النص المفهرس

صفحات 321-340

الآية : ٦٧
٣٢١
سُورَةُ القَائِدَة
وأخرج عن زينب بنت كعب - وكانت عند أبي سعيد الخدريِّ - عن أبي سعيد
قال: اشتكى الناسُ عليًّا كرم الله تعالى وجهه، فقام رسول الله وَل﴿ فينا خطيباً،
فسمعتُه يقول: ((أيها الناس لا تَشْكُوا عليًّا، فواللهِ إنه لأَخْشَنُ في ذات الله تعالى،
أو في سبيل الله تعالى))(١). ورواه الإمام أحمد(٢).
ورَوَى أيضاً عن ابن عباس ﴿ها عن بُرَيْدةَ الأسلميِّ قال: غزوتُ مع عليٍّ
اليمنَ، فرأيتُ منه جَفْوةً، فلمَّا قَدِمْتُ على رسول اللهِوَِّ ذكرتُ عليًّا [فتَنَّقَّصْتُه]
فرأيتُ وجهَ رسول الله وَّه قد تغيَّر، فقال: (([يا] بريدة، ألستُ أَوْلَى بالمؤمنين من
أنفسهم))؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: ((مَن كنتُ مولاه فعليٍّ مولاه))(٣). وكذا
رواه النَّسائيُّ بإسنادٍ جيدٍ قويٍّ رجالُه كلُّهم ثقاتٌ(٤).
ورَوَى بإسنادٍ آخَرَ تفرَّد به - وقال الذهبيُّ: إنه صحيحٌ - عن زيد بن أرقم قال:
لمَّا رجع رسولُ اللهِ وَلّهِ من حجة الوداع ونزل غديرَ ثُمٍّ، أَمَر بدوحاتٍ فَقُمِمْنَ، ثم
قال: ((كأنِّي قد دُعيتُ فَأَجَبْتُ، إِنِّي قد تركتُ فيكم الثقلين: كتابَ اللهِ تعالى وعترتي
أهلَ بيتي، فانظروا كيف تَخْلُفوني فيهما، فإنهما لم يفترقا حتى يَردًا عليَّ
الحوض، اللهُ تعالى مولاي وأنا وليُّ كلِّ مؤمنٍ)) ثم أخذ بيد عليٍّ كرَّم الله تعالى
وجهه، فقال: ((مَن كنتُ مولاه فهذا وليُّه، اللهمَّ والِ مَن والاه وعادٍ مَن عاداه))
فما كان في الدوحات أحدٌ إلَّا رآه بعينه وسمعه بأذنيه(٥) .
(١) السيرة النبوية لابن هشام ٦٠٣/٢، والبداية والنهاية ٦٦٧/٧، وزاد ابن هشام في آخره:
((مِن أن يُشْگی)).
(٢) مسند أحمد (١١٨١٧)، وفيه: أُخَيْشِن، بدل: أخشن. قال السندي كما في حاشية المسند:
أخيشن تصغير الخشن، أي: فيه خشونة في الله، لا يراعي فيه أحداً، وهذا لا يوجب الشكاية منه.
(٣) مسند أحمد (٢٢٩٤٥)، والبداية والنهاية ٧/ ٦٦٧، وما بين حاصرتين منهما.
(٤) البداية والنهاية ٦/ ٦٦٧-٦٦٨، وهو في السنن الكبرى للنسائي (٨٠٨٩).
(٥) السنن الكبرى للنسائي (٨٠٩٢)، والكلام من البداية والنهاية ٦٦٨/٦. قوله: فقممن، أي:
كُنِسْنَ. اللسان (قمم). والحديث من طريق حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل عن زيد بن
أرقم، وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه؛ فإن حبيب بن أبي ثابت قال ابن المديني عنه: لقي ابن
عباس وسمع من عائشة، ولم يسمع من غيرهما من الصحابة. اهـ. إلا أن الحديث صحيح
بشواهده دون قوله: ((فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)»، وينظر حاشية الحديث
(١١١٠٤) في مسند أحمد.

سُورَةُ القَائِدَة
٣٢٢
الآية : ٦٧
ورَوَى ابن جرير عن علي بن زيد وأبي هارون العبديٌّ(١) وموسى بن عثمان(٢)
عن البراء قال: كنَّا مع رسول الله وَّه في حجة الوداع، فلما أتينا على غديرِ خُمِّ
كُسِحَ(٣) لرسول الله وَّهِ تحت شجرتين، ونودي في الناس: الصلاةُ جامعة، ودعا
رسول الله وَ﴿ عليًّا كرم الله تعالى وجهه وأخذ بيده وأقامه عن يمينه، فقال: ((ألستُ
أَوْلَى بكلِّ امرئ من نفسه))؟ قالوا: بلى. قال: ((فإنَّ هذا مَوْلَى مَن أنا مولاه، اللهمَّ
والٍ مَن والاه وعادٍ مَن عاداه» فلقيه عمر بن الخطاب ظُه فقال: هنيئاً لك،
أصبحتَ وأمسيتَ مولى كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ. وهذا ضعيفٌ؛ فقد نصُّوا أنَّ عليَّ بن زيد
وأبا هارون وموسى ضعفاءُ لا يُعتَمَدُ على روايتهم (٤). وفي السند أيضاً أبو إسحاق،
وهو شيعيٌّ مردودُ الرواية(٥) .
وروى ضمرةُ بإسناده عن أبي هريرة ظُه قال: لما أخذ رسول اللهِوَِّ يدَ عليّ
كرم الله تعالى وجهه قال: ((مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه)) فأنزل الله تعالى: (الْيَوْمَ
أَكَمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) ثم قال أبو هريرة: وهو يوم غديرٍ خُمِّ، ومَن صام يوم ثماني
عَشْرَةَ من ذي الحجة كَتَبَ الله له صيامَ سِّين شهراً(٦). وهو حديثٌ مُنْكَرٌ جدًّا،
(١) في الأصل و(م): العبيدي، والصواب ماأثبتناه، واسمه: عمارة بن جوين، وقال عنه
الحافظ في التقريب: متروك، ومنهم من كذبه.
(٢) الحضرمي، قال ابن عدي: حديثه ليس بالمحفوظ، وقال أبو حاتم: متروك.
(٣) أي: كنس. القاموس (كسح).
(٤) البداية والنهاية ٧/ ٦٧٠، وله عند ابن جرير طريقان كما ذكر ابن كثير، الأول: من طريق
علي بن زيد بن جدعان وأبي هارون، عن عدي بن ثابت، عن البراء، وكذا أخرجه أبو يعلى
- كما ذكر ابن كثير - وابن عساكر في تاريخه ٢٢٠/٤٢-٢٢٢، وأخرجه أيضاً أحمد
(١٨٤٧٩) ولم يذكر في إسناده أبا هارون. أما الثاني: فهو من طريق موسى بن عثمان
الحضرمي، عن أبي أسحاق السبيعي عن البراء وزيد بن أرقم، وكذا أخرجه ابن عساكر
٢٢٣/٤٢، وسيشير إليه المصنف لاحقاً.
(٥) كذا قال، وأبو إسحاق المذكور في هذا الإسناد هو السبيعي كما صرح بذلك ابن كثير، وهو
ثقة وقد روى له الجماعة، وينظر التهذيب ٢٨٥/٣.
(٦) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٢٨٩/٨، وابن الجوزي في العلل (٣٥٦) من طريق
ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة،
به. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يجوز الاحتجاج به.

الآية : ٦٧
٣٢٣
سُورَةٌ للقائِدَة
ونصَّ في ((البداية والنهاية)) على أنه موضوع(١).
وقد اعتنى بحديث الغدير أبو جعفر بنُ جرير الطبريُّ، فجمع فيه مجلَّدين أورد
فيهما سائرَ طرقه وألفاظه، وساق الغثَّ والسَّمين، والصحيحَ والسقيم، على
ما جرت به عادةُ كثيرٍ من المحدِّثين؛ فإنهم يوردون ما وقع لهم في الباب من غير
تمييزٍ بين صحيحٍ وضعيف. وكذلك الحافظُ الكبير أبو القاسم ابن عساكر أورد
أحاديث كثيرةً في هذه الخطبة(٢). والمعوَّلُ علیه فيها ما أَشَرْنا إليه ونحوه مما ليس
فيه خبرُ الاستخلاف كما يزعمه الشيعة.
وعن الذهبيِّ أنَّ: ((مَن كنتُ مولاه فعليٍّ مولاه)) متواترٌ يُتْيَقَّنُ أنَّ رسول الله ◌َّل قاله،
وأما: ((اللهمَّ والٍ مَن والاه» فزيادةٌ قويةُ الإسناد، وأما صيامُ ثماني عَشْرةَ ذي الحجّة
فليس بصحيح، ولا والله [ما] نزلت تلك الآيةُ إلا يومَ عرفةَ قبلَ غدير خُمٍّ بأيام(٣).
والشيخان لم يرويا خبر الغدير في صحيحيهما لعدم وجدانهما له على
شرطهما، وزعمت الشيعة أنَّ ذلك لقصورٍ وعصبية فيهما، وحاشاهما من ذلك.
ووجهُ استدلال الشيعة بخبرٍ: ((مَن كنتُ مولاه فعليٍّ مولاه)) أنَّ المولى بمعنى:
الأَوْلَى بالتصرُّف، وأولويةُ التصرُّفِ عينُ الإمامة.
ولا يخفى أنَّ أول الغلط في هذا الاستدلال جَعْلُهم المولى بمعنى الأَوْلَى، وقد
أنكر ذلك أهلُ العربية قاطبةً، بل قالوا: لم يَجِئْ مَفْعَلٌ بمعنى أَفْعَلَ أصلاً، ولم
يجوِّز ذلك إلا أبو زيد اللغويُّ متمسِّكاً بقول أبي عبيدة في تفسير قوله تعالى: ﴿هِىَ
مَوْلَئِكُمْ﴾ [الحديد: ١٥] أي: أَوْلَى بكم(٤). ورُدَّ بأنه يلزمُ عليه صحةُ: فلانٌ مَوْلَى مِن
فلانٍ، كما يصحُّ: فلانٌ أَوْلَى مِن فلانٍ، واللازمُ باطلٌ إجماعاً فالملزومُ مثلُه،
وتفسيرُ أبي عبيدة بيانٌ لحاصلِ المعنى، يعني: النارُ مقرُّكم ومصيرُكم والموضعُ
اللائق بكم، وليس نصًّا في أنَّ لفظَ المولى ثَمةَ بمعنى الأَولى.
(١) البداية والنهاية ٧/ ٦٨٠.
(٢) البداية والنهاية ٦٦٦/٧، وينظر تاريخ ابن عساكر ٢٢٠/٤٢ وما بعدها.
(٣) البداية والنهاية ٧/ ٦٨١، وما بين حاصرتين منه.
(٤) مجاز القرآن ٢/ ٢٥٤.

سُورَةُ القَائِدَة
٣٢٤
الآية : ٦٧
والثاني: أنَّا لو سلَّمنا أنَّ المولى بمعنى الأَوْلَى، لا يلزم أن يكون صلتُه:
بالتصرُّف، بل يحتمل أن يكون المراد: أَوْلَى بالمحبة، وأَوْلَى بالتعظيم، ونحوَ
ذلك. وكم قد جاء الأَوْلى في كلام لا يصحُّ معه تقديرُ التصرُّف، كقوله تعالى:
﴿إِنَّ أَوْلَ النَّاسِ بِإَِّهِيمَ لَلَّذِينَ أَثَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨].
على أنَّ لنا قرينتين على أنَّ المراد من الولاية من لفظ المولى أو الأَوْلى:
المحبة :
إحداهما: ما رويناه عن محمد بن إسحاق في شكوى الذين كانوا مع الأمير
كرم الله تعالى وجهه في اليمن، كبريدة الأسلميّ وخالد بن الوليد وغيرهما، ولم
يمنع ◌َّهِ الشاكِينَ بخصوصهم؛ مبالغةً في طلب موالاته، وتلظُّفاً في الدعوة إليها،
كما هو الغالبُ في شأنه ◌َّ في مثل ذلك، وللتلظُف المذكور افتتح الخطبة وَّلـ
بقوله: ((ألستُ أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم)).
وثانيهما: قولُه عليه الصلاة والسلام على ما في بعض الروايات: ((اللهمَّ والٍ
مَن والاهُ وعادِ مَن عاداه)» فإنه لو كان المرادُ من المولى: المتصرِّفَ في الأمور،
أو: الأولى بالتصرُّف، لقال عليه الصلاة والسلام: اللهم والٍ مَن كان في تصرُّفه
وعادٍ مَن لم يكن كذلك، فحيث ذكر ◌ّ﴿ المحبة والعداوة، فقد نبّه على أن
المقصود إيجابُ محبَّته كرم الله تعالى وجهه، والتحذيرُ عن عداوته ویُغْضِه،
لا التصرُّفُ وعدمُه، ولو كان المراد الخلافةَ لصرَّح ◌َِّ بها .
ويدلُّ لذلك ما رواه أبو نعيم عن الحسن المثنَّ بنِ الحسن السبط ﴿ها، أنهم
سألوه عن هذا الخبر: هل هو نصّ على خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه؟ فقال:
لو كان النبيُّ وَلو أراد خلافته لقال: أيها الناس، هذا وليُّ أمري والقائمُ عليكم
بعدي، فاسمعوا وأطيعوا. ثم قال الحسن: أُقسم بالله سبحانه أنَّ الله تعالى
ورسولَه وَ﴾ لو آثرا عليًّا لأَجْلِ هذا الأمر، ولم يُقْدِمْ عليٍّ كرم الله تعالی وجهه
عليه، لكان أعظمَ الناس خطأً(١).
(١) عزاه لأبي نعيم ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة ١١٩/١، وأخرجه أيضاً ابن سعد
٣٢٠/٥، والخلال في السنة ص ٤٦٥، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٢٨٠٣).

الآية : ٦٧
٣٢٥
سُورَةُ القَائِدَة
وأيضاً ربما يستدلُّ على أنَّ المراد بالولاية المحبةُ بأنه لم يقع التقييدُ بلفظٍ:
بعدي، والظاهرُ حينئذٍ اجتماعُ الولايتين في زمانٍ واحد، ولا يتصوَّرُ الاجتماعُ على
تقديرٍ أنْ يكون المراد أولويةَ التصرُّف، بخلاف ما إذا كان المراد المحبة.
وتمسّك الشيعة في إثبات أنَّ المراد بالمولى: الأَوْلَى بالتصرُّف، باللفظ الواقع
في صدر الخبر على إحدى الروايات، وهو قولُهُ وَّهِ: ((ألستُ أولى بالمؤمنين من
أنفسهم» .
ونحن نقول: المرادُ من هذا أيضاً: الأَوْلى بالمحبة، يعني: ألستُ أولى
بالمؤمنين من أنفسهم بالمحبة، بل قد يقال: الأَوْلَى هاهنا مشتقٌّ من الولاية بمعنى
المحبة، والمعنى: ألستُ أحبُّ إلى المؤمنين من أنفسهم؟ ليحصُلَ تلاؤمُ أجزاء
الكلام، ويحسُنَ الانتظام، ويكون حاصلُ المعنى هكذا: يا معشر المؤمنين، إنكم
تحبُّني أكثرَ من أنفسكم، فَمَنْ يُحبُّنِي يحبُّ علياً، اللهمَّ أحبَّ مَن أحبَّه وعادِ مَن
عاداه.
ويرشد إلى أنه ليس المراد بالأَوْلى في تلك الجملة: الأَوْلى بالتصرُّف، أنها
مأخوذةٌ من قوله تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى ◌ِلْمُؤْمِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَهُ، أُمَّهَهُمُّ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ
بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِتَبِ اللّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] وهو مسوقٌ لنفي نسب الأدعياء
ممن يتبنَّوْنَهم، وبيانُه أنَّ زيد بن حارثة لا ينبغي أن يقال: إنه ابن محمد وَّه؛ لأنَّ
نِسْبةَ النبيِّ وَّهِ إلى جميع المؤمنين كالأب الشفيق بل أَزْيَدُ، وأزواجُه عليه السلام
أمهاتُهم، والأقرباء في النسب أحقُّ وأولى من غيرهم، وإن كانت الشفقة والتعظيم
للأجانب أَزْيَدَ لكنَّ مدار النسب على القرابة وهي مفقودة في الأدعياء، لا على
الشفقة والتعظيم. وهذا ما ((في كتاب الله))، أي: في حُكْمِه، ولا دَخْلَ لمعنى
الأَوْلَى بالتصرُّف في المقصود أصلاً .
فالمراد فيما نحن فيه هو المعنى الذي أُريد في المأخوذ منه، ولو فرضنا كونَ
الأَوْلَى في صدر الخبر بمعنى: الأَوْلَى بالتصرُّف، فيحتمل أن يكون ذلك لتنبيه
المخاطبين بذلك الخطاب ليتوجَّهوا إلى سماع كلامه وَّ كمالَ التوجُّه، ويلتفتوا إليه
غايةَ الالتفات، فيقرِّر ما فيه من الإرشاد أتمَّ تقرُّرٍ، وذلك كما يقول الرجل لأبنائه في
مقام الوعظ والنصيحة: ألستُ أباكم؟ وإذا اعترفوا بذلك يأمرهم بما قصده منهم
:

سُورَةٌ للَائِدَةِ
٣٢٦
الآية : ٦٧
ليقبلوا بحكم الأبوَّة والنبوَّة، ويعملوا على طبقهما، فقوله عليه الصلاة والسلام في
هذا المقام: ((ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم))؟ مثل: ألستُ رسولَ الله تعالى
إليكم؟ أو: أَلَسْتُ نبيّكم؟ ولا يمكن إجراءُ مثلٍ ذلك فيما بعده تحصيلاً للمناسبة.
ومن الشيعة مَن أورد دليلاً على نفي معنَى المحبةِ، وهو أنَّ محبة الأمير كرم الله
تعالى وجهه أمرٌ ثابتٌ في ضِمْنٍ آية ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ﴾(١)
[التوبة: ٧١] فلو أفاد هذا الحديثُ ذلك المعنى أيضاً كان لغواً.
ولا يخفى فسادُه، ومنشؤه أنَّ المستدلَّ لم يفهم أنَّ إيجاب محبةِ أحدٍ في ضِمْنٍ
العموم شيءٌ، وإيجابَ محبته بالخصوص شيءٌ آخَرُ، والفرقُ بينهما مثلُ الشمس
ظاهرٌ، ومما يزيد ذلك ظهوراً أنه لو آمن شخصٌ بجميع أنبياء الله تعالى ورسله
عليهم الصلاة والسلام، ولم يتعرَّض لنبينا محمدٍ بَّه بخصوصه بالذكر لم يكن
إيمانُه معتبراً .
وأيضاً لو فرضنا اتحادَ مضمونِ الآية والخبر، لا يلزمُ اللغوُ، بل غايةٌ ما يلزمُ
التقريرُ والتأكيدُ، وذلك وظيفةُ النبيِّ وََّ، فقد كان عليه الصلاة والسلام كثيراً
ما يؤكّد مضامين القرآن ويقرِّرُها، بل القرآنُ نفسُه قد تكرَّرتْ فيه المضامين لذلك،
ولم يقل أحدٌ إنَّ ذلك من اللغو، والعياذ بالله تعالى.
وأيضاً التنصيصُ على إمامة الأمير كرَّم الله تعالى وجهه تكرَّر مراراً عند الشيعة،
فيلزمُ على تقدير صحة ذلك القول اللَّغْوِ(٢)، ويجلُّ كلامُ الشارع عنه.
ثم إنَّ ما أشار إليه الحميريُّ في قصيدته التي أسرف فيها، من أنَّ الصحابة
بهذه الهيئة الاجتماعية جاؤوا النبيَّ وَّهِ وطلبوا منه تعيينَ الإمام بعده، مما لم يذكره
المؤرِّخون وأهلُ السير من الفريقين فيما أعلم، بل(٣) هو محضُ زورٍ وبهتانٍ نعوذٌ
بالله تعالی منه.
ومَن وقف على تلك القصيدةِ الشنيعة بأسرها وما يرويه الشيعةُ فيها، وكان له
(١) في الأصل: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولى ببعض في كتاب الله.
(٢) في (م): اللغوي.
(٣) قوله: بل، ليس في الأصل.

الآية : ٦٧
٣٢٧
سُورَةُ للائِدَة
أدنى خبرةٍ، رَأَى العَجَبَ العُجَابَ، وتحقَّق أنَّ قعاقعَ القوم كصريرِ بابٍ، أو كطنینِ
ذُبابٍ.
ثم إنَّ الأخبار الواردة من طريقٍ أهل السنَّةِ، الدالَّةَ على أنَّ هذه الآية نزلت في
عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه - على تقديرِ صحتها وكونها بمرتبةٍ يُستدلُّ بها - ليس فيها
أكثرُ من الدلالة على فَضْلِه كرم الله تعالى وجهه، وأنه وليُّ المؤمنين بالمعنى الذي
قرَّرناه، ونحن لا نُنْكِرُ ذلك، وملعونٌ مَن ینکره، وكذا ما أخرجه ابن مردويه عن
ابن مسعود ﴾(١) ليس فيه أكثرُ من ذلك، والتنصيصُ عليه كرم الله تعالى وجهه
بالذكر لِمَا قدَّمنا.
وقال بعض أصحابنا على سبيل التنزّل: إنَّ الآية على خبرِ ابن مسعود، وكذا
خبر الغدير - على الرواية المشهورة - على تقدير دلالتهما على أنَّ المراد: الأَوْلَى
بالتصرُّف، لا بد أن يقيَّدا بما يدلُّ على ذلك في المآل، وحينئذٍ فمرحباً بالوفاق؛
لأنَّ أهل السنَّة قائلون بذلك حين إمامته، ووَجْهُ (٢) تخصيصٍ الأمير كرم الله تعالى
وجهَه حينئذٍ بالذكر ما عَلِمَه عليه الصلاة والسلام بالوحي من وقوع الفساد والبغي
في زمن خلافته، وإنكارٍ بعض الناس لإمامته الحقَّة، وكونُ ذلك بعد الوفاة من غير
فصلٍ مما لا دليل عليه، والخبرُ المصدّر بـ ((كأنَّي قد دُعيتُ فأجبتُ))(٣) ليس نصًّا في
المقصود كما لا يخفى.
ومما يُبْعِدُ دعوى الشيعةِ من أنَّ الآية نزلت في خصوص خلافة عليٍّ كرم الله
تعالى وجهه، وأنَّ الموصول فيها خاصٌّ، قولُه تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسُِ﴾
فإنَّ ((الناس)) فيه وإن كان عامًّا إلَّا أنَّ المراد بهم الكفار، ويهديك إليه: (إِنَّ اللَّهَ لَا
يَهْدِى أَلْقَوْمَ الْكَفِينَ) فإنه في موضع التعليل لعصمته عليه الصلاة والسلام، وفيه إقامةٌ
الظاهر مقامَ المُضْمَرِ، أي: لأنَّ الله تعالى لا يهديهم إلى أمنيتهم فيك، ومتى كان
المراد بهم الكفارَ بعد إرادة الخلافة؟!
بل لو قيل: لم تصحَّ، لم يَبْعُدْ؛ لأنَّ التخوُّفَ الذي تزعمه الشيعة منه وَّـ
(١) سلف ص ٣١٩ من هذا الجزء.
(٢) في (م): ووجهه، وهو تصحيف.
(٣) سلف ص ٣٢١ من هذا الجزء.

سُورَّةُ القَائِدَة
٣٢٨
الآية : ٦٧
- وحاشاه - في تبليغ أمر الخلافة، إنما هو من الصحابة ﴿ه، حيث إنَّ فيهم -
معاذ الله تعالى - مَن يطمع فيها لنفسه، ومتى رأى حِرْمانَه منها لم يَبْعُدْ منه قَصْدُ
الإضرار برسول الله يتملتر .
والتزامُ القول - والعياذُ بالله عز وجل - بكُفْرٍ مَن عرَّضوا بنسبة الطمع في
الخلافة إليه مما يلزمه محاذيرُ كلِّيّةٌ، أهونُها تفسيقُ الأمير كرم الله تعالى وجهه وهو
هو، أو نسبةُ الجبنِ إليه وهو أسدُ الله الغالبُ، أو الحكم عليه بالتقية، وهو الذي
لا تأخذه في الله تعالى لومةُ لائم، ولا يخشى إلا الله سبحانه، أو نسبةُ فعلِ
الرسول ◌َّه ـ بل الأمرِ الإلهيِّ - إلى العبث، والكلُّ كما ترى.
لا يقال: إنَّ عندنا أمرين يدلَّان على أنَّ المراد بالموصول الخلافةُ:
أحدهما: أنه سي كان مأموراً بأبلغ عبارةٍ بتبليغ الأحكام الشرعية التي يؤمر
بها، حيث قال سبحانه مخاطباً له عليه الصلاة والسلام: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضِ عَنِ
اَلْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] فلو لم يكن المرادُ هنا فرداً هو أهم الأفراد وأعظمُها شأناً .
وليس ذلك إلا الخلافةَ إذ بها ينتظم أمرُ الدين والدنيا - لخلا الكلام عن الفائدة.
وثانيهما: أنَّ ابن إسحاق ذكر في سيرته أنَّ رسول الله وَ لل خطب الناس في
حجة الوداع خطبته التي بيَّن فيها ما بيَّن، فَحمِدَ الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال:
((أيها الناس اسمعوا قولي فإنّ لا أدري لعلِّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف
أبداً، أيها الناس إنَّ دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ إلى أنْ تَلَقَوا ربَّكم كحُرْمةِ
يومِكم هذا، وكحرمةٍ شهركم هذا، وإنكم ستَلْقَوْن ربَّكم فيسألكم عن أعمالكم،
وقد بلَّغتُ)) ثم أوصى وَله بالنساء، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((فاعْقِلوا قولي
فإِنِّي قد بلَّغتُ، وقد تركتُ فيكم ما إنْ اعتصمتُم به فلن تضلُّوا أبداً: كتابَ الله تعالى
وسنَّةً نبيِّهِ وَ ﴿)) إلى أن قال - بأبي هو وأميِّوَلـ: ((اللهم هل بلغتُ))؟ قال ابن
إسحاق: فذُكر لي أنَّ الناس قالوا: اللهمَّ نَعَم. فقال رسول الله وَّى: «اللهمَّ
اشْهَدْ»(١) انتھی.
(١) سيرة ابن هشام ٦٠٣/٢-٦٠٤، وأخرجه محمد بن نصر المروزي في السنة (٦٨)،
وهو بنحوه في صحيح مسلم (١٢١٨) ضمن حديث جابر الطويل في الحج.

الآية : ٦٧
٣٢٩
سُورَةُ القَائِدَة
فإنَّ هذه الرواية ظاهرةٌ في أنَّ الخطبة كانت يومَ عرفةَ يومَ الحجِّ الأكبر، كما في
رواية يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير(١)، ويومُ الغدير كان اليومَ الثامن عَشَر من
ذي الحجة بعد أن فرغ ◌َ ل من شأن المناسك وتوجَّه إلى المدينة المنوَّرة، وحينئذٍ
يكون المأمورُ بتبليغه أمراً آخَرَ غيرَ مابلَّغِهِوَ﴿ قبلُ وشَهِد الناسُ على تبليغه،
وأَشْهَدَ الله تعالى على ذلك، وليس هذا إلا الخلافةَ الكبرى والإمامةَ العظمى،
فكأنه سبحانه يقول: يا أيها الرسول بلِّغ كونَ عليّ (كرم الله وجهه) خليفتَك وقائماً
مقامك بعدك، وإنْ لم تفعل فما بلَّغتَ رسالته وإِنْ قال لك الناسُ حين قلتَ: ((اللهم
هل بلغت)»؟: اللهمَّ نَعَم.
لأنَّا نقول(٢): إنَّ الشرطية في الأمر الأول - بعد غَمْضٍ العين عمَّا فيه -
ممنوعةٌ؛ لجوازٍ أنْ يراد بالموصول في الآيتين الأحكامُ الشرعيةُ المتعلّقةُ بمصالح
العباد في معاشهم ومعادهم، ولا يلزمُ الخلوُّ عن الفائدة؛ إذ كم آيةٍ تكرَّرتْ في
القرآن، وأمرٍ ونهي ذُكر مراراً للتأكيد والتقرير، على أنَّ بعضهم ذكر أنَّ فائدة الأمر
هنا إزالةُ توهُّم أنَّ النبيَّ وَلِ تَرَكَ أو يتركُ تبليغَ شيءٍ من الوحي تقِيَّةً.
ويَرِدُ على الأمر الثاني أمران:
الأول: أنَّ كون يوم الغدير بعد يوم عرفة مسلَّمٌ، لكن لا نسلم أنَّ الآية نزلتْ
فيه ليكون المأمورُ بتبليغه أمراً آخر، بل الذي يقتضيه ظاهرُ الخطبة، وقولُ النبيِّ وَله
فيها: «اللهمَّ هل بلَّغْتُ))؟ أنَّ الآية نزلت قبل يومي الغدير وعرفةً، وما ورد في غير
ما أثرٍ من أنَّ سورة المائدة نزلت بين مكة والمدينة في حجة الوداع (٣)، لا يصلحُ
دليلاً للبَعْديةِ ولا للقَبْلية؛ إذ ليس فيه ذكرُ الإياب ولا الذهاب، وظاهرُ حاله وَّهِ فِي
تلك الحجة - من إراءة المناسك، ووَضْعِ الربا ودماءِ الجاهلية، وغيرِ ذلك مما يطولُ
ذكره، وقد ذكره أهلُ السير(٤) - يرشد إلى أنَّ النزول كان في الذهاب.
(١) ذكرها ابن هشام في السيرة ٢/ ٦٠٥ عن ابن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير
عن أبيه عباد، وورد ذلك أيضاً ضمن حديث جابر الطويل في الحج عند مسلم (١٢١٨).
(٢) قوله: لأنا نقول، متعلق بقوله: لا يقال إن عندنا أمرين.
(٣) ينظر ما سلف في بداية تفسير هذه السورة.
(٤) ورد ذلك في حديث جابر الطويل في الحج عند مسلم (١٢١٨).

سُورَةُ القَائِدَة
٣٣٠
الآية : ٦٧
والثاني: أنَّا لو سلَّمنا كونَ النزول يومَ الغدير، فلا نسلِّم أنَّ المأمور بتبليغه أمرٌ
آخر، وغايةُ ما يلزم حينئذٍ لزومُ التكرار، وقد علمتَ فائدته وكثرةً وقوعه.
وسلَّمنا أنَّ المأمور بتبليغه أمرٌ آخر، لكنَّا لا نسلِّم أنه ليس إلا الخلافةَ، وكم
قد بلَّغ ﴿ بعد ذلك غيرَ ذلك من الآيات المُنزَلةِ عليه عليه الصلاة والسلام.
والذي يُفْهَمُ من بعض الروايات أنَّ هذه الآية قبل حجة الوداع، فقد أخرج ابن
مردويه والضياءُ في ((مختاره)) عن ابن عباس قال: سُئل رسول الله وَله: أيُّ آيَةٍ
أُنزلتْ من السماء أشدُّ عليك؟ فقال: ((كنتُ بمنّى أيامَ موسم، واجتمع مشركو
العرب وأفناءُ الناس في الموسم، فأُنزل عليَّ جبريلُ عليه السلام فقال: (بَأَيّها
الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن زَّيَِّكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) الآية)) قال: ((فقمتُ
عند العقبة فناديتُ: يا أيها الناس، مَن ينصُرني على أن أبلِّغ رسالات ربِّي ولكم
الجنة، أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله وأنا رسول الله إليكم تُفْلِحوا وتَنْجَحوا ولكم
الجنة)) قال عليه الصلاة والسلام: ((فما بقي رجلٌ ولا امرأةٌ ولا أَمَةٌ ولا صبيٍّ
إلا يرمون عليَّ بالتراب والحجارة، ويقولون: كذّابٌ صابئ، فعَرَضَ عليَّ عارِضٌ
فقال: يا محمد، إنْ كنتَ رسول الله فقد آن لك أنْ تدعوَ عليهم كما دعا نوحٌ على
قومه بالهلاك)) فقال النبي ◌َّجر: ((اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، وانصرني عليهم
أنْ يُجيبوني إلى طاعتك)) فجاء العباس عمُّه فأنقذه منهم وطردهم عنه.
قال الأعمش: فبذلك تفتخرُ بنو العباس، ويقولون: فيهم نزلت ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى
مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] هوي النبيُّ ◌َِّ أبا طالب،
وشاء الله تعالى عباس بنَ عبد المطلب(١).
وأَصْرَحُ من هذا ما أخرجه أبو الشيخ وأبو نعيم في ((الدلائل)) وابن مردويه وابن
عساكر عن ابن عباس ﴿يا قال: كان النبيُّ ◌َّ﴿ يُحَرَسُ، وكان يُرسِلُ معه عمُّه أبو طالب
كلَّ يومٍ رجالاً من بني هاشم يحرسونه، حتى نزلت: (وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِّ) فأراد
عمُّه أَنّ يرسل معه مَن يحرسُه: فقال: ((يا عَمّ، إنَّ الله عز وجل قد عَصَمني))(٢)
(١) الأحاديث المختارة ١٣/١٠، والدر المنثور ٢٩٨/٢ وعنه نقل المصنف.
(٢) تاريخ ابن عساكر ٣٢٤/٦٦، والدر المنثور ٢٩٨/٢، وعنه نقل المصنف، وأخرجه أيضاً
الطبراني في الكبير (١١٦٦٣)، وابن عدي في الكامل ٢٤٨٨/٧. قال الهيثمي في مجمع

الآية : ٦٧
٣٣١
سُورَةُ القَائِدَةِ
فإِنَّ أبا طالب مات قبل الهجرة، وحِجَّةُ الوداع بعدها بكثير، والظاهرُ اتِّصالُ الآية.
وعن بعضهم أنَّ الآية نزلت ليلاً بناءً على ما أخرج عبد بن حميد والترمذيُّ
والبيهقيُّ وغيرُهم عن عائشة رضي ◌ُّا قالت: كان النبيُّ وَّه يُحرْسُ حتى نزلت: (وَاَللَّهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسُِّ) فأخرج رأسه من القبة فقال: ((أيها الناسُ، انْصَرِفوا فقد
عَصَمني الله))(١).
ولا يخْفَى أنه ليس بنصٍّ في المقصود. والذي أميلُ إليه جمعاً بين الأخبار أنَّ
هذه الآية مما تكرَّر نزوله، والله تعالى أعلم.
والمرادُ بالعصمة من الناس: حفظُ روحِه عليه الصلاة والسلام من القتل
والإهلاك، فلا يَرِدُ أنه بَّهِ شُجَّ وجهُه الشريفُ وكُسِرتْ رباعيتُه يومَ أحدٍ.
ومنهم مَن ذهب إلى العموم وادَّعى أنَّ الآية إنما نزلت بعد أُحُد.
واستشكل الأمران بأنَّ اليهود سَمُّوه عليه الصلاة والسلام حتى قال: ((لا زالتْ
◌ُكلُ خيبرَ تُعاوِدُنِي وهذا أوانُ قَطَعتْ أبهري))(٢).
وأجيبَ بأنه سبحانه وتعالى ضَمِنَ له العصمةَ من القتل ونحوِه بسبب تبليغ
الوحي، وأمَّا ما فُعل به ◌َّهُ وبالأنبياء عليهم السلام فللذَّبِّ عن الأموال والبلاد
والأنفس، ولا يَخْفَى بعدُه.
وقال الراغب: عصمةُ الأنبياء عليهم السلام حِفْظُهم بما خُصُّوا به من صفاء
الجوهر، ثم بما أَوْلاهُم من الأخلاق والفضائل، ثم بالنصرة وتثبيتٍ أقدامهم، ثم
= الزوائد ٧/ ١٧: فيه النضر بن عبد الرحمن وهو ضعيف. وقال ابن كثير عند تفسير هذه
الآية: حديث غريب، والصحيح أن هذه الآية مدنية.
(١) سنن الترمذي (٣٠٤٦)، وسنن البيهقي الكبرى ٨/٩، وهو من طريق سعيد الجريري عن
عبد الله بن شقيق، عن عائشة. قال الترمذي: هذا حديث غريب، وروى بعضهم هذا الحديث
عن الجريري عن عبد الله بن شقيق قال: كان النبي وَط* يحرس، ولم يذكروا فيه عائشة.
(٢) أخرجه بنحوه البخاري (٤٤٢٨) من حديث عائشة ﴿يا. قوله: ((أكلة)) بضم الهمزة، أي:
اللقمة التي أكل من الشاة، وفتح الألف خطأ لأنه لم يأكل إلا لقمة واحدة. النهاية (أكل).
وفي المعجم الوسيط: الأبهران: الوريدان يحملان الدم من جميع أوردة الجسم إلى الأذين
الأيمن من القلب.

سُورَةُ القَائِدَة
٣٣٢
الآية : ٦٨
بإنزال السكينة عليهم ويحفظ قلوبهم وبالتوفيق(١).
وقيل: المراد بالعصمة: الحفظُ من صُدور الذنب، والمعنى: بلِّغ والله تعالى
يمنحك الحفظَ من صدور الذنب من بين الناس، أي: يعصمُك بسبب ذلك دونهم.
ولا يَخْفَى أنَّ هذا توجيهٌ لم يَصْدُر إلا ممن لم يَعْصِمْه الله تعالى من الخطأ .
ومثلُه ما نُقل عن علي بن عيسى في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ
﴾ حيث قال: لا يهديهم بالمعونة والتوفيق والألطاف إلى الكفر، بل
٦٧
اُلْكَفِرِينَ
إنما يهديهم إلى الإيمان، وزَعَم أنَّ الذي دعاه إلى هذا التفسير أنَّ الله تعالى هدى
الكفار إلى الإيمان بأنْ دلَّهم عليه ورغَّبهم فيه وحذَّرهم من خِلَافِه. وأنت قد علمتَ
المراد بالآية، على أنَّ في كلامه ما لا يخفى من النظر.
وقال الجبائيُّ: المراد: لا يهديهم إلى الجنة والثواب. وفيه غفلةٌ عن كون
الجملة في موضع التعليل.
وزَعَم بعضُهم أنَّ المراد: إنَّ عليك البلاغَ لا الهدايةَ، فمَنْ قَضَيْتُ عليه بالكفر
والوفاةٍ(٢) عليه لا يهتدي أبداً. وهو كما ترى.
فليُفْهَم جميعُ ما ذكرناه في هذه الآية، وليُحْفَظُ فإنّي لا أظنُّ أنك تجدُه في كتاب.
وقرأ نافع وابنُ عامر وأبو بكر عن عاصم: ((رسالاته)) على الجمع(٣).
وإيرادُ الآية في تضاعيف الآية الواردة في أهل الكتاب؛ لما أنَّ الكلَّ قَوارِعُ
يسوءُ الكفارَ سماعُها، ويشقُّ على الرسول ◌َّهِ مُشافَهتُهم بها، وخصوصاً ما يتلوها
من النصِّ الناعي عليهم كمالَ ضلالهم، ولذلك أعيدَ الأمر فقال سبحانه:
﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ﴾ والمراد بهم اليهود والنصارى، كما قال بعض المفسِّرين.
وقال آخرون: المراد بهم اليهود؛ فقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وغيرُهما عن
اللّه قال: جاء رافع بن حارثة وسلام بن مشكِم ومالك بن الصَّيف
ابن عباس
ورافع بن حريملة فقالوا: يا محمد، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أنك على ملَّة إبراهيم ودينه، وتؤمنُ
(١) مفرادات الراغب (عصم).
(٢) في الأصل: والموافاة.
(٣) التيسير ص١٠٠، والنشر ٢٥٥/٢، وهي قراءة يعقوب وأبي جعفر من العشرة.

الآية : ٦٨
٣٣٣
سُورَةُ اللَائِدَة
بما عندنا من التوراة، وتشهدُ أنها من الله تعالى حقٌّ؟ فقال النبيُّ وَلّه: ((بلى،
ولكنكم أحدثتُم وجَحَدْتُم ما فيها مما أُخذ عليكم من الميثاق، وكتمتُم منها ما أُمرتم
أن تُبِّوه للناس، فبرئْتُ من إحداثكم)» قالوا: فإنَّا نأخذُ بما في أيدينا فإنَّا على الهدى
والحق، ولا نؤمنُ بك ولا نَّبعك. فأنزل الله تعالى فيهم: (قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ)(١).
﴿لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ﴾ أي: دينٍ يُعْتَدُّ به ويليقُ بأنْ يسمَّى شيئاً؛ لظهور بطلانه
ووضوح فساده، وفي هذا التعبير ما لا يخفى من التحقير، ومِن أمثالهم: أقلُّ مِن
(٢)
لا شيءَ (٢).
﴿حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ أي: تُراعوهما وتحافظوا على ما فيهما من
الأمور التي من جملتها دلائلُ رسالةِ النبيِّ وَّهِ، وشواهدُ نبوَّتِه، فإنَّ إقامتهما وتوفيةً
حقوقهما إنما تكون بذلك، لا بالعمل بجميع ما فيهما منسوخاً كان أو غيرَه، فإنَّ
مراعاةَ المنسوخ تعطيلٌ لهما وَرَدٌّ لشهادتهما.
﴿وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي: القرآنَ المجيدَ، وإقامتُه بالإيمان به، وقدِّمت
إقامةُ الكتابين على إقامته - مع أنها المقصودةُ بالذات - رعايةً لحقِّ الشهادة،
واستنزالاً لهم عن رتبة الشقاق.
وقيل: المراد بالموصول: كتبُ أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام.
وقيل: الكتبُ الإلهية، فإنها كلها ناطقةٌ بوجوب الإيمان بمَن ادَّعى النبوةَ
وأَظْهَرَ المعجزة، ووجوبٍ طاعةِ من بُعِثَ إليهم له.
وقد مرَّ تمامُ الكلام على مثل هذا النظم الكريم وكذا على قوله تعالى:
﴿وَلَيَزِيدَنَ كَثْرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَّكَ مِن رََّكَ مُفْيَنًا وَكُفْرَاْ﴾ والجملةُ مستأنفةٌ - كما قال شيخ
الإسلام - مُبيِّنَةٌ لشدة شكيمتهم وغلوّهم في المكابرة والعناد، وعدمٍ إفادة التبليغ
نفعاً، وتصديرُها بالقسم لتأكيد مضمونها وتحقيقه، ونسبةُ الإنزال إلى رسول الله وَله
- مع نسبته فيما مرَّ إليهم - للإنباء عن انسلاخهم عن تلك النسبة(٣).
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٧ - ٥٦٨، وتفسير الطبري ٥٧٣/٨.
(٢) جمهرة الأمثال ١١٥/٢، والمستقصى ٢٨٧/١.
(٣) تفسير أبي السعود ٦٢/٣.

سُورَةٌ للَائِدَة
٣٣٤
الآية : ٦٩
وإذا أريد بالموصول النعمُ التي أُعطيها نَّهِ فأمرُ النسبةِ ظاهرٌ جدًّا.
﴿فَلَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ (®﴾ أي: لا تَأْسَفْ ولا تَحْزَنْ عليهم لزيادة
طغيانهم وكفرهم، فإنَّ غائلة ذلك موصولةٌ بهم، وتَبِعتُه عائدةٌ إليهم، وفي المؤمنين
غنّى لك عنهم، ووضع المُظْهَر موضعَ المُضْمِر للتسجيل عليهم بالرسوخ في الكفر.
وقيل: المراد لا تحزن على هلاكهم وعذابهم، ووضع الظاهر موضع الضمير
للتنبيه على العلَّة الموجبة لعدم الأسى. ولا يخلو عن بعد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ للترغيب في الإيمان والعمل الصالح،
وقد تقدَّم في آية ((البقرة)) الاختلافُ في المراد من الذين آمنوا، والمرويُّ عن الثوريِّ
أنهم الذين آمنوا بألسنتهم، وهم المنافقون، وهو الذي اختاره الزجَّاج (١).
واختار القاضي(٢) أنَّ المراد بهم المتديِّنون بدينِ محمدٍ بَّه، مخلصين كانوا أو
منافقين. وقيل غير ذلك.
﴿وَاُلَّذِينَ هَادُواْ﴾ أي: دخلوافي اليهودية ﴿وَالصَِّئُونَ﴾ وهم كما قال حسن
جلبي(٣) وغيره: قومٌ خرجوا عن دين اليهود والنصارى وعبدوا الملائكة، وقد تقدم
الكلام على ذلك.
وفي ((حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة)»(٤) للجلال السيوطيّ ما لفظُه:
ذَكَر أئمةُ التاريخ أنَّ آدم عليه السلام أوصى لابنه شيث، وكان(٥) فيه وفي بَنِيهِ النبوّةُ
والدين، وأُنزل عليه تسعٌ وعشرون صحيفة، وأنه جاء إلى أرض مصر، وكانت
(١) في معاني القرآن ٢/ ١٩٤.
(٢) البيضاوي عند تفسير الآية (٦٢) من سورة البقرة.
(٣) ابن محمد شاه بن محمد بن حمزة، الرومي الحنفي، علامة محقق حسن التصنيف، له
حاشية على المطول للتفتازاني، وحاشية على حاشية الجرجاني على الكشاف، وحاشية على
شرح المواقف، توفي سنة (٨٨٦هـ). الضوء اللامع ١٢٧/٢، ونظم العقيان في أعيان
الأعيان للسيوطي ص ١٠٥، وكشف الظنون ١٤٧٩/٢. وكلامه هذا موجود في حاشيته على
المطول كما ذكر صاحب شذرات الذهب ٤٣٩/٤، وعنه نقل المصنف.
(٤) ٣٠/١، ونقله المصنف عن شذرات الذهب ٤٣٩/٤، وما سيأتي بين حاصرتين منهما.
(٥) في حسن المحاضرة: فكان.

الآية : ٦٩
٣٣٥
سُورَّةُ القَائِدَة
تدعی : بایلون(١)، فنزلها هو وأولادُ أخيه، فسکن شيئ فوق الجبل، وسكن أولاد
قابيل أسفل الوادي، واستخلف شيث ابنَه أنوش واستخلف أنوش ابنه قونان(٢)،
واستخلف قونان ابنه مهلائيل، واستخلف مهلائيل ابنَه يرْد، ودفع الوصية إليه
وعلَّمهِ جميع العلومِ وأخبره بما يحدثُ في العالم، ونَظَرَ في النجوم وفي الكتاب
الذي أُنزل على آدمَ عليه الصلاة والسلام، وولد ليرد أَخْنُوخ، وهو إدريس عليه
الصلاة والسلام، ويقال له: هرمس، وكان المَلِكُ في ذلك الوقت محويل بن
أَخْنُوخ بن قابيل، وتنبأ إدريس عليه السلام وهو ابنُ أربعين سنةً، وأراد به المَلِكُ
سوءاً، فعصمه الله تعالى وأنزل عليه ثلاثين صحيفةً، ودفع إليه أبوه وصيةَ جدِّه
والعلومَ التي عنده، وكان قد ولد بمصر وخرج منها، وطاف الأرض كلَّها، ورجع
فدعا الخلق إلى الله تعالى فأجابوه، حتى عمَّتْ مَّته الأرض، وكانت ملَّته الصابئةَ،
وهي توحيدُ الله تعالى، والطهارةُ، [والصلاة]، والصومُ، وغير ذلك من رسوم
التعبُّدات، وكان في رحلته إلى المشرق قد أطاعه جميعُ ملوكها، وابتنى مئةً وأربعين
مدينةً أصغرُها الرها، ثم عاد إلى مصر وأطاعه ملكها وآمن به. إلى آخر ما قاله،
ونقله عن التيفاشي (٣)، ويُفْهَمُ منه قولٌ في الصابئة غيرُ الأقوال المتقدِّمة.
وفي ((شذرات الذهب)) لعبد الحيِّ بن أحمد بن العماد الحنبلي في ترجمة
أبي إسحاق الصابئ ما نصُّه: والصابئُ بهمزٍ آخره، قيل: نسبة إلى صابئ بن
متوشلخ بن إدريس عليه السلام، وكان على الحنيفية الأولى. وقيل: الصابئ بن
ماوي، وكان في عصر الخليل عليه الصلاة والسلام. وقيل: الصابئ عند العرب مَن
خرج عن دين قومه(٤). انتهى.
(١) كذا نقل المصنف عن شذرات الذهب، وفي حسن المحاضرة: باب لون. وقال ياقوت في
معجم البلدان ٣١١/١: بابِلْيُون الباء الثانية مكسورة، واللام ساكنة، وياء مضمومة، وواو
ساكنة ونون، وهو اسمٌ عامٌّ لديار مصر بلغة القدماء.
(٢) في حسن المحاضرة: قينان، في الموضعين.
(٣) أحمد بن يوسف بن أبي بكر بن حمدون، شرف الدين القيسي التيفاشي، كان فاضلاً بارعاً،
له شعر حسن ونثر جيد، ومصنفات عديدة في فنون، توفي بالقاهرة سنة (٦٥١هـ). الديباج
المذهب ٢٤٨/١. والكلام منقول من كتابه سجع الهديل في أوصاف النيل، كما ذكر
السيوطي في بداية كلامه.
(٤) شذرات الذهب ٤٣٩/٤.

سُورَةُ القَائِدَة
٣٣٦
الآية : ٦٩
﴿وَالنَّصَرَى﴾ جمع نصران، وقد مرَّ تفصيلُه.
ورُفع ((الصابئون)) على الابتداء، وخبرُه محذوفٌ لدلالة خبرٍ ((إنَّ) عليه، والنيةُ
فيه التأخيرُ عما في خبر ((إنَّ)، والتقدير: إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى
حُكْمُهم كيت وكيت، والصابئون كذلك، بناء على أنَّ المحذوف في: إنَّ زيداً
وعمرو قائمٌ، خبرُ الثاني لا الأولِ كما هو مذهبُ بعض النحاة، واستُدلَّ عليه بقول
ضابئ بن الحارث البُرْجُميِّ:
فَمَنْ یَكُ أمسی بالمدینة رَحْلُه
فإِنِّي، وقيارٌ بها لغريبُ(١)
فإنَّ قوله: لغريب، خبرُ ((إنَّ) ولذا دخلت عليه اللام؛ لأنها تَدخُلُ على خبر
(إنَّ) لا على خبر المبتدأ إلَّا شذوذاً.
وقيل: إنَّ((غريب)) فيه خبرٌ عن الاسمين جميعاً، لأنَّ فعيلاً يستوي فيه الواحدُ
وغيرُه، نحو: ﴿وَالْمَلَكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وردَّه الخلخاليُّ بأنه لم يَرِدْ
للاثنين، وإنْ وَرَدَ للجَمْعِ. وأجاب عنه ابن هشام(٢) بأنهم قالوا في قوله تعالى:
﴿عَنِ اَلْيَمِينِ وَعَنِ الثَّالِ قَبِيدٌ﴾ [ق: ١٧]: إنَّ المراد: قعيدان، وهذا يدلُّ على إطلاقه على
الاثنين أيضاً، فالصوابُ منعُ هذا الوجه بأنه يَلْزمُ عليه تَوَارُدُ عاملينٍ على معمولٍ
واحد، ومثلُه لا يصحُّ على الأصحِّ، خلافاً للكوفيين.
وبقول بشر بن أبي خازم:
فأدُّوها وأسرى في الوَثاقِ
إذا جُزَّتْ نواصي آلٍ بدرٍ
بغاةٌ ما بقينا في شقاقٍ(٣)
وإلَّا فاعْلَموا أنَّا وأنتم
فإنَّ قوله: بغاة ما بقينا خبرُ ((إنَّ)، ولو كان خبرَ ((أنتم)) لقال: ما بقيتم، وبغاةٌ
جمعُ باغٍ بمعنى طالب. وقيل: إنه جمع باغٍ من البغي والتعدِّي، و((أنتم بغاة)) جملةٌ
معترضة؛ لأنه لا يقول في قومه إنهم بغاة، و ((ما بقينا في شقاق)) خبرُ ((أنَّ)، وحينئذٍ
(١) الكتاب ٧٥/١، والأصمعيات ص١٨٤، والخزانة ٣١٢/١٠، وسلف ص١٨٣ من هذا
الجزء. وقيار اسم فرسه أو جمله، وكان وطئ غلاماً فقتله، فحبس بسببه.
(٢) نقل المصنف قوله وقول الخلخالي عن حاشية الشهاب ٢٦٥/٣.
(٣) ديوان بشر ص ١٨٠، والكتاب ١٥٦/٢ .

الآية : ٦٩
٣٣٧
سُورَةُ القَائِدَة
لا يَضْلُحُ البيتُ شاهداً لِمَا ذُكر، لأنَّ ضمير المتكلِّم مع الغير في محلِّه.
وإنما وسِّطت الجملة هنا بين ((إنَّ) وخبرِها - مع اعتبارِ نيَّةِ التأخير ليَسْلَمَ الكلامُ
عن الفصل بين الاسم والخبر، وليُعْلَم أنَّ الخبر ماذا - دلالةٌ كما قيل على أنَّ
الصابئين مع ظهورٍ ضلالِهِم وَزَيْغِهم عن الأديان كلِّها، حيث قُبلتْ توبتُهم - إنْ صحَّ
منهم الإيمانُ والعمل الصالح - فغيرُهم أولى بذلك، ومن هنا قيل: إنَّ الجملة
كاعتراضٍ دُلَّ به على ما ذُكر، وإنما لم تُجعل اعتراضاً حقيقةً لأنها معطوفةٌ على
جملة «إن الذین)) وخبرها .
وأُورد عليه ما قاله ابن هشام: من أنَّ فيه تقديمَ الجملة المعطوفة على بعض
الجملة المعطوفِ عليها(١)، وإنما يتقدَّم المعطوفُ على المعطوفِ عليه في الشعر،
فكذا ينبغي أن يكون تقديمُه على بعض المعطوف عليه، بل هو أَوْلَى منه بالمنع.
وأمَّا ما أجاب به عنه: بأنَّ الواو واوُ الاستئناف التي تدخل على الجمل
المعترضة، كقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ﴾ إلخ [البقرة: ٢٤]،
وهذه الجملةُ معترضةٌ لا معطوفةٌ، فلا يتمشَى فيما نحن فيه؛ لأنه يفوّت نكتةَ التقديم
من تأخير التي أُشيرَ إليها؛ لأنها إذا كانت معترضة لا تكون مقدَّمةً من تأخيرٍ.
وبعضُ المحقِّقين صَرَفَ الخبر المذكور إلى قوله تعالى: (وَالصَِّئُونَ) وجَعَلَ خبر
(إنَّ)) محذوفاً، وهو القولُ الآخَرُ للنحاة في مثل هذا التركيب، وهو موافقٌ
للاستعمال أيضاً كما في قوله:
نحن بما عندنا وأنتَ بما عندك راضٍ والرأيُ مختلفُ(٢)
فإنَّ قوله: ((راضٍ)) خبرُ ((أنت))، وخبرُ ((نحن)) محذوفٌ، ورجّح بأنَّ الإلحاقَ
بالأقرب أقربُ، وبأنه خالٍ عما يلزمُ على التوجيه الأول. نعم غايةُ ما يَرِدُ عليه أنَّ
(١) المغني ص٦١٨، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ٢٦٥/٣.
(٢) نسبه سيبويه في الكتاب ٧٥/١ لقيس بن الخطيم، ونسبه صاحب جمهرة أشعار العرب
١١٣/١ و٦٧١/٢ لعمرو بن امرئ القيس، وهو ما رجحه البغدادي في الخزانة ٢٨٣/٤،
ونسبه أبو البركات ابن الأنباري في الإنصاف ٩٥/١ لدرهم بن زيد الأنصاري، وهو بلا نسبة
في معاني القرآن للفراء ٤٣٤/١، وللأخفش ٥٥٣/٢، وللزجاج ٤٤٥/٢، ومجاز القرآن
٢٥٨/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢١٢/٢.

سُورَةُ القَائِدَة
٣٣٨
الآية : ٦٩
الأکثر الحذفُ من الثاني لدلالة الأول(١)، وعکسُه قليلٌ لکنه جائز.
وعُورِضَ بأنَّ الكلام فيما نحن فيه مسوقٌ لبيان حالٍ أهل الكتاب، فصَرْفُ الخبر
إليهم أولى، وفي توسيط بيانِ حالِ الصابئين ما علمتَ من التأكيد، وأيضاً في صَرْفٍ
الخبر إلى الثاني فصلٌ للنصارى عن اليهود، وتفرقةٌ بين أهل الكتاب؛ لأنه حينئذٍ عطف
على قوله سبحانه: (وَالصَِّئُونَ) قطعاً، نعم لو صحَّ أنَّ المنافقين واليهود أَوْغَلُ
المعدودين في الضلال، والصابئين والنصارى أسهلُ، حَسُنَ تَعاطُّفُهما، وجَعْلُ
المذكور خبراً عنهما، وترك كلمة التحقيق المذكورة في الأوَّلَيْنِ دليلاً على هذا المعنى.
وقيل: إنَّ ((الصابئون)) عطفٌ على محلٌّ ((إنَّ) واسْمِها، وقد أجازه بعضهم مطلقاً،
وبعضُهم منعه مطلقاً، وفضَّل آخرون فقالوا: يمتنع قبل مضيّ الخبر ويجوزُ بعده.
وذهب الفرَّاء(٢) إلى أنه إنْ خفي إعرابُ الاسم جازَ لزوال الكراهة اللفظية
نحو: إنك وزيدٌ ذاهبان، وإلا امتنع.
والمانع عند الجمهور لزومُ توارُدِ عاملين، وهما ((إنَّ) والابتداءُ - أو المبتدأ .
على معمولٍ واحد وهو الخبر، ولهذا ضعَّفوا هذا القول في الآية، وبَنَوْه(٣) على
مذهب الكوفيين. وكونُ خبر المعطوف فيها محذوفاً - وحينئذٍ لا يلزمُ التوارُدُ - لیس
بشيءٍ؛ لأن الجملة حينئذٍ تكون معطوفةً على الجملة، ولم يكن ذلك من العطف
على المحلِّ في شيءٍ. ومَن قال: إنَّ خبر ((إنَّ) مرفوعٌ بما كان مرفوعاً به قبل
دخولها لم يلزم عليه حديثُ التوارُدِ.
ونُقل عن الكسائيِّ أنَّ العطف على الضمير في ((هادوا))، وخطَّأه الزجَّاجُ بأنه
لا يُعطَفُ على الضمير المرفوع المتَّصلِ من غير فَصْلٍ، وبأنه لو عُطِفَ على الفاعل
لكان التقدير: وَهَادَ الصابئون، فيقتضي أنهم هودٌ، وليس كذلك(٤). ولعل الكسائيَّ
يرى صحة العطف من غير فاصلٍ فلا يَرِدُ عليه الاعتراضُ الأول.
(١) بعدها في الأصل: عليه.
(٢) في معاني القرآن ٣١١/١.
(٣) في (م): وبنوا.
(٤) بنحوه في معاني القرآن للزجاج ١٩٤/٢، وإعراب القرآن للنحاس ٣٢/٢ نقلاً عن الزجاج،
وسقط الوجه الأول من معاني القرآن، وهو منعُ العطف على الضمير المتصل المرفوع من
غیر. فصل.

الآية : ٦٩
٣٣٩
سُورَةُ القَائِدَة
وقيل: ((إنَّ) بمعنى ((نعم)) الجوابية، ولا عَمَلَ لها حينئذٍ، فما بعدها مرفوعٌ
المحلِّ على الابتداء والمرفوعُ معطوفٌ عليه.
وضعَّفه أبو حيان بأنَّ ثبوت ((إنَّ) بمعنى ((نعم) فيه خلافٌ بين النحويين، وعلى
تقديرٍ ثبوته فيحتاج إلى شيء يتقدمها تكون تصديقاً له، ولا تجيء أول الكلام(١).
والجوابُ بأنَّ ثمةَ سؤالاً مقدراً، بعيدٌ ركيك.
وقيل: إنَّ الصابئين عطفٌ على الصلة بحذف الصدر، أي: الذين هم
الصابئون، ولا يخفى بعدُه، وإنْ عُدَّ أحسنَ الوجوه.
وقيل: إنه منصوب بفتحةٍ مقدَّرةٍ على الواو، والعطفُ حينئذٍ مما لا خفاء فيه.
واعتُرِضَ بأن لغة بلحارث وغيرهم - الذين جعلوا المثنَّى دائماً بالألف، نحو: رأيتُ
الزيدان، ومَرَرْتُ بالزيدان، وأعربوه بحركاتٍ مقدّرةٍ - إنما هي في المثنَّى خاصة،
ولم يُنْقَلْ نحوُ ذلك عنهم في الجمع، خلافاً لما تقتضيه عبارة أبي البقاء (٢)،
والمسألةُ مما لا يجري فيها القياسُ، فلا ينبغي تخريجُ القرآن العظيم على ذلك.
وقرأ أبيٍّ وكذا ابن كثير: ((والصابئين))(٣) وهو الظاهر. ((والصَّابِيون)) بقَلْبِ الهمزةِ
ياءً (٤) على خلاف القياس. ((والصَّابُونَ)) بحذفها(٥) من صبا بإبدال الهمزة ألفاً، فهو
كَرَامُونَ مِن رَمَی. وقرأ عبد الله: ((يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون))(٦).
وقولُه سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ ءَامَنَ بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ إمَّا في محلِّ
(1) والفاء
رفعٍ على أنه مبتدأُ خبرُه قولُه تعالى: ﴿فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
(١) البحر ٥٣١/٣.
(٢) في الإملاء ٤٤٦/٢، حيث قال: جاء على لغة بلحارث الذين يجعلون التثنية بالألف على
كل حال، والجمع بالواو على كل حال ...
(٣) المحتسب ٢١٧/١ عن عثمان وأبيٍّ وعائشة وغيرهم، ونسبها لابن كثير الزمخشري في
الكشاف ٦٣٣/١، وهذا غير مشهور عنه كما قال السمين في الدر المصون ٣٦٢/٤،
والقراءة المشهورة عنه بالواو.
(٤) المحتسب ٢١٦/١، والكشاف ٦٣٢/١ - ٦٣٣.
(٥) هي قراءة نافع وأبي جعفر. التيسير ص٧٤، والنشر ٢١٥/٢.
(٦) الكشاف ٦٣٣/١، والبحر ٥٣١/٣.

سُوَّةُ القَائِدَةِ
٣٤٠
الآية : ٧٠
لتضمُّن المبتدأ معنى الشَّرْطِ، وجمعُ الضمائر الأخيرة باعتبار معنى الموصول،
كما أنَّ إفراد ما في صلته باعتبارٍ لَفْظِه، والجملةُ خبرُ ((إنَّ) أو خبرُ المبتدأ، وعلى
كلٍّ لا بدَّ من تقدير العائد، أي: مَن آمن منهم.
وإما في محلِّ النصب على أنه بدلٌ من اسم ((إنَّ) وما ◌ُطفَ عليه، أو ما عُطف
عليه فقط، وهو بدلُ بعضٍ، ولا بدَّ فيه من الضمير كما تقرَّر في العربية فيقدَّر
أيضاً، وقوله تعالى: (فَلَ خَوْفُ) إلخ خبر، والفاءُ كما في قوله عز وجل: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ قَواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ لَوْ بَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنََّ﴾ الآية [البروج: ١٠].
والمعنى: كما قال غيرُ واحدٍ - على تقدير كون المراد بـ ((الذين آمنوا)): المؤمنين
بألسنتهم وهم المنافقونـ: مَن أَحْدَثَ من هؤلاء الطوائف إيماناً خالصاً بالمبدأ
والمَعادِ على الوجه اللائق، لا كما يزعمه أهل الكتاب فإنه بمعزلٍ عن ذلك، وعَمِلَ
عملاً صالحاً حَسْبَما يقتضيه الإيمان، فلا خوفٌ عليهم حين يَخافُ الكفارُ العقابَ،
ولا هم يحزنون حين يحزنُ المقصِّرون على تضييع العمر وتفويت الثواب. والمرادُ
بيانُ انتفاءِ الأمرين لا انتفاءِ دوامهما، على ما مرَّت الإشارة إليه غيرَ مرةٍ.
وأما على تقدير كون المراد بـ ((الذين آمنوا)): المتديِّنينَ بدين النبيِّ وَّ،
مخلصين كانوا أو منافقين، فالمراد بمن آمَنَ: مَن انَّصفَ منهم بالإيمان الخالص
بما ذكر على الإطلاق، سواء كان ذلك بطريق الثبات والدوام كما في المخلصين،
أو بطريق الإحداث والإنشاء كما هو حالُ مَن عَدَاهم من المنافقين وسائرٍ
الطوائف، وليس هناك الجمعُ بين الحقيقة والمجاز كما لا يخفى؛ لأنَّ الثباتَ على
الإيمان والإحداثَ فردان من مُظْلَقِ الإيمان، إلّا أنَّ في هذا الوجه ضمَّ المخلصين
إلى الكفرة، وفيه إخلالٌ بتكريمهم.
وربما يقال: إنَّ فائدة ذلك المبالغةُ في ترغيب الباقين في الإيمان، ببيانِ أنَّ
تأخّرَهم في الاتِّصاف به غيرُ مُخِلٌّ بكونهم أسوةً لأولئك الأقدمين الأعلام؛ وتمامُ
الكلام قد مرَّ في آية ((البقرة)) فليراجع.
﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَائِيلَ﴾ كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ لبيان بعضٍ آخَرَ من
جناياتهم المنادية باستبعاد الإيمان منهم، وجَعَلَه بعضُهم متعلّقاً بما افتتح الله تعالى
به السورة، وهو قولُه سبحانه: (أَوَفُواْ بِآلْعُقُودِّ)، ولا يخفى بعدُه.