النص المفهرس

صفحات 261-280

التفسير الإشاري (٤٨ - ٥٤)
٢٦١
سُورَةُ القَائِدَة
فإنَّ ظاهره يقتضي سَبْقَه للأنبياء والرسل عليهم السلام أربابِ الشرائع(١)، ونحوهم
من الکاملین، وهو كما ترى.
ووجههُ أنه قدِّسَ سرُّه قطع الآثار في الطريق الذي هو فيه، وذلك يقتضي السَّبْق
على سالكي ذلك الطريق لا غير، فيجوز أن يكون مسبوقاً بمن ذكرنا من السالكين
طريقاً آخر غير ذلك الطريق، وهذا أحسن ما يخطر لي في الجواب عن ذلك
الإشكال نظراً إلى مشربي، ومشاربُ القوم شتَّى.
﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ متفقينَ في المشرب والطريق ﴿وَلَكِن لِيَبْلُوَّكُمْ
فِيِ مَآ ءَاتَنْكُمْ﴾ أي: لَيَظْهَرَ عليكم ما آتاكم بحسب استعداداتكم على قَدْرِ قبول كلِّ
واحد منكم ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ﴾ أي: الأمورَ الموصلةَ لكم إلى كمالكم الذي قدِّر
لكم بِحَسَبِ الاستعدادات المقرِّبة(٢) إياكم إليه بإخراجه إلى الفعل.
﴿إِلَى اللَّهِ مَّرْجِعُكُمْ﴾(٣) في عين جمع الوجود على حسبِ المراتب ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا
كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ وذلك بإظهار آثار مايقتضيه ذلك الاختلاف.
﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم﴾ حَسبَ ما تقتضيه الحكمة ويقبله الاستعداد ﴿بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾
من القرآن الجامع للظاهر والباطن ﴿وَلَا تَقَِّعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضٍ
مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ فتقتصر(٤) على الظاهر البحت أو الباطن المحضٍ وتنفي الآخر.
﴿فَإِن تَوَلَّوْ فَعْلَمْ أَنَّا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ كذنب حَجْبِ الأفعال
لليهود، وذنب حَجْبٍ الصفات للنصارى.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ﴾ وأنواعُ الفسق مختلفةٌ، ففِسقُ اليهود خروجهم
عن حكم تجلِيات الأفعال الإلهية برؤيةِ النفسِ أفعالَها، وفِسْقُ النصارى خروجُهم
عن حُكْم تجلِّيات الصفات الحقَّانية برؤيةِ النفسِ صفاتِها، والفسقُ الذي يعتري
بعضَ هذه الأمة الالتفاتُ إلى ذواتهم والخروجُ عن حكم الوحدة الذاتية.
(١) في (م): التشريع.
(٢) في الأصل: الاستعداد المقرب.
(٣) في الأصل: إلى الله مرجعكم جميعاً.
(٤) في (م): فتقصر.

سُورَةُ القَائِدَة
٢٦٢
التفسير الإشاري (٤٨ - ٥٤)
﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ وهو الحكم الصادر عن مقام النفس بالجهل، لا عن
علم إلهيٍّ.
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ﴾ الحقِّ، فيحتجب ببعض الحُجُب
﴿فَسَوْفَ بَأْتِى اللَّهُ بِقَوْرِ مُهُمْ﴾ في الأزل لا لعلَّةٍ ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ كذلك.
ومرجعُ المحبة التي لا تتغيَّر عند الصوفية الذاتُ دون الصفاتِ كما قاله
الواسطيُّ، وطَعَن فيه - كما قدمنا (١) - الزمخشريُّ، وحيث أحبَّهم - ولم يكونوا إلَّا
في العلم - كان المحبُّ والمحبوبُ واحداً في عين الجمع.
وقال السلميُّ: إنهم بفضل حبِّه لهم أحبُّوه وإلّا فمِن أين لهم المحبة لله تعالى،
وما للتراب وربِّ الأرباب؟! وشرطُ الحبِّ - كما قال - أن تلحقه سكراتُ المحبة،
وإلا فليس بحبٍّ حقيقةً.
وقالت أعرابيةٌ في صفة الحبِّ: خَفي أن يُرى وجَلَّ أنْ يَخْفَى، فهو كامنٌ
ككمون النار في الحَجَرِ: إِنْ قَدَحْتَه أَوْرَى وإنْ تركتَه تَوَارَى، وإنْ لم يكن شعبةً من
الجنون فهو عصارةُ السحر. وهذا شأنُ حبِّ الحادث فكيف شأنُ حبِّ القديم جلَّ
شأنُه؟ والكلامُ في ذلك طويل .
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ لمكان الجنسية الذاتية، ورابطةِ المحبَّة الأزلية، والمناسبةِ
الفطرية بينهم ﴿أَعِزَّةِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ المحجوبين لضدٍ ما ذكر ﴿يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾
بمحو صفاتهم وإفناءِ ذواتهم التي هي حُجُبُ المشاهدة ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيِرٍ﴾ لفَرْطِ
حبِّهم الذي هو الرشادُ الأعظمُ للمتَّصفِ به :
وإذا الفتى عرف الرَّشادَ لنفسه
هانتْ عليه ملامةُ العذَّالِ
بل إذا صدقت المحبةُ التّذَّ المحبُّ بالملامةِ كما قيل:
حبًّا لذكرك فلْيَلُمْني اللُّؤَّمُ
أجدُ الملامةَ في هواك لذيذةً
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ الذي لا يدرَكُ شأواه ﴿يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ﴾ من عباده الذين سبقت
لهم العنايةُ الإلهيةُ ﴿وَاللَّهُ وَسِعُ﴾ الفضل ﴿عَلِيهُ﴾ حيث يَجعلُ فضلَه، نسأل الله تعالى
(١) ص ٢٥٣ من هذا الجزء.

الآية : ٥٥
٢٦٣
سُوَرَّةُ القَائِدَة
أن يمنَّ علينا بفضله الواسع وجُودِهِ الذي ليس له مانع.
ثم إنه سبحانه لمَّا قال: (لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوِْيَّةٌ) وعلَّله بما علَّله، ذكر
عقيب(١) ذلك مَن هو حقيقٌ بالموالاة بطريق القَصْرِ، فقال عز وجل: ﴿إِنَّا وَلِيُّكُمُ اللهُ
وَرَسُولُهُ, وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فكأنه قيل: لا تتخذوا أولئك أولياء لأنَّ بعضهم أولياءُ بعضٍ
وليسوا بأوليائكم، إنما أولياؤكم الله ورسوله والمؤمنون، فاختصُّوهم بالموالاة
ولا تتخطّوهم إلى الغير.
وأفرد الوليَّ مع تعدُّده ليفيد - كما قيل - أنَّ الولاية لله تعالى بالأصالة، وللرسول
عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بالتَّبَع، فيكون التقديرُ: إنما وليُّكم الله سبحانه
وكذلك رسولُهُ وَّهِ والذين آمنوا. فيكونَ في الكلام أصلٌ وتَبَعٌ، لا أنَّ ((وليكم)) مفردٌ
استُعمِلَ استعمالَ الجمع كما ظنَّ صاحبُ ((الفرائد))(٢)؛ فاعتُرض بأنَّ ما ذَكَر بعيدٌ
عن قاعدة الكلام؛ لِمَا فيه مِن جَعْلِ مالا يستوي الواحدُ فيه(٣) والجمعُ جمعاً.
ثم قال: ويمكنُ أن يقال: التقدير: إنَّما وليُّكم الله، ورسولُه والذين آمنوا
أولياؤكم، فحذف الخبر لدلالة السابق عليه، وفائدة الفصل في الخبر هي التنبيهُ
على أنَّ كونهم أولياء بعد كونه سبحانه وليًّا، ثم بجَعْلِه إياهم أولياء، ففي الحقيقة
هو الوليُّ. انتهى. ولا يَخفَى على المتأمِّل أنَّ المآلَ منَّحِدٌ والمورِدَ واحدٌ.
ومما تقرَّر يُعلَمُ أنَّ قول الحلبيِّ: ويحتملُ وجهاً آخر وهو أنَّ وليًّا بزِنَةٍ فعيل،
وقد نصَّ أهلُ اللسان أنه يقع للواحد والاثنين والجمع تذكيراً وتأنيئاً بلفظٍ واحدٍ،
كصديقٍ(٤) = غيرُ واقعٍ موقعَه؛ لأنَّ الكلام في سرِّ بيانيٍّ، وهو نكتةُ العدول من لفظٍ
إلى لفظ .
(١) في (م): عقب.
(٢) لعله: فرائد التفسير، لأبي المحامد فصيح الدين محمد بن عمر المابرنابازي، اختصر فيه
الكشاف، مع زيادات بحثية نحوية وكلامية وأدبية. كشف الظنون ١٢٤٢/٣ .
(٣) قوله: فيه، ليس في (م).
(٤) الدر المصون ٣١٣/٤.

سُورَةُ القَائِدَة
٢٦٤
الآية : ٥٥
ولا يَرِدُ على ما قدَّمنا أنه لو كان التقديرُ كذلك لنَافَى حَصْرَ الولاية في الله
تعالى ثم إثباتَها للرسول وَ﴿ وللمؤمنين؛ لأنَّ الحصر باعتبارِ أنه سبحانه الوليُّ
أصالةً وحقيقةً، وولايةُ غيره إنما هي بالإسناد إليه عزَّ شأنه.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ﴾ بدلٌ من الموصول الأول، أوصفةٌ له
باعتبار إجرائه مجرى الأسماء؛ لأنَّ الموصول وُصْلَةٌ إلى وصف المعارف بالجمل،
والوصفُ لا يوصفُ إلا بالتأويل. ويجوز أن يعتبر منصوباً على المدح، ومرفوعاً
عليه أيضاً. وفي قراءة عبد الله: ((والذين يقيمون الصلاة)) بالواو(١).
@) حالٌ من فاعلِ الفعلين، أي: يعملون ما ذُكر من إقامة
﴿وَهُمْ رَّكِعُونَ (
الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله تعالى.
وقيل: هو حالٌ مخصوصةٌ بإيتاء الزكاة، والركوعُ ركوع الصلاة، والمراد بيانُ
كمالِ رغبتهم في الإحسان ومُسارَعَتِهم إليه.
وغالبُ الأخباريين على أنها نزلت في عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، فقد أخرج
الحاكم وابن مردويه وغيرهما عن ابن عباس ﴿يا بإسنادٍ متَّصلٍ قال: أقبل ابنُ سلام
ونفرٌ من قومه آمنوا بالنبيِّ ◌َلّهِ فقالوا: يا رسول الله، إنَّ منازلنا بعيدةٌ وليس لنا
مجلسٌ ولا متحدّثٌ دون هذا المجلس، وإنَّ قومنا لمَّا رأوْنا آمنًّا بالله تعالى
ورسوله وَل﴿ وصدَّقناه، رفضونا وآلَوْا على نفوسهم أن لا يجالسونا ولا یناكحونا
ولا يكلِّمونا، فشقَّ ذلك علينا. فقال لهم النبيُّ ◌َّر: ((إنما وليكم الله ورسوله)). ثم
إنه ◌َّ خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع فبَصُرَ بسائلٍ، فقال: ((هل أعطاك
أحدٌ شيئاً)؟ فقال: نعم، خاتم من فضة، فقال: ((مَن أعطاكه))؟ فقال: ذلك القائم،
وأومأ إلى عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((على أيِّ حالٍ أعطاك))؟
فقال: وهو راكعٌ. فَكَبَّر النبيُّ نَّه ثم تلا هذه الآية، فأنشأ حسانٌ رَُّه يقول:
وكلُّ بطيءٍ في الهدى ومُسارعِ
أبا حَسَنٍ تَفْديكَ نفسي ومُهْجَتي
وما المدعُ في جَنْبِ الإلهِ بِضَائعٍ
أيذهبُ مدحيك المحبر ضائعاً
فأنت الذي أعطيتَ إذ كنتَ راكعاً
زكاةً فدتك النفسُ يا خيرَ راكعٍ
(١) المحرر الوجيز ٢٠٨/٢.

الآية : ٥٥
٢٦٥
سُورَةُ القَائِدَة
وأثبتها أثنا كتابُ الشرائعِ (١)
فأَنزل فيك الله خيرَ ولايةٍ
واستدلَّ الشيعةُ بها على إمامته كرم الله تعالى وجهه، ووجهُ الاستدلالِ بها
عندهم أنها بالإجماع(٢) نزلت فيه كرم الله تعالى وجهه، وكلمةُ ((إنما)) تفيدُ الحصر،
ولفظُ الوليِّ بمعنى: المتولِّي للأمور والمستحقِّ للتصرُّف فيها، وظاهرٌ أنَّ المراد هنا
التصرُّفُ العامُّ المساوي للإمامة بقرينة ضمٍّ ولايته كرم الله وجهه بولاية الله تعالی
ورسوله وَّهِ، فثبتَتْ إمامتُه وانتفَتْ إمامةُ غيره، وإلا بَطَلَ(٣) الحصر. ولا إشكالَ في
التعبير عن الواحد بالجمع، فقد جاء في غير ما موضع؛ وذكر علماء العربية أنه
يكون لفائدتين: تعظيم الفاعل وأنَّ مَن أتى بذلك الفعل عظيمُ الشأن بمنزلة جماعةٍ
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةٌ﴾ [النحل: ١٢٠] ليرغِّب الناسَ في الإتيان بمثل
فِعلِهِ، وتعظيم الفعل أيضاً حتى إنَّ فِعْلَه سجيةٌ لكلِّ مؤمن، وهذه نكتةٌ سَرِيَّةٌ تُعتبر في
کلِّ مكانٍ بما يليق به.
وقد أجابَ أهل السنَّةِ عن ذلك بوجوه:
الأول: النقضُ، بأنَّ هذا الدليل كما يدلُّ بزعمهم على نفي إمامة الأئمة
المتقدِّمين كذلك يدلُّ على سَلْبِ الإمامة عن الأئمة المتأخِّرين كالسِّبطين ﴿بًا وباقي
الاثني عشر ﴿ه أجمعين بعين ذلك التقرير، فالدليلُ يضرُّ الشيعةَ أكثر مما يضرُّ أهلَ
السنَّةِ كما لا يخفى.
(١) كذا نقل المصنف لفظه وتخريجه عن الشهاب في الحاشية ٣/ ٢٥٧، وذكره بهذا اللفظ أيضاً
الطبرسي في مجمع البيان ١٢٧/٦، وفيهما: وثبتها مثنى كتاب الشرائع، وعزاه لابن مردويه
دون الشعر السيوطي في الدر المنثور ٢٩٣/٢، وابن كثير عند تفسير هذه الآية، وهو من
طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. والكلبي متروك كما ذكر ابن كثير وقال: وهذا
إسناد لا يُقْرَح به. اهـ.
وأخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص١٠٢ دون قصة ابن سلام والشعر ولكن من
حديث علي ه، وعزاه ابن كثير لابن مردويه من حديث علي ومن حديث عمار، ثم قال:
وليس يصح شيءٌ منها؛ لضعف أسانيدها وجهالة رجالها. وقال في البداية والنهاية ١١/ ٩٤ :
ولم ينزل في علي شيءٌ من القرآن بخصوصيته.
(٢) بعدها في (م): أنها .
(٣) في (م): لبطل.

سُورَُّ لقَائِدَة
٢٦٦
الآية : ٥٥
ولا يمكن أن يقال: الحصرُ إضافيٌّ بالنسبة إلى مَن تقدَّمه؛ لأنَّا نقول: إنَّ حَصْرَ
ولايةٍ مَن استَجْمَعَ تلك الصفات لا يفيدُ إلا إذا كان حقيقيًّا، بل لا يصحُّ لعدم
استجماعها فيمَن تأخّر عنه كرم الله تعالى وجهه.
وإنْ أجابوا عن النقض بأنَّ المراد حصرُ الولاية في الأمير كرم الله تعالى وجهه
في بعض الأوقات، أعني وقتَ إمامته لا وقتَ إمامة السِّبْطَين ومَن بعدهم
قلنا: فمرحباً بالوفاق؛ إذ مذهبُنا أيضاً أنَّ الولاية العامة كانت له وقتَ كونه
إماماً لا قبله - وهو زمان خلافة الثلاثة - ولا بعده، وهو زمانُ خلافةٍ مَن ذُكر.
فإن قالوا: إنَّ الأمير كرم الله تعالى وجهه لو لم يكن صاحب ولايةٍ عامَّةٍ في عهد
الخلفاء يلزمه نقصٌ، بخلاف وقتٍ خلافة أشباله الکرام څ، فإنه لمَّا لم یکن حيًّا لم
تَصِرْ إمامةُ غيره موجبةً لنقصٍ شرفه الكامل؛ لأن الموت رافعٌ لجميع الأحكام الدنيوية.
يقال: هذا فرارٌ وانتقالٌ إلى استدلالٍ آخَرَ ليس مفهوماً من الآية؛ إذ مَبناهُ على
مقدمتين: الأولى: أنَّ كون صاحب الولاية العامة في ولاية الآخر - ولو في وقتٍ
من الأوقات - غيرَ مستقلٍّ بالولاية نقصٌ له. والثانية: أنَّ صاحب الولاية العامة
لا يلحقُه نقصٌ ما بأيِّ وجهٍ وأيٍّ وقت كان. وكلتاهما لا يفهمان من الآية أصلاً
كما لا يخفى على ذي فهم، على أنَّ هذا الاستدلال منقوضٌ بالسبطين زمن ولاية
الأمير كرم الله تعالى وجهه، بل وبالأمير أيضاً في عهد النبيِّ وَّر.
والثاني: أنَّا لا نسلِّمُ الإجماع على نزولها في الأمير كَّم الله تعالى وجهه، فقد
اختلف علماء التفسير في ذلك، فروى أبو بكرِ النقَّاشُ صاحبُ التفسير المشهور عن
محمد الباقرِ ◌ّه أنها نزلت في المهاجرين والأنصار، وقال قائل: نحن سمعنا أنها
نزلت في عليٍّ كرم الله تعالى وجهه. فقال: هو منهم. يعني أنه - كرم الله تعالى
وجهه - داخلٌ أيضاً(١) في المهاجرين والأنصار ومن جملتهم.
وأخرج أبو نعيم في ((الحلية)) عن عبد الملك بن أبي سليمان، وعبد بن حميد
وابنُ جَرِيرٍ وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم عن الباقر ◌َه أيضاً نحو ذلك(٢).
(١) قوله: أيضاً، ليس في الأصل.
(٢) الحلية ١٨٥/٣، وتفسير الطبري ٥٣١/٨، وتفسير ابن أبي حاتم ١١٦٢/٤، والدر المنثور
٢٩٤/٢.

الآية : ٥٥
٢٦٧
سُورَةُ القَائِدَة
وهذه الروايةُ أَوْفَقُ بصيغ الجمع في الآية. وروى جمعٌ من المفسِّرين عن
عكرمة: أنها نزلت في شأن أبي بكر
والثالث: أنَّا لا نسلِّم أنَّ المراد بالوليِّ المتولِّي للأمور والمستحقُّ للتصرُّفِ فيها
تصرُّفاً عامًّا، بل المراد به: الناصرُ؛ لأنَّ الكلام في تقوية قلوب المؤمنين وتسلِّيها،
وإزالةِ الخوف عنها من المرتدِّين، وهو أقوى قرينةٍ على ما ذكره. ولا يأباه الضمُّ
كما لا يخفى على مَن فتح الله تعالى عينَ بصيرته، ومَن أَنْصَفَ نفسَه عَلِمَ أنَّ قوله
تعالى فيما بعد: (يَّا الَِّنَ ءَامَنُوا لَا تَّخِذُواْ الَّذِينَ آَخَذُواْ دِيَكُمْ هُزُوا وَعِبَا مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّرَ أَوْلِيَّةٌ) آبٍ عن حَمْلِ الوليِّ على ما يساوي الإمام الأعظم؛
لأنَّ أحداً لم يتَّخذ اليهود والنصارى والكفار أئمةً لنفسه، وهم أيضاً لم يتّخذ
بعضُهم بعضاً إماماً، وإنما اتخذوا أنصاراً وأحباباً. وكلمة ((إنما)) المفيدةُ للحصر
تقتضي ذلك المعنى أيضاً، لأنَّ الحصر يكون فيما يَحْتَمِلُ اعتقاد الشركة والتردُّد
والنزاع، ولم يكن بالإجماع وقتَ نزول هذه الآية تردّدٌ ونزاع في الإمامة وولاية
التصرُّف، بل كان في النصرة والمحبة.
والرابع: أنه لو سلِّم أنَّ المراد ما ذكروه فلفظُ الجمع عامٌّ، أو مساوٍ له
- كما ذكره المرتضى في ((الذريعة))، وابن المطهّر في ((النهاية)) - والعبرةُ لعموم اللفظ
لا لخصوص السبب كما اتفق عليه الفريقان، فمفادُ الآية حينئذٍ حصرُ الولاية العامَّة
لرجال متعدِّدين يدخل فيهم الأمير كرم الله تعالى وجهه، وحَمْلُ العامِّ على الخاصِّ
خلافُ الأصل لا يصحُّ ارتكابُه بغير ضرورةٍ، ولا ضرورة.
فإن قالوا: الضرورةُ متحقِّقةٌ هاهنا؛ إذ التصدُّق على السائل في حال الركوع لم
يقع من أحدٍ غيرِ الأمير كرم الله تعالی وجهه.
قلنا: ليست الآيةُ نصًّا في كون التصدُّق واقعاً في حال ركوع الصلاة؛ لجواز
أن يكون الركوع بمعنى التخشُّع والتذلَّلِ لا بالمعنى المعروفِ في عُرْفِ أهلِ الشرع،
كما في قوله :
لا تُهِينَ الفقيرَ عَلَّكَ أنْ
تركع يوماً والدهرُ قد رَفَعَهْ(١)
(١) البيت للأضبط بن قُرَيْع، وهو في شرح الحماسة المرزوقي ١١٥١/٣، والشعر والشعراء
٣٨٣/١، والخزانة ٤٥٠/١١.

سُورَةُ القَائِدَة
٢٦٨
الآية : ٥٥
وقد استُعمل بهذا المعنى في القرآن أيضاً كما قيل في قوله سبحانه: ﴿وَأَرَّكَعِى مَعَ
الزَّكِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] إذ ليس في صلاةٍ مَن قَبْلَنا من أهل الشرائع ركوعٌ هو أحدٌ
الأركان بالإجماع، وكذا في قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤] وقولِه عز وجل:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَمُ أَكَعُواْ لَا يَزْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] على ما بيَّنه بعضُ الفُضَلاءِ، وليس
حَمْلُ الركوع في الآية على غير معناه الشرعيِّ بأَبْعدَ مِن حَمْلِ الزكاة المقرونةِ
بالصلاة على مِثْلِ ذلك التصدُّق، وهو لازمٌ على مدَّعَى الإمامية قطعاً.
وقال بعضٌ منَّا أهل السنَّةِ: إنَّ حَمْلَ الركوع على معناه الشرعيِّ وجَعْلَ الجملةِ
حالاً من فاعلٍ ((يأتون)) يوُجِبُ قصوراً بيِّناً في مفهوم (يُفِعُونَ الصَّلَوَّةَ) إذ المدحُ
والفضيلة في الصلاة كونها خاليةً عمَّا لا يتعلَّقُ بها من الحركات سواءٌ كانت كثيرةً
أو قليلة، غايةُ الأمرِ أنَّ الكثيرة مُفْسِدةٌ للصلاة دون القليلة، ولكنْ تؤثِّر قصوراً في
معنى إقامة الصلاة البتة، فلا ينبغي حملُ كلام الله تعالى الجليل على ذلك. انتهى.
وبلغني أنه قيل لابن الجوزيِّ رحمه الله تعالى: كيف تَصَدَّقَ عليٍّ كرم الله تعالى
وجهه بالخاتم وهو في الصلاة، والظنُّ فيه - بل العلمُ الجازمُ - أنَّ له كرَّم الله تعالى
وجهَه شغلاً شاغلاً فيها عن الالتفات إلى ما لا يتعلَّق بها، وقد حُكي مما يؤيِّد ذلك
کثیرٌ؟ فأنشأ يقول:
عن النديم ولا يلهو عن الناسٍ
يُسْقَى ويشربُ لا تُلْهِيه سَكْرتُه
فِعْلِ الصُّحاةِ فهذا واحدُ الناسِ
أطاعه سکره حتى تمگَّن من
وأجاب الشيخ إبراهيم الكرديُّ(١) قدِّسَ سرُّه عن أصل الاستدلال: بأنَّ الدليل
قائمٌ في غير محلِّ النزاع، وهو كونُ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه إماماً بعد
رسول الله وَ ل﴿ من غير فَصْلٍ؛ لأنَّ ولاية الذين آمنوا على زعم الإمامية غير مرادةٍ في
زمان الخطاب، لأنَّ ذلك عهدُ النبوَّة، والإمامة نيابةٌ فلا تُتصوَّر إلا بعد انتقال
النبيِّ ◌َّه، وإذا لم يكن زمانُ الخطاب مراداً تعيَّن أن يكون المرادُ الزمانَ المتأخّر
(١) لعله إبراهيم بن حيدر الحسين آبادي الشافعي، المتوفى سنة (١١٥١هـ)، له: حاشية على
شرح عصام الدين على الرسالة العضدية، والرسالة القدسية الطاهرة بشرح الدرة الفاخرة.
إيضاح المكنون ٥٦٧/١، ومعجم المؤلفين ٢٣/١.

الآية : ٥٥
٢٦٩
سُوَّةُ القَائِدَة
عن زمن الانتقال، ولا حدَّ للتأخير، فليكن ذلك بالنسبة إلى الأمير كرم الله تعالى
وجهه بعد مضيٍّ زمان الأئمة الثلاثة، فلم يحصل مدَّعَى الإمامية.
ومن العجائب أنَّ صاحب ((إظهار الحق)) قد بلغ سعيُهُ الغايةَ القُصْوَى في تصحيح
الاستدلال بزعمه، ولم يأتِ بأكثر مما يُضْحِكُ الثَّكْلَى، وتَفْزَعُ من سماعه الموتى،
فقال: إنَّ الأمر بمحبة الله تعالى ورسولِهِ وَ ل﴿ يكون بطريق الوجوب لا محالة، فالأمرُ
بمحبة المؤمنين المتَّصفين بما ذكر من الصفات وولايتهم أيضاً كذلك؛ إذ الحكم في
كلامٍ واحد يكون موضعُه متَّحداً أو متعدِّداً أو متعاطفاً، لا يمكن أن يكون بعضُه
واجباً وبعضُه مندوباً، وإلا لزم استعمالُ اللفظ بمعنيين، فإذا كانت محبةُ أولئك
المؤمنين وولايتُهم واجبةً وجوبَ محبة الله تعالى ورسوله وَّه امتنع أن يراد منهم كافةُ
المسلمين وكلُّ الأمة باعتبار أنَّ مِن شأنهم الاتصافَ بتلك الصفات؛ لأنَّ معرفةً كلِّ
واحد(١) منهم ليُحَبَّ ويُوَالَى مما لا يمكن لأحدٍ من المكلَّفين بوجهٍ من الوجوه،
وأيضاً قد تكون معاداة المؤمنين لسببٍ(٢) من الأسباب مباحةً بل واجبةً، فتعيَّنَ أن
يراد منهم البعض، وهو عليٌّ المرتضَى كرم الله تعالى وجهه. انتهى.
ويَرِدُ عليه أنه مع تسليم المقدِّمات، أين اللزومُ بين الدليل والمذَّعى؟ وكيف
استنتاجُ المتعيّن من المطلق؟
وأيضاً لا يَخْفَى على مَن له أدنى تأمُّلِ أنَّ موالاة المؤمنين من جهة الإيمان أمرٌ
عامّ بلا قيدٍ ولا جهة، وترجعُ إلى موالاة إيمانهم في الحقيقة، والبغضُ لسببٍ (٣)
غیرُ ضارِّ فيها .
وأيضاً ماذا يقول في قوله سبحانه: ﴿وَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْفُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَ﴾ الآية
[التوبة: ٧١]؟
وأيضاً ماذا يجاب عن مُعاداة الكفار، وكيف الأمرُ فيها وهم أضعافُ
المؤمنين؟ ومتى كُفَّت الملاحظة الإجمالية هناك فلتُكَفَّ هنا، وأنت تعلم أنَّ
ملاحظة الكثرة بعنوان الوحدة مما لا شكّ في وقوعها فضلاً عن إمكانها، والرجوعُ
(١) قوله: واحد، ليس في (م).
(٢) في الأصل: بسبب.
(٣) في الأصل: بسبب.

سُورَةُ القَائِدَة
٢٧٠
الآية : ٥٥
إلى علم الوضع يهدي لذلك، والمحذورُ كونُ الموالاة الثلاثة في مرتبةٍ واحدة،
وليس فليس؛ إذ الأولى أصلٌ، والثانيةُ تَبَعٌ، والثالثة تَبَعُ التَّبَع، فالمحمول
مختلفٌ، ومثلُه الموضوعُ؛ إذ الموالاةُ من الأمور العامة وكالعوارض المشككة،
والعطفُ موجبٌ للتشريك في الحكم لا في جهته، فالموجودُ في الخارج الواجبُ
والجوهرُ والعرض، مع أنَّ نسبةَ الوجود إلى كلٌّ غيرُ نسبته إلى الآخر، والجهةُ
مختلفةٌ بلا ريب، وهذا كقوله(١) سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيَّ أَدْعُوّاْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ
أَنَّأْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِى﴾ [يوسف: ١٠٨] مع أنَّ الدعوة واجبةٌ على الرسولِوَلّهِ مندوبةٌ في
غيره، ولهذا قال الأصوليون: القِرَانُ في النظم لا يوجبُ القِرَانَ في الحكم. وعدُّوا
هذا النوعَ من الاستدلال من المسالك المردودة.
ثم إنه أجاب عن حديث عدم وقوع التردُّد مع اقتضاء ((إنما)) له: بأنه يظهر من
بعض أحاديث أهل السُّنة أنَّ بعض الصحابة ﴿ه التمسوا من حضرة النبيِّ وَّلـ
الاستخلافَ، فقد روى الترمذيُّ عن حذيفة أنهم قالوا: يا رسول الله، لو
استخلفتَ؟ قال: ((لو استخلفتُ عليكم فعصَيْتُموه عذِّبْتُم، ولكن ما حدَّثكم حذيفةُ
فصدِّقوه، وما أقرأكم عبد الله فاقرؤوه))(٢).
وأيضاً استفسروا منه عليه الصلاة والسلام عمَّن يكون إماماً بعده وَلتِ، فقد
أخرج أحمد عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال: قيل: يا رسول الله، مَن نؤمِّرُ
بعدَك؟ قال: ((إنْ تؤمّروا أبا بكر تجدوه أميناً، زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة،
وإنْ تؤمِّروا عمر تَجِدُوه قويًّا أميناً لا يخافُ في الله لومة لائم، وإنْ تؤمِّروا عليًّا -
ولا أُراكم فاعلينَ - تَجِدُوه هادياً مهديًّا يأخذُ بكم الصراط المستقيم))(٣). وهذا
الالتماسُ والاستفسارُ يقتضي كلٌّ منهما وقوعَ التردُّد في حضوره وَّ عند نزول
الآية، فلم يَبْطُلْ مدلولُ ((إنما)). انتهى.
وفيه أنَّ مَحْضَ السؤال والاستفسار لا يقتضي وقوعَ التردُّد، نعم لو كانوا
شاوَروا في هذا الأمر ونازَعَ بعضهم بعضاً بعد ما سمعوا من النبيِّ وَّرِ جوابَ
(١) في (م): قوله.
(٢) سنن الترمذي (٣٨١٢)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
(٣) مسند أحمد (٨٥٩)، وأخرجه أيضاً ابن الجوزي في العلل المتناهية ٢٥٣/١ - ٢٥٤،
وإسناده ضعيف، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند.

الآية : ٥٥
٢٧١
سُورَةُ العَائِدَة
ما سألوه لتحقَّق المدلول، وليس فليس، ومجردُ السؤالِ والاستفسارِ غيرُ مقتضٍ
لـ ((إنما))، ولا من مقاماته، بل هو من مقامات ((إنَّ) والفرقُ مثلُ الصبح ظاهرٌ.
وأيضاً لو سلَّمنا التردُّدَ، ولكن كيف العلمُ بأنه بعد الآية أو قبلها، منفصلاً أو
متصلاً، سبباً للنزول أو اتفاقيًّا؟ ولا بد من إثبات القبلية والاتِّصال والسببية، وأين
ذلك؟ والاحتمالُ غيرُ مسموعٍ ولا كافٍ في الاستدلال.
وبعدَ هذا كلِّه الحديثُ الثاني ينافي الحصرَ صريحاً؛ لأنه وَّ في مقام السؤال
عن المستحِقُّ للخلافة ذكر الشيخين، فإنْ كانت الآية متقدِّمةً لزم مخالفةُ الرسول واله
القرآنَ، أو بالعكس لزم التكذيب. والنسخُ لا يُعْقَلُ في الأخبار على ما قرِّر، ومع
ذا تقدُّمُ كلِّ على الآخر مجهولٌ فسَقَطَ العملُ.
فإن قالوا: الحديثُ خبرُ الواحد، وهو غيرُ مقبولٍ في باب الإمامة.
قلنا: وكذلك لا يُقبل في إثبات التردُّدِ والنزاع الموقوفِ عليه التمسُّكُ بالآية،
والحديثُ الأول يفيد أنَّ ترك الاستخلاف أصلحُ، فتركه - كما تفهمه الآية بزعمهم -
تركه، وهم لا يجوِّزونه، فتأمل.
وذكر الطبرسيُّ في ((مجمع البيان))(١) وجهاً آخَرَ غيرَ ما ذكره صاحبُ ((إظهار
الحقِّ)) في أنَّ الولاية مختصةٌ، وهو أنه سبحانه قال: (إنَّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ) فخاطب جميعَ
المؤمنين، ودخل في الخطاب النبيُّ وَّهِ وغيره، ثم قال تعالى: (وَرَسُولُهُ,) فأخرج نبيّه
عليه الصلاة والسلام من جملتهم لكونهم مضافين إلى ولايته، ثم قال جل وعلا:
(وَلَّذِينَ ءَامَنُوا) فوجب أن يكون الذي خوطب بالآية غيرَ الذي جُعِلتْ له الولاية، وإلَّا
لزم أن یکون المضافُ هو المضاف إليه بعینه، وأن یکون كلُّ واحدٍ من المؤمنين
وليَّ نفسه، وذلك محال. انتهى.
وأنت تعلم أنَّ المراد ولايةُ بعضِ المؤمنين بعضاً لا أنْ يكون كلُّ واحدٍ منهم وليَّ
نفسه، وكيف يُتَوهَّم من قولك مثلاً: يا أيها الناس لا تغتابوا الناس، أنه نهيٌّ لكلِّ
واحدٍ من الناس أن يغتاب نفسه، وفي الخبر أيضاً: ((صوموا يومَ يصومُ الناس))(٢)
(١) ١٢٩/٦ - ١٣٠.
(٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج الترمذي (٦٩٧)، والبيهقي ٢٥٢/٤ - واللفظ له - من
=

سُوَرَُّ لعَائِدَة
٢٧٢
الآية : ٥٦ ، ٥٧
ولا يختلجُ في القلب أنه أمرٌ لكلِّ أحدٍ أن يصومَ يومَ يصومُ الناس، ومثل ذلك كثيرٌ في
كلامهم، وما قدَّمناه في سبب النزول ظاهرٌ في أنَّ المخاطب بذلك ابنُ سلام
وأصحابُه، وعليه لا إشكال، إلا أنَّ ذلك لا يعتبر مخصِّصاً كما لا يخفى.
فالآيةُ على كلِّ حالٍ لا تدلُّ على خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه على الوجه
الذي تَزْعمُه الإمامية، وهو ظاهرٌ لمن تولَّى الله تعالى حِفْظَ ذهنِهِ عن غبار العَصَبية.
﴿وَمَن يَتَوَّلَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ, وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: ومَن يتَّخِذُهم أولياء، وأُوثر الإظهارُ
على الإضمار رعايةً لِمَا مرَّ من نكتةٍ بيانٍ أصالته تعالى في الولاية كما يُنْبِئُ عنه قولُه
﴾ حيث أضيف الحزبُ - أي: الطائفةُ
٥٦
تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اَللَِّ هُمُ الْغَالِبُونَ
والجماعةُ مطلقاً، أو: الجماعةُ التي فيها شدةٌ - إليه تعالى خاصةً؛ وفي هذا - على
رأيٍ - وَضْعُ الظاهرِ موضعَ الضميرِ - أيضاً - العائدِ إلى (مَن))، أي: فإنهم الغالبون،
لكنَّهم جُعلوا حزب الله تعالى تعظيماً لهم، وإثباتاً لغلبتهم بالطريق البرهانيّ، كأنه
قيل: ومَن يتولَّ هؤلاء فإنهم حِزْبُ الله وحزبُ الله تعالى هم الغالبون.
والجملةُ دليلُ الجواب عند كثيرٍ من المُعْرِبين.
﴿وَّا الِّنَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلِبًا﴾ أخرج ابن إسحاق وجماعةٌ
عن ابن عباس ﴿ا قال: كان رفاعةُ بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا
الإسلامَ ونافقا، وكان رجالٌ من المسلمين يوادُّونهما، فأنزل الله تعالى هذه الآية(١).
ورتّب سبحانه النهي على وصفٍ يعمُّهما وغيرهما تعميماً للحكم، وتنبيهاً على
العلَّة، وإيذاناً بأنَّ مَن هذا شأنُه جديرٌ بالمعاداة فكيف بالموالاة.
والهُزؤُ(٢) كما في ((الصحاح)): السخريةُ، تقول: مَزِئْتُ منه، وهَزِئْتُ به - عن
الأخفش - واستهزأت به وتهزَّأْتُ وهَزَأْتُ به أيضاً هُزْءاً ومَهْزَأَةً، عن أبي زيد.
ورجلٌ هَزْأة بالتسكين، أي: يُهزَأُ به، وَهَزَأة بالتحريك: يَهْزَأُ بالناس(٣).
= حديث أبي هريرة ﴿ه: ((صومكم يوم تصومون وأضحاكم يوم تضحون)).
(١) سيرة ابن هشام ٥٦٨/١، وتفسير الطبري ٥٣٣/٨-٥٣٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١١٦٣.
(٢) بضم الزاي وسكونها. الصحاح ومختار الصحاح واللسان (هزأ).
(٣) الصحاح (هزأ).

الآية : ٥٧
٢٧٣
سُورَةُ القَائِدَة
وذكر الزجَّاج أنه يجوز في ((هُزُواً)) أربعة أوجه:
الأول: هُزُوْ بضمِّ الزاي، مع الهمزة، وهو الأصلُ والأجود.
والثاني: هُزُو، بضمِّ الزاي مع إبدال الهمزة واواً لانْضِمام ما قبلَها.
والثالث: هُزْء، بإسكان الزاي مع الهمزة.
والرابع: هُزّى، كُهُدًى. ويجوزُ القراءة بما عدا الأخير(١).
واللَّعِبُ بفتح أوَّله وكَسْرِ ثانيه كاللَّعْبِ واللِّعْبِ - بفتح اللام وكَسْرِها مع سكون
العين - والتَّلْعاب، مصدرُ لَعِبَ كسَمِعَ، وهو ضدُّ الجِدِّ كما في ((القاموس))(٢).
وفي ((مجمع البيان))(٣): هو الأخذُ على غير طريقِ الجد(٤)، ومثلُه: العَبَث،
وأصلهُ من لعاب الصبيِّ، يقال: لعب ـ كسَمِع ومَنَع - إذا سال لعابه وخرج إلى غير
(٥)
جهته(٥) .
والمصدران: إما بمعنى اسم المفعول، أو الكلامُ على حذف مضافٍ، أو قَصْدِ
المبالغة.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ في موضع الحال من
((الذين)) قبله، أو من فاعلِ (اتَّخذوا))، والتعرُّضُ لعنوان إيتاء الكتاب لبيانِ كمالٍ
شناعتهم وغايةٍ ضلالتهم؛ لِمَا أنَّ إيتاء الكتاب وازِعٌ لهم عن اتِّخاذ دينِ المؤمنين
المصدِّقين بكتابهم هُزُواً ولَعِباً .
﴿وَالْكُفَّارَ﴾ أي: المشركين، وقد وَرَدَ بهذا المعنى في مواضعَ من القرآن،
وخُصُّوا به لتَضَاعُفِ كفرِهم، وهو عطفٌ على الموصول الأول، وعليه لا تصريح
باستهزائهم هنا، وإِنْ أُثْبِتَ لهم في آيةٍ ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] إذ المراد
(١) معاني القرآن للزجاج ١٨٦/٢. وقرأ حفص: (هُزُواً))، وحمزة وخلف: ((هُزْءاً))، والباقون:
(هُزُؤاً)): التيسير ص٧٤، والنشر ٢١٥/٢.
(٢) مادة (لعب).
(٣) ٦/ ١٣١.
(٤) في مجمع البيان: الحق.
(٥) في (م): جهة، والمثبت من الأصل ومجمع البيان.

سُورَّةُ القَائِدَة
٢٧٤
الآية : ٥٨
بهم مشركو العرب، ولا يكون النهيُ حينئذٍ بالنظر إليهم معلَّلاً بالاستهزاء، بل نُهوا
عن موالاتهم ابتداءً.
وقرأ الكسائيُّ وأهلُ البصرة: ((والكفارِ)) بالجرِّ(١) عطفاً على الموصول الأخير،
ويَعْضُدُ ذلك قراءةُ أبيٍّ: ((ومِن الكفار))، وقراءةُ عبد الله: ((ومن الذين أشركوا))(٢)
فهم أيضاً من جملة المستهزئين صريحاً .
وقوله تعالى: ﴿أَوْلِيَّةٌ﴾ مفعولٌ ثانٍ لـ ((لا تتخذوا))، والمراد: جانبوهم كلَّ
المُجانَبةِ ﴿وَنَُّواْ اللَّهَ﴾ في ذلك، بتَرْكِ موالاتهم، أو بترك المناهي على الإطلاق،
فيدخلُ فيه تركُ موالاتهم دخولاً أولياً.
﴿إِن كُمْ مُؤْمِينَ ﴾﴾ حقًّا، فإنَّ قضية الإيمان توجبُ الاتِّقاءَ لا محالةً.
﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ﴾ أي: دعا بعضُكم بعضاً ﴿إِلَى الصَّلَوةِ أَتَّخَذُوهَا﴾ أي: الصلاةَ، أو
المناداةَ إليها ﴿هُزُوًّا وَلَيِبًا﴾ أخرج البيهقيُّ في ((الدلائل)) من طريق الكلبيِّ عن
أبي صالح عن ابن عباس ﴿يا قال: كان منادي رسولِ الله وَّه إذا نادى بالصلاة
فقام المسلمون إليها قالت اليهود: قد قاموا، لا قاموا. فإذا رأوهم رَّعاً وسجَّداً
استهزؤوا بهم وضحكوا منهم (٣).
وأخرج ابن جَريرٍ وغيرُه عن السدِّيِّ قال: كان رجلٌ من النصارى بالمدينة إذا
سمع المنادي ينادي: أشهدُ أنَّ محمداً رسولُ الله، قال: حُرِقَ الكاذب. فدخلت
خادمُه ذاتَ ليلةٍ بنارٍ وهو نائمٌ وأهلُه نيامٌ، فسقطت شرارةٌ فأحرقت البيتَ وأُخْرِقَ
هو وأهلُه(٤).
والكلامُ مسوقٌ لبيانِ استهزائهم بحكمٍ خاصٍّ من أحكام الدِّين بعد بيان
استهزائهم بالدِّين على الإطلاق، إظهاراً لكمال شقاوتهم.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: الاتِّخاذُ المذكور ﴿يَأَنَّهُمْ﴾ أي: بسببِ أنهم ﴿قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ
(١) التيسير ص ١٠٠، والنشر ٢٥٥/٢.
(٢) القراءتان في القراءات الشاذة ص٣٣.
(٣) دلائل النبوة ٦/ ٢٧٥ .
(٤) تفسير الطبري ٥٣٦/٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١١٦٤.
٥٨

الآية : ٥٩
٢٧٥
سُورَةُ لعَائِدَة
فإنَّ السَّفَهَ يؤدِّي إلى الجهل بمحاسن الحقِّ والهُزْءِ به، ولو كان لهم عقلٌ في الجملة
لَمَا اجترؤوا على تلك العظيمة.
قيل: وفي الآية دليلٌ على ثبوت الأذان بنصِّ الكتاب لا بالمنام وحده(١).
واعتُرض بأنَّ قوله سبحانه: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ) لا يدلُّ على الأذان، اللهمَّ إلا أنْ يقال:
حیث ورد بعد ثبوتِه کان إشارةً إليه، فیکون تقریراً له.
قال في ((الكشف)): أقول فيه: إنَّ اتِّخاذَ المناداة هُزُواً منكرٌ من المناكير لأنها
من معروفات الشرع، فمِن هذه الحيثية دلَّ على أنَّ المناداة التي كانوا عليها حقٌّ
مشروعٌ منه تعالى، وهو المرادُ بثبوته بالنصِّ بعد أنْ ثَبتَ ابتداءً بالسنة ومنامٍ
عبد الله بن زيد الأنصاريِّ، الحديثَ بطوله(٢)، ولا ينافيه أنَّ ذلك كان أولَ ما قَدِمواً
المدينة، و((المائدةُ" من آخِرِ القرآنِ نزولاً، وقولُه: لا بالمنام وحده، ليس فيه ما يدلُّ
على أنَّ السنَّةَ غيرُ مستقلَّةٍ في الدلالةِ(٣)؛ لأنَّ الأدلة الشرعية معرِّفاتٌ وأماراتٌ
لا مؤثّراتٌ وموجباتٌ؛ وتَرادُفُ المعرفاتِ لا يُنْگر. انتهى.
ولأبي حيان في هذا المقام كلامٌ لا ينبغي أنْ يُلتَفَتَ إليه لِمَا فيه من المُكابرةِ
الظاهرة(٤).
وسمِّي الأذان مناداةً لقول المؤذن فيه: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح.
﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ﴾ أمرٌ لرسول الله وَّه بطريق تلوين الخطاب بعد نهي المؤمنين
عن تَولِّي(٥) المستهزئين بأنْ يخاطبهم ويبيِّنَ أنَّ الدِّين منزَّةٌ عمَّا يصحِّحُ صدورَ
(١) هو قول الزمخشري في الكشاف ٦٢٤/١.
(٢) أخرجه أحمد (١٦٤٧٨)، وأبو داود (٤٩٩)، والترمذي (١٨٩)، وابن ماجه (٧٠٦) من
حديث عبد الله بن زيد ظاه. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٣) في الأصل: بالدلالة.
(٤) البحر ٥١٦/٣، وفيه: قال بعض العلماء: في هذه الآية دليل على ثبوت الأذان بنصٌ
الكتاب لا بالمنام وحده. انتهى، ولا دليل في ذلك على مشروعيته؛ لأنه قال: ((وإذا
ناديتم))، ولم يقل: نادوا، على سبيل الأمر، وإنما هذه جملة شرطية دلَّت على سبق
المشروعية، لا على إنشائها بالشرط.
(٥) في (م): قول، وهو تصحيف. والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٥٣/٣، والكلام
منه .

سُورَةُ القَائِدَة
٢٧٦
الآية : ٥٩
ما صَدَرَ منهم من الاستهزاء، ويُظْهِرَ لهم سببَ ما ارتكبوه، ويُلْقِمَهم الحجر.
ووُصفوا بأهلية الكتاب تمهيداً لما سيَذْكُرُ سبحانه من تبكيتهم وإلزامهم بكفرهم
بكتابهم .
أي: قُل يا محمدُ لأولئك الفَجَرةِ: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ أي: هل تُنْكِرون
وتَعِيبون منَّا، وهو مِن نَقَمَ منه كذا: إذا أَنْكَرِه وكَرِهَه، من حدٍّ ضَرَب، وقرأ
الحسن: ((تنقَمون)) بفتح القاف (١) من حدٍّ عَلِمَ، وهي لغة قليلة.
وقال الزجَّاج (٢): يقال: نقم بالفتح والكسر، ومعناه: بالَغَ في كراهة الشيء،
وأَنشدَ لعبيد الله(٣) بن قيس:
ما نَقَموا من بني أميةً إلا ...... أنَّهم يَحْلُمون إنْ غَضِبوا
وفي ((النهاية): يقال: نَقَّمَ يَنْقِمُ، إذا بلغت به الكراهةُ حدَّ السُّخط، ويقال: نَقِمَ
من فلانٍ الإحسانَ، إذا جَعَله مما يؤدِّيه إلى كفر النعمة، ومنه حديثُ الزكاة:
(ما يَنْقِمُ ابنُ جميلٍ إلَّا أنه كان فقيراً فأغناه الله تعالى))(٤)، أي: ما يَنْقِمُ شيئاً من
مَنْعِ الزكاة إلَّا أنْ يَكفُرَ النعمةَ، فكأنَّ غِناه أدَّاه إلى كفر نعمةِ الله تعالى(٥).
وعن الراغب: أنَّ تفسير نَقَم بـ: أنكر وعاب؛ لأنَّ النقمة معناها الإنكار
باللسان، أو بالعقوبة لأنه لا يعاقبُ إلَّا على ما ينكر، فيكون على حدٍّ قوله:
ونَشْتمُ بالأفعال لا بالتكلُّم (٦)
(١) القراءات الشاذة ص٣٣، والبحر ٥١٦/٣.
(٢) في معاني القرآن ١٨٦/٢.
(٣) في (م): لعبد الله، والمثبت من الأصل، وهو الذي أجمع عليه علماء نسب قريش وكتب
النسب، كما ذكر الشيخ محمود شاكر في تعليقه على طبقات فحول الشعراء ٢/ ٦٤٧.
والبيت في ديوانه ص٤.
(٤) أخرجه البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (٩٨٣) من حديث أبي هريرة څه.
(٥) النهاية (نقم).
(٦) وصدره: وتَجْهَلُ أيدينا ويَحْلُم رأينا، والبيت لمعبد بن علقمة كما في شرح ديوان الحماسة
للتبريزي ٩١/٢، وللمرزوقي ٧٥٠/٢، واللآلي ٣٤٣/١، والتذكرة السعدية ص٧٦. وذكره
الشهاب في الحاشية ٢٥٨/٣ دون نسبة، وكلام الراغب فيه بنحوه، وينظر مفردات الراغب
(نقم).

الآية : ٥٩
٢٧٧
سُورَةُ للَائِدَة
وهو كما قال الشهاب: مما يعدَّى بـ ((مِن)) و((على))، وقال أبو حيان: أصلُه أن
يتعدَّى بـ ((على))، ثم افْتَعَلَ المبنيُّ منه يُعدَّى بـ ((مِن)) لتضمُّنه معنى الإصابة بالمكروه،
وهنا فَعَل بمعنى افتعل(١)، ولم يذكر له مستنداً في ذلك.
﴿إِلَّ أَنْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ من القرآن المجيد ﴿وَمَّ أُنزِلَ مِن قَبْلُ﴾ أي: من
قَبْلِ إنزاله؛ من التوراة والإنجيل وسائرٍ الكتب المنزلةِ على الأنبياء عليهم الصلاة
﴾ أي: متمرِّدون خارجون عن دائرة الإيمان
09
والسلام ﴿وَأَنَّ أَكْتَكُمْ فَسِقُونَ
بما ذكر، فإن الكفر بالقرآن العظيم مستلزمٌ للكفر بسائر الكتب كما لا يخفى.
والواو للعطف، وما بعدها عطفٌ على ((أنْ آمنًّا))، واختار بعضُ أجلَّةِ المحقّقين
أنه مفعول له لـ ((تنقمون))، والمفعولُ به: الدِّين، وحُذِفَ ثقةً بدلالةِ ما قبلُ وما بعدُ
عليه دلالةً واضحةً، فإنَّ اتِّخاذ الدِّين هُزُواً ولعباً عينُ نَقْمِه وإنكارِهِ، والإيمانُ
بما فصِّل عينُ الدِّين الذي نَقَموه، خلا أنه [أُبْرِزَ](٢) في مَعْرِضٍٍ عَّةٍ نَقْمِهم له
تسجيلاً عليهم بكمال المكابرة والتعكيس، حيث جعلوه موجباً لنَقْمِه مع كونه في
نفسه موجباً لقبوله وارتضائه، فالاستثناءُ على هذا من أعمِّ العلل، أي: ما تنقمون
منَّا دينَنا لعلَّةٍ من العلل إلا لإيماننا بالله تعالى وما أُنزل إلينا وما أنزل من قَبْلُ من
كتبكم ولأنَّ أكثركم متمرِّدون غيرُ مؤمنين بشيءٍ مما ذكر، حتى لو كنتم مؤمنين
بكتابکم الناطقِ بصحةٍ كتابنا لآمنتم به.
وقدَّر بعضُهم المفعولَ المحذوف: شيئاً، ولا أرى فيه بأساً.
وقيل: العطفُ على ((أنْ آمنًا)) باعتبارٍ كونِه المفعولَ به، لكنْ لا على أنَّ
المستثنَی مجموعُ المعطوفینِ؛ إذ لا يعترفون أنَّ أکثرهم فاسقون حتی یُنْکِروه، بل
هو ما يلزمهما من المخالفة، فكأنه قيل: هل تُتْكِرون منَّا إلا أنَّا على حالٍ يخالفُ
حالَكم، حيث دخلنا في الإسلام وخرجتُم منه بما خرجتم(٣).
وقيل: الكلام على حذف مضاف، أي: واعتقادَ أنَّ أكثركم فاسقون.
(١) حاشية الشهاب ٢٥٨/٣، وكلام أبي حيان بنحوه في البحر ٣/ ٥١٧.
(٢) ما بين حاصرتين زيادة من تفسير أبي السعود ٥٤/٣، والكلام منه.
(٣) وهذا كما تقول: ما تنقم مني إلا أني صَدَقتُ وأنت كذَبْتَ، وما كرهت مني إلا أني محبَّبُ
إلى الناس وأنت مبغض. وإن كان لا يعترف أنه كاذب ولا أنه مبغض. البحر ٥١٧/٣.

سُوَرَّةُ القَائِدَة
٢٧٨
الآية : ٥٩
وقيل: العطفُ على المؤمَن به، أي: هل تنقمون منَّا إلا إيمانَنا بالله
وما أُنزل إلينا وما أُنزل من قبلُ وبأنَّ أكثركم كافرون، وهذا في المعنى كالوجه
الذي قبله.
وقيل: العطفُ على علَّةٍ محذوفة، وقد حُذف الجارُّ في جانب المعطوف،
ومحلُّه إمَّا جرٍّ أو نصبٌ على الخلاف المشهور، أي: هل تنقمون منَّا إلا الإيمانَ
لقلَّة إنصافكم ولأنَّ أكثركم فاسقون.
وقيل: هو منصوبٌ بفعل مقدَّرٍ منفيٍّ دلَّ عليه المذكور، أي: ولا تتقمون أنَّ
أکثرکم فاسقون.
وقيل: هو مبتدأُ خبرُه محذوف، ويقدَّر مقدَّماً عند بعضٍ؛ لأنَّ ((أنَّ) المفتوحة
لا يقع ما معها مبتدأً إلا إذا تقدَّم الخبر، وقال أبو حيان: إنَّ((أنَّ) لا يبتدأ بها
متقدِّمةً إلا بعد ((أما)) فقط(١). وخالف الكثيرُ من النحاة في هذا الشرط على أنه
يُغْتَفَرُ في الأمور التقديرية ما لا يُغْتَفَرُ في غيرها، والجملةُ على التقديرين حالية أو
معترضة، أي: وفِسْقُكم ثابتٌ أو معلوم.
وقيل: الواو بمعنى ((مع))، أي: هل تنقمون منَّا إلا الإيمانَ مع أنَّ أكثركم .. إلخ.
وتعقّبه العلّامة التفتازانيُّ بأنَّ هذا لا يتمُّ على ظاهرٍ كلامِ النحاة من أنه لا بدَّ في
المفعول معه من المصاحبة في معموليةِ الفعل، وحينئذٍ يعودُ المحذور، وهو أنهم نقموا
كونَ أكثرِهم فاسقين، نعم يصحُّ على مذهب الأخفش حيث اكتفي في المفعول معه
بالمقارنة في الوجود مستدلاً بقولهم: سرتُ والليلَ(٢)، و: وجئتك وطلوعَ الشمس.
وبُحث فيه بأنَّ ذلك الاشتراطَ في المفعول معه لا يوجبُ الاشتراط في كلِّ واوٍ
بمعنى ((مع))، فليكن الواوُ بمعنى ((مع)) من غير أن يكون مفعولاً معه؛ لانتفاءٍ شرطه
وهو مصاحبتُه معمولَ الفعلِ، بل يكون للعطف.
وقيل: الواو زائدة، و((أنَّ أكثركم)) إلخ في موضع التعليل، أي: هل تنقمون منَّا
إلا الإيمانَ لأن أكثركم فاسقون.
(١) البحر ٥١٧/٣.
(٢) في (م): والنيل.

الآية : ٦٠
٢٧٩
سُورَّقُ للقائِدَة
وقرأ نعيم بن ميسرة: ((وإنَّ أكثركم)) بكسر الهمزة، والجملةُ حينئذٍ مستأنفةٌ مبيِّنَةٌ
لکون أکثرهم متمرِدین.
والمرادُ بالأكثر مَن لم يؤمن، وما آمَنَ منهم إلا قليل.
﴿قُلّ هَلَ أُنَِّئُكُم بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ﴾ تبكيتٌ لأولئك الفَجَرةِ أيضاً ببيان أنَّ الحقيق
بالنَّقْمِ والعَيْبِ حقيقة ما هم عليه من الدِّين المحرَّف، وفيه نعيّ عليهم على سبيل
التعريض بجناياتهم وما حاق بهم من تبعاتها وعقوباتها، ولم يصرِّح سبحانه لئلا
يحملهم التصريحُ بذلك على ركوب متن المكابرة والعناد، وخاطبهم قبل البيان
بما يُنْبِئُ عن عِظَم شأن المبيِّن، ويستدعي إقبالَهم على تلقِّيه؛ من الجملة
الاستفهامية المشوِّقة إلى المُخْبَرِ به، والتَّنْبئةِ المشعِرَةِ بكونه أمراً خطراً لِمَا أنَّ النبأ
هو الخبر الذي له شأنٌ وخطر.
والإشارةُ إلى الدِّين المنقوم(١) لهم، واعتُبرت الشَّرِّيَّة بالنسبة إليه - مع أنه خيرٌ
مَحْضٌّ منزَّةٌ عن شائبة الشَّرِّيَّة بالكلِّية - مجاراةً معهم على زَعْمهم الباطلِ المنعقدِ
على كمال شرّيَّته - وحاشاه - ليثبت أنَّ دينهم شرٌّ من كلِّ شرِّ، ولم يقل سبحانه:
بأَنْقَمَ، تنصيصاً على مناط الشَّرِّيَّة؛ لأنَّ مجرد النَّقْم لا يفيدُها البتة؛ لجواز كونٍ
العيب من جهة العائب:
فكم من عائبٍ قولاً صحيحاً وآقَتُّه من الفَهْمِ السَّقيمِ(٢)
وفي ذلك تحقيقٌ لشرِّيَّةِ ما سيُذكر، وزيادةُ تقريرٍ لها .
وقيل: إنما قال: ((بشرِّ)) لوقوعه في عبارة المخاطبين؛ فقد أخرج ابن إسحاق
وابن جرير وغيرُهما عن ابن عباس ﴿ها قال: أتى النبيَّ ◌َّ و نفرٌ من يهود فيهم
أبو ياسر بنُ أخطب، ونافع بنُ أبي نافع، وغازي بنُ عمرو(٣)، وزيد، وخالد،
وإزار بن أبي إزار، فسألوه عليه الصلاة والسلام عمَّن يؤمن به من الرسل؟ قال:
((أُومِنُ بالله تعالى، وما أُنزِلَ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط،
(١) في (م): المتقوم، وهو تصحيف.
(٢) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٢٤٦/٤.
(٣) كذا نقل المصنف عن السيوطي في الدر المنثور ٢٩٤/٢، والذي في سيرة ابن هشام
٥٦٧/١: وعازر بن أبي عازر، وفي تفسير الطبري ٥٣٨/٨: وعازر، ولم يذكر أباه.

سُورَةُ لِلنَائِدَة
٢٨٠
الآية : ٦٠
وما أُوتِي موسى وعيسى، وما أُوتي النبيُّون من ربِّهم لا نفرِّقُ بين أحدٍ منهم ونحن
له مسلمون)) فلمَّا ذَكَرَ عيسى عليه السلام جحدوا نبؤَّتَه، وقالوا: لا نؤمنُ بعیسی
ولا نؤمنُ بمن آمَنَ به - ثم قالوا كما في رواية الطبرانيّ: لا نعلمُ ديناً شرًّا من
دينكم(١) - فأنزل الله تعالى الآية.
وبهذا الخبر انتصر مَن ذهب إلى أنَّ المخاطبين بـ ((أنبئكم)) هم أهل الكتاب.
وقال بعضهم: المخاطبُ هم الكفار مطلقاً. وقيل: هم المؤمنون.
وكما اختلف في الخطاب اختُلف في المشار إليه بـ ((ذلك))، فالجمهورُ على
ما قدَّمناه. وقيل: الإشارةُ إلى الأكثر الفاسقين، ووحِّد الاسمُ إمَّا لأنه يشارُ به إلى
الواحد وغیره، ولیس کالضمير، أو لتأويله بالمذكور ونحوه.
وقيل: الإشارةُ إلى الأشخاص المتقدِّمين الذين هم أهلُ الكتاب، والمرادُ أنَّ
السَّلَفَ شرٍّ من الخَلَفِ.
﴿مَتُوَةٌ عِندَ اللَّهِ﴾ أي: جزاءً ثابتاً عنده تعالى، وهو مصدرٌ ميميٍّ بمعنى
الثواب، ويقال في الخير والشرِّ؛ لأنه ما رجع إلى الإنسان من جزاء أعماله، سمِّي
به بتصوُّرِ أنَّ ما عَمِلَه يرجعُ إليه كما يشير إليه قولُه تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْرًا بَرَهُ ﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨] حيث لم يقل
سبحانه: يَرَ جزاءَه. إلا أنَّ الأكثر المتعارَفَ استعمالُه في الخير، ومثلُه في ذلك
المئويةُ، واستعمالُها هنا في الشرِّ على طريقة التهكُّم كقوله:
تحيةُ بينِهم ضربٌ وجيعُ(٢)
ونصبُها على التمييز من ((بشرً))، وقيل: يجوز أن تُجعل مفعولاً له لـ ((أنبئكم))،
(١) لم نقف على هذه الرواية عند الطبراني أو غيره من كتب الحديث، وهي في أسباب النزول
للواحدي ص١٩٤، والكشاف ٦٢٥/١، وتفسير البغوي ٤٨/٢، وتفسير القرطبي ٧٤/٨،
وغيرها من كتب التفسير.
(٢) وصدره: وخيلٍ قد دلفتُ لها بخيل، وهو في الكتاب ٣٢٣/٢، ونوادر أبي زيد ص ١٥٠،
والمقتضب ٢٠/٢، والخصائص ٣٦٨/١، والعمدة ٢٢٤/٢، والخزانة ٩/ ٢٥٧، قال
البغدادي: هذا البیت نسبه شرَّاح أبیات الکتاب وغیرهم إلى عمرو بن معدي کرب
الصحابي، ولم أره في شعره.