النص المفهرس
صفحات 301-320
الآية : ٦٦ ٣٠١ سُورَّةُ القَائِدَة وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مالك بن دينارٍ أنه قال: جناتُ النعيم بين جناتٍ الفردوس وجناتٍ عَدْنٍ، وفيها جَوَارٍ خُلِقْنَ من وَرْدِ الجنة، قيل: فَمَن يسكنها؟ قال: الذين همُّوا بالمعاصي فلمَّا ذكروا عظمة الله تعالى شأنه راقبوه(١). ولا يخفى أنَّ مثلَ هذا لا يقال من قِبَلِ الرأي، والذي يقتضيه الظاهرُ أنْ يقال لسائر(٢) الجنات: جنات النعيم، وإن اختلفتْ مراتبُ النعيم فيها . ﴿وَلَوْ أَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَنَ وَاَلْإِنجِيلَ﴾ أي: وقَّوا حقَّهما بمراعاة ما فيهما من الأحكام، التي من جملتها شواهدُ نبؤَّتِهِ وَّ ومبشِّراتٌ بعثته، وليس المراد مراعاةَ جميع ما فيهما من الأحكام منسوخةً كانت أو غيرها، فإن ذلك ليس من الإقامة في شيءٍ. ﴿وَمَّا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن زَبِّهِمْ﴾ من القرآن المجيد المصدِّقِ لما بين يديه، كما روي عن ابن عباس ◌ًَّا، واختاره الجبائيُّ وغيره. وقيل: المراد بالموصول كتبُ أنبياءٍ بني إسرائيل، ككتاب شعيا، وكتاب حزقيل، وكتاب حبقوق، وكتاب دانيال، فإنها مملوءةٌ بالبشائر بمبعثه وَّة، واختاره أبو حيان(٣). ويجوز أن يراد به ما يعمُّ ذلك والقرآنَ العظيم، وإنزالُ الكتاب إلى أحدٍ مجرَّدٌ وصوله إليه وإيجابُ العمل به، وإن لم يكن الوحيُّ نازلاً عليه، والتعبيرُ عن القرآن بذلك العنوان للإيذان بوجوب إقامته عليهم لنزوله إليهم، وللتصريح ببطلان ما كانوا يدَّعونه من عدم نزوله إلى بني إسرائيل. وتقديمُ ((إليهم)) لِمَا مرَّ آنفاً. وفي إضافة الربِّ إلى ضميرهم مزيدُ لطفٍ بهم في الدعوة إلى الإقامة. ﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي: لأَعْطَتهم السماءُ مَطَرَها وبركتها، والأرضُ نباتَها وخيرَها، كما قال سبحانه: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَّكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد. وقيل: المراد: لانتفعوا بكثرة ثمارِ الأشجار وغلالِ الزروع. وقيل: بما يهدل (١) تفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١١٧٠، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ٢/ ٢٩٧. (٢) في الأصل: سائر. (٣) في البحر ٥٢٧/٣. سُوَّةُ القَائِدَة ٣٠٢ الآية : ٦٦ من الثمار من رؤوس الأشجار، وما يتساقط منها على الأرض. وقيل: بما يأتيهم من كبرائهم وملوكهم وما يعطيه لهم سفلتهم وعوامُّهم. وقيل: المراد المبالغةُ في شرح السَّعةِ والخِصْبٍ لا تعيينُ الجهتين، كأنه قيل: لأكلوا من كلِّ جهة، وجَعَلَه الطبرسيُّ نظيرَ قولك: فلانٌ في الخير من قَرْنِه إلى قدمه، أي: يأتيه الخير من كلِّ جهةٍ، يلتمسُه منها(١). والمراد بالأكل الانتفاعُ مطلقاً، وعبَّر عن ذلك به لكونه أعظمَ الانتفاعات ويَستتبعُ سائرَها، ومفعولُ ((أكلوا)) محذوف لقَصْدِ التعميم، أو للقَصْدِ إلى نفس الفعل، كما في قولك: فلانٌ يعطي ويمنع. و ((مِن)) في الموضعين لابتداء الغاية. وسنشير إن شاء الله تعالى في باب الإشارة إلى سرِّ ذِكْرِ الأرجل. وفي الشرطية الأولى ترغيبٌ بأمرٍ أخرويٍّ، وفي الثانية ترغيبٌ بأمرٍ دنيويٍّ، وتنبيهٌ على أنَّ ما أصاب أولئك الفَجَرةَ من الضَّنك والضِّيق إنما هو من شؤم جناياتهم، لا لقصورٍ في فيض الفياض. وتقديمُ الترغيب بالأمر الأخرويِّ لأنه أهمُّ؛ إذ به النجاةُ السَّرْمديةُ والنعيمُ المقيم. وخولفَ بين العبارتين؛ فقيل أولاً: ((آمنوا واتقوا))، وثانياً: أقاموا ذا وذا، سلوكاً لطريقِ البلاغة. قيل: ويُشْبِهُ أن يكون ما في الشرطية الثانية إشارةً إلى ما جرى على بني قريظة وبني النضير؛ من قَطْعِ نخيلهم، وإفسادٍ زروعهم، وإجلائهم عن أوطانهم، فكأنه قيل في حقّهم: ((لو أنهم أقاموا)) لأقاموا في ديارهم، وانتفعوا بنخيلهم وزروعهم، لكنهم قعدوا (٢) عن الإقامة فحُرِموا، وتاهوا في مَهَامِهِ الضَّنكِ إذ ظَلَموا. وفرَّق بعضهم بين الشرطيتين بأنَّ الأولى متحقِّقةُ اللزوم في أهل الكتاب إلى يوم القيامة؛ إذ لا شبهة في أنه إذا آمن كتابيٌّ واتَّقى كَفَّرَ الله تعالى عنه سيئاته وأدخله جلَّ شأنه في رحمته، سواءٌ في ذلك مُعاصِرُ النبيَِّ ﴿ وغيره، ولا كذلك الشرطيةُ (١) مجمع البيان ١٤٩/٦ . (٢) في (م): تعدوا، وهو تصحيف. الآية : ٦٦ ٣٠٣ سُوَرَّةُ القَائِدَة الثانية فإنَّ الظاهر اختصاصُ تحقَّقِ اللزوم في المُعاصِرِ إذ نرى كثيراً من أهل الكتاب اليوم بمعزل عن الإقامة المذكورة قد وُسِّعَ عليه أكثرُ مما وسِّع على كثيرٍ ممن أقام. ونَرى الكثيرَ أيضاً منهم يقيم التوراةَ والإنجيلَ وما أُنزل إليهم من ربِّهم، ويؤمنُ بالله تعالى ورسولِهِ وَير على الوجه اللائق، وهو في ضنكٍ من العيش قبلُ ولا يتغيّر حالُه، وربما كان في رفاهيةٍ حتى إذا أقام وقفتْ به سفينةُ العيشِ فوقع في حيصَ بیص. وجَعْلُها كالشرطية الأولى، وحَمْلُ التوسعةِ على ما هو أعمُّ؛ من التوسعةِ الصوريةِ الظاهرة والتوسعةِ المعنويةِ الباطنة(١)، كأنْ يرزقهم سبحانه القناعةَ والرضا بما في أيديهم فيكون عندهم كالكثير وإنْ كان قليلاً - لا أظنُّه يأخذُ محلًّا من فؤادك، ولا أحسبُه حاسماً لما يقال. والقولُ بأنَّها كالأولى، إلّا أنَّ الملازمةَ بين إقامتهم بأَسْرِهم ما تقدَّم وانتفاعِهم كذلك، أي: لو أنهم كلَّهم أقاموا التوراة إلخ، لأكلوا كلّهم من فوقهم إلخ، لا لو أقام بعضُهم = لا أراه إلَّا مُنْكَراً من القول وزوراً. وذكر بعضُ المحقّقين أنَّ بعضاً فسَّر قوله سبحانه: (لَأَكَلُوا) إلخ بقوله: لوسَّع عليهم الرزق، وفسَّر التوسعةَ بأوجُهِ ذكَرَها، ولم يجعله شاملاً لرزق الدارين، ولو حُمِلَ على الترقِّي، وتفصيلٍ ما أُجْمِلَ في الأول شرطاً وجزاءً، لکان وجهاً. انتھی. وبهذا الوجه أقولُ، وإليه أتوجَّهُ، وإنِّي أراه كالمتعيّن، إلّا أنَّ الشرطيتين عليه ليستا سواءً، والإشكالُ فيه باقٍ من وجهٍ، ولا مخلصَ عنه على ما أرى إلَّا بالذهاب إلى اختلاف الشرطيتين، ولعل النوبةَ تُفضي إنْ شاء الله تعالى إلى تحقيق ما يتعلَّق بهذا المقام، فتدبَّر. وَمِنْهُمْ أُنَّةٌ مُقْتَهِدَةٌ﴾ أي: طائفةٌ عادلةٌ غيرُ غاليةٍ ولا مقصِّرةٍ، كما روي عن الربيع. وهم الذين أسلموا منهم وتابعوا النبيَّ ◌َِّ، كما قال مجاهدٌ والسديُّ وابنُ (١) في (م): الباطنية، وهو تصحيف. سُورَةُ القَائِدَة ٣٠٤ التفسير الإشاري (٥٥ - ٦٦) زيد، واختاره الجبائيُّ. وأولئك كعبد الله بن سلام وأضرابه من اليهود، وثمانيةٍ وأربعين(١) من النصارى. وقيل: المراد بهم النجاشيُّ وأصحابه والجملةُ مستأنفةٌ مَبْنِيةٌ على سؤالٍ نشأ من مضمون الشرطيتين المصدَّرَتَينِ بحرف الامتناع، الدالَّتين على انتفاء الإيمان والاتِّقاء والإقامة المذكورات، كأنه قيل: هل كلُّهم مصرُّون(٢) على عدم الإيمان وأخويه؟ فقيل: ((منهم)) إلخ. وتفسيرُ الاقتصادِ بالتوسُّطِ في العداوة بعيدٌ. ﴿وَكَثِرٌ مِنْهُمْ﴾ وهم الأجلافُ المتعصِّبون؛ ككعب بن الأشرف وأشباهِه، والرومِ من العناد والمكابرة وتحريفِ الحقِّ والإعراض عنه. ٦٦ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ وقيل: من الإفراط في العداوة. و(كثيرٌ)) مبتدأ، و((منهم)) صفته، و((ساء)) كبئس للذم. وعن بعض النحاة أنَّ فيها معنى التعجُّبِ، كقَضُوَ زيدٌ، أي: ما أقضاه(٣)، فالمعنى هنا: ما أسوأ عملهم. وبعضهم يقول: هي لمجرَّد الذمِّ، والتعجُّبُ مأخوذٌ من المقام، وتمييزُها محذوفٌ، و((ما)) موصولةٌ فاعلٌ لها، أي: ساء عملاً الذي يعملونه، ويجوز أنْ تکون «ما)) نكرةً في موضع التمییز. والجملةُ الإنشائية خبرٌ للمبتدأ، والكلام في ذلك شهير. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ القَلَوَةَ﴾ أي صلاةَ الشهودِ والحضورِ الذاتيِّ ﴿وَيُؤْتُنَ الزَّكَوَةَ﴾ أي: زكاة وجودهم ﴿وَهُمْ رَكِعُونَ﴾ أي: خاضعون في البقاء بالله. والآيةُ عند معظم المحدِّثين نزلت في عليٍّ كرّم الله تعالى وجهه، والإمامیةُ (١) في الأصل و(م): وأربعون، والصواب ما أثبتناه، وينظر البحر ٣/ ٥٢٨. (٢) في (م): مصروف، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٣/ ٦٠، والكلام منه. (٣) ينظر الخصائص لابن جني ٣٤٨/٢. التفسير الإشاري (٥٥ - ٦٦) ٣٠٥ سُورَةُ القَائِدَة - كما علمتَ - يستدلَّون بها على خلافته بعد رسول الله وَّهِ بلا فَصْلٍ، وقد علمتَ منَّا ردَّهم والحمدُ لله سبحانه. وكلامُ كثيرٍ(١) من الصوفية قدَّس الله أسرارهم يشير إلى القول بخلافته - كرَّم الله تعالى وجهه - بعد الرسول عليه الصلاة والسلام بلا فَضْلٍ أيضاً، إلا أنَّ تلك الخلافة عندهم هي الخلافةُ الباطنةُ التي هي خلافةٌ الإرشاد والتربية والإمدادِ والتصرُّفِ الروحانيّ، لا الخلافةُ الصُّوريةُ التي هي عبارةٌ عن إقامة الحدود الظاهرة، وتجهيزِ الجيوش، والذبِّ عن بيضة الإسلام، ومحاربةٍ أعدائه بالسيف والسنان، فإنَّ تلك عندهم على الترتيب الذي وقع كما هو مذهبُ أهلِ السُّنة، والفرقُ عندهم بين الخلافتين كالفرق بين القشر واللُّبِّ، فالخلافةُ الباطنةُ لبُّ الخلافة الظاهرة، وبها يُذبُّ عن حقيقة الإسلام، وبالظاهرة يُذَبُّ عن صورته، وهي مرتبةُ القطب في كلِّ عصرٍ، وقد تجتمع مع الخلافة الظاهرة كما اجتمعت في عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أيام إمارته، وكما تجتمع في المهدي أيامَ ظهوره، وهي والنبوَّةُ رضيعا ثدي، وإلى ذلك الإشارةُ بما يَرْؤُونه عنه عليه الصلاة والسلام من قوله: ((خُلُقْتُ أنا وعليٍّ من نورٍ واحد))(٢)، وكانت هذه الخلافةُ فيه كرم الله تعالى وجهه على الوجه الأتم. ومن هنا كانت سلاسلُ أهلِ الله عز وجل منتهيةً إليه، إلَّا ما هو أعزُّ من بيض الأُنوق فإنه ينتهي إلى الصِّديق ظه، كسلسلةٍ ساداتنا النقشبندية نفعنا الله بعلومهم، ومع هذا تَرِدُ عليه كرم الله تعالى وجهه أيضاً . وبتقسيم الخلافة إلى هذين القسمين جمع بعضُ العارفين بين الأحاديث المُشْعِرَةِ أو المصرِّحةِ بخلافةِ الأئمة الثلاثة من بعد رسول الله وَله على الترتيب المعلوم، وبين الأحاديث المُشْعِرةِ أو المصرِّحةِ بخلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه بعده عليه الصلاة والسلام بلا فصلٍ، فَحمَلَ الأحاديثَ الواردةَ في خلافة الخلفاء الثلاثة على الخلافة الظاهرة، والأحاديثَ الواردة في خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه على الخلافة الباطنة، ولم يعطِّل شيئاً من الأخبار، وقال بحقيقة خلافة الأربعة رضي الله عنهم أجمعين. (١) قوله: وكلام کثیر، تحرف في (م) إلى: رد كلام وكثير. (٢) حديث موضوع، أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٤١٦) من حديث أبي ذر سُورَةُ القَائِدَةِ ٣٠٦ التفسير الإشاري (٥٥ - ٦٦) وأنت تعلم أنَّ هذا مُشْعِرٌ بأفضليةِ الأميرِ كرم الله تعالى وجهه على الخلفاء الثلاثة، وبعضُهم يصرِّح بذلك، ويقول بجواز خلافة المفضول خلافةً صورية مع وجودِ الفاضِلِ، لكن قد قدَّمنا(١) عن الشيخ الأكبر قدِّس سرُّه أنه قال: ليس بين رسولِ اللهِ وَّ﴾ وبين أبي بكر الصديق ◌َ﴿به رجلٌ، وليس مقصودُه سوى بيان المرتبةِ في الفضل، فافهم. ﴿وَمَن يَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ، وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فإنه من حِزْبِ الله تعالى، أي: أهلِ خاصَّتِه القائمين معه على شرائط الاستقامة ﴿فَإِنَّ حِّبَ اَللَِّ هُمُ الْغَلِبُونَ﴾ على أعدائهم الأنفسية والأفاقية، وقد صحَّ: ((ولا تَزَالُ طائفةٌ من أمَّتي قائمةً بأمر الله سبحانه لا يضرُّهم مَن خَذَلَهم حتى يأتي أمرُ الله تعالى وهم على ذلك))(٢). ﴿يَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِيَنَّكُمْ﴾ أي: حالَكم الذي أنتم عليه في السير والسلوك ﴿هُزُوًا وَلَعِبَأْ﴾ فطعنوا فيه ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وهم المقتصرون على الظاهر فقط كاليهود، أو على الباطن فقط كالنصارى ﴿وَالْكُنَّارَ﴾ الذين حَجَبوا بأنفسهم عن الحق ﴿أَوْلِيَّةٍ﴾ للمباينة في الأحوال ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ به عزَّ شأنه. ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ أي: الحضورِ في حضرة الربِّ ﴿أَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبََّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْءٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ الأسرارَ، ولم يفهموا ما في الصلاة من بلوغ الأوطار، فقد صحَّ: ((حُبِّبَ لي من دنياكم النساءُ والطيبُ، وجُعِلتْ قرَّةُ عيني في الصلاة))(٣). ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنْقِمُونَ﴾ وتُنْكرون ﴿مِنَّ إِلَّ أَنْ ءَامَنَّا بِلّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَاّ أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ فجمَعْنا بين الظاهر والباطن، وَطِرْنا بهذين الجناحين إلى الحضرة القدسية. ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ اُلْقِرَدَةَ وَالْخَزِيرَ﴾ أي: بدَّلنا صفاتهم بصفات هاتيك الحيوانات من (١) ٦/ ١٢٧. (٢) أخرجه أحمد (١٦٩٣٢)، والبخاري (٣٦٤١)، ومسلم (١٠٣٧): (١٧٤) كتاب الإمارة، من حديث معاوية ، وأخرجه أحمد (٢٢٣٩٥)، ومسلم (١٩٢٠): (١٧٠) من حديث ثوبان خ . (٣) أخرجه أحمد (١٢٢٩٣)، والنسائي ٧/ ٦١ - ٦٢ من حديث أنس التفسير الإشاري (٥٥ - ٦٦) ٣٠٧ سُورَةُ اللَائِدَة الحيل والحرص والشهوة وقلَّة الغيرة ﴿وَعَبَدَ الَّغُوتَ﴾ وهو كلُّ ما يطغى مما سوى الله تعالى، أي: أنهم انقادوا إليه وخضعوا له، ومن أولئك مَن هو عابدُ الدرهم والدينار ﴿أُوْلَكَ شَرِّ مَكَانًا﴾ لأنهم أبطلوا استعدادهم الفطريَّ وضلُّوا ضلالاً بعيداً. ﴿وَتَ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِىِ آلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ﴾ أي: يُقْدِمون بسرعةٍ على جميع الرذائل؛ لاعتيادهم لها وتدرُّبِهم فيها، وكونها مَلَكاتٍ لنفوسهم، فالإثم رذيلةُ القوة النُّطْقية، والعدوانُ رذيلةُ القوى الغَضَبية، وأكلُ السحت رذيلةُ القوى الشهوية . ﴿وَقَالَتِ الْهُودُ﴾ لحرمانهم من الأسرار التي لا يطَّلع عليها أهلُ الظاهر ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ تعالى عما يقولون ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ فلا يُفيضُ غيرَ ما نحن فيه من العلوم الظاهرة. ﴿ِ غُلَّتْ أَيَدِهِمْ﴾ وحُرِموا إلى يوم القيامة عن تناول ثمار أشجار الأسرار ﴿وَلُعِنُوا﴾ أي: أُبعدوا عن الحضرة الإلهية ﴿يَا قَالُوا﴾ من تلك الكلمة العظيمة ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ﴾ بهما ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ فيفيض حَسبَ الحكمة من أنواع العلوم الظاهرة والباطنة على مَن وجده أهلاً لذلك، وإلى الظاهر والباطن أشار ◌ّ ه بالليل والنهار فيما أخرجه البخاريُّ وغيره: ((يدُ الله مَلْأى لا يَغِيضُها، سخَاءُ الليلَ والنهار))(١). ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ اُلْكِتَبِ ءَامَنُوا﴾ الإيمانَ الحقيقيَّ ﴿وَأَتَّقَوْاْ﴾ شركَ أفعالِهم وصفاتهم وذواتهم، ولو أنهم آمنوا بالعلوم الظاهرة والَّقَوا الإنكار والاعتراض على مَن رَوَى مِن العلوم الباطنة، وسلَّموا لهم أحوالهم كما قيل: لأناسٍ رَأَوْه بالأبصــار وإذا لم تَرَ الھلالَ فسلِّم ﴿لَكَغْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ التي ارتكبوها ﴿وَلَأَدْخَلْنَهُمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ﴾ في مقابلةٍ إیمانهم واتقائهم. ﴿وَلَوْ أَنَهُمْ أَقَامُواْ النَّوْرَةَ﴾ بتحقَّقِ علوم الظاهر، والقيام بحقوق تجلِّيات الأفعال، (١) أخرجه البخاري (٤٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣): (٣٧) - واللفظ له - من حديث أبي هريرة صفه. قوله: لا يغيضها، أي: لا ينقصها، وفاعله مضمر تقديره: لا ينقصها شيء، وقد جاء هذا المضمر مظهراً في رواية مسلم (٩٩٣): (٣٦)، وجاء في رواية البخاري :... لا تغيضُها نفقة ... ، والسح: الصبُّ الكثير، والليل والنهار منصوبان على الظرف. المفهم شرح صحيح مسلم ٣٨/٣. سُورَةُ القَائِدَة ٣٠٨ التفسير الإشاري (٥٥ - ٦٦) والمحافظةِ على أحكامها في المعاملات ﴿وَالْإِنجِيلَ﴾ بتحقّق علوم الباطن، والقيام بحقوق تجلِّيات الصفات، والمحافظةِ على أحكامها في المكاشفات ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّنْ زَّيْهِمْ﴾ مِن عِلْم المبدأ والمَعَادِ، وتوحيد الملكِ والملكوتِ من عالَم الربوبية الذي هو عالَمُ الأَسماء ﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ﴾ أي: لرُزقوا من العالم الروحانيِّ العلومَ الإلهية، والحقائقَ العقلية، والمعارف الحقَّانية ﴿وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي: من العالم السفليِّ الجسمانيِّ العلومَ الطبيعية، والإدراكاتِ الحسِّية. وبالأول يهتدون إلى معرفة الله تعالى ومعرفةِ الملك والجبروت، وبالثاني يهتدون إلى معرفة عالَم الملك، فيعرفون الله تعالى إذا تمَّ لهم الأمران باسمه الباطن والظاهِر، بل بجميع الأسماء والصفات. وللطيبيِّ هنا كلامٌ طيِّبٌ يَضْلُحُ لهذا الباب، فإنه قال - بعد أنْ حَكَى عن البعض أنه قال في ((لأكلوا)) إلخ: أي: لوسَّع عليهم خيرَ الدارين -: وقلتُ: هذا في حقِّ مَن عدَّد سيئاتهم من أهل الكتاب إذا أقاموا مجرَّدَ حدود التوراة والإنجيل، فما ظنُّك بالعارف السالك إذا قمع هوى النفس، وانكمش من هذا العالَم إلى معالِمِ القدس معتصماً بحبل الله تعالى وسنَّةٍ حبيبه(١) وَّةِ؟ فإنَّه تعالى يُفيض على قلبه سجالَ فضائله، وسحائبَ بركاته، فتكمُنُ(٢) فيه كمونَ الأمطار في الأرض، فتَظْهَرُ ينابيعُ الحكمة من قلبه على لسانه. وفي تعليق الأكل من فوقٍ ومن تحت الأَرْجُلِ على الإقامة بما ذكر، واختصاصٍ ((مِن)) الابتدائية، ما يلوِّح إلى معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن عَمِلَ بما عَلِمَ وَرَّثَه الله تعالى علمَ ما لم يَعْلَمْ))(٣) لأنهم إذا أقاموا العمل بكتاب الله سبحانه استنزل ذلك من فوقهم البركات، فإذا استجدُّوا العمل لتلك البركات المنزلةِ، وقاموا عليها بثباتِ أقدامهم الراسخةِ، استنزل ذلك لهم من الله عز وجل (١) في الأصل: نبيه. (٢) في (م): فكمن. (٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٥/١٠ من حديث أنس. وذكر أبو نعيم أن بعضهم سمع الإمام أحمد يذكر هذا الكلام عن بعض التابعين عن عيسى بن مريم عليه السلام، فتوهم أنه ذكره عن النبي ◌َ ﴾، فوضع هذا الإسناد عليه لسهولته وقربه، وهو عن يزيد بن هارون عن حميد عن أنس. الآية : ٦٧ ٣٠٩ سُورَةُ القَائِدَة بركاتٍ هي أزكى من الأولى، فلا يزال العلمُ والعمل يتناوبان إلى أن ينتهيَ السالك إلى مقام القرب ومنازلِ العارفين. وفي ذكرِ الأرجُلِ إشارةٌ إلى حصول ثبات القدم ورسوخ العلم، وفي اقترانها مع ((تحت)) دلالةٌ على مزيد الثبات، وأنهم من الراسخين المقتبسين علومَهم من مشكاة النبوّة دون المتزلزلين الذين أخذوا علومهم من الأوهام، ولذا كتب بعض العارفين بهذه الآية إلى الإمام إرشاداً له إلى معرفة طريق أهل الله عزَّ شأنه. انتهى. وقد وجَّه بعضُ أهل العبارة ممن هو منِّي في موضع التاج من الرأس لازال باقياً ذِكْرَ الأرجُلِ هنا بأنه للإشارة إلى أنَّ المراد بقوله سبحانه: ﴿وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ الأمورُ السفلية الحاصلةُ بالسعي والاكتساب، كما أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ الأمورُ الحاصلةُ بمجرَّد الفيض، وحينئذٍ يَقْوَى الطباق بين المتعاطفين. ولعلك تستنبط مما ذكره الطيبيُّ غير هَذا الوجه مما يوافق أيضاً مَشْرَب أهل الظاهر، فتدبر. مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ قيل: عادلةٌ واصلةٌ إلى توحيد الأسماء والصفات ﴿وَكَثِرٌ مِنْهُمْ سَآءُ مَا يَعْمَلُونَ﴾ وهم المحجوبون بالكلِّيَّة، الذين لم يصِلُوا إلى توحيد الأفعال بعدُ فضلاً عن توحيد الصفات. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ إلى الثقلين كافةً، وهو نداءُ تشريفٍ لأنَّ الرسالة مِنَّةُ الله تعالى العظمى وكرامتُه الكبرى، وفي هذا العنوان إيذانٌ أيضاً بما يوجب الإتيان بما أُمر به ◌َّ من تبليغ ما أوحي إليه. أي: أَوْصِلْ إلى (١) الخلق ﴿مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: جميعَ ما أُنزل كائناً ما كان ﴿مِن رَّيَّةٌ﴾ أي: مالكِ أمرِكَ ومبلِّغِكَ إلى كمالك اللائقِ بك، وفيه عِدَةٌ ضمنيةٌ بحفظه عليه الصلاة والسلام وكلاءته، أي: بلِّغه (٢) غيرَ مراقبٍ في ذلك (١) قوله: إلى، ساقط من (م). (٢) في الأصل: بلغ. سُورَةُ القَائِدَة ٣١٠ الآية : ٦٧ أحداً، ولا خائفٍ أن ينالك مكروهٌ أبداً. ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ﴾ أي: ما أُمِرْتَ به مِن تبليغ الجميع ﴿فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ أي: فما أدَّيت شيئاً من رسالته؛ لِمَا أنَّ بعضَها ليس أَوْلَى بالأداء من بعضٍ، فإذا لم تؤدِّ بعضَها فكأنك أَغفلْتَ أداءها جميعاً، كما أنَّ مَن لم يؤمن ببعضها كان كَمَنْ لم يؤمن بكلِّها؛ لإذلاءِ كلِّ منها بما يُدْليه غيرُها، وكونِها لذلك في حكم شيءٍ واحد، والشيءُ الواحدُ لا يكون مُبلَّغاً غيرَ مبلَّغ، مؤمناً به غيرَ مؤمَنٍ به، ولأنَّ كتمانَ بعضِها يُضيِّعُ ما أدِّي منها، كترك بعضٍ أركان الصلاة، فإنَّ غرضَ الدعوة ینْتِقِضُ به. واعترض القولُ بنفي أولويةِ بعضِها من بعض بالأداء، بأنَّ الأولوية ثابتٌ باعتبارٍ الوجوب قطعاً وظنًّا، وجلاء وخفاءً، أصلاً وفرعاً. وأجاب في ((الكشف)) بأنه نفي الأولوية نظراً إلى أصل الوجوب، وأيضاً إنَّ ذلك راجعٌ إلى المبلَّغ، والكلامُ في التبليغ وهو غيرُ مختلفِ الوجوب؛ لأنه شيءٌ واحدٌ نظراً إلى ذاته، ثم كتمانُ البعضِ يدلُّ على أنه لم ينظر إلى أنه مأمورٌ بالتبليغ، بل إلى ما في المبلَّغ من المصلحة، فكأنه لم يمتثل هذا الأمر أصلاً فلم يبلِّغ، وإنْ أَعْلِمَ الناسَ لم ينفعه؛ لأنه مُخِرٌ إذ ذاك لا مبلِّغٌ. ونوقش في التعليل الثاني بأنَّ الصلاة اعتبرها الشارع أمراً واحداً بخلاف التبليغ، وهي مناقشةٌ غيرُ واردةٍ لأنه تعالى ألزمه عليه الصلاة والسلام تبليغَ الجميع، فقد جَعَلَها كالصلاة بلا ريب. ومما ذكرنا في تفسير الشرطية يُعلم أنْ لا اتِّحاد بين الشرط والجزاء، ومَن ادَّعاه بناءً على أنَّ المآلَ: إنْ لم تبلِّغ الرسالة لم تبلِّغ الرسالة، جَعَله نظيرَ: أنا أبو النجم وشعري شعري(١) حيث جَعَل فيه الخبر عينَ المبتدأ بلا مزيدٍ في اللفظ، وأراد: وشعري شعري المشهورُ بلاغتُه والمستفيضُ فصاحتُه، ولكنه أخبر بالسكوت عن هذه الصفات التي بها تحصلُ الفائدة أنها من لوازم شعره في أفهام الناس السامعين لاشتهارِه بها، وأنه (١) ديوان أبي النجم العجلي ص٩٩. الآية : ٦٧ ٣١١ سُورَةُ القَائِدَة غنيٌّ عن ذكرها لشهرتها وذياعها. وكذلك - كما قال ابن المنير(١) - أُريدَ في الآية؛ لأنَّ عدم تبليغ الرسالة أمرٌ معلومٌ عند الناس مستقرٌّ في الأفهام أنه عظيمٌ شنيعٌ ينعَى (٢) على مرتكبه، ألا ترى أنَّ عدم نشرِ العلم من العالِمِ أمرٌ فظيع؟ فكيف كتمانُ الرسالة من الرسول؟! فاستَغْنَى عن ذكر الزيادات التي يتفاوتُ بها الشرطُ والجزاء لِلُصوقِها بالجزاء في الأفهام، وأنَّ كلَّ مَن سمع عدمَ تبليغ الرسالة فَهِمَ ما وراءه من الوعيد والتهديد، وحَسُنَ هذا الأسلوبُ في الكتاب العزيز بذِكْرِ الشرط عامًّا حيث قال سبحانه: (وَإِن ◌َّ تَفْعَلْ) ولم يقل: وإنْ لم تبلِّغ الرسالة فما بلَّغتَ الرسالةَ؛ ليتغايرا لفظاً وإنِ اتَّحدا معنًى، وهذا أحسنُ رونقاً وأظهرُ طلاوةً من تكرار اللفظ الواحد في الشرط والجزاء، وهذه الذروةُ انحطّ عنها أبو النجم بذكر المبتدأ بلفظِ الخبر، وحقّ له أنْ تتضاءل فصاحتُه عند فصاحة المُعْجِزِ، فلا يُعابُ(٣) عليه في ذلك. وقيل: إنَّ المراد: فإنْ لم تفعل فلك ما يوجبُه كتمانُ الوحي كلِّه [من العقاب](٤)، فوضع السبب موضع المسبَّب، ويعضدُه ما أخرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) من حديث أبي هريرة ظه، وأخرجه أبو الشيخ ابن حَيَّان(٥) في تفسيره من مرسل الحسن، أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((بَعَثَني الله تعالى بالرسالة، فضِقْتُ بها ذرعاً، فَأَوْحَى اللهُ لي: إنْ لم تبلِّغ رسالاتي عذَّبْتُكَ، وضَمِنَ لي العصمة، فقَوِيْتُ))(٦). (١) في الانتصاف ٦٣١/١، وما قبله منه. (٢) في الانتصاف: ينقم. وفي اللسان (نعي): نعَى عليه الشيء: قبَّحه وعابه عليه ووبَّخه. (٣) في (م): معاب، والمثبت من الأصل والانتصاف. (٤) ما بين حاصرتين من الكشاف ١/ ٦٣٠، والكلام منه. (٥) في (م): وابن حبان، وفي الأصل: بن حبان، والصواب ما أثبتناه، وهو: عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان. (٦) مسند إسحاق بن راهويه ٤٠٢/١ (٤٤٣) من طريق كلثوم بن محمد بن أبي سدرة، عن عطاء الخراساني، عن أبي هريرة له، عن النبي ◌َّ، دون قوله: وضمن لي العصمة فقويت، ولفظ المصنف موافق لما في الكشاف ٦٣٠/١. وعطاء الخراساني لم يسمع من أبي هريرة، وكلثوم قال عنه أبو حاتم كما في الميزان ٤١٤/٣: يتكلمون فيه، وقال ابن عدي: يحدث عن عطاء الخراساني بمراسيل وعن غيره مما لا يتابع عليه. اهـ. وعطاء قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق يهم كثيراً ويرسل ويدلِّس. ومرسل الحسن عزاه لأبي الشيخ بنحوه السيوطي في الدر ٢٩٨/٢، وفيه بدل ((وضمن = سُورَةُ القَائِدَة ٣١٢ الآية : ٦٧ وقيل: إنَّ المراد: إنْ تركتَ تبليغ ما أُنزل إليك حُكِمَ عليك بأنك لم تبلّغ أصلاً . وقيل - وَلَيْتَه ما قيل -: المرادُ بـ ((ما أُنزل)) القرآنُ، وبما في الجواب بقيةُ المعجزات. وقيل غيرُ ذلك. واستُدلَّ بالآية على أنه وَّ﴿ لم يكتم شيئاً من الوحي، ونُسب إلى الشيعة أنهم يزعمون أنه عليه الصلاة والسلام كتم البعضَ تقيَّةً. وعن بعض الصوفية أنَّ المراد تبليغُ ما يتعلَّق به مصالحُ العباد من الأحكام، وقصد بإنزاله إطلاعهم عليه، وأمَّا ما خُصَّ به من الغيب ولم يتعلَّق به مصالحُ أمته فله - بل عليه - كتمانُه. ورَوَى السلميُّ عن جعفر ◌َبه في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِهِ مَآ أَوَى﴾ [النجم: ١٠] قال: أَوْحَى بلا واسطةٍ فيما بينه وبينه سرًّا إلى قلبه، ولا يَعْلَمُ به أحدٌ سواه إلا في العُقْبَى، حين يعطيه الشفاعةً لأمته. وقال الواسطيُّ: أَلْقَى إلى عَبْدِه ما أَلْقَى، ولم يُظهِرْ ما الذي أَوْحَى؛ لأنه خصَّه سبحانه به وطهر، وما كان مخصوصاً به عليه الصلاة والسلام كان مستوراً، وما بعثه الله تعالى به إلى الخلق كان ظاهراً. قال الطيبيُّ: وإلى هذا ينظرُ معنى ماروينا في صحيح البخاريِّ عن سعيد المَقْبُريِّ عن أبي هريرةَ رَ﴿به قال: حَفِظْتُ من رسول اللهَِلِ وعاءين: فأمَّا أحدُهما فبثَثْتُه، وأمَّا الآخَرُ فلو بثَثْتُه قُطِعَ منِّي هذا البُلْعومُ(١). أراد عنقه، وأصلُ معناه مجرى الطعام، وبذلك فسَّره البخاريُّ(٢). ويسمُّون ذلك علمَ الأسرار الإلهية وعلمَ الحقيقة، وإلى ذلك أشار رئيسُ العارفين عليٍّ زينُ العابدينَ حيث قال: إنِّي لأكثُم من علمي جواهِرَه كيلا يَرى الحقَّ ذو جهلٍ فيفئَتِنا = لي ... )): فأنزل: ﴿بَأَيَُّا الرَّسُولُ بَغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن زَبٌِّ﴾ وكذا ذكره الواحدي في أسباب النزول ص١٩٤ - ١٩٥. (١) صحيح البخاري (١٢٠). (٢) في رواية المستملي كما ذكر ابن حجر في الفتح ٢١٦/١. الآية : ٦٧ ٣١٣ سُورَةُ القَائِدَة إلى الحسين، وأَوْصَى قبله الحَسَنا وقد تقدَّم في هذا أبو حسنٍ لقيل لي أنت ممن يَعْبدُ الوثنا فرُبَّ جوهرٍ علمٍ لو أبوحُ به يَرَوْنَ أقبحَ ما يأتونه حسنا (١) ولَاسْتَحلَّ رجالٌ مسلمون دمي ومن ذلك علمُ وحدةِ الوجود، وقد نصُّوا على أنه طورُ ما وراءَ طورِ العقل، وقالوا: إنه مما تَعْلَمه الروح بدون واسطة العقل، ومن هنا قالوا بالعلم الباطن، على معنى أنه باطنٌ بالنسبة إلى أرباب الأفكار وذوي العقول المنغمسين في أوحال العوائق والعلائق، لا المتجرِّدين العارجين إلى خطائر القُدسِ ورياضِ الأنوار. وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعرانيُّ رَوَّحَ الله تعالى روحَه في كتابه («الدُّرَر المنثورة في بيان زُبَدِ العلومِ المشهورة))(٢) ما نصّه: وأمَّا زبدةُ عِلْمِ التصوُّفِ الذي وَضَعَ القومُ فيه رسائلهم فهو نتيجةُ العمل بالكتاب والسنَّةُ، فمَنَْ عَمِلَ بما عَلِمَ تكلُّم كما تكلَّموا، وصار جميعُ ما قالوه بعضَ ما عنده، لأنه كلَّما ترقَّی العبدُ في باب الأدب مع الله تعالى دقَّ كلامُه على الأفهام، حتى قال بعضُهم لشيخه: إنَّ كلام أخي فلانٍ يَدِقُّ عليَّ فهمه(٣)، فقال: إنَّلك قميصين وله قميصٌ واحد، فهو أعلى مرتبةً منك. وهذا هو الذي دعا الفقهاءَ ونحوهم من أهل الحجاب إلى تسمية علم الصوفية بعلم الباطن، وليس ذلك بباطنٍ؛ إذ الباطن إنما هو علمُ الله تعالى، وأمَّا جميعُ ما عَلِمَه الخَلْقُ على اختلاف طبقاتهم فهو من علم الظاهر لأنه ظهر للخلق، فاعلم ذلك. انتهى. وقد فَهِمَ بعضُهم كونَ المراد تبليغَ الأحكام وما يتعلَّق بها من المصالح دون ما يشملُ علمَ الأسرار من قوله سبحانه: (مَّ أُنزِلَ إِلَّكَ) دون: ما تعرفنا به إليك، وذَكَر أنَّ علم الأسرار لم يكن منزلاً بالوحي بل بطريق الإلهام والمكاشفة. وقيل: يُفهم ذلك من لفظ الرسالة؛ فإنَّ الرسالة ما يرسَلُ إلى الغير. وقد أطال بعضُ الصوفية قدس الله أسرارهم الكلام في هذا المقام. (١) طبقات الشافعية ٢٣١/٢، ونسبها الخطيب في تاريخه ٤٨٩/١٢ لكلثوم بن عمرو العتابي. (٢) ص٥٦. (٣) في (م): على فهمي. سُورَةُ للَائِدَة ٣١٤ الآية : ٦٧ والتحقيق عندي: أنَّ جميع ما عند النبيِّ وَّ ه من الأسرار الإلهية وغيرِها من الأحكام الشرعية قد اشتمل عليه القرآنُ المنزل، فقد قال سبحانه: ﴿وَزَّْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يِبْيَنًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِىِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال وَّه فيما أخرجه الترمذيُّ وغيره: ((ستكون فتنٌ)) قيل: وما المخرجُ منها؟ قال: ((كتابُ الله تعالى، فيه نبأ ما قبلَكم، وخبرُ ما بعدَكم وحكمُ ما فيكم))(١). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: أُنزل في هذا القرآن كلُّ علمٍ وبيِّن لنا فيه كلُّ شيءٍ، ولكنَّ عِلْمنا يَقْصُر عما بَيِّن لنا في القرآن(٢). وقال الشافعيُّ: جميعُ ما حَكّمَ به النبيُّ نَّهِ فهو مما فَهِمَه من القرآن. ويؤيِّد ذلك ما رواه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) من حديث عائشة ﴿ّ قالت: قال رسول الله وَله: ((إنِّي لا أُحِلُّ إلَّا ما أَحَلَّ الله تعالى في كتابه، ولا أحرِّمُ إلا ما حرَّم الله تعالى في كتابه))(٣). وقال المرسي(٤): جَمَعَ القرآنُ علومَ الأوَّلين والآخِرِين بحيث لم يُحِظْ بها علماً حقيقةً إلا المتكلّم به، ثم رسول الله وَّر خلا ما استأثر به سبحانه، ثم وَرِثَ عنه مُعْظَمَ ذلك ساداتُ الصحابة ظ﴿ه وأعلامُهم مثل الخلفاء الأربعة، ومثل ابن مسعود وابن عباس حتى قال: لو ضاع لي عقالُ بعيرٍ لوجدتُه في كتاب الله تعالى. ثم وَرِثَ عنهم التابعون بإحسان، ثم تقاصَرَتِ الهممُ، وفترت العزائم، وتضاءل أهل العلم، وضَعُفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائرٍ فنونه، فنوَّعوا علومَه، وقامت كلُّ طائفةٍ بفنٌّ من فنونه. وقال بعضُهم: ما من شيءٍ إلَّا يمكنُ استخراجُه من القرآن لمن فهَّمه الله (١) سنن الترمذي (٢٩٠٦) مطولاً من حديث عليٍّ ﴿ه. قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول. (٢) تفسير الطبري ٣٣٤/١٤، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٢٧/٤، وليس فيهما: ولكن علمنا ... (٣) المعجم الأوسط (٥٧٣٧). (٤) في تفسيره كما في الإتقان للسيوطي ١٠٢٧/٢ وعنه نقل المصنف، والمرسي هو محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل، أبو عبد الله، شرف الدين النحوي الأديب الزاهد، له: تفسير القرآن، والضوابط النحوية في علم العربية وغيرها، توفي سنة (٦٥٥هـ). طبقات المفسرين للداوودي ص ١٧٠ . الآية : ٦٧ ٣١٥ سُوَّةُ القَائِدَة تعالى، حتى إنَّ البعض استنبط عمر النبيِّ نَّهِ ثلاثاً وستين سنة من قوله سبحانه في سورة المنافقين: ﴿وَلَن يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَاْ﴾ [الآية: ١١] فإنَّها رأسُ ثلاثٍ وستِين سورةً، وعقَّبها بالتغابُن ليظهر التغابُن في فَقْدِه بنفس ذلك النبيِّ ◌َّ، وهذا مما لا یکاد ینتطح فیه کبشان. فإذا ثَبَتَ أنَّ جميع ذلك في القرآن، كان تبليغُ القرآن تبليغاً له، غايةُ ما في الباب أنَّ التوقيف على تفصيل ذلك سرًّا سرًّا وحُكْماً حُكْماً لم يثبت بصريح العبارة لكلِّ أحدٍ، وكم مِن سرِّ وحُكُمِ نَبَّهتْ عليهما الإشارةُ ولم تبيِنْهما العبارة. ومَن زَعَمَ أنَّ هناك أسراراً خارجةً عن كتاب الله تعالى تلقَّاها الصوفيةُ من ربِّهم بأيِّ وجهٍ كان، فقد أَعْظَمَ الفِرْيَة، وجاء بالضَّلال بنِ السَّبَهْللِ (١) بلا مِرْيَة. وقول بعضِهم: أخذتُم عِلْمَكم ميتاً عن ميتٍ، ونحن أخذناه عن الحيِّ الذي لا يموت، لا يدل على ذلك الزَّعْم؛ لجواز أن يكون ذلك الأخذُ من القرآن بواسطةٍ فَهْمِ قُدْسيِّ أعطاه الله تعالى لذلك الآخِذ، ويؤيِّد هذا ما صحَّ عن أبي جُحَيْفةً، قالَ: قلتُ لعليٍّ كرم الله تعالى وجهه: هل عندكم كتابٌ خصَّكم به رسول الله وَلّ؟ قال: لا ، إلَّا كتابُ الله تعالى، أو فهمٌ أُعْطِيَه رجلٌ مسلمٌ، أو ما في هذه الصحيفة. وكانت مُعَلَّقةً بقبضة سيفه. قال: قلتُ: وما في هذه الصحيفة؟ قال: ((العقلُ، وفِكَاكُ الأسير، ولا يُقْتَلُ مسلمٌ بكافر)»(٢) . ويُفْهَمُ منه - كما قال القَسْطَلانيُّ (٣) - جوازُ استخراج العالِم من القرآن بفَهْمِه ما لم يكن منقولاً عن المفسِّرين إذا وافق أصول الشريعة. وما عند الصوفية - على ما أقول - كلُّه من هذا القبيل، إلا أنَّ بعضَ كلماتهم مخالفٌ ظاهرُها لِمَا جاءت به الشريعة الغرَّاء، لكنها مَبْنيةٌ على اصطلاحاتٍ فيما بينهم إذا عُلِمَ المرادُ منها يرتفعُ الغبار. وكونُهم مُلامينَ على تلك الاصطلاحات لقول عليٍّ كرم الله تعالى وجهه كما في ((صحيح البخاريِّ)): حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبُّون أن يكذَّب اللهُ تعالى ورسوله وَلِ(٤)؟! (١) أي: بالباطل. المستقصى ٣٩/٢، ومجمع الأمثال ١/ ١٧٢ . (٢) أخرجه أحمد (٥٩٩)، والبخاري (١١١). (٣) في إرشاد الساري ٢٠٤/١. (٤) صحيح البخاري (١٢٧). سُورَةُ القَائِدَة ٣١٦ الآية : ٦٧ أو غيرَ مُلامِينَ لوجود داع لهم إلى ذلك على ما يقتضيه حُسْنُ الظنِّ بهم، بحثٌ آخَرُ لَسْنَا بصَدَدِه. وقريبٌ من خبرٍ أبي جُحْيفةَ ما أخرجه ابنُ أبي حاتم عن عنترة، قال: كنتُ عند ابنِ عباسٍ ﴿ًّا، فجاءه رجل فقال: إنَّ ناساً يأتوننا فيخبروننا أنَّ عندكم شيئاً لم يُبْدِه رسول الله وَ ﴿ للناس، فقال: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ تعالى قال: (يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيٌِّ)؟ واللهِ ما ورَّثنا رسولُ اللهِ وَّهِ سوداءَ في بيضاء(١). وحَمْلُ وعاءِ أبي هريرة ◌َّهِ - الذي لم يبثَّه - على علم الأسرار غيرُ متعيّنٍ؛ لجواز أن يكون المراد منه إخبارَ الفتن، وأشراط الساعة، وما أخبر به الرسول وَله من فساد الدِّينِ على أيدي أُغَيْلمةٍ من سفهاءٍ قريش، وقد كان أبو هريرة رُه يقول: لو شئتُ أنْ أسمِّيهم بأسمائهم لفعلتُ(٢)، أو المرادُ الأحاديث التي فيها تعيينُ أسماءِ أمراءِ الجورِ وأحوالِهِم وذمُّهم، وقد كان ◌َُّهُ يَكْني عن بعض ذلك ولا يصرِّحُ خوفاً على نفسه منهم بقوله: أعوذُ بالله سبحانه من رأس السِّين وإمارة الصبيان(٣). يشير إلى خلافة يزيد الطريد لعنه الله تعالى على رغم أنف أوليائه؛ لأنها كانت سنةً ستِين من الهجرة، واستجاب الله تعالى دعاء أبي هريرة رَظُه، فمات قبلها بسنةٍ. وأيضاً قال القسطلانيُّ(٤): لو كان كذلك لَمَا وَسِع أبا هريرةً كتمانُه مع ما أخرجه عنه البخاريُّ أنه قال: إنَّ الناس يقولون: أَكْثَرَ أبو هريرة الحديثَ، ولولا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدَّثتُ حديثاً، ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَاَلْهُدَى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩- ١٦٠] إلى آخر ما قال(٥)، فإنَّ ما تلاه دالٌّ على ذمِّ كتمانِ العلم لا سيما العلم الذي يسمُّونه علمَ الأسرار؛ فإنَّ الكثير منهم يدَّعي أنه لبُّ ثمرة العلم. (١) تفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١١٧٢. (٢) أخرجه البخاري (٧٠٥٨)، ولفظه: ((هلكة أمتي على يدي غلمةٍ من قريش)) فقال مروان: لعنة الله عليهم غلمةً. فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت. (٣) ذكره بهذا اللفظ ابن حجر في الفتح ٢١٦/١، وأخرجه بنحوه الطبراني في الأوسط (١٣٩٧). وأخرجه أحمد (٨٣١٩) بلفظ: تعوَّذوا بالله من رأس السبعين ... (٤) في إرشاد الساري ١/ ٢١٢. (٥) صحيح البخاري (١١٨)، وهو عند مسلم (٢٤٩٢). الآية : ٦٧ ٣١٧ سُورَةُ القَائِدَة وأيضاً إن أبا هريرة نَفَى بثَّ ذلك الوعاء على العموم من غير تخصيصٍ، فكيف يُستَدَلُّ به لذلك، وأبو هريرة لم يكشف مستورَه فيما أعلم؟ فمن أين عُلم أنَّ الذي عَلِمَه هو هذا؟! ومَن ادَّعى فعليه البيانُ، ودونه قَطْعُ الأعناق. فالاستدلالُ بالخبر لطريق القوم فيه ما فيه، ومثلُه ما روي عن زين العابدين ظُه، نعم للقوم متمسَّكٌ غيرُ هذا مبيَّنٌ في موضعه، لكنْ لا يُسلَّم لأحد كائناً مَن كان أنَّ ما هم عليه مما خلا عنه كتابُ الله تعالى الجليلُ، أو أنه أمرٌ وراءَ الشريعة، ومَن بَرْهَنَ على ذلك بزَعْمِه فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً، فقد قال الشعرانيُّ قدِّس سرُّه في ((الأجوبة المرْضية عن الفقهاء والصوفية)): سمعت سيدي عليًّا المرصفيَّ(١) يقول: لا يَكْمُلُ الرجل في مقام المعرفةِ والعلم حتى يرى الحقيقة مؤيِّدةً للشريعة، وأنَّ التصوُّفَ ليس بأمرٍ زائدٍ على السنَّة المحمدية، وإنما هو عينُها . وسمعت سيدي عليًّا الخواص يقول مراراً: مَن ظنَّ أنَّ الحقيقة تخالفُ الشريعةَ أو عَكْسَه فقد جَهِلَ؛ لأنه ليس عند المحقّقين شريعةٌ تخالفُ حقيقةً أبداً، حتى قالوا: شريعةٌ بلا حقيقةٍ عاطلةٌ، وحقيقةٌ بلا شريعةٍ باطلٌ، خلاف ما عليه القاصرون من الفقهاء والفقراء. وقد يَستند مَن زَعَمَ المخالفةَ بين الحقيقة والشريعة إلى قصة الخضر مع موسى عليهما السلام(٢)، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقُ ذلك على وجهٍ لا يستطيع المخالفُ معه على فتح شَفَةٍ. ومما نقلنا عن القسطلانيّ في خبر أبي جُحَيْفةَ يُعلمُ الجواب عما قيل في الاعتراض على الصوفية، مِن أنَّ ما عندهم: إنْ كان موافقاً للكتاب والسُّنة فهما بين أيدينا، وإن كان مخالفاً لهما فهو ردٌّ عليهم، وما بعد الحقِّ إلا الضلال. (١) نور الدين علي بن خليل المرصفي العارف الشافعي الصوفي، اختصر الرسالة القشيرية، توفي بمصر سنة (٩٣٠هـ). شذرات الذهب ٢٤٢/١٠، والكواكب السائرة ٢٦٩/١. (٢) في الأصل: عليه السلام. سُورَةُ اللَائِدَة ٣١٨ الآية : ٦٧ والجواب باختيار الشقِّ الأول، وكونُ الكتاب والسُّنةِ بين أيدينا لا يستدعي عدم إمكان استنباط شيءٍ منهما بعدُ، ولا يقتضي انحصارَ ما فيهما فيما عَلِمَه العلماء قبلُ، فيجوزُ أن يعطي الله تعالى لبعض خواصِ عباده فَهْماً يُدْرِكُ به منهما ما لم يقف عليه أحدٌ من المفسِّرين والفقهاءِ المجتهدين في الدِّين، وكم ترك الأول للآخِر، وحيث سُلِّم للأئمة الأربعة مثلاً اجتهادُهم واستنباطُهم من الآيات والأحاديث مع مخالفةِ بعضِهم بعضاً؛ فما المانعُ من أنْ يسلَّم للقوم ما فُتح لهم من معاني كتاب الله تعالى وسنَّةٍ نبيِّهِ وَّهِ وإِنْ خالف ما عليه بعضُ الأئمة، لكن لم يخالف ما انعقد عليه الإجماعُ الصريح من الأمة المعصومة. وأرى التفرقةَ بين الفريقين مع ثبوتِ علم كلِّ في القبول والردِّ تحُّماً بَحْتاً كما لا يخفى على المنصِف. وزعمت الشيعةُ أنَّ المراد بـ ((ما أُنزل إليك)) خلافة عليٍّ كرم الله تعالی وجهه، فقد رووا بأسانيدهم عن أبي جعفر وأبي عبد الله ظ﴿ها، أنَّ الله تعالى أوحى إلى نبيِّهِ وَ﴿ أَنْ يستخلفَ عليًّا كرم الله تعالى وجهه، فكان يخافُ أن يَشُقَّ ذلك على جماعةٍ من أصحابه، فأنزل الله تعالى هذه الآيةَ تشجيعاً له عليه الصلاة والسلام بما أمره بأدائه. وعن ابن عباس ﴿ّ قال: نزلت هذه الآيةُ في عليٍّ كرم الله وجهه، حيث أَمَرَ سبحانه أنْ يُخْبَر الناسُ بولايته، فتخوَّف رسول الله وَّر أن يقولوا حابَى ابنَ عمِّه، وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى الله تعالى إليه هذه الآيةَ فقام بولايته يومَ غدير ◌ُمٍّ، وأخذ بيده فقال عليه الصلاة والسلام: ((مَن كنتُ مولاه فعليٍّ مولاه، اللهمَّ والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه)». وأخرج الجلال السيوطيُّ في ((الدر المنثور)) عن [ابن] أبي حاتم وابنٍ مردويه وابن عساكر راوين عن أبي سعيد الخدريِّ قال: نزلت هذه الآية على رسول الله وَه يوم غديرِ خُمٍّ في علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه(١). (١) الدر المنثور ٢٩٨/٢، وما بين حاصرتين منه، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١١٧٢، وتاريخ ابن عساكر ٢٣٧/٤٢ وفي إسناده عطية العوفي وهو ضعيف، وعلي بن عابس، ضعفه الجوزجاني والنسائي والأزدي، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن حبان: فحش خطؤه فاستحق الترك. الآية : ٦٧ ٣١٩ سُورَةُ القَائِدَة وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول الله وَالآتى: (يا أيها الرسولُ بلِّغ ما أُنزل إليك من ربِّك)) أنَّ عليًّا وليُّ المؤمنين، ((وإنْ لم تفعل فما بلَّغْتَ رسالته))(١). وخبرُ الغدير عمدةُ أدَّتهم على خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه، وقد زادوا فيه إتماماً لغرضهم زياداتٍ مُنْكَرةً، ووضعوا في خلاله كلماتٍ مزوَّرةً، ونَظَموا في ذلك الأشعارَ، وطعنوا على الصحابة ﴿ه بزَعْمِهِم أنهم خالفوا نصَّ النبيِّ المختار وَ﴿، فقال إسماعيل بن محمد الحميريُّ(٢) - عامَلَه الله تعالی بعَدْلِه ـ من قصيدةٍ طويلة: بخطّةٍ ليس لها موضعُ عجِبْتُ من قومٍ أَتَوْا أحمدا إلى مَن الغايةُ والمَفْزَعُ وفيهمُ في المُلْكِ مَن يَظْمَعُ كنتم عسيتُم فيه أن تصنعوا هارون فالتَّركُ له أورعُ من ربِّه ليس لها مَدْفَعُ واللهُ منهمْ عاصمٌ يمنعُ كان بما يأمره يَصْدَعُ كفُّ عليٍّ نورُها يلمعُ يَرْفَعُ، والكفِّ التي تُرْفَعُ مولّى فلم يَرْضَوْا ولم يَقْنَعوا كأنما آنافُهِم تُجْدَعُ قالوا له لو شئتَ أَعْلَمْتَنا إذا تُؤُفِّيتَ وفارَقْتَنَا فقال لو أعلمتُكم مفزعا كصُنْعِ أهل العجل إذ فارقوا ثم أتته بعده عزمةٌ أَبْلِغْ وإلَّا لم تكُنْ مُبْلِغاً فعندها قام النبيُّ الذي يخطبُ مأموراً وفي كفّه رافعها، أَكْرِمْ بكفِّ الذي مَن كنتُ مولاه فهذا له وظلَّ قومٌ غاظَهم قولُه (١) الدر المنثور ٢٩٨/٢، وفيه: مولى المؤمنين، بدل: ولي المؤمنين. (٢) المعروف بالسيد الحميري، كان شاعراً محسناً إلا أن الناس هجروا شعره لما كان يفرط فيه من سب أصحاب النبي ◌َّلر وأزواجه، ويستعمله من قذفهم والطعن عليهم، وكان يرى رجعة محمد بن الحنفية إلى الدنيا، ويعتقد أنه لم يمت، توفي في أول أيام الرشيد سنة (١٧٣هـ). الأغاني ٧/ ٢٢٩، والوافي بالوفيات ١٩٦/٩، وفوات الوفيات ١٨٨/١. سُورَةُ القَائِدَة ٣٢٠ الآية : ٦٧ وانصرفوا عن دفنه ضيَّعوا حتى إذا وارَوْهُ في لحده واشتروا الضُّرَّ بما ينفع ما قال بالأمس وأوصى به فسوف يجزون بما قطّعوا وقطّعوا أرحامَهم بعده تبَّالما كانوا به أزمعوا وأزمعوا مكراً بمولاهمُ غداً، ولا هو لهم يشفعُ لا همْ عليه يَرِدُوا حوضَه إلى آخِرِ ما قال لا غَفَرَ اللهُ له عثرتَه ولا أَقالَ. وأنت تعلمُ أنَّ أخبار الغدير التي فيها الأمرُ بالاستخلاف غيرُ صحيحةٍ عند أهل السنَّةِ، ولا مسلَّمةٍ لديهم أصلاً، ولنبيِّنْ ما وقع هناك أتمَّ تبيين، ولنوضِّحْ الغثَّ منه والسمين، ثم نعودُ على استدلال الشيعة بالإبطال، ومِن الله سبحانه الاستمدادُ، وعليه الاتكال. فنقول: إنَّ النبيَّ بَّهِ خطب في مكانٍ بين مكة والمدينة عند مرجعه من حجة الوداع قريبٍ من الجحفة يقال له: غدير خُمِّ، فبيَّن فيه فَضْلَ عليّ كرم الله تعالى وجهه وبراءةً عِرْضِه مما كان تكلّم فيه بعضُ مَن كان معه بأرض اليمن، بسبب ما كان صَدرَ منه من المَعْدَلةِ التي ظنها بعضُهم جوراً وتضييقاً وبخلاً، والحقُّ مع عليَّ كرم الله تعالى وجهه في ذلك، وكانت يومَ الأحد ثامَن عَشَرَ ذي الحجَّةِ تحت شجرةٍ هناك. فروى محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عبد الله، عن يزيد بن طلحة قال: لما أقبل عليٍّ كرم الله تعالى وجهه من اليمن ليَلْقَى رسولَ الله وَ له بمكة، تعجّل إلى رسول الله څ﴾ واستخلَفَ علی جنده الذین معه رجلاً من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسا كلَّ رجلٍ حلَّةً من البزِّ الذي كان مع عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، فلما دنا جيشُه خرج ليلقاهم فإذا عليهم الحلل، قال: ويلك ما هذا؟ قال: كسوتُ القوم ليتجمَّلوا به إذا قدموا في الناس، قال: ويلك انتزعْ قبل أن ننتهي إلى رسول الله وَ لته، قال: فانتزع الحللَ من الناس فردَّها في البزِّ، وأظهر الجيشُ شكواه لما صنع بهم (١). (١) السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٦٠٣، والبداية والنهاية (قسم السيرة النبوية) ٦٦٦/٧، والكلام منه .