النص المفهرس

صفحات 341-360

الآية : ٧٠
٣٤١
سُورَةُ القَائِدَة
والمراد بالميثاق المأخوذِ: العهدُ المؤكَّدُ الذي أخذه أنبياؤهم عليهم في
الإيمان بمحمدٍ وَّ، واتِّباعِه فيما يأتي ويَذَرُ، أو في التوحيد وسائرِ الشرائع
والأحكام المكتوبة عليهم في التوراة.
﴿وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلَاٌ﴾ ذوي عددٍ كثير، وأُولي شأنٍ خطير، يعرِّفونهم ذلك،
ويتعهَّدونهم بالعِظَةِ والتذكير، ويُطلعونهم على ما يأتون ويَذَرون في دينهم.
﴿كُلَّا جَآءَهُمْ رَسُولْ بِمَا لَا تَهْوَىَّ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: بما لا تميلُ إليه من الشرائع
ومشاقٌّ التكاليف، والتعبيرُ بذلك دون: بما تكرهُه أنفسهم؛ للمبالغة في ذمِّهم،
وكلمةُ ((كلما)) كما قال أبو حيان: منصوبةٌ على الظرفية لإضافتها إلى ((ما)) المصدريةِ
الظرفية وليست كلمةَ شرطٍ(١). وقد أَطلق ذلك عليها الفقهاءُ وأهلُ المعقول، ووجَّه
ذلك السَّفاقُسيُّ بأنَّ تسميتها شرطاً لاقتضائها جواباً كالشرط الغيرِ الجازمِ، فهي
مثل: ((إذا))، ولا بُعْدَ فيه.
وجوابُها - كما قيل - قولُه تعالى: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ
٧٠
وقيل: الجواب محذوفٌ دلّ عليه المذكور، وقدَّره ابن المنير: استكبروا،
لظهورٍ ذلك في قوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَ أَنْشُكُمُ أُسْتَكْبَرْتُمْ
فَغَرِيقًا﴾(٢) إلخ [البقرة: ٨٧]. والبعضُ(٣): ناصَبوه؛ لأنه أَدْخَلُ في التوبيخ على
ما قابلوا به مجيءَ الرسول الهادي لهم، وأَنْسَبُ بما وقع في التفصيل مُسْتَقْبَحاً غايةً
الاستقباح، وهو القتلُ على ما سنُشير إليه إن شاء الله تعالى؛ فإنَّ الاستكبار
إنما يفضي إليه بواسطة المُناصبةِ، وأما في الآية الأخرى فقد قُصد إلى استقباح
الاستكبار نظراً إليه في نفسه لاقتضاء المقام.
وادَّعى بعضُهم أنَّ في الإتيان بالفاء في آية الاستكبار إشارةً إلى اعتبار
الواسطة، كأنه قيل: استكبرتُم فناصَبْتُم ففريقاً .. إلخ، وفيه نظر.
(١) البحر ٥٣٣/٣، وفيه: ((كل)) منصوب على الظرف لإضافتها إلى المصدر المنسبك من ((ما))
المصدرية الظرفية.
(٢) الانتصاف ٦٣٣/١.
(٣) هو الزمخشري في الكشاف ٦٣٣/١.

سُؤَدَّةُ للَائِدَة
٣٤٢
الآية : ٧٠
والجملةُ حينئذٍ استئنافٌ لبيان الجواب، وجَعَلَ الزمخشريُّ(١) هذا القول متعيّناً ؛
لأنَّ الكلام تفصيلٌ لحكم أفراد جمع الرسل الواقع قبلٌ(٢)، أي: كلَّما جاءهم
رسولٌ من الرسل، والمذكورُ بقوله سبحانه: (فَرِيقًا كَذَّبُواْ) إلخ يقتضي أنَّ الجائي
في كلِّ مرةٍ فريقان، فبينهما تَدافُعٌ، وعلى تقدير قَطْع النظر عن هذا، لا يَحْسُنُ في
مثل هذا المقام تقديمُ المفعول، مثل: إنْ أكرمتَ أَخي أخاك أكرمتُ؛ لأنه يُشعر
بالاختصاصِ المستلزم للجَزْمِ بوقوع أصل الفعل مع النزاع في المفعول، وتعليقُه
بالشرط يُشْعِرُ بالشكِّ فَي أصلَ الفعل، ولأنَّ تقديم المفعول - على ما قيل - يوجب
الفاء إمَّا لجَعلِه الفعل بعيداً عن المؤثِّر فيُخْوجُه إلى رابطٍ، وإمَّا لأنه بتقديم المفعول
أشْبَهَ الجملة الاسمية المفتقرة إلى الفاء.
وقيل: فيه مانعٌ آخرُ؛ لأن المعنى على أنهم كلما جاءهم رسولٌ وقع أحدُ
الأمرين لا كلاهما، فلو كان جواباً لكان الظاهر ((أو)) بدل الواو.
ومَن جَعَل الجملة جواباً لم ينظر إلى هذه الموانع، قال بعض المحققين(٣):
أما الأول: فلأنه لقَصْدِ التغليظ جَعَلَ قَتْلَ واحدٍ كقتل فريق، وقيل: المرادُ
بالرسول جنسُه الصادقُ بالكثير، ويؤيِّده ((كلَّما)) الدالَّةُ على الكثرة.
وأما الثاني: فلأنه لا تقتضي قواعدُ العربية مثلَه، وما ذكر من الوجوه أوهامٌ
لا يُلتفت إليها، ولا يوجد مثله في كتب النحو، ومنه يُعْلَمُ دَفْعُ الأخير. وتعقّب
ذلك مولانا شهابُ الدين(٤) بأنه عجيب من المتبحِّر الغفلةُ عن مثل هذا، وقد قال
في ((شرح التسهيل))(٥): ويجوز: إنْ ينطلقْ خيراً يُصِبْ، خلافاً للفرَّاء(٦). فقال
شرَّاحُه: أجاز سيبويه والكسائيُّ تقديمَ المنصوب بالجواب مع بقاء جَزْمِه، وأنشد
الكسائيُّ :
(١) في الكشاف ٦٣٣/١، والكلام من حاشية الشهاب ٢٦٨/٣.
(٢) أي: في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلَّاً﴾.
(٣) هو الشهاب في الحاشية ٢١٨/٣.
(٤) في حاشيته على البيضاوي ٢١٨/٣ .
(٥) كذا في الأصل و(م)، والذي في حاشية الشهاب: متن التسهيل، وهو الصواب.
(٦) التسهيل لابن مالك ص٢٣٧ .

الآية : ٧٠
٣٤٣
سُورَةُ القَائِدَة
وللخير أيامٌ فَمَنْ يَصْطَبِرْ لها ويَعْرِفْ لها أيامَها الخيرَ يُعْقَبٍ(١)
تقديرُه: يُعْقَب الخيرَ، ومَنَعَ ذلك الفرَّاءُ مع بقاء الجَزْمِ، وقال: بل يجب الرفعُ
على التقديم والتأخير، أو على إضمار الفاء، وتأوَّل البيتَ بأنَّ الخير صفةٌ للأيام،
كأنه قال: أيامَها الصالحة. واختار ابن مالك هذا المذهب في بعض كتبه، ولما رأى
الزمخشريُّ اشتراكَ المانع بين الشرط الجازم وما في معناه مال إليه، خصوصاً وقوةٌ
المعنى تقتضيه فهو الحق. انتهى.
والجملة الشرطية صفةُ ((رسلاً)) والرابطٌ محذوفٌ، أي: رسولٌ منهم، وإلى هذا
ذهب جمهور المعرِبین.
واختار مولانا شيخ الإسلام(٢) أنَّ الجملة الشرطية مستأنفةٌ وقعت جواباً عن
سؤالٍ نشأ من الإخبار بأخذ الميثاق وإرسال الرسل، كأنه قيل: فماذا فعلوا
بالرسل؟ فقيل: كلما جاءهم رسولٌ من أولئك الرسل بما لا تحبُّه أنفسهم المنهمكةُ
في الغيِّ والفساد من الأحكام الحقَّة والشرائع عَصَوْه وعادَوْه.
واعترض رحمه الله تعالى على ما ذهب إليه الجمهور من القول بالوصفية بأنه
لا يساعده المقام؛ لأنَّ الجملة الخبرية إذا جُعلتْ صفةً أو صلةً يُنْسَخُ ما فيها من
الحُكْمِ، وتُجعل عنواناً للموصوف وتتمةً له، ولذا وَجَبَ أنْ تكون معلومةَ الانتسابِ
له (٣)، ومن هنا قالوا: إنَّ الصفات قبل العلم بها أخبار، والأخبارُ بعد العلم بها
أوصاف، ولا ريب في أنَّ ما سيق له النظمُ إنَّما هو بيانُ أنَّهم جعلوا كلَّ مَن جاءهم
من الرسل عرضةً للقتل والتكذيب حَسْبَما يفيدُه جَعْلُها استئنافاً على أبلغ وجهٍ
(١) البيت لطفيل بن عوف الغنوي، ويقال له: طفيل الخيل؛ لكثرة وصفه إياها، وهو في
المعاني الكبير ١/ ٨٥، والصناعتين للعسكري ص٢٨٤، والإنصاف ٦٢١/٢، والخزانة
٤٤/٩، والكلام من حاشية الشهاب ٢١٨/٣، وجاء في جميع المصادر عدا الحاشية:
وللخيل أيام ... تُعْقِب.
(٢) هو أبو السعود في تفسيره ٦٣/٣ .
(٣) جاءت العبارة في تفسير أبي السعود: وتجعل عنواناً للموصوف تتمةً له في إثبات أمر آخر
له، ولذلك يجب أن يكون الوصف معلوم الانتساب إلى الموصوف عند السامع قبل جعله
وصفاً له. وعبارة المصنف موافقة لما في حاشية الشهاب ٢٦٨/٣، وعنه نقل المصنف.

سُوَّ للقائِدَة
٣٤٤
الآية : ٧١
وآكدِهِ، لا بيانُ أنه أرسل إليهم رسلاً موصوفين بكون كلٌّ منهم كذلك كما هو
مقتضی جَعْلِها صفةً. انتهى.
وتعقَّبه الشهابُ بأنه تخيُّلٌ لا طائلَ تحته، فإنَّ قوله سبحانه: (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ
بییّ إِسْرِیلَ) إلخ مسوقٌ لبيان جنایاتهم والنعي علیھم بذلك كما اعترف به المعترضُ،
وهو لا يفيدُه إلا بالنظر إلى الصفة التي هي مرمى النظر كما في سائر القيود، وأمَّا
كونها معلومةً فلا ضيرَ فيه؛ فإنك إذا وبَّختَ شخصاً، وقلت له: فعلتَ كيت وکیت،
وهو أعلمُ بما فَعَلَ، لا يضرُّ ذلك في تقريعه وتعييره، بل هو أقوى كما لا يخفى على
الخبير بأساليب الكلام، فلا تلتفت إلى مثل هذه الأوهام(١). انتهى.
ولا يخفى ما في قوله: وهو لا يفيدُه إلا بالنظر إلى الصفة .. إلخ، من المنع
الظاهر، وكذا جَعْلُ ما نحن فيه نظيرَ قولك لشخص تريدُ توبيخَه: فعلتَ کیت وکیت
- وهو أعلم بما فَعَلَ - فيه خفاءٌ، والذي يحكم به الإنصافُ بعد التأمُّل جوازٌ
الأمرين، وأنَّ ما ذهب إليه شيخُ الإسلامِ أَوْلَى، فتأمَّلْ وأَنْصِفْ.
والتعبير بـ ((يقتلون)) مع أنَّ الظاهر: قتلوا - كـ ((كذَّبوا)) - لاستحضار الحال
الماضية من أسلافهم للتعجيب منها، ولم يقصد ذلك في التكذيب؛ لمزيد الاهتمام
بالقتل، وفي ذلك أيضاً رعايةُ الفواصل.
وعلَّل بعضهم التعبيرَ بصيغة المضارع فيه، بالتنبيه على أنَّ ذلك ديدنُهم
المستمرُّ، فهم بعدُ يحومون حول قتل رسول الله وَظاهر. واقتصر البعض على قصد
حكاية الحال؛ لقرينة ضمائر الغيبة.
وتقديم ((فريقاً)) في الموضعين للاهتمام وتشويقِ السامع إلى ما فعلوا به، لا للقصر.
﴿وَحَسِبُواْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: ظنَّ بنو إسرائيل أنْ لا يُضْيبهم من الله تعالى
بما فعلوا بلاءٌ وعذابٌ؛ لزعمهم - كما قال الزجَّاج(٢) - أنهم أبناء الله تعالى
وأحبَّاؤه، أو لإمهال الله تعالى لهم، أو لنحو (٣) ذلك.
(١) حاشية الشهاب ٢٦٨/٣.
(٢) في معاني القرآن ٢/ ١٩٥.
(٣) في الأصل: نحو.

الآية : ٧١
٣٤٥
سُورَةٌ للقائِدَة
وعن مقاتل تفسيرُ الفتنة بالشدة والقحط، والأَوْلَى حملُها على العموم، وعلى
التقديرين ليس المراد منها معناها المعروف.
وقرأ أبو عمرو وحمزةُ والكسائيُّ ويعقوب: ((أن لا تكونُ)) بالرفع(١)، على أنَّ
(أنْ)) هي المخففةُ من الثقيلة، وأصله: أنه لا تكونُ، فخفَّف ((أنْ)) وحذف ضمير
الشأن، وهو اسمها. وتعليقُ فِعْلِ الحسبان بها - وهي للتحقيق - لتنزيله منزلةَ العلم
الكمال قوته، و((أنْ)) بما في حيِّزها سادٌّ مسدَّ مفعوليه.
وقيل: إنَّ (حَسِبَ)) هنا بمعنى عَلِمَ، و((أنْ)) لا تخفَّفُ إلا بعد ما يفيد اليقين.
وقيل: إنَّ المفعول الثاني محذوفٌ، أي: وحسبوا عدمَ الفتنة كائناً، ونقل ذلك
عن الأخفش. و((تكون)) على كلِّ تقدير تامةٌ.
وقولُه تعالى: ﴿فَعَمُوا﴾ عطفُ على ((حسبوا))، والفاء للدلالة على ترتيب
ما بعدها على ما قبلها، أي: أمِنوا بأسَ الله تعالى فتمادَوا في فنون الغيِّ والفساد،
وعَمُوا عن الدِّين بعد ما هداهم الرسل إلى معالمه، وبيَّنوا لهم مناهجه ﴿وَصَفُّواْ﴾
عن استماع الحقِّ الذي ألقَوْه إليهم.
وهذا إشارةٌ إلى المرة الأولى من مرَّتي إفساد بني إسرائيل، حين خالفوا أحكام
التوراة، وركبوا المحارم، وقتلوا شعيا. وقيل: حَبَسوا أرميا عليهما السلام.
﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ حين تابوا ورجعوا عما كانوا عليه من الفساد، بعد
ما كانوا ببابل دهراً طويلاً تحت قهر بختنصّر أسارى في غاية الذلِّ والمَهَانة،
فوجَّه الله عز وجل ملكاً عظيماً من ملوك فارس إلى بيت المقدس، فعمره وردَّ مَن
بقي من بني إسرائيل في أسر بختنصَّر إلى وطنهم، وتَراجَعَ مَن تفرَّقَ منهم في
الأكناف، فاستقرُّوا وكثُروا وكانوا كأحسن ما كانوا عليه.
وقيل: لمَّا ورث بهمن بن أسفنديار المُلْكَ من جدِّه كاسف، ألقى الله تعالى في
قلبه شفقةً عليهم، فردَهم إلى الشام، وملَّك عليهم دانيال عليه السلام، فاستَوْلَوْا
على مَن كان فيها من أتباع بختنصر، فقامت فيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام،
(١) التيسير ص ١٠٠، والنشر ٢٥٥/٢، وهي قراءة خلف من العشرة.

سُوَرَّةُ القَائِدَة
٣٤٦
الآية : ٧١
فرجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه من الحال، وذلك قولُه تعالى. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ
الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٦].
ولم يُسْنِدْ سبحانه التوبةَ إليهم كسائر أحوالهم من الحسبان والعَمَى والصَّمم؛
تجافياً عن التصريح بنسبة الخير إليهم، وإنما أشير إليها في ضمنٍ بيانِ توبةِ الله
تعالى عليهم تمهيداً لبيان نَقْضِهم إياها بقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَفُواْ﴾ وهو
إشارةٌ إلى المرَّة الآخرةِ من مرَّتَيْ إفسادهم، وهو اجتراؤهم على قتل زكريا ويحيى،
وقَصْدُهم قَتْلَ عيسى عليهم السلام.
وجعل الزمخشريُّ العمى والصَّمَمَ أولاً إشارةً إلى ما صدر منهم من عبادة
العجل، وثانياً إشارةً إلى ما وقع منهم من طلبهم الرؤية(١).
وفيه أنَّ عبادة العجل وإن كانت معصيةً عظيمةً ناشئةً عن كمالِ العَمَى والصَّمَمِ
لكنها في عصر موسى عليه السلام، ولا تعلّق لها بما حكي عنهم بما فعلوا بالرسل
الذين جاؤوهم بعده عليه السلام بأعصار.
وكذا القول - على زَعْمِه - في طلب الرؤية، على أنَّ طلب الرؤية كان من القوم
الذين مع موسى عليه السلام حين توجَّه للمناجاة، وعبادةُ العجل كانت من القوم
المتخلِّفين فلا يتحقَّق تأخّره عنها، وحَمْلُ ((ثم)) للتراخي الرُّتْبِيِّ دون الزمانيِّ
مما لا ضرورةً إليه.
وقيل: إنَّ العمى والصمم أولاً إشارةٌ إلى ما كان في زمن زكريا ويحيى
عليهما السلام، وثانياً إشارةٌ إلى ما كان في زمن نبيِّنا وَّر من الكفر والعصيان.
وبدأ بالعمى لأنه أول ما يَعرضُ للمُعْرِض عن الشرائع، فلا يُبْصِرُ مَن أتى بها
من عند الله تعالى، ولا يلتفتُ إلى معجزاته، ثم لو أبصره لم يسمع كلامه، فيكون
عروضُ الصمم بعد عروض العمى.
وقرئ: ((عُمُوا وصُمُّوا)) بالضم (٢)، على تقدير: عَمَاهم الله تعالى وصمَّهم،
(١) الكشاف ٦٣٤/١.
(٢) المحتسب ٢١٧/١، والكشاف ٦٣٤/١، والبحر ٥٣٤/٣، والدر المصون ٣٧٣/٤.

الآية : ٧١
٣٤٧
سُورَةُ القَائِدَة
أي: رماهم وضربهم بالعمى والصمم، كما يقال: نزكتُه، إذا ضربتَه بالنيزك،
ورَكَبْتُه: إذا ضربته بركبتك(١).
وقوله تعالى: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ بدلٌ من الضمير في الفعلين. وقيل: هو فاعلٌ
والواو علامةُ الجمع لا ضمير، وهذه لغةٌ لبعض العرب يعبِّر عنها النحاةُ بـ ((أكلوني
البراغيث)). أو هو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: العُمْي والصُّمُّ كثيرٌ منهم.
وقيل: أي: العَمَى والصَّمَمُ كثيرٌ منهم، أي: صادرٌ ذلك منهم كثيراً. وهو
خلافُ الظاهر.
وجوِّز أن يكون مبتدأً والجملةُ قبلَه خبرُه. وضعِّف بأنَّ الخبر الفعليَّ لا يتقدَّم على
المبتدأ لالتباسه بالفاعل. ورُدَّ بأنَّ مَنْعَ التقديم مشروط بكون الفاعل ضميراً مستتراً؛
إذ لا التباس فيما إذا كان بارزاً، والتباسُه بالفاعل في لغة («أكلوني البراغيث)» لم
يعتبروه مانعاً لأنَّ تلك اللغةَ ضعيفةٌ لا يُلتَفَتُ إليها، ومن هنا صرَّح النحاة بجواز
التقديم في مثل: الزيدان قاما، لكنْ صرَّحوا بعدم جوازٍ تقديم الخبر فيما يَصْلُحُ
المبتدأ أن يكون تأكيداً للفاعل، نحو: أنا قمت؛ فإنَّ ((أنا)) لو أخِّر لالتبس بتأكيد
الفاعل، وما نحن فيه مثلُه إلا أنَّ الالتباس فيه بتابع آخر، أعني البدلَ، فتدبّرْ.
وإنما قال سبحانه: (كَثِيرٌ مِنْهُمَّ) لأنَّ بعضاً منهم لم يكونوا كذلك.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾﴾ أي: بما عملوا، وصيغةُ المضارع لحكاية الحال
الماضية استحضاراً لصورتها الفظيعة، مع ما في ذلك من رعاية الفواصل. والجملة
تذييلٌ أُشيرَ به إلى بطلان حسبانهم المذكور، ووقوعِ العذاب من حيث لم يحتسبوا،
إشارةً إجماليةً اكتفى بها تعويلاً على ما فصِّل نوعَ تفصيلٍ في سورة ((بني إسرائيل)).
ولا يخفى موقعُ ((بصير)) هنا مع قوله سبحانه: (عَمُوا).
(١) هذا قول الزمخشري في الكشاف ٥٣٤/١، وذكر أبو حيان في البحر ٥٣٤/٣ أن هذه
الأفعال المبنية للمفعول من مثل: عُمي وصُم وزُكم وحُمَّ، إذا أردت بناءها للفاعل متعدية
أدخلت عليها همزة النقل، فتقول: عُمي وأعماه الله، وصُم وأصمه الله، وزُكم
وأزكمه الله، ولا يقال: عماه وزكمه وصمَّه. ومثله ذكر ابن جني في المحتسب ٢١٧/١.
قال السمين ٣٧٣/٤: فإن كان ما قاله الشيخ (يعني أبا حيان) صحيحاً، فينبغي أن يكون
كلام أبي القاسم (يعني الزمخشري) فاسداً، أو بالعكس.

سُورَّةُ القَائِدَة
٣٤٨
الآية : ٧٢
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمْ﴾ شروعٌ في تفصيل
قبائح النصارى وإبطالِ أقوالهم الفاسدةِ، بعد تفصيل قبائح اليهود، وقائلُ ذلك
طائفةٌ منهم كما روي عن مجاهد. وقد أَشْبَعْنا الكلام على تفصيل أقوالهم وطوائفهم
فیما تقدَّم، فتذگَّر.
﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ﴾ حالٌ من فاعل ((قالوا)) بتقديرِ ((قد))، مفيدةٌ لمزيدٍ تقبيحٍ حالهم
ببيان تكذيبهم للمسيح وعدم انزجارهم عمَّا أصرُّوا عليه بما أَوْعَدَهم به، أي: قالوا
ذلك وقد قال المسيح عليه السلام مخاطباً لهم: ﴿يَنِّ إِسْرَِّيلَ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّ
وَرَبَّكُمْ﴾ فإِنِّي مربوبٌ مثلكم، فاعبدوا خالقي وخالقَكم.
﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشأن ﴿مَن يُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ أي: شيئاً في عبادته سبحانه، أو
فيما يختصُّ به من الصفات والأفعال، كنسبة علم الغيب وإحياء الموتى بالذات إلى
عيسى عليه السلام ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ لأنها دارُ الموحِّدين، والمراد: يُمنَعُ
من دخولها كما يُمنع المحرَّمُ عليه من المحرَّم، فالتحريم مجازٌ مرسلٌ أو استعارةٌ
تبعيةٌ للمنع؛ إذ لا تكليف ثَمَّة. وإظهارُ الاسم الجليل في موقع الإضمار لتهويل
الأمر وتربية المهابة. ﴿وَمَأْوَنَّهُ النَّارِ﴾ فإنها المُعَدَّةُ للمشركين، وهذا بيانٌ لابتلائهم
بالعقاب إثر بيان حرمانهم الثوابَ. ولا يخفى ما في هذه الجملة من الإشارة إلى
قوة المقتضي لإدخاله النار.
﴿وَمَا لِلَِّلِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
· أي: مالهم من أحدٍ ينصرهم بإنقاذهم من
٧٢
النار وإدخالهم الجنة، إما بطريق المغالبة، أو بطريق الشفاعةِ.
والجمع لمراعاة المقابلة بالظالمين. وقيل: ليُعلم نفيُ الناصر من بابٍ أَوْلَى؛
لأنه إذا لم ينصرهم الجُمُّ الغفير، فكيف ينصرهم الواحدُ منهم؟!
وقيل: إن ذلك جارٍ على زعمهم أنَّ لهم أنصاراً كثيرةً، فنفَى ذلك تهّماً بهم.
واللامُ إِمَّا للعهد، والجمعُ باعتبار معنى ((مَن)) كما أنَّ إفراد الضمائر الثلاثة
باعتبار لَفْظِها، وإما للجنس وهم يدخلون فيه دخولاً أوَّلياً، ووَضْعُه على الأول
موضعَ ضميرهم للتسجيل عليهم بأنهم ظلموا بالإشراك، وعَدَلوا عن طريق
الحقِّ.

الآية : ٧٣
٣٤٩
سُورَةُ العَائِدَة
والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لما قبله، وهو إما من تمام كلام عيسى عليه السلام،
وإما واردٌ من جهته تعالى تأكيداً لمقالته عليه السلام، وتقريراً لمضمونها .
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٌ﴾ شروعٌ في بيان كفر طائفةٍ أخرى
منهم، وقد تقدَّم لك مَن هم، و((ثالثُ ثلاثةٍ)) لا يكون إلا مضافاً كما قال الفرَّاء،
وكذا: رابع أربعةٍ ونحوه، ومعنى ذلك أحدُ تلك الأعداد لا الثالثُ والرابعُ خاصةً.
ولو قلت: ثالث اثنين، ورابع ثلاثةٍ مثلاً، جاز الأمران: الإضافة والنصب(١).
وقد نصَّ على ذلك الزجَّاج(٢) أيضاً.
وعَنَوا بالثلاثة على ما روي عن السديِّ: الباري عزَّ اسمُه، وعيسى، وأمُّه
عليهما السلام، فكلٌّ من الثلاثة إلهٌ بزَعْمِهم، والإلهية مشتركةٌ بينهم، ويؤكِّده قولُه
تعالى للمسيح عليه السلام: ﴿َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ المَّخِذُونِ وَأَتِّىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اَللِّ﴾
[المائدة: ١١٦]، وهو المتبادرُ من ظاهر قوله تعالى: (وَمَا مِنْ إِلَاءٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدّ)
أي: والحالُ أنه ليس في الموجودات ذاتٌ واجبٌ مستحقٌّ للعبادة - لأنه مبدأُ جميع
الموجودات - إلا إلهٌ موصوفٌ بالوحدة، متعالٍ عن قبول الشركة بوجهٍ، إذ التعدَّد
يستلزم انتفاءً الألوهية كما يدلُّ عليه برهانُ التماثُع، فإذا نافت الألوهية مطلق
التعدُّد، فما ظنُّكَ بالتثليث؟!
و(مِن)) مزيدةٌ للاستغراق كما نصَّ على ذلك النحاة، وقالوا في وجهه: لأنها
في الأصل ((من)) الابتدائية حُذف مقابلُها إشارةً إلى عدم التناهي، فأصلُ لا رجلَ:
لا مِن رجلٍ إلى ما لا نهاية له. وهذا حاصلُ ما ذكره صاحبُ ((الإقلید)) في ذلك.
وقيل: إنهم يقولون: الله سبحانه جوهرٌ واحدٌ ثلاثةُ أقانيم: أقنوم الأب، وأقنوم
الابن، وأقنوم روح القدس، ويعنون بالأول الذات - وقيل: الوجود - وبالثاني
العلم، وبالثالث الحياة، وإنَّ منهم مَن قال بتجسُّمها، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ
إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَجِدُ﴾ بالذات منزَّهُ عن شائبةِ التعدُّد بوجهٍ من الوجوه التي يزعمونها،
وقد مرَّ تحقيقُ هذا المقام بما لا مزيد عليه، فارجع إن أردتَ ذلك إليه.
(١) معاني القرآن للفراء ٣١٧/١.
(٢) في معاني القرآن ١٩٦/٢.

سُورَةُ القَائِدَة
٣٥٠
الآية : ٧٤، ٧٥
﴿وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: إنْ لَمْ يَرْجِعوا عمَّا هم عليه إلى خلافه،
وهو التوحيد والإيمان ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيِهُ
· جوابُ قسم
VF
محذوفٍ سادٍّ مسدّ جوابٍ الشرط، على ما قاله أبو البقاء(١).
والمراد من ((الذين كفروا)): إما الثابتون على الكفر كما اختاره الجبائيُّ
والزجَّاج(٢). وإما النصارى كما قيل، ووضع الموصول موضعَ ضميرهم لتكرير
الشهادة عليهم بالكفر، و((مِن)) على هذا بيانية، وعلى الأول تبعيضية، وإنما جيءَ
بالفعل المنبئ عن الحدوث تنبيهاً على أنَّ الاستمرار عليه - بعد ورود ما ورد
مما يقتضي القلع عنه - كفرٌ جديد وغلوٌّ زائدٌ على ما كانوا عليه من أصل
الكفر.
والاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ للإنكار،
وفيه تعجيبٌ من إصرارهم أو عدم مبادرتهم إلى التوبة، والفاء للعطف على مقدَّرٍ
يقتضيه المقام، أي: ألا ينتهون عن تلك العقائد الزائغة والأقوال الباطلة
فلا يتوبون إلى الله تعالى الحقِّ، ويستغفرونه بتنزيهه تعالى عما نسبوه إليه عزَّ
وجل(٣). أو: أيسمعون(٤) هذه الشهادات المكرَّرة والتشديدات المقرِّرة فلا يتوبون
عقيب ذلك.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ فيغفر لهم ويمنحُهم من فضله إن تابوا، والجملة
في موضع الحال، وهي مؤكّدةٌ للإنكار والتعجيب. والإظهارُ في موضع الإضمار
لِمَا مرَّ غيرَ مرَّةٍ.
﴿مَّا الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لتحقيق الحقِّ الذي لا محيدَ
عنه، وبيانِ حقيقة حاله عليه السلام وحالٍ أُمِّه بالإشارة أولاً إلى ما امتازا به من
نعوت الكمال حتى صارا من أكمل أفراد الجنس، وآخِراً إلى الوصف المشترك
(١) في الإملاء ٤٤٨/٢ .
(٢) في معاني القرآن ١٩٦/٢، وذكره عن الجبائي الطبرسيُّ في مجمع البيان ٦/ ١٦٤.
(٣) فمدار الإنكار والتعجيب عدمُ الانتهاء وعدمُ التوبة معاً. تفسير أبي السعود ٦٧/٣، والكلام
منه .
(٤) في الأصل و(م): يسمعون، والمثبت من تفسير أبي السعود.

الآية : ٧٥
٣٥١
سُوَرَّةُ القَائِدَة
بينهما وبين أفراد البشر، بل أفراد الحيوانات، وفي ذلك استنزالٌ لهم بطريق
التدريج عن رتبة الإصرار، وإرشادٌ إلى التوبة والاستغفار، أي: هو عليه السلام
مقصورٌ على الرسالة لا يكاد يتخطَّاها إلى ما يزعم النصارى فيه عليه السلام.
وقولُهُ(١) سبحانه: ﴿قَدْ خَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ صفةُ ((رسول)) منبئةٌ عن انِّصافه
بما ينافي الألوهية، فإنَّ خلوَّ الرسل قبله منذرٌ بخلوِّه، وذلك مقتضٍ لاستحالة
الألوهية، أي: ما هو إلا رسولٌ كالرسل الخالية قبله خصَّه الله تعالى ببعض
الآيات كما خصَّ كلَّا منهم ببعضٍ آخَرَ منها، ولعل ما خَصَّ به غيرَه أعجبُ
وأغربُ مما خصَّه به، فإنه عليه السلام إنْ أحيا مَن مات من الأجسام التي من
شأنها الحياة، فقد أحيا موسى عليه الصلاة والسلام الجماد، وإنْ كان قد خُلق
من غير أبٍ، فآدمُ عليه السلام قد خُلق من غير أبٍ وأمّ، فمن أين لكم وصفُه
بالألوهية؟!
﴿وَأَتُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي: وما أمُّه أيضاً إلا كسائر النساء اللواتي يُلازِمْنَ الصِّدق
أو التصديق، ويبالغن في الاتِّصاف به، فمن أين لكم وصفُها بما عري عنه
أمثالُها؟!
والمراد بالصدق هنا: صدقُ حالها مع الله تعالى. وقيل: صدقُها في براءتها
مما رمتها به اليهود. والمرادُ بالتصديق: تصديقُها بما حَكَى الله تعالى عنها بقوله
سبحانه: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢]، وروي هذا عن الحسن
واختاره الجبائيُّ. وقيل: تصديقُها بالأنبياء.
والصيغة كيفما كانت للمبالغة، كـ: شِرِّيب، ورجّح كونُها من الصدق بأنَّ
القياس في صيغ المبالغة الأخذُ من الثلاثيّ، لكنَّ ما حكي(٢) ربما يؤيِّد أنها من
المضاعف.
والحصرُ الذي أشيرَ إليه مستفادٌ من المقام والعطفِ كما قال العلامة الثاني،
وتوقَّف في ذلك بعضُهم، وليس في محلِّه.
(١) في (م): وهو قوله، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود.
(٢) يعني قوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِهَا﴾.

سُورَةُ القَائِدَة
٣٥٢
الآية : ٧٥
واستدلَّ بالآية مَن ذهب إلى عدم نبوّة مريم عليها السلام، وذلك أنه تعالى شأنه
إنما ذَكَر في مَعْرِضٍ الإشارة إلى بيان أشرف ما لَها الصدِّيقيَّةَ، كما ذكر الرسالة
لعيسى عليه الصلاة والسلام في مثل ذلك المَعْرِضِ، فلو كان لها عليها السلام مرتبةُ
النبوَّةِ لذكرها سبحانه دون الصدِّيقيَّة؛ لأنها أعلى منها بلا شكِّ، نعم الأكثرون على
أنه ليس بين النبوّة والصدِّيقَّة مقامٌ، وهذا أمرٌ آخَرُ لا ضررَ له فيما نحن بصدده.
﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطّعَامُ﴾ استئنافٌ لا موضعَ له من الإعراب، مبيِّنٌ لِمَا أُشيرَ
إليه من كونهما كسائر أفراد البشر، بل أفراد الحيوان، في الاحتياج إلى ما يقوم به
البدن من الغذاء، فالمرادُ مِن أكل الطعام حقيقته، وروي ذلك عن ابن عباس
وقيل: هو كنايةٌ عن قضاء الحاجة؛ لأنَّ مَن أكل الطعام احتاجَ إلى النقض،
وهذا أمرُّ ذَوْقاً في أفواه مدَّعي ألوهيَّتِهما؛ لما في ذلك مع الدلالة على الاحتياج
المنافي للألوهية [من] (١) بشاعة عرفية، وليس المقصودُ سوى الردِّ على النصارى
في زعمهم المنتن واعتقادهم الکریه.
قيل: والآيةُ في تقديم ما لهما من صفات الكمال، وتأخيرِ ما لأفراد جنسهما من
نقائص البشرية، على منوال قوله تعالى: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]،
حيث قدَّم سبحانه العفو على المعاتبة له وَل﴿ لئلا تُؤْحِشَه مفاجأتُه بذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيُِّ لَهُمُ الَيَتِ﴾ تعجيبٌ من حال الذين
يدَّعون لهما الربوبيةَ ولا يَرْعَؤُون عن ذلك، بعدما بيّن لهم حقيقة الحال بياناً
لا يحوم حوله شائبةُ ريبٍ، والخطابُ إمَّا لسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام،
أو لكلِّ مَن له أهليةُ ذلكَ. و((كيف)) معمولٌ لـ ((نبيِّن))، والجملةُ في موضع النصب
معلّقةٌ للفعل قبلها .
والمراد من ((الآيات)): الدلائلُ، أي: انظر كيف نبيِّنُ لهم الدلائل القطعيةَ
الصادعة ببطلان ما يقولون ﴿ثُمَّ اُنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ أي: كيف يُصْرَفون عن
الإصاخة إليها والتأمُّلِ فيها، لسوء استعدادهم وخبائةِ نفوسهم. والكلامُ فيه كما مرَّ
فيما قبله، وتكريرُ الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب.
(١) زيادة يقتضيها السياق.

الآية : ٧٦
٣٥٣
سُورَةُ للقائِدَة
و((ثم)) لإظهار ما بين العَجَبين من التفاؤُت، أي: إنَّ بياننا للآيات أمرٌ بديعٌ في
بابه، بالغٌّ لأقصى الغايات من التحقيق والإيضاح، وإعراضُهم عنها - مع انتفاء
ما يصحّحه بالمرةِ، وتعاضُدِ ما يوجب قبولَها - أعجبُ وأبدعُ.
ويجوزُ أن تكون على حقيقتها، والمرادُ منها بيانُ استمرارِ زمانِ بيانِ الآيات
وامتدادِه، أي: أنهم مع طول زمان ذلك لا يتأثَّرون ويؤفكون.
﴿قُلْ أَتَعَّبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا﴾ أمرٌ بتبكيتهم إثر
التعجيبٍ من أحوالهم، والمرادُ بما لا يملك: عيسى، أو هو وأمُّه عليهما السلام،
والمعنى: أتعبدون شيئاً لا يستطيعُ مثلَ ما يستطيعه الله تعالى من البلايا والمصائب
والصحة والسعة. أو: أتعبدون شيئاً لا استطاعةً له أصلاً، فإنَّ كلَّ ما يستطيعُه البشر
بإيجاد الله تعالى وإقداره عليه لا بالذات.
وإنما قال سبحانه: ((ما)) نظراً إلى ما عليه المحدَّثُ عنه في ذاته وأولِ أمره
وأطوارِهِ، توطئةً لنفي القدرة عنه رأساً، وتنبيهاً على أنه من هذا الجنس، ومَن كان
بينه وبين غيره مشاركةٌ وجنسيةٌ كيف يكون إلهاً؟!
وقيل: إنَّ المراد بـ ((ما)»: كلُّ ما عُبد من دون الله تعالى، كالأصنام وغيرِها،
فغلِّب ما لا يَعْقِلُ على مَن يَعْقِلُ تحقيراً .
وقيل: أريدَ بها النوعُ، كما في قوله تعالى: ﴿فَنكِحُواْ مَا طَابَ لَّكُم مِّنَ النِّسَآِ﴾
[النساء: ٣].
وقيل: يمكن أن يكون المراد الترقِّي من توبيخ النصارى على عبادة عيسى عليه
الصلاة والسلام إلى توبيخهم على عبادة الصليب، فـ ((ما)) على بابها. ولا يَخْفَى
بعدُه.
وتقديمُ الضرِّ على النفع لأنَّ التحرُّز عنه أهمُّ من تحرِّي النفع، ولأنَّ أدنى
درجاتِ التأثير دفعُ الشرِّ، ثم جَلْبُ الخير.
وتقديمُ المفعول الغير الصريح على المفعول الصريح لِمَا مرَّ مراراً من الاهتمام
بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤشّر.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
في موضع الحال من فاعل
٧٦

سُورَةُ القَائِدَة
٣٥٤
الآية : ٧٧
(أتعبدون))، مقرِّرٌ للتوبيخ، متضمِّنٌ للوعيد، والرابطُ(١) هو الواو، أي: أتعبدون
غير الله تعالى وتشركون به سبحانه مالا يقدر على شيء، ولا تخشونه والحالُ أنه
سبحانه وتعالى المختصُّ بالإحاطة التامَّةِ بجميع المسموعات والمعلومات التي من
جملتها ما أنتم عليه من الأقوال الباطلة والعقائد الزائغة.
وقد يقال: المعنى: أتعبدون العاجزَ، واللهُ هو الذي يصحُّ أنْ يسمعَ كلَّ مسموعِ
ويعلمَ كلَّ معلوم، ولن يكون كذلك إلا وهو حيٍّ قادرٌ على كلِّ شيءٍ، ومنهً
الضرُّ والنفعُ والمجازاةُ على الأقوال والعقائد، إنْ خيراً فخير، وإن شرًّا فشرّ.
وفرِّق بين الوجهين بأن ((ما)) على هذا الوجه للتحقير والوصفية(٢) على معنى أنَّ
العدول إلى المبهم استحقارٌ، إلا أنَّ ((ما)) للوصف والحالُ مقرِّرةٌ لذلك، وعلى
الأول للتحقير المجرَّد، والحالُ كما علمتَ فافهم.
﴿قُلْ يَتَأَهْلَ اُلْكِتَبِ﴾ تلوينٌ للخطاب، وتوجيهٌ له لفريقي أهل الكتاب بإرادة
الجنس من المحلَّى بـ ((أل)) على لسان النبيِّي ◌َّه. واختار الطبرسيُّ كونه خطاباً
للنصارى خاصةً لأنَّ الكلام معهم(٣).
﴿لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ﴾ أي: لا تُجاوزوا الحدَّ، وهو نهيٌ للنصارى عن رَفْعِ
عيسى عليه السلام عن رتبة الرسالة إلى ما تقوَّلوا في حقِّه من العظيمة، وكذا عن
رفع أمِّه عن رتبة الصِّدِّيقيَّة إلى ما انتحلوه لها عليها السلام، ونهيٌّ لليهود - على
تقدير دخولهم في الخطاب - عن وَضْعِهم له عليه السلام وكذا لأمه عن الرتبة العليّة
إلى ما افتروه من الباطل والكلام الشنيع.
وذكرُهم بعنوان أهل الكتاب للإيماء إلى أنَّ في كتابهم ما ينهاهم عن الغلوِّ في
دینهم .
﴿غَيْرَ اُلْحَقِّ ﴾ نصبٌ على أنه صفةٌ مصدر محذوفٍ، أي: غلوًّا غيرَ الحقِّ، أي:
باطلاً، وتوصيفُه به للتوكيد، فإنَّ الغلوَّ لا يكون إلَّا غيرَ الحقِّ، على ما قاله الراغب (٤).
(١) في الأصل و(م): والواو، والمثبت من الدر المصون ٤/ ٣٨٠، وتفسير أبي السعود ٦٨/٣.
(٢) بعدها في (م): على هذا الوجه.
(٣) مجمع البيان ٦/ ١٦٧ .
(٤) قول الراغب في مفرداته (غلا): الغلو: تجاوز الحد.

الآية : ٧٧
٣٥٥
سُورَةُ القَائِدَة
وقال بعض المحققين: إنه للتقييد، وما ذكره الراغب غيرُ مسلَّم، فإنَّ الغلوَّ قد
يكون غيرَ حقٍّ، وقد يكون حقًّا، كالتعمُّق في المباحث الكلامية.
وفي ((الكشاف)) (١): الغلوُّ في الدين غُلوَّان: حقٌّ، وهو أن يفحص عن حقائقه،
ويفتِّشَ عن أَباعِدٍ معانيه، ويجتهد في تحصيل حججه، كما يفعله المتكلِّمون من
أهل العدل والتوحيد. وغلوٌّ باطلٌ، وهو أن يجاوز الحقَّ ويتخطّاه، بالإعراض عن
الأدلة واتِّاعِ الشُّبَهِ، كما يفعله أهلُ الأهواء والبدع. انتهى.
وقد يناقَشُ فيه - على ما فيه من الغلوِّ في التمثيل - بأنَّ الغلوَّ: المجاوزةُ عن
الحدِّ، ولا مجاوزةَ عنه ما لم يخرج عن الدِّين، وما ذَكَرَ لیس خروجاً عنه حتى
یکون غلوًّا .
وجوِّز أن يكون ((غير)) حالاً من ضمير الفاعل، أي: لا تَغْلُوا مُجاوزينَ الحقَّ.
أو: من ((دينكم))، أي: لا تغلوا في دينكم حال كونه باطلاً منسوخاً ببعثة محمد وصله.
وقيل: هو نصبٌ على الاستثناء المتَّصل، أو المنقطع.
﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ﴾ وهم أسلافُهم وأثمتُهم الذين قد
ضلُّوا من الفريقين، أو من النصارى قبل مبعث النبيِّ ◌َّر في شريعتهم.
والأهواءُ جمع هوّى، وهو الباطل الموافقُ للنفس، والمراد: لا توافقوهم في
مذاهبهم الباطلة التي لم يَدْعُ إليها سوى الشهوةِ ولم تَقُمْ عليها حجة.
﴿وَأَضَلُواْ كَثِيرًا﴾ أي: أناساً كثيراً ممن تابعهم ووافقهم فيما دَعَوا إليه من
البدعة والضلالة، أو: إضلالاً كثيراً، والمفعولُ به حينئذٍ محذوف.
﴿وَضَلُّواْ﴾ عند بعثة النبيِّ وَِّ، ووضوحٍ محجَّةِ الحقِّ، وتبيُّنِ مناهج الإسلام
﴾ أي: قَصْدِ السبيل الذي هو الإسلام، وذلك حين حسدوا
﴿عَنْ سَوَآءِ السَّبِيلِ
النبيَّ ◌ََّ، وكذّبوه وبَغَوْا عليه، فلا تكرار بين ((ضلُّوا)) هنا و((ضلُّوا من قبل)).
والظاهرُ أنَّ ((عن)) متعلِّقةٌ بالأخير، وجوِّز أن تكونَ متعلِّقةً بالأفعال الثلاثة،
ويرادَ بـ ((سواء السبيل)): الطريقُ الحقُّ، وهو بالنظر إلى الأخير دينُ الإسلام.
(١) ١/ ٦٣٥.

سُورَةُ القَائِدَة
٣٥٦
الآية : ٧٨
وقيل في الإخراج عن التكرار: إن الأول إشارةٌ إلى ضلالهم عن مقتضَى
العقل، والثاني إلى ضلالهم عمَّا جاء به الشرع.
وقيل: إنَّ ضمير ((ضلُّوا)) الأخيرِ عائدٌ على الكثير لا على ((قوم))، والفعلُ
مطاوعٌ للإضلال، أي: إنَّ أولئك القوم أضلُّوا كثيراً من الناس، وإن أولئك الكثيرَ
قد ضلّوا بإضلال أولئك لهم، فلا تكرار.
وقيل أيضاً: قد يرادُ بالضلال الأولِ: الضلالُ بالغلوِّ في الرفع والوضع مثلاً،
وكذا بالإضلال، ويرادُ بالضلال عن سواء السبيل: الضلالُ عن واضحاتِ دينهم،
وخروجهم عنه بالكلِّية.
وقال الزجَّاج: المراد بالضلال الأخير: ضلالُهم في الإضلال، أي: إنَّ هؤلاء
ضلُّوا في أنفسهم وضلُّوا بإضلالهم غيرَهم(١)، كقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ
كَامِلَةٌ يَوْمَ الْقِيَئِمَةٌ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]، ونُقل هذا -
کالقیل الأول - عن الراغب.
وجوِّز أيضاً أن يكون قولُه سبحانه وتعالى: (عَن سَوَآءِ) متعلِّقاً بـ ((قد ضلُّوا من
قبلُ)) إلَّا أنه لمَّا فُصِلَ بينه وبين ما يتعلَّق به أعيد ذكره، كقوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ
الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾
[آل عمران: ٧٨] ولعل ذمَّ القوم على ما ذهب إليه الجمهور أشنعُ من ذمِّهم على
ما ذهب إليه غيرُهم، والله تعالى أَعْلَمُ بمراده.
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَِّيلَ﴾ أي: لعنهم الله تعالى، وبناءُ الفعلِ
لِمَا لم يُسمَّ فاعلُه للجَرْي على سَنَن الكبرياء، والجارُّ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من
الموصول أو من فاعلٍ ((كفروا)).
وقولُه سبحانه وتعالى: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمْ﴾ متعلِّقٌ بـ (لُعن))،
أي: لَعنهم جلَّ وعلا في الإنجيل والزبور على لسان هذين النبيين عليهما السلام،
بأنْ أنزل سبحانه وتعالى فيهما: ملعونٌ مَن يكفُر من بني إسرائيل بالله تعالى، أو
أحدٍ من رسله عليهم السلام.
(١) بنحوه في معاني القرآن للزجاج ١٩٨/٢. وجاء في (م): لغيرهم.

الآية : ٧٨
٣٥٧
سُورَةُ القَائِدَة
وعن الزجَّاج (١) أن المراد: أنَّ داود وعيسى عليهما السلام أَعلما بنبوَّة
محمدٍ وَلِّ، وبشَرا به، وأمرا باتِّباعه، ولَعَنا مَن كفر به من بني إسرائيل. والأولُ
أولى، وهو المرويُّ عن ابن عباس
وقيل: إنَّ أهلَ أَيْلَةَ(٢) لَمَّا اعتدوا في السبت قال داود عليه السلام: اللهمَّ
أَلْبِسْهُم اللَّعْنَ مثل الرداء، ومثل المنطقة على الحقوين. فمسخهم الله تعالى قردةً،
وأصحاب المائدة لمَّا كفروا قال عيسى عليه السلام: اللهمَّ عذِّبْ مَن كفر بعد
ما أكل من المائدة عذاباً لم تعذِّبه أحداً من العالمين، والْعَنْهم كما لعنْتَ أصحاب
السبت. فأصبحوا خنازيرَ، وكانوا خمسةَ آلافٍ رجلٍ ما فيهم امرأةٌ ولا صبيٍّ.
ف (٣)،
وروي هذا القول عن الحسن ومجاهد وقتادة، وروي مثلُه عن الباقر
واختاره غيرُ واحد.
والمراد باللسان: الجارحةُ، وإفرادُه أحدُ الاستعمالات الثلاث المشهورة في
مثل ذلك. وقيل: المراد به اللغة.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: اللعن المذكور، وإيثارُ الإشارة على الضمير للإشارة إلى كمال
١٠
ظهوره، وامتيازِه عن نظائره، وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهَدَة، وما في
ذلك من البعد للإيذان بكمال فظاعته وبُعْدٍ درجته في الشناعة والهول. ﴿بِمَا
اسم.
عَصَواْ﴾ أي: بسبب عصيانهم، والجارُّ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع خبراً عن المبتدأ
قبله، والجملةُ استئنافٌ واقعٌ موقعَ الجواب عما نشأ من الكلام، كأنه قيل: بأيِّ
سبب وقع ذلك؟ فقيل: ذلك اللعنُ الهائلُ الفظيعُ بسبب عصيانهم.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ (٨) يحتمل أن يكون معطوفاً على ((عَصَوْا))
فيكون داخلاً في حيِّز السبب، أي: وبسبب اعتدائهم المستمرِّ. ويُنْبئُ عن إرادة
الاستمرارِ الجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل.
(١) في معاني القرآن ٢/ ١٩٨.
(٢) مدينة على ساحل البحر الأحمر مما يلي الشام، وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام. ينظر
معجم البلدان ٣٩١/١.
(٣) ذكره عنه الطبرسي في مجمع البيان ١٦٩/٦-١٧٠.

سُورَةُ القَائِدَة
٣٥٨
الآية : ٧٩
وادَّعى الزمخشريُّ إفادةَ الكلام حَصْرَ السبب فيما ذُكر، أي: بسبب ذلك
لا غير (١). ولعله - كما قيل - استُفيدَ من العدول عن الظاهر، وهو تعلَّق ((بما عصوا))
بـ ((لُعن)) دون ذكر اسم الإشارة، فلما جيء به استحقاراً لذلك اللعن وجواباً عن
سؤال الموجب، دلَّ على أنَّ مجموعه بهذا السبب لا بسببٍ آخر.
وقيل: استفيد من السببيَّة؛ لأنَّ المتبادر منها ما في ضمن السبب التامِّ، وهو
یفیدُ ذلك.
ولا يَرِدُ على الحصر أنَّ كفرهم سببٌ أيضاً - كما يُشْعِرُ به أَخْذُه في حيِّز الصلة -
لأنَّ ما ذُكر في حيِّز السبيَّة هنا مشتملٌ على كفرهم أيضاً.
ويحتمل أن يكون استئنافَ إخبارٍ من الله تعالى بأنه كان شأنُهم وأمرهم
الاعتداءَ، وتجاوزَ الحدّ في العصيان.
وقولُه تعالى: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ مؤذنٌ باستمرار
الاعتداء؛ فإنه استئنافٌ مفيدٌ لاستمرار عدم التناهي عن المنكر، ولا يمكن استمرارهُ
إلا باستمرار تعاطى المنكرات.
وليس المراد بالتناهي أنْ يَنْهَى كلٌّ منهم الآخرَ عمَّا يفعله من المنكر - كما هو
المعنى المشهور لصيغة التفاعُل - بل مجرَّدَ صدورِ النهي عن أشخاصٍ متعدِّدةٍ من
غير أن يكون كلُّ واحدٍ منهم ناهياً ومنهيًّا معاً، كما في: تراءَوا الهلال.
وقيل: التناهي بمعنى الانتهاء، من قولهم: تناهَى عن الأمر وانتهى عنه، إذا
امتنع. فالجملة حينئذٍ مفسِّرةٌ لما قبلها من المعصية والاعتداء، ومفيدةٌ
لاستمرارهما صريحاً، وعلى الأول إنما تفيدُ استمرارَ انتفاءِ النهي عن المنكر، ومن
ضرورته استمرارُ فعله، وعلى التقديرين لا تُقوِّي هذه الجملةُ احتمالَ الاستئناف
فيما سبق، خلافاً لأبي حيان(٢).
والمراد بالمنكر قيل: صيدُ السمك يومَ السبت. وقيل: أخذُ الرشوة في
(١) الكشاف ٦٣٦/١.
(٢) البحر ٣/ ٥٤٠، وجاء فيه أن ((كانوا لا يتناهون)) إلخ يقوي احتمال الاستئناف في ((وكانوا
يعتدون)».

الآية : ٧٩
٣٥٩
سُوَرَّةُ القَائِدَة
الحكم. وقيل: أكلُ الربا وأثمانِ الشحوم. والأوْلى أن يراد به نوعُ المنكر مطلقاً،
وما يفيدُه التنوين وحدةٌ نوعيةٌ لا شخصيةٌ، وحينئذٍ لا يقدحُ وصفُه بالفعل الماضي
في تعلُّق النهي به؛ لِمَا أنَّ متعلّق الفعل إنما هو فردٌ من أفراد ما يتعلَّق به النهيُ أو
الانتهاءُ عن مطلق المنكر باعتبار تحقُّقه في ضِمْنٍ أيِّ فردٍ كان من أفراده، على أنه
لو جُعل المضيُّ في ((فعلوه)) بالنسبة إلى زمن الخطاب لا زمانِ النهي لم يبق في
الآية إشكالٌ.
ولمَّا غفل بعضُهم عن ذلك قال: إنَّ الآية مشكلةٌ لما فيها من ذِّ القوم بعدم
النهي عما وقع مع أنَّ النهي لا يتصوَّرُ فيه أصلاً، وإنما يكون عن الشيء قبل
وقوعه، فلا بد من تأويلها بأنَّ المراد النهيُ عن العود إليه، وهذا إما بتقدير مضافٍ
قبل ((منكر))، أي: معاودةٍ منكر، أو بفَهْم من السياق، أو بأنَّ المراد: فعلوا مثله.
أو بحمل ((فعلوه)) على: أرادوا فِعْلَه، كما في قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرَْنَ
فَأَسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨].
واعتُرض الأول بأنَّ المعاودة كالنهي لا تتعلَّق بالمنكر المفعول، فلا بد من
المصير إلى أحد الأمرين الأخيرين، وفيهما من التعسُّف ما لا يخفى.
وقيل: إنَّ الإشكال إنما يتوجَّه لو لم يكن الكلام على حدٍّ قولنا: كانوا لا ينهون
يوم الخميس عن منكرٍ فعلوه يومَ الجمعة مثلاً، فإنه لاخفاءَ في صحته، وليس في
الكلام ما يأباه، فليحمل على نحو ذلك.
تقبيحٌ لسوء فِعْلِهم وتعجيبٌ
٧٩
وقوله سبحانه: ﴿لَبِتْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
منه، والقسمُ لتأكيد التعجيب، أو للفعل المتعجّب منه. وفي هذه الآية زجرٌ شديدٌ
لمن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أخرج أحمد والترمذي وحسَّنه
عن حذيفة بن اليمان، أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((والذي نفسي بيده لتأمُرُنَّ بالمعروفِ
ولَنْهَوُنَّ عن المنكَرِ، أو ليُؤْشِكَنَّ اللهُ تعالى أنْ يبعثَ عليكم عقاباً من عنده ثم لتَدْعُنَّه
فلا يَسْتَجیبُ لكم»(١) .
وأخرج أحمد عن عدي بن عميرة، قال: سمعتُ رسول الله وَّ: ((إنَّ الله تعالى
(١) مسند أحمد (٢٣٣٠١)، وسنن الترمذي (٢١٦٩).

سُورَةُ القَائِدَة
٣٦٠
الآية : ٨٠
لا يعذِّب العامَّةَ بعملِ الخاصَّةِ حتى يَرَوا المنكرَ بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن
ينكروه، فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك عذَّب الله تعالى الخاصةَ والعامَّة))(١).
وأخرج الخطيب من طريق أبي سلمة، عن أبيه، عن النبيِّ وَلي أنه قال: ((والذي
نفسُ محمدٍ بيده ليخرجَنَّ من أمتي أناسٌ من قبورهم في صورة القردة والخنازير
بما داهنوا أهلَ المعاصي وكفُّوا عن نهيهم وهم يستطيعون»(٢).
والأحاديثُ في هذا الباب كثيرةٌ، وفيها ترهيبٌ عظيم، فيا حسرةً على المسلمين
في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير، وقلَّةِ عبئهم به.
﴿َتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ خطابٌ للنبيِّ وَّهِ، أو لكلِّ مَن
تَصِحُّ منه الرؤية، وهي هنا بَصَرِيةٌ، والجملةُ الفعلية بعدها في موضع الحال من
مفعولها لكونه موصوفاً، وضمير ((منهم)) لأهل الكتاب، أو لبني إسرائيل، واستظهره
في ((البحر))(٣).
والمراد من الكثير: كعب بن الأشرف وأصحابُه، ومن ((الذين كفروا)): مشركو
مكة، وقد روي أنَّ جماعةً من اليهود خرجوا إلى مكة ليتَّفقوا مع مشركيها على
محاربة النبيِّ وَّرِ والمؤمنين، فلم يتمَّ لهم ذلك.
وروي عن الباقر ﴿ه أنَّ المراد من ((الذين كفروا)) الملوكُ الجبَّارون، أي:
ترى كثيراً منهم - وهم علماؤهم - يوالون الجبارين ويزيّنون لهم أهواءهم ليصيبوا من
دنياهم(٤). وهذا في غاية البُعد، ولعل نسبته إلى الباقر تُه غيرُ صحيحة.
وروي عن ابن عباس ﴿ والحسن ومجاهدٍ: أنَّ المراد من الكثير: منافقو
اليهود، ومن ((الذين كفروا)) مجاهروهم. وقيل: المشركون.
﴿لَيْسَ مَا قَدَمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: لبئس شيئاً فعلوه في الدنيا ليَرِدُوا على جزائه
(١) مسند أحمد (١٧٧٢٠).
(٢) أخرجه الخطيب في رواة مالك، كما في الدر المنثور ٣٠٢/٢، وإسناده مظلم كما ذكر
الذهبي في الميزان ١٥٩/١، ترجمة أحمد بن مهران الهمداني.
(٣) ٥٤١/٣ .
(٤) مجمع البيان ٦/ ١٧١ .