النص المفهرس

صفحات 221-240

الآية : ٤٥
٢٢١
سُورَةُ القَائِدَة
﴿أُوْلَّبِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ أي: بالمراقبة والمراعاة،
وقال أبو بكر الورَّاق: طهارةُ القلب في شيئين: إخراج الحسد والغشِّ، وحُسْن
الظنِّ بجماعة المسلمين.
﴿أَكَّلُونَ لِلسُّحْتِّ﴾ وهو ما يأكلونه بدينهم ﴿فَإِن جَآءُوَكَ فَعَكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ مُداوياً
لدائهم إنْ رأيتَ التَّداوي سبباً لشفائهم ﴿أَوْ أَعْرِضّ عَنْهُمْ﴾ إنْ تيقَّنْتَ إعوازَ الشفاء
لشقائهم.
﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ أي: داوِهم على ما يستحقُّون ويقتضيه
داؤهم. والكلامُ في باقي الآيات ظاهرٌ والله تعالى الموفق.
﴿وَكَبِنَا﴾ عطفُ على ((أنزلنا التوراة)) والمعنى: قدَّرْنا وفَرَضْنا ﴿عَلَّهِمْ﴾ أي:
على الذين هادوا، وفي مصحف أُبيِّ: ((وأنزلنا على بني إسرائيل))(١).
﴿فيها﴾ أي: في التوراة، والجارُّ متعلّقٌ بـ ((کتبنا))، وقيل: بمحذوفٍ وقع حالاً،
أي: فَرَضْنا هذه الأمورَ مبيَّنَةً فيها، وقيل: صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: كتبنا كتابةً
مبيَّنَةً فيها .
﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أي: مأخوذةٌ، أو مقتولةٌ، أو مقتصَّةٌ بها، إذا قتلتْها بغير
حقِّ، ويقدَّر في كلِّ ممَّا في قوله تعالى: ﴿وَأَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ
بِالْأُذُنِ وَالسِّنَ بِلسِنٍ﴾ ما يناسبُه كالفَقْءِ، والجَذْعِ، والصَّلْم، والقَلْع، ومنهم مَن
قدَّر الكونَ المطلق، وقال: إنه مرادهم، أي: يستقَرُّ أَخْذُها بالعين، ونحو ذلك.
وقرأ الكسائيُّ: ((العين)) وما عُطِفَ عليه بالرفع(٢)، ووجَّهه أبو عليٍّ الفارسيُّ(٣)
بأنَّ الكلام حينئذٍ جملٌ معطوفةٌ على جملةِ ((أنَّ النفسَ بالنفسِ)) لكنْ من حيث
المعنى لا من حيث اللفظ، فإنَّ معنى ((كتبنا عليهم أنَّ النفس بالنفس)): قلنا لهم:
النفسُ بالنفس، فالجملةُ مندرجةٌ تحت ما كُتب على بني إسرائيل.
(١) الكشاف ٦١٦/١.
(٢) التيسير ص٩٩، والنشر ٢٥٤/٢.
(٣) في الحجة ٢٢٤/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٢٤٧/٣.

سُوَّةُ للفائِدَة
٢٢٢
الآية : ٤٥
وجَعَله ابنُ عطيةَ على هذا القول من العطف على التوهُم (١)، وهو غيرُ مَقيسٍ.
وقيل: إنه محمول على الاستئناف بمعنى أنَّ الجمل اسميةٌ معطوفةٌ على الجملة
الفعلية، ویکون هذا ابتداءً تشریع وبیانَ حکمٍ جدید غیرٍ مندرجٍ فیما كُتب في
التوراة، وقيل: إنه مندرجٌ فيه أيضاً على هذا، والتقديرُ: وكذلك العينُ بالعين، إلخ
لتتوافقَ القراءتان.
وقال الخطيب: لا عَظْفَ، والاستئناف بمعناه المتبادرُ منه، والكلامُ جوابُ
سؤالٍ، كأنه قيل: ما حالُ غيرِ النفس؟ فقال سبحانه: ﴿العينُ بالعين﴾ إلخ.
وقيل: إنَّ ((العين)) وكذا سائرُ المرفوعات معطوفةٌ على الضمير المرفوع المستتر
في الجارِّ والمجرورِ الواقع خبراً، والجارُّ والمجرورُ بعدها حالٌ مبيَِّةٌ للمعنى.
وضُعِّفَ هذا بأنه يلزمُه العطفُ على الضمير المرفوع المثَّصل من غير فصلٍ
ولا تأكيدٍ، وهو لا يجوزُ عند البصريين إلا ضرورةً.
وأجيب بأنه مفصولٌ تقديراً؛ إذ أَضْلُه: النفسُ مأخوذةٌ أو مقتصَّةٌ هي بالنفس؛
إذ الضميرُ مستترٌ في المتعلَّق المقدَّم على الجارِّ والمجرور بحسب الأصل،
وإنما تأخّر بعد الحذف وانتقاله إلى الظرف.
كذا قيل، وهو يقتضي أنَّ الفَصْلَ المقدَّرَ يكفي للعطف، وفيه نظر. ويقدَّر
المتعلَّق على هذا عامًّا لَيَصِحَّ العطفُ؛ إذ لو قدِّر: النفس مقتولةٌ بالنفس والعينُ، لم
يستقم المعنى كما لا يخفى، فلْيُفْهَمْ.
واعلم أنَّ النفس في كلامهم إذا أُريدَ منها الإنسانُ بعينه مذكّرٌ، ويقال: ثلاثةُ
أنفسٍ، على معنى: ثلاثة أشخاص، وإذا أريد بها الروح فهي مؤنثةٌ لا غير،
وتصغيرُها : نُفَيْسَةٌ(٢).
والعينُ بمعنى الجارحةِ المخصوصةِ مؤنَّةٌ، وإطلاقُ القولِ بالتأنيث لا يَظْهَرُ له
وجهٌ؛ إذ لا يصحُّ أن يقال: هذه عينُ هؤلاء الرجال، وأنت تريد الخيار. والأذنُ
(١) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية، والصواب أن هذا التوجيه ذكره أبو حيان في
البحر ٤٩٤/٣، ثم ضعفه بأن العطف على التوهم لا ينقاس، وإنما يقال منه ما سُمع.
وينظر الدر المصون ٤/ ٢٧٤.
(٢) بعدها في (م): لا غير.

الآية : ٤٥
٢٢٣
سُوَّةُ القَائِدَة
مثلُها، والأنفُ مذكَّرٌ لا غير.
والسنّ تؤنَّثُ ولا تذكَّر وإنْ كانت السنَّ من الكِبَر، لكنْ ذَكر ابنُ الشحنة أنَّ
السنَّ تُطْلَقُ على الضرس والناب، وقد نصُّوا على أنهما مذكَّران، وكذا الناجذُ
والضاحكُ والعارضُ، ونصّ ابنُ عصفورٍ على أنَّ الضِّرسَ يجوزُ فيه الأمران، ونَظَمَ
ما يجوزُ فيه ذلك بقوله:
تؤنَّثُ أحياناً وحيناً تُذَكَّرُ
وهاك من الأعضاء ما قد عَدَدْتُه
وعاتقُه والمَثْنُ والضّرسُ يُذْكَرُ
لسانُ الفتى والإبطُّ والعنقُ والقفا
وعَجْزُ الفتى ثم القريضُ المحبّر
وعندي الذِّراعُ والكراعُ مع المِعَى
سوى سيبويه وهو فيهم مكبَّرُ
كذا كلُّ نَحْويٍّ حَكَى في كتابه
أتى، وهو للتذكير في ذاك مُنْكِرُ(١)
يَرى أنَّ تأنيث الذراع هو الذي
وقد شاع أنَّ ما مِنه اثنان في البدن كاليد والضِّلع والرِّجل مؤنَّثٌ، وما منه واحدٌ
كالرأس والفم والبطن مذكّرٌ، وليس ذاك بمطَّردٍ؛ فإنَّ الحاجِبَ والصُّدْغَ والخَدَّ
والمِرْفَقَ والزَّنْدَ كلٌّ منها مذكّرٌ مع أنَّ في البدن منه اثنين، والكَبِد والگَرِش
فإنهما مؤنَّثان وليس منهما في البدن إلا واحدٌ، وتفصيلُ ما يذكّر ولا يؤثّثُ،
وما يؤنَّثُ ولا يذكَّر، وما يذكَّرُ ويؤنَّث(٢) من الأعضاء، يُفْضي إلى بَسْطِ يد المقال،
والكفُّ أولى بمقتضى الحال هذا(٣).
﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ بالنصب عطفٌ على اسم ((إن))، و((قصاصٌ)) هو الخبر، ولكونه
مصدراً كالقتال - وليس عينَ المُخبِرِ عنه - يؤوَّل بأحد التأويلات المعروفة في أمثاله.
والكسائيُّ كما قرأ بالرفع فيما قَبْلُ قرأ به هنا أيضاً. وابنُ كثير وابنُ عامر
وأبو عمرو وإنْ نصبوا فيما تقدَّم رفعوا هنا على أنه إجمالٌ لحكم الجراح بَعْدَ
ما فضَّل حكمَ غيرها من الأعضاء، وهذا الحكمُ فيما إذا كانت بحيث تعرفُ
المساواة كما فضِّل في الكتب الفقهية.
(١) وذكرها العيني في عمدة القاري ٤/ ٦٥.
(٢) قوله: وما يذكر ويؤنث، ساقط من (م).
(٣) في الأصل: يفضي لمزيد التطويل إلى الجرح بكتابنا هذا.

سُورَةٌ للقائِدَة
٢٢٤
الآية : ٤٥
واستدلَّ بعموم ((أنَّ النفسَ بالنفس)) مَن قال كصاحبنا: يُقتل المسلم بالذمي(١)،
والحرُّ بالعبد، والرّجلُ بالمرأة، ومَن خالف استدلَّ بقوله تعالى: ﴿اَلْثُّ بِلْخُّ وَالْعَبْدُ
بِالْعَبْدِ وَآلْأُنثَى بِآلْأُنْ﴾ [البقرة: ١٧٨] وبقوله وَِّ: ((لا يُقْتَلُ مؤمنٌ بكافٍ)(٢).
وأجاب بعضُ أصحابنا: بأنَّ النصَّ تخصيصٌ بالذكر فلا يدلُّ على نفي ما عَدَاه،
والمراد بما رُوي الحربيُّ؛ لسياقه: ((ولا ذو عهد في عهده))(٣) والعطفُ يقتضي
المغايرةَ، وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام قتل مسلماً بذمِّيَّ(٤).
وذكر ابنُ الفرس أنَّ الآية في الأحرار المسلمين؛ لأنَّ اليهود المكتوبَ عليهم
ذلك في التوراة كانوا ملَّةً واحدة ليسوا منقسمين إلى مسلم وكافر، وكانوا كلهم
أحراراً لا عبيدَ فيهم؛ لأنَّ عَقْدَ الذمة والاستعباد إنما أُبيح للنبيِّ وَّر من بين سائر
الأنبياء؛ لأن(٥) الاستعباد من الغنائم ولم تحلَّ لغيره عليه الصلاة والسلام، وعَقْدُ
الذمةِ لبقاء الكفَّارِ، ولم يقع ذلك في عهدِ نبيِّ، بل كان المكذِّبون يهلكون جميعاً
بالعذاب، وأُخِّر ذلك في هذه الأمة رحمةً. انتهى.
وأنت تعلم أنَّ اللفظ ظاهرٌ في العموم، ومثل هذا لا يَصْلُحُ مخصِّصاً، نعم إنه لم يَبْقَ
(١) في (م): واستدل بعموم أن النفس بالنفس من قال يقتل المسلم بالكافر. وينظر الجامع
لأحكام القرآن ٦٧/٣، والإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص ١١٢ .
(٢) أخرجه البخاري (١١١)، وأحمد (٥٩٩) من حديث علي
(٣) أخرجه من حديث عليٍّ بهذه الزيادة أحمد (٩٥٩)، وأبو داود (٤٥٣٠). وأخرجه بها أيضاً
أحمد (٦٦٩٠)، وأبو داود (٢٥٧١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص څبه.
(٤) أخرجه أبو داود في المراسيل (٢٥٠) من طريق ربيعة عن عبد الرحمن بن البيلماني حدثه أن
رسول الله ﴿ أتي برجل من المسلمين قتل معاهَداً من أهل الذمة، فقدم رسول الله وَله
المسلم فضرب عنقه ... ، وأخرجه الدراقطني (٣٢٥٩) من طريق إبراهيم بن محمد الأسلمي،
عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن ابن عمر أن رسول الله وَلمه
قتل مسلماً بمعاهَد ...
قال الدارقطني: لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك الحديث، والصواب: عن
ربيعة، عن ابن البيلماني مرسل عن النبي وَّر، وابن البيلماني ضعيف الحديث لا تقوم به
حجة إذا وَصَل الحديث، فكيف بما يرسله.
(٥) في الأصل: إذ والمثبت من (م) وهو الموافق لما في الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي
ص ١١٢، والكلام منه.

الآية : ٤٥
٢٢٥
سُورَةُ القَائِدَة
على العموم الصرف، فقد قال(١) الأصحاب: لا يُقتل المسلم بالمستأمَنِ، ولا الذميُّ
به؛ لأنه غيرُ محقونِ الدم على التأبيد، وكذا كفرُه باعثٌ على الحراب لأنه على قَصْدِ
الرجوع، ولا المستأمَنُ بالمستأمَنِ استحساناً لقيام المبيح، ويُقتل قياساً للمساواة.
ولا الرجلُ بابنه لقوله ◌َّهِ: ((لا يُقادُ الوالدُ بوَلَدِه))(٢)، وهو بإطلاقه حَّةٌ على
مالكٍ في قوله: يقادُ إذا ذبحه ذبحاً، ولأنه سببٌ لإحيائه، فمن المحال أنْ يُسْتَحقّ
له إفناؤه، ولهذا لا يجوز له قتلُه وإنْ وجده في صفِّ الأعداء مقاتلاً، أو زانياً وهو
مُحصَنٌّ. والقصاصُ يستحقُّه المقتولُ أولاً ثم يَخلُفه وارثُه. والجدُّ من قِبَل الرجال
والنساء وإنْ عَلَا في هذا بمنزلة الأب، وكذا الوالدةُ والجدَّةُ من قِبَل الأمُّ أو الأب
قَرُبَتْ أو بَعُدَتْ؛ لِمَا بِينًا.
ولا الرجلُ بعبده، ولا مدبَّرِه، ولا مكاتَبِهِ، ولا بعبدٍ ولدِه لأنه لا يَستَوْجبُ
لنَفْسِه على نَفْسِه القصاصَ ولا ولده عليه، وكذا لا يقتل بعبدٍ مَلَكَ بعضَه؛ لأنَّ
القصاص لا يتجزَّأ.
وليست مخصِّصاتُ العموم - نظراً إلى هذه المستثنيات وما ذكره ابن الفرس - سواءً
في ميدان القبول، كما لا يخفى على مَن حاز قصب السَّبْق في مضمار التحقيق(٣).
واستَدَلَّ الإمامُ أحمد بالآية على أنه لا تُقْتَلُ الجماعةُ بالواحد(٤)؛ لقوله تعالى
فيها : (أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) بالإفراد.
وأُجيبَ بأنَّ حكمة القصاص - وهو صَوْنُ الدماء والأحياء - اقتضت القتلَ
وصَرْفَ الآيةِ عما ذكر؛ فإنه لو كان كذلك قَتَلوا مجتمعينَ حتى يَسْقُطَ عنهم
القصاصُ، وحينئذٍ تُهْدَرُ الدماءُ ويَكْثُرُ الفسادُ. کذا قيل.
(١) في (م): وأنت تعلم أن اللفظ ظاهر في العموم لكن لم يبقوه على ذلك فقد قال.
(٢) أخرجه الترمذي (١٤٠١)، وابن ماجه (٢٦٦١) من حديث ابن عباس ﴿ه. وأخرجه أحمد
(١٤٧)، والترمذي (١٤٠٠) من حديث عمر ظُه. قال ابن عبد البر في التمهيد ٤٣٧/٢٣:
هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق مستفيض عندهم، يستغنى بشهرته وقبوله
والعمل به عن الإسناد فيه حتى يكاد أن يكون الإسناد في مثله لشهرته تكلفاً.
(٣) من قوله: وليست مخصصات، إلى هذا الموضع ليس في (م)، ووقع بدلاً منه: فليفهم.
(٤) في (م): واستدل بها على ما روي عن الإمام أحمد من أنه لا يقتل الجماعة بالواحد.

سُورَةُ القَائِدَة
٢٢٦
الآية : ٤٥
﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ﴾ أي: من المستحقِّين للقصاص ﴿يِهِ.﴾ أي: بالقصاص، أي:
فَمَن عفا عنه، والتعبيرُ عن ذلك بالتصدُّق للمبالغة في الترغيب ﴿فَهُوَ﴾ أي:
التصدُّق المذكور ﴿كَفَّارَةٌ لَُّ﴾ للمتصدِّق، كما أخرجه ابن أبي شيبة عن
الشعبيّ(١)، وعليه أكثر المفسِّرين.
وأخرج الدَّيْلميُّ عن ابن عمر ﴿يَّ: أنَّ رسول اللهِوَّرِ قال في الآية(٢): ((هو
الرجلُ يُكْسَرُ سنُّه أو يُجْرَحُ من جسده فيعفو، فيُحَظّ عنه من خطاياه بقَدْرِ ما عفا عنه
من جسده، إنْ كان نصفَ الدِّيَةِ فنصفُ خطاياه، وإنْ كان ربعَ الدِّيَةِ فربعُ خطاياه،
وإن كان ثلثَ الدية فثلثُ خطاياه، وإن كان الديةَ كلَّها فخطاياه كلُّها))(٣).
وأخرج سعيد بن منصور وغيرُه عن عديٍّ بنِ ثابتٍ: أَنَّ رجلاً هَتَمَ فَمَ رجلٍ على
عهدٍ معاويةَ ◌َُه، فأعطيَ دِيَةً فَأَبَى إِلَّ أنْ يَقْتَصَّ، فَأُعطيَ ديتين فَأَبَى، فَأُعطيَ
ثلاثاً، فحدَّث رجلٌ من أصحاب النبيِّ وَ لِّ عن رسول الله عليه الصلاة والسلام
قال: (مَن تصدَّق بدمٍ فما دونه فهو كفارةٌ له مِن يومٍ وُلِدَ إلى يوم يموتُ))(٤).
وقيل: الضمير عائدٌ إلى الجاني، وإلى ذلك ذهب ابن عباس ﴿يا فيما أخرجه
عنه ابن جرير(٥)، ومجاهدٌ وجابرٌ فيما أخرجه عنهما ابن أبي شيبة(٦).
ومعنى كونٍ ذلك كفارةً له على هذا التقدير: أنه يَسقطُ به ما لزمه. ويتعيَّن على
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٩/ ٤٤٠، وأخرجه أيضاً الطبري ٨/ ٤٧٤.
(٢) في (م): أن رسول الله وَله قرأ الآية فقال.
(٣) الفردوس بمأثور الخطاب ١٥٣/٣.
(٤) سنن سعيد بن منصور (٧٦٢ - تفسير)، وأخرجه أيضاً أبو يعلى (٦٨٦٩)، والطبري ٤٧٨/٨.
وجاء عند أبي يعلى: (( ... كان كفارة له من يوم ولد إلى يوم تصدَّق)). وعند الطبري: ((كان
كفارة له من يوم تصدق إلى يوم ولد)). قال: فتصدق الرجل. قال الهيثمي في مجمع الزوائد
٦/ ٣٠٢: رجاله رجال الصحيح غير عمران بن ظبيان، وقد وثقه ابن معين، وفيه ضعف.
اهـ. وله شاهد من حديث عبادة بن الصامت ظ أخرجه أحمد (٢٢٧٠١)، وقال الهيثمي:
رجاله رجال الصحيح.
(٥) في تفسيره ٨/ ٤٧٥ و٤٧٧، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٤٣٩/٩-٤٤٠، وسعيد بن منصور
(٧٥٨ - تفسير).
(٦) في المصنف ٤٣٩/٩ و٤٤٠.

الآية : ٤٦
٢٢٧
سُورَةُ للَائِدَة
هذا القول كونٌ (١) خبرِ المبتدأ مجموعَ الشرطِ والجزاء حيث لم يكن العائدُ(٢) إلَّا في
الشرط، كما قاله التفتازاني(٣). وقيل: إن في الجزاء عائداً أيضاً باعتبارِ أنَّ ((هو))
بمعنى: تصدُّقُهُ(٤)، فيشتَمِلُ بحَسَب المعنى على ضمير المبتدأ، فالتعيُّن ليس بمسلَّم.
وقال بعضهم: إنه يحتمل أن يكون معنى الآية: أنَّ كلَّ مَن تصدَّقَ واعترف
بما يجب عليه من القصاص، وانقاد له، فهو كفارةٌ لِمَا جناه من الذَّنْبِ، ويلائمُه
كلَّ المُلاءمةِ قولُه تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ
٤٥
فضميرُ (له)) حينئذٍ عائدٌ إلى المتصدِّق مراداً(٥) به الجاني نفسُه. وفيه بعدٌ ظاهر.
وقرأ أبيُّ: ((فهو كفارتُه له))(٦) فالضميرُ المرفوعُ حينئذٍ للمتصدِّق لا للتَّصَدُّق،
وكذا الضميران المجروران، والإضافة للاختصاص، واللامُ مؤكِّدةٌ لذلك، أي:
فالمتصدِّق كفارتُه التي يستحقُّها بالتصدُّقِ له لا ينقصُ منها شيءٌ؛ لأن بعض الشيء
لا يكون ذلك الشيء، وهو تعظيمٌ لِمَا فَعَلَ، حيث جُعِلَ مقتضياً للاستحقاق اللائقِ
من غیر نقصانٍ، وفيه ترغيبٌ في العفو.
والآيةُ نزلت - كما قال غيرُ واحدٍ - لمَّا اصْطَلَح اليهودُ على أنْ لا يقتلوا
الشريفَ بالوضيع والرجلَ بالمرأة، فلم يُنْصِفوا المظلومَ من الظالم.
وعن السيد السَّنَدِ أنَّ القصاصَ كان في شريعتهم متعيّناً عليهم، فيكون(٧)
التصدُّقُ ممَّا زِيدَ في شريعتنا.
وقال الضخَّاك: لم يُجعَلْ في التوراة ديةٌ في نفسٍ ولا جُرْحٍ، وإنَّما كان العفو
أو القصاص. وهو الذي يقتضيه ظاهرُ الآية.
﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَِهِمْ﴾ شروعٌ في بيان أحكام الإنجيل - كما قيل - إثر بيانِ أحكام
(١) في (م): ويتعين عليه أن يكون.
(٢) في الأصل: إذ لا عائد، بدل: حيث لم يكن العائد، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب
٢٤٨/٣، وعنه نقل المصنف.
(٣) في (م): وإليه ذهب العلامة الثاني، بدل: كما قاله التفتازاني.
(٤) في الأصل: أن فهو بمعنى فتصدقه.
(٥) في الأصل: ولكن المراد، بدل: مراداً.
(٦) الكشاف ٦١٧/١.
(٧) في الأصل: فجملة.

سُوَرَّةُ للَائِدَة
٢٢٨
الآية : ٤٦
التوراة، وهو عطفٌ على ((أنزلنا التوراة))، وضميرُ الجمع المجرورِ لـ ((النبيِّين الذين
أسلموا)» كما قال(١) أكثر المفسرين، واختاره علي بنُ عيسى والبَلْخيُّ.
وقيل: للذين فُرِضَ عليهم الحكمُ الذي مضى ذكرُه، وحُكي ذلك عن الجبائيِّ،
ولیس بالمختار.
والتقفية: الإتباع، ويقال: قفا فلانٌ أَثَرَ فلان، إذا تَبِعه، وققَيتُه بفلان: إذا أَتْبعته
إياه، والتقدير هنا: أتبعناهم على آثارهم ﴿بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ﴾، فالفعلُ - كما قيل - متعدٍّ
لمفعولين؛ أحدُهما بنفسه، والآخَرُ بالباء، والمفعولُ الأولُ محذوفٌ، و(عَ ءَانَرِهِم)
كالسَّادِّ مَسَدَّه؛ لأنه إذا ققَّى به على آثارهم فقد قفّاهم به.
واعتُرض بأنَّ الفعل قبل التضعيف كان متعدِّياً إلى واحد، وتعديةُ المتعدِّي إلى
واحدٍ لثانٍ بالباء لا تجوزُ، سواءٌ كان بالهمزة أو التضعيف.
ورُدَّ بأنَّ الصواب أنه جائزٌ لكنه قليل، وقد جاء منه ألفاظٌ؛ قالوا: صكَّ الحجرُ
الحجرَ، وصَّكتُ الحجر بالحجر، ودَفَع زيدٌ عمراً، ودفَّعْتُ زيداً بعمرو، أي:
جعلتُه دافعاً له.
وذهب بعضُ المحقّقين إلى أنَّ التضعيف فيما نحن فيه ليس للتعدية، وأنَّ تعلُّق
الجارِّ بالفعل لتضمينه معنى المجيء، أي: جئنا بعيسى ابن مريم على آثارهم قافياً
لهم، فهو متعدٍّ لواحدٍ لا غير بالباء.
وحاصلُ المعنى: أرسلنا عيسى عليه السلام عقيبهم ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
التَّوْرَنَّةِ﴾ حالٌ من ((عيسى)) مؤكِّدةٌ؛ فإن ذلك من لازِمِ الرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿وَءَاتَيْنَهُ آلْإِنجِيلَ﴾ عطفٌ على ((قَفَّينا))، وقرأ الحسن بفتح الهمزة(٢)، ووجهُ
صحةٍ ذلك أنه اسمٌ أعجميٌّ، فلا بأس بأن يكون على ما ليس في أوزان العرب، وهو
أَفْعيل(٣) أو فَعْليل بالفتح، وأما إفعيل بالكسر فله نظائرُ، كإيزيم وإحليل وغيرِ ذلك.
﴿فِيهِ هُدِّى وَنُورٌ﴾ كما في التوراة، والجملةُ في موضع النصب على أنها حالٌ
(١) في (م): قاله.
(٢) الكشاف ٦١٧/١، والبحر ٤٩٩/٣ .
(٣) في (م): بأفعيل، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٢٤٩/٣، والكلام منه.

الآية : ٤٧
٢٢٩
سُورَةُ للَائِدَة
من الإنجيل، وقوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَثةِ﴾ عطفٌ على الحال
وهو حالٌ أيضاً، وعطفُ الحال المُفْرَدةِ على الجملة الحالية وعكسُه جائزٌ؛ لتأويلها
بمفردٍ وتكريرُ هذا لزيادة التقرير.
عطفٌ على ما تقدَّم منتظِمٌ معه
وقوله عزوجل: ﴿وَهُدَى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ
في سلك الحالية. وجُعِلَ كلُّه هدى بعد ما جُعِلَ مشتملاً عليه؛ مبالغةً في التنويه
بشأنه، لِمَا أنَّ فيه البشارة بنبيِّنا وَ ﴿ أظهر. وتخصيصُ المتقين بالذكر؛ لأنهم
المهتدون بهداه والمنتفعون بجدواه.
وجوِّز نصب ((هدّى وموعظةً)) على المفعول له (١) عطفاً على مفعولٍ له آخَرَ
مقدرٍ، أي: إثباتاً لنبوَّته وهدّى .. إلخ. ويجوز أن يكونا معلِّلين لفعلٍ محذوفٍ
عاملٍ فيه، أي: وهدّى وموعظةً للمثَّقين آتيناه ذلك.
﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنِجِيلِ بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ فِيهٍ﴾ أمرٌ مبتدأٌ لهم بأنْ يحكموا ويعملوا بما فيه
من الأمور التي من جملتها دلائلُ رسالته وَّهِ، وما قرَّرَتْه شريعته الشريفةُ من أحكامه،
وأمَّا الأحكامُ المنسوخةُ فليس الحكم بها حكماً بما أنزل الله تعالى، بل هو إيطالٌ
وتعطيلٌ له؛ إذ هو شاهدٌ بنسخها وانتهاءٍ وقتِ العمل بها؛ لأنَّ شهادته بصحةٍ ما ينسخُها
من الشريعة الأحمدية شاهدةٌ بنَسْخِها، وأن أحكامه ما قرَّرته تلك الشريعةُ التي تشهد
بصحتها، كما قرَّره شيخُ الإسلام قدِّس سرُّه(٢). واختار كونَه أمراً مبتدأً الجبائيُّ.
وقيل: هو حكايةٌ للأمر الوارد عليهم بتقديرِ فعْلِ معطوفٍ على ((آتيناه))، أي:
وقلنا لِيَحْكُمْ أهلُ الإنجيل، وحذفُ القولِ لدلالةِ ما قبلَه عليه كثيرٌ في الكلامِ، ومنهُ
٢٣
قوله تعالى: ﴿وَالْعَلَكَةُ يَدْخُلُونَ عَلِم مِّنِ كُلِ بَادٍ
[الرعد: ٢٣-٢٤]
عَلَمْ
واختار ذلك علي بنُ عیسی.
وقرأ حمزة: ((ولِيَحْكُمَ)) بلام الجرِّ ونَصْبِ الفعل بأنْ مضمَرةُ(٣)، والمصدرُ
معطوفٌ على ((هدّى وموعظةً)) على تقدير كونهما معلِّلينٍ، وأُظهرت اللامُ فيه
٠
(١) في الأصل و(م): لها، والمثبت من حاشية الشهاب ٢٤٩/٣، والكلام منه.
(٢) في تفسيره ٤٤/٣، وجاءت العبارة الأخيرة فيه: وبأن أحكامه ما قررته الشريعة التي شهد
بصحتها .
(٣) التيسير ص٩٩، والنشر ٢٥٤/٢.

سُؤَدَّةُ القَائِدَة
٢٣٠
الآية : ٤٧
الاختلافِ الفاعل، فإنَّ فاعلَ الفعلِ المقدَّرِ ضميرُ الله تعالى وفاعلَ هذا أهلُ
الكتاب. وهو متعلِّقٌ بمحذوفٍ على الوجه الأول في ((هدى وموعظة))، أي: وآتيناه
ليحكمَ إلخ، وإنما لم يُعطف لعدم صحة عطف العلَّة على الحال، ومنهم مَن جوَّز
العطفَ بناءً على أنَّ الحال هنا في معنى العلة، وهو ضعيف.
وقدَّر بعضُهم في الكلام - على تقدير التعليل ـ ((عليه)) متعلِّقاً بـ ((أَنزل)) ليَصِحَّ
كونُهُ علّةً لإيتاء عيسى عليه السلامُ ما ذُكر.
وعن أبيٍّ(١) أنه قرأ: ((وأنْ لِيَحْكُمْ)) على أنَّ((أنْ)) موصولةٌ بالأمر، كما في قولك:
أَمَرْتُه بأنْ قُمْ، ومعنى الوصل: أنَّ ((أنْ)) تَتَمُّ بما بعدها، جزء كلام، كـ: ((الذي)) وأخواتِهِ،
ووصلُ ((أنْ)) المصدريةِ بفعل الأمر مما تكرّر القول به في ((الكشاف»، وذُكر فيه نقلاً عن
سيبويه(٢). وقدّر هنا: أَمَرْنا، كأنه قيل: وآتيناه الإنجيلَ وأَمَرْنا بأنْ يَحْكمَ (٣).
وأُورد على سيبويه ما دقَّق صاحب ((الكشف)) في الجواب عنه، وأتى بما يندفعُ
به كثيرٌ من الأسئلة على ((أنْ)) المصدرية والتفسيرية.
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اَللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾﴾ أي: المتمرِّدون الخارجون
عن حكمه أو عن الإيمان، وقد مرَّ تحقيقُه. والجملة تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون
الجملة السابقة ومؤكِّدةٌ لوجوب الامتثال بالأمر.
والآية تدلُّ على أنَّ الإنجيل مشتملٌ على الأحكام، وأنَّ عيسى عليه السلام كان
مستقلًا بالشرع، مأموراً بالعمل بما فيه من الأحكام قلَّتْ أو كَثُرتْ، لا بما في
التوراة خاصةً، ويشهدُ لذلك أيضاً حديثُ البخاري: ((أُعطي أهلُ التوراةِ التوراةَ
فَعَمِلوا بها، وأهلُ الإنجيلِ الإنجيلَ فعَمِلوا به)) (٤).
(١) بعدها في (م): على، والمثبت من الأصل وهو الصواب، والقراءة عن أبيٍّ ◌َلُه في
الكشاف ٦١٧/١، والبحر ٥٠٠/٣ .
(٢) الكشاف ٢٥٥/٢ - ٢٥٦، والكتاب ١٦٢/٣.
(٣) الكشاف ١/ ٦١٧ .
(٤) صحيح البخاري (٧٤٦٧) من حديث ابن عمر ◌ًا، وهو عند أحمد (٦٠٢٩)، وفيهما:
(( ... أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا، فأعطوا قيراطاً
قيراطاً، ثم أعطي أهل الإنجيل الإنجيلَ فعملوا به حتى صلاة العصر ثم عجزوا، فأُعطوا
قيراطاً قيراطاً ... )).

الآية : ٤٨
٢٣١
سُوَُّ لقَائِدَة
وخالف في ذلك بعضُ الفُضَلاءِ، ففي (الملل والنحل)) للشَّهرستانيِّ: جميعُ بني
إسرائيل كانوا متعبَّدين بشريعةِ موسى عليه السلام مكلَّفين التزامَ أحكام التوراةِ،
والإنجيلُ النازلُ على المسيح عليه السلام لا يَحتضِنُ أحكاماً ولا يَسْتَبْطَنُ حلالاً
وحراماً، ولكنه رموزٌ وأمثالٌ ومواعظُ، وما سواها من الشرائع والأحكام محالٌ
على التوراة، ولهذا لم تكن اليهود لتنقادَ لعيسى عليه الصلاة والسلام(١).
وحَمَلَ المخالفُ هذه الآية على: ولْيَحْكُموا بما أَنزلَ الله تعالى فيه من إيجاب
العمل بأحكام التوراة، وهو خلافُ الظاهرِ، كتخصيصٍ ما أُنزل فيه بنبوَّةٍ(٢) نبيِّنَا إِلَّهِ.
﴿وَنْزَلْنَآَ إِلَيْكَ الْكِتَبَ﴾ أي: الفردَ الكاملَ الحقيقَ بأنْ يسمَّى كتاباً على
الإطلاق؛ لتفوُّقه على سائر الكتب السماوية، وهو القرآن العظيم، فاللام للعهد.
والجملةُ عَطْفٌ على ((أنزلنا)) وما عُطِفَ عليه.
وقولُه تعالى: ﴿ِلْحَقِ﴾ حالٌ مؤكِّدة من ((الكتاب)»، أي: متلبّساً بالحقِّ والصُّدق،
وجوِّز أن يكون حالاً من فاعلٍ ((أنزلنا)»، وقيل: حال من الكاف في ((إليك)).
وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ حالٌ من ((الكتاب))، أي: حالَ كونِه
مصدِّقاً لِمَا تقدَّمه، وقد تقدَّم الكلامُ في كيفية تَصْديقِه لذلك. وزعم أبو البقاء عدمَ
جوازٍ كونه حالاً مما ذُكر؛ إذ لا يكون حالان لعاملٍ واحد، وأَوْجَبَ كونَه حالاً من
الضمير المستكنِّ في الجارِّ والمجرور قبله(٣) .
وقوله سبحانه: ﴿مِّنَ اُلْكِتَبِ﴾ بيانٌ لـ ((ما)»، واللامُ فيه للجنس بناءً على ادعاءِ
أنَّ ما عدا الكُتُبَ السماوية ليست كتاباً بالنسبة إليها .
ويجوزُ - كما قال غيرُ واحدٍ - أن تكونَ للعهد، نظراً إلى أنه لم يَقْصِدْ إلى جنسٍ
مدلولٍ لَفْظِ الكتاب بل إلى نوع مخصوصٍ منه هو بالنظر إلى مطلق الكتاب معهودٌ
بالنظر إلى وصفٍ كونه سماويًّا، غايتُهَ أنَّ عَهْديَّتَه ليست إلى حدِّ الخصوصية
الفردية، بل إلى خصوصيةٍ نوعيةٍ أخصَّ من مُطْلقِ الكتاب - وهو ظاهرٌ - ومن
الكتاب السماويِّ أيضاً حيث خُصَّ بما عدا القرآن.
(١) الملل والنحل ٢٠٩/١، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ٣/ ٢٥٠.
(٢) في (م): نبوة.
(٣) الإملاء ٢/ ٤٢٧.

سُورَةُ القَائِدَة
٢٣٢
الآية : ٤٨
﴿وَمُهَيْمِنَا عَلَيْهٌ﴾ قال الخليل وأبو عبيدة(١): أي: رقيباً على سائر الكتب
السماوية المحفوظةِ عن التغيير، حيث يشهدُ لها بالصحَّة والثبات، ويقرِّرُ أصولَ
شرائعها وما يتأبَّدُ من فروعها، ويعيِّن أحكامها المنسوخة.
وقال ابنُ عباسٍ والحسنُ ومجاهدٌ وقتادةٌ ﴿ه: أي: شاهداً عليه بأنه الحقُّ،
والعطف حينئذٍ للتأكید.
وهاؤه أصليةٌ، وفعلُه: هَيْمَنَ، وله نظائر: بَيْطَرَ، وخَيْمَرَ (٢)، وسَيْطَرَ. وزاد
الزجَّاجيُّ (٣): بَيْقَرَ (٤)، ولا سادسَ لها.
وقيل: إنها مُبْدَلةٌ من الهمزة، ومادَّتُه من الأمن كـ: هَراق(٥)؛ وقال المبرِّد وابنُ
قتيبةً: إنَّ المهيمن أصلُه: مؤمن، وهو من أسمائه تعالى، فصغِّر وأُبْدِلَتْ همزتُه
هاءً، وتعقّبه السَّمينُ وغيره: بأنَّ ذلك خطأٌ بل كفرٌ أو شبيهٌ به؛ لأنَّ أسماء الله
تعالى لا تصغّر، وكذا كلُّ اسم معظّم شرعاً (٦).
وعن ابن محيصن ومجاهد أنهما قرأا: ((مُهيمَناً)) بفتح الميم على بنية
(١) كما في تفسير الرازي ١١/١٢، وغرائب القرآن للنيسابوري ١٠٨/٦، وذكره النحاس في
إعراب القرآن ٣١٨/٢، والقرطبي ٣٧/٨ عن أبي عبيد.
(٢) كذا في الأصل و(م)، وفي البحر ٤٨٦/٣، وحاشية الشهاب ٣/ ٢٥٠ (والكلام منه): حيمر.
والذي يفيده كلام أبي عبيدة - فيما نقله عنه البكري في معجم ما استعجم ١١٨٨/٤ - أنه
بالجيم، قال: مجيمر ماء دون المدينة، ولم يوجد على بنائه إلا أربعة: مهيمن ومسيطر ومبيقر
ومبيطر. وكذا ذكر أصحاب المعاجم (مجيمر) بالجيم، وقال أبو حيان في البحر ٨/ ١٤٤
بنحو ما قاله أبو عبيدة، لكن وقع في مطبوعه: محيمر بالحاء.
(٣) في الأصل و(م): الزجاج، وهو خطأ. وكلام الزجاجي هذا في شرح خطبة أدب الكاتب
كما هو مصرح به في المحرر الوجيز ٢٠٠/٢، والبحر ٤٨٦/٣، والدر المصون ٢٨٧/٤،
وذكره أيضاً في اشتقاق أسماء الله ص٢٢٨. والزجاجي هو أبو القاسم عبد الرحمن بن
إسحاق منسوب إلى شيخه الزجَّاج، من كتبه: الجمل في النحو، والإيضاح، واللامات،
وشرح خطبة أدب الكاتب وغيرها، توفي سنة (٣٣٩هـ). بغية الوعاة ٢/ ٧٧.
(٤) بيقر: هاجر من أرض إلى أرض، وبيقر: خرج إلى حيث لا يدري. اللسان (بقر).
(٥) وأصلها: أراق. البحر ٤٨٦/٣، والدر المصون ٢٨٨/٤.
(٦) الدر المصون ٢٨٨/٤، وقد نقل السمين هذا الرد عن أبي العباس ثعلب. وينظر معاني
القرآن للزجاج ٢/ ١٨٠، والمحرر الوجيز ٢٠٠/٢.

الآية : ٤٨
٢٣٣
سُؤَدَّةُ القَائِدَة
المفعول(١)، فضمير ((عليه)) على هذا يعود على الكتاب الأول، والمعنى: أنه حُوفِظَ
من التحريف والتبديل، والحافظُ له هو الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا غَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ، لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
﴿فَأَعْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين أهل الكتاب؛ كما قال ابن عباس ها. والفاءُ لترتيب
ما بعدها على ما قبلها، فإنَّ كونَ القرآن العظيم بذلك الشأن من موجبات الحكم
المأمور به، أي: إذا كان شأنُ القرآن كما ذكر فاحكم بينهم ﴿بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ﴾ أي:
بما أنزله إليك فإنه الحق الذي لا مَحِيصَ عنه، والمُشتَمِلُ على جميع الأحكام
الشرعية الباقية في الكتب الإلهية.
وتقديمُ (بينهم)) للاعتناء بتعميم الحكم لهم، ووضع الموصول موضعَ الضمير
تنبيهاً على علِّيةِ ما في حيِّز الصلة للحكم، وترهيباً عن المخالفة، والالتفاتُ بإظهار
الاسم الجليل لِمَا مرَّ مراراً.
﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ الزائغةَ، وعن ابن عباس ﴿ُهَا: يريد: ما حرَّفوا وبدَّلوا من
أمر الرجم.
﴿عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ الذي لا مَحيدَ عنه، و((عن)) متعلِّقة بـ ((لا تتَّبع)) على
تضمين معنى العدولِ ونحوِهِ، كأنه قيل: لا تَعْدِلْ عما جاءك من الحقِّ متَّبعاً
لأهوائهم.
وقيل: بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعله، أي: لا تتبع أهواءهم عادلاً عما جاءك،
أو من مفعوله، أي: لا تَّبع أهواءهم عادلةً عمَّا جاءك.
واعتُرض ذلك بأن ما وقع حالاً لا بدَّ أن يكون فعلاً عامًّا، ولعل القائل لا يسلّم
ذلك.
و ((مِن)) كما قال أبو البقاء: متعلّقةٌ بمحذوف وقع حالاً من مرفوع ((جاءك))، أو
مِن ((ما)). ووضع الموصول موضعَ ضمير الموصول الأول للإيماء بما في حيِّز
الصِّلة إلى ما يوجب كمالَ الاجتناب عن اتِّباع الأهواء.
والنهي يجوز أن یکون لمن لا يتصوَّرُ منه وقوعُ المنھيِّ عنه، فلا يقال: كيف
(١) القراءات الشاذة ص٣٢.

سُورَةُ لِلْعَائِدَة
٢٣٤
الآية : ٤٨
نُّهي ◌َله عن اتِّباع أهوائهم وهو عليه الصلاة والسلام معصومٌ عن ارتكابِ ما دون ذلك؟
وقيل: الخطاب له وَّ والمراد سائرُ الحگّام(١).
﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأَ﴾ استئنافٌ جيء به لحمل أهل الكتاب من
مُعاصِريه ◌َّه على الانقياد لحكمه عليه الصلاة والسلام بما أنزل الله تعالى إليه من
الحقِّ، ببيان أنه هو الذي كلِّفوا العملَ به دون غيره مما في كتابهم، وإنَّما الذين
كلِّفوا العملَ به مَن مضى قبلَ النسخ.
والخطاب - كما قال جماعةٌ من المفسِّرين - للناس كافةً الموجودين والماضين
بطريق التغليب. والشّرعة، بكسر الشين - وقرأ يحيى بن وثَّاب بفتحها(٢) .:
الشريعة، وهي في الأصل: الطريقُ الظاهرُ الذي يُؤْصَلُ منه إلى الماء، والمرادُ بها
الدِّينُ، واستعمالُها فيه لكونه سبيلاً موصلاً إلى ما هو سببٌ للحياة الأبدية، كما أنَّ
الماء سببٌ للحياة الفانية، أو لأنه طريقٌ إلى العمل الذي يطهِّر العاملَ عن الأوساخ
المعنوية كما أنَّ الشريعة طريقٌ إلى الماء الذي يطهّر مستعملَه عن الأوساخ الحسِّيَّة.
وقال الراغب: سمِّ الدِّينُ شريعةً تشبيهاً بشريعة الماء، حيث إنَّ مَن شَرَع في
ذلك على الحقيقة رَوِيَ وتطهّر، وأعني بالريِّ ما قال بعضُ الحكماء: كنتُ أشربُ
فلا أَرْوَى، فلمَّا عرفتُ الله تعالى رَوِيْتُ بلا شُرْبٍ. وبالتطهُّر ما قال تعالى:
﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. والمنهاج: الطريقُ الواضح في الدِّين مِن نَهَجَ
الأمرُ: إذا وَضَحَ(٣)، والعطف باعتبار جمع الأوصاف.
وقال المبرِّد: الشِّرعة: ابتداءُ الطريق، والمنهاجُ: الطريق المستقيم.
وقيل: هما بمعنّى واحد وهو الطريق، والتكريرُ للتأكيد، والعطفُ مثلُه في قول
الحطيئة :
وهندٌ أتى من دونها النأيُ والبُعْدُ(٤)
(١) في (م): الأحكام.
(٢) القراءات الشاذة ص٣٢.
(٣) مفردات الراغب (شرع) و(نهج).
(٤) ديوان الحطيئة ص٣٩، وصدره: ألا حبذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ.

الآية : ٤٨
٢٣٥
سُورَةُ القَائِدَة
وقول عنترة:
أقوى وأَقْفَرَ بعد أمِّ الهيثم (١)
حُيِّيتَ من طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُه
وقيل: الشِّرعةُ: الطريق مُطلقاً سواءٌ كان واضحاً أم لا. وقيل: المنهاج: الدليل.
وقيل: الشرعةُ: النبيُّ، والمنهاج: الكتاب.
وقيل: الشرعةُ: الأحكام الفرعية، والمنهاج: الأحكام الاعتقادية. وليس بشيء.
واللام متعلِّقةٌ بـ (جَعَلْنا)) المتعدِّيةِ لواحدٍ، وهو إخبارٌ بجَعَل ماضٍ لا إنشاءٌ،
وتقديمُها عليه للتخصيص.
و ((منكم)) متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لما عوَّض عنه تنوينُ ((كلّ))، أي: ولكل أمةٍ
كائنةٍ منكم أيها الأممُ الباقيةُ والخاليةُ عيَّنًا ووضعنا شرعةً ومنهاجاً خاصَّيْن بتلك الأمة
لا تكادُ أمةٌ تتخطَّ شرعتَها. والأمةُ التي كانت من مَبْعَثِ موسى إلى مَبْعَثِ عیسى
عليهما الصلاة والسلام شِرْعتُهم ما في التوراة، والتي كانت من مَبْعَث عيسى عليه
السلام إلى مبعث أحمد عليه الصلاة والسلام شِرْعتُهم ما في الإنجيل، وأما أنتم أيها
الموجودون فشِرْعتُكم ما في الفرقان ليس إلَّا، فآمنوا به واعْمَلوا بما فيه.
وأوْجَبَ أبو البقاء(٢) تعلُّقَ ((منكم)) بمحذوفٍ تقديره: أعني، ولم يجوِّز الوصفيةَ
لِمَا أنَّ ذلك يُوجِبُ الفصلَ بين الصفة والموصوف بالأجنبيِّ الذي لا تسديدَ فيه
للكلام، ويوجبُ أيضاً أنْ يُفصَلَ بين ((جعلنا)) ومعمولِه وهو ((شرعة)).
وقال شيخ الإسلام: لا ضير في توسُّطِ ((جعلنا)) بين الصفةِ والموصوف كما في
قوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَِّذُ وَإِنَّا فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾(٣) إلخ [الأنعام: ١٤]. والفصلُ
بين الفعل ومفعوله لازمٌ علی کلِّ حال.
وما ذُكر من كون الخطابٍ للأمم هو الظاهر، وقيل: إنه للأنبياء الذين أُشير
إليهم في الآيات قبلُ، ولا يَخْفَى بعدُه، وأبعدُ منه جَعْلُ الخطاب لهذه الأمة
المحمدية، ولا يساعده السِّباق ولا اللحاق.
(١) ديوان عنترة ص١٦.
(٢) في الإملاء ٤٢٧/٢ .
(٣) تفسير أبي السعود ٤٥/٣.

الآية : ٤٨
٢٣٦
سُورَّةُ القَائِدَة
واستدلَّ بالآية مَن ذهب إلى أنَّا غيرُ متعبَّدين بشرائع مَن قبلنا؛ لأنَّ الخطاب
كما علمتَ يعُّ الأمم، واللام للاختصاص، فيكون لكلِّ أمةٍ دينٌ يخصُّها. ولو كان
متعَّداً بشريعةٍ أخرى لم يكن ذلك الاختصاص.
وأجاب العلّامة التفتازانيُّ - بعد تسليم دلالةِ اللام على الاختصاص الحصريِّ -
بمنع الملازمة؛ لجوازِ أنْ نكون متعبَّدين بشريعةٍ مَن قبلَنا مع زيادةِ خصوصياتٍ في
ديننا بها يكونُ الاختصاص. وفيه أنه لا حاجةَ في إفادة الحَصْرِ لِمَا ذكر مع تقدُّم
المتعلق، وأيضاً إنَّ الخصوصيات المذكورةَ لا تنافي تعبُّدنا بشرع مَن قَبْلَنا؛ لأنَّ
القائلين به يدَّعون أنه فيما لم يُعلم نسخُه ومخالفةُ ديننا له لا مطلقاً؛ إذ لم يقل به
أحدٌ على الإطلاق.
ولذا جمع المحقِّقون بين أضراب هذه الآية الدالَّةِ على اختلاف الشرائع، وبين
ما يخالفها نحو قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الذِينِ مَا وَتَّى بِهِ، نُوحًا﴾ إلخ
[الشورى: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَيْهُدَهُمُ أَقْتَدِةْ﴾ [الأنعام: ٩٠]
بأنَّ كلَّ آيةٍ دلَّتْ على عَدَم الاختلاف محمولةٌ على أصول الدين ونحوها .
والتحقيقُ في هذا المقام: أنَّا متعبَّدون بأحكام الشرائع الباقية من حيث إنها
أحكامُ شِرْعَتِنا، لا من حيث إنها شِرْعةٌ للأولين.
﴿وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ أي: جماعةً متَّفقةً على دينٍ واحدٍ في
جميع الأعصار، أو: ذوي ملَّةٍ واحدةٍ من غير اختلافٍ بينكم في وقتٍ من الأوقات
في شيءٍ من الأحكام الدينية ولا نسخ ولا تحویلٍ؛ قاله ابن عباس
ومفعولُ ((شاء)» محذوفٌ تعويلاً على دلالة الجزاء عليه، أي: لو شاء الله تعالى
أن يجعلكم أمةً واحدةً لجعلكم .. إلخ.
وقيل: المعنى: لو شاء الله تعالى اجتماعَكم على الإسلام لأجبركم عليه،
وروي عن الحسن نحو ذلك.
وقال الحسين بن عليٍّ المغربيُّ: المعنى: لو شاء الله تعالى لم يبعث إليكم
نبيًّا، فتكونون متعبَّدين بما في العقل، وتكونون أمةً واحدة.

الآية : ٤٩
٢٣٧
سُورَةُ القَائِدَة
﴿وَلَكِنْ لِّيَبْلُوَّكُمْ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ يستدعيه النِّظام، أي: ولكن لم يشأ ذلك
الجَعْلَ بل شاء غيرَه ليعاملكم سبحانه معاملةَ مَن يبتليكم ﴿فِ مَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ من الشرائع
المختلفة لحِكَم إلهيةٍ يقتضيها كلُّ عصرٍ، هل تعملون بها مُذْعِنِين لها معتقدين أنَّ في
اختلافها ما يعود نَفْعُه لكم في معاشكم ومعادكم، أو تزيغون عنها، وتبتغون
الهوى، وتشترون الضلالة بالهدى؟
وبهذا - كما قال شيخ الإسلام - اتَّضح أنَّ مدار عَدَم المشيئة المذكورة لیس
مجرَّدَ الابتلاء، بل العمدةُ في ذلك ما أُشيرَ إليه من انطواء الاختلاف على ما فيه
مصلحتُهم معاشاً ومعاداً كما يُنْبِئُ عنه قولُه عز وجل: ﴿فَأَسْتَّبِقُواْ الْخَيْرَتِّ﴾ أي: إذا
كان الأمرُ كما ذُكِرَ فسارِعوا إلى ما هو خيرٌ لكم في الدارين من العقائد الحقَّةِ
والأعمالِ الصالحة المندرجةِ في القرآن الكريم، وابتدِروها انتهازاً للفرصة،
وإحرازاً لفَضْلِ السَّبْقِ والتقدُّم (١)، فالسابقون السابقون أولئك المقرَّبون.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَّرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ استئنافٌ مَسُوقُ مَسَاقَ التعليل لاستباق
الخيرات بما فيه من الوعد والوعيد، و((جميعاً)) حالٌ من الضمير المجرور، والعاملُ
فيه إمَّا المصدرُ المضافُ المنحلُّ إلى فعلٍ مبنيٌّ للفاعل أو لِمَا لَمْ يُسمَّ فاعلُه، وإمَّا
الاستقرارُ المقدَّرُ في الجارِّ.
وقيل - وفيه بعدٌ -: إنَّ الجملة واقعةٌ جوابَ سؤالٍ مقدَّرٍ، كأنه قيل: كيف
[يُعْلَمُ](٢) ما في ذلك من الحِكم؟ فأجيب بأنكم سترجعون إلى الله تعالى وتُحشرون
إلى دار الجزاء التي تَنْكَشِفُ فيها الحقائقُ وتتَّضِحُ الحِكم.
أي: فيفعلُ بکم من الجزاء الفاصل بين
﴿فَيُلَبِئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَّخْتَلِفُونَ (بَ
الحقِّ والباطل مالا يَبْقَى لكم معه شائبةُ شكِّ فيما كنتم فيه تختلفون في الدنيا من
أمر الدين، فالإنباء هنا مجازٌ عن المجازاة لِمَا فيها من تحقّق الأمر.
﴿وَأَنِ اعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّ أَزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ عطفٌ على ((الكتاب))، كأنه
قيل: وأنزلنا إليك الكتابَ وقولنا: احْكُم، أي: الأمرَ بالحكم لا الحكم؛ لأنَّ
(١) تفسير أبي السعود ٤٦/٣.
(٢) ما بين حاصرتين زيادة من حاشية الشهاب ٢٥١/٣، والكلام منه.

سُوَرَّةُ القَائِدَة
٢٣٨
الآية : ٤٩
المُنزِلَ الأمرُ بالحكم لا الحكمُ، ولئلا يلزم إيطالُ الطلب بالكلِّية. ولك أن تقدِّر
الأمرَ بالحكم من أول الأمر من دون إضمارِ القول، كما حقَّقه في ((الكشف)).
وجوِّز أن يكون عطفاً على ((الحق))، وفي المحلِّ وجهان: الجرُّ والنصبُ، على
الخلاف المشهور.
وقيل: يجوز أن يكون الكلام جملةً اسميةً بتقديرِ مبتدأ، أي: وأَمْرُنا أنِ
احگُمْ.
وزعم بعضهم أنَّ ((أنْ)) هذه تفسيريةٌ، ووجَّهه أبو البقاء بأن يكون التقدیُر:
وأمرناك، ثم فسِّر هذا الأمرُ بـ ((احكم))(١). ومنع أبو حيان من تصحيحه بذلك بأنه
لم يُحفَظُ من لسانهم حَذْفُ المفسَّرِ بـ ((أنْ))(٢)، والأمرُ كما ذَكَر.
وقال الطّيبي: ولو جُعِلَ هذا الكلامُ عطفاً على (فاحكم)) من حيث المعنى
ليكون التكريرُ لإناطةِ قوله سبحانه: ﴿وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ
إڵٌ﴾ كان أحسن.
ورُدَّ بأنَّ ((أنْ)) هي المانعةُ من ذلك العطف، وأمرُ الإناطة ملتزمٌ على كلِّ حال.
وقال بعضهم: إنما كرِّر الأمرُ بالحكم لأنَّ الاحتكامَ إليهِوَه كان مرَّتين: مرَّةً
في زنى المحصَنِ، ومرةً في قتيلٍ كان بينهم، فجاء كلُّ أمرٍ في أمرٍ، وحُكي ذلك
عن الجبائيِّ والقاضي أبي يعلى.
ونونُ ((أنْ)) فيها الضمُّ والكسر(٣).
والمنْسَبِكُ من ((أنْ يفتنوك)) بدلٌ من ضمير المفعول بدلَ اشتمالٍ، أي: واحْذَرْ
فتنتَهم لكَ وأنْ يَصْرِفوكَ عن بعضٍ ما أنزل الله إليك ولو كان أقلَّ قليلٍ بتصويرٍ
الباطل بصورةٍ الحق.
وقال ابن زيد: بالكذب على التوراة في أنَّ ذلك الحكم ليس فيها.
(١) الإملاء ٤٢٩/٢.
(٢) البحر ٥٠٤/٣.
(٣) قرأ بالكسر أبو عمرو وعاصم وحمزة ويعقوب، والباقون بالضم. التيسير ص٧٨، والنشر
٢٢٥/٢.

الآية : ٤٩
٢٣٩
سُوَدَقُ لْقَائِدَة
وجوِّز أن يكون مفعولاً من أجله، أي: احذرهم مخافةَ أن يفتنوك.
وإعادةُ ((ما أنزل الله إليك)) لتأكيد التحذير بتهويل الخَطْبِ، ولعل هذا لقَظْعٍ
أطماعهم قاتلهم الله تعالى، أخرج ابن أبي حاتم والبيهقيُّ في ((الدلائل)) عن ابن
عباس ﴿يَا أنَّ أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمدٍ أَلآز لعلنا نفتنُه عن دينه،
فقالوا: يا محمد قد عَرَفْتَ أنَّا أحبارُ اليهود، وأنَّا إن اتّبعناك اتَّبِعَتْنا اليهودُ كلُّهم،
وإنَّ بيننا وبين قومنا خصومةً فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم، فنؤمِنُ(١) بك
ونصدِّقك. فأبى ذلك رسولُ الله ◌َّتِ، فنزلت(٢).
﴿فَإِن تَوَلَّوْ﴾ أي: أَعْرَضوا عن قبولِ الحكم بما أنزل الله تعالى إليك وأرادوا
غيره ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّا يُرِدُ اللَّهُ أَن يُصِيَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ وهو ذنبُ التَّوَلِّي والإعراض، فهو
بعضٌ مخصوصٌ، والتعبيرُ عنه بذلك للإيذان بأنَّ لهم ذنوباً كثيرةً، وهذا مع كمال
عِظَمِه واحدٌ من جملتها، وفي هذا الإبهام تعظيمٌ للتولِّي كما في قوله:
تَرَّاكُ أمكنةٍ إذا لم أَرْضَها أو يَرْتَبِظْ بعضَ النفوسِ حِمَامُها(٣)
يريد بالبعض نفسَه، أي: نفساً كبيرةً ونفساً أيَّ نفسٍ.
وقال الجبّائيُّ: ذُكر البعضُ وأُريدَ الكلُّ كما يُذْكَرُ العمومُ ويرادُ به الخصوص.
وقيل: المرادُ بعضٌ مُبْهَمٌ تغليظاً للعقاب، كأنه أُشيرَ إلى أنه يكفي أن يؤخّذوا
ببعض ذنوبهم أيِّ بعضٍ كان، ويهلكوا ويدمّر عليهم بذلك.
وزعم بعضُهم أنه لا يصحُّ إرادةُ الكلِّ لأنَّ المراد بهذه الإصابة عقوبةُ الدنيا،
وهي تختصُّ ببعض الذنوب دونَ بعضٍ، والذي يعمُّ إنما هو عذابُ الآخرة.
وهذه الإصابةُ ـ على ما روي عن الحسن - إجلاءُ بني النضير. وقيل: قَتْلُ بني
قريظة. وقيل: هي أعمُّ من ذلك وما عَرَى بني قينقاعَ وأهلَ خيبر وفَدَكَ، ولعلَّه
الأولى.
(١) في (م): ونحن نومن.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ١١٥٤/٤، ودلائل النبوة ٥٣٦/٢.
(٣) البيت للبيد، وهو في ديوانه ص٣١٣.

سُورَةُ القَائِدَة
٢٤٠
الآية : ٥٠
أي: متمرِّدون في الكفر مصرُّون عليه،
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ
خارجون من الحدود المعهودة، وهو اعتراضٌ تذييليٍّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، وفيه
من التسلية للنبيِّ نَّهِ ما لا يَخْفَى.
وقيل: إنه عطفٌ على قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ) يعني: كتبنا حكم
القصاص في التوراة وقرَّرناه في الإنجيل، وأنزلنا عليك الكتاب مصدِّقاً لِمَا فيهما وإنَّ
كثيراً من الناس لفاسقون من الأحكام الإلهية المقرَّرة في الأديان. ولا يخفى بعدُه.
والمرادُ من ((الناس)) العمومُ، وقيل: اليهود.
وقوله سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ إنكارٌ وتعجيبٌ من حالهم وتوبيخٌ لهم،
والفاءُ للعطف على مقدَّرٍ يقتضيه المقام، أي: أيتولَّوْنَ عن قبول حُكْمِكَ بما أنزل الله
تعالى إليك فيبغُون حكمَ الجاهلية.
وقيل: محلُّ الهمزة بعد الفاء، وقدِّمت لأنَّ لها الصَّدَارةَ.
وتقديمُ المفعول للتخصيص المفيدِ لتأكيد الإنكار والتعجّب؛ لأنَّ التولِّيَ عن حكم
رسول الله وَ﴿ وطَلَبَ حكم آخَرَ مُنْكَرٌ عجيب، وطلبُ حُكْمِ الجاهلية أقبحُ وأَعْجبُ.
والمراد بالجاهلية: الملَّةُ الجاهلية التي هي متابعةُ الهوى الموجبةُ للميل
والمداهنة في الأحكام. أو الأمَّةُ الجاهلية، وحُكْمُهم: ما كانوا عليه من التفاضُل
فيما بين القتلى.
وقيل: الكلامُ على حذفِ مضافٍ، أي: أهلِ الجاهلية، وحُكْمُهم: ما ذُكر،
فقد روي أنَّ بني النَّضيرِ لمَّا تحاكموا إلى رسول الله وَّر في خصومةٍ قتيلٍ وقعت
بينهم وبين بني قريظة طلب بعضُهم من رسول الله و فر أن يحكم بينهم بما كان عليه
أهلُ الجاهلية من التفاضُلِ، فقال عليه الصلاة والسلام: ((القتلى بَوَاء)» فقال بنو
النضير: نحن لا نرضى بذلك. فنزلت(١).
وقرأ ابن عامر: ((تبغون)) بالتاء(٢)، وهي إمّا على الالتفات لتشديد التوبيخ،
وإما بتقدير القول، أي: قل لهم: أفحكم .. إلخ.
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف ٦١٩/١. قوله: بواء، أي: سواء. حاشية الشهاب ٢٥٢/٣.
(٢) التيسير ص٩٩، والنشر ٢٥٤/٢.