النص المفهرس
صفحات 201-220
الآية : ٤١ ٢٠١ سِوَةُ القَائِدَة الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول اللهِوٍَّ، ورسولُ اللهِ وَله يومئذٍ لم يَظْهَرْ عليهم، فقتلت الذليلةُ من العزيزةَ قتيلاً، وأرسلت العزيزةُ إلى الذليلة: أن ابعثوا إلينا بمئة وسقٍ، فقالت الذليلة: وهل كان هذا في حيَّين قظُّ دينُهما واحدٌ، ونسبُهما واحدٌ، وبلدُهما واحدٌ، وديةُ بعضهم نصفُ دية بعضٍ؟! إنما أعطيناكم هذا ضيماً منكم لنا وقوةً منكم، فأمَّا إذا قَدِمَ محمدٌ (وَ﴿) فلا نُعطيكم ذلك. فكادتِ الحربُ تھیجُ بينهما، ثم ارْتَضَوْا على أنْ يجعلوا(١) رسولَ الله وَّهِ بينهما، ففكرتِ العزيزةُ فقالت: واللهِ ما محمدٌ بمعطيكم منهم ضِعْفَ ما يعطيهم منكم، ولقد صَدَقوا، ما أعطَوْنا هذا إلَّا ضَيْماً وقهراً لهم، فدُسُّوا إلى محمدٍ مَن يَخْبُرُ لكم رأيَه، فإن أعطاكم ما تريدون حَّمتُموه، وإنْ لم يُعْطِكُموه حَذِرْ تُموه فلمْ تحكِّموه. فدَسُّوا إلى رسول الله وَليهِ ناساً من المنافقين ليختَبِروا لهم رأيَ رسولِ اللهِوَ له، فلمَّا جاؤوا رسولَ الله وَ له أخبر الله تعالى رسولَه عليه الصلاة والسلام بأمرهم كلِّه، وماذا أرادوا، فأنزل: (يَأَيُّهَا الرَّسُولُ) الآية(٢)، وعلى هذا يكون أمرُ التحريف غيرَ ظاهرِ الدخول في القصة. وأخرج ابنُ إسحاقَ وابنُ جَريرٍ وابنُ المنذر والبيهقيُّ في ((سننه)) عن أبي هريرة ظه أنَّ أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدراس حين قدم النبيُّ وَّلـ المدينة، وقد زَنَى رجلٌ بعد إحصانه بامرأة من يهود وقد أُحْصِنَتْ، فقالوا: ابعثوا بهذا الرجل وبهذه المرأة إلى محمدٍ فاسألوه كيف الحكم فيهما، وولُّوه الحكم فيهما، فإنْ عَمِلَ فيهما عملكم من التجبية - وهي الجَلْدُ بحبلٍ من ليفٍ مطليٍّ بقارٍ، ثم تُسوَّدُ وجوهُهما، ثم يُحملان على حمارين وجوهُهما من قِبَلِ دُبُرِ الحمار . فاتَّبِعِوه، فإنما هو ملكٌ سيدُ قومٍ، وإنْ حكم فيهما بغيره فإنه نبيٌّ فاحذروه على ما في (١) في (م): جعلوا. (٢) مسند أحمد (٢٢١٢)، وسنن أبي داود (٣٥٧٦)، وتفسير الطبري ٤٦١/٨-٤٦٢ من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس *. ورواية أبي داود مختصرة، ولم يذكر الطبري في إسناده ابن عباس. وجاء عندهم أن هذه القصة هي سبب نزول ما سيأتي من قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ والآيتان بعدها، وقد نقله المصنف عن الدر المنثور ٢٨١/٢، وفيه: فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُئِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى أَلْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَّا أَنزَلَ اللهُ فَأَوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ وزاد السيوطي نسبته لابن المنذر والطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه. سُورَةُ القَائِدَة ٢٠٢ الآية : ٤١ أيديكم أنْ يَسْلُبَكم إياه. فأتَوْه فقالوا: يا محمدُ، هذا رجلٌ قد زنى بعد إحصانه بامرأةٍ قد أُخْصِنَتْ، فاحْكُمْ فيهما فقد ولَّيناك الحكم فيهما. فمشى رسولُ اللهِ وَل حتى أتى أحبارهم في بيت المدراس فقال: ((يا معشر يهود أَخْرِجوا إليَّ علماءكم)) فَأَخْرَجوا إليه عبد الله بنَ صوريا، وأبا ياسر بن أخطب، ووهب بن يهوذا، فقالوا : هؤلاء علماؤنا. فسألهم رسول الله بَّه، ثم حصَّل(١) أمرَهم إلى أن قالوا لعبد الله بن صوريا: هذا أعلمُ مَن بقي بالتوراة. فخلا به رسولُ الله ◌ِّرِ - وكان غلاماً شابًا من أَحْدَثِهِم سنًّا - فألظّ به (٢) رسول اللهِوَّهِ المسألةَ يقول: ((يا ابنَ صوريا، أَنْشُدُكَ اللهَ تعالى، وأُذكِّرُكَ أيامَه عند بني إسرائيل، هل تعلمُ أنَّ الله تعالى حَكَمَ فيمَن زنى بعد إحصانه بالرَّجم في التوراة))؟ فقال: اللهمَّ نعم، أمَا واللهِ يا أبا القاسم إنَّهم لَيَعْرِفون أنك نبيٌّ مُرْسَلٌ ولكنهم يحسدونك. فخرج رسول الله وَلّ فأمر بهما فُرُجما عند بابٍ مسجده. ثم كفر بعد ذلك ابنُ صوريا وجَحَد نبوَّةَ رسولِ الله وَله، فأنزل الله تعالى: (يَأَيُّهَا الرَّسُولُ) إلخ(٣). وأخرج الحميديُّ في ((مسنده)) وأبو داود وابنُ ماجه عن جابر بن عبد الله أنه قال: زنى رجلٌ من أهل فَدَكَ، فكتبوا إلى ناسٍ من اليهود بالمدينة أنْ سَلُوا محمداً (18) عن ذلك، فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه. فسألوه عن ذلك فقال: ((أرسلوا إليَّ أعلمَ رجلين منكم)) فجاؤوا برجلٍ أعورَ - يقال له: ابن صوريا - وآخَرَ، فقال النبيُّ ◌ِّ لهما: «أليس عندكما التوراة فيها حكم الله تعالى))؟ قالا: بلى. قال: ((فَأَنْشُدُكم بالذي فَلَقَ البحر لبني إسرائيل، وظلَّل عليكم الغمام، ونجَّاكم من آل فرعون، وأنزل التوراة على موسى عليه السلام، وأنزل المنَّ والسلوى على بني إسرائيل، ما تَجِدون في التوراة في شأن الرَّجْم))؟ فقال أحدهما للآخر: ما أُنشِدْتُ بمثله قطُ! قالا: نجد تَرْدادَ (١) أي: حقَّق وأَبَانَ. اللسان (حصل). (٢) ألظ به: ألح في سؤاله. النهاية (لظظ). (٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٤، وتفسير الطبري ٤١٤/٨-٤١٥، وسنن البيهقي الكبرى ٢٤٦/٨، وأخرجه بنحوه أبو داود (٤٤٥٠). وذكر ابن هشام أن من قوله: وأبا ياسر بن أخطب، إلى قوله: أعلم من بقي بالتوراة. هو من قول ابن إسحاق. والحديث في إسناده رجل مجهول. ينظر مختصر سنن أبي داود ٢٦٥/٦. الآية : ٤١ ٢٠٣ سُوَرَّةُ القَائِدَة النظر زنية، والاعتناق زنية، والقُبَل زنية (١)، فإذا شهد أربعةٌ أنهم رأوه يُبدي ويُعيد كما يدخل الميل في المُكْحُلة فقد وَجَبَ الرجم. فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((فهو كذلك)) فَأَمَر به فرُچِم(٢). وفي جريان الإحصانِ الشَّرعي الموجِبِ للرَّجْم في الكافر ما هو مذكورٌ في الفروع، ولعل هذا عند مَن يَشْتَرِطُ الإسلام - كالإمام أبي حنيفة ﴿ه - كان على اعتبارٍ شريعةٍ موسى عليه الصلاة والسلام، أو كان قبل نزول الجزية، فليُتدبَّر. ﴿وَمَن يُرِدِ اَللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ أي: عذابَه، كما روي عن الحسن وقتادة، واختاره الجبائيُّ وأبو مسلم. أو: إهلاكَه، كما روي عن السدِّيِّ والضحاك. أو خِزْيَه وفضيحتَه بإظهار ما ينطوي عليه، كما نُقل عن الزجَّاج (٣). أو: اختيارَه بما يبتليه به من القيام بحدوده فيدفع(٤) ذلك ويحرِّفُه - كما قيل - وليس بشيءٍ. والمراد العموم، ويندرجُ فيه المذكورون اندراجاً أوَّلِيًّا، وعدمُ التصريح بكونهم كذلك للإشعار بظهوره واستغنائه عن الذِّكر. ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ﴾ فلن تستطيع له ﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ في دَفْع تلك الفتنة. والفاءُ جوابية، و((من الله)) متعلَّقٌ بـ ((تملك))، أو بمحذوفٍ وقع حالاً من ((شيئاً)) لأنه صفتُه في الأصل، أي: شيئاً كائناً من لطفِ الله تعالى، أو بدل الله عزَّ اسمُه، و((شيئاً)» مفعولٌ به لـ ((تملك))، وجوَّز بعضُ المُعْرِبينَ أن يكون مفعولاً مطلقاً. والجملةُ مستأنفةٌ مقرِّرةٌ لما قبلها، أو مبيِّنةٌ لعدم انفكاك أولئك عن القبائح المذكورة أبداً . (١) في الأصل و(م): ريبة، في المواضع الثلاثة، والمثبت من المصادر على ما يأتي. (٢) مسند الحميدي (١٢٩٤) واللفظ له، وسنن أبي داود (٤٤٥٢) بنحوه، وسنن ابن ماجه (٢٣٨٢) مختصراً، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٢٨٢/٢ - ٢٨٣. وله شاهد من حديث البراء بن عازب # عند مسلم (١٧٠٠)، وينظر حديث ابن عمر ﴿يا عند البخاري (٦٨١٩)، ومسلم (١٦٩٩). (٣) في معاني القرآن ١٧٦/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الطبرسي في مجمع البيان ٦/ ٩٧، والكلام منه. (٤) في مجمع البيان: فيدع. سُورَةُ القَائِدَة ٢٠٤ الآية : ٤١ ﴿أُوْلَّكَ﴾ أي: المذكورون من المنافقين واليهود، وما في اسم الإشارة من معنى البُعْدِ لِمَا مَرَّتِ الإشارة إليه مراراً، وهو مبتدأُ خبرُه قولُه سبحانه: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ من رِجْسِ الكفر وخبثِ الضلالة. والجملةُ استئنافيةٌ مبينةٌ لكون إرادته تعالى لفتنتهم منوطةً بسوءِ اختيارهم المقتضي لها، لا واقعةً منه سبحانه ابتداءً، وفيها كالتي قبلها - على أحدِ التفاسير - دليلٌ على فساد قول المعتزلة: إنَّ الشرور ليست بإرادة الله تعالى وإنما هي من العباد. وقولُ بعضهم: إنَّ المراد: لم يُرِدْ تطهيرَ قلوبِهم من الغموم بالذمِّ والاستخفاف والعقاب، أو: لم يُرِدْ أنْ يطهِّرها من الكفر بالحكم عليها بأنها بريئةٌ منه ممدوحةٌ بالإيمان، كما قال البلخيُّ = لا يُقْدِمُ علیه مَن له أدنى ذوقٍ بأساليب الكلام. ومن العجيب أنَّ الزمخشريَّ لمَّا رأى ما ذكر خلافَ مذهبه قال: معنى ((مَن يُرِدِ اللهُ فتنتَه)): من يُرِدْ تَرْكَه مفتوناً وخذلانَه ((فلن تملك له من الله شيئاً)) فلن تستطيع له من لطفِ الله تعالى وتوفيقه شيئاً، ومعنى ((لم يرد الله أن يطهر قلوبهم)): لم يُرِدْ أنْ يمنحهم من ألطافه ما يطهِّرُ به قلوبَهم؛ لأنهم ليسوا من أهلها؛ لعِلْمِه أنَّ ذلك لا ینجعُ فیھم ولا ینفع(١). انتھی. وقد تعقَّبه ابن المنير(٢) بقوله: كم يتلَجْلَجُ والحقُّ أبلج، هذه الآية كما تراها منطبقةٌ على عقيدة أهل السنَّة في أنَّ الله تعالى أراد الفتنة من المفتونين، ولم يُرِدْ أن يطِّر قلوبهم من دَنَسِ الفتنةِ ووَضَرٍ (٣) الكفر، لا كما تزعُمُ المعتزلة من أنَّ الله تعالى ما أراد الفتنة من أحدٍ، وأراد من كلِّ أحدٍ الإيمانَ وطهارةَ القلب، وأنَّ الواقع من الفتن على خلافٍ إرادته سبحانه، وأنَّ غيرَ الواقع من طهارةٍ قلوب الكفار مرادٌ ولكنْ لم يقع، فحَسْبُهم هذه الآيةُ وأمثالُها لو أراد الله تعالى أن يطهِّر قلوبهم من وَضَرِ البِدَعِ ﴿أَفَلاَ يَتَدَُّونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَفْقَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] وما أشنعَ صَرْفَ الزمخشريِّ هذه الآيةَ عن ظاهرها بقوله: لم يُرِدِ الله تعالى أن يمنحهم ألطافَه لِعِلْمِه أنَّ ألطافه لا تنجعُ! تعالى الله سبحانه عما يقول الظالمون، وإذا لم تنجَعْ ألطافُ اللهِ (١) الكشاف ١/ ٦١٣ - ٦١٤. (٢) في الانتصاف على هامش الكشاف ١/ ٦١٣ - ٦١٤. (٣) الوَضَر: وسخ الدسم واللبن، وما تشمه من ريح تجدها من طعام فاسد. القاموس (وضر). الآية : ٤٢ ٢٠٥ سُورَةُ العَائِدَة تعالى ولم تنفع، فلطفُ مَن ينفع؟! وإرادةُ مَن تَنْجَع؟! وليس وراءَ اللهِ للعبدِ مَظْمَعُ. انتھی، وتَفَصِّیهم عن ذلك عسیر. ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ﴾ أمَّا المنافقون فخزيُهم فضيحتُهم، وهَتْكُ سترهم بظهور نفاقهم بين المسلمين، وازديادُ غمِّهم بمزيد انتشار الإسلام وقوةٍ شوكته وعلوِّ كلمته. وأمَّا خزيُ اليهود فالذلُّ والجزية، والافتضاحُ بظهور كذبهم في كتمان نصِّ التوراة، وإجلاءُ بني النضير من ديارهم. وتنكيرُ ((خزي)) للتفخيم، وهو مبتدأ و((لهم)) خبرُه، و((في الدنيا)) متعلِّقٌ بما تعلَّقَ به الخبر من الاستقرار، والجملةُ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من أحوالهم الموجبة للعقاب، كأنه قيل: فما لهم على ذلك من العقوبة؟ فقيل: ((لهم في الدنيا خزي». وكذا الحالُ في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: مع الخزي الدنيوي ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾﴾ لا يقادَرُ قَدْرُه، وهو الخلودُ في النار مع ما أعدَّ لهم فيها. وضميرُ ((لهم)) في الجملتين لـ ((أولئك)) من المنافقين واليهود جميعاً. وقيل: لليهود خاصة. وقيل: لهم إن استأنفتَ بقوله سبحانه: (وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا) وإلا فللفريقين. والتكريرُ مع انِّحادِ المرجع لزيادةِ التقرير والتأكيد، ولذلك كرَّر قوله سبحانه: ﴿سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ﴾. وقيل: إنَّ الظاهر أنه تعليلٌ لقوله تعالى: (لَهُمْ فِ الدُّنْيَا خِزْيٌ) إلخ، أو توطئةٌ لِمَا بعده، أو المرادُ بالكذب هنا الدعوى الباطلةُ، وفيما مرَّ ما يفتريه الأحبار، ويؤيِّده الفصل بينهما . ﴿أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِّ﴾ أي: الحرام، من سَحَتَه: إذا استأصله(١)، وسمِّي الحرامُ سحتاً - عند الزجَّاج - لأنه يُعْقِبُ عذابَ الاستئصال والبوار(٢). وقال الجبائيُّ: لأنه لا بركةً فيه لأهله، فيَهْلِكُ هلاك الاستئصال غالباً. وقال الخليل: لأنَّ في طريق كَسْبِهِ عاراً فهو يَسْحَتُ مروءةَ الإنسان. (١) في (م): استأصلته. (٢) معاني القرآن للزجاج ١٧٧/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الطبرسي في مجمع البيان ٦/ ١٠٠ . سُورَةُ القَائِدَة ٢٠٦ الآية : ٤٢ والمرادُ به هنا ۔ علی المشهور - الرشوةُ في الحکم، وروي ذلك عن ابن عباس والحسن، وأخرج عبد بن حميد وغيرُه عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَّهِ: ((كلُّ لحمِ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فالنارُ أَوْلَى به)) قيل: يا رسول الله، وما السحتُ؟ قال: (الرشّوةُ في الحكم))(١). وأخرج عبد الرزاق عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وعليه : ((هدايا الأمراءِ سُحْتٌ))(٢). وأخرج ابن المنذر(٣) عن مسروقٍ قال: قلتُ لعمر بن الخطاب وظ ه: أرأيتَ الرشوةَ في الحكم، أمِنَ السُّحْتِ هي؟ قال: لا، ولكنْ كُفْرٌ، إنما السُّحتُ أن يكونَ للرجل عند السلطان جاهٌ ومنزلةٌ، ويكونَ للآخَرِ إلى السلطان حاجةٌ، فلا يقضي حاجته حتى يُهدي إليه هديةً. وأخرج عبد بن حميد(٤) عن عليٍّ كرم الله وجهه، أنه سُئل عن السُّحْتِ فقال: الرشا. فقيل له: في الحكم؟ قال: ذاك الكفر. وأخرج البيهقيُّ في ((سننه)) عن ابن مسعود نحوَ ذلك(٥). وأخرج ابن مردويه والديلميُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّهِ: ((ستُّ خصالٍ من السُّحت: رشوةُ الإمام - وهي أخبثُ ذلك كلِّه - وثمنُ الكلب، وعَسْبُ (١) الدر المنثور ٢٨٤/٢، وهو من طريق عمر بن حمزة عن عبد الله بن عمر، قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص٥٤: رجاله ثقات إلا أن عمر لم يسمع من ابن عمر. اهـ. وأخرجه الطبري ٤٣٤/٨، ووقع فيه: عن عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر أن رسول وَ لفيه قال، فذكره. وينظر تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي ١/ ٤٠٠، وتغليق التعليق ٢٨٥/٣-٢٨٦. وقوله: ((کل لحم نبت من السحت فالنار أولى به» له شاهد من حديث جابر ته عند أحمد (١٤٤٤١)، وآخر من حديث كعب بن عجرة عند الترمذي (٦١٤)، وثالث من حديث عبد الرحمن بن سمرة له، ورابع من حديث أبي بكر ، أخرجهما الحاكم ١٢٦/٤-١٢٧ . (٢) عزاه لعبد الرزاق السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٨٤، وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل ٢٨١/١، والسهمي في تاريخ جرجان ص٢٩٦ . (٣) كما في الدر المنثور ٢٨٣/٢ - ٢٨٤. (٤) كما في الدر المنثور ٢٨٤/٢. (٥) سنن البيهقي ١٣٩/١٠، وأخرجه أيضاً الطبري ٤٢٩/٨. الآية : ٤٢ ٢٠٧ سُورَةُ للَائِدَة الفحل، ومهرُ البغيِّ، وكسبُ الحجَّام، وحُلوانُ الكاهن))(١). وعدَّ ابن عباس في رواية ابن منصور والبيهقيِّ عنه أشياءَ أُخَر (٢). قيل: ولِعِظَم أمرِ الرشوة اقتصر عليها مَن اقتصر، وجاء من طرقٍ عن النبيِّ ◌َّ: أنه لَعنَ الراشيَ والمرتشيَ والرائشَ الذي يمشي بينهما(٣). ولتفاقُم الأمر في هذه الأزمان بالارتشاء صَدَرَ الأمرُ من حضرة مولانا ظلِّ اللهِ تعالى على الخليقة، ومجدِّدِ نظام رسوم الشريعة والحقيقةِ، السلطانِ العدليّ محمود خان، لا زال محاطاً بأمان الله تعالى حيثما كان، في السنة الرابعة والخمسين بعد الألف والمئتين، بمؤاخذة المرتشي وأخويه على أتمٍّ وجهٍ، وحَدَّ للهدية حدًّا لئلا يتوصَّل بها إلى الارتشاء كما يفعله اليوم كثيرٌ من الأمراء، فقد أخرجٍ ابن مردويه عن عائشة ﴿ا عن رسول الله وَله قال: ((ستكونُ من بعدي ولاءٌ يستحلَّون الخمرَ بالنبيذ، والبَخْسَ بالصدقة، والسُّحْتَ بالهدية، والقتلَ بالموعظة، يقتلون البريءَ ليوطّئوا العامة، يُملَى لهم فيزدادوا إثماً))(٤). (١) الدر المنثور ٢٨٤/٢، وهو في الفردوس للديلمي ٣٢٧/٢. وأخرجه ابن حبان (٤٩٤١) بذكر ثلاثة: مهر البغي وثمن الكلب وكسب الحجام. وأخرجه الحارث كما في بغية الباحث (٤٣٥) وزاد على الثلاثة: وضراب الفحل. قال المناوي في فيض القدير ٩٤/٤: مهر البغيّ: ما تأخذه الزانية للزنا بها، سماه مهراً مجازاً. وعَسْبُ الفحل، أي: أجرة ضرابه. اهـ. وقال القرطبي في التفسير ٧/ ٤٨٧: الصحيح في كسب الحجام أنه طيب، واستدل بحديث أنس عند البخاري (١٩٩٦)، ومسلم (١٥٧٧)، وحديث ابن عباس عند البخاري (٢١٠٣). ولفظ حديث ابن عباس: احتجم رسول الله وَ﴿ وأعطى الحجام أجرة، ولو كان حراماً لم يعطه. (٢) سنن سعيد بن منصور (٧٤٥ - تفسير)، وسنن البيهقي ١٢/٦-١٣، وهو من طريق حبيب بن صالح عن ابن عباس. قال البيهقي: هذا منقطع بين حبيب بن صالح وابن عباس، وهو موقوف. (٣) أخرجه أحمد (٢٢٣٩٩) من حديث ثوبان ﴿ه، وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وأخرجه دون قوله: ((والرائش الذي يمشي بينهما)) أحمد (٦٥٣٢)، وأبو داود (٣٥٨٠)، والترمذي (١٣٣٧)، وابن ماجه (٢٣١٣) من حديث عبد الله بن عمرو . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٤) الدر المنثور ٢٨٤/٢، وأخرجه أيضاً ابن عدي ٦٢١/٢ دون قوله: يملى لهم ... ، وفي إسناده الحكم بن عبد الله الأيلي، قال أحمد: أحاديثه موضوعة، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال النسائي والدارقطني وجماعة: متروك الحديث. الميزان ١/ ٥٧٢ . سُورَُّ لْقَائِدَة ٢٠٨ الآية : ٤٢ هذا وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائيُّ ويعقوب: ((السُّحُتُ)) بضمتين(١)، وهما لغتان، كالعُنْق والعُنُق. وقرئ: ((السَّحْت)) بفتح السين على لفظ المصدر أريد به المسحوت، كالصيد بمعنى المَصِيد. و((السَّحَت)) بفتحتين، و((السِّخْت)) بكسر السين(٢). ﴿فَإِن جَاءُ وَكَ﴾ خطابٌ للنبيِّ ◌َِّ، والفاءُ فصيحةٌ، أي: إذا كان حالُهم كما شُرِحَ فإن جاؤوك متحاكمينَ إليك فيما شَجَر بينهم من الخصومات ﴿فَأَحْكُم بَيْنَهُم﴾ بما أراك الله تعالى ﴿أَوْ أَعْرِضَّ عَنْهُمَّ﴾ غيرَ مبالٍ بهم ولا مُكْتَرٍ. وهذا كما ترى تخييرٌ له وَّ﴿ بين الأمرين، وهو معارِضٌ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ أَعْكُم بَيْنَهُم بِمَّا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وتحقيقُ المقام على ما ذكر الجصَّاص في كتاب ((الأحكام))(٣): أنَّ العلماء اختلفوا، فذهب قومٌ إلى أنَّ التخيير منسوخٌ بالآية الأخرى - وروي ذلك عن ابن عباس، وإليه ذهب أكثرُ السَّلف - قالوا: إنه ◌َ ﴿ كان أولاً مخيّراً، ثم أُمر عليه الصلاة والسلام بإجراء الأحكام عليهم، ومثلُه لا يقال من قِبَلِ الرأي. وقيل: إنَّ هذه الآية فيمَن لم يُعْقَدْ له ذمة، والأخرى في أهل الذمة فلا نَسْغَ، وأثبته بعضُهم بمعنى التخصيص لأنَّ مَن أُخِذَتْ منه الجزيةُ تجري عليه أحكامُ الإسلام، وروي هذا عن ابن عباس ﴿ها أيضاً. وقال أصحابنا: أهلُ الذمة محمولون على أحكام الإسلام في البيوع والمواريث وسائر العقود، إلا في بيع الخمر والخنزير فإنهم يُقَرُّون عليه، ويمنعون من الزنى كالمسلمين فإنهم نهُوا عنه، ولا يُرجَمون لأنهم غيرُ محصَنين، وخبرُ الرَّجْمِ السابق سبق توجيههُ. واختلف في مناكحاتهم(٤) فقال أبو حنيفة ◌َبه: يقرُّون عليها، وخالفه في بعض ذلك محمد وزفر. (١) التيسير ص٩٩، والنشر ٢١٦/٢. وقرأ بها أيضاً أبو جعفر. (٢) ذكر هذه القراءات ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣٢. (٣) ٣٤٤/٢ - ٣٤٦، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣/ ٢٤٤. (٤) في الأصل و(م): مناكحتهم، والمثبت من حاشية الشهاب. وجاء في أحكام القرآن: واختلف أصحابنا في مناكحتهم فيما بينهم. الآية : ٤٣ ٢٠٩ سُورَةُ القَائِدَة وليس لنا عليهم اعتراضٌ قبل التراضي بأحكامنا، فمتى تراضَوْا بها وترافَعُوا إلينا وَجَبَ إجراءُ الأحكام عليهم، وتمامُ التفصيل في الفروع. ﴿وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ بيانٌ لحالِ الأمرين بعد تخييره وَّهِ بينهما، وتقديمُ حالٍ الإعراض للمسارعة إلى بيان أنه لا ضررَ فيه حيث كان مَظِنةً لترتُّب العداوة المقتضية للتصدِّي للضرر، فمآلُ المعنى: إنْ تُعْرِضْ عنهم ولم تَحْكُمْ بينهم فعادَوْكَ وقصدوا ضررك ﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ﴾ بسبب ذلك ﴿شَيْئًا﴾ من الضرر، فإن الله تعالى يحفظُك من ضررهم. ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل الذي أُمرْتَ به، وهو ما تضمَّنه القرآنُ واشتَمَلَتْ عليه شريعةُ الإسلام، وما روي عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهَه ـ من أنه قال: لو ثُنيتْ لي الوسادةُ لأفتيتُ أهلَ التوراةِ بتوراتهم، وأهل الانجيل بإنجيلهم - إنْ صحَّ يرادُ منه لازمُ المعنى. ٤٢ ، أي: العادلين فيحفظهم عن كلِّ مكروهٍ ويعظم ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ شأنهم. ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُ الثَّوْرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ تعجيبٌ من تحكيمهم مَن لا يؤمنون به، والحالُ أنَّ الحکم منصوصٌ علیه في کتابھم الذي یدَّعون الإیمان به، وتنبيهٌ على أنَّ ذلك التحكيمَ لم يكن لمعرفة الحقِّ وإنما هو لطلب الأهون وإن لم يكن ذلك حكمَ الله تعالى بزعمهم، فقوله سبحانه: (وَعِنْدَهُ التَّوْرَكَةُ) حالٌ من فاعلٍ ((يحكمونك))، وقوله تعالى: (فِيهَا خُكْمُ الَّهِ) حالٌ من ((التوراة)) إنْ جُعلت مرتفعةً بالظرف، وكونُ ذلك ضعيفاً لعدم اعتمادِ الظرف سهوٌ؛ لأنه معتمِدٌ - كما قال السمين(١). على ذي الحال، لكنْ قال [النحرير](٢): جَعْلُ ((التوراةٍ)) مرفوعاً بالظرف المصدَّر بالواو محلٌّ نظرٍ؛ ولعلَّ وجهه أنها تجعلُه جملةً مستقلَّةً غيرَ معتمدةٍ، أو أنه لا یقرَنُ بالواو. وإن جُعِلَتْ مبتدأً فهو حالٌ من ضميرها المستكنّ في الخبر؛ لأنه لا يصحُ (١) في الدر المصون ٢٦٩/٤. (٢) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٢٤٥/٣، والكلام منه. والنحرير هو التفتازاني. سُورَةُ للفائِدَة ٢١٠ الآية : ٤٤ مجيءُ الحال من المبتدأ عند(١) سيبويه. وقيل: استئنافٌ مسوقٌ لبيان أنَّ عندهم ما يغنيهم عن التحكيم. وأُنَّت التوراةُ معامَلةً لها - بعد التعريب - معاملةَ الأسماء العربية المُوازِنةِ لها، كمَوْماة ودَوْداة(٢) . ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾ عطفٌ على ((يحكِّمونك)) داخلٌ في حُكْم التعجيب؛ لأنَّ التحكيم مع وجود ما فيه الحقُّ المغني عن التحكيم، وإنْ كان محلًا للتعجُّب والاستبعاد، لكنْ مع الإعراض عن ذلك أعجبُ. و((ثم) للتَّراخي في الرتبة. وجوَّز الأُجْهُورِيُّ كونَ الجملةِ مستأنفةً غیرَ داخلةٍ في حكم التعجيب، أي: ثم هم يتولَّوْن، أي: عادتُهم فيما إذا وَضَحَ لهم الحقُّ أنْ يُعْرِضوا ويتولَّوْا. والأولُ أَوْلَى. وقولُه سبحانه: ﴿مِنَّ بَعْدٍ ذَلِكَ﴾ أي: من بعد أنْ يحكِّموكَ - تصريحٌ بما علم لتأكيد الاستبعاد والتعُّب. تذييلٌ مقرِّرٌ لفحوى ما قبله، وقولُه عز وجل: ﴿وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ٤٣ ووضع اسم الإشارة موضعَ ضميرهم قَصْداً إلى إحضارهم في الذهن بما وُصفوا به من القبائح إيماءً إلى علَّةِ الحكم، مع الإشارة إلى أنهم قد تميَّزوا بذلك عن غيرهم أكملَ تميُّزٍ حتى انتظموا في سلك الأمور المشاهَدَة، أي: وما أولئك الموصوفون بما ذُكر بالمؤمنين بكتابهم؛ لإعراضهم عنه - المنبئ عن عدم الرضا القلبيِّ به - أولاً، وعن حكمك الموافقِ له ثانياً، أو: بك وبه. وقيل: هذا إخبارٌ منه تعالى عن أولئك اليهودِ أنهم لا يؤمنون بالنبيِّ وَّر وبحکمه أصلاً. وقيل: المعنى: وما أولئك بالكاملين في الإيمان، تهكُّماً بهم. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَةَ﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيقَ لتقرير مزيدٍ فظاعةِ حالِ أولئك اليهودِ (١) في (م): عن، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب. (٢) الدَّوداة: الأرجوحة. القاموس (دود). والموماة: الفلاة التي لا ماء بها ولا أنيس. اللسان (موم). الآية : ٤٤ ٢١١ سُورَةُ القَائِدَة ببيانٍ علوٌ شأنِ التوراة على أتمٍّ وجه ﴿فِيهَا هُدَى﴾ أي: إرشادٌ للناس إلى الحقِّ ﴿وَنُورٌ﴾ أي: ضياءٌ يُكشَفُ به ما تَشَابَهَ عليهم وأظلم، قاله ابن عباس ـه . وقال الزجَّاج(١): ((فيها هدى)) أي: بيانٌ للحُكم الذي جاؤوا يستفتون فيه النبيَّ لَّهِ، ((ونورٌ)) أي: بيانُ أنَّ أمر النبيِّ عليه الصلاة والسلام حقٌّ. ولعلَّ تعميم المُهْدَى إليه كما في كلام ابن عباس أولى، ويندرجُ فيه اندراجاً أوَّلِيًّا ما ذكره الزجَّاج من الحكم. وإطلاقُ النور على ما في التوراة مجازٌ، ولعلَّ إطلاقه على ذلك دونَ إطلاقِه على القرآن بناءً على أنَّ النور مقولٌ بالتشكيك، وقد يقال: إنَّ إطلاقه على ما به بيانُ أمر النبيِّ ◌َّهِ - بناءً على ما قال الزجَّاج - باعتبار كون الأمر المبيَّنِ متعلِّقاً بأول الأنوار الذي لولاه ما خُلق الفلكُ الدَّارِ وَهِ، وحينئذٍ يكون الفرقُ بين الإطلاقين مثلَ الصبح ظاهراً. والظرفُ خبرٌ مقدَّمٌ، و((هدى)) مبتدأ، والجملةُ حالٌ من ((التوراة))، أي: كائناً فيها ذلك، وكذا جملةُ ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ في قولٍ، إلا أنها حالٌ مقدَّرةٌ، والأكثرون على أنها مستأنفةٌ مبيّنةٌ لِرفْعةٍ رُتْبةِ التوراة وسموٍّ طبقتها . والمراد من النبيين: مَن كان منهم مِن لَدُنْ موسى إلى عيسى عليهما الصلاة والسلام على ما رواه ابن أبي حاتم عن مقاتل(٢)، وكان بين النبيَّينِ عليهما السلام ألفُ نبيٍّ. وأخرج ابن جرير عن عكرمة: أنَّ المراد بهم نبيُّنَا وَّهِ ومَن قبله من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام(٣). وعلى هذا بَنَى الاستدلالَ بالآية مَن قال: إنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لنا ما لم يُنْسَخْ. وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على الفاعلِ لِمَا مرَّ غيرَ مرةٍ، والمرادُ: يحكم بأحكامها النبيون ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ صفةٌ أُجْرِيتْ على النبيين - كما قيل - على سبيل المدح والظاهر لهم. (١) في معاني القرآن ١٧٨/٢، ونقله المصنف بواسطة الطبرسي في مجمع البيان ٦/ ١٠٢. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ١١٣٨/٤. (٣) تفسير الطبري ٨/ ٤٥١ . سُورَةُ القَائِدَة ٢١٢ الآية : ٤٤ ونظر فيه ابن المنير(١): بأنَّ المدح إنَّما يكون غالباً بالصفات الخاصَّة التي يتميَّز بها الممدوحُ عمَّن دونه، والإسلامُ أمرٌ عامٌّ يتناول أممَ الأنبياء ومشَّبعيهم كما يتناولُهم، أَلَا تَرَى أنه لا يَحْسُنُ في مدح النبيِّ وَّهِ أَنْ يُقْتَصَرَ على كونه رجلاً مسلماً؟ فإنَّ أقلَّ متَّبعيهِ كذلك. ثم قال: فالوجهُ - والله تعالى أعلمُ - أنَّ الصفة قد تُذْكَر لتعُّم في نفسها، ولينوَّهَ بها إذا وُصِفَ بها عظيمُ القَدْرِ، كما تُذْكَرُ تنويهاً بقَدْرٍ موصوفِها، وعلى هذا الأسلوب جرى وصفُ الأنبياء عليهم السلام بالصلاح في غير ما آيةٍ، تنويهاً بمقدار الصلاح إذا جُعِلَ صفةً للأنبياء عليهم السلام، وبعثاً لآحاد الناس على الدَّأْبِ في تحصيل صفته، وكذلك قيل في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [غافر: ٧]، فأخبر سبحانه عن الملائكة المقرَّبين بالإيمان تعظيماً لقَدْرِهِ، وبعثاً للبشر على الدخول فيه ليُساؤُوا الملائكة المقرَّبين في هذه الصفة، وإلّا فمِن المعلوم أنَّ الملائكة مؤمنون ليس إلَّا، کیف لا وهم عند ربهم كما في الخبر! ثم قال جل وعلا: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا) يعني من البشر؛ لثبوت حقِّ الأخوّة في الإيمان بين القبيلتين. فلذلك - والله تعالى أعلم - جرى وصفُ الأنبياء في هذه الآية بالإسلام تنويهاً به، ولقد أَحْسَنَ القائلُ: أوصافُ الأشرافِ أشرافُ الأوصافِ، وحسَّانٌ الناظمُ في مدحه عليه الصلاة والسلام بقوله: لكنْ مَدَحْتُ مقالتي بمحمدٍ (٢) ما إنْ مَدَحْتُ محمداً بمقالتي والإسلام وإنْ كان مِن أَشْرفِ الأوصاف - إذ حاصلُه معرفةُ اللهِ تعالى بما يجبُ له ويستحيلُ عليه ويجوزُ في حُكْمِه - إلّا أنَّ النبوَّةَ أشرفُ وأجلُّ لاشتمالها على عموم الإسلام مع خواصِّ المواهب التي لا تسعُها العبارة، فلو لم نذهب إلى الفائدة المذكورة في ذكر الإسلام بعد النبوّة لخرجنا عن قانون البلاغة المألوف في الكتاب العزيز، وفي كلام العرب الفصيح، وهو الترقِّ من الأدنى إلى الأعلى لا النزولُ على العكس، ألا ترى أنَّ أبا الطيب كيف تَزْحَزَحَ عن هذا المَهْيَع(٣) في قوله: (١) في الانتصاف ٦١٥/١-٦١٦. (٢) لم نقف عليه في ديوان حسان، وهو في المثل السائر ٢/ ٣٧٧. (٣) المهيع: الواضح الواسع البيّن؛ هاع الشيءُ يهيع هياعاً: اتَّسع وانتشر. اللسان (هيع). الآية : ٤٤ ٢١٣ سُورَةُ القَائِدَة دُرُّ مقاصيرها زَبَرْجَدُها(١) شمسُ ضحاها ھلالُ لیلتها فنزل عن الشمس إلى الهلال، وعن الدُّرِّ إلى الزَّبَرْجَدِ، فمضَغَتِ الأَلْسُنُ عِرْضَ بلاغته، ومزَّقَتْ أَديمَ صَنْعتِهِ؟ فعلينا أنْ نتدبَّر الآيات المعجزات حتى يتعلَّق فهمُنا بأهدابٍ علوِّها في البلاغة المعهودة لها، والله تعالى الموفِّقُ للصواب. انتهى. وفي ((المفتاح))(٢) و((التلخيص)) (٣) إشارةٌ إلى ما ذَكَرَه، وإيرادُ الطيبيِّ عليه ما أَوْرَدَه غيرُ طيِّبٍ. نعم قد يقال: إنَّ القائل بكونها مادحةً لمن جَرَتْ عليه نفسِه قد يدَّعي أنَّ ذلك مما لا بأسَ به إذا قُصِدَ مع المدح فوائدُ أُخَرُ، كالتنويه بعلوٍّ مرتبة المسلمين هنا، والتعريضٍ باليهود بأنهم بمعزلٍ عن الإسلام، على أنه قد ورد في الفصيح - بل في الأفصح - ذكرُ غيرِ الأبلغ بعد الأبلغ من الصفات، ومن ذلك ((الرحمن الرحيم))، حيث كان متضمِّناً نكتةً. وقال عصام الملَّة: إنَّ الإسلام للنبيّ كمالُ المدح؛ لأنَّ الانقياد من المقتدى للخلائق التي لا تُحصى وصفٌ لا وصفَ فوقه، ويمكن أن يكون الوصفُ به هنا إشعاراً بمنشأ الحكم؛ ليحافظ عليه الأمةُ، ولا يُخْرَمَ، ولا يُتوهَّمَ أنَّ الحكم للنبوة فغيرُ النبيِّ خارجٌ عن هذا المسلك. انتهى. وفيه تأملٌ، إذ الترقِّي من الأدنى إلى الأعلى لم يظهر بعدُ، ونهايةُ الأمر الرجوعُ إلى نحو ما تقدَّم، فافْهَمْ. ﴿لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ أي: تابوا من الكفر، كما قاله ابن عباس رَظُه. والمرادُ بهم اليهودُ كما قال الحسن. والجارُّ إما متعلِّقٌ بـ ((يحكم))، أي: يحكمون فيما بينهم، واللامُ إِمَّا لبيان اختصاصِ الحكم بهم أعَمّ من أن يكون لهم أو عليهم، كأنه قيل: لأجل الذين هادوا، وإمَّا للإيذان بنَفْعِه للمحكوم عليه أيضاً بإسقاط التَّبِعة عنه، وإما للإشعار (١) ديوان المتنبي ٣٠/٢، وفيه: تقاصيرها، بدل: مقاصيرها. والتقاصير: القلائد التي تعلَّق على القصرة، والقصرة: أصل العنق. والبيت في مدح محمد بن عبيد الله العلوي، يقول: هو فيما بينهم کالشمس في النهار والهلال في الليل. (٢) مفتاح العلوم ص ٢٨٢ . (٣) في (م): والتخليص، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٢٤٦/٣، ولعله كتاب: تلخيص المفتاح لجلال الدين القزويني. ينظر كشف الظنون ٤٧٣/١ ١٧٦٤/٢. سُورَةُ القَائِدَة ٢١٤ الآية : ٤٤ بكمال رضاهم به وانقيادهم له كأنه أمرٌ نافعٌ لكِلا الفريقين، ففيه تعريض بالمحرِّفين. وقيل: من باب ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾(١) [النحل: ٨١]. وإمّا متعلِّقٌ بـ ((أنزلنا)) ولعل الفاصلَ ليس بالأجنبيِّ ليَضُرَّ. وقيل: بأُنْزِلَ على صيغة المبنيِّ للمفعول، وحُذف لدلالة الكلام عليه، وتكونُ الجملة حينئذٍ معترضةً. وعلى هذا(٢) تكون الآية نصًّا في تخصيص النبيين بأنبياء بني إسرائيل؛ لأنه لا يلزم من إنزالها لهم اختصاصُها بهم. وقيل: الجارُّ متعلِّقٌ بـ ((هدى ونورٌ))، وفيه فصلٌ بين المصدر ومعموله. وقيل: متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لهما، أي: هدى ونورٌ كائنان لهم(٣)، وکلامُ الزجَّاج يحتملُ هذا وما قَبْلَه(٤). ﴿وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ أي: العُبَّاد والعلماء، قاله قتادة. وقال مجاهد: ((الربانيون)): العلماءُ الفقهاءُ، وهم فوق الأحبار. وعن ابن زيد: ((الربانيون)): الولاة، و((الأحبار)): العلماء. والواحد: حبر بالفتح والكسر؛ قال الفرَّاء: وأكثرُ ما سمعتُ فيه الكسر. وهو مأخوذٌ من التحبير والتحسين، فإنَّ العلماء يحبِّرون العلمَ ويزينونه ويبيِّنونه، ومن ذلك: الحِبر - بكسر الحاءِ لا غير - لِمَا يُكْتَبُ به. وهذا عطفٌ على ((النبيون))، أي: هم أيضاً يحكمون بأحكامها، وتوسيطٌ المحكوم لهم - كما قال شيخُ الإسلام - بين المتعاطفين للإيذان بأنَّ الأصل في الحكم بها وحَمْلِ الناسِ على ما فيها هم النبيون، وإنَّما الربانيون والأحبارُ خلفاءُ ونوَّابٌ لهم في ذلك كما يُنْبئُ عنه قوله تعالى: ﴿بِمَا أُسْتُحْفِظُوا﴾ أي: بالذي (١) أي: الاكتفاء بذكر أحد الضدين عن الآخر، فيكون التقدير: للذين هادوا وعليهم، ينظر تفسير أبي السعود ٤١/٣، والكلام منه. (٢) أي: تعلق ((الذين هادوا)) بـ ((يحكم))، كما في حاشية الشهاب ٢٤٦/٣. (٣) في الأصل و(م): لهما، والصواب ما أثبتناه، والكلام من تفسير أبي السعود ٤١/٣ وفيه: هدی ونور كائنان للذين هادوا . (٤) معاني القرآن للزجاج ١٧٨/٢ . الآية : ٤٤ ٢١٥ سُورَةُ القَائِدَة استُحْفِظوه من جهة النبيِّين وهو التوارة، حيث سألوهم أن يحفظوها من التغيير والتبديل على الإطلاق، ولا ريبَ في أنَّ ذلك منهم - عليهم السلام - مشعرٌ باستخلافهم في إجراء أحكامها من غير إخلالٍ بشيءٍ منها(١). والجارُّ متعلّقٌ بـ ((يَحْكُم))، و((ما)) موصولةٌ، وضميرُ الجمع عائدٌ إلى الربانيين والأحبار، وقولُه تعالى: ﴿مِنْ كِتَبِ اللَّهِ﴾ بيانٌ لـ ((ما)»، وفي الإبهام والبيان بذلك ما لا يخفى من تفخيم أمر التوراة ذاتاً وإضافة، وفيه أيضاً تأكيدُ إيجاب حِفْظِها والعملِ بما فيها . والباء الداخلةُ على الموصول سببيةٌ، فلا يلزم تعلَّقُ حرفي جرِّ متَّحدي المعنى بفعلٍ واحد، أي: ويحكم الربانيون والأحبارُ أيضاً بالتوراة بسبب ما حفظوه من كتاب الله حَسْبَما وصَّاهم به أنبياؤُهم وسألوهم أن يحفظوه، وليس المراد بسببيته لحكمهم ذلك سببيتَه من حيث الذاتُ بل من حيث كونُه محفوظاً، فإنَّ تعليق حكمهم بالموصول مشعرٌ بسببية الحفظ المترتّبٍ لا محالةَ على ما في حيّز الصلة من الاستحفاظ له. وتوهَّم بعضُهم أنَّ ((ما)) بمعنى أمر، و((مِن)) لتبيين مفعولٍ محذوفٍ لـ (استُحْفِظوا))، والتقدير: بسببٍ أمرٍ استحفظوا به شيئاً من كتاب الله. وهو مما لا ينبغي أنْ يُخرَّجَ عليه كتابُ الله تعالى. وقيل: الأَوْلى أنْ تُجْعَلَ ((ما)) مصدريةً ليُستغنَى عن تقدير العائد، وحينئذٍ لا يَتَأَتَّى القولُ بأنَّ (مِن)) بيانٌ لها. ومِن الناس مَن جوَّز كونَ ((بما)) بدلاً من ((بها)) وأعيد الجارُّ لطول الفصل، وهو جائزٌ أيضاً وإن لم يَظُلْ. ومنهم مَن أَرْجَعَ الضمير المرفوع للنبيين ومَن عُطِفَ عليهم، فالمستحفِظُ حينئذٍ هو الله تعالى، وحديثُ الإنباء لا يتأتّى إذ ذاك. وقيل: إن ((الربانيون)) فاعلٌ بفعل محذوفٍ، والباءُ صلةٌ له، والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها، أي: ويحكم الربانيون والأحبار بحُكْمٍ كتاب الله تعالى الذي سألهم أنبياؤهم أن يحفظوه من التغيير. (١) تفسير أبي السعود ٤١/٣. سُوَّةُ القَائِدَة ٢١٦ الآية : ٤٤ ﴿وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءً﴾ عطفٌ على ((استحفظوا))، ومعنى شهداء: رقباء يحمونه من أن يَحُومَ حولَ حِمَاهُ التغييرُ والتبديلُ بوجهٍ من الوجوه. أو: شهداء عليه أنه حقٌّ، ورجّح على الأول بأنه يلزم عليه أن يكون ((الربانيون والأحبار)) رقباء على أنفسهم لا يتركونها أن تغيِّر وتحرِّف التوراة؛ لأنَّ المحرِّف لا يكون إلا منهم لا من العامة. وهو كما ترى ليس فيه مزيدُ معنى. وإرجاع ضمير ((كانوا)) للنبيين مما لا يكاد يجوز. وقيل: عطفٌ على ((يحكم)) المحذوفِ، المراد منه حكايةُ الحالِ الماضية، أي: حَكّم الربانيون والأحبارُ بكتاب الله تعالى وكانوا شهداء عليه، ويجوزُ على هذا - بلا خفاءٍ - أن تكون الشهادةُ مستعارةً للبيان، أي: مبيِّنين ما يَخْفَى منه، وأمرُ التعدِّي بـ ((على)) سهل، ولعل المراد به شيءٌ وراء الحكم. وقيل: الضمير المرفوعُ هنا كسابقه عائدٌ على النبين وما عُطِفَ عليه. والعطفُ إمَّا على ((استحفظوا)) أو على ((يحكم))، وتُوهِمُ عبارةُ البعضٍ - حيث قال: وبسبب كونهم شهداء(١) - أنَّ العطف على ((ما)) الموصولةِ، فيؤوَّل ((كانوا)) بالمصدر، وكأنَّ المقصود منه تلخيصُ المعنى؛ لكون ما ذُكر ضعيفاً فيما لا يكون المعطوفُ عليه حدثاً. وأمَّا العطفُ على ((كتاب الله)) بتقديرٍ حرفٍ مصدريٍّ ليكون المعطوفُ داخلاً تحت الطلب فكما ترى. وإرجاعُ ضمیرٍ ((علیه» إلی حکم النيّ پڑ بالرّجم - کما روي عن ابن عباس ممَّا تأباه العربيةُ في بعض الاحتمالات، وهو وإنْ جاز عربيةً في البعض الآخَرِ لكنه خلافُ الظاهر، ولا قرينةً عليه، ولعل مرادَ الحبرِ بيانُ بعضٍ ما تضمَّنه الكتابُ الذي هم شهداءُ عليه. وبالجملة احتمالاتُ هذه الآيةِ كثيرةٌ. ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ خطابٌ لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الالتفات كما روي عن ابن عباس ﴿ والسُّدِّيِّ والكلبيِّ. ويتناولُ النهيُ غيرَ أولئك المخاطبين بطريق الدلالة. والفاءُ لجوابٍ شرطٍ محذوفٍ، أي: إذا كان الشأنُ كما ذُكر يا أيها الأحبار فلا تخشوا الناس كائناً مَن كان، واقتدوا في مراعاةٍ أحكام التوراة وحِفْظِها بمَن قَبْلَكم (١) الكشاف ١/ ٦١٥. الآية : ٤٤ ٢١٧ سُورَةُ القَائِدَة من النبيِّين والربَّانيين والأحبار، ولا تَعْدِلوا عن ذلك، ولا تحرِّفوا خشيةً من أحد. ﴿وَأَخْشَوْنٍ﴾ في ترك أمري فإنَّ النفع والضرَّ بيدي، أو: في الإخلال بحقوق مراعاتها، فضلاً عن التعرُّض لها بسوء. ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِكَايَتِ﴾ أي: لا تَسْتَبدِلوا بآياتي التي فيها بأنْ تُخرجوها منها أو تتركوا العملَ بها، وتأخذوا لأنفسكم ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ من الرشوة والجاه وسائرِ الحظوظ الدنيوية، فإنَّها - وإنْ جلَّتْ - قليلةٌ مسترذلةٌ في نفسها لا سيما بالنسبة إلى ما يفوتهم بمخالفة الأمر. وذهب الحسن البصريُّ إلى أنَّ الخطاب للمسلمين، وهو الذي ينبئُ عنه كلام الشعبي. وعن ابن مسعود - وهو الوجهُ كما في ((الكشف)) - أنه عامٌّ. والفاءُ على الوجهين فصيحةٌ، أي: وحينَ عرفتُم ما كان عليه النبيون والأحبار، وما تواطأ عليه الخلوفُ من أمر التحريف والتبديل للرشوة والخشية، فلا تخشوا الناس، ولا تكونوا أمثال هؤلاء الخالفين. والذي يقتضيه كلامُ بعض أئمة العربية أنها على الوجه فصيحة أيضاً، وقد تقدَّم الكلام على مثل هذا التركيب فتذكَّر. ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ من الأحكام ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى ((مَن))، والجمعُ باعتبارٍ معناها كما أن الإفراد في سابقه باعتبار لفظها، وهو مبتدأُ خبرُه ، ويجوزُ أن یکون «هم» ضمیرَ فصل، ٤٤ جملةُ قولِه سبحانه: ﴿هُمُ الْكَفِرُونَ و ((الكافرون)) هو الخبرُ. والجملةُ تذييلٌ مقرِّر لمضمون ما قبلها أبلغَ تقرير، وتحذيرٌ عن الإخلال به أشدَّ تحذير . واحتجَّت الخوارجُ بهذه الآية على أنَّ الفاسق كافرٌ غير مؤمن، ووجهُ الاستدلال بها أنَّ كلمة ((مَن)) فيها عامةٌ شاملةٌ لكلِّ مَن لم يحكم بما أنزل الله تعالى، فيدخل الفاسقُ(١) المصدِّقُ أيضاً لأنه غيرُ حاكم وعاملٍ بما أنزل الله تعالى. (١) في (م): الفاسد. سُورَةُ القَائِدَة ٢١٨ الآية : ٤٤ وأجيب: بأنَّ الآية متروكةُ الظاهر، فإنَّ الحكم وإنْ كان شاملاً لفعل القلب والجوارح، لكنَّ المراد به هنا عملُ القلب وهو التصديق، ولا نزاعَ في كفرٍ مَن لم يصدّق بما أنزل الله تعالى. وأيضاً إنَّ المراد عمومُ النفي بحَمْلِ ((ما)) على الجنس، ولا شكَّ أنَّ مَن لم يحكم بشيءٍ مما أنزل الله تعالى لا يكونُ إلا غيرَ مصدِّقٍ ولا نزاعَ في كفره. وأيضاً أخرج ابنُ منصورٍ وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ قال: إنَّما أنزل الله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَكَ هُمُ الْكَفِرُونَ) و(الْظَالِمُونَ) و(الْفَسِقُونَ) في اليهود خاصَّةً(١). وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: الثلاثُ الآيات التي في ((المائدة)): (وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ) إلخ، ليس في أهل الإسلام منها شيءٌ، هي في الكفار (٢). وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمه، وابنُ جَرِيرٍ عن الضَّحاك نحوَ ذلك(٣). ولعلَّ وَصْفَهم بالأ وصاف الثلاثِ باعتباراتٍ مختلفة، فلإنكارهم ذلك وُصفوا بالكافرين، ولوَضْعِهم الحكم في غير موضعِه وصُفوا بالظالمين، ولخروجهم عن الحقِّ وُصفوا بالفاسقين. أو أنهم وُصفوا بها باعتبار أطوارِهم وأحوالهم المنضمَّةِ إلى الامتناع عن الحكم؛ فتارةً كانوا على حالٍ تقتضي الكفر، وتارةً على أخرى تقتضي الظلمَ أو الفسقَ. وأخرج أبو حميد(٤) وغيره عن الشعبيّ أنه قال: الثلاثُ الآيات التي في ((المائدة)): أولُها لهذه الأمة، والثانيةُ في اليهود، والثالثةُ في النصارى. ويلزمُ على هذا أن يكون المؤمنون أسوأ حالاً من اليهود والنصارى، إلا أنه قيل: إنَّ الكفر إذا (١) سنن سعيد بن منصور (٧٥٠ - تفسير)، وعزاه لأبي الشيخ وابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٢٨٦/٢. (٢) تفسير الطبري ٨/ ٤٥٧ . (٣) تفسير ابن أبي حاتم ١١٤٣/٤، وتفسير الطبري ٨/ ٤٥٧ . (٤) كذا في الأصل و(م)، والصواب: ابن حميد، وهو عبد بن حميد، وقد عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور ٢٨٦/٢، وأخرجه أيضاً سعيد بن منصور (٧٥١ - تفسير)، وعبد الرزاق في التفسير ١٩١/١، والطبري ٨/ ٤٦٢ - ٤٦٤. التفسير الإشاري(٣٥ - ٤٤) ٢١٩ سُورَةُ القَائِدَة نُسب إلى المؤمنين حُمل على التشديد والتغليظ، والكافرُ إذا وُصف بالفسق والظلم أشعر بعتوُّه وتمرُّده فيه. ويؤيِّد ذلك ما أخرجه ابن المنذر، والحاكمُ وصحَّحه، والبيهقيُّ في ((سننه)) عن ابن عباس ◌ّ، أنه قال في الكفر الواقع في أُولَى الثلاث: إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفراً يَنْقُلُ عن الملَّة، كفرٌ دونَ كفرٍ(١). والوجهُ أنَّ هذا كالخطاب عامٌّ لليهود وغيرهم، وهو مُخرجٌ مخرجَ التغليظ، أو يُلتزم أحدُ الجوابين، واختلافُ الأوصاف لاختلاف الاعتبارات، والمراد من الأخيرين منها الكفرُ أيضاً عند بعض المحققين، وذلك بحملهما على الفسق والظلم الکاملین. وما أخرجه الحاكم وصححه، وعبد الرزَّاق وابنُ جريرٍ عن حذيفة ◌َُّه: أنَّ الآيات الثلاثِ ذُكرت عنده، فقال رجلٌ: إنَّ هذا في بني إسرائيل، فقال حذيفة: نِعْمَ الإخوةُ لكم بنو إسرائيل إنْ كان لكم كلُّ حلوةٍ ولهم كلٌّ مُرَّةٍ، كلَّا والهِ لتَسْلُكُنَّ طريقهم قدَّ الشراك(٢). يَحتملُ أن يكون ذلك ميلاً منه إلى القول بالعموم، ويحتملُ أن يكون كما قيل: ميلاً إلى القول بأن ذلك في المسلمين، وروي الأول عن علي بن الحسين ﴿ه، إلا أنه قال: كفرٌ ليس ككفرِ الشرك، وفسقٌ ليس كفسق الشرك، وظلمٌ ليس كظُلْمِ الشِّرْكِ. هذا وقد تكلَّم بعضُ العارفين على ما في بعض هذه الآيات من الإشارات(٣) فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أي: اتَّقوه سبحانه بتزكيةٍ(٤) نفوسكم من الأخلاق الذميمة ﴿وَأَبْتَغُوَاْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي: واطلبوا إليه تعالى الزُّلْفَى بتَحْلِيتها (١) المستدرك ٣١٣/٢، وسنن البيهقي الكبرى ٢٠/٨، وذكره الرازي في تفسيره ٥/١٢-٦ عن عطاء وطاوس وقال: وهو ضعيف؛ لأن لفظ الكفر إذا أطلق انصرف إلى الكفر في الدين. (٢) المستدرك ٣١٢/٢، وتفسير عبد الرزاق ١٩١/١، وتفسير الطبري ٤٥٨/٨ وفيه: قِدَى الشراك، وفي المستدرك بدلاً منها: حذو القذة بالقذة. (٣) في (م): الإشارة. (٤) في الأصل: لتزكية. سُوَدَّةُ القَائِدَة ٢٢٠ التفسير الإشاري (٣٥ - ٤٤) بالأخلاق المرضية ﴿وَجَهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ﴾ بمَحْوِ الصفات والفناء في الذات ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: لكي تفوزوا بالمطلوب. وقيل: ابتغاءُ الوسيلةِ التقرُّبُ إليه بما سبق من إحسانه وعظيم رحمته، وهو على حدٍّ قوله: فليس إلى مَعْنٍ سواهُ شفيعُ أيا جُودَ معنٍ ناجٍ معناً بحاجتي ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ﴾ أي: ما في الجهة السفلية ﴿جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ، لِيَفْتَدُواْ بِهِ، مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيََّةِ﴾ الكُبرى ﴿مَا نُقُبِلَ مِنْهُوٌّ﴾ لأنه سببُ زيادةِ الحجاب والبُعْدِ، ولا ينجع ثَمةَ إلا ما في الجهة العُلوية من المعارف والحقائق النورية. ﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ أي: المتناوِلُ من الأنفس والمتناوِلةُ من القوى النفسانية للشهوات التي حرِّمت عليها ﴿فَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ أي: امنعوهما بحسم قدرتهما بسيف المجاهَدَة وسكِّينِ الرياضة ﴿جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا﴾ مِن تَناوُلِ ما لا يَحِلَّ تناولُه لها ﴿نَكَلًا﴾ أي: عقوبةً من الله عز وجل. ◌ِسَمَّعُونَ لِلْكَذِبٍ﴾ ووساوسِ شيطانِ النفس ﴿سَنَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ﴾ وهم القوى النفسانية ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أي: ينقادوا لكم. أو: سماعون لقوم يستُّون السننَ السيئة ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ وهي التعيُّنَات الإلهية ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ﴾ فَيُزيلونها عما هي عليه(١) من الدلالة على الوجود الحقَّانيّ، أو يغيِّرون قوانين الشريعة بتمويهات الطبيعة، كمن يؤوِّلُ القرآن والأحاديثَ على وَفْقِ هواه، وليس ما نحن فيه من هذا القبيل كما يزعمه المحجوبون؛ لأنَّ ذلك إنما يكون بإنكار أن يكون الظاهرُ مراداً لله تعالى، وقَصْرِ مرادِه سبحانه علی هذه التأويلات، ونحن نبرأ إلى الله عز وجل من ذلك فإنه کفرٌ صریح، وإنما نقول: المراد هو الظاهر، وبه تعبَّد الله تعالى خَلْقَه، لكن فيه إشارة إلى أشياءً. أُخَرَ لا يكاد يحيط بها نطاقُ الحَصْرِ يوشكُ أن يكون ما ذكر بعضاً منها . ﴿وَمَن يُرِدِ اَللَّهُ فِتْنَتَهُ، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ، مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ قال ابن عطاء: مَن يحجبه الله تعالى عن فوائد أوقاته لم يَقْدِرْ أحدٌ إيصاله إليه. (١) قوله: عليه، ساقط من (م).