النص المفهرس
صفحات 381-400
الآية : ٨٩ ٣٨١ سُورَةُ القَائِدَة أَلَا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعُ﴾ [الجمعة: ٩] لا يقتضي تقديمَ السَّعي على ترك البيع بالاتفاق. وأيضاً جاء في روايةٍ: ((فليأتِ الذي هو خيرٌ، ثم ليكفِّرْ عن يمينه)»(١). ونقل بعضُهم عن الشافعية أنَّهم يَجمعون بين الرِّوايتين: بأنَّ إحداهما لبيان الجوازِ، والأُخرى لبيان الوجوب. وقال عصامُ الدين: إنَّ تقديم الكفارةِ تارةً وتأخيرَها أُخرى، يدلُّ على أنَّ التقديم والتأخيرَ سِيَّان. اهـ. وأنت تعلمُ أنَّ الشافعيةَ كالحنفية في أنَّهم يقدِّرون في الآية ما أشرنا إليه قبلُ في تفسيرها، إلّا أنَّ ذلك عندهم قيدٌ للوجوبِ، وإلَّا فالاستدلالُ بالآية في غاية الخفاءِ کما لا يخفى. فتدبّر. و(إِطْعَامُ) مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، وهو مقدَّر بحرفٍ وفعلٍ مَبنيٍّ للفاعل، وفاعلُ المصدر يُحذف كثيراً. ولا ضرورةَ تدعو إلى تقدير الفعلِ مبنيًّا للمفعول؛ لأنَّه مع كونه خلافَ الأصل، في تقديره خلافٌ ذكره السَّمين(٢). فالتقديرُ هنا: فكفَّارتُه أن يُطعمَ الحانثُ أو الحالفُ عشَرةً مساكين. ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي: مِن أَقصدِه في النوع أو المِقدار، وهو عند الشَّافعية: مُدٌّ لكلِّ مسكين، وعندنا: نصفُ صاعٍ من بُرٍّ أو صاعٌ من شعير. وأخرج ابنُ حُمَيد وغيرُه عن ابن عمر: أنَّ الأَوسط: الخبزُ والتمر، والخبز والزيت، والخبز والسَّمن، والأَفضلَ: نحوُ الخبزِ واللحم. وعن ابن سِيرين قال: كانوا يقولون: الأفضلُ: الخبز واللحم، والأوسط: الخبز والسمن، والأخسُّ: (٣) الخبز والتمر ٠ (١) أخرجها الطيالسي (١٣٥١) من حديث عبد الرحمن بن سمرة له. وهذه الرواية عند مسلم (١٦٥٠): (١٣) من حديث أبي هريرة ﴿ه، إلا أن فيها: ((وليكفر)) بالواو. وحديث عبد الرحمن بن سمرة أخرجه البخاري بالواو أيضاً بدل ((ثم))، ولكن بتقديم الكفارة مرة وتأخيرها أخرى، ينظر الروايات (٦٦٢٢) و(٧١٤٦) و(٧١٤٧). (٢) الدر المنثور ٣١٣/٢، وأخرجهما أيضاً الطبري ٦٢٤/٨- ٦٢٦. (٣) في الدر المصون ٤٠٦/٤. سُورَةُ للَائِدَة ٣٨٢ الآية : ٨٩ ومحلُّ الجارِّ والمجرور النصبُ؛ لأنه صفةُ مفعولٍ ثانٍ للإطعام، لأنه ينصبُ مفعولَين، وأوَّلُهما هنا ما أُضيف إليه، والتقدير: طعاماً أو قُوتاً كائناً من أَوسط. وقيل: إنه صفةٌ مصدرٍ محذوفٍ، أي: إطعاماً كائناً من ذلك. وجوِّز أن يكونَ محلُّه الرفعَ على أنَّه خبرُ (١) مبتدأ محذوفٍ، أي: طعامُهم مِن أوسط، أو على أنَّه صفةٌ لـ ((إطعام))، أو على أنه بدلٌ من ((إطعام)). واعترض هذا بأنَّ أَقسام البدل لا تتصوَّر هنا. وأجيب بأنه بدلُ اشتمالٍ بتقدير موصوف، وذلك على مذهبٍ ابن الحاجب وصاحبٍ ((اللَّباب)) ومتابعيهما ظاهرٌ، لأنهم يكتفون بملابسةٍ بين البدلِ والمبدَل منه بغير الجزئيَّة والكلِّيَّة. وأمَّا على مذهب الجمهورِ؛ فلأنَّهم يشترطون اشتمالَ التابعِ على المتبوع، لا كاشتمال الظَّرف على المظروف، بل من حيث كونُه دالًّا عليهَ إجمالاً، ومتَقاضياً له بوجهٍ ما، بحيث تبقى النفسُ عند ذِكر الأوَّل متشوِّقةً إلى ذِكر الثاني، فيُجاء بالثاني ملخِّصاً لما أَجمله الأوَّلُ ومبيِّناً له، ويَعدُّون من هذا القبيلِ قولَهم: نظرت إلى القمر فَلَكِه، كما صرَّح به ركنُ الدِّين في شرح ((اللُّباب)). ولا يخفَى أنَّ إطعام عشرة مساكينَ دالٌّ على الطعام إجمالاً ومتقاضٍ له بوجه. واختار بعضُ المحقّقين أنَّه بدلُ كلٍّ من كلٍّ، بتقدير: إطعامٌ من أَوسط، نحو: أعجبني قری الأضیافِ قِراهم مِن أحسن ما وُجد. و(ما)) إمَّا مصدريَّة، وإما موصولةٌ اسمية، والعائد محذوفٌ، أي: من أَوسط الذي تُطعمونه. وجوَّز أبو البقاء (٢) تقديرَه مجروراً بـ (مِن))، أي: تُطعمون منه. ونظر فيه السمين(٣) بأنَّ مِن شرط العائدِ المحذوفِ المجرورِ بالحرف أن يكونَ مجروراً بمثل ما جُرَّ به الموصولُ، لفظاً ومعنّى ومتعلَّقاً، والحرفانِ هنا وإن اتفقا من وجهٍ، إلَّا أنَّ المتعلَّق مختلفٌ، لأنَّ (مِن)) الثانيةَ متعلِّقةٌ بـ ((تطعمون)) والأُولى ليست متعلِّقةً بذلك. ثم قال: فإنْ قلتَ: الموصولُ غير مجرورٍ بـ ((مِن))، وإنما هو مجرورٌ بالإضافة، فالجواب: أنَّ (١) بعدها في الأصل: بعد خبر أو خبر. (٢) في الإملاء ٢/ ٤٥٧ . (٣) في الدر المصون ٤/ ٤٠٧ . الآية : ٨٩ ٣٨٣ سُورَة للعائدة المضافَ إلى الموصول كالموصول في ذلك. اهـ. وقد قدَّمنا آنفاً نحوَ هذا النظرِ. وأجاب بعضُهم عن ذلك بأنَّ الحذف تدريجيٍّ. ولا يخفى أنَّ فيه تطويلاً للمسافة. والأهلون: جمعُ: أهلٍ، على خِلاف القياس، كأرض وأَرْضون، إذ شَرط هذا الجمعِ أن يكونَ عَلَماً أو صفةً، و((أهل)) اسمٌ جامد. قيل: والذي سوَّغه أنه استُعمل كثيراً بمعنى مستحِقّ، فَأَشبهَ الصِّفة. ورُوي عن جعفر الصادقِ ظُهُ أنَّه قرأ: ((أهاليْكم)) بسكون الياء(١)، على لغة مَن يسكِّنها في الحالات الثَّلاث، كالألف. وهو أيضاً جمعُ أهلٍ على خلاف القیاس، کلیالٍ جمعُ لیلةٍ. وقال ابن جِنِّي(٢): واحدُهما: لَيلاةٌ وأَهلاة. وهو محتمِلٌ - كما قيل - لأَنْ يكونَ مرادُه أنَّ لهما مفرداً مقدَّراً هو ما ذكر، ولأن يكونَ مرادُه أنَّ لهما مفرداً محقَّقاً مسموعاً من العرب هو ذاك. وقيل: إنَّ أهالي جمعُ: أهلون. وليس بشيءٍ. ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ عطفٌ - كما قال أبو البقاء(٣) - على ((إطعام)). واستظهَره غيرُ واحد. واختار الزَّمخشريُّ(٤) أنَّه عطفٌ على محلِّ ((من أَوسط))، ووجهه فيما نُسب إليه بأنَّ ((من أوسط)) بدلٌ من الإطعام، والبدلُ هو المقصودُ؛ ولذلك كان المبدَلُ منه في حكم المنخَّى، فكأنه قيل: فكفَّارته مِن أوسطِ ما تطعمون. ووجَّه صاحب ((التقريب)) عُدولَه عن الظاهر بأنَّ الكسوةَ اسمٌ لنحو الثوبِ لا مصدراً (٥)؛ فقد قال الراغب(٦): الكِساء والكسوة: اللِّباس. فلا يَليق عطفُه على المصدر السابق، مع أنَّ كليهما فيما يتعلَّق بالمساكين، وبأنَّه يؤدِّي إلى ترك ذِكر (١) المحتسب ٢١٧/١. (٢) في المحتسب ٢١٨/١. (٣) في الإملاء ٤٥٨/٢ . (٤) في الكشاف ١/ ٦٤٠ - ٦٤١. (٥) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: مصدرٌ. (٦) في مفرداته (كسو). سُورَةُ القَائِدَة ٣٨٤ الآية : ٨٩ كيفيَّةِ الكسوة، وهو كونُها أوسط. ثم قال: ويُمكن أن يجابَ عن الأوَّل: بأنَّ الكسوة إمَّا مصدرٌ، كما يُشعر به كلامُ الزّجَّاج(١)، أو يُضمَر مصدرٌ كالإلباس. وعن الثاني: بأنْ يقدَّرَ: أو كسوتُهم من أوسط ما تَكسون، وحذف ذلك لقرينة ذِكْرِه في المعطوف عليه، أو بأنْ تتركَ على إطلاقها، إمَّا بإرادة إطلاقها، أو بإحالة بيانِها على الغير. وأيضاً العطفُ على محلِّ ((من أوسط)) لا يُفيد هذا المقصودَ، وهو تقديرُ الأوسط في الكسوة، فالإلزامُ مشتركٌ، ويؤدِّي إلى صحَّة إقامته مُقامَ المعطوفِ علیه، وهو غیرُ سدید. اهـ. واعتَرض بعضُ المحقّقين على ما نُسب إلى الزمخشريِّ أيضاً: بأنَّ العطفَ على البدل يستدعي كونَ المعطوفِ بدلاً أيضاً، وإبدالُ الكسوة من (إطعام)) لا يكون إلَّا غلطاً؛ لعدم المناسبةِ بينهما أصلاً، وبدلُ الغلط لا يقعُ في الفصيح، فضلاً عن أَفصحِ الأفصح. ومنعُ عدم الوقوع ممَّا لا يُلتفت إليه. وجَعَلَ غيرُ واحد هذا العطفَ من باب: علفتُها تبناً وماءً باردا(٢) كأنه قيل: إطعامٌ هو أوسطُ ما تطعمون أو إلباسٌ هو كسوتُهم، على معنى: إطعامٌ هو إطعامُ الأوسط وإلباسٌ هو إلباس الكسوة. وفيه إبهامٌ وتفسير في الموضعين. واعتُرض بأنَّ العطفَ على هذا يكون على المبدَل منه لا البدلِ. وأجيب بأنَّ المراد أنَّه بالنظر إلى ظاهر اللفظِ عطفٌ على البدل. وهو كما ترى. واعترضَ الشِّهاب(٣) على دعوَى أنَّ الداعيَ للزمخشريِّ عن العدول إلى الظاهر إلى اختيار العطفِ على محلِّ ((من أوسط)) تحصيلُ التناسُب بين نوعَي الكفَّارة المتعلّقةِ بالمساكين: بأنه كيف يتأتّى ذلك وقد جعل العطف على ((مِن أوسط)) على تقدير بدليَّته، وهو على ذلك التقديرِ صفةُ إطعامٍ مقدَّر. انتهى. (١) في معاني القرآن ٢٠٢/٢. (٢) الرجز سلف ٢٩١/٥. (٣) في حاشيته ٢٧٨/٣. الآية : ٨٩ ٣٨٥ سُورَةُ القَائِدَة وقد علمتَ أنَّ هذا رأيٌ لبعضهم، وبالجملة فيما ذهب إليه الزمخشريُّ دغدغةٌ، حتى قال العَلَم العراقي(١): إنه غلطٌ، والصوابُ العطفُ على ((إطعام)). وقال الحلبي(٢): ما ذكره الزمخشريُّ إنَّما يتمشَّى على وجه، وهو أن يكونَ (مِن أوسط)) خبراً لمبتدأ محذوفٍ يدلُّ عليه ما قبلَه، تقديره: طعامُهم مِن أوسط. فالكلام تامٌّ على هذا عند قولهِ سبحانه: (عَثَرَةِ مَسَكِينَ) ثم ابتدأَ إخباراً آخرَ بأنَّ الطعام يكون أوسطَ كذا. وأمَّا إذا قلنا: إنَّ ((مِن أوسط)) هو المفعولُ الثاني، فيستحيل عطفُ ((كِسوتُهم)) عليه؛ لتخالُفِهما إعراباً. انتهى. ثم المرادُ بالكسوة ما يستُر عامَّةَ البدنِ، على ما روي عن الإمام الأعظم وأبي يوسف، فلا يُجزئُ عندهما السَّراويل؛ لأنَّ لابسَه يسمَّى عُرياناً في العُرف، لكنْ ما لا يُجزئه عن الكسوة يُجزئه عن الإطعام باعتبار القيمة. وفي اشتراط النيّةِ حينئذٍ روايتان، وظاهر الروايةِ الإجزاءُ، نوى أو لم ينوِ. وروي أيضاً أنَّه إن أَعطى السراويلَ المرأةَ لا يجوز، وإن أعطى الرجلَ يجوز؛ لأنَّ المعتبَر ردُّ العُري بقَدْر ما تجوزُ به الصلاة، وذلك ما به يحصلُ سَترُ العورة، والزائد تفضُّلٌ للتجمُّل أو نحوِه، فلا يجب في الكسوة، كالإدام في الطعام. والمرويُّ عن محمد أنَّ ما تجوز فيه الصلاةُ يُجزئ مطلقاً . والصحيح المعوَّل عليه عندنا هو الأوَّلُ. ويُشترط أن يكونَ ذلك ممَّا يصلُح للأَوساط، ويُنتفع به فوقَ ثلاثة أشهر. وعن ابن عباسٍ ﴿هَا: كانت العَباءة تُجزئ يومَئذ. وعن ابن عمرَ ﴿هما: أنَّه يُجزئ قميصٌ أو رِداء أو كِساء. وعن الحسن: أنَّها ثوبان أبيضان. وروَى الإماميةُ عن الصَّادق ◌َلُهِ: أنَّها ثوبان لكلِّ مسكين، ويجزئُّ ثوبٌ واحد عند الضَّرورة. (١) هو عبد الكريم بن علي بن عمر الأنصاري، علم الدين ابن بنت العراقي. اعتنى بالعلوم الشرعية فمهر في الفقه والأصول والعربية. له: مختصر في تفسير القرآن، والإنصاف من الانتصاف بين الزمخشري وابن المنير. الدرر الكامنة ٣/ ٢٠٠، والأعلام ٥٣/٤. (٢) في الدر المصون ٤٠٩/٤ . سُورَةُ القَائِدَة ٣٨٦ الآية : ٨٩ واشترطَ أصحابُنا في المسكين أن يكونَ مراهقاً فما فوقَه، فلا يُجزئ غيرُ المراهق، على ما ذكره الحصكفيُّ(١) نقلاً عن ((البدائع))(٢) في كفَّارة الظُّهار. وسيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى في آية كفَّارة الظُّهار أنَّ المرادَ من الإطعام التمكينُ من الطُعم، وتحقيقُ الكلامِ في ذلك على أتمٌّ وجه. وقُرئ: ((أو كُسوتهم)) بضمِّ الكاف، وهو لغةٌ، كقُدوة في قِدوة، وأُسوة في إِسوة(٣). وقرأ سعيد بن المسيَّب واليمانيُّ: ((أو كإسوتهم)) بكاف الجرِّ الداخلةِ على إسوة(٤). وهي كما قال الراغبُ(٥): الحالُ التي يكون الإنسانُ عليها في اتِّباع غيرِهِ، إِنْ حسناً وإن قبيحاً. والهمزة - كما قال غيرُ واحد - بدلٌ من واو؛ لأنه من المواساة. والجارُّ والمجرور خبرُ مبتدأ محذوف، والتقدير: أو طعامُهم كإسوة أهليكم. وقال السَّعد: الكافُ زائدة، أي: أو طعامُهم إسوةُ أهليكم. وقيل: الأَولى أن يكونَ التقديرُ: طعامٌ كإسوتهم، على الوصف، فهو عطفٌ أيضاً على ((مِن أوسط)). وعلى هذه القراءةِ يكون التخييرُ بين الإطعام والتحريرِ - في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيُرُ رَقَبَةٌ﴾ - فقط، وتكون الكسوةُ ثابتةً بالسُّنَّة. وزعم أبو حيَّان(٦) أنَّ الآيةَ تنفي الكسوةَ، وليس بشيء. وقال أبو البقاء (٧): المعنى: مثلُ إسوةٍ أهليكم في الكسوة. فلا تكون الآيةُ عاريةً عن الكسوة. وفيه نظر؛ إذ ليس في الكلام ما يدلُّ على ذلك التقدير. والمراد بتحرير رقبةٍ إعتاقُ إنسانٍ كيفما كان. وشَرَطَ الشافعيُّ - عليه الرحمةُ - فيه الإيمانَ؛ حملاً للمُطلَق هنا على المقيَّد في كفَّارة القتل. وعندنا لا يُحمل؛ لاختلاف السَّبب. واستدلَّ بعض الشافعيةِ على (١) في الدر المختار ٣٣٣/١. (٢) بدائع الصنائع ٣٨٣/٦. (٣) القراءات الشاذة ص٣٤. (٤) القراءات الشاذة ص٣٤. (٥) في مفردات ألفاظ القرآن (أسو). (٦) في البحر المحيط ٤ / ١١. (٧) في الإملاء ٤٥٨/٢ . به الآية : ٨٩ ٣٨٧ سُورَةُ القَائِدَة ذلك بأنَّ الكفَّارةَ حقُّ الله تعالى، وحقُّ الله سبحانه لا يجوز صرفُه إلى عدوِّ الله عزَّ اسمُه، كالزَّكاة. ونحن نقول: المنصوصُ عليه تحريرُ رقبةٍ، وقد تحقَّق، والقصدُ بالإعتاق أن يتمكَّنَ المعتَق من الطّاعة بخُلوصه عن خِدمة المولَى، ثم مقارفتُه المعصيةَ وبقاؤه على الكفر يُحال به إلى سوء اختياره. واعتُرض بأنَّ لِقائلٍ أن يقول: نعم، مقارفتُه المعصيةَ يحال به إلى ما ذُكر، لكن لَمَ لا يكون تصوُّر ذلك منه مانعاً عن الصَّرف إليه كما في الزكاة؟ وأُجيب بأنَّ القياس جوازُ صَرْف الزَّكاة إليه أيضاً؛ لأنَّ فيه مواساةَ عبيدِ الله تعالى أيضاً، لكن قوله وَله: ((خُذها من أغنيائهم ورُدَّها إلى فقرائهم))(١) أَخرَجهم عن المصرف. وقد ذكرَ بعضُ أصحابنا ضابطاً لِما يجوز إعتاقه في الكفَّارة وما لا يجوز، فقال: متى أعتقَ رقبةً كاملةَ الرِّقِّ في ملكه مقروناً بنيّة الكفارةِ، وجنسُ ما يبتغَى من المنافع فيها قائمٌ بلا بدل، جاز، وإن لم يكن كذلك فإنَّه لا يجوز. وهل يجوز عِتقُ الأَصمِّ أم لا؟ قولان. وفي ((الهداية)): ويجوزُ الأصمُّ، والقياسُ ألَّ يجوزَ، وهو روايةُ النوادر؛ لأنَّ الفائت جنسُ المنفعة، إلَّا أنَّا استحسنًا الجوازَ؛ لأنَّ أصل المنفعة باقٍ، فإنَّه إذا صِيح عليه يسمع، حتى لو كان بحالٍ لا يسمع أصلاً، بأنْ وُلد أصمَّ، وهو الأخرس، لا يُجزئه(٢). انتهى. ومعنى ((أو)) إيجابُ إحدى الخِصال الثلاثِ مطلقاً، وتخييرُ المكلَّف في التعيين. ونُسب إلى بعض المعتزلةِ أنَّ الواجب الجمعُ، ويسقطُ بواحدٍ. وقيل: الواجب متعيّن عند اللهِ تعالى، وهو ما يفعله المكلَّف، فيختلف بالنّسبة إلى المكلَّفين. وقيل: إنَّ الواجب واحدٌ معيَّن لا يختلف، لكن يسقط به وبالآخَر. وتفاوتُها قَدْراً وثواباً لا ينافي التخييرَ المفوَّضَ تفاوتُه إلى الهِمم وقصدِ زيادة (١) أخرجه البخاري (١٣٩٥) ومسلم (١٩) مطولاً من حديث ابن عباس ◌ًا، ولفظه: ((تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم)). وهو عند أحمد (٢٠٧١). (٢) الهداية مع شرحه فتح القدير ٢٣٥/٣. سُورَةُ للَائِدَة ٣٨٨ الآية : ٨٩ الثواب، فإن الكسوةَ أعظمُ من الإطعام، والتحرير أعظمُ منهما. وبدأ سبحانه بالإطعام تسهيلاً على العباد. وذكرَ غيرُ واحدٍ من أصحابنا أنَّ المكلَّف لو أدَّى الكلَّ جملةً واحدةً أو مرتَّباً ولم ينوِ إلَّا بعد تمامِها، وقعَ عنها واحدٌ هو أعلاها قيمةً، ولو ترك الكلَّ، عوقِب بواحد هو أدناها قيمةً؛ لسقوط الفرضِ بالأَدَنَى. وتحقيقُ ذلك في الأُصول. ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ﴾ أي: شيئاً من الأُمور المذكورةِ ﴿فَِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: فكفَّارتُه ذلك. ويشترط الولاءُ عندنا، ويبطل بالحيض، بخلاف كفَّارة الفِطر. وإلى اشتراط الولاءِ ذهب ابنُ عباس ﴿ه ومجاهدٌ وقتادةُ والنخعيُّ. وأخرج ابنُ مردويه عن ابن عباسٍ ﴿يَا قال: لَمَّا نزلت آيةُ الكفَّارات، قال حذيفة: يا رسولَ الله، نحن بالخِيار؟ فقال ◌َله: ((أنت بالخيار، إن شئت أعتقتَ، وإن شئتَ كسوت، وإن شئت أطعمتَ، فمَن لم يجد فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعات))(١). وأخرج ابنُ أبي شيبة، وابن حُمَيد، وابن جَرير، وابنُ أبي داود في ((المصاحف))، وابنُ المنذر، والحاكم وصحَّحه، والبيهقيُّ عن أُبَيِّ بنِ كعب أنَّه كان يقرأ: ((فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعاتٍ))(٢). وأَخرج غالبُ هؤلاءِ عن ابن مسعودٍ أنَّه كان يقرأ أيضاً كذلك(٣). وقال سفيان: نظرتُ في مصحف الرَّبيع، فرأيت فيه: ((فمَن لم يجد من ذلك شيئاً فصيامُ ثلاثةِ أَيام متابعاتٍ)). وبمجموع ذلك يثبتُ اشتراطُ التتابُعِ على أتمٍّ وجه. وجوَّز الشافعيُّ رحمه الله تعالى التفريقَ، ولا يرى الشواذَّ حجَّةً، ولعلَّ غيرَ ذلك لم يثبت عنده. (١) ذكره عن ابن مردويه بإسناده ابن كثير عند تفسير هذه الآية وقال: هذا حديث غريب جدًّا. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣٠/٤-٣١، وتفسير الطبري ٨/ ٦٥٢، والمصاحف ٢٩٢/١، والمستدرك ٢٧٦/٢، وسنن البيهقي الكبرى ٦٠/١٠، وعزاه لابن حميد وابن المنذر السيوطي في الدر ٣١٤/٢. (٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٦١٠٢)، والطبري ٨/ ٦٥٣، وعزاه السيوطي في الدر ٣١٤/٢ لعبد بن حميد وابن المنذر، وينظر الكشاف ٦٧٣/١، والبحر ١٤/٤. الآية : ٨٩ ٣٨٩ سُورَةُ القَائِدَة واعتُبر عدمُ الوجدان والعجزُ عمَّا ذُكر عندنا وقتَ الأداء، حتى لو وهب مالَه وسلَّمه ثم صام، ثم رجع بهبته، أَجزأَه الصومُ، كما في ((المجتبَى)). ونسب إلى الشافعيِّ صُّه اعتبار العجزِ عند الحنث. ويُشترط استمرارُ العجزِ إلى الفراغ من الصوم، فلو صام المُعسِر يومين، ثم قبلَ فراغه ولو بساعة أيسرَ، ولو بموت مورِّثه موسِراً، لا يجوز له الصومُ، ويستأنف بالمال. ولو صام ناسياً له، لم يَجز على الصَّحيح. واختلف في الواجد، فأَخرج أبو الشَّيخ(١) عن قتادةَ قال: إذا كان عنده خمسون دِرهماً، فهو مِمَّن يجد، ويجب عليه الإطعام، وإنْ كان عنده أقلُّ، فهو ممَّن لا يجد، ويصومُ. وأخرج عن النَّخَعيِّ قال: إذا كان عنده عشرون درهماً، فعليه أنْ يُطعمَ في الكفَّارة. ونقل أبو حيَّان(٢) عن الشافعيِّ وأحمدَ ومالكِ: أنَّ مَن كان عنده فضلٌ عن قُوته وقوتٍ مَن تلزمه نفقتُه يومَه وليلته، وعن كِسوته بقَدْر ما يَطعم أو يكسو، فهو واجدٌ. وعن الإمام أبي حنيفةَ رَُّّه: إذا لم يكن عنده نصابٌ، فهو غيرُ واحدٍ. ﴿ذَلِكَ﴾ أي الذي مضى ذِكرُه ﴿كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ أي: وحنثتم. وقد مرَّ تفصيلُ ذلك. و((إذا)) - على ما قال السمينُ(٣) - لمجرَّد الظرفيَّة، وليس فيها معنى الشرطِ . وجوِّز أن تكونَ شرطيةً ويكون جوابُها محذوفاً عند البصريين، والتقدير: إذا حلفتم وحَنِثتم فذلك كفارةُ أَيمانكم. ويدلُّ على ذلك ما تقدَّم، أو هو ما تقدَّم عند الكوفيِين. والخلافُ بين الفريقين مشهورٌ. ﴿وَأَحْفَظُواْ أَيَمَنَّكُمْ﴾ أي: راعُوها لكي تؤدُّوا الكفارةَ عنها إذا حَنِثتم. أو: احفظوا أنفسكم من الحِنث فيها وإن لم يكن الحنثُ معصيةً. أو: لا تبذلوها وأَقِلُّوا منها، كما يُشعِر به قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةٌ لِأَيْمَنِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] (١) كما في الدر المنثور ٣٠٤/٢. (٢) في البحر المحيط ٤/ ١٢. (٣) في الدر المصون ١١٤/٤. سُورَةُ القَائِدَة ٣٩٠ الآية : ٩٠ وعليه قولُ الشاعر(١): إذا بدرت منه الأَليَّة برَّتِ قليلُ الأَلَايا حافظٌ ليمينه أو: احفظوها ولا تنسَوا كيف حلفتم تهاوناً بها . وصحّح الشهابُ(٢) الأوَّلَ، واعتَرض الثانيَ بأنَّه لا معنى له؛ لأنه غيرُ مَنهيٍّ عن الحِنث إذا لم يكن الفعلُ معصيةً، وقد قال رََّ: ((فليأتِ الذي هو خيرٌ وليكفِّرْ))(٣) وقال سبحانه: ﴿فَرَضَ اَللَّهُ لَكُنْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] فثبت أنَّ الحنثَ غيرُ منهيٍّ عنه إذا لم يكن معصيةً، فلا يجوز أن يكونَ ((احفظوا أيمانكم)) نهياً عن الحنث، والثالثَ بأنَّه ساقط واهٍ؛ لأنه كيف يكون الأمرُ بحفظ اليمينِ نهياً عن اليمين؟ وهل هو إلَّا كقولك: احفظ المال، بمعنى: لا تَكسبْه؟ وأمَّا البيتُ فلا شاهدَ فيه؛ لأنَّ معنى: حافظٌ ليمينه، أنَّه مُراع لها بأداء الكفَّارة، ولو كان معناه ما ذكر، لكان مكرَّراً مع ما قبله، أعني: قليل الأَلايا . واعتُرض الرابعُ بأنَّه بعيدٌ، فتدبّر. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: ذلك البيان البديع ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ،﴾ أَعلامَ شريعته وأَحكامه لا بياناً أدنى منه. وتقديمُ ((لكم)) على المفعول الصريح لِمَا مرَّ مراراً. ﴿لَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . ٨٩ ، نعمةَ التعليم، أو نعمةً الواجبُ شكرُها. ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّمَا الْخَرُ﴾ وهو المُسكِر المتَّخذُ من عصير العِنَب، أو كلُّ ما يخامر العقلَ ويغِّه من الأشربة. ورُوي هذا عن ابن عباسٍ ﴿وَالْمَيْسِيرُ﴾ وهو القِمار. وعَدُّوا منه اللَّعبَ بالجوز والكِعاب. ﴿وَالْأَصَابُ﴾ وهي الأصنامُ المنصوبة للعبادة. وفرَّق بعضُهم بين الأنصاب والأصنام بأنَّ الأنصاب حجارة لم تصوَّر كانوا ينصبونها للعبادة ويذبحون عندها، والأصنام ما صوِّر وعُبد من دون اللهِ عزَّ وجلَّ. (١) هو كُثَيِّر عزَّة، والبيت في ديوانه ص٨٥. (٢) في حاشيته ٢٧٩/٣. (٣) سلف ص٣٨١ من هذا الجزء. الآية : ٩٠ ٣٩١ سُوَرَُّ لْقَائِدَة ﴿وَالْأَزْلَهُ﴾ وهي القِداح. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك على أتمّ وجه(١). ﴿رِجْسٌ﴾ أي: قَذَرٌ تعاف عنه العقولُ. وعن الزجَّاج: الرِّجس: كلُّ ما استُقذر مِن عملٍ قبيح (٢). وأصل معناه: الصوتُ الشديد؛ ولذا يقال للغمام: رجَّاس؛ لرعده. والرِّجز بمعناه عند بعضِهم. وفرَّق ابنُ دريد بين الرِّجس، والرِّجز، والرِّكس، فجعل الرِّجسَ الشرَّ، والرِّجزَ العذابَ، والرِّكس العَذِرة والنَّتن. وإِفرادُ الرِّجس مع أنَّه خبرٌ عن متعدِّد؛ لأنَّه مصدرٌ يستوي فيه القليلُ والكثير، ومثلُ ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ﴾ [التوبة: ٢٨]. وقيل: لأنَّه خبرٌ عن الخمر، وخبرُ المعطوفات محذوفٌ ثقةً بالمذكور. وقيل: لأنَّ في الكلام مضافاً إلى تلك الأشياء، وهو خبرٌ عنه، أي: إنَّما شأنُ هذه الأشياءِ أَو تعاطيها رِجسٌ. وقولُه سبحانه: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِّ﴾ في موضع الرفعِ على أنه صفةُ ((رِجْسٌ))، أي: كائنٌ مِن عمله؛ لأنَّه مسبَّب من تزيينه وتسويله. وقيل: إنَّ ((مِن)) للابتداء، أي: ناشئٌّ من عمله. وعلى التقديرين، لا ضيرَ في جعل ذلك من العمل وإنْ كان ما ذُكر من الأَعيان. ودعَوى أنَّه إذا قدِّر المضافُ لم يُحتَج إلى ملاحظة علاقةِ السبيَّة ولا إلى القول بأنَّ ((من)) ابتدائية، لا تخلو عن نظر. ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أي: الرِّجسَ. أو جميعَ ما مرَّ، بتأويل ما مرَّ. أو التعاطيَ المقدَّر. أو الشيطان. ®﴾ أي: راجين فلاحَكم. أو: لكي تُفلحوا بالاجتناب عنه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وقد مرَّ الكلام في ذلك. ولقد أَّد سبحانه تحريمَ الخمر والميسرِ في هذه الآيةِ بفنون التأكيد، حيث (١) ٢٤٩/٣. (٢) معاني القرآن للزجاج ٢٠٣/٢. سُورَةُ للَائِدَة ٣٩٢ الآية : ٩١ صدِّرت الجملةُ بـ ((إِنَّما))، وقُرِنَا بالأَصنام والأَزلام، وسمِيا رِجساً من عمل الشيطان، تنبيهاً على غاية قُبحهما، وأمرَ بالاجتناب عن عينهما بناءً على بعض الوجوه، وجعله سبباً يُرجى منه الفلاحُ، فيكون ارتكابُهما خيبةً. ثم قرَّر ذلك ببيانِ ما فيهما من المفاسد الدُّنيوية والدِّينية، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْتَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرٍ﴾ أي: بسبب تعاطيهما؛ لأن السكرانَ يُقْدِم على كثيرٍ من القبائح التي توجِب ذلك ولا يبالي، وإذا صحا نَدِم على ما فعل، والرَّجُل قد يقامر حتى لا يبقَى له شيءٌ، وتنتهي به المقامرةُ إلى أنْ يقامِرَ بولده وأهلِه، فيؤدِّي به ذلك إلى أنْ يصيرَ أعدى الأعداءِ لمن قَمَره وغَلَبه. وهذه إشارةٌ إلى مفاسدهما الدُّنيوية. وقوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ﴾ إشارةٌ إلى مفاسدهما الدِّينية. ووَجْهُ صدِّ الشيطانِ لهم بذلك عما ذُكر، أنَّ الخمر لغلبة السرورِ بها والطَّربِ على النفوس، والاستغراقِ في الملاذُ الجسمانية، تُلهي عن ذِكْر الله تعالى وعن الصَّلاة، وأنَّ الميسر إنْ كان اللاعبُ به غالباً، انشرحت نفسُه، ومَنَعه حبُّ الغَلَب والقهرِ والكسبِ عما ذُكر، وإنْ كان مغلوباً، حصلَ له من الانقباض والقهرِ ما يحثُّه على الاحتيال لأَنْ يصيرَ غالباً، فلا يكاد يخطرُ بقلبه غيرُ ذلك. وقد شاهدنا كثيراً ممَّن يلعب بالشِّطرنج يجري بينهم من اللَّجاج والحَلِف الكاذبِ والغفلةِ عن الله تعالى ما يَنفر منه الفيلُ، وتكبو له الفرس، ويصوِّحُ(١) من سُمومه الرُّغُ(٢) بل يتساقط ريشُه، ويَحار لشناعته بَيْذَق(٣) الفهم، ويضطرب فرزين(٤) العقل، ويموت شاهُ القلب، وتسودُّ رقعة الأعمال. وتخصيصُ الخمر والميسرِ بإعادة الذِّكر وشرحُ ما فيهما من الوبال للتَّنبيه على أنَّ المقصود بيانُ حالِهما. وذِكْرُ الأَنصاب والأزلام للدَّلالة على أنَّهما مِثْلُهما في (١) صوَّح: يبس حتى تشقق. المعجم الوسيط (صوح). (٢) الرخ: طائر خرافي. وهو أيضاً قطعة من قطع الشطرنج، وهي القلعة. المعجم الوسيط (رخخ). (٣) البيذق والبيدق: الدليل في السفر، والجندي الراجل. ومنه: بيدق الشطرنج. المعجم الوسيط (بدق). (٤) هو بمنزلة الوزير للسلطان. تاج العروس (فرزن). الآية : ٩١ ٣٩٣ ـرَّ لقَائِدَة الحرمة والشَّرارة، كما يُشعر بذلك ما جاء عن النبيِّ وَّ﴿ والسلفِ الصالح من الأَخبار الصَّادحة بمزيدٍ ذمّهما والحطّ على مرتكبهما. وخصَّ الصلاةَ من الذِّكر بالإِفراد بالذِّكر، مع أنَّ الذي يَصدُّ عنه يصدُّ عنها لأنَّه مِن أركانها، تعظيماً لها، كما في ذِكر الخاصِ بعد العامّ، وإِشعاراً بأنَّ الصادَّ عنها كالصادِّ عن الإيمان؛ لِما أنَّها عِمادُه والفارقُ بينه وبين الكفر، إذ التصديق القلبيُّ لا يُطّلع عليه، وهي أعظم شعائره المشاهدةِ في كلِّ وقت؛ ولذا طُلبت فيها الجماعةُ، ليشاهدوا الإيمانَ ويَشهدوا به. ففي الكلام إِشارة إلى أنَّ مراد اللَّعين ومنتهى آمالِهِ مِن تزيين تعاطي شرب الخمرِ واللَّعب بالميسر الإيقاعُ في الكفر الموجِب للخلود معه في النار، وبئسَ القرار. ثم إنَّه سبحانه أَعاد الحثَّ على الانتهاء بصيغة الاستفهام الإنكاريٌّ مع الجملة الاسميّة مرتَّباً على ما تقدَّم من أصناف الصَّوارف، فقال جلَّ شَأنُه: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّتَهُونَ إيذاناً بأنَّ الأمر في الرَّدع والمنع قد بلغ الغايةَ، وأنَّ الأعذار قد انقطعت بالكلَِّّة، حتى إنَّ العاقل إذا خُلِّي ونفسَه بعد ذلك، لا ينبغي أن يتوقَّفَ في الانتهاء. ووَجْه تلك التأكيداتِ أنَّ القوم ﴿ه - كما قيل - كانوا متردِّدين في التَّحريم بعد نزول آيةِ البقرة؛ ولذا قال عمرُ رَّه: اللَّهم بيِّن لنا في ذلك بياناً شافياً. فنزلت هذه الآيةُ. ولمّا سمع عمر ◌ُه «فهل أنتم منتهون)) قال: انتھینا یا ربِّ. وأخرج عبد بنُ حُميد عن عطاءٍ قال: أوَّل ما نزل في تحريم الخمر: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَرْنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩]، فقال بعض النَّاس: نشربها لمنافعها التي فيها، وقال آخرون: لا خيرَ في شيءٍ فيه إثم. ثمَّ نزل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُوا الضَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ الآية [النساء: ٤٣]. فقال بعضُ الناس: نشربها ونجلس في بيوتنا، وقال آخرون: لا خيرَ في شيءٍ يحول بيننا وبين الصَّلاة مع المسلمين، فنزلت: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَّرُ وَالْمَيْسِيرُ) الآية، فانتهَوا. وأَخرجَ عن قتادة قال: ذُكر لنا أنَّ هذه الآيةَ لَمَّا نزلت، قال رسولُ اللهِ وَّ: ((إنَّ الله سبحانه قد حرَّم الخمر، فمَن كان عنده شيءٌ، فلا يَطعمه، ولا تَبيعوها)) فلبثَ المسلمون زماناً يجدون رِيحَها من طرق المدينة ممَّا أَهراقوا منها. وأخرج عن الرَّبيع أنَّه قال: لَمَّا نزلت آيةُ ((البقرة))، قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ سُورَةُ القَائِدَة ٣٩٤ الآية : ٩٢، ٩٣ ربَّكم يقدِّم في تحريم الخمر)) ثم نزلت آيةٌ ((النساء))، فقال النبيُّ وَّ: ((إنَّ ربّكم يقدِّم في تحريم الخمر)) ثم نزلت آية ((المائدة))، فحرِّمت الخمرُ عند ذلك(١). وقد تقدَّم في آية ((البقرة))(٢) شيءٌ من الكلام في هذا المقام، فتذكَّر. ﴿وَطِيعُوْ اَللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ عطفٌ على ((اجتنبوه)، أي: أَطيعوهما في جميع ما أَمرا به ونَهَيا عنه. ويَدخل فيه أمرُهما ونهيهما في الخمر والمَيْسر دخولاً أوليًّا. ﴿وَأَحْذَرُواْ﴾ أي: مخالفتَهما في ذلك، وهذا مؤكِّد للأمر الأوَّل. وجوِّز أن يكونَ المراد: أَطيعوا فيما أَمرا واحذروا عمَّا نَهَيَا، فلا تأكيدَ. وجوِّز أيضاً ألَّ يقدَّر متعلَّق للحذر، أي: وكونوا حاذِرين خاشين. وأُمروا بذلك؛ لأنَّهم إذا حذروا، دعاهم الحذرُ إلى اتِّقاء كلِّ سيئةٍ وعملِ كلِّ حسنة. ﴿فَإِن تَوَُّمْ﴾ أي: أَعرضتم ولم تَعملوا بما أُمرتم به ﴿فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُِّينُ ﴾﴾ أي: ولم يألُ جهداً في ذلك، فقامت عليكم الحجَّةُ، وانتهت الأَعذار وانقطعت العِلَل، ولم يبقَ بعد ذلك إلَّ العقاب. وفي هذا كما قال الطبرسي(٣) وغيرُه من التهديد وشدَّةِ الوعيد ما لا يخفَى. وقيل: إنَّ المعنى: فاعلموا أنَّكم لم تضرُّوا بتولِّيكم(٤) الرسولَ وَِّ؛ لأنه ما كلِّف إلا البلاغَ المبينَ بالآيات، وقد فعلَ، وإنَّما ضررتم أنفسَكم حين أَعرضتم عما كلِّفتموه. وليس بشيء؛ إذ لا يتوهّم منهم ادِّعاءُ الضَّرر بتوليتهم حتى يُردَّ عليهم. ومثلُ ذلك ما قيل: إنَّ المعنى: فإن تولَّيتم فلا تطمعوا من الرَّسول عليه الصلاة والسلام أن يُهملَكم؛ لأنَّه ما على الرسول إلَّا البلاغُ المبين، فلا يجوز له تركُ البلاغ. ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ◌ُنَاحٌ﴾ أي: إثمٌ وِحرجٌ ﴿فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ثُمَّ أَنَّقَواْ وَءَامَنُواْ ثُمَّ أَتَّقَوْ وَأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْنِينَ ٩٣ قيل: لَمَّا نزل تحريمُ الخمرِ والميسرٍ، قالت الصحابةُ ﴿ه: كيف بمَن شربها من (١) ذكر هذه الأخبار وعزاها لعبد بن حميد السيوطي في الدر ٣١٦/٢ و٣١٨، وعنه نقل المصنف. (٢) ٢٤٤/٣. (٣) في مجمع البيان ١٨٨/٦ . (٤) في الأصل و(م): بتوليتكم، والمثبت من تفسير أبي السعود ٧٦/٣. الآية : ٩٣ ٣٩٥ سُوَرَّةُ القَائِدَة إخواننا الذين ماتوا وهم قد شربوا الخمرَ وأَكلوا الميسر؟ فأنزل اللهُ تعالى هذه الآية. وقيل: إنَّها نزلت في القوم الذين حرَّموا على نفوسهم اللحومَ وسلكوا طريقَ الترُّب، كعثمانَ بنِ مظعون وغيرِهِ. والأوَّل هو المختار، وروي ذلك عن ابن عباسٍ ﴿ّ، وأنسٍ بن مالك، والبراءِ بن عازب، ومجاهدٍ، وقتادةً، والضخَّاك، وخلقٍ آخَرين. وللمفسِّرين في معنى الآيةِ كلامٌ طويلُ الذَّيل، فنقل الطبرسيُّ(١) - والعُهدةُ عليه - عن تفسير أهلِ البيت: أنَّ ((ما)) عبارةٌ عن المباحات، واختاره غيرُ واحدٍ من المتأخِّرين. وتُعَقِّب بأنَّه يَلزم عليه تقييدُ إباحتها باتِّقاء ما عداها من المحرَّمات؛ لقوله سبحانه: (إِذَا مَا أَتَّقَواْ) واللَّازم منتفٍ بالضّرورة، فهي سواءٌ كانت موصولةً أو موصوفةً على عمومها، وإنَّما تخصَّصت بذلك القيدِ الطارئ عليها . والطّعم كالطعام، يستعمل في الأكل والشُّرب، كما تقدَّمت إليه الإشارة. والمعنى: ليس عليهم جُناح فيما تناولوه من المأكول والمشروب كائناً ما كان إذا اتقَوا أن يكونَ في ذلك شيءٌ من المحرَّم واستمرُّوا على الإيمان والأعمالِ الصَّالحة. وإلَّا لم يكن نفيُ الجناح في كلِّ ما طَعِموه، بل في بعضه، ولا محذورَ في هذا؛ إذ اللازمُ منه تقييدُ إباحة الكلِّ بألّا يكونَ فيه محرَّم، لا تقييدُ إباحة بعضِه باِّقاء بعضٍ آخَرَ منه، كما هو اللازمُ ممَّا عليه الجماعة. و((اتَّقَوا)) الثاني عطفٌ على نظيره المتقدِّم داخلٌ معه في حيِّز الشرط. والمراد: اتقَوا ما حرِّم عليهم بعد ذلك مع كونه مباحاً فيما سبق. والمراد بالإيمان المعطوفِ عليه: إما الإيمانُ بتحريمه - وتقديمُ الاتِّقاء عليه: إما للاعتناء به، أو لأنَّه الذي يدلُّ على التحريم الحادثِ الذي هو المؤمَن به - وإما الاستمرارُ على الإيمان بما يجب الإيمانُ به. ومتعلَّق الاتقاءِ ثالثاً ما حرِّم عليهم أيضاً بعد ذلك ممَّا كان مباحاً من قبلُ، على أنَّ المشروط بالاتِّقاء في كلِّ مرةٍ إباحةُ ما طَعِموه في ذلك الوقتِ، لا إباحةُ ما طعموه قبله؛ لانتساخ إباحةٍ بعضِه حينئذ. (١) في مجمع البيان ١٨٩/٦ . سُورَةُ القَائِدَةِ ٣٩٦ الآية : ٩٣ وأُريد بالإحسان فعلُ الأعمال الحسنةِ الجميلة المنتظمة بجميع ما ذُكر من الأَعمال القلبيَّة والقالَبية. وليس تخصيصُ هذه المراتبٍ بالذِّكر لتخصيص الحكم بها، بل لبيان التعدُّد والتكرارِ بالغاً ما بلغ. والمعنى أنَّهم إذا اتقَوا المحرَّمات، واستمرُّوا على ما هم عليه من الإيمان والأعمالِ الصالحة، وكانوا في طاعة اللهِ تعالى ومراعاةٍ أَوامره ونواهيه، بحيث كلَّما حرِّم عليهم شيءٌ من المباحات اتقَوه، ثمَّ، وثمَّ، فلا جناح عليهم فيما طَعِموه في كلِّ مرةٍ من المآكل والمشارب؛ إذ ليس فيها شيءٌ محرَّم عند طَعْمِه. قاله مولانا شيخُ الإسلام(١). ثم قال: وأنتَ خبيرٌ بأنَّ ما عدا اتقاءً المحرَّمات من الصِّفات الجميلةِ المذكورةِ لا دخلَ لها في انتفاء الجُناح، وإنَّما ذُكرت في حيِّز ((إذا)) شهادةً باتِّصاف الذین سئل عن حالهم بها، ومدحاً لهم بذلك، وحمداً لأحوالهم، وقد أُشير إلى ذلك حيث جُعلت تلك الصفاتُ تَبَعاً للاتِّقاء في كلِّ مرَّةٍ تمييزاً بينها وبين ما لَه دَخْلٌ في الحكم، فإنَّ مَساق النظم الكريم بطريق العبارةِ، وإنْ كان لبيان حالِ المتصفين بما ذُكر من النُّعوت فيما سيأتي من الزَّمان بقضيَّة ((إذا ما))، لكنَّه قد أُخرج مُخرجَ الجوابِ عن حال الماضين؛ لإثبات الحكم في حقِّهم ضمنَ التشريع الكلّي على الوجه البرهاني بطريق دلالة النصِّ، بناءً على كمال اشتهارِهم بالاتِّصافَ بها، فكأنه قيل: ليس عليهم جناحٌ فيما طعموه إذا كانوا في طاعته تعالى مع ما لَهم من الصفات الحميدة، بحيث كلَّما أُمروا بشيءٍ، تلقَّوه بالامتثال، وإنَّما كانوا يتعاطون الخمر والميسرَ في حياتهم، لعدم تحريمهما إذ ذاك، ولو حرِّما في عصرهم لاتَّقَوهما بالمرَّة. انتهى. ومما يدلُّ على أنَّ الآية للتشريع الكلِّي ما أخرجه مسلمٌ والترمذيُّ والنَّسائي، وغيرهم عن ابن مسعودٍ قال: لَمَّا نزلت: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ) الآية، قال لي رسولُ اللهِوَ﴾: ((قيل لي: أنتَ منهم))(٢). وقيل: إنَّ ما في حيِّز الشَّرط من الاتِّقاء وغيرِه إنَّما ذُكر على سبيل المدح والنَّناء؛ للدَّلالة على أنَّ القوم بتلك الصِّفة، لأنَّ المراد بـ ((ما) المباحات، ونفيُّ (١) في إرشاد العقل السليم ٧٧/٣. (٢) صحيح مسلم (٢٤٥٩)، وسنن الترمذي (٣٠٥٣)، وسنن النسائي الكبرى (١١٠٨٨). الآية : ٩٣ ٣٩٧ سُورَةُ القَائِدَة الجناح في تناول المباحِ الذي لم يحرَّم لا يتقيَّد بشرط. وقال عليُّ بن الحسين النقيبُ المرتضَى: إنَّ المفسِّرين تشاغلوا بإيضاح الوجهِ في التَّكرار الذي تضمَّنته هذه الآيةُ، وظُّوا أنَّه المشكلُ فيها، وتركوا ما هو أشدُّ إشكالاً من ذلك، وهو أنَّه تعالى نفَى الجُناحَ عن الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ فيما يَطْعمونه بشرط الاتِّقاء والإيمان والعملِ الصالح، مع أنَّ المباحَ لو وقع من الکافر، لا إثمَ علیه ولا وِزر. ولنا في حلِّ هذه الشبهةِ طريقان: أحدهما: أن يضمَّ إلى المشروط المصرَّح بذكره غيرُه حتى يظهرَ تأثيرُ ما شرط، فيكون تقديرُ الآية: ليس على الذين آمَنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ جُنَاحٌ فيما طَعِموا وغيرِه إذا ما اتقَوا .. إلخ؛ لأنَّ الشرط في نفي الجُناح لا بدَّ مِن أن يكونَ له تأثيرٌ حتى يكونَ متى انتفى ثبتَ الجناحُ، وقد علمنا أنَّ باتِّقاء المحارمِ ينتفي الجناحُ فيما يطعم، فهو الشرط الذي لا زيادةً عليه، ولمَّا وَلِي ذِكْرَ الاتِّقاء الإيمانُ والعملُ الصالح ولا تأثيرَ لهما في نفي الجناح، عَلِمْنا أنَّه أضمر ما تقدَّم ذكرُه ليصحَّ الشرطُ ويطابقَ المشروطَ؛ لأنَّ مَن اتَّقى الحرامَ فيما يَطعم، لا جُناح عليه فیما یطعم، ولكنَّه قد یصُّ أن يثبت علیہ الجناحُ فيما أخلَّ به من واجب وضيّعه من فرض، فإذا شرطنا الإيمان والعمل الصالح، ارتفع عنه الجنامُ من كلِّ وجه، ولیس بمنكر حذفُ ما ذكرناه؛ لدَلالة الكلام عليه، فمن عادة العربِ أن يحذفوا ما يَجري هذا المَجَرَى، ويكونُ قوةُ الدَّلالة عليه مَغنيةً عن النُّطق به، ومنه قولُ الشاعر(١): تراه كأنَّ اللهَ يجدع أنفَه وعينيه إنْ مولاه بات له وَقْرُ فإنه لَمَّا كان الجدعُ لا يَليق بالعين وكانت معطوفةً على الأنف الذي يليق الجدعُ به، أَضمر ما يليق بالعين من البَخْص(٢) وما يجري مجراه. والطريق الثاني: أن يُجعلَ الإيمانُ والعمل الصالح ليس شرطاً حقيقيًّا وإنْ كان معطوفاً على الشرط، فكأنه تعالى لَمَّا أراد أن يبيِّن وجوبَ الإيمان وما عُطف عليه، عَطَفَه على ما هو واجبٌ من اتِّقاء المحارم، لاشتراكهما في الوجوب، وإنْ لم يشتركا في كونهما شرطاً في نفي الجُناح فيما يطعم. وهذا توسُّعٌ في البلاغة يَحار (١) هو خالد بن الطَّيفان، والبيت في كتاب الحيوان ٤٠/٦، والمؤتلف والمختلف ص ٢٢١. (٢) بخص عينه: قلعها مع شحمتها. الصحاح (بخص). سُورَةُ القَائِدَة ٣٩٨ الآية : ٩٣ فيه العقلُ استحساناً واستغراباً. انتهى. ولا يخفَى ما في الطريق الثاني من البعد، وأنَّ الطريق الأوَّلَ حَزْنٌ؛ فإنَّ مِثلَ هذا الحذفِ مع ما زعمه من القرينة لا يكاد يوجد في الفصيح في أَمثال هذه المقامات، وليس ذلك كالبيت الذي ذكره، فإنه مِن باب: علفتها تِبناً وماءً باردا(١) وهو ممَّا لا كلامَ لنا فيه، وأين البيضُ من الباذنجان؟ وقيل في الجواب أيضاً عن ذلك: إنَّ المؤمن يصحُّ أن يُطلَقَ عليه بأنه لا جُناح عليه، والكافر مستحِقٌّ للعقاب، مغمورٌ به يوم الحساب، فلا يُطلَق عليه ذلك. وأيضاً إنَّ الكافر قد سدَّ على نفسه طريقَ معرفة التحليلِ والتحريم؛ فلذلك يُخصُّ المؤمنُ بالذِّكر. ولا يخفى ما فيه. وقال عصام المِلَّة: الأَظهر أنَّ المراد أنَّه لا جُناح فيما طعموا ممَّا سوى هذه المحرَّمات إذا ما اتَّقوا ولم يأكلوا فوق الشِّبع ولم يأكلوا من مال الغير. وذِكْر الإيمانِ والعمل الصالح للإيذان بأنَّ الاتِّقاء لا بدَّ له منهما؛ فإنَّ مَن لا إيمانَ له لا يتقي، وكذا مَن لا عملَ صالحَ له، فضمّهما إلى الإيمان لأنَّهما مِلاك الاتِّقاء، وتكريرُ التقوى والثباتِ على الإيمان؛ للإشارة إلى أنَّ ثبات نفي الجُناح فيما يُطعم على ثبات التقوى. وتَرك ذِكْر العملِ الصالح ثانياً؛ للإشارة إلى أنَّ الإيمان بعد التمرُّن على العمل لا يدع أن يُترك العمل. وذِكر الإحسان بعدُ؛ للإشارة إلى أنَّ كثرة مزاولةٍ التقوى والعملِ الصالح ينتهي إلى الإحسان، وهو أن تعبدَ اللهَ تعالى كأنك تراه .. ، إلى آخر ما في الخبر(٢). انتهى. وفيه الغثُّ والسمين. وكلامُهم الذي أَشار إليه المرتضَى في إيضاح وجهِ التكريرِ كثيرٌ، فقال أبو علي الجُبَّائي: إنَّ الشرط الأوَّلَ يتعلَّق بالزمان الماضي، والثاني يتعلَّق بالدَّوام على ذلك والاستمرارِ على فعله، والثالث يختصُّ بمظالم العباد، وبما يتعدَّى إلى الغير من الظّلم والفساد. (١) الرجز سلف ص ٣٨٤ من هذا الجزء، و٢٩١/٥. (٢) سلف ٢٩٥/١. الآية : ٩٣ ٣٩٩ سُورَةُ للَائِدَة واستدلَّ على اختصاص الثالثِ بذلك بقوله تعالى: (وَأَحْسَنُواْ) فإنَّ الإحسان إذا كان متعدِّياً، وجب أن تكونَ المعاصي التي أُمروا باتِّقائها قبله أيضاً متعدِّية. وهو في غاية الضَّعف؛ إذ لا تصريحَ في الآية بأنَّ المراد بالإحسان الإحسانُ المتعدِّي، ولا يمتنعُ أن يرادَ به فعلُ الحسنِ والمبالغةُ فيه، وإن خصَّ الفاعل ولم يتعدَّ إلى غيره، كما يقولون لمن بالغَ في فِعل الحسن: أحسنتَ وأجملتَ. ثم لو سَلِم أنَّ المرادَ به الإحسان المتعدِّي، فلمَ لا يجوز أن يعطفَ فعلٌ متعدٍّ على فعلٍ لا يتعدَّى؟ ولو صرَّح سبحانه فقال: انَّقوا القبائح كلَّها وأَحسِنوا إلى الناس، لم يمتنع. وذلك ظاهر. وقيل: إنَّ الاتِّقاء الأوَّل هو اتقاءُ المعاصي العقليةِ التي تخصُّ المكلَّف ولا تتعدَّاه، والإيمان الأوَّل الإيمانُ بالله تعالى وبما أوجب الإيمانَ به، والإيمانُ بقبح هذه المعاصي ووجوبٍ تجنُّبها، والاتِّقاء الثاني هو اتقاءُ المعاصي السَّمعيةِ، والإيمان الثاني هو الإيمان بقُبحها ووجوبٍ تجنُّبها، والاتقاء الثالث يختصُّ بمظالم العباد. وهو كما ترى. وقيل: المراد بالأول اتقاءُ ما حُرِّم عليهم أولاً مع الثبات على الإيمان والأَعمالِ الصالحة، إذ لا ينفع الاتقاءُ بدون ذلك. وبالثاني اتقاء ما حُرِّم عليهم بعد ذلك من الخمر ونحوِه، والإيمانُ التصديقُ بتحريم ذلك. وبالثالث الثباتُ على اتقاء جميع ذلك من السابق والحادث مع تحرِّي الأَعمال الجميلة. وهذا مرادُ مَن قال: إنَّ التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة. وقيل: إنه باعتبار المراتب الثلاثِ للتقوى: المبدأ، والوسط، والمنتهى. وقد مرَّ تفصيلها . وقيل: باعتبار الحالات الثلاث، بأن يتقيَ الله تعالى ويؤمنَ به في السِّرّ، ويجتَنِبَ ما يضرُّ نفسه من عمل واعتقاد، ويتقيَ الله تعالى ويؤمنَ به علانية، ويجتنبَ ما يضرُّ الناس، ويتقي اللهَ تعالى ويؤمنَ به بينه وبين اللهِ تعالى؛ بحيث يرفع الوسائطً، وينتهي إلى أقصى المراتب. ولِما في هذه الحالةِ من الزُّلفى منه تعالى ذَكَرَ الإحسانَ فيها، بناءً على أنه كما فسّره وَّر في الخبر الصحيح: ((أن تعبدَ الله تعالى كأنك تراه))(١). (١) قطعة من حديث جبريل الطويل أخرجه أحمد (٣٦٧) ومسلم (٨) عن عمر ناه، وسلف ٢٩٥/١. : سُورَةُ القَائِدَة ٤٠٠ الآية : ٩٣ وقيل: باعتبار ما يتقي، فإنه ينبغي أن يتركَ المحرَّمات توقّياً من العقاب، والشُّبهات توقياً من الوقوع في الحرام، وبعضَ المباحات حفظاً للنفس عن الخِسّة، وتهذيباً لها عن دنس الطبيعة. وقيل: المراد بالأوَّل اتقاءُ الكفر، وبالثاني اتقاء الكبائر، وبالثالث اتقاء الصَّغائر. وقيل: إنَّ التكرير لمجرَّد التأكيد، ويجوز فيه العطف بـ ((ثم))، كما صرَّح به ابنُ مالك في قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣ ثُمَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣ -٤]. ولا يخفى أنَّ أكثر هذه الأَقوالِ غيرُ مناسبة للمقام. وذكر العلّامة الطّيبيُّ أنَّ معنى الآية: أنه ليس المطلوب من المؤمنين الزهادةَ عن المستلذَّات وتحريمَ الطيِّيات، وإنما المطلوب منهم الترقِّي في مدارج التقوى والإيمانِ إلى مراتب الإخلاص واليقين، ومعارج القدس والكمال، وذلك بأن يَثبتوا على الاتِّقاء عن الشرك، وعلى الإيمان بما يجب الإيمانُ به، وعلى الأعمال الصالحة؛ لتحصلَ الاستقامة التامَّة التي يتمكّن بها إلى الترقِّي إلى مرتبة المشاهدة، ومعارجٍ ((أن تعبد الله تعالى كأنك تراه)) وهو المعنيُّ بقوله تعالى: (وَأَحْسَنُواْ) إلخ، وبها يُمنح الزُّلفى عند الله تعالى ومحبّتَه سبحانه، المشارَ إليها بقوله عزَّ وجلَّ: (وَلَّهُ يُحِبُّ الُْحْيِينَ). وفي هذا النظم نتيجةٌ مما رواه الترمذيُّ وابنُ ماجه من قوله ◌َِّ: ((ليس الزَّهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهد أن تكونَ بما بيد الله تعالى أوثقَ منك بما في يدك)»(١) انتھی. وهو ظاهر جدًّا على تقدير أن تكون الآية في القوم الذين سلكوا طريق الترهُّب، وهو قولٌ مرجوح. فتدبَّر. وجملة ((والله يحبُّ المحسنين)) على سائر التقادير تذييلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله أَبلغَ تقرير. وذكر بعضهم أنَّه كان الظاهر: والله يحب هؤلاء، فوضع ((المحسنين)) موضعه؛ إشارةً إلى أنَّهم متَّصفون بذلك. (١) سنن الترمذي (٢٣٤٠)، وسنن ابن ماجه (٤١٠٠) من حديث أبي ذر الغفاري ظه بلفظ قريب. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.