النص المفهرس

صفحات 241-260

الآية : ٥٠
٢٤١
سُورَةُ القَائِدَة
وقرأ ابن وَثَّابٍ والأعرجُ وأبو عبد الرحمن وغيرُهم: ((أفحكمُ)) بالرفع(١) على
أنه مبتدأ، و((يبغون)) خبرُه، والعائدُ محذوفٌ، وقيل: الخبرُ محذوفٌ والمذکورُ
صفتُّه، أي: حكمٌ يبغون، واستُضْعِفَ حذف العائد من الخبر، وذكر ابن جني (٢) أنه
جاء الحذفُ منه كما جاء الحذفُ من الصِّلة والصفة كقوله:
قد أصبحَتْ أمُّ الخِيارِ تدَّعي
عليَّ ذنباً كلُّه لِمْ أَصْنَعِ(٣)
وقال أبو حيان: وحسَّن الحذفَ في الآية شَبَهُ ((يبغون)) برأس الفاصلةِ فصار
كالمُشْاكَلَةِ (٤). وزَعْمُ أنَّ القراءةَ المذكورةَ خطأٌ، خطأٌ كما لا يخفى.
وقرأ قتادة: ((أَفَحَكَم)) بفتح الفاءِ والحاءِ والكاف(٥)، أي: أفحاكماً كحكّام
الجاهلية ((يبغون)).
وكانت الجاهليةُ تسمَّى من قبلُ - كما أخرج ابن أبي حاتم عن عروة - عالميةً،
حتى جاءت امرأة، فقالت: يا رسول الله، كان في الجاهلية كذا وكذا، فأنزل الله
تعالى ذِكْرَ الجاهلية، وحَكَمَ عليهم بهذا العنوان(٦).
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ إنكارٌ لأنْ يكونَ أحدٌ حُكْمُه أحسن مِن حُكْم الله
تعالى، أو مُسارٍ له كما يدلُّ عليه الاستعمالُ، وإنْ كان ظاهرُ السَّبْكِ غیرَ متعرِّضٍ
لَفْئِ المساواة وإنكارِها.
﴿لِقومٍ يُوقِنُونَ ﴾﴾ أي: عند قوم، فاللامُ بمعنی ((عند)»، وإليه ذهب الجبائيُّ،
وضعَّفه في ((الدر المصون)) وصحَّح أنها للبيان متعلِّقةٌ بمحذوفٍ كما في: ﴿هَيْتَ
• [يوسف: ٢٣] وسقياً لك(٧)، أي: تبيَّن وظَهَر مضمونُ هذا الاستفهام الإنكاري
لكم
(١) القراءات الشاذة ص٣٢، والمحتسب ٢١٠/١.
(٢) في المحتسب ٢١١/١، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ٣/ ٢٥٢.
(٣) الرجز لأبي النجم العجلي، وهو في ديوانه ص١٣٢، والكتاب ٨٥/١، والمحتسب ٢١١/١،
وحاشية الشهاب ٣/ ٢٥٢.
(٤) البحر ٥٠٥/٣.
(٥) القراءات الشاذة ص٣٢، والمحتسب ٢١١/١.
(٦) تفسير ابن أبي حاتم ١١٥٤/٤ - ١١٥٥ دون قوله: وحكم عليهم بهذا العنوان.
(٧) ينظر الدر المصون ٢٩٩/٤.

سُؤَدَّةُ للقائِدَة
٢٤٢
الآية : ٥١
لقوم يتدبَّرون الأمورَ ويتحقَّقون الأشياء بأنظارهم، وأمَّا غيرُهم فلا يعلمون أنه
لا أحسن حكماً من الله تعالى، ولعل مَن فسَّر بـ ((عند)) أراد بيانَ محصّل المعنى.
وقيل: إنَّ اللام على أصلها، وإنها صلةٌ، أي: حُكُمُ الله تعالى للمؤمنين على
الكافرين أحسنُ الأحكام وأعدلُها. وهذه الجملةُ حاليةٌ مقرِّرةٌ لمعنى الإنكار السابق.
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ خطابٌ يعمُّ حكمُه كافَّةَ المؤمنين من المخلصين وغيرهم،
وإنْ كان سببُ وروده بعضاً كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.
ووَصفُهم بعنوان الإيمان لحَمْلِهم من أول الأمر على الانزجار عما نُهوا عنه
بقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ الْهُودَ وَالنَّصَرَبِ أَوْلِيَةٌ﴾ فإنَّ تذكير اتِّصافهم بضدٌ
صفات الفريقين من أقوى الزواجر عن موالاتهما، أي: لا يتَّخِذْ أحدٌ منكم أحداً
منهم وليًّا، بمعنى: لا تُصَافُوهم مُصَافاةَ الأحبابِ ولا تَسْتَنْصِروهم؛ أخرج ابن
جرير وابن أبي حاتم عن السديِّ قال: لمَّا كانت وقعةُ أحدٍ اشتدَّ على طائفةٍ من
الناس وتخوَّفوا أن تُدَالَ عليهم الكفارُ، فقال رجلٌ لصاحبه: أمَّا أنا فأَلْحقُ بذلك
اليهوديِّ فآخُذُ منه أماناً وأتهوَّدُ معه، فإِنِّي أخاف أن تُدال علينا اليهود. وقال
الآخر: أمَّا أنا فألحقُ بفلانٍ النصرانيِّ ببعضٍ أرض الشام فآخُذُ منه أماناً وأَتنصَّرُ
معه. فأنزل الله تعالى فيهما ينهاهما: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا) إلخ(١).
وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة عن عطية بن سعد قال: جاء عبادةُ بنُ الصامت
من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله ﴿ فقال: يا رسولَ الله إنَّ لي موالِيَ من
يهود كثيرٌ عددُهم وإنِّي أبرأ إلى الله تعالى ورسوله وَّر من ولاية يهود، وأتولَّى الله
تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام. فقال عبد الله بن أبيّ: إنِّ رجلٌ أخافُ
الدوائرَ، لا أبرأ من ولاية مواليَّ. فنزلت(٢).
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَّةُ بَعْضٍ﴾ أي: بعضُ اليهود أولياءُ لبعضٍ منهم، وبعضُ النصارى
أولياءُ لبعضٍ منهم، وأُوثر الإجمال لوضوح المراد بظهور أنَّ اليهود لا يوالون
النصاری کالعكس.
والجملةُ مستأنفةٌ تعليلاً للنهي قبلها، وتأكيداً لإيجاب اجتناب المنهيِّ عنه،
(١) تفسير الطبري ٥٠٦/٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٤ / ١١٥٥ - ١١٥٦.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٢/ ١٣٧، وتفسير الطبري ٨/ ٥٠٤.

الآية : ٥٢
٢٤٣
سُورَةُ للفائِدَة
أي: بعضُهم أولياءُ بعضٍ مَّفقون على كلمةٍ واحدةٍ في كلِّ ما يأتون وما يذرون،
ومن ضرورةٍ ذلك إجماعُ الكلِّ على مُضَادَّتكم ومُضَارَّتِكم بحيث يسومونكم السوءَ
ويبغونكم الغوائلَ، فكيف يُتَصَوَّرُ بينكم وبينهم موالاة؟
وزعم الحوفيُّ أنَّ الجملة في موضع الصفة لـ ((أولياء)»، والظاهرُ هو الأول.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَُّ قِنْكُمْ فَإِنَُّ مِنْهُمُ﴾ - أي: من جملتهم وحُكْمُه ◌ُكُمُهم -
كالمستنتج مما قبله، وهو مخرجٌ مخرجَ التشديد والمبالغة في الزجر؛ لأنه لو كان
المتولِّي منهم حقيقةً لكان كافراً، وليس بمقصود.
وقيل: المراد: ومَن يتولَّهم منكم فإنه كافرٌ مثلهم حقيقةً، وحكي عن ابن
عباس ﴿ا، ولعل ذلك إذا كان تولِّيهم من حيث كونُهم يهوداً أو نصارى، وقيل:
لا بل لأنَّ الآية نزلت في المنافقين، والمرادُ أنهم بالموالاة يكونون كفاراً مجاهِرين.
)﴾ أي: أنفسَهم بموالاة
وقولُه سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلَِّمِينَ
الكفار، أو: المؤمنين بموالاة أعدائهم، تعليلٌ آخرُ - على ما قيل - يتضمَّن عدمَ نَفْع
موالاة الكَفَرةِ بل ترتُّبَ الضَّرر عليها .
وقيل: هو تعليلٌ لكون مَن يتولَّاهم منهم، أي: لا يهديهم إلى الإيمان بل
يخلِّيهم وشأنَهم فيقعون في الكفر والضلالة، وإنما وضع المظهَر موضعَ ضميرهم
تنبيهاً على أنَّ تولِيهم ظلمٌ؛ لما أنه تعريضٌ للنفس للعذاب الخالد، ووضعٌ للشيء
في غير موضعه.
وقولُه تعالى: ﴿فَ اَلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َّرَفٌ﴾- أي: نفاقٌ، كعبد الله بن أبيٍّ وأَضْرابِهِ
كما قال ابن عباس ﴿يا - بيانٌ لكيفية تولِّيهم، وإشعارٌ بسببه، وبما يَؤُولُ إليه
أمرُهم، والفاءُ للإيذان بترتُّبه على عدم الهداية وهي للسببية المَحْضَةِ، وجوَّز
الكرخيُّ كونَها للعطف على ((إنَّ الله)) إلخ من حيث المعنى.
والخطابُ إمَّا للرسولِ وَ﴿ بطريق التلوين، وإمَّا لكلِّ مَن له أهلية. والإتيانُ
بالموصول دون ضميرٍ القوم ليُشار بما في حيِّز الصلة إلى أنَّ ما ارتكبوه من التولِّي
بسببٍ ما گَمَنَ من المرض.
والرؤيةُ إِمَّا بَصَريةٌ وقولُه تعالى: ﴿يُسَِعُونَ فِمْ﴾ حالٌ من المفعول، وهو

سُوَدَّةُ القَائِدَة
٢٤٤
الآية : ٥٢
الأنسبُ بظهور نفاقِهم، وإمَّا قلبيةٌ والجملةُ في موضع المفعول الثاني، والمرادُ على
التقديرين: مُسارِعِينَ في موالاتهم، إلا أنه قيل: ((فيهم)) مبالغةً في بيان رغبتهم فيها
وتهالُكهم عليها، وإيثارُ كلمة ((في)) على كلمة ((إلى)) للدلالة على أنهم مستقرُّون في
الموالاة، وإنما مسارعتُهم من بعض مراتبها إلى بعض آخَرَ منها.
وفسَّر الزمخشريُّ(١) المسارعةَ بالانكماش لكثرة استعماله بـ(في))، وعَدَلَ عنه
بعضُ المحقّقين(٢) لكونه تفسيراً بالأَخْفَى. واختير أن تُعدَّى المسارعة هنا بـ(إلى))
لتضمُّنها معنى الدخول.
وقرئ: ((فَيَرَى)) بياء الغيبة (٣) على أنَّ الضمير - كما قال أبو البقاء - لله
تعالى(٤). وقيل: لمن يصحُّ منه الرؤيةُ. وقيل: الفاعلُ هو الموصول، والمفعولُ هو
الجملةُ على حذف أنْ المصدرية، والرؤيةُ قلبيٌ، أي: فَيَرَى القوم الذين في قلوبهم
مرضٌ أنْ يُسارِعوا فيهم، فلما حُذفتْ ((أَنْ)) انقلبَ الفعلُ مرفوعاً كما في قوله:
ألا أيُّهذا الزاجري أخْضُرُ الوغَى (٥)
وقوله عز وجل: ﴿يَقُولُونَ تَخْتَوَ أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَهُ﴾ حالٌ من فاعلٍ ((يسارعون))،
والدائرةُ من الصفات الغالبة التي لا يذكَرُ معها موصوفُها، وأصلُها: دارِرَة؛ لأنها
من دار يدور، ومعناها لغةً على ما في ((القاموس)): ما أحاط بالشيءٍ (٦).
وفي ((شرح الملخّص)): أنَّ الدائرة سطحٌ مستوٍ يحيطُ به خطّ مستديرٌ يُمكِّنُ أن
يُفْرَضَ في داخله نقطةٌ يكونُ البُعْدُ بينَها وبينَه واحداً في جميع الجهات، وقد تُطلق
الدائرةُ على ذلك الخطّ المحيطِ أيضاً. انتهى. واختلف في أنَّ أيَّ المعنيين حقيقة؟
فقيل: إنها حقيقةٌ في الأول، مجازٌ في الثاني، وقيل: بالعكس.
(١) في الكشاف ١/ ٦٢٠.
(٢) هو البيضاوي، كما في حاشية الشهاب ٣/ ٢٥٣.
(٣) القراءات الشاذة ص٣٣، والبحر ٥٠٨/٣.
(٤) الإملاء ٤٣٣/٢.
(٥) وعجزه: وأنْ أَشْهَدَ اللذَّاتِ هل أنت مُخْلِدِي، والبيت لطرفة، وهو في ديوانه ص٣٢،
والكتاب ٩٩/٣ وسلف ٢٧٧/٢.
(٦) القاموس (دور).

الآية : ٥٢
٢٤٥
سُورَُّ للَائِدَة
قال البرجنديُّ(١): وتحقيقُ ذلك أنه إذا ثُبِّت أحدُ طرفي خطّ مستقيم وأُدِيرَ دورةً
تامةً يحصُلُ سطحُ دائرةٍ يسمَّى بها؛ لأنَّ هيئةَ هذا السطح ذاتُ دورٍ، عَلَّى أنَّ صيغة
الفاعل للنسبة. وإذا تُوهِّم حركةُ نقطةٍ حولَ نقطةٍ ثابتةٍ دورةً تامةً بحيث لا يختلف
بعدُ النقطة المتحرِّكة عن النقطة الثابتة يحصُلُ محيط دائرةٍ يسمَّى بها؛ لأن النقطة
كانت دائرة، فسمِّي ما حَصَلَ من دورانها دائرةً، فإنِ اعتُبر الأول ناسَبَ أن يكون
إطلاقُ الدائرة على السطح حقيقةً وعلى المحيط مجازاً، وإذا اعتُبر الثاني ناسَبَ أن
یکون الأمر بالعكس. انتهى.
وتعقّبه بعضُ الفضلاء بأنَّه لا يَخْفَى ما فيه؛ لأنَّ إطلاقها بالاعتبار الثاني على
المحيط أيضاً مجازٌ؛ لأنه من باب تسمية المسبّب باسم السبب، اللهم إلَّا أن يقال:
إنه أراد بكون إطلاقها على المحيط حقيقةً: أنَّ إطلاقها عليه ليس مجازاً بالوجه
الذي كان به مجازاً في الاعتبار الأول، فإنَّ وجه المجازِ فيه التسميةُ للمحيط باسم
المُحاط، وهاهنا ليس كذلك كما سمعتَ، لكنَّ هذا تكلَّفٌ بعيد، ولو قال في وجه
التسمية في اللَّاحق: لأنَّ هيئةَ الخطّ ذاتُ دورٍ، على وفقٍ قوله في وجه التسمية
السابق، لمْ يَرِدْ علیه هذا، فتدبّر.
وكَيْفَما كان فقد استُعيرتْ لنوائب الزمان بملاحظة إحاطتها، وقولُهم هذا كان
اعتذاراً عن الموالاة، أي: نخشى أن تدورَ علينا دائرةٌ من دوائر الدهر ودولةٌ من
دُوَلِه، بأنْ ينقلب الأمر للكفار وتكونَ الدولةُ لهم على المسلمين، فنحتاج إليهم.
قاله مجاهد وقتادة والسُّديّ.
وعن الكلبيِّ أنَّ المعنى: نخشى أن يدور الدهرُ علينا بمكروهٍ - كالجَذْبِ
والقَحْطِ - فلا يَمِيْروننا ولا يُقْرِضُوننا.
ولا يَبْعُدُ من المنافقين أنهم يُظهرون للمؤمنين أنهم يريدون بالدائرة ما قاله
الكلبيُّ، ويُضْمِرون في دوائر قلوبهم ما قاله الجماعة، المنبئ عن الشكِّ في أمر
النبيِّ ێ.
(١) هو: عبد العلي بن محمد بن حسين الحنفي، له: شرح التذكرة النصيرية في علم الهيئة،
وشرح الفوائد البهائية في علم الحساب، وشرح المنار للنسفي في الأصول، وغيرها، توفي
سنة (٩٣٢هـ). هدية العارفين ٥٨٦/١ .

سُورَةُ الْقَائِدَة
٢٤٦
الآية : ٥٢
وقد رَدَّ الله تعالى عليهم عِلَلَهم الباطلةَ، وقَطَعَ أطماعَهم الفارغةَ، وبشَّر
المؤمنين بحصول أُمنيتهم بقوله سبحانه: ﴿فَسَى اَللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ فإنَّ ((عسى)) منه
عز وجل وعدٌ محتومٌ؛ لِمَا أنَّ الكريم إذا أَظْمَعَ أَظْعَمَ، فما ظنُّك بأكرم الأكرمين؟
والمراد بالفتح: فتحُ مكة: كما روي عن السدِّيّ. وقيل: فتحُ بلادِ الكفار،
واختاره الجبائيُّ.
وقال قتادة ومقاتل: هو القضاءُ الفَصْلُ بنَصْرِه عليه الصلاة والسلام على مَن
خالَفَه، وإعزازِ الدِّين.
و((أنْ يأتي)) في تأويل المصدر، وهو خبرٌ لـ ((عسى)) على رأي الأخفش،
ومفعولٌ به على رأي سيبويه(١)؛ لئلا يلزم الإخبارُ بالحدث عن الذات، والأمرُ في
ذلك عند الأخفش سهل.
﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ﴾ وهو القتلُ وسَبْيُ الذراري لبني قريظةَ، والجلاءُ لبني
النَّضير، عند مقاتل. وقيل: إظهارُ نفاق المنافقين مع الأمر بقتلهم، وروي عن
الحسن والزجَّاج(٢). وقيل: موتُ رأس النفاق، وحكي ذلك عن الجبائيِّ.
﴿فَيُصْبِحُواْ﴾ أي: أولئك المنافقون، وهو عطفٌ على ((يأتي)) داخلٌ معه في حيِّز
خبرِ ((عسى))، وفاءُ السببية لجَعْلِها الجملتين كجملةٍ واحدةٍ مُغْنيةٌ عن الضمير العائدِ
على الاسم، والمرادُ: فيصيروا ﴿عَ مَا أَسَرُّواْ فِىَ أَنفُسِهِمْ﴾ من الكفر والشكِّ في أمر
خبرُ ((يصبح))، وبه يتعلَّق ((على ما أَسَرُّوا))، وتخصيصُ
٥٢
النبيِّ ێ ﴿نَدِمِنَ
النَّدامةِ به لا بما كانوا يظهرونه من موالاة الكَفَرةِ لما أنه الذي كان يحملهم على
تلك الموالاة ويغريهم عليها، فدلَّ ذلك على أنَّ ندامتهم على التولِّي بأَصْلِهِ وسَبَبِهِ.
وأخرج ابنُ منصور وابن أبي حاتم عن عمرو أنه سمع ابن الزبير يقرأ:
((عسى الله أنْ يأتيَ بالفتح أو أمرٍ من عنده فيصبحُ الفسَّاقُ على ما أَسَرُّوا في أنفسهم
نادمين)) قال عمرو: لا أدري أكان ذلك منه قراءةً أم تفسيراً(٣).
(١) ينظر الكتاب ١٥٧/٣.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢/ ١٨١.
(٣) سنن سعيد بن منصور (٧٦٥ - تفسير)، وتفسير ابن أبي حاتم ١١٥٩/٤، وعمرو هو ابن دينار.

الآية : ٥٣
٢٤٧
سُورَةُ القَائِدَة
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيان كمالِ سوءِ حالِ الطائفةِ
المذكورة، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر بغير واوٍ(١) على أنه استئنافٌ بيانيٍّ، كأنه
قيل: فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ؟
وقر أبو عمرو ويعقوب: ((ويقولَ)) بالنصب(٢) عطفاً على ((فيصبحوا))، وقيل:
على ((أنْ يأتيَ)) بحَسَبِ المعنى، كأنه قيل: عسى أنْ يأتيَ اللهُ بالفتحِ ويقولَ الذين
آمنوا، بإسنادٍ ((يأتي)) إلى الاسم الجليل دون ضميره، واعتبر ذلك لأنَّ العطف على
خبرِ ((عسى)) أو مفعولها يقتضي أن يكون فيه ضميرُ الله تعالى ليَصِحَّ الإخبارُ به، أو
ليجري على استعماله، ولا ضمير فيه هنا ولا ما يُغْني عنه، وفي صورة العطف
باعتبار المعنى تكون ((عسى)) تامةً لإسنادها إلى ((أنْ)) وما في حيِّزها فلا حاجةً حينئذٍ
إلى ضمير، وهذا - كما قيل - قريبٌ من عَظْفِ التوهُم، وكأنهم عبَّروا عنه بذلك
دونه تأذُباً .
وجوَّز بعضُهم أن يكون ((أنْ يأتي)) بدلاً من الاسم الجليل، والعطفُ على
البدل، و((عسى)) تامةٌ أيضاً كما صرَّح به الفارسيُّ(٣).
وبعضُهم يجعل العطفَ على خبر ((عسى)) ويقدِّرُ ضميراً، أي: ويقول الذين
آمنوا به.
وذهب ابن النحاس إلى أنَّ العطف على الفتح، وهو نظيرُ:
ولبسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني(٤)
واعتُرضَ بأنَّ فيه الفصلَ بين أجزاء الصِّلة، وهو لا يجوزُ، وبأنَّ المعنى حينئذٍ:
عسى الله تعالى أن يأتي بقول المؤمنين، وهو ركيك.
وأجيب عن الأول بالفرق بين الإجزاء بالفعل، والإجزاء بالتقدير، وعن الثاني
(١) التيسير ص٩٩، والنشر ٢٥٤/٢، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة.
(٢) التيسير ص٩٩، والنشر ٢٥٤/٢- ٢٥٥.
(٣) في الحجة في القراءات السبعة ٢٣٠/٣ -٢٣١.
(٤) إعراب القرآن لأبي جعفر أحمد بن محمد النحاس ٢٦/٢-٢٧، والبيت لميسون بنت
بحدل الكلية، وعجزه: أحبُّ إليَّ من لُبْسِ الشفوف، وهو في الكتاب ٤٥/٣، والمقتضب
٢٧/٢، والخزانة ٥٠٣/٨.

سُورَةُ القَائِدَة
٢٤٨
الآية : ٥٣
بأنَّ المراد: عسى اللهُ سبحانه أن يأتي بما يُوجبُ قولَ المؤمنين من النصرة المظهِرةِ
لحالهم.
واختار شيخُ الإسلامِ قُدِّسَ سرُّه ما قدَّمناه(١)، ولا يحتاجُ إلى تكلُّفِ مؤونةٍ
تقدير الضميرِ؛ لأنَّ ((فتصبحوا)) كما علمتَ معطوفٌ على (يأتي))، والفاءُ كافيةٌ فيه
عن الضمير، فتكفي عن الضمير في المعطوف عليه أيضاً؛ لأنَّ المتعاطفَينِ كالشيء
الواحد، ولا حاجةً مع هذا إلى القول بأنَّ العطف عليه بناءً على أنه منصوب في
جواب الترجِّي إجراءً له مجرى التمنِّي - كما قال ابن الحاجب ـ لأنَّ هذا إنما يُجيزه
الكوفيون فقط بخلافِ الوجه الذي ذكرناه، والمعنى: ويقول الذين آمنوا مخاطبينَ
لليهودِ مشيرين إلى المنافقين الذين كانوا يُوالونهم ويَرْجُون دولتهم، ويُظْهِرون لهم
غايةَ المحبَّة وعدمَ المفارقة عنهم في السرَّاء والضرَّاءِ، عند مشاهدتهم تَخْبِيةَ رجائهم
وانعكاسَ تقديرهم لوقوع ضدِّ ما كانوا يترقَّبونه ويتعلَّلون(٢) به تعجيباً للمخاطَبين من
حالهم وتعریضاً بهم:
﴿أَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِلَلَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِمْ إِنَّهُمْ لَمَكُمْ﴾ أي: بالنصرة والمعونة،
كما قالوه فيما حَكَى عنهم: ﴿وَإِن قُوْنِلْتُمْ لَنَصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] فاسمُ الإشارة
مبتدأ وما بعده خبرُه، والمعنى إنكارُ ما فعلوه واستبعادُه وتخطئتُهم في ذلك، قاله
شيخ الإسلام وغيرُه(٣).
واختار غيرُ واحدٍ أنَّ المعنى: يقول المؤمنون الصادقون بعضُهم لبعض: أهؤلاء
الذين أقسموا بالله تعالى لليهود إنهم لمعكم.
والخطابُ على التقديرين لليهود، إلَّا أنه على الأول من جهة المؤمنين، وعلى
الثاني من جهة المُقْسِمين، وفي ((البحر)) أنَّ الخطاب على التقدير الثاني للمؤمنين،
أي: يقول الذين آمنوا بعضُهم لبعضٍ تعُّباً من حال المنافقين إذ أغلظوا بالأيمان
(١) وهو العطف على ((فيصبحوا))؛ لأن هذا القول إنما يصدر عن المؤمنين عند ظهور ندامة
المنافقين. تفسير أبي السعود ٤٩/٣ .
(٢) في (م) يتعالون، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٤٩/٣.
(٣) تفسير أبي السعود ٣/ ٥٠، وينظر الكشاف ١/ ٦٢٠، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب
٢٥٤/٣.

الآية : ٥٣
٢٤٩
سُؤَدَّةُ القَائِدَة
لهم وأقسموا أنهم معكم وأنهم معاضدوكم على أعدائكم اليهود، فلمَّا حلَّ باليهود
ما حلَّ أَظْهَروا ما كانوا يُسِرُونه من موالاتهم والتمالؤ على المؤمنين(١). وإليه يشير
كلامُ عطاء، وليس بشيء كما لا يخفى.
وجملةُ ((إنهم لمعكم)) لا محلَّ لها من الإعراب لأنها تفسيرٌ وحكايةٌ لمعنى
(أقسموا)) لكن لا بألفاظهم، وإلا لقيل: إنَّا معكم، وذكر السمين(٢) وغيرُه أنه يجوز
أن يقال: حلف زيد لأفعلنَّ ولیفعلنَّ.
و(جَهْدَ أيمانهم)) منصوبٌ على أنه مصدرٌ لـ ((أقسموا)) من معناه، والمعنى:
أقسموا إقساماً مجتهداً فیه، أو هو حال بتأويل مجتهدین، وأصلُه: يجتهدون جهد
أيمانهم، فالحال في الحقيقة الجملة، ولذا ساغ كونُه حالاً كقولهم: افعل ذلك
جَهْدَكَ، مع أنَّ الحال حقُّها التنكير؛ لأنه ليس حالاً بحَسَبِ الأصل. وقال غير
واحد: لا يُبالَى بتعريف الحال هنا لأنها في التأويل نكرة.
وهو مستعارٌ من جَهَدَ نفسَه: إذا بلغ وسعَها، فحاصل المعنى: أهؤلاء الذين
أگَدوا الأيمان وشدَّدوها.
﴿حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَسِرِينَ
يحتمل أن يكون هذا جملةً مستأنفةً
٥٢
مسوقةً من جهته تعالى لبيان مآلِ ما صنعوه من ادِّعاء الولاية والقسم على المعية في
كلِّ حالٍ، إِثْرَ الإشارة إلى بطلانه بالاستفهام، وأن يكون من جملة مقولِ المؤمنين
بأن يُجعل خبراً ثانياً لاسم الإشارة، وقد قال بجواز نحو ذلك بعضُ النحاة، ومنه
قولُه سبحانه: ﴿فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠].
أو يُجعل هو الخبر، والموصولُ مع ما في حيِّزْ صلته صفةٌ للمبتدأ، فالاستفهامُ
حينئذٍ للتقرير، وفيه معنى التعجُّبِ، كأنه قيل: ما أَحْبَطَ أعمالهم فما أخسرهم!
والمعنى: بَطَلَتْ أعمالُهم التي عملوها في شأن موالاتكم وسَعَوْا في ذلك سعياً
بليغاً، حيث لم تكن لكم دولةٌ - كما ظنُّوا - فينتفعوا بما صنعوا من المساعي
وتحمَّلوا من مُكابدةِ المشاقٌّ، وفيه من الاستهزاء بالمنافقين والتقريع للمخاطبين
(١) البحر ٥٠٩/٣.
(٢) في الدر المصون ٣٠٥/٤.

سُورَةُ القَائِدَة
٢٥٠
الآية : ٥٤
ما لا يَخْفَى. قاله شيخ الإسلام(١).
وذهب بعضهم إلى أنه إذا كانت من جملة المقول فهي في محلٌّ نصبٍ بالقول
بتقديرِ أنَّ قائلاً يقول: ماذا قال المؤمنون بعد كلامهم ذلك؟ فقيل: قالوا: حَبِطَتْ
أعمالُهم .. إلخ، والجملة: إمَّا إخباريةٌ، وشهادةُ المؤمنين بمضمونها على تقديرٍ أن
يكون المراد به خسراناً دنيويًّا (٢) وذهابَ الأعمال بلا نَفْع يترتَّبُ عليها - هو ما أَمِلوه
من دولة اليهود - مما لا إشكال فيه، وعلى تقدير أن يكون المرادُ أمراً أخرويًّا،
فيحتمل أن يكون باعتبار ما يَظْهَرُ من حال المنافقين في ارتكاب ما ارتكبوا، وأن
يكون باعتبار إخبارِ النبيِّ ◌َّهِ بذلك. وإما جملةٌ دُعائية، ولا ضير في الدعاء بمِثْلٍ
ذلك على ما مرَّت الإشارة إليه.
وأَشْعَرَ كلامُ البعضِ أنَّ في الجملة معنى التعجّبِ مطلقاً سواءٌ كانت من جملة
المقول، أو من قول الله تعالى(٣)، ولعله غيرُ بعيدٍ عند مَن يتدبّر.
وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنَكُمْ عَن دِينِ﴾ شروعٌ في بيان حال المرتدِّين على
الإطلاق بعد أنْ نَهى سبحانه فيما سلف عن موالاة اليهود والنصارى، وبيَّن أنَّ
موالاتهم مستدعيةٌ للارتداد عن الدِّين، وفضّل مصير مَن يُواليهم من المنافقين.
قيل: وهذا من الكائنات التي أَخْبَرَ عنها القرآنُ قبل وقوعها، فقد روي أنه ارتدَّ
عن الإسلام إحدى عَشْرةَ فرقةً، ثلاثٌ في عهد رسول الله وَله: بنو مدلج، ورئيسُهم
ذو الحمار (٤) - وهو الأسودُ العَنْسيُّ - كان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده،
فأخرج منها عمَّال النبيِّ بَّهِ، فكتب عليه الصلاة والسلام إلى معاذ بن جبل وإلى
(١) في تفسيره ٣/ ٥٠.
:
(٢) في الأصل و(م): خسران دنيوي، والمثبت هو الجادة.
(٣) وأُوِّل التعجّب في حق الله تعالى بأنه تعجيب. ينظر الكشاف ١/ ٦٢٠، والدر المصون ٣٠٦/٤.
(٤) جاء في هامش الأصل: بالحاء المهملة. وكذا قيَّدها الشهاب في الحاشية ٢٥٤/٣، وذكر
ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ٥٥ عن الواقدي أن الأسود هو ذو الخمار، وعن
غيره أنه لقب بذلك لأنه كان يلقي على وجهه قناعاً ويهمهم. وقال في الفتح ١٢/ ٤٢١: قال
الكرماني: كان يقال للأسود العنسي ذو الحمار لأنه علَّم حماراً إذا قال له: اسجد، يخفض
رأسه. قلت (والقائل ابن حجر): فعلى هذا هو بالحاء المهملة، والمعروف أنه بالخاء
المعجمة بلفظ الثوب الذي يختمر به.

الآية : ٥٤
٢٥١
سُوَدَّةُ القَائِدَة
ساداتٍ اليمن، فأهلكه الله تعالى على يدي فيروز الديلمي، بيَّته فقَتَلَه، وأخبر
رسولُ اللهِ وَلّه بِقَتْلِهِ ليلةَ قُتِل، فسُرَّ به المسلمون، وقُبِضَ عليه الصلاة والسلام من
الغد، وأتى خبره في شهر ربيع الأول(١).
وبنو حنيفة قومُ مسيلمةَ الكذَّاب بن حبيبٍ، تنبّأ وكتب إلى رسول الله وَّه: من
مسيلمةَ رسولِ الله إلى محمدٍ رسولِ اللهِوَ ﴿ سلامٌ عليك، أما بعد: فإنِّي قد أُشْرِكْتُ
في الأمر معك، وإنَّ لنا نصفَ الأرض ولقريشٍ نصفُ الأرض، ولكنَّ قريشاً قومٌ
يعتدون. فقَدِمَ عليه - عليه الصلاة والسلام - رسولان له بذلك، فحين قرأ ێ کتابه،
قال لهما: فما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال، فقال ◌َله: ((أمَا واللهِ لولا أنَّ
الرسل لا تُقتل لضربتُ أعناقكما)) ثم كتب إليه: ((بسم الله الرحمن الرحيم، من
محمدٍ رسول الله إلى مسيلمةَ الكذَّابِ، السلامُ على مَن اتَّبع الهدى، أمَّا بعدُ: فإنَّ
الأرض لله يُورِثُها مَن يشاء من عباده والعاقبةُ للمتقين)) وكان ذلك في سنة عَشْر (٢).
فحاربه أبو بكر رَُّله بجنود المسلمين، وقُتل على يدي وحشيٍّ قاتِلٍ حمزةَ ◌ًّا،
وكان يقول: قتلتُ في جاهليتي خيرَ الناس، وفي إسلامي شرَّ الناس.
وقيل: اشترك في قَتْلِه هو وعبدُ الله بنُ زيد الأنصاريُّ، طَعَنه وحشيٍّ وضربه
عبدُ الله بسيفه، وهو القائلُ:
يسائلُني الناسُ عن قتله فقلتُ ضَرَبْتُ وهذا طَعَنْ(٣)
في أبيات.
(١) ينظر ما ورد من أخبار عن ردة الأسود العنسي ومقتله في تاريخ الطبري ١٨٤/٣ - ١٨٧
و٢٢٧ - ٢٤٠، وتخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص ٥٥ - ٥٦. والكلام منقول من
الكشاف ٦٢١/١. وقد تعقب ابن حجر الزمخشري في قوله عن العنسي أنه استولى على
اليمن وأخرج عمال رسول الله وَلافه، بأنه إنما استولى على صنعاء وبعض البلاد الجبالية،
وأنه بقي من عمال النبي ◌َّيقر جماعة منهم ابن أبي أمية ومعه جميع السواحل، وكذلك معاذ
وغيره من عمال النبي ◌َّ في سواحل اليمن.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٦٠٠، وقصة النبي والقر مع الرسولين أخرجها أحمد (٣٦٤٢) و(٣٧٠٨)
من حديث ابن مسعود ظه، و(١٥٩٨٩) من حديث نعيم بن مسعود
(٣) البداية والنهاية ٣٦٥/٥، وفتح الباري ٧/ ٣٧٠-٣٧١. وقصة قتل مسيلمة أخرجها البخاري
(٤٠٣٢) من حديث وحشي وفيها: فرميته بحربتي فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين

سُورَةُ القَائِدَة
٢٥٢
الآية : ٥٤
وبنو أسد قومُ طليحةً بن خويلد، تنبّأ فبعث إليه أبو بكر ظله خالد بن الوليد،
فانهزم بعد القتال إلى الشام، فأسلم وحَسُنَ إسلامه.
وارتدَّت سبعٌ في عهد أبي بكر ظُه: فزارةُ قومُ عيينة بن حصين. وغطفانُ قومُ
قرة بن سلمة القشيري. وبنو سليم قومُ الفُجاءة بنِ عبد ياليل. وبنو يربوع قومُ
مالك بن نويرة. وبعضُ بني تميم قومُ سجاح بنت المنذر الكاهنة، تنبَّت وزوَّجَتْ
نفسها من مسيلمة في قصةٍ شهيرة، وصحَّ أنها أسلمتْ بعدُ وحَسُنَ إسلامُها. وكندةٌ
قومُ الأشعث بن قيس. وبنو بكر بن وائل بالبحرين قومُ الحطم بن زيد، وكفى الله
تعالی أمرهم على يدي أبي بكر څه.
وفرقةٌ واحدةٌ في عهد عمر ◌َظُه، وهم غسان قومُ جبلةَ بن الأيهم؛ تنصَّرَ ولحق
بالشام ومات على ردَّته. وقيل: إنه أسلم.
ويُروَى أنَّ عمر ◌َ ﴿له كتب إلى أحبار الشام لمَّا لَحِقَ بهم كتاباً فيه: إنَّ جَبَلَةَ
وَرَدَ إِليَّ في سَرَاةٍ قومه فأسلم فأكرمته، ثم سار إلى مكة فطاف فوَطِئَ إزارَه رجلٌ
من بني فزارةً، فلطمه جبلةُ فهشَمَ أنفه وكَسَر ثناياه - وفي روايةٍ: فَلَعَ عينه - فاستَعْدَى
الفزاريُّ على جبلة إليَّ، فحكمتُ إمَّا بالعفو، وإمَّا بالقصاص، فقال: أتقتصُّ مني
وأنا ملكٌ وهو سوقة؟! فقلتُ: شملك وإياه الإسلام فما تَفْضُلُه إلا بالعافية. فسأل
جبلةُ التأخير إلى الغد، فلمَّا كان من الليل ركب مع بني عمِّه ولَحِقَ بالشام مرتدًا.
وروي أنه ندم على ما فعله وأنشد:
ولم يكُ فيها لو صبرتُ لها ضرَرْ
تنصَّرْتُ بعد الحقِّ عاراً للطمةِ
فبعتُ لها العينَ الصحيحة بالعَوَرْ
فأدركني منها لجاجُ حَمِيَّةٍ
صبرتُ على القول الذي قاله عمرْ(١)
فيا ليتَ أمِّي لم تَلِدْني وليتني
كتفيه، ووثب إليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته. ولم يذكر فيها اسم
=
الأنصاري؛ قال ابن حجر: هو عبد الله بن زيد ... ، وقيل: هو عدي بن سهل، وقيل:
أبو دجانة، وقيل: زيد بن الخطاب، والأول أشهر. اهـ.
(١) الأبيات بنحوها في تفسير القرطبي ١٤١/١٢، والبداية والنهاية ٢٦٨/١١. وقد نقلها
المصنف مع ما قبلها من حاشية الشهاب ٢٥٥/٣.

الآية : ٥٤
٢٥٣
سُؤَدَّةُ القَائِدَة
هذا واعتُرض القولُ بأنَّ هذا من الكائنات التي أخبر الله تعالى عنها قبل
وقوعها بأنَّ ((مَن)) شرطية، والشرط لا يقتضي الوقوع؛ إذ أصلُه أن يُستعمل في
الأمور المفروضة.
وأجيب بأنَّ الشرط قد يُستعمل في الأمور المحقَّقة تنبيهاً على أنها لا يليق
وقوعُها، بل كان ينبغي أن تُدْرَج في الفرضيات، وهو كثير، وقد عُلم من وقوع ذلك
بعد هذه الآيةِ أنَّ المراد هذا.
وقرأ نافع وابن عامر: ((مَن يَرْتَدِدْ)) بفكِّ الإدغام(١)، وهو الأصلُ؛ لسكون ثاني
المِثْلَينِ، وهو كذلك في بعض مصاحف الإمام.
وقولُه تعالى: ﴿فَوْفَ بَأَتِى اَللَّهُ﴾ جوابُ ((مَن)) الشرطيةِ الواقعةِ مبتدأً. واختُلف
في خبرها؛ فقيل: مجموعُ الشرط والجزاء، وقيل: الجزاء فقط، فعلى الأول
لا يحتاج الجزاءُ وحده إلى ضميرٍ يربطه، وعلى الثاني يحتاج إليه وهو هنا مقدَّر،
أي: فسوف يأتي الله تعالى مكانهم بعد إهلاكهم ﴿بِقَوْرِ ثُهُمْ﴾ محبةً تليقُ بشأنه
تعالى على المعنى الذي أراده ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ أي: يميلون إليه جلَّ شأنه ميلاً صادقاً،
فيطيعونه في امتثال أوامره واجتناب مناهيه. وهو معطوف على ((يحبُّهم))(٢). وجوِّز
أن يكون حالاً من الضمير المنصوب فيه، أي: وهم يحبونه.
وفي ((الكشاف)) (٣): محبةُ العبادِ لربِّهم طاعتُه وابتغاءُ مَرْضاتِهِ، وأن لا يفعلوا
ما يوجب سَخَطَه وعقابه، ومحبةُ الله تعالى لعباده أنْ يُثيبهم أحسنَ الثواب على
طاعتهم، ويعظّمَهم ويثني عليهم ويرضى عنهم. وأمَّا ما يعتقدُه أَجْهَلُ الناس،
وأَعْداهُم للعلم وأهله، وأمقتُهم للشرع، وأسوأُهم طريقةً - وإن كانت طريقتُهم عند
أمثالِهِم من الجَهَلةِ والسفهاءِ شيئاً - وهم الفرقةُ المفتعلةُ المنفعلةُ(٤) من الصوف،
وما يدينون به من المحبة والعشق والتغنِّ على كراسيِّهم خرَّبها الله تعالى، وفي
مراقصهم عطّلها الله تعالى، بأبياتِ الغزل المقولةِ في المُرْدان الذين يسمُّونهم
(١) التيسير ص٩٩، والنشر ٢٥٥/٢، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة.
(٢) في الأصل و(م): يحبونه، والصواب ما أثبتناه، وينظر الدر المصون ٤/ ٣٠٧.
(٣) ١/ ٦٢١-٦٢٢ .
(٤) في الكشاف: المتفعلة المفتعلة. وفي الانتصاف على هامشه نقلاً عنه: المفتعلة المتفعلة.

سُورَةُ القَائِدَة
٢٥٤
الآية : ٥٤
شهداء، وصعقاتُهم التي أين منها صعقةُ موسى عليه السلام عند(١) دكِّ الطور،
فتعالى الله عنه علوًّا كبيراً، ومن كلماتهم: كما أنه بذاته يحبُّهم كذلك يحبُّون ذاته،
فإِنَّ الهاء راجعةٌ إلى الذَّات دون التُّعوتِ والصفات، ومنها: الحبُّ شرطُه أن تلحقه
سکراتُ المحبة، فإذا لم یکن ذلك لم یکن فيه حقيقة. انتهى كلامه.
وقد خَلَطَ فيه الغثَّ بالسمين فأطلق القول بالقدح الفاحش في المتصوِّفة ونَسَب
إليهم مالا يُعْبأُ بمرتكبه ولا يعدُّ في البهائم فضلاً عن خواصِ البشر، ولا يلزمُ مِن
تَسَمِّي طائفةٍ بهذا الاسم غاصبين له من أهله، ثم ارتكابِهم ما نَقَّلَ عنهم بل وزيادة
أضعافٍ أضعافه مما نعلمه من هذه الطائفة في زماننا - مما ينافي حال المُسمَّيْنَ به
حقيقةً - أن نؤاخذ الصالح بالطالح، ونضربَ رأسَ البعضِ بالبعض، فلا تَزِرُ وازِرةٌ
وِزْرَ أُخرَى.
وتحقيقُ هذا المقام على ما ذكره ابن المنير في ((الانتصاف))(٢) أنه لا شكَّ أنَّ
تفسير محبةٍ العبد لله تعالى بطاعته له سبحانه على خلاف الظاهر، وهو من المجاز
الذي يسمَّى فيه المسبَّب باسم السبب، والمجازُ لا يُعْدَلُ إليه عن الحقيقة إلَّا بعد
تعذّرِها فلْيُمْتَحَنْ حقيقةُ المحبةِ لغةً بالقواعد لنظُرَ أهي ثابتةٌ للعبد متعلِّقٌ بالله تعالى
أم لا؟
فالمحبة لغةً: ميلُ المتَّصِفِ بها إلى أمرٍ ملذٌ، واللذَّاتُ الباعثةُ على المحبة
منقسمةٌ إلى مُدْرَكٍ بالحسِّ؛ كلذَّة الذوقِ في المطعوم، ولذةِ النظر في الصور
المستَحسنةِ، إلى غير ذلك، وإلى لذةٍ مُدْرَكةٍ بالعقل؛ كلذةِ الجاهِ والرياسةِ والعلوم
وما يجري مجراها، فقد ثبت أنَّ في اللذات الباعثةِ على المحبة مالا يدركُهَ
إلا العقلُ دون الحسِّ.
ثم تتفاوتُ المحبةُ ضرورةً بحَسَبٍ تَفاوُتِ البواعثِ عليها، فليس اللذةُ برياسةٍ
الإنسان على أهل قريةٍ كلذَّته بالرياسة على أقاليمَ مُعْتَبَرةٍ. وإذا تفاوتت المحبةُ
بحسب تفاؤُتِ البواعِثِ فلذَّاتُ العلوم أيضاً متفاوتةٌ بحسب تفاؤُتِ المعلومات،
(١) في الأصل و(م): ثم، والمثبت من الكشاف. وجاء في الانتصاف: يوم.
(٢) على هامش الكشاف ١/ ٦٢١ -٦٢٢.

الآية : ٥٤
٢٥٥
سُورَّاُ للَائِدَة
وليس معلومٌ أكملَ ولا أجلَّ من المعبود الحقِّ، فاللذةُ الحاصلةُ من معرفته ومعرفةٍ
جلاله وكماله تكون أعظمَ، والمحبةُ المنبعثةُ عنها تكون أمكنَ، وإذا حَصَلَتْ هذه
المحبةُ بَعَثَتْ على الطاعات والمُوافَقات.
فقد تحصَّل من ذلك أنَّ محبةَ العبدِ لربِّه سبحانه ممكنةٌ بل واقعةٌ من كلِّ مؤمنٍ،
فهي من لوازم الإيمان وشروطِه، والناسُ فيها متفاوتون بحسب تفاوت إيمانهم.
وإذا كان كذلك وجب تفسيرُ محبةِ العبدِ الله عزَّ وجلَّ بمعناها الحقيقيِّ لغةً
وكانت الطاعاتُ والموافَقَاتُ كالمسبّبِ عنها والمغايرِ لها، ألا ترى إلى الأعرابيّ
الذي سأل عن الساعة، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((ما أَعْدَدْتَ لها))؟ قال: ما أعدَدْتُ لها
كبيرَ عملٍ، ولكنْ حبّ اللهِ تعالى ورسولِهِ بَّه، فقال عليه الصلاة والسلام: ((المرءُ
مع مَن أَحَبَّ))(١).
فهذا ناطقٌ بأنَّ المفهوم من المحبة لله تعالى غيرُ الأعمال والتزام الطاعات؛
لأنَّ الأعرابيَّ نفاها وأثبت الحبَّ، وأقرَّهُ وَّرَ على ذلك، ثم أَثْبتَ(٢) إجراءً محبةٍ
العبدِ لله تعالى على حقيقتها لغةً، والمحبةُ(٣) إذا تأكَّدتْ سمِّيتْ عشقاً، فهو المحبةُ
البالغةُ المتأكِّدةُ. والقولُ بأنه عبارةٌ عن المحبة فوقَ قَدْرِ المحبوب فيكفَّر مَن قال:
أنا عاشق لله تعالى أو لرسوله وَل﴾ - كما قاله بعضُ ساداتنا الحنفيةِ - في حيِّز المنع
عندي(٤).
والمعترفون بتصوُّر محبةِ العبد لله عزَّ شأنُه بالمعنى الحقيقيِّ ينسبون المنكرين
إلى أنهم جهلوا فأنكروا، كما أنَّ الصبيّ ينكِرُ على مَن يعتقد أنَّ وراء اللعب لذةً من
جماعٍ أو غيره، والمنهمكَ في الشهوات والغرام بالنساء يظنُّ أنْ ليس وراء ذلك لذةٌ
من رياسةٍ أو جاهٍ أو نحوِ ذلك، وكلُّ طائفةٍ تَسْخَرُ مما فوقها وتعتقدُ أنهم مشغولون
في غير شيءٍ.
(١) أخرجه البخاري (٣٦٨٨)، ومسلم (٢٦٣٩) من حديث أنس
(٢) في الانتصاف: ثم إذا ثبت.
(٣) في الانتصاف: فالمحبة.
(٤) من قوله: والقول بأنه عبارة عن المحبة، إلى هذا الموضع من كلام المصنف وليس في
الانتصاف.

سُورَةُ القَائِدَة
٢٥٦
الآية : ٥٤
قال حجةُ الإسلام الغزاليُّ روَّحَ الله تعالى رُوحَه: والمحبُّون لله تعالى يقولون
لمن أنكر عليهم ذلك: ﴿إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨].
انتھی، مع أدنی زیادةٍ.
ولم يتكلَّم على معنى محبة الله تعالى للعبد، وأنت تعلم أنَّ ذلك من المتشابه،
والمذاهبُ فيه مشهورةٌ، وقد قدَّمنا طرفاً من الكلام في هذا المقام فتذكَّر(١).
والمرادُ بهؤلاء القوم في المشهور أهلُ اليمن، فقد أخرج ابن أبي شيبة في
((مسنده)، والطَّبَرانيُّ، والحاكم وصحَّحه، من حديث عياض بن عمرو (٢)
الأشعريِّ: أنَّ النبيَّ وَلِّ لما نزلت أشار إلى أبي موسى الأشعريِّ - وهو من صميم
اليمن - وقال: ((هم قومُ هذا))(٣).
وعن الحسن وقتادةَ والضَّّاك: أنهم أبو بكر وأصحابُه ﴿ه الذين قاتلوا أهلَ
الرِّدة.
وعن السُّدِّيِّ: أنهم الأنصار.
وقيل: هم الذين جاهدوا يوم القادسية: ألفان من النَّخَع، وخمسةُ آلافٍ من
كندةَ وبجيلة، وثلاثةُ آلافٍ من أفناء الناس(٤)، وقد حارب هناك سعد بن أبي وقَّاصٍ
رستمَ الشقيَّ صاحبَ جیش یزدجرد.
وقال الإمامية: هم عليٍّ كرم الله وجهه وشيعتُه يومَ وقعة الجمل وصِفين.
وعنهم أنه المهديُّ ومَن يتبعه، ولا سَنَدَ لهم في ذلك إلا مَرْويَّتهم الكاذبة.
وقيل: هم الفرس؛ لأنه * سُئل عنهم فضرب يده على عاتق سلمان
(١) ينظر ما سلف عند تفسير الآية (٣١) من سورة آل عمران.
(٢) في الأصل و(م): عمر، والصواب ما أثبتناه، وقد اختلف في صحبته، فقال ابن حبان: له
صحبة، وقال البغوي: يشك في صحبته، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: روى عن النبي وَّو
مرسلاً، ورأى أبا عبيدة بن الجراح. الإصابة ١٨٨/٧ .
(٣) عزاه لابن أبي شيبة السيوطي في الدر ٢٩٢/٢، والشهاب في الحاشية ٢٥٥/٣، وهو في
المعجم الكبير ٣٧١/١٧، والمستدرك ٣١٣/٢، وأخرجه أيضاً ابن سعد ١٠٧/٤،
والطبري ٨/ ٥٢١.
(٤) أي: أخلاط قبائل شتى، ليسوا قبيلة واحدة كمن قبلهم. حاشية الشهاب ٣/ ٢٥٥.

الآية : ٥٤
٢٥٧
سُوَبَّةُ القَائِدَة
الفارسيّ ﴿ه، وقال: ((هذا وذَوُوه)). وتعقّبه العراقيُّ قائلاً: لم أقف على خبرٍ فيه،
وهو هنا وهم، وإنما ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنِ تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾
[محمد: ٣٨] كما أخرجه الترمذيُّ عن أبي هريرة ﴾(١)، فمَن ذكره هنا فقد وهم.
﴿أَفِلَةٍ عَلَى الْمُؤْمِينَ﴾ عاطفينَ عليهم متذلِلينَ لهم، جمع ذليلٍ لا ذلول، فإنَّ
جَمْعَه: ذُلُل، وكان الظاهر أن يقال: أذلةٍ للمؤمنين، كما يقال: تذلَّل له، ولا يقال:
تذلَّل عليه؛ للمنافاة بين التذلُّلِ والعُلُوِّ، لكنه عدِّي بـ ((على)) لتضمينه(٢) معنى العطف
والحنوِّ المتعدِّي بها .
وقيل: للتنبيه على أنهم مع علوّ طبقتهم وفَضْلِهم على المؤمنين خافضون لهم
أجنحتَهم. ولعل المراد بذلك أنه استعيرت ((على)) لمعنى اللام؛ ليؤذَنَ بأنهم غَلَبوا
غيرهم من المؤمنين في التواضُع حتى عَلَوْهم بهذه الصفة، لكن في استفادة هذا من
ذاك خفاء .
وكونُ المراد به أنه ضمَّن الوصفَ معنى الفضلِ والعلوِّ - يعني أنَّ كونهم أذلةً
ليس لأَجْلٍ كونهم أذلَّاءَ في أنفسهم، بل لإرادةِ أنْ يضمُّوا إلى علوِّ منصبهم وشرفهم
فضيلةَ التواضُع - لا يخفى ما فيه؛ لأنَّ قائل ذلك قابله بالتضمين فيقتضي أن يكون
وجهاً آخر لا تضمين فيه. وكونُ الجارِّ على ذلك متعلِّقاً بمحذوفٍ وقع صفةً أخرى
لـ «قوم)»، ومع علوِّ طبقتهم .. إلخ تفسيرٌ لقوله سبحانه: (عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، وخافضون ..
إلخ تفسيرٌ لـ ((أذلّة))، مما لا ينبغي أن يُلتفتَ إليه.
وقيل: عدِّيت الذلةُ بـ ((على)) لأنَّ العزة في قوله تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِنَ﴾
عدِّيَتْ بها كما يقتضيه استعمالُها، وقد قارَنَتْها فاعتُبرت المشاكلة، وقد صرَّحوا أنه
يجوز فيها التقديمُ والتأخير.
وقيل: لأنَّ العزة تتعدَّى بـ ((على))، والذلَّةُ ضدُّها، فعومِلَتْ معاملتَها لأنَّ النظير
(١) سنن الترمذي (٣٢٦٠) و(٣٢٦١)، وكلام العراقي نقله المصنف عن الشهاب في الحاشية
٢٥٥/٣، وقال نحواً منه ابن حجر فى تخريج أحاديث الكشاف ص٥٧، وزاد أنه ورد كذلك في
آية الجمعة من حديث أبي هريرة أيضاً وهو متفق عليه. ويعني بآية الجمعة قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرِينَ
مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ [الآية: ٣]، والحديث عند البخاري (٤٨٩٧)، ومسلم (٢٥٤٦).
(٢) في الأصل: لتضمنه.

سُورََّ القائِدَة
٢٥٨
الآية : ٥٤
كما يُحْمَلُ على النظير يُحمَلُ الضدُّ على الضدِّ كما صرَّح به ابن جنِّي وغيرُه.
وجرّ ((أذلةٍ)) و((أعزَّة)) على أنهما صفتان لـ ((قوم) كالجملة السابقة، وتُرِكَ العطف
بينهما للدلالة على استقلالهم بالاتِّصاف بكلِّ منهما. وفيه دليلٌ على صحة تأخير
الصفة الصريحة عن غير الصريحة، وقد جاء ذلك في غير ما آيةٍ، ومَن لم يُجوِّزْه
جَعَلَ الجملةِ هنا معترضةً، ولا يخفى أنه تكلُّفٌ.
ومعنى كونهم أعزةً على الكافرين: أنهم أشداءُ متغلِّبون عليهم، مِن عزَّه: إذا غَلَبه،
ونصَّ العلّامة الطِّيبيُّ على أنَّ هذا الوصف جيءَ به للتكميل؛ لأنَّ الوصف قبله یوهمُ
أنهم أذلاءُ محقّرون في أنفسهم، فدفع ذلك الوهم بالإتيان به، على حدٍّ قوله:
جلوسٌ في مجالسهم رزانٌ
وإنْ ضيفٌ ألمَّ فهم خفوفُ(١)
وقرئ: ((أذلَّةً)) و((أَعزَّةً)) بالنصب(٢) على الحالية من ((قوم)) لتخصيصه(٣) بالصفة.
﴿يُمَهِدُونَ فِى سَبِلِ اللَّهِ﴾ بالقتال لإعلاء كلمته سبحانه وإعزازِ دينه جلَّ شأنُه،
وهو صفةٌ أخرى لـ ((قوم)) مترتِّبةٌ على ما قبلَها، مبيّنةٌ مع ما بعدها لكيفية عزَّتهم.
وجوَّز أبو البقاء أن يكون حالاً من الضمير في ((أعزة))، أي: يَعِزُّون مجاهدين، وأن
يكون مستأنفاً .
﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيٍَّ﴾ فيما يأتون من الجهاد، أو: في كلِّ ما يأتون ويَذَرُون،
وهو عطفٌ على ((يجاهدون)) بمعنى أنهم جامعون بين المجاهَدَةِ والتصلُّبِ في
الدین، وفيه تعريضُ بالمنافقين.
وجوِّز أن يكون حالاً من فاعلٍ ((يجاهدون))، أي: يجاهدون وحالُهم غيرُ حالٍ
المنافقين، والتعريضُ فيه حينئذٍ أَظْهَرُ.
وقيل: إنه على الأول لا تعريضَ فيه، بل هو تتميمٌ لمعنى ((يجاهدون)) مفيدٌ
للمبالغة والاستيعاب. وليس بشيءٍ.
واعتُرض القولُ بالحالية بأنهم نصُّوا على أنَّ المضارع المنفيَّ بـ ((لا)) أو (ما))
(١) البيت في ديوان المعاني ٣٤/١، والإيضاح في علوم البلاغة ١/ ٥٣.
(٢) القراءات الشاذة ص٣٣، والكشاف ٦٢٣/١، والبحر ٥١٢/٣.
(٣) في الأصل: لتخصصه.

الآية : ٥٤
٢٥٩
سُوَرَّةُ القَائِدَة
کالمثبتِ في عدم جواز دخول الواو عليه.
وأجيب بأنَّ ذلك مبنيٌّ على مذهب الزمخشري القائل بجواز اقتران المضارع
المنفيِّ بـ ((لا)) و((ما)) بالواو، فإنَّ النحاة جوَّزوه في المنفيِّ بـ ((لم)) و((لمَّا))، ولا فرقَ
بينهما .
و ((اللومة)): المرَّةُ من اللوم، أي: الاعتراض، وهو مضافٌ لفاعله. وأصلُ
لائم: لا وِم فاعل کقائم.
وفي اللومة مع تنكير ((لائم)) مبالغتان على ما قيل، ووجَّه ذلك العلّامةُ الطيبيُّ بأنه
ينتفي بانتفاء الخوف من اللومة الواحدة خوفُ جميع اللَّوْمات؛ لأنَّ النكرة في سياق
النفي تَعمُّ، ثم إذا انضمَّ إليها تنكيرُ فاعلها يستوعبُ انتفاءً خوفٍ جميع اللُّؤَّام، فيكون
هذا تتميماً في تتميم، أي: لا يخافون شيئاً من اللوم مِن أحدٍ من اللُّؤَّام.
وقيل عليه: بأنه كيف يكون ((لومة)) أبلغَ من لوم مع ما فيها من معنى الوحدة،
فلو قيل: لومَ لائم، کان أبلغ؟
وأجيب بأنها في الأصل للمرة، لكن المراد بها هنا الجنس، وأتى بالتاء
للإشارة إلى أنَّ جنس اللوم عندهم بمنزلة لومةٍ واحدة.
وتُعقِّب بأنه لا يدفع السؤال؛ لأنه لا قرينةً على هذا التجوُّز مع بقاء الإبهام
فيه، وقد يقال: إنَّ مقام المدح قرينةٌ قوية على ذلك.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما تقدَّم من الأوصاف لا بعضِها كما قيل، والإفراد
لما تقدم، وكذلك ما فيه من معنى البُعْد.
﴿فَضْلُ اللّهِ﴾ أي: لُظْفُه وإحسانه ﴿يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ﴾ إيتاءَه إياه، لا أنهم مستقلُّون
في الاتِّصاف به.
﴿وَاللَّهُ وَسِعَّ﴾ كثيرُ الفضل، أو جوادٌ لا يخاف نفاد ما عنده سبحانه ﴿عَلِيهُ
مبالغٌ في تعلَّق العلم في جميع الأشياء التي من جملتها من هو أهلُ الفضل ومحلُّه.
والجملةُ اعتراضٌ تذييليٍّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، وإظهار الاسم الجليل للإشعار
بالعلَّة وتأكيد استقلال الجملة الاعتراضية كما مرَّ غيرَ مرَّةٍ.
٥٤

سُورَةُ القَائِدَة
٢٦٠
التفسير الإشاري (٤٨ - ٥٤)
هذا، ومن باب الإشارة في الآيات على ما قاله بعض العارفين: ﴿وَأَنْزَلْنَآَ إِلَيْكَ
اَلْكِتَبَ بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ﴾ يحتملُ أن يكون الكتابُ الأولُ
إشارةً إلى علم الفرقان، والثاني إشارةً إلى علم القرآن، والأولُ هو ظهورُ تفاصيل
الكمال، والثاني هو العلم الإجماليُّ الثابت في الاستعداد. ومعنى كونه مهيمناً
عليه: حافظاً عليه بالإظهار.
ويحتمل أن يكون الأولُ إشارةً إلى ما بين أيدينا من المصحف، والثاني إشارةً
إلى الجنس الشامل للتوراة التي دَعْوتُها للظاهر، والإنجيل الذي دَعوْتُه للباطن،
وكتابُنا مشتملٌ على الأمرين، حافظٌ لكلِّ من الكتابين.
﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمِ بِمَآ أَنْزَلَ اللّهُ﴾ من العدل الذي هو ظلُّ المحبة التي هي ظلُّ
الوحدة التي انكشفت عليك ﴿وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ في تغليب أحد الجانبين إما الظاهر
وإما الباطن.
﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ﴾ مورداً؛ كمورد النفس، ومورد القلب، ومورد الروح
﴿وَمِنْهَاجَأَ﴾ طريقاً كعلم الأحكام والمعارف التي تتعلَّق بالنفسِ وسلوكٍ طريق الباطن
الموصل إلى جنة الصفات، وعلم التوحيد والمشاهَدة الذي يتعلَّق بالروح وسلوكٍ
طريق الفناء الموصل إلى جنة الذات.
وقال بعضهم: إنَّ لله سبحانه بحاراً للأرواح، وأنهاراً للقلوب، وسواقيَ
للعقول، ولكلِّ واحدٍ منها شرعةٌ في ذلك تَرِدُ منها؛ كشرعة العلم، وشرعة القدرة،
وشرعة الصمدية، وشرعة المحبة، إلى غير ذلك. وله عز وجل طرقٌ بعدد أنفاس
الخلائق كما قال أبو يزيد قدَّس الله سرَّه، والمراد بها الطرقُ الشخصية لا مطلقاً،
وكلُّها تُوصِل إليه سبحانه.
وهذا إشارة إلى اختلاف مشارب القوم وعدم اتحاد مسالكهم، وقد قال جلَّ
وعلا: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ تَثْرَبَهُمٌ﴾ [البقرة: ٦٠] وفرَّق سبحانه بين الأبرار
والمقرَّبين في ذلك، وقلَّما يتفق اثنان في مشربٍ ومنهج، ومن هنا ينحلُّ الإشكال
فيما حكي عن حضرة البازِ الأشهب مولانا الشيخ محيي الدين عبد القادر الكيلانيّ
قدَّس الله سرَّه أنه قال: لا زلتُ أسير في مهامِهِ القدس حتى قطعتُ الآثار، فَلَاح
لي أثرُ قدم من بعيد فكادت روحي تزهق، فإذا النداء: هذا أثرُ قدم نبيِّك محمد اَله.