُعْدِ عهد الوحي، فقد أخرج عبدُ الرزاق وأبو الشيخ والطبرانيُّ وغيرُهم عن الحسن: أنَّ ابن مسعود به سأله رجلٌ عن هذه الآية، فقال: أيها الناس، إنَّه ليس بزمانها، ولكنه قد أوشك أن يأتي زمان تأمرون بالمعروف فيُصنع بكم كذا وكذا - أو قال: فلا يُقبل منكم - فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضرُّكم من ضلَّ إذا اهتديتم(١). وأخرج ابن جَرير(٢) عن ابن عمرَ ﴾ أنه قيل له: لو جلستَ في هذه الأيامِ فلم تأمر ولم تنةَ، فإنَّ الله تعالى يقول: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) فقال: إنها ليست لي ولا لأصحابي؛ لأنَّ رسول الله وَّه قال: ((ألا فليبلِّغ الشاهدُ الغائب)) فكنَّا نحن الشهود وأنتم الغيَّب، ولكنَّ هذه الآيةَ لأقوام يجيئون من بعدنا، إنْ قالوا لم يُقبل منهم. وأخرج ابنُ مردويه عن معاذ بن جبل أنه قال: يا رسولَ الله، أخبرني عن قول الله عزَّ وجلَّ: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُم مَنْ ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمَّ) فقال وَالتر: ((يا معاذ، مُروا بالمعروف وتناهَوا عن المنكر، فإذا رأيتم شُحًا مطاعاً، وهوَّى متَّبعاً، وإعجابَ كلِّ امرئٍ برأيه، فعليكم أنفسَكم لا يضرُّكم ضلالةٌ غيركم، فإنَّ مِن ورائكم أيامَ صبر، المتمسِّك فيها بدينه مثلُ القابض على الجمر، فللعامل منهم يومئذٍ مثلَ عملٍ أحدكم اليومَ كأجر خمسين منكم)» قلت: يا رسول الله، خمسين منهم؟ قال: ((بل خمسين منكم أنتم))(٣). والثالث: أنها للمنع عن هلاك النفْس حسرةً وأسفاً على ما فيه الكفرةُ والفَسقة من الضَّلال، فقد كان المؤمنون يتحسَّرون على الكفرة ويتمنَّون إيمانهم، فنزلت. والرابع: أنها للرُّخصة في ترك الأمر والنهي إذا كان فيهما مفسدة. (١) تفسير عبد الرزاق ١٩٩/١، والمعجم الكبير (٩٠٧٢)، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ٣٣٩/٢. (٢) في تفسيره ٩/ ٤٤. (٣) الدر المنثور ٢/ ٢٤٠، وله شاهد من حديث أبي ثعلبة الخشني ظه أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وحسنه. سُورَةُ القَائِدَة ٤٥٤ الآية : ١٠٦ والخامس: أنها للأَمر بالثبات على الإيمان من غير مبالاةٍ بنسبة الآباء إلى السَّفه، فقد قيل: كان الرجل إذا أَسلم قالوا له: سفَّهت أباك. فنزلت. وقيل: معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا الزموا أهلَ دينكم واحفظوهم وانصرُوهم، لا يضرُّكم من ضلَّ من الكفار إذا فعلتم ذلك. والتعبير عن أهل الدِّين بالأَنفُس على حدٍّ قولهِ تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ونحوِهِ، والتعبيرُ عن ذلك الفعلِ بالاهتداء للترغيب فيه، ولا يخفى ما فيه. ﴿﴿إِلَى اللَّهِ﴾ لا إلى أحدٍ سواه ﴿مَرْجِمُكُمْ﴾ رجوعُكم يوم القيامة ﴿جميعًا﴾ بحيث لا يتخلَّف عنه أحدٌ من المهتدين وغيرهم ﴿فَيُنَيِّئُكُمْ﴾ بالثَّواب والعقاب ﴿بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٣)﴾ في الدنيا من أعمال الهدايةِ والضَّلال. فالكلام وعدٌ ووعيد للفريقين. وفيه - كما قيل - دليلٌ على أنَّ أحداً لا يؤاخَذُ بعمل غيره. وكذا يدلُّ على أنَّه لا يثاب بذلك. وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقُ ذلك. ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ استئنافٌ مسوق لبيان الأحكام المتعلّقة بأمور دنياهم إثرَ بيان الأحوال المتعلّقة بأمور دينهم. وفيه من إظهار كمال العنايةِ بمضمونه ما لا يخفَى. ﴿شَهِدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ﴾ للشهادة معانٍ: الإحضار، والقضاء، والحكم، والحَلِف، والعلم، والإيصاء. والمراد بها هنا الأَخيرُ كما نصَّ عليه جماعةٌ من المفسِّرين. وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقُ ذلك. وقرأها الجمهور بالرفع على أنها مبتدأ، و((اثنان)) خبرُها، والكلام على حذف مضافٍ من الأوَّل، أي: ذوا(١) شهادةٍ بينكم اثنان، أو من الثاني، أي: شهادةُ بينكم شهادةُ اثنين؛ والتُزم ذلك ليتصادقَ المبتدأ والخبر. وقيل: الشهادة بمعنى الشهود، كـ: رجلٌ عَدْل، فلا حاجةَ إلى التزام الحذف. وقيل: الخبر محذوف، و((اثنان)) مرفوعٌ بالمصدر الذي هو ((شهادة))، والتقدير: (١) في الأصل و(م): ذو، والمثبت من البحر ٣٩/٤، والدر المصون ٤٥٤/٤، وحاشية الشهاب ٢٩١/٣ . الآية : ١٠٦ ٤٥٥ سُوَُّ القَائِدَة فيما فرض عليكم أن يشهدَ اثنان. وإلى هذا ذهب الزجَّاج(١) والشهادة فيه على معناها المتبادِر منها لا بمعنى الإشهاد، وكلامُ البعض يوهم ذلك، وهو في الحقيقة بيانٌ لحاصل معنى الكلام. وزعم بعضُهم أنها بمعنى الإِشهاد الذي هو مصدر المجهول، و((اثنان)) قائم مَقامَ فاعله. وفيه أنَّ الإتيان لمصدر الفعل المجهولِ بنائب فاعلٍ وهو اسم ظاهر وإن جوَّزه البصريُّون كما في ((شرح التسهيل)) للمرادي(٢)، فقد منعه الكوفُّون، وقالوا: إنَّه هو الصحيح؛ لأن حذف فاعلِ المصدر سائٌ شائع، فلا يحتاج إلى ما يسدُّ مسدَّ فاعله كفاعل الفعل الصَّريح. و((إذا)) ظرفٌ لـ ((شهادة))، أي: ليشهد وقتَ حضور الموت(٣)، والمراد مشارفتُه وظهور أَماراتِهِ. و((حين الوصية)) إمَّا بدل من ((إذا)) وفيه تنبيهٌ على أنَّ الوصية من المهمَّات المقرَّرة التي لا ينبغي أن يتهاونَ بها المسلمُ ويذهلَ عنها. وجوِّز أن يتعلَّق بنفس الموت، أي: وقوع الموت، أي: أسبابه حين الوصيّة، أو بـ ((حضر)) (٤). وأن يكون ((شهادة)) مبتدأً خبرُه ((إذا حضر)) أي: وقوعُ الشهادة في وقت حضورٍ الموت، و((حين الوصية)) على الأَوجه السابقة، ولا يجوز فيه أن يكونَ ظرفاً للشهادة؛ لئلا يخبرَ عن الموصول قبل تمام صلته. أو خبرُه ((حين الوصية)) و((إذا)) منصوبٌ بالشهادة، ولا يجوز نصبه بالوصية وإن كان المعنى عليه؛ لأنَّ معمول المصدر لا يتقدّمه على الصحيح، مع ما يلزم من تقديم معمولِ المضاف إليه على المضاف، وهو لا يجوز في غيرِ ((غير)) لأنها بمنزلة ((لا)). و((اثنان)) على هذين الوجهين إمَّا فاعلُ ((يشهد)) مقدَّراً، أو خبر ((الشاهدان)) كذلك. (١) ذكر الزجاج في معاني القرآن ٢١٥/٢ الوجهين ولم يرجح بينهما. (٢) هو أبو علي الحسن بن قاسم بن عبد الله بن علي بدر الدين المرادي المراكشي المالكي. الشهير بابن أم قاسم. كان إماماً في العربية، شرح ألفية ابن مالك والتسهيل وغيرهما. توفي سنة (٧٤٩هـ). الدرر الكامنة ١٣٨/٢ - ١٤٠، كشف الظنون ٤٠٦/١. (٣) في (م): الميت، والمثبت من الأصل والدر المصون ٤٥٤/٤، وحاشية الشهاب ٣/ ٢٩٢، والكلام منه. (٤) في الأصل و(م): أبو يحضر، وهو تصحيف، والمثبت من حاشية الشهاب. سُورَةُ لَائِدَة ٤٥٦ الآية : ١٠٦ وعن الفرَّاء(١): أنَّ ((شهادة)) مبتدأ، و((اثنان)) فاعله سدَّ مسدَّ الخبر، وجعل المصدرَ بمعنى الأمر، أي: ليشهد. وفيه نيابةُ المصدر عن فعل الطلب، وهو ضعيفٌ عند غيره؛ لأنَّ الاكتفاء بالفاعل مخصوصٌ بالوصف المعتمد. و((إذا)) و((حين)) عليه منصوبان على الظرفية كما مرّ. وإضافة ((شهادة)) إلى الظرف على التوسُّع؛ لأنه متصرِّف؛ ولذا قُرئ: ((تقطّع بينكم)) [الأنعام: ٩٤] بالرفع(٢). وقيل: إنَّ الأصل: ما بينكم، وهو كنايةٌ عن التخاصم والتنازع، وحَذْف ((ما)) جائز، نحو: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَ ﴾ [الإنسان: ٢٠] أي: ما ثمَّ. وأُورد عليه أنَّ ((ما)) الموصولةَ لا يجوز حذفها. ومنهم مَن جوَّزه. وقرأ الشعبي: ((شهادةٌ بينكم)) بالرفع والتنوين (٣)، فـ ((بينكم)) حينئذ منصوبٌ على الظرفية. وقرأ الحسن: ((شهادةً)) بالنصب والتنوين(٤). وخرَّج ذلك ابن جِنِّي على أنها منصوبةٌ بفعل مضمَر، ((اثنان)) فاعله، أي: ليُقِم شهادةً بينكم اثنان. وأُورد عليه أنَّ حذف الفعل وإبقاءَ فاعله لم يُجزه النحاة إلَّا إذا تقدَّم ما يُشعر به، كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ [النور: ٣٦] في قراءة من رجال﴾ قرأ: ((يسبَّح)) بالبناء للمفعول(٥)، وقولِ الشاعر: لبُبِكَ يزيدُ ضارِعٌ لخصومة أو أجيب به نفيٌّ، أو استفهام. وذلك ظاهر، والآيةُ ليست واحداً من هذه الثلاثة. وأجيب بأنَّ ما ذكر من الاشتراط غيرُ مسلَّم، بل هو شرط الأكثريّة. (١) ينظر معاني القرآن ٣٢٣/١. (٢) وهي قراءة حمزة وابن عامر وأبي عمرو وشعبة كما سيرد عند تفسير الآية. (٣) عزاها في القراءات الشاذة ص٣٥ للأعرج، وعزاها في المحتسب ١/ ٢٢٠ له وللشعبي والحسن والأشهب. (٤) عزاها في القراءات الشاذة للشعبي والأشهب العقيلي، وفي المحتسب للأعرج. (٥) سبق ذكر هذه القراءة وقول الشاعر الآتي ٣٦٩/٥. الآية : ١٠٦ ٤٥٧ سُورَّةُ القَائِدَة واختار في ((البحر))(١) وجهَين للتَّخريج: الأوَّل: أن تكون ((شهادةً)) منصوبةً على المصدر النائب منابَ فعلِ الأمر، و((اثنان)) مرتفعٌ به، والتقدير: ليشهد بينكم اثنان، فيكون مِن باب: ضرباً زيداً، إلَّا أنَّ الفاعل في ضرباً يستند إلى ضمير المخاطَب؛ لأنَّ معناه: اضرب، وهذا يستند إلى الظاهر؛ لأنَّ معناه ما علمتَ. والثاني: أن تكون مصدراً لا بمعنى الأَمر، بل خبراً ناب منابَ الفعل في الخبر وإنْ كان ذلك قليلاً، كقوله: وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيَّهم (٢) فارتفاع صحبي، وانتصابُ مطيَّهم بقوله: وقوفاً، فإنَّه بدل من اللفظ بالفعل في الخبر، والتقدير: وقف صحبي عليَّ مطيّهم، والتقديرُ في الآية: يشهد إذا حضر أحدكم الموتُ اثنان. ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين، كما روي عن ابن عباس وابن مسعود والباقرِ څے، وابنِ المسیِّب عليه الرَّحمة. أو: من أقاربكم وقبيلتكم، کما روي عن الحسن وعكرمةَ، وهو الذي يقتضيه كلام الزُّهري. وهما صفتان لـ ((اثنان)). ﴿أَوْ ءَاخَرَانٍ﴾ عطف على ((اثنان)) في سائر احتمالاته. وقوله سبحانه: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ صفة له، أي: كائنان مِن غيركم، والمراد بهم غيرُ المسلمين من أهل الكتاب عند الأوَّلينَ، وغيرُ الأقربين من الأجانب عند الآخَرين. واختار الأوَّلَ جماعةٌ من المتأخِّرين، حتى قال الجصَّاص(٣): إنَّ التفسير الثاني لا وجه له؛ لأن الخطاب توجَّه أوَّلاً إلى أهل الإِيمان فالمغايرة تُعتبر فيه، ولم يجرِ للقرابة ذِكْر، ويدلُّ لذلك أيضاً سببُ النزول، وسيأتي قريباً إن شاء اللهُ تعالى. ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَيْتُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم، وارتفاعُ ((أنتم)) بفعل مضمَر يفسِّره (١) ٣٩/٤ - ٤٠. (٢) قائله امرؤ القيس، وهو في ديوانه ص٩، وعجزه: يقولون لا تَهْلِكْ أُسَى وتجمَّلِ. (٣) في أحكام القرآن ٢/ ٤٩٠. سُورَةُ القَائِدَةِ ٤٥٨ الآية : ١٠٦ ما بعده، والتقدير: إن ضربتم، فلما حُذف الفعل وجب أن يفصَلَ الضمير ليقومَ بنفسه. وهذا رأيُ جمهور البصريين. وذهب الأخفش والكوفيُّون إلى أنه مبتدأ، بناءً على جواز وقوع المبتدأ بعد ((إن)) الشرطية، كجواز وقوعِه بعد ((إذا))، فجملة ((ضربتم)) لا موضعَ لها على الأوَّل، للتفسير، وموضعها الرفعُ على الخبرية على الثاني. وقوله تعالى: ﴿فَأَصَبَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: قاربتم الأَجل، عطف على الشرط، وجوابُه محذوف، فإنْ كان الشَّرط قيداً في أصل الشَّهادة، فالتقدير: إنْ ضربتم في الأرض .. إلخ، فليشهد اثنان منكم أو من غيركم، وإن كان شرطاً في العدول إلى ((آخَرَين)) بالمعنى الذي نقل عن الأوَّلين، فالتقدير: فَأَشهدوا آخَرَين من غيركم، أو فالشَّاهدان آخران من غيركم، وحينئذٍ تفيد الآيةُ أنه لا يُعدل في الشهادة إلى غير المسلمين إلَّا بشرط الضرب في الأرض، وروي ذلك عن شُرَيح ◌َظُه. وقوله سبحانه: ﴿تَحِسُونَهُمَا﴾ - أي: تُلزمونهما وتصبِّرونهما للتحليف - استئنافٌ، كأنه قيل: كيف نعمل إذا ارتبنا بالشَّاهدَين؟ فقال سبحانه: (تَحْبِسُونَهُمَا). ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ﴾ أي: صلاةٍ العصر، كما روي عن أبي جعفر ◌َُّبه وقتادةً وابنٍ جبير وغيرهم. والتقييدُ بذلك لأنَّه وقتُ اجتماع الناس وتكاثرِهم، ولأنَّ جميع أهل الأديان يعظّمونه ويجتنبون الحلفَ الكاذب فيه، ولأنه وقتُ تصادم ملائكةٍ الليل والنهار وتلاقيهم، وفي ذلك تكثيرٌ للشهود منهم على صدق الحالف وكذبِهِ، فيكون أخوفَ. وعدَّ ذلك بعضُهم من باب التغليظِ على المستحلَف بالزمان، وعندنا لا يلزم التغليظُ به ولا بالمكان، بل يجوز للحاكم فعلُه. وعن الحسن: أنَّ المراد بها صلاةُ العصر أو الظُهر؛ لأنَّ أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدَهما . وجوِّز أن تكونَ اللام للجنس، أي: بعد أيِّ صلاةٍ كانت. والتقييد بذلك لأنَّ الصلاة داعيةٌ إلى النُّطق بالصدق ناهيةٌ عن التفوُّه بالكذب والزور، وارتكاب الفحشاء والمنكر. وجعل الحسنُ التقييدَ بذلك دليلاً على ما تقدَّم من تفسيره. الآية : ١٠٦ ٤٥٩ سُورَةُ القَائِدَة وجوِّز أن تكون الجملة صفةً أخرى لـ ((آخران)) وجملة الشرط معترضةٌ، فلا يضرُّ الفصل بها. وروي ذلك عن ابن عباس وتُعقِّب بأنه يقتضي اختصاصَ الحبس بالآخَرَين، مع شموله للأوَّلَين أيضاً قطعاً، على أنَّ اعتبار اتِّصافهما بذلك يأباه مقامُ الأمر بإشهادهما؛ إذ مآله: فآخران شأنُهما الحبس والتحليف، وإنْ أمكن إتمامُ التقريب باعتبار قيد الارتيابِ بهما كما يفيده الاعتراضُ الآتي. ولا يخفَی ما فيه. والخطاب للموصَى لهم. وقيل: للورثة. وقيل: للحكّام والقضاة. وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِلَّهِ﴾ عطف على (تَخْبِسُونَهُمَا). ﴿إِنِ آَرْتَّبْتُمْ﴾ أي: شَكّكْتُم في صدقهما وعدم استبدادهما بشيءٍ من التَّركة. والجملة شرطيّة حُذف جوابها لدلالة ما سبق من الحبس والإقسام عليه، والشرطُ مع جوابه المحذوف معترضٌ بين القَسم وجوابه، أعني قولَه تعالى: ﴿لَا نَشْتِى بِهِ، ثَمَنًا﴾ وقد سيقَ من جهته تعالى للتنبيه على اختصاص الحبس والتَّحليف بحال الارتياب، وليس هذا من قبيل ما اجتمع فيه قَسَم وشرط فاكتُفي بذكر جوابٍ سابقهما عن جواب الآخَر كما هو الواقع غالباً؛ لأنَّ ذلك إنما يكون عند سدٍّ جواب السابقِ مسدَّ جواب اللاحق لاتِّحاد مضمونهما، كما في قولك: واللهِ إنْ أتيتني لأُكرمنَّك، ولا ريبَ في استحالته هاهنا؛ لأنَّ القسم وجوابَه كلامُ الشاهدين، والشرطيّة كما علمتَ مِن جهته سبحانه وتعالى، ولا يُتوهّم أنَّ ((إن)) هنا وصليّة؛ لأنها - مع أنَّ الواو لازمةٌ لها - ليس المعنى عليها كما لا يخفَى. وزعم بعضُهم جوازَ كونها شرطيةً، و((لا نشتري)) دليل الجواب، والمعنى: إن ارتبتم فلا ينبغي ذلك، أو: فقد أخطأتم؛ لأنَّا لسنا ممَّن يشتري به ثمناً قليلاً. وهو بعيد جدًّا، وتخلو الآيةُ عليه ظاهراً من شرط التحليف. وضمير ((به)) عائدٌ إلى الله تعالى، والمعنى: لا نأخذ لأنفسنا بدلاً من الله سبحانه - أي: من حُرمته تعالى - عَرَضاً من الدنيا بأن نزيلَها بالحَلِف الكاذب، وحاصله: لا نحلف بالله تعالى حلفاً كاذباً لأجل المال. وقيل: إنه عائدٌ إلى القَسم على تقديرٍ مضاف، أي: لا نستبدل بصحّة القَسم سُؤَدَّةُ القَائِدَة ٤٦٠ الآية : ١٠٦ بالله تعالى عَرضاً من الدنيا بأن نزيلَ عنه وصفَ الصّدق ونَصِفَه بالكذب. وقيل: إلى الشَّهادة، باعتبار أنَّها قول، ولا بدَّ من تقديرُ مضاف أيضاً، وتقديرٍ مضاف في ((ثمناً))، أي: ذا ثمن، ممَّا لم يَدْعُ إليه إلَّا قلَّةُ التأمُّل. ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ المقسَم له المدلولُ عليه بفحوَى الكلام ﴿ذَا فُرْبٌ﴾ أي: قريباً منّا. وهذا تأكيد لتبرِّيهما من الحلف الكاذب، ومبالغةٌ في التنزُّه عنه، كأنَّهما قالا: لا نأخذ لأنفسنا بدلاً من ذلك مالاً ولو انضمَّ إليه رعايةُ جانب الأقرباء، فكيف إذا لم يكن كذلك؟ وصيانةُ أنفسهما وإن كانت أهمَّ من رعاية جانب الأقرباء، لكنها - كما قال شيخُ الإسلام(١) - ليست ضميمةَ المال، بل هي راجعة إليه. وقيل: الضمير للمشهود له، على معنى: لا نحابي أحداً بشهادتنا ولو كان قريباً منّا . وجوابُ «لو» محذوف اعتماداً على ما سبق عليه، أي: لا نشتري به ثمناً، والجملة معطوفةٌ على جملة أخرى محذوفة، أي: لو لم يكن ذا قربَى ولو كان .. إلخ. وجعل السمينُ(٢) الواوَ للحال، وقد تقدَّم لك ما ينفعك هنا. وجوَّز بعضهم إِرجاعَ الضمير للشاهد، وقدَّر جواباً لـ ((لو)) غيرَ ما قدَّرناه، أي: ولو كان الشاهد قريباً يُقسمان، وجعل فائدةَ ذلك دفعَ توهُّم اختصاص الإِقسام بالأَجنبيّ. ولا يخفَى ما في التركيب حينئذٍ من الرَّكاكة التي لا ينبغي أن تكونَ في كلام هذا البعضٍ، فضلاً عن كلام ربِّ الكلّ، ونشهد بالله سبحانه وتعالى أنَّ حمل كلامه عزَّ وجلَّ على مثل ذلك ممَّا لا يليق. ﴿وَلَا تَكْتُمُ شَهَدَةَ اللَّهِ﴾ أي: الشهادةَ التي أَمَرَنا سبحانه وتعالى بإقامتها وأَلْزَمَنا أَداءها، فالإضافةُ للاختصاص، أو لأَدنى ملابسة، والجملة معطوفةٌ على ((لا نشتري به)» داخلٌ معه في حيِّز القَسم. وروي عن الشعبيِّ أنه وقف على ((شهاده)) بالهاء، ثم ابتدأ: ((آشِ))(٣) بالمدِّ (١) في تفسيره ٣/ ٩٠. (٢) انظر الدر المصون ٤/ ٤٦٧ - ٤٦٨. (٣) المحتسب ٢٢١/١.