النص المفهرس

صفحات 361-380

الآية : ٨١
٣٦١
سُورَةً للقائِدَة
في العُقْبَى ﴿أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ هو المخصوصُ بالذمِّ على حذف المضاف
وإقامةِ المضاف إليه مقامَه؛ تنبيهاً على كمال التعلُّق والارتباط بينهما كأنهما شيءٌ
واحد، ومبالغةً في الذمِّ، أي: بئس ما قدَّموا لمعادهم مُؤْجِبُ سُخْطٍ الله تعالى
عليهم، وإنما اعتبروا المضافَ لأنَّ نفسَ سُخْطِ الله - تعالى شأنُه - باعتبار إضافته
إليه سبحانه ليس مذموماً، بل المذمومُ ما أوجبه من الأسباب، على أنَّ نفس
السخط مما لم يُعْمَلْ في الدنيا ليُرَى جزاؤه في العقبى كما لا يخفى.
وفي إعراب المخصوص بالذم أو المدح أقوالٌ شهيرة للمعربين، واختار
أبو البقاء كونَ المخصوص هنا خبرَ مبتدأ محذوفٍ تنْبِئُ عنه الجملةُ المتقدمة، كأنه
قيل: ما هو، أو: أيُّ شيءٍ هو؟ فقيل: هو أنْ سَخِطَ اللهُ عليهم.
ونقل عن سيبويه أنَّ: ((أنْ سخط الله)) مرفوعٌ على البدل من المخصوص بالذم،
وهو محذوفٌ، وجملةُ (قدَّمَتْ)) صفته، و((ما)) اسم تاٌ معرفةٌ في محلِ رفعٍ بالفاعلية
لفعلِ الذَّمِّ، والتقدير: لبئس الشيءُ شيءٌ قدَّمته لهم أنفسهم سُخْطُ الله تعالى.
وقيل: إنه في محلِّ رفع بدل من ((ما)) إن قلنا: إنها معرفةٌ فاعلٌ لفعل الذم، أو
في محلٌّ نصبٍ منها إن كانت تمييزاً. واعترض بأنَّ فيه إبدالَ المعرفة من النكرة.
وقيل: إنه على تقدير الجارِّ، والمخصوصُ محذوفٌ، أي: لبئس شيئاً ذلك،
لأَنْ سَخِطَ الله تعالى عليهم.
· أَبَدَ الآبدين، والجملةُ
﴿وَفِ الْعَذَابِ﴾ أي: عذاب جهنم ﴿هُمْ خَلِدُونَ
في موضع الحال، وهي مُتَسيِّةٌ عمَّا قبلها، وليست داخلةً في حيِّز الحرف المصدريِّ
إعراباً كما تُوهمه عبارةُ البعض، وتَعسَّفَ لها عصامُ الملَّة بجَعْلِ ((أنْ)) مخففةً عاملةً
في ضمير الشأن بتقدير: أنه سَخِطَ الله تعالى عليهم وفي العذاب هم خالدون.
وجوِّز أيضاً أن تكون هذه الجملةُ معطوفةً على ثاني مفعولَي ((ترى)) بجَعْلِها
عِلْميةً، أي: تعلم كثيراً منهم يتولَّون الذين كفروا ويخلدون في النار، وكلُّ ذلك
مما لا حاجة إليه.
﴿وَلَوْ كَانُواْ﴾ أي: الذين يتولَّوْن المشركين ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَِّيْ﴾ أي:
نبيِّهم موسى عليه السلام ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ﴾ من التوراة.

سُورَةُ القَائِدَة
٣٦٢
الآية : ٨٢
وقيل: المراد بـ ((النبيِّ)) نبيُّنا محمدٌ وَّةِ، وبـ ((ما أُنزل)): القرآن، أي: لو كان
المنافقون يؤمنون بالله تعالى ونبيِّنا محمدٍ وَ ﴿ إيماناً صحيحاً ﴿مَا أَتَّخَذُوهُمْ﴾ أي:
المشركين، أو اليهود المجاهرين ﴿أَوْلِيَةَ﴾. فإنَّ الإيمان المذكور وازعٌ عن تولِّيهم
قطعاً ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَسِقُونَ ﴾﴾ أي: خارجون عن الدِّين، أو متمرِّدون
في النفاق مُفْرِطون فيه.
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ جملةٌ مستأنَفة
مَسوقةٌ لتقرير ما قبلها من قبائح اليهود، وأُكِّدت بالقَسَم اعتناءً ببيان تحقُّق
مضمونها. والخطابُ إمَّا لسيِّد المخاطَبين ◌َّهِ، وإمَّا لكلِّ أحدٍ يصلُح له، إيذاناً بأنَّ
حالهم مما لا تخفى على أحدٍ من الناس.
والوِجْدان متعدٍّ لاثنين، أوَّلُهما: ((أشدَّ)، وثانيهما: ((اليهودَ)) وما عُطف عليه،
كما قال أبو البقاء(١). واختار السَّمينُ(٢) العكسَ؛ لأنهما في الأصل مبتدأ وخبر،
ومحظّ الفائدة هو الخبرُ، ولا ضَيرَ في التقديم والتأخير إذا دلَّ على الترتيب دليلٌ،
وهو هنا واضحٌ؛ إذ المقصودُ بيانُ كونِ الطَّائفتين أشدَّ الناس عداوةً للمؤمنين،
لا كونِ أشدِّهم عداوةً لهم الطائفتين المذكورتين، فليُفهم.
و((عداوةً)) تمييز، واللَّام الداخلةُ على الموصول متعلِّقة بها مُقوِّيةٌ لعملها،
ولا يضرُّ كونُها مؤنَّئةً بالتاء؛ لأنها مبنيَّةٌ عليها كـ : رهبةٌ عقابَك(٣). وجوَّز
أبو البقاء(٤) والسَّمينُ(٥) تعلُّقَها بمحذوف وقعَ صفةً لها، أي: عداوةً كائنةً للذين
آمنوا .
(١) في الإملاء ٢/ ٤٥١ .
(٢) في الدر المصون ٣٨٧/٤.
(٣) جزء من بيت أورده سيبويه في الكتاب ١٨٩/١، وابن يعيش في شرح المفصل ٦١/٦ دون
نسبة، وهو بتمامه :
فلولا رجاء النصر منك ورهبةٌ عقابَك قد صاروا لنا كالمواردِ
قال ابن يعيش: قال الأعلم: الشاهد فيه تنوين رهبة ونصب ما بعدها بها، على معنى: وأن
نرهب عقابك.
(٤) في الإملاء ٢/ ٤٥١ .
(٥) في الدر المصون ٣٨٨/٤.

الآية : ٨٢
٣٦٣
سُؤَدَّةُ القَائِدَة
والظاهر أنَّ المراد من اليهود العمومُ لمَن كان بحضرة رسولِ الله وَّ من يهود
المدينة وغيرِهم. ويؤيِّده ما أخرجه أبو الشَّيخ وابنُ مردويه عن أبي هريرة ◌َ ◌ُبه قال:
قال رسول الله وَيقول: ((ما خلا يهوديٌّ بمسلم إلَّا هَّ بقتله)). وفي لفظ: ((إلَّا حدَّث
نفسَه بقتله))(١). وقيل: المراد بهم يهودُ المدينة. وفيه بُعد.
وكما اختلف في عموم اليهود، اختُلف في عموم الذين أشركوا .
والمرادُ من الناس - كما قال أبو حيَّان(٢) - الكفار، أي: لَتجدنَّ أشدَّ الكفار
عداوةً هؤلاء. ووصفَهم سبحانه بذلك لشدَّة شکیمتهم، وتضاعفٍ كفرهم، وانهما کِھم
في اتِّباع الهوى، وقربِهم إلى التقليد، وبعدِهم عن التحقيق، وتمرُّنِهم على الثَّمرُّد
والاستعصاء على الأنبياء عليهم السلام، والاجتراءِ على تكذيبهم ومُناصَبَتهم.
وقد قيل: إنَّ مِن مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصالُ الشرِّ إلى مَن يخالفهم
في الدِّين بأيِّ طريقٍ كان.
وفي تقديم اليهودِ على المشركين إشعارٌ بتقدُّمهم عليهم في العداوة، كما أن في
تقديمهم عليهم في قوله تعالى: ﴿وَلَنَجِدَتَّهُمْ أَخْرَصََ النَّاسِ عَلَى حَيَوْمٍ وَمِنَ الَّذِينَ
أَشْرَكُواْ﴾ [البقرة: ٩٦] إيذاناً بتقدُّمهم عليهم في الحرص.
وقيل: التقديمُ لكون الكلام في تعديدِ قبائحهم.
ولعل التعبيرَ بـ ((الذين أشركوا)) دون المشركين - مع أنه أَخصرُ - للمبالغة في
اللَّمِّ. وقيل: ليكونَ على نمط ((الذين آمنوا))، والتعبيرُ به دون المؤمنين؛ لأنه أَظھرُ
في علِّة ما في حيِّز الصِّلة.
وأُعيد الموصولُ مع صِلَته في قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةٌ لِلَّذِينَ
ءَامَنُوا﴾ رَوماً لزيادة التوضيحِ والبيان.
والتعبيرُ بقوله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَى﴾ دون: النصارى؛
(١) الدر المنثور ٣٠٢/٢، وأخرجه أيضاً ابن حبان في المجروحين ١٢٢/٣، والخطيب في
تاريخ بغداد ٣١٦/٨ وقال: هذا غريب جداً. وأورده السيوطي في الجامع الصغير (٤٤٤/٥
فيض القدیر) ورمز لضعفه.
(٢) في البحر المحيط ٤/ ٥.

سُورَةُ القَائِدَة
٣٦٤
الآية : ٨٢
إشعاراً بقُرب موذَّتهم، حيث يدَّعون أَنهم أنصارُ الله تعالى، وأَوِدّاءُ أهل الحقِّ، وإن
لم يُظهِروا اعتقادَ حقّيَّةِ الإسلام.
وقال ابنُ المنير: لم يقل سبحانه: النصارى، كما قال جلَّ شأنه: ((اليهودَ))؛
تعريضاً بصلابة الأوَّلين في الكفر والامتناع عن الانقياد؛ لأن اليهودَ لما قيل لهم:
ادخلوا الأرضَ المقدَّسة، قالوا: اذهب أنت وربُّك فقاتلا، والنصارى لَمَّا قيل
لهم: مَن أَنصاري إلى الله؟ قالوا: نحن أنصارُ الله. وكذلك أيضاً ورد في أوَّل
السورة في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَى أَخَذْنَا مِيثَقَّهُمْ فَنَسُواْ
حَتَّا مِمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ [الآية: ١٤] لكنْ ذكر هاهنا تنبيهاً على انقيادهم، وأنَّهم لم
يكافحوا الأمر بالردِّ مكافحةً اليهود، وذكر هناك تنبيهاً على أنهم لم يَثبُتوا على
الميثاق. والله تعالى أَعلم بأسرار كلامه(١).
والعدول - كما قال شيخُ الإسلام(٢) - عن جَعلِ ما فيه التفاوتُ بين الفريقَين
شيئاً واحداً قد تفاوتا فيه بالشدَّة والضَّعف أو بالقُرب والبعد، بأنْ يقال آخِراً:
ولتجدنَّ أضعفَهم مودَّةً .. إلخ، أو بأن يقال أوَّلاً: لَتجدنَّ أبعدَ الناس
مودَّة = للإيذان(٣) بكمال تباين ما بين الفريقين من التفاؤُت، ببيان أنَّ أحدهما في
أقصَى مراتب أَحد النقيضَين، والآخَرَ في أقرب مراتبٍ النقيض الآخَر.
والكلام في مفعولَي ((لتَجدنَّ) وتعلُّقِ اللَّام کالذي سبق.
والمراد من النَّصارَى - على ما روي عن ابن عباسٍ ﴿ّ وابنِ جُبير وعطاءٍ
والسُّدِّيِّ - النجاشيُّ وأصحابُه. وعن مجاهد(٤): أنهم الذين جاؤوا مع جعفرٍ ظُ
مسلمين، وهم سبعون رجلاً: اثنان وستُّون من الحبشة، وثمانيةٌ من أهل الشام،
وهم بَحيرَى الراهب، وأَبرهة، وإدريس، وأشرف، وتمام، وقئم، ودريد، وأيمن.
والظاهر العمومُ على طرز ما تقدَّم.
(١) الانتصاف ٦٣٧/١ - ٦٣٨.
(٢) في إرشاد العقل السليم ٧١/٣.
(٣) خبر لقوله: والعدول ...
(٤) تفسير مجاهد ٢٠٢/١.

الآية : ٨٢
٣٦٥
سُورَةُ القَائِدَة
﴿ذَلِكَ﴾ أي: كونُهم أقربَ مودّةً للذين آمنوا ﴿بَنَّ﴾ أي: بسبب أنَّ
قِيِّبِسِينَ﴾ وهم علماءُ النصارى وعُبَّادُهم ورؤساؤهم.
والقِسِّيس صيغةُ مبالغة مِن: تقسَّس الشيءَ، إذا تتَّعه بالليل؛ سُمُّوا به لمبالغتهم
في تتُّع العلم. قاله الراغب. وقيل: القسُّ مثلَّث الفاء: تتبُّع الشيءِ وطلبُه، ومنه
سمِّي عالم النصارّى: قسًّا (١) وقِسِّيساً؛ لتتبُّعه العلمَ. وقيل: قصُّ الأَثَر وقسُّه
بمعنَّى. وقال قُطْرُب: القسُّ والقِسِّيس: العالم بلغة الروم. وقد تكلَّمت به العربُ،
وأَجرَوه مُجرى سائر كلماتِهم، وقالوا في المصدر: قُسوسة وقِسِّيسة(٢)، وفي
الجمع: قُسوس وقِسِّيسون وقَساوِسة، كمَهالِية، وكان الأصل: قَسَاسِسَة، إلَّا أنه
كثرت السِّينات، فَأَبدلوا إحداهنَّ واواً.
وفي ((مجمع البيان))(٣) نقلاً عن بعضهم أنَّ النصارى ضيَّعت الإنجيل وأَدخَلوا
فيه ما ليس منه، وبقي من علمائهم واحدٌ على الحقِّ والاستقامة، يقال له: قسيسا،
فمن كان على هَذْيه ودِينه، فهو قسيس (٤).
﴿وَرُهْبَانًا﴾ جمع راهب، كراكب ورُكبان، وفارس وفُرسان، ومصدره: الرَّهبة
والرَّهبانيَّة. وقيل: إنه يطلَق على الواحد والجمع، وأُنشد فيه قولُ مَن قال:
لأَقبل الرُّهبان يعدو ونزلْ(٥)
لو عاينَتْ رُهبانَ ديرٍ في قُلَلْ
وجمعُ الرُّهبان واحداً كما في ((القاموس)): رَهَابِين ورَهابِنَة ورَهْبانون،
(١) بعدها في (م): بالفتح.
(٢) كذا في القاموس (قسس)، وقال الزبيدي في شرحه: الصواب: القِسِّيسية، وهو هكذا في
نص الليث. اهـ. وكلام الليث في تهذيب اللغة ٢٦٠/٨.
(٣) ١٧٦/٦.
(٤) عبارة مجمع البيان: وبقي من علمائهم واحد على الحق والاستقامة، فهو قسيس.
والمصنف نقل عبارة أبي السعود ٣/ ٧٢.
(٥) الرجز في تفسير الطبري ٥٩٨/٨ - ٥٩٩، واللسان (رهب)، والدر المصون ٩١/٤ دون
نسبة. قال السمين الحلبي: وهذا لا حجة فيه؛ لأنه قد عاد ضمير المفرد على الجمع
الصريح لتأوله بواحد، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ آلْأَنَمِ لَعِبْرَةٌ نُّتِيكُ مِمَّا فِي بُطُونِهِ.) فالهاء في
(بطونه) تعود على ((الأنعام)).

سُورَةُ القَائِدَةِ
٣٦٦
الآية : ٨٣
والترُّب: التعبُّد في صَومعة، وأَصله من الرَّهبة: المخافة. وأَطلق الفيروز آباديُّ(١)
والجوهريُّ(٢) التعبُّدَ، ولم يقيِّداه بالصومعة.
1
وفي الحديث: ((لا رهبانيَّةً في الإِسلام)»(٣). والمرادُ بها كما قال الراغب(٤):
الغلوُّ في تحمُّل التعبُّد في فَرط الخوف. وفي ((النِّهاية)): هي من رَهبنة النصارى،
وأصلُها من الرهبة: الخوف، كانوا يترهَّبون بالتخلِّي من أَشغال الدنيا، وترك
ملاذِّها والزهدِ فيها؛ والعزلةِ عن أهلها، وتعمُّد مشاقٌّها، حتى إنَّ منهم مَن كان
يَخْصي نفسه ويضع السِّلسلة في عنقه، وغير ذلك من أنواع التعذيب، فنفاها
النبيُّ ◌َّهِ عن الإسلام ونهى المسلمين عنها، وهي منسوبةٌ إلى الرَّهبنة، بزيادة
الألف، والرهبنةُ: فَعْلَنة، أو فَعْلَلَة، على تقدير أصالة النون وزيادتها(٥).
والتنكير في ((رُهبانا)) لإفادة الكثرة، ولا بدَّ من اعتبارها في القِسِّيسين أيضاً؛ إذ
هي التي تدلُّ على موذَّة چِنس النَّصارى للمؤمنين، فإنَّ اتِّصاف أفرادٍ كثيرة لجنسٍ
بخَصلة مَظِنَّةٌ لاتِّصاف الجِنس بها، وإلَّا فمِن اليهود أيضاً قومٌ مهتدون، لكنَّهم لَمَّا
لم يكونوا في الكثرة كالذين من النَّصارى، لم يتعدَّ حكمُهم إلى جِنس اليهود.
عطفٌ على ((أنَّ منهم))، أي: وبأنَّهم لا يستكبرون
﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ
عن اتِّباع الحقِّ والانقيادِ له إذا فهموه، أو أنَّهم يتواضعون ولا يتكبَّرون كاليهود.
وهذه الخَصلة على ما قيل شاملةٌ لجميع أفراد الجِنس، فسبيَّتها لأَقربيَّتهم مودَّةً
للمؤمنين واضحةٌ.
وفي الآية دليلٌ على أنَّ التواضع والإقبال على العلم والعملِ والإِعِراضَ عن
الشَّهوات محمودةٌ أينما كانت.
﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ﴾ عطفٌ على
(١) في القاموس (رهب).
(٢) في الصحاح (رهب).
(٣) أورده صاحب كشف الخفاء ٢/ ٥١٠ وقال: قال ابن حجر: لم أره بهذا اللفظ، لكن في
حديث سعد بن أبي وقاص عند البيهقي: ((إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفيةَ السمحة)).
(٤) في مفردات ألفاظ القرآن (رهب).
(٥) النهاية (رهب).

الآية : ٨٣
٣٦٧
سُورَةُ القَائِدَة
(لا يستكبرون)). و((إذا)) في موضع نصب بـ ((ترى)) وجملة ((تَفيض)) في موضع
الحال، والرؤيةُ بصريَّة، أي: ذلك بسبب أنَّهم لا يستكبرون وأنَّهم إذا سمعوا القرآنَ
رأيت أعينَهم فائضةً من الدمع. وجوَّز السمين(١) وغيرُه الاستئنافَ. وأيًّا ما كان،
فهو بيانٌ لرقَّة قلوبهم وشدَّة خشيتهم، ومسارعتهم إلى قبول الحقِّ وعدمٍ إِبائهم إياه.
والظاهر عَودُ ضمير ((سمعوا)) لـ ((الذين قالوا إنا نصارى)). وقد تقدَّم أنَّ الظاهر
فيه العمومُ. وقيل: يتعيَّن هنا إِرادةُ البعض، وهو مَن جاء من الحبشة إلى النبيِّ ◌َّ؛
لأنَّ كلَّ النصارى ليسوا كذلك.
والفيض: انصبابٌ عن امتلاء، ووُضع هنا موضعَ الامتلاء، بإقامة المسبّب
مُقامَ السبب، أي: تمتلئُ من الدمع، أو قَصْدَ المبالغة فجعلت أعينُهم بأنفُسها
تَفيض من أَجلِ الدَّمع. قاله في ((الكشّاف))(٢). وأراد على ما في ((الكشف)) أنَّ
الدمع على الأوَّل هو الماءُ المخصوص، وعلى الثاني الحَدثُ، وهو على الأوَّل
مبدأُ ماديٌّ، وعلى الثاني سَبيبي.
وفي ((الانتصاف)): إنَّ هذه العبارةَ أبلغُ العبارات، وهي ثلاثُ مراتبَ:
فالأُولى: فاضَ دمعُ عينه. وهذا هو الأصل. والثانية محوَّلة من هذه، وهي:
فاضت عينُهُ دمعاً، فإنّه قد حوّل فيها الفعلُ إلى العين مجازاً ومبالغةً، ثم نبِّه على
الأصل والحقيقةِ بنَصْب ما كان فاعلاً على التَّمييز. والثالثة ما في النَّظم الكريم،
وفيها التحويلُ المذكور، إلَّا أنها أبلغُ من الثانية باطّراح التنبيهِ على الأصل وعدمِ
نصبٍ التمييز، وإبرازِه في صورة التَّعليل(٣) .
وجوَّز الزَّمخشريُّ(٤) أن تكون ((من)) هذه هي الداخلة على التمييز، وهو مردودٌ
وإن كان الكوفيُّون ذهبوا إلى جواز تعريفِ التمييز، وأنَّه لا يُشترط تنكيرُه كما هو
مذهبُ الجمهور؛ لأنَّ التمييز المنقولَ عن الفاعل يمتنع دخولُ ((مِن)) عليه وإن كانت
مقدَّرة معه، فلا يجوز: تفقّا(٥) زيدٌ مِن شحم. فليُفهَم.
(١) في الدر المصون ٤/ ٣٩٣.
(٢) ٦٣٨/١.
(٣) الانتصاف مع الكشاف ٦٣٨/١.
(٤) في الكشاف ٢٠٨/٢، والكلام من حاشية الشهاب ٣/ ٢٧٣ .
(٥) تفقّا: انفلق وانشقّ. اللسان (فقأ).

سُورَةُ القَائِدَة
٣٦٨
الآية : ٨٤
﴿مِنَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ (مِن)) الأُولى لابتداء الغاية، متعلقةٌ بمحذوف وقعَ حالاً
مِن ((الدمع))، أي: حالَ كونِهِ ناشئاً من معرفة الحقِّ. وجوِّز أن تكون تعليليَّة متعلِّقةً
بـ (تَفيض))، أي: أنَّ فيضَ دمعهم بسبب عِرفانهم. وجوِّز على تقدير كونها للابتداء
أن تتعلقَ بذلك أيضاً، لكن لا يجوزُ على تقدير اتِّحاد متعلَّق ((مِن)) هذه و((مِن)) في
(من الدمع)) القولُ باتِّحاد معناهما؛ فإنه لا يتعلَّق حرفا جَرِّ بمعنَى بعاملٍ واحدٍ.
و(من)) الثانيةُ للتبعيض، متعلِّقةٌ بـ ((عرفوا)) على معنى أنَّهم عرفوا بعضَ الحقِّ
فأبكاهم، فكيف لو عرفوه كلَّه وقرؤوا القرآنَ وأحاطوا بالسُّنَّة؟ أو لبيان ((ما)) بناءً
على أنها موصولةٌ. ونصَّ أبو البقاء(١) على أنها متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من
العائد المحذوف. ولم يذكر الاحتمالَ الأوَّل.
وقُرئ: ((تُرَى أَعينُهم)) على صيغة المبنيّ للمفعول(٢).
﴿يَقُولُونَ﴾ استئناف مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من حكاية حالهم عند سماع القرآن.
كأنَّه قيل: ماذا يقولون؟ فأجيب: يقولون: ﴿رَبَّاَ ءَامَنًا﴾ بما أُنزل، أو بمَن أُنزل
علیه، أو بهما .
وقال أبو البقاء (٣): إنه حالٌ من الضمير في ((عَرَفوا)).
وقال السَّمين(٤): يجوز الأمرانِ وكونُه حالاً من الضمير المجرورِ في ((أَعْيُنَهم))
لِما أنَّ المضاف جزؤه، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلّ إِخْوَنًا﴾
[الحجر: ٤٧].
﴿فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ (﴾﴾ أي: اجعلْنا عندك مع محمدٍ وَّهِ وَأُمَّتِه الذين
يشهدون يوم القيامة، على ما رُوي عن ابن عباس ﴿ا. أو مع الذين يَشهدون بحقِّيَّة
نبيِّك ◌َ﴿ وكتابِك كما نُقل عن الجُبَّائي، وروي ما بمعناه عن الحسن.
﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَيِّ﴾ جعله جماعةٌ ومنهم شيخُ الإسلام(٥)
(١) في الإملاء ٢/ ٤٥٢.
(٢) الكشاف ٦٣٩/١، والبحر المحيط ٦/٤.
(٣) في الإملاء ٢/ ٤٥٢.
(٤) في الدر المصون ٤/ ٣٩٧.
(٥) في إرشاد العقل السليم ٧٢/٣.

الآية : ٨٤
٣٦٩
سُورَةً لقائِدَة
كلاماً مستأنَفاً؛ تحقيقاً لإيمانهم، وتقريراً له بإنكار سبب انتفائه، ونفيهِ بالكلِّيَّة، على
أنَّ((لا نؤمنُ)) حالٌ من الضمير في ((لنا)» والعامل ما فيه من معنى الاستقرار. أي: أيُّ
شيءٍ حصل لنا غيرَ مؤمنين. والإنكار متوجّه إلى السبب والمسبَّب جميعاً، كما في
قوله تعالى: ﴿وَمَا لِىَ لَّ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِ﴾ [يس: ٢٢] ونظائرِه، لا إلى السبب فقط مع
تحقّق المسبَّب كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠] وأمثالِه.
وقيل: هو معطوفٌ على الجملةِ الأُولى مندرجٌ معها في حيِّز القول، أي:
يقولون: ربَّنا آمنًا .. إلخ، ويقولون: ما لنا لا نؤمن .. إلخ.
وقيل: هو عطفٌ على جملة محذوفة، والتقدير: ما لكم لا تؤمنون بالله وما لنا
لا نؤمنُ نحن بالله .. إلخ.
وقال بعضُهم: إنَّه جوابُ سائلٍ قال: لِمَ آمنتم؟ واختاره الزَّجَّاج(١).
واعتُرض بأنَّ علماء العربية صرَّحوا بأنَّ الجملة المستأنَفةَ الواقعةَ جوابَ سؤالٍ
مقدَّر لا تَقترن بالواو، وذكر علماءُ المعاني أنَّه لا بدَّ فيها من الفصل؛ إذ الجوابُ
لا يُعطف على السؤال.
وأُجيب بأنَّ الواو زائدة، وقد نقل الأَخفشُ أنَّها تزاد في الجمل المستأنفة.
ولا يخفَى أَنَّه لا بدَّ لذلك مِن ثَبَت.
والحالُ المذكورة على ما نصَّ عليه الشِّهاب(٢) لازمةٌ، لا يتمُّ المعنى بدونها،
قال: ولذا لا يصحُّ اقترانُها بالواو في: ما لَنا، و: ما بالُنا لا نفعل كذا؛ لأنَّها خبرٌ
في المعنى، وهي المستفهَم عنها .
وأنتَ تعلم أنَّ الاستفهام في نحو هذا التركيبِ في الغالب غيرُ حقيقيٍّ، وإنَّما هو
للإنكار، ویختلف المرادُ منه على ما أشرنا إليه.
ومعنى الإيمان بالله تعالى الإيمانُ بوحدانيَّته سبحانَه على الوجه الذي جاءت به
الشريعةُ المحمديَّة؛ فإنَّ القوم لم يكونوا موحّدین كذلك.
وقيل: بكتابه ورسولهِ وَّهِ؛ فإنَّ الإيمان بهما إيمانٌ به سبحانه. والظاهرُ هو
(١) في معاني القرآن ٢٠٠/٢.
(٢) في حاشيته ٢٧٤/٣.

سُوَدَّقُ للَائِدَة
٣٧٠
الآية : ٨٥
الأوَّل، والإيمانُ بالكتاب والرسولِ وَهِ يُفهمه العطفُ؛ فإنَّ الموصول المعطوفَ
على الاسم الجليلِ يشمَل ذلك قطعاً .
و((مِن الحقِّ)) - على ما ذكره أبو البقاء(١) - حالٌ من ضمير الفاعل. وجوَّز أن
تكونَ ((مِن)) لابتداء الغاية، أي: وبما جاءنا من عندِ الله. وأن يكونَ الموصول
مبتدأً، و((مِن الحقِّ) خبرُه، والجملة في موضع الحالِ أيضاً(٢). ولا يخفَى ما في
الوجهين من البُعد.
﴾ حالٌ أُخرى عند
٨
وقوله تعالى: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّلِينَ
الجماعة من الضَّمير المتقدِّم بتقديرِ مبتدأ؛ لأنَّ المضارع المثبت لا يقترنُ بالواو،
والعاملُ فيها هو العاملُ في الأُولى مقيّداً بها، فيتعدّد(٣) معنّى، كما قيل نحوُ ذلك
في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةِ﴾ [البقرة: ٢٥] أي: أيُّ شيءٍ حصل لنا
غيرَ مؤمنين ونحن نطمعُ في صحبة الصالحين. وهي حالٌ مترادفة، ولزومُ الأُولى
لا يُخرجها عن التَّرادف. أو حالٌ من الضمير في ((لا نؤمن)) على معنى أنَّهم أنكروا
على أنفسهم عدمَ إيمانهم مع أنَّهم يطمعون في صُحبة المؤمنين.
وجوِّز فيه أن يكونَ معطوفاً على ((نؤمن))، أو على ((لا نؤمنُ))، على معنى:
وما لنا نجمعُ بين ترك الإيمانِ والطمع في صحبة الصالحين، أو على معنى: ما لنا
لا نجمعُ بين الإيمان والطمعِ المذكورِ بالدُّخول في الإسلام؛ لأنَّ الكافر ما ينبغي
له أن يطمعَ في تلك الصحبة.
وموضعُ المنسبِك مِن ((أَنْ)) وما بعدها: إمَّا نصبٌ، أو جرٍّ، على الخلاف بين
الخليلِ وسيبويه، والمراد: في أَنْ يُدخلَنا، واختار غيرُ واحدٍ من المعربين أنَّ ((نا)»
مفعولٌ أوَّل لـ (يُدخلَ))، والمفعول الثاني محذوفٌ، أي: الجنةَ. قيل: ولولا إِرادةُ
ذلك، لَقالَ سبحانه: في القوم، بدَل: مع القوم.
﴿فَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ﴾ أي: بسبب قولِهم، أو بالذي قالوه عن اعتقاد؛ فإنَّ
(١) في الإملاء ٢/ ٤٥٣ .
(٢) فيصير التقدير: وما لنا لا نؤمن بالله والحال أن الذي جاءنا كائن من الحق. الدر المصون
٣٩٨/٤ - ٣٩٩.
(٣) بعدها في الأصل: حكماً.

الآية : ٨٥ ، ٨٦
٣٧١
سُورَةُ القَائِدَة
القول إذا لم يقيَّد بالخلوِّ عن الاعتقاد، يكونُ المرادُ به المقارِنَ له، كما إذا قيل:
هذا قولُ فلانٍ؛ لأنَّ القول إنَّما يَصدُر عن صاحبه لإفادة الاعتقاد.
وقيل: إنَّ القول هنا مجازٌ عن الرأي والاعتقادِ والمذهب، كما يقال: هذا قولُ
الإمام الأعظم ﴿به، مثلاً، أي: هذا مذهبُه واعتقاده.
وذهب كثيرٌ من المفسِّرين إلى أنَّ المراد بهذا القولِ قولُهم: ((وما لنا
لا نؤمن .. )» إلخ.
واستظهر أبو حيَّان(١) أنَّه عنَى به قولهم: ((ربَّنا آمنًّا)) وعن ابن عباس
وعطاءٍ: أنَّ المراد به: ((فاكتبنا مع الشاهدين)) وقولُهم: ((ونطمع أن يدخلنا
ربنا)) إلخ. قال الطبرسي: فالقولُ على هذا بمعنى المسألة(٢). وفيه نظر.
والإثابة: المجازاة. وفي ((البحر))(٣) أنَّها أبلغُ من الإعطاء؛ لأنها ما تكون عن
عمل، بخلاف الإِعطاء؛ فإنَّه لا يَلزم فيه ذلك.
وقرأ الحسن: ((فآتاهم الله))(٤).
﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أبدَ الآبِدين، وهو حالٌ مقدَّرة
﴿وَذَالِكَ﴾ المذكورُ من الأمر الجليلِ الشأنِ ﴿جَزَآءُ اٌلْمُحْسِنِينَ ﴾﴾ أي: جزاؤهم،
وأُقيم الظاهرُ مُقامَ ضَميرِهم؛ مدحاً لهم وتشريفاً بهذا الوصفِ الكريم، ويَحتمل أن يرادَ
الجنسُ ويندرجون فيه اندراجاً أوَّليًّا. أي: جزاءُ الذين اعتادوا الإحسانَ في الأمور.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ لَْحِيمِ (﴾﴾ عَطَفَ التكذيبَ
بآيات الله تعالى على الكفر مع أنَّه ضربٌ منه؛ لِمَا أنَّ القصد إلى بيان حالِ المكذِّبين
وذِكرهم بمقابَلة المصدِّقين بها، ليقترنَ الوعيدُ بالوعد. وبضدِّها تتبيَّن الأشياءُ(٥).
(١) في البحر المحيط ٨/٤.
(٢) مجمع البيان ١٧٧/٦، وفيه: بمعنى المسألة للجنة.
(٣) ٨/٤.
(٤) القراءات الشاذة ص٣٤.
(٥) هذا عجز بيت للمتنبي، وهو في ديوانه ١٤٩/١، وصدره:
ونَذِيمُهمْ وبهم عَرفنا فضله

سُورَّةُ القَائِدَة
٣٧٢
التفسير الإشاري (٦٧ - ٨٦)
هذا ومِن باب الإشارةِ في بعض ما تقدَّم من الآيات: ﴿وَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ
إِلَيْكَ مِن زَبِقٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ذهب كثيرٌ من ساداتنا الصوفيّة إلى أنَّ
هذا أمرٌ منه عزَّ شأنُه أن يبلِّغ رسولُه ◌َ ليَ ما أَنزله إليه ممَّا يتعلق بأحكام العبوديّة،
ولم يأمره جلَّ جلالُه بأن يعرِّفَ الناسَ أسرارَ ما بينه وبينه؛ فإنَّ ذرَّةً من أسراره
سبحانه لا تتحمَّلها السماواتُ والأرض. وهذه الأسرارُ هي المشارُ إليها بقوله
تعالى: ﴿فَوْحَ إِلَى عَبْدِهِه مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] ولهذا قال سبحانه: ﴿مَا أُنزِلَ
إِلَيْكَ﴾ ولم يقل: ما خصصناكَ به، أو: ما تعرَّفنا به إليك.
وقال بعضهم - وهو المنصورُ -: إنَّ الموصول عامٌّ، ويندرج فيه الوحيُّ
والإلهامات والمنامات والمشاهدات وسائرُ المواهب، والرسولُ وَلّ مأمورٌ بتبليغ
كلِّ ذلك، إلّا أنَّ مراتب التبليغ مختلفةٌ حَسَب اختلاف الاستعدادات، فتبليغٌ
بالعبارة، وتبليغٌ بالإشارة، وتبليغ بالهِمَّة، وتبليغ بالجَذْبة، إلى غير ذلك، فسبحان
مَن ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧].
﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ﴾ بما أَودع فيكَ من أسرار الألوهيَّة، فلا يقدرون أن
يُوصلوا إليك ما يقطعك عن الله تعالى. وقريبٌ من ذلك ما قيل: يعصمكَ منهم أن
يكونَ لك بهم اشتغالٌ. وقيل: يعصمك مِن أن ترى لنفسك فيهم شيئاً، بل ترى
الکلَّ منه سبحانه وبه.
﴿قُلْ بَأَهْلَ اَلْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ﴾ يُعتدُّ به ﴿حَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ﴾ فَتُعطوا الظاهرَ
حقَّه، وتعملوا بالشَّريعة على الوجه الأكملِ، مع توحيد الأفعال ﴿وَالْإِنِلَ﴾
فتعطوا الباطنَ حقّه، وتَعملوا بالطَّريقة على الوجه الأتمِّ، مع توحيد الصِّفات.
﴿وَمَّا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ فتعطوا الحقيقةَ حقَّها، وتشاهدوا الكثرةَ في عين الوحدةِ والوحدةَ
في عين الكثرةٍ، ولا تحجُبُكم الكثرةُ عن الوحدة ولا الوحدةُ عن الكثرة ﴿وَلَِّيدَنَ
كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن زَيْكَ تُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ لجهلهم به وقلَّةِ استعدادِهم لمعرفة
أسراره.
وعن بعض السَّادةِ قدَّس اللهُ تعالى أسرارَهم: أنَّ القرآنَ المنزَّل على النبيِّ
المرسَل ◌َ* ذو صفتين: صفة قهرٍ، وصفة لطفٍ. فمَن تجلَّى له القرآن بصفة
الُطف، یزید نورُ بصيرته بلطائف حكمته، وحقائقٍ أسرارهِ، ودقائقٍ بيانه، ویزید

التفسير الإشاري (٦٧ - ٨٦)
٣٧٣
سُؤَدَّةُ القَائِدَة
بذلك نورُ إيمانه وتوحيدِه، ويعرف بذلك ظاهرَ الخِطاب وباطنَه. ومن يتجلَّى له
بصفة القهر، تزيد ظلمةُ طُغيانه، وينسدُّ عليه بابُ عِرفانه، بحيث لا يُدرك سرَّ
الخطاب، فتكثُرُ عليه الشكوكُ والأوهام، وإلى ذلك الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿هُدَّى
لِلْتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وقوله سبحانه: ﴿يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيراً وَمَا يُضِلُ
بِهِةٍ إِلَّا الْفَسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] وشبَّه بعضُهم ذلك بنور الشمسِ؛ فإنه ينتفع به مَن
ينتفع ويتضرَّر به الخُقَّاشُ ونحوُه.
ومن ذلك كتبُ كثيرٍ من الصوفيَّة قدَّس الله تعالى أسرارهم، فإنه قد مُدي بها
أربابُ القلوب الصافيةِ، وضلَّ بها الكثيرُ، حتى تركوا الصَّلوات، واتَّبعوا
الشهوات، وعطّلوا الشرائع، واستحلُّوا المحرَّمات، وزعموا - والعياذُ بالله تعالى -
أنَّ ذلك هو الذي يقتضيه القولُ بوحدة الوجودِ التي هي معتقدُ القوم نفعنا اللهُ تعالى
بفتوحاتهم.
وقد نُقْلَ لي عن بعض مَن أضلَّه الله تعالى بالاشتغال بكُتب القومِ ممَّن لم يقف
على حقيقة الحالِ أنَّه لا فرقَ بين أن يُدخِلَ الرجلُ أصبعَه في فمه وبينَ أن يُدخل
ذَكّره في فَرْجِ محرَّم؛ لأنَّ الكلَّ واحد، وكذا لا فرقَ بين أن يتزوَّجَ أجنبيةً وبين أن
يتزوَّجَ أُمَّه أو بنتَه أو أختَه. وهذا كفرٌ صريح، عافانا اللهُ تعالى والمسلمين منه.
ومنشأ ذلك النظرُ في كتب القومِ مِن دون فهم لمرادهم، وما دَرَى هذا المسكينُ
أنَّ مراعاةَ المراتبِ أمرٌ واجبٌ عندهَم، وأنَّ تركَ ذلك زندقةٌ، وأنَّهم قد صرَّحوا بأنَّ
الشريعة مظهرٌ أعظم؛ لأنها مظهرُ اسمِ الله تعالى الظاهرِ، وأنه لا يمكنُ لأحدٍ أن
يصلَ إلى الله تعالى بإهمالها؛ فقد جاء عن غيرٍ واحدٍ من العارفين: الطرقُ إلى الله
تعالى مسدودةٌ إلَّا على مَن اقتَفَى أثرَ الرسول وَّهِ، وإذا رأيتم الرجلَ يطير في الهواء
وقد أَخلَّ بحكم واحد من الشَّريعة، فقولوا: إنَّه زِنديق. ولله دَرُّ مَن قال خطاباً
للحضرة المحمديّة(١):
وأنت بابُ الله أيُّ امرئٍ أتاه من غيرك لا يدخلُ
(١) قائله الشيخ محمد البكري الصِّدِّيقي رحمه الله تعالى. انظر النور السافر ص٤١٤ - ٤١٩،
وخلاصة الأثر ٤١٠/٢.

سُوَرَّةُ القَائِدَة
٣٧٤
التفسير الإشاري (٦٧ - ٨٦)
و﴿لَتَجِدَنَ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الإيمانَ الحقيقيَّ ﴿اَلْيَهُودَ﴾ وذلك
القوَّة المباينة؛ لأنهم محجوبون عن توحيد الصِّفات وتوحيدِ الذات، ولم يكن لهم
إلَّا توحيدُ الأفعال. ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ كذلك، بل هم أشدُّ مباينة منهم للمؤمنين
وأَقوى؛ لأنَّهم محجوبون مطلقاً، وإنَّما قدَّم اليهودَ عليهم؛ لأنَّ البحث فيهم، وهذا
خلافُ ما عليه أهلُ العبارة.
﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمِ مَّوَدَّةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىَ﴾ لأنهم برَزوا
من حجاب الصِّفات، ولم يبقَ لهم إلَّا حجابُ الذات. وإلى هذا الإشارةُ بقوله
سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ﴾
حيث مُدحوا بالعلم والعمل وعدم الاستكبار، وذلك يقتضي أنَّهم وصلوا إلى توحيد
الأفعالِ والصفات، وأنَّهم ما رأَوَاَ نفوسهم موصوفةً بصفة العلم والعمل، ولا نسبوا
عملَهم وعِلمهم إليها، بل إلى الله تعالى، وإلَّا لاستكبروا وأَظهروا العُجْب.
﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ من أنواع التوحيدِ التي مِن جملتها توحيدُ الذات
﴿تَرَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا عَفُوا﴾ بالدَّليل وبواسطة الرِّياضة ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾
الذي أُنزل إلى الرسولِ وَه ﴿يَقُولُونَ رَبَّاَ ءَامَنَا﴾ بذلك ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ﴾
المُعاينين لذلك.
﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ جمعاً ﴿وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ تفصيلاً ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا
رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّلِحِينَ﴾ الذين استقاموا بالبقاء بعد الفناء.
﴿فَتَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ من التجلِّيات الثلاثةِ(١) مع
علومها ﴿وَذَلِكَ جَزَّآءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ المشاهدين للوحدة في عين الكثرة بالاستقامة
في الله عزَّ وجلَّ.
﴿وَأَلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: حُجبوا عن الذات ﴿وَكَذَُّواْ بِتَابَتِنَا﴾ الدالَّةِ على التوحيد
﴿أُوْلَتْكَ أَمْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ لحِرمانهم الكلِّيِّ واحتجابِهِم بنفوسهم وصفاتِها. والله تعالى
الموفّق.
(١) في الأصل و(م): الثلاث.

الآية : ٨٧
٣٧٥
سُوَدَّةُ القَائِدَة
وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: لذائذَ ذلك وما تميل إليه
القلوبُ منه، كأنه لَمَّا تضمَّن ما سلف مِن مدح النَّصارى على الرهبانيةِ ترغيبَ المؤمنين
في كسر النفس ورفضٍ الشهوات، عقَّب سبحانه ذلك بالنهي عن الإفراط في هذا
الباب، أي: لا تمنعوها أنفُسَكم كمنع التَّحريم. وقيل: لا تلتزموا تحريمَها بنحو يمينٍ.
وقيل: لا تقولوا: حرَّمناها على أنفسنا مبالغةً منكم في العزم على تركها تزهُّداً منكم.
وكونُ المعنى: لا تحرِّموها على غيركم بالفتوى والحكم. مِمَّا لا يُلتفت إليه،
فقد رُوي أنَّ رسول اللهِ وَّهِ جلس يوماً فذكَّر الناسَ ووصف القيامة، فرقَّ الناسُ
في بيت عثمانَ بن مظعون الجُمَحِيِّ،
وبكوا، واجتمع عشَرةٌ من الصحابة
وهم: عليٌّ كرَّم الله وجهه، وأبو بكر ◌َّهِ، وعبدُ الله بن مسعود، وأبو ذرِّ
الغِفاري، وسالمٌ مولى أبي حُذَيفة، وعبدُ الله بن عَمرٍو (١)، والمِقداد بن الأسود،
وسلمانُ الفارسيُّ، ومَعقِل بن مُقَرِّن، وصاحبُ البيت، واتفقوا على أن يصوموا
النهارَ ويقوموا الليلَ، ولا يناموا على الفُرش، ولا يأكلوا اللحمَ ولا الوَدَك،
ولا يَقرَبوا النساءَ والطِّبَ، ويلبسوا المُسُوحَ (٢)، ويرفضوا الدنيا، ويَسيحوا في
الأرض، وهمَّ بعضُهم أن يَجُبَّ مَذاكيرَه. فبلغ ذلك رسولَ اللهِوَّرَ، فأتى دارَ عثمانَ
فلم يصادفه، فقال لامرأته أمِّ حكيم: ((أحقُّ ما بلغني عن زوجك وأصحابِهِ))؟
فكرهت أن تُنكرَ إذا سألها رسولُ اللهِ وَّهِ، وكرهت أن تُبديَ على زوجها، فقالت:
يا رسولَ الله، إنْ كان أخبرك عثمانُ فقد صدقكَ. وانصرف رسولُ اللهِوَِّ، فلمَّا
دخل عثمانُ فأخبرته بذلك، أتَى رسولَ اللهِ نَّهِ هو وأصحابُه، فقال عليه الصلاة
والسلام لهم: ((أُنبئت أنَّكم اتفقتم على كذا وكذا)) قالوا: نعم يا رسولَ الله،
وما أردنا إلَّا الخيرَ. فقال رسولُ الله وَّه: ((إنِّي لم أؤمر بذلك)) ثم قال عليه الصلاة
والسلام: ((إنَّ لأنفسكم عليكم حقًّا، فصوموا وأَفِطِروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم
. وأنام، وأصوم وأُفطر، وآكل اللحم والدَّسم، وآتي النساءَ، فمن رَغِب عن سُنَّتي
فليس مني)) ثم جمع الناسَ وخطبهم، فقال: ((ما بالُ أقوام حرَّموا النِّساءَ، والطعام،
والطِّيب، والنومَ، وشهواتِ الدنيا، أَمَا إنِّي لست آمرُّكم أن تكونوا قِسِّيسين
(١) في الأصل و(م): عمر، والمثبت موافق لما في أسباب النزول وغيره.
(٢) جمع مِسْح: وهو كساء من شعر. المعجم الوسيط (مسح).

سُورَةُ القَائِدَة
٣٧٦
الآية : ٨٨
ورهباناً، فإنه ليس في ديني تركُ اللحم والنساءِ، ولا اتخاذُ الصوامع، وإنَّ سِياحة
أُمتي الصوم، ورهبانيتهم الجهادُ، اعبدوا اللهَ تعالى ولا تُشركوا به شيئاً، وحُجُّوا
واعتمِروا، وأَقيموا الصلاةَ، وأَتُّوا الزكاة، وصوموا رمضانَ، واستقيموا يُستقَم
لكم، فإنَّما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شدّدوا على أنفسهم، فشدَّد الله تعالى
عليهم، فأولئك بقاياهم في الدِّيار والصوامع)) فأنزل الله تعالى هذه الآية(١).
ورُوي عن أبي عبد الله(٢) ﴿به: أن الآية نزلت في عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه،
وبلالٍ، وعثمانَ بن مظعون، فأمَّا عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه، فإنَّه حلف ألَّا ينامَ
بالليل أبداً إلا ما شاءَ الله تعالى، وأما بلالٌ، فحلف ألَّا يُفطِرَ بالنهار أبداً، وأمّا
عثمانُ، فإنَّه حلف ألَّا يَنكِحَ أبداً.
وروي أيضاً غيرُ ذلك. ولم نقف على روايةٍ فيها ما يدلُّ على أنَّ هذا التحريمَ
كان على الغير بالفتوى والحكم، كما ذهب إليه هذا القائلُ، ومع هذا يُبعده ما يأتي
بعدُ مِن الأمر بالأَكل. ولا ينافي هذا النهيَ أنَّ اللهَ تعالى مدح النَّصارى بالرَّهبانية،
فُرُبَّ ممدوحٍ بالنّسبة إلى قوم مذموم بالنسبة إلى آخرين.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُواْ﴾ تأكيدٌ للنَّهي السابق. أي: لا تتعدَّوا حدودَ ما أحلَّ
سبحانَه لكم إلى ما حرَّم جلَّ شأنُه عليكم، أو نهيٌّ عن تحليل الحرامِ بعد النَّهي عن
تحريم الحلالِ، فيكونُ تأسيساً. ويَحتمل أن يكونَ نهياً عن الإسراف في الحلال.
وعن ابن عباس ﴿ًا، ومجاهدٍ وقتادة: أنَّ المراد: لا تَجبُّوا أنفسكم.
ولا يخفى أنَّ الجَبَّ فردٌ من أفراد الاعتداءِ وتجاوزِ الحدود، والحملُ على الأعمِّ
أعمُّ فائدة.
وقولُه سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (®) في موضع التَّعليل
لما قبلَه. وقد تقدَّمت الإشارةُ إلى أنَّ نفيَ محبّة اللهِ سبحانه لشيءٍ مستلزِمٌ لبغضه له؛
لعدم الواسطة في حقِّه تعالى.
﴿وَكُواْ مَِّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ عَلًا طَيِّبًا﴾ أي: كلوا ما حلَّ لكم وطابَ مِمَّا رزقكم اللهُ
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٦٠٩/٨ - ٦١١ عن السدي بنحوه، وأورده الواحدي في أسباب
النزول ص١٩٨ - ١٩٩ قال: وقال المفسرون .... ثم ذكره.
(٢) مجمع البيان ١٧٩/٦، وأبو عبد الله هو الحسين

الآية : ٨٨
٣٧٧
سُوَّةُ القَائِدَة
تعالى، فـ ((حلالاً)) مفعولٌ به لـ ((كلوا))، و ((مما رزقكم)) إما حالٌ منه وقد كان في
الأصل صفةً له، إلَّا أنَّ صفة النَّكِرة إذا قدِّمت صارت حالاً، أو متعلِّق بـ ((كلوا))
و((مِن)) ابتدائيّة. ويَحتمل أن يكونَ في موضع المفعول لـ ((كلوا)) على معنى أنَّه صفةٌ
مفعولٍ له قائمةٌ مَقامَه، أي: شيئاً ممَّا رزقكم، أو بجَعْلِه نفسِه مفعولاً بتأويل:
بعض، إلَّا أنَّ في هذا تكلُّفاً.
و ((حلالاً)) حالٌ من الموصول، أو مِن عائده المحذوفِ، أو صفةٌ لمصدرٍ
محذوف، أي: أكلاً حلالاً .
وعلى الوجوه كلِّها الآيةُ دليلٌ لنا في شمول الرِّزق الحلال والحرامِ؛ إذ لو لم
يقع الرزقُ على الحرام، لم يكن لِذِكر الحلال فائدةٌ سِوَى التأكيد، وهو خلافُ
الظاهر في مثل ذلك.
استدعاءٌ إلى الثَّقوى وامتثالِ الوصيّة
﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ أَنْتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ لَيَّهَا﴾
بو جه حسن.
والآية ظاهرةٌ في أنَّ أكل اللذائذ لا يُنافي التقوى، وقد أكل ◌ِِّ ثريدَ اللَّحم
ومَدَحَه(١)، وكان يُحبُّ الحَلوَى(٢).
وقد فضَّلَت الأخبار ما كان يأكله عليه الصلاة والسلام، وأَواني الكتب ملأى
من ذلك.
وروي أنَّ الحسن كان يأكل الفالوذج، فدخل عليه فرقدُ السَّبخيُّ(٣)، فقال:
يا فرقدُ، ما تقول في هذا؟ فقال: لا آكلُه ولا أحبُّ أكلَه. فأَقبل الحسنُ على غيره
(١) أما أكله ﴿ الثريد، فقد أخرجه البخاري (٥٤٢٠) ومسلم (٢٠٤١) من حديث أنس
وهو عند أحمد (١٢٠٥٢).
وأما مدحه له، فقد أخرج البخاري (٥٤١٩) ومسلم (٢٤٤٦) عن أنس له، عن رسول الله صلّى:
(((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)). وهو عند أحمد (١٢٥٩٧).
(٢) أخرجه البخاري (٥٢٦٨) و(٥٤٣١) مطولاً ومختصراً، ومسلم (١٤٧٤): (٢١) مطولاً من
حديث عائشة . وهو عند أحمد (٢٤٣١٦).
(٣) هو أبو يعقوب فرقد بن يعقوب السبخي، من زهاد البصرة، صحب الحسن البصري وسمع
نفراً من التابعين، أصله من أرمينية وانتقل إلى البصرة، فكان يأوي إلى السبخة. ومات قبل
سنة (١٣١ هـ). معجم البلدان (سبخ).

سُورَةُ اللَائِدَة
٣٧٨
الآية : ٨٩
كالمتعجّب وقال: لُعاب النَّحل بلعاب البُرِّ مع سمن البقرِ، هل يَعيبه مسلمٌ؟!
وذكر الطبرسيُّ(١) أنَّ فيها دلالةٌ على النهي عن الترقُّب وتركِ النِّكاح. وقد جاء
في غيرِ ما خبرٍ أَنَّه بِِّ قال: ((إنَّ الله تعالى لم يبعثني بالرهبانيَّة))(٢).
وقال عليه الصلاة والسلام في خبرٍ طويل: ((شِرارُكم عزَّابكم، وأَراذلُ موتاكم
عزَّابكم))(٣).
وعن أنسٍ قال: كان رسولُ الله ◌َ﴿ يأمرُنا بالباءَةِ وينهانا عن التبتُّل نهياً شديداً (٤).
وعن أبي نجيح قال: قال رسول الله وَّهِ: (مَن كان موسِراً لأن يَنكحَ فلم
يَنْكَحْ، فليس مني))(٥) إلى غير ذلك مما لا يُحصى كثرةً.
﴿لَّا يُؤَسِدُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَئِكُمْ﴾ اللَّغو في اليمين: الساقطُ الذي لا يتعلَّق به
حكمٌ. وهو عندنا أن يَحلِفَ على أمرٍ مضَى يظنُّه كذلك، فإنْ عَلِمه على خلافه
فالیمینُ غَموس. وروي ذلك عن مجاهد.
وعند الشافعيِّ رحمه الله تعالى: ما يسبق إليه اللسانُ مِن غير نيَّة اليمين. وهو
المرويُّ عن أبي جعفرٍ وأبي عبدِ الله وعائشةَ ﴿ه، والأدلَّة على المذهبين مبسوطةٌ
في الفروع والأصول. وقد تقدَّم شطرٌ من الكلام على ذلك.
و((في أيمانكم)) إمَّا متعلِّق باللغو، فإنَّه يُقال: لغا في يمينه لَغواً، وإمَّا بمحذوفٍ
وقع حالاً منه، أي: كائناً أو واقعاً في أيمانكم. وجوِّز أن يكونَ متعلِّقاً
بـ ((يؤاخذكم))، وقيل عليه: إنَّه لا يَظهر ربطُه بالمؤاخذة إلّا أن يُجعلَ ((في)) لِلعِلَّة،
كما في: ((إنَّ امرأةً دخلت النارَ في هِرَّة))(٦).
(١) في مجمع البيان ٦/ ١٨٠ .
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٣٩٥/٣ ضمن قصة عن أبي قلابة مرسلاً.
ئه. وله طرق قال عنها ابن حجر في
(٣) أخرجه أحمد (٢١٤٥٠) عن رجل، عن أبي ذر
الإصابة ٣٥/٧: لا تخلو من ضعف واضطراب.
(٤) أخرجه أحمد (١٢٦١٣)، وابن حبان (٤٠٢٨).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٠٣٧٦) والبيهقي ٧٨/٧. وهو مرسل.
(٦) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٣٣١٨) ومسلم (٢٢٤٢) (٢٢٤٣) عن أبي هريرة وابن
عمر ﴿. وهو عند أحمد (٧٥٤٧) من حديث أبي هريرة ﴾.

الآية : ٨٩
٣٧٩
سُورَّةُ الْغَائِدَة
﴿وَلَكِن يُؤَلِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْنِّ﴾ أي: بتعقيدكم الأَيمانَ وتوثيقِها بالقصد
والنية، فـ ((ما)) مصدريَّة. وقيل: إنَّها موصولةٌ، والعائد محذوفٌ، أي: بما عقَّدتم
الأَيمانَ عليه. ورُجِّح الأولُ بأنَّ الكلام في مقابلة اللَّغو، وبأنه خالٍ عن مُؤْنة التقدير.
وقال بعضهم: إنَّ ذلك التقديرَ في غير محلِّه؛ لأنَّ شرط حذفِ العائدِ المجرورِ
أن يكونَ مجروراً بِمثل ما جُرَّ به الموصولُ، لفظاً ومعنَى ومتعلَّقاً، وما هنا ليس
كذلك، فليُتدبّر.
والمعنى: ولكن يؤاخذكم بنَكثِ ما عقَّدتم، أو: لكن يؤاخذكم بما عقَّدتموها
إذا حنثتم، وحُذف ذلك لِلعِلم به. والمراد بالمؤاخذة المؤاخذةُ في الدنيا، وهي
الإِثم والكفَّارة، فلا إشكالَ في تقدير الّرف.
وتعقيدُ الأيمان شاملٌ للغَموس عند الشَّافعية، وفيه كفَّارةٌ عندهم، وأمَّا عندنا،
فلا كفَّارةَ ولا حِنث.
وقرأ حمزةُ، والكِسائيُّ، وابنُ عيَّاش عن عاصم: ((عَقَدتم)) بالتخفيف، وابنُ
عامر برواية ابنٍ ذَكوان: ((عاقدتم))(١) والمفاعلةُ فيها لأصل الفعل، وكذا قراءةُ
التشديد؛ لأنَّ القراءاتِ يفسِّر بعضها بعضاً. وقيل: إنَّ ذلك فيها للمبالغة، باعتبارٍ
أنَّ العقد باللِّسان والقلبِ، لا أنَّ ذلك للتكرار اللسانيِّ كما توهم.
والآية كما أخرج ابنُ جريرٍ (٢) عن ابنِ عبَّاس ◌ِ﴿ما نزلت حين نُهي القومُ عمَّا
صنعوا، فقالوا: يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟
ورُوي عن ابن زيد: أنَّها نزلت في عبد الله بن رواحةً، كان عنده ضيفٌ،
فأخَّرت زوجتُه عَشاءه، فحلف لا يأكلُ من الطعام، وحلفت المرأةُ لا تأكلُ إنْ لم
يأكل، وحلف الضيفُ لا يأكل إنْ لم يأكلا، فأكل عبدُ الله بن رواحةً وأَكلا معه،
فَأَخبرَ النبيَّ وَّر بذلك، فقال عليه الصلاة والسلام له: ((أحسنتَ)) ونَزَلت(٣).
﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ الضمير عائدٌ إمَّا على الحِنث المفهوم من السِّياق، أو على العَقد
(١) التيسير ص ١٠٠، والنشر ٢٥٥/٢.
(٢) في تفسيره ٦١٦/٨ .
(٣) نقله المصنف عن مجمع البيان ٦/ ١٨٣، وأخرجه الطبري ٦١٣/٨ عن ابن زيد، عن أبيه
زيد بن أسلم.

سُورَةُ القَائِدَة
٣٨٠
الآية : ٨٩
الذي في ضمن الفعلِ بتقدير مضافٍ، أي: فكفَّارةُ نَكثِهِ، أو على ((ما)) الموصولةِ
بذلك التقديرِ. وأمَّا عَودُه على الأَيمان لأنه مفرَدٌ كالأنعام عند سيبويه أو مؤوَّلٌ
بمفرد، فکما تری.
والمراد بالكفَّارة المعنى المصدريُّ، وهي الفِعلة التي مِن شأنها أن تكفِّرَ الخطيئةَ
وتَستُرَها، والمراد بالسَّتر المَحوُ؛ لأن الممحوَّ لا يُرى كالمستور، وبهذا وجِّه تأنيثها ،
وذكر عصامُ الدِّينِ: أنَّ فَعّالاً يستوي فيه المذكَّرُ والمؤنَّث، إلّا أنَّ ما يستوي فيه ذلك
كفَعيل، إذا حُذف موصوفُه يؤنَّث للمؤنَّث، كـ : مررتُ بقَتيلة بني فلان، ولا يقال:
بقتيل؛ للالتباس، وذكر أنَّ التاءَ يحتمل أن تكونَ للنَّقل، وأن تكونَ للمبالغة. انتهى.
ويدلُّ على أنَّها بالمعنى المصدريِّ الإخبارُ عنها بقوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَلِكِينَ﴾.
واستدلَّ الشافعيةُ بظاهر الآيةِ على جواز التَّكفير بالمال قبل الحِنث، سواء كان
الحنث معصيةً أم لا. وتقييدُ ذلك ـ كما فعل الرافعيُّ - بما إذا لم يكن معصيةً غيرُ
معوَّلٍ عليه عندهم. ووجه الاستدلالِ بذلك على ما ذكر: أنَّه سبحانه جعل الكفارةَ
عَقِبَ اليمين من غير ذِكرِ الحنث، وقال عزَّ شأنه: (ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُرَّ)
وقيَّدوا ذلك بالمال؛ ليَخرُجَ التكفيرُ بالصَّوم، فإنه لا يكونُ إلَّا بعد الحِنثِ عندهم؛
لأَنَّه عند العجز عن غيره، والعجزُ لا يتحقَّق بدون حِنث. وقد قاسُوا ذلك أيضاً
على تقديم الزَّكاة على الحَول. واستدلُّوا أيضاً بما أخرجه مسلمٌ(١) عن
أبي هريرة ◌ُه قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن حلف على يمينٍ ورأى غيرَها خيراً
منها، فليكفِّر عن يمينه وليأتِ الذي هو خيرٌ)).
ونحن نقول: إنَّ الآية تضمَّنت إيجابَ الكفَّارة عند الحِنث، وهي غيرُ واجبةٍ
قبله، فثبت أنَّ المراد: بما عقَّدتم الأَيمان وحيثتم فيها، وقد اتَّفقوا على أنَّ معنى
قولِه سبحانه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضَّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَنيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة:
١٨٥]: فَأَفطرَ، فِعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَر، فكذا هذا. والحديثُ الذي استدلُّوا به لا يصلُحُ
للاستدلال؛ لأنَّه بعدَ تسليم دَلالة الفاءِ الجزائيةِ على التعقيب من غيرِ تراخٍ يقال:
إنَّ الواقع في حيِّزها مجموعُ التكفيرِ والإيتاء، ولا دلالةَ على الترتيب بينهما،
(١) برقم (١٦٥٠): (١٤). وقد سلف ٢٧٨/٣.