النص المفهرس

صفحات 181-200

الآية : ٣٥
١٨١
سُورَةُ القَائِدَة
الأول: أنَّ التوسُّلَ بجاهِ غير النبيِّ ◌َِّ لا بأس به أيضاً إنْ كان المتوسَّلُ بجاهه
ممَّا عُلِمَ أنَّ له جاهاً عند الله تعالى، كالمقطوع بصلاحه وولايته، وأمَّا مَن لا قَطْعَ
في حقِّ بذلك فلا يتوسَّل بجاهه؛ لما فيه من الحُكْم الضمنيِّ على الله تعالى بما لم
يُعْلَم تحقُّقه منه عز شأنه، وفي ذلك جرأةٌ عظيمة على الله تعالى.
الثاني: أنَّ الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء، الأحياء منهم
والأموات وغيرهم، مثل: يا سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسُّل المباح في
شيءٍ، واللائقُ بحالِ المؤمن عدمُ التفوُّهِ بذلك، وأنْ لا يحومَ حولَ حِمَاه، وقد عدَّه
أناسٌ من العلماء شِرْكاً، وإنْ لا يَكُنْهُ، فهو قريبٌ منه، ولا أرى أحداً ممن يقول
ذلك إلا وهو يعتقد أنَّ المدعوَّ الحيَّ الغائب أو الميتَ المغيَّبَ يعلم الغيبَ أو يسمعُ
النداء ويَقْدِرُ بالذات أو بالغير على جَلْبٍ الخير ودَفْع الأذى، وإلَّا لَمَا دعاه،
ولا فَتَحَ فاهُ، وفي ذلكم بلاءٌ من ربِّكم عظيم، فالحَزْمُ التجنُّبُ عن ذلك، وعدمُ
الطلب إلَّا مِن الله تعالى القويِّ الغنيِّ الفعَّالِ لما يريد.
ومَن وقف على سرِّ ما رواه الطبرانيُّ في ((معجمه)) من أنه كان في زمنٍ النبيِّ ◌َيه
منافقٌ يؤذي المؤمنين، فقال الصدِّيق ﴿به: قوموا بنا نستغيثُ برسول الله چر من
هذا المنافق. فجاؤوا إليه، فقال: ((إنَّه لا يُستغاثُ بي، إنَّما يُستغاث بالله تعالى))(١)
لم يَشُكَّ في أنَّ الاستغاثة بأصحاب القبور الذين هم بين سعيدٍ شَغَلَه نعيمُه وتقلُّبُه في
الجنان عن الالتفات إلى ما في هذا العالم، وبين شقيٍّ ألهاه عذابُه وحَبْسُه في
النيران عن إجابة مناديه والإصَاخَةِ إلى أهل ناديه = أمرٌ يجب اجتنابُه، ولا يليق
بأرباب العقول ارتکابُه.
ولا يغرَّنَّك أنَّ المستغيث بمخلوقٍ قد تُقْضَى حاجتُه وتنجحُ طلبتُه، فإنَّ ذلك
ابتلاء وفتنةٌ منه عز وجل، وقد يتمثَّل الشيطان للمستغيث في صورة الذي استغاث به
فيظنُّ أن ذلك كرامةٌ لمن استغاث به، هيهات هيهات إنَّما هو شيطانٌ أضلَّه وأغواه،
وزيَّن له هواه، وذلك كما يتكلَّم الشيطان في الأصنام ليُضِلَّ عَبَدَتَّها الَّّغَامَ.
(١) عزاه بهذا اللفظ للطبراني الهيثمي في مجمع الزوائد ١٥٩/١٠، وأخرجه أحمد (٢٢٧٠٦)
بلفظ: ((لا يقام لي إنما يقام الله)) وهو من حديث عبادة بن الصامت. وكلا الروايتين من
طريق ابن لهيعة وهو ضعيف.

سُورَةُ القَائِدَة
١٨٢
الآية : ٣٦
وبعضُ الجهلة يقول: إنَّ ذلك من تطوُّرِ رُوح المستغاثِ به، أو من ظهور ملكٍ
بصورته كرامةً له، ولقد ساء ما يحكمون؛ لأن التطوُّر والظهورَ وإنْ كانا ممكنين
لكنْ لا في مثل هذه الصورةِ، وعند ارتكاب هذه الجريرة، نسأل الله تعالى بأسمائه
أن يعصمنا من ذلك، ونتوسَّلُ بلُطفِه أن يسلك بنا وبكم أحسنَ المسالك.
﴿وَجَِهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ﴾ مع أعدائكم بما أَمْكَنَكُمْ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾﴾ بنيلِ
نعیم الأبد، والخلاص من كلِّ نَكَد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كلامٌ مبتدأ مَسوقٌ لتأكيد وجوبٍ الامتثال بالأوامر
السابقة، وترغيبِ المؤمنين في المسارعة إلى تحصيل الوسيلة إليه عزَّ شأنُه قبل
انقضاء أوانه، ببيان استحالةِ توسُّل الكفار يوم القيامة بما هو من أقوى الوسائل إلى
النجاة من العذاب، فضلاً عن نيلِ الثواب.
﴿لَوْ أَنَّ لَهُم﴾ أي: لكلِّ واحدٍ منهم، كقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ
ظَلَمَتْ﴾ [يونس: ٥٤] إلخ، وفيه من تهويل الأمر وتفظيع الحال ما ليس في قولنا:
لجمیعهم.
﴿مَا فِ اٌلْأَرْضِ﴾ أي: من أصناف أموالها وذخائرِها، وسائرٍ منافعها قاطبةً، وهو
اسمُ ((أنَّ) و((لهم)) خبرُها، ومحلُّها الرفعُ عندهم، خلا أنه عند سيبويه(١) رفعٌ على
الابتداء لا حاجةً فيه إلى الخبر؛ لاشتمال صلتها على المسنَدِ والمسنَدِ إليه، وقد
اختصَّت من بين سائر ما يؤوَّل بالاسم بالوقوع بعد ((لو)).
وقيل: الخبر محذوفٌ ويقدَّر مقدَّماً أو مؤخّراً؛ قولان(٢).
وعند الزجَّاج والمبرِّد(٣) والكوفيين: رفعٌ على الفاعلية، أي: لو ثبت [أنَّ] لهم
ما في الأرض.
وقوله تعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ توكيدٌ للموصول، أو حالٌ منه. وقولُه سبحانه:
(١) في الكتاب ١٣٩/٣.
(٢) والتقدير على التقديم: لو ثابتٌ كونُ ما في الأرض لهم، وعلى التأخير: لو كونُ ما في
الأرض لهم ثابت. تفسير أبي السعود ٣٣/٣، والكلام وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٣) ينظر المقتضب ٣/ ٧٧ - ٧٨.

الآية : ٣٦
١٨٣
ـرة للعائدة
﴿وَمِثْلَهُ﴾ بالنصب عطف عليه، وقولُه عز وجل: ﴿مَعَهُ﴾ ظرفٌ وقع حالاً من
المعطوف، والضميرُ راجع إلى الموصول، وفائدتُهُ (١) التصريحُ بفرض كينونتهما لهم
بطريق المعية لا بطريقِ التعاقُب؛ تحقيقاً لكمال فظاعة الأمر.
واللامُ في قوله تعالى: ﴿لِيَفْتَدُواْ بِهِ﴾ متعلِّقةٌ بما تعلَّق به خبرُ ((أنَّ)) وهو
الاستقرارُ المقدَّر في ((لهم))، وبالخبر المقدَّر عند مَن يراه، وبالفعل المقدَّر بعد ((لو))
عند الزَجَّاج ومَن نحا نحوه. قيل: ولا ريب في أنَّ مدار الافتداء بما ذكر هو كونُه
لهم، لا ثبوتُ كونِه لهم وإنْ كان مستلزماً له.
والباء في ((به)) متعلِّقٌ بالافتداء، والضميرُ راجعٌ إلى الموصول و ((مثله معه))،
وتوحيدُه لكونهما بالمعية شيئاً واحداً، أو لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة
كما مرَّت الإشارةُ إلى ذلك.
وقيل: هو راجعٌ إلى الموصول، والعائدُ إلى المعطوف - أعني ((مثلَه)) - مثلُه(٢)،
وهو محذوفٌ كما حذف الخبر من ((ڤيَّر)) في قوله:
ومَن يَكُ أَمْسَى بالمدينة رَحْلُه فإِنِّي وقيَّارٌ بها لغريبُ(٣)
وقد جوِّز أن يكون نصبُ ((ومثلَه)) على أنه مفعولٌ معه، ناصبهُ الفعلُ المقدَّر بعد
(لو)) تفريعاً على رأي الزجَّاج ومَن رأى رأيَه، وأمرُ توحيد الضمير حينئذٍ ظاهرٌ؛ إذ
حكم الضمير بعد المفعول معه الإفرادُ، وأجاز الأخفش أن يعطى حكم المتعاطفَيْنِ
فيَّى الضمير، وقال بعض النحاة: الصحيحُ جوازُه على قلَّةٍ.
واعتَرَض هذا الوجهَ أبو حيَّان بأنه يصير التقدير: مع مِثْلِهِ مَعَه، وإذا كان ما في
الأرض مع مِثْلِه كان مثلُه معه ضرورةً، فلا فائدةً في ذكرِ ((معه)) معه لملازمة معيَّةٍ
كلٍّ منهما للآخر(٤).
(١) في الأصل و(م): وفائدة، والمثبت من تفسير أبي السعود.
(٢) والتقدير: لو أن لهم ما في الأرض ليفتدوا به ومثله معه ليفتدوا به. الدر المصون ٢٥٣/٤.
(٣) البيت لضابئ البرجمي، كما في الكتاب ٧٥/١، ونوادر أبي زيد ص٢٠. قال الأعلم في
شرح الشواهد ص٩٧: قيار اسم فرسه، وصَفَ في البيت حبسَ عثمان رَُّه له. والرحل
هنا : المنزل.
(٤) ينظر البحر ٤٧٤/٣، والدر المصون ٢٥٤/٤، وقد وقع في مطبوع البحر سقطً لبعض الكلام.

سُورَةُ القَائِدَة
١٨٤
الآية : ٣٦
وأجاب الطيبيُّ بأنَّ ((معه)) على هذا تأكيد. وقال السفاقسيُّ: جوابه: أنَّ التقدير
ليس كالتصريح، والواوُ متضمِّنةٌ معنى مع، وإنما يقبُح لو صرَّح بمع، وكثيراً
ما يكون التقديرُ بخلاف التصريح، كقولهم: رُبَّ شاةٍ وسَخْلَتِها، ولو صرَّحتَ برُبَّ
فقلتَ: ورُبَّ سَخْلَتِها، لم يَجُزْ.
وأجاب الحلبيُّ: بأنَّ الضمير في ((معه)) عائدٌ على ((مثله))، ويصيرُ المعنى: مع
مثلين، وهو أبلغُ من أن يكون مع مثلٍ واحدٍ (١).
نعم إنَّ كون العاملِ ((ثبت)) ليس بصحيح؛ لأن العامل في المفعول معه هو
العاملُ في المُصاحِبِ له كما صرَّحوا به، وهو هنا (ما)) أو ضميرُها، وشيءٌ
منهما ليس عاملاً فيه (ثبت)) المقدَّر. وأما صحَّتُه على تقديرِ جَعْلِهِ ((لهم)) أو متعلَّقَه
على ما قيل، فممتنعٌ أيضاً على ما نُقل عن سيبويه(٢) أنه قال: وأما: هذا لك
وأباكَ، فقبيحٌ؛ لأنه لم يُذْكَرْ فعلٌ ولا حرفٌ فيه معنَى فعلٍ حتى يصير كأنه قد تكلّم
بالفعل، فإن فيه تصريحاً بأنَّ اسمَ الإشارة وحرفَ الجُرِّ والظرفَ لا تعملُ في
المفعول معه.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ عَذَابٍ يَوْمِ اٌلْقِيَمَةِ﴾ متعلِّقٌ بالافتداء أيضاً، أي: لو أنَّ ما في
الأرض ومثلَه ثابتٌ لهم ليجعلوه فديةً لأنفسهم من العذاب الواقعِ ذلك اليوم ﴿مَا
ثُقُتِلَ مِنْهُمّ﴾ ذلك، وهو جوابُ ((لو)).
وترتيبُه - كما قال شيخُ الإسلام(٣) - علی کون(٤) ذلك لهم لأجْلِ افتدائهم به من
غير ذكر الافتداء - بأن يقال: وافتدوا به - مع أنَّ الردَّ والقبول إنَّما يترتَّبُ عليه
لا على مباديه = للإيذان بأنه أمرٌ محقَّقُ الوقوع غنيٌّ عن الذكر، وإنما المحتاج إلى
الفرض قدرتُهم على ما ذكر. أو للمبالغة في تحقّق الرد، وتخييلٍ أنه وقع قبل
الافتداء، على منهاج ما في قوله تعالى: ﴿أَنْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن يَرْتَدَ إِلَيْكَ طَرُفُكْ فَلَمَّا رَءَاهُ
مُسْتَفِرًا عِندَهُ﴾ [النمل: ٢٠] حيث لم يقل: فَأَتَى به فلمّا رآه، إلخ، وما في قوله
(١) الدر المصون ٢٥٦/٤.
(٢) في الكتاب ٣/ ٣١٠، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣/ ٢٤٠، والكلام منه.
(٣) في تفسيره ٣٣/٣.
(٤) قوله: كون، ساقط من (م).

الآية : ٣٦
١٨٥
سُورَةُ القَائِدَة
سبحانه: ﴿وَقَالَتِ أَخْرُجْ عَتِهِنَّ فَمَّا رَأَيْنَهُ: أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] من غيرِ ذكرِ خروجِه عليه
السلام عليهنَّ ورؤيتهنَّ له.
وقال بعض الأفاضل: إنما لم يَكْتَفِ بقوله: إنَّ الذين كفروا لو يفتدون بما في
الأرض جميعاً من عذاب يوم القيامة ما تقبّل منهم؛ لأن ما في النّظم الكريم يفيد أنهم
لو حصَّلوا ما في الأرض ومثله معه لهذه الفائدة وكانوا خائفين من الله تعالى وحفظوا
الفدية وتفكّروا في الافتداء ورعايةٍ أسبابه - كما هو شأنُ مَن هو بصَدَدِ أمرٍ - ما تقبّل
منهم، فضلاً عن أن يكونوا غافلين عن تحصيل الفدية وقصدوا الفدية فجأة، ولهذا لم
يقل: لو أنَّ لهم ما في الأرض جميعاً ومثلَه معه ويفتدون به ما تقبّل .. إلخ.
والجملة الامتناعية بحالها خبرُ ((إنَّ الذين كفروا))، وهي كنايةٌ عن لزوم العذاب
لهم، وأنه لا سبيلَ لهم إلى الخلاص منه، فإنَّ لزوم العذاب من لوازمه أنَّ ما في
الأرض جميعاً ومِثْلَه معه لو افتدوا به لم يتقبّل منھم، فلمّا كانت هذه الجملة - بل
هذه الملازَمةُ - لازمةً للزوم العذاب عبَّر عنها بها. وأطلق بعضُهم على هذه الجملة
تمثيلاً، ولعلَّ مراده - على ما ذكره القطب - ما ذُكر(١).
وقال بعض المحقّقين: لا يريد به الاستعارةَ التمثيلية، بل إيرادَ مثالٍ وحُكْمٍ يُفْهَمُ
منه لزومُ العذاب لهم، أي: لم يقصد بهذا الكلام إثبات هذه الشرطية، بل انتقالَ
الذهن منه إلى هذا المعنى، وبهذا الاعتبار يقال له كناية، ويمكن تنزيله على التمثيل
الاصطلاحي بأن يقال: إنَّ حالهم في حال التَّفَصِّي عن العذاب بمنزلة حالٍ مَن يكون
له ذلك الأمرُ الجسيم ويحاول به التخلّص من العذاب، فلا يُتَقَبَّلُ منه، ولا يَتَخلَّص.
· قيل: محلُّه النصبُ على الحالية. وقيل: الرفعُ عطفاً
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
على خبزٍ ((إنَّ). وقيل: إنه معطوف على ((إنَّ الذين)) فلا محلَّ له من الإعراب مثله.
وفائدةُ الجملة: التصريحُ بالمقصود من الجملة الأولى؛ لزيادة تقريره وبيان
مَوْلِه وشدَّته.
وقيل: إنَّ المقصود بها الإيذانُ بأنه كما لا يندفع بذلك عذابهم، لا يخفّف، بل
(١) في (م): ذكره، وهو تصحيف. وقوله: بعضهم يعني به الزمخشري والبيضاوي. وينظر
الكشاف ٦١٠/١، وحاشية الشهاب ٢٤٠/٣ والكلام منه.

سُؤَدَّةُ القَائِدَة
١٨٦
الآية : ٣٧
لهم بعدُ عذابٌ في كمال الإيلام، وكذلك قولُه تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ
النَّارِ﴾ فإنه لإفادة أنه كما لا يندفع بذلك الافتداءِ عذابُهم، لا يندفع دوامُه
ولا ينفصل. وهو على ما تقدَّم استئنافٌ مَسُوقٌ لبيان حالهم في أثناء مكابدة العذاب
مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ مما قبله، كأنه قيل: فكيف يكون حالهم، أو: ماذا يصنعون؟
فقيل: ((يريدون)) إلخ، وقد تبيَّن(١) في تضاعيفه أنَّ عذابهم عذابُ النار.
والإرادةُ قيل: على معناها الحقيقيِّ المشهور، وذلك أنهم يرفعهم لهبُ النار
فيريدون الخروجَ وأَّى به، وروي ذلك عن الحسن.
وقال الجبائيُّ: الإرادةُ بمعنى التمنِّي، أي: يتمنَّوْن ذلك.
وقيل: المعنى: يكادون يخرجون منها لقوتها وزيادة رَفْعِها إياهم، وهذا كقوله
تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] أي: يكاد ويقارِبُ.
لا يقال: كيف يجوز أن يريدوا الخروجَ من النار مع عِلْمِهم بالخلود؟ لأنَّا
نقول: الهولُ يومئذٍ يُنسيهم ذلك، وعلى تقدير عدم النسيان يقال: العلمُ بعدم
حصول الشيء لا يَصْرِفُ عن إرادته، كما أنَّ العلم بالحصول كذلك، فإنَّ الداعيّ
إلى الإرادة حُسْنُ الشيء والحاجةُ اليه.
﴿وَمَا هُم بِخَرِنَ مِنْهَا﴾ إمَّا حالٌ من فاعلٍ (يريدون))، أو اعتراضٌ. وأيّا ما كان
فإيثارُ الجملةِ الاسمية على الفعلية مصدَّرةً بـ ((ما)) الحجازيةِ الدالَّةِ بما في حيِّزها من
الباء على تأكيد النفي = لبيان كمال سوء حالهم باستمرار عدم خروجهم منها، فإن
الجملة الاسمية الإيجابية - كما مرَّت الإشارة إليه - كما تُفيدُ بمعونةِ المقام دوامَ
الثبوت، تفيد السلبية أيضاً بمعونة دوام النفي لا نفى الدوام.
وقرأ أبو واقد: ((أن يُخْرَجوا)) بالبناء لِمَا لم يسمَّ فاعلُه(٢)، من الإخراج،
ويشهدُ لقراءة الجمهور قولُه تعالى: (ِخَرِينَ) دون: بمُخْرَجين.
وهذه الآيةُ كما ترى في حقِّ الكفار، فلا تُنافي القولَ بالشفاعة لعصاةٍ المؤمنين
في الخروج منها، كما لا يخفى على مَن له أدنى إيمانٍ.
(١) في (م): بين.
(٢) القراءات الشاذة ص ٣٢، والكشاف ٦١٠/١، والبحر ٤٧٥/٣.

الآية : ٣٨
١٨٧
سُورَةُ القَائِدَة
وقد أخرج مسلم وابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله: أنَّ
رسول الله وَّ﴿ قال: ((يُخْرَجُ من النار قومٌ فيُدْخلون الجنة)) قال يزيد الفقير: فقلت
الجابر: يقول الله تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِينَ مِنْهَا)؟ قال:
اتلُ أولَ الآية: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ,
لِيَفْتَدُواْ بِهِ) ألا إنَّهم الذين كفروا (١).
وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس ﴿يا: تزعمُ
أنَّ قوماً يخرجون من النار وقد قال الله تعالى: (وَمَا هُم بِخَرِينَ مِنْهَا) فقال ابن
عباس ﴿يا: ويحك! اقرأ ما فوقها، هذه للكفار(٢). وروايةُ أنه قال له: يا أعمى
البصر أعمى القلب تزعم، إلخ. حكاها الزمخشريُّ وشنَّع إثْرَها على أهل السنَّة
ورماهم بالكذب والافتراء (٣)، فحقَّق ما قيل: رَمَتْني بدائها وانسلَّت(٤).
ولسنا مضطرِّين لتصحيح هذه الرواية، ولا وَقَفَ الله تعالى صحةَ العقيدة على
صحتها، فكم لنا من حديث صحيحِ شاهدٍ على حقيقة ما نقولُ وبطلانِ ما يقولُه
المعتزلة تبًا لهم.
تصريحٌ بما أُشير إليه من عدم تناهي مدَّةِ العذاب بعد
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (
بيان شدته، أي: عذابٌ دائمٌ ثابتٌ لا يزول، ولا ينتقل أبداً .
﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَهُوَاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ شروعٌ في بيان حُكْم السرقة الصغرى بعد
بيان أحكام الكبرى، وقد تقدَّم بيانُ اقتضاءِ الحال لإيرادِ ما توسَّط بينهما من
المقال، والكلامُ جملتان عند سيبويه(٥)؛ إذ التقدير: فيما يتلى عليكم: السارقُ
والسارقةُ، أي: حُكْمُهما. وجملةٌ عند المبرِّد.
(١) صحيح مسلم (١٩١): (٣١٩)، وعزاه لابن مردويه وابن المنذر السيوطي في الدر المنثور
٢/ ٢٨٠، وعنه نقل المصنف. ورواية مسلم ليس فيها سوى المرفوع، وتنظر رواية مسلم
برقم (١٩١): (٣٢٠).
(٢) تفسير الطبري ٨/ ٤٠٦ - ٤٠٧.
(٣) لأن مذهبه أن مَن دخل النار لا يخرج منها. ينظر الكشاف ٦١٠/١، والبحر ٤٧٥/٣.
(٤) المثل في جمهرة الأمثال ١/ ٤٧٥، والمستقصى ٤٧٥/١، وأصله في رهم بنت الخزرج،
وكانت قد رمت ضرتها بما هو فيها، فقالت الضرة: رمتني ....
(٥) ينظر الكتاب ١٤٢/١- ١٤٣.

سُورَةُ القَائِدَة
١٨٨
الآية : ٣٨
وقرأ عيسى بن عمر بالنصب(١)، وفضَّلها سيبويه على قراءة العامة لأَجْل الأمر؛
لأنَّ: زيداً فاضْرِبْه، أحسنُ من: زيدٌ فاضْرِبْه؛ قاله الزمخشريُّ(٢)، واتَّبعه مَن اتَّبعه
ومنهم ابنُ الحاجب.
وتعقّبه العلّامةُ أحمد في ((الانتصاف))(٣) بكلام كلُّه محاسن فلا بأس في نقله(٤)
برمّته، فنقول:
قال فيه: المستقرَأُ من وجوهِ القراءات أنَّ العامَّةَ لا تَتَّفقُ فيه أبداً على العدول
عن الأفصح، وجديرٌ بالقرآن أنْ يحُرِزَ أفصحَ الوجوه، وأنْ لا يَخْلوَ من الأفصح
و[ما] يَشْتَمِلُ عليه كلامُ العرب الذي لم يَصِلْ أحدٌ منهم إلى ذروةٍ فصاحته، ولم
يتعلَّق بأهدابها، وسيبويه يُحاشي من اعتقادِ عَرَاءِ القرآنِ عن الأفصح، واشتمالٍ
الشاذِّ الذي لا يعدُّ من القرآن عليه، ونحن نُورِهُ الفَصْلَ من كلام سيبويه على هذه
الآية ليتَّضِحَ لسامعه براءةُ سيبويه من عُهْدةِ هذا النقل.
قال سيبويه في ترجمة باب الأمر والنهي بعد أنْ ذكَرَ المواضِعَ التي يُختارُ فيها
النصبُ، ومُلخَّصُها: أنه متى بُني الاسمُ على فِعْلِ الأمرِ فذاك موضعُ اختيارِ
النَّصْبِ، ثم قال كالموضِّح لامتيازِ هذه الآيةِ عمَّا اختارَ فيه النصبَ:
وأمَّا قولُهُ عَزَّ وجَلَّ: (وَالشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَمُوَاْ أَيْدِيَهُمَا) وقولُه تعالى: (الزََِّةُ
وَالَِّ فَأَجْلِدُوا) فإنَّ هذا لَمْ يُبْنَ على الفعل، ولكنَّه جاء على مِثَالِ قولِه عزَّ وجَلَّ: ﴿مَثَلُ
الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ﴾ [محمد: ١٥] ثم قال سبحانه بعدُ: (فِيهَا أَنْهَرٌ) منها (٥) كذا. يريدُ
سيبويه تمييزَ هذه الآي عن المواضع التي بيَّن اختيارَ النصبِ فيها .
ووجهُ التمييز: أنَّ الكلامَ حيث يُختارُ النصبُ يكونُ الاسمُ فيه مبنيًّا على
الفعلِ، وأمَّا في هذه الآي فليس بمبنيٍّ عليه، فلا يلزمُ فيه اختيارُ النصب.
(١) القراءات الشاذة ص٣٢، والكشاف ١/ ٦١٢، والبحر ٤٧٦/٣.
(٢) في الكشاف ١/ ٦١٢ .
(٣) على هامش الكشاف ١/ ٦١١، وما سيأتي بين حاصرتين منه، ونقله المصنف بواسطة
الشهاب في الحاشية ٢٤١/٣ .
(٤) في الأصل: كله حسن فلا بأس بنقله.
(٥) كذا في الأصل و(م) وحاشية الشهاب، وفي الانتصاف والكتاب ١٤٣/١: فيها.

الآية : ٣٨
١٨٩
سُورَةُ العَائِدَة
ثم قال(١): وإنَّما وُضِعَ المَثَلُ للحديث الذي ذَكَرَه بَعْدَه، فذكر أخباراً وقصصاً،
فكأنه قال: ومِن القَصَصِ مَثَلُ الجنَّةِ، فهو محمولٌ على هذا الإضمار، والله تعالى
أعلم.
وكذلك: (الزَِّيَةُ وَالَّانِ)، لمَّا قال جلَّ ثناؤه: (سُورَةُ أَنْزَلْنَهَا وَفَرَضْتَهَا) قال جلَّ وعلا:
في جُملةِ الفرائضِ الزَّانيةُ والزَّاني، ثم جاء (فَاْلِدُوا) بعد أن مضى فيهما الرفعُ.
يريد سيبويه: لمْ يَكُنِ الاسمُ مبينًّا على الفعل المذكورِ بَعْدُ، بل بُني على
محذوفٍ متقدِّم، وجاء الفعلُ طارئاً. ثم قال: كما جاء:
وقائلةٍ خولانُ فانْكِحْ فتاتَهم (٢)
فجاء بالفعل بعد أنْ عَمِلَ فيه المُضْمَرُ، وكذلك (وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ): فيما فُرِضَ
عليكم السارقُ والسارقةُ، وإنما دخلت هذه الأسماءُ بعد قصصٍ وأحاديثَ، وقد قرأ
أناس: ((السارقَ والسارقةَ)) بالنصب، وهو في العربية على ما ذكرتُ لكَ من القوة،
ولكنْ أَبَتِ العامَّةُ إلَّ الرَّفْعَ.
يريد أنَّ قراءة النصب جاء الاسمُ فيها مبنيًّا على الفعل، غيرَ مُعْتمِدٍ على متقدِّم،
فكان النصبُ قويًّا بالنسبة إلى الرفع، حيث يُبْنَى الاسمُ على الفعل لا على متقدِّمٌ،
وليس يعني أنه قويٌّ بالنسبة إلى الرَّفْعِ، حيث يَعْتمِدُ الاسمُ على المحذوفِ المتقدِّم،
فإنه قد بيَّن أنَّ ذلك يخرجه عن الباب الذي يُختَارُ فيه النَّصْبُ، فكيف يُفْهَمُ عنه
ترجيحُه عليه، والباب مع القرائن مختلف؟!
وإنما يقعُ الترجيحُ بعد التساوي في الباب، فالنصبُ أرجحُ من الرفعِ حيث يُبْنَى
الاسمُ على الفعل، والرفعُ متعيِّنٌ - لا أقولُ أَرْجَحُ - حيث يُبْنَى الاسمُ على كلامٍ متقدِّم.
وإنَّما التبس على الزمخشريِّ كلامُ سيبويه من حيث اعْتَقَدَ أنه بابٌ واحدٌ عنده،
(١) يعني سيبويه.
(٢) الكتاب ١٣٩/١ و١٤٣، وعجز البيت: وأكرومةُ الحيَّين خِلْوٌ كما هيا. وهو من الأبيات
الخمسين التي لم يعرف قائلها كما ذكر صاحب الخزانة ١/ ٤٥٧. قوله: أكرومة الحيين،
أي: كريمة النسب من الطرفين، حيٍّ أبيها وحي أمها. والخِلْو: البكر. قال الأعلم في
شرح الشواهد ص ١٢٥ : الشاهد في قوله: خولانُ فانكح فتاتهم، فرَفْعُ خولان عنده (يعني
عند سيبويه) على معنى: هؤلاء خولانُ.

سُورَةُ القَائِدَة
١٩٠
الآية : ٣٨
ألا ترى إلى قوله: لأنَّ زيداً فاضْرِبْه، أَحْسَنُ من: زيدٌ فاضربه(١)، كيف رجَّح
النصبَ على الرفع، حيث يُبْنَى الكلامُ في الوجهين على الفعل.
وقد صرَّح سيبويه بأنَّ الكلام في الآية مع الرفع مبنيٌّ على كلامٍ متقدِّم، ثم حقَّق
هذا المقدَّر(٢) بأنَّ الكلام واقعٌ بعد قَصَصٍ وأخبار، ولو كان كما ظَنَّه الزمخشريُّ لم
يَحْتَجْ سيبويه إلى تقدير، بل كان يرفعُه على الابتداء، ويجعلُ الأمرَ خبرَه كما أعربه
الزمخشريُّ.
فالملخّص على هذا: أنَّ النصب على وجهٍ واحد، وهو بناءُ الاسم على فِعْلِ
الأمر، والرفع على وجهين: أحدهما ضعيفٌ، وهو الابتداءُ وبناءُ الكلام (٣) على
الفعل، والآخَرُ قويٌّ بالغٌ كوَجْهِ النَّصْبِ، وهو رفعُه على خبرِ ابتداءٍ محذوفٍ دلَّ
عليه السياقُ، وإذا تَعَارَضَ لنا وجهان في الرفع أحدُهما قويٌّ والآخَرُ ضعيفٌ، تعيَّن
حَمْلُ القراءة على القويِّ كما أعربه سيبويه رحمه الله تعالى ورضي عنه. انتهى.
والفاءُ إذا بني الكلامُ على جملتين سببيةٌ لا عاطفة. وقيل: زائدة. وكذا على
الوجه الضعيف، فإنَّ المتبدأ متضمِّنٌ معنى الشرطِ؛ إذ المعنى: والذي سَرَقَ والتي
سَرَقَتْ. وزعم بعضُ المحقّقين أنَّ مثل هذا التركيب لا يتوجَّهُ إلَّا بأحد أمرين:
زيادة الفاء كما نُقل عن الأخفش، أو تقدير ((أمَّا))، لأنَّ دخول الفاء في خبر المبتدأ
إمَّا لتضمُّنه معنى الشرط، وإما لوقوع المبتدأ بعد ((أمَّا))، ولما لم يكن الأولُ وَجَبَ
الثاني. ولا يخفى ما فيه.
وعلى قراءة عيسى بن عمر يكون النصب على إضمار فعلٍ يفسِّره الظاهر،
والفاءُ أيضاً كما قال ابن جنيٌّ (٤)؛ لِمَا في الكلام من معنى الشرط، ولذا حَسُنَتْ مع
الأمر لأنه بمعناه، ألا تراه جزم جوابه لذلك؛ إذ معنَى أَسْلِمْ تَدْخُلِ الجنةَ: إِنْ تُسْلِمْ
تَدْخُلِ الجنة، والمرادُ كما يشير إليه بعضُ شروح ((الكشاف)): إنْ أردتُم حُكْمَ
السارق والسارقة فاقطعوا .. إلخ، ولذا لم يَجُزْ: زيداً فضَرَبْتُه؛ لأنَّ الفاء لا تدخل
(١) الكشاف ١/ ٦١٢.
(٢) في الأصل و(م): المقدار، والمثبت من الانتصاف وحاشية الشهاب.
(٣) في الأصل: وبناء الاسم، والمثبت من (م) والانتصاف وحاشية الشهاب.
(٤) ينظر المحتسب ١٠٠/٢، عند الكلام على قراءة ((الزانية والزاني)) بالنصب.

الآية : ٣٨
١٩١
سُورَةُ القَائِدَة
في جواب الشرط إذا كان ماضياً، وتقديره: إن أردتم معرفة .. إلخ، أحسنُ من
تقديره: إنْ قطعتُم؛ لأنه لا يدلُّ على الوجوب المراد.
وقال أبو حيان: إنَّ الفاء في جواب أمرٍ مقدَّرٍ، أي: تَنَبَّه لحكمهما فاقطعوا (١).
وقيل: إنما دخلت الفاء لأنَّ حقَّ المفسِّر أنْ يُذكر عقبَ المفسّر، كالتفصيل بعد
الإجمال في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]. وليس بشيء.
وبما ذكر صاحبُ ((الانتصاف)) يُعلم فساد ما قيل: إنَّ سبب الخلافِ السابق في
مثل هذا التركيب أنَّ سيبويه والخليلَ يشترطان في دخول الفاء الخبرَ كونَ المبتدأ
موصولاً بما يقبل مباشرة أداة الشرط، وغيرهما لا يشترط ذلك، والظاهرُ أنَّ سبب
هذا عدمُ الوقوف على المقصود فليُحْفَظُ.
والسرقة: أخذُ مالِ الغير خِفْيةً، وإنما توجب القطع إذا كان الأخذُ من حِرْزٍ،
والمأخوذُ يساوي عشرةَ دراهم فما فوقها، مع شروط تكفَّلَتْ ببيانها الفروع.
ومذهبُ الشافعيِّ والأوزاعيِّ وأبي ثور والإمامية: أنَّ القطع فيما يساوي ربع
دينارٍ فصاعداً .
وقال بعضهم: لا تُقْطَعُ الخمس إلا بخمسة دراهم، واختاره أبو عليٍّ الجبائي.
وقيل: يجب القطع في القليل والكثير، وإليه ذهب الخوارج.
والمرادُ بالأيدي: الأيمان، كما روي عن ابن عباس والحسن والسُّديِّ وعامَّةٍ
التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، ويؤيِّده قراءة ابن مسعود عظُبه: (أَيْمانَهما))(٢)؛
ولذلك ساغ وضعُ الجمع موضعَ المثنَّى كما في قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾
[التحريم: ٤] اكتفاءً بتثنية المضاف إليه، كذا قالوا.
قال الزجَّاج: وحقيقةُ هذا البابِ أنَّ ما كان في الشيءِ منه واحدٌ لم يُثَنَّ، ولُفِظَ
به على الجمع لأن الإضافة تبيِّنه، فإذا قلت: أَشْبَعْتَ بطونَهما، عُلم أنَّ للاثنين
بطنين فقط(٣).
(١) ينظر البحر ٤٨٠/٣.
(٢) القراءات الشاذة ص٣٣.
(٣) معاني القرآن للزجاج ١٧٣/٢.

سُورَةُ القَائِدَة
١٩٢
الآية : ٣٨
وفرَّع الطيبيُّ عليه عدمَ استقامةٍ تشبيه ما في الآية هنا بما في الآية الأخرى؛
لأنَّ لكلٍّ من السارق يدين، فيجوزُ الجمعُ وأنْ تُقْطَعَ الأيدي كلَّها من حيث ظاهرٌ
اللغة، وكذا قال أبو حيان(١). وفيه نظرٌ؛ لأن الدليل قد دلَّ على أنَّ المراد من اليد
يدٌ مخصوصة وهي اليمين، فجرت مجرى القلب والظهر.
واليدُ اسمٌ لتمام العضو، ولذلك ذهب الخوارج إلى أنَّ المَقْطعَ هو المنكب،
والإماميةُ على أنه يُقْطَعُ من أصول الأصابع ويتركُ له الإبهامُ والكفُّ، ورَوَوْه عن
عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، واستدلُّوا عليه أيضاً بقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ
اُلْكِنَبَ بِأَيْدِبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] إذ لا شكَّ في أنهم إنما يكتبونه بالأصابع.
وأنت تعلم أنَّ هذا لا يتمُّ به الاستدلال على ذلك المدَّعَى، وحالُ روايتهم
أظهرُ من أنْ تَخْفَى.
والجمهور على أنَّ المقطع هو الرُّسْغُ، فقد أخرج البغويُّ، وأبو نعيم في
(معرفة الصحابة)) من حديث الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: أنه عليه الصلاة
والسلام أُتي بسارقٍ فأمر بقطع يمينه منه(٢).
والمخاطبُ بقوله سبحانه: (فَقْطَهُوَأ) - على ما في ((البحر)) - الرسولُ وَِّ،
أو: ولاةُ الأمور كالسلطان ومَن أَذِنَ له في إقامة الحدود، أو: القضاة والحُگّام،
أو: المؤمنون، أقوال أربعة(٣).
ولم تُذْرَجِ السارقةُ في السارق تغليباً - كما هو المعروفُ في أمثاله - لمزيد
الاعتناء بالبيان، والمبالغةِ في الزجر.
ءُ﴾ نصبٌ على أنه مفعولٌ له، أي: فاقطعوا للجزاء، أو على أنه مصدرٌ
﴿وَجَزَّ
(١) في البحر ٤٨٣/٣.
(٢) التلخيص الحبير ٦٨/٤، وقال ابن حجر: وفيه قصة، وفي إسناده عبد الكريم بن
أبي المخارق. اهـ. قلنا: عبد الكريم بن أبي المخارق قال عنه أحمد: قد ضربْتُ على
حديثه، وقال ابن عبد البر: لا يختلفون في ضعفه، إلا أن منهم من يقبله في غير الأحكام
خاصة، ولا يُحتجُّ به. الميزان ٦٤٦/٢. ورواية الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة عن
النبي ◌َّق مرسلة. ينظر التهذيب ٣٣١/١.
(٣) البحر ٤٨٣/٣.

الآية : ٣٨
١٩٣
سُورَةُ القَائِدَة
لـ ((اقطعوا)) من معناه، أو لفعلٍ مقدَّرٍ من لَفْظِه، وجوِّز أن يكون حالاً من فاعل
((اقطعوا))، أي(١): مُجازِينَ لهما.
﴿بِمَا كَسَبَا﴾ بسببٍ كَسْيهما، أو ما كسباه من السرقة التي تباشر بالأيدي.
وقولُه تعالى: ﴿نَكَلًا﴾ مفعولٌ له أيضاً كما قال أكثرُ المُعْرِبين، وقال السمين:
منصوبٌ كما نُصب ((جزاء))(٢).
واعتُرض الوجهُ الأول بأنه ليس بجيدٍ؛ لأنَّ المفعول له لا يتعدَّد بدون عطفٍ
وإتباع؛ لأنه على معنى اللام، فيكون كتعلَّقِ حرفي جرِّ بمعنّى بعاملٍ واحدٍ، وهو
ممنوع.
ودُفع بأنَّ النكال نوعٌ من الجزاء، فهو بدلٌ منه. وقال الحلبيُّ وبعضُ
المحققين: إنه إنما ترك العطفَ إشعاراً بأنَّ القطع للجزاء، والجزاءَ للَّكال والمنع
عن المعاودة، وعليه يكون مفعولاً له متداخلاً كالحال المتداخلة(٣). وبه أيضاً يندفع
الاعتراض، وهو حسن.
وقال عصام الملَّة: إنما لم يعطف لأنَّ العلَّة مجموعُهما، كما في: هذا حلوٌ
حامض، والجزاءُ إشارةٌ إلى أنَّ فيه حقَّ العبد، والنكالُ إشارةٌ إلى أنَّ فيه حقَّ الله
تعالى. ولا يخفى ما فيه فتأمَّل.
ونُقل عن بعض النحاة أنه أجاز تعدُّد المفعولِ له بلا إتباعٍ، وحينئذٍ لا يَرِدُ
السؤال رأساً.
وقوله تعالى: ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ متعلِّقٌ بمحذوف وقع صفةً لـ ((نكالاً))، أي: نكالاً
كائناً منه تعالى.
في إيجاب القطع. أو: ((عزيزٌ)) في
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في شَرْعِ الرَّدْعِ ﴿حَكِيمٌ جَ﴾
انتقامه من السارق وغيره من أهل المعاصي، ((حكيمٌ)) في فرائضه وحدوده.
والإظهارُ في مقام الإضمار لِمَا مرَّ غيرَ مرَّةٍ.
(١) قوله: أي، ساقط من (م).
(٢) الدر المصون ٢٦٥/٤.
(٣) الدر المصون ٢٦٥/٤، وحاشية الشهاب ٢٤٢/٣.

سُؤَدَقُ لْغَائِدَة
١٩٤
الآية : ٣٩
ومن الغريب أنه نُقِل عن أبيِّ ◌َُّه أنه قرأ: ((والسُّرَّقُ والسُّرَّقة)) بترك الألف
وتشديد الراء(١)؛ فقال ابن عطية: إنَّ هذه القراءة تصحيفٌ؛ لأنَّ ((السارق والسارقة))
قد كُتبا في المصحف بدون الألف(٢).
وقيل في توجيهها: إنهما جمعُ سارقٍ وسارقة. لكن قيل: إنه لم يُنقل هذا
الجمع في جمع المؤنث، فلو قيل: إنهما صيغةُ مبالغةٍ لكان أقربَ.
واعترض - المُلْحِدُ - المعرِّيُّ على وجوب قَطْعِ اليد بسرقة القليل، فقال:
ما بالُها قُطِعَتْ في رُبْعِ دینارِ
يدٌ بخمسٍ مِئِينٍ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ
وأنْ نعوذَ بمولانا من النارِ (٣)
تَحِّمٌ ما لنا إلَّا السكوتُ له
فأجابه ۔ ولله دَرُّه ـ عَلَمُ الدِّين السخاويُّ بقوله:
عزّ الأمانةِ أَغْلاها وأَرْخَصَها
ذلُّ الخيانةِ فافْهَمْ حِكْمةً الباري (٤)
وفي ((الأحكام)) لابن عربي: أنه كان جزاءُ السارق في شَرْع مَن قَبْلَنا استرقاقَه.
وقيل: كان ذلك إلى زمن موسى عليه الصلاة والسلام ونُسخ، فعلى الأول شرعُنا
ناسخٌ لِمَا قبله، وعلى الثاني مؤكِّدٌ للنسخ(٥) .
﴿فَنْ تَابَ﴾ من السُّرَّاق إلى الله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ الذي هو سَرِقَتُه،
والتصريحُ بذلك لبيانِ عِظَمِ نعمته تعالى بتذكير عِظَمِ جنايته ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أمرَه
بالتفصِّي(٦) عن التَّبِعات، بأَنْ يردَّ مالَ السرقة إن أَمْكَنَ، أو يستحلَّ لنفسه من
مالكه، أو ينفقه في سبيل الله تعالى إنْ جَهِلَه.
(١) المحرر الوجيز ١٨٨/٢، والبحر ٤٧٦/٣.
(٢) المحرر الوجيز ١٨٨/٢.
(٣) سير أعلام النبلاء ٣١/١٨، ومعاهد التنصيص ١٤٣/١، والرواية في السير: تناقض،
بدل: تحكم.
(٤) معاهد التنصيص ١٤٣/١.
(٥) أحكام القرآن ٦١٥/٢، وهو لأبي بكر بن العربي بالتعريف، أما ابن عربي بدون ((أل)) فهو
محيي الدين ابن عربي صاحب الفتوحات المكية وغيرها .
(٦) أي: التخلّص. القاموس (فصی).

الآية : ٤٠
١٩٥
سُوَرَّةُ القَائِدَة
وقيل: المعنى: وفَعَلَ الفِعْلَ الصالحَ الجميل بأنِ استقامَ على التوبة كما هو
المطلوب منه.
﴿فَإِنَ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيَّةٍ﴾ يقبلُ توبته فلا يعذِّبه في الآخرة، وأما القطعُ
فلا يُسْقِطُه التوبةُ عندنا؛ لأنَّ فيه حقَّ المسروق منه، ويُسقطُه عند الشافعيِّ ◌ُه في
أحد قوليه.
ولا يخفى ما في هذه الجملة من ترغيبٍ العاصي بالتوبة، وأكَّد ذلك بقوله
سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ وهو في موضع التعليل لما قبله، وفيه إشارةٌ إلى
أنَّ قبول التوبة تفضُّلٌ منه تعالى.
﴿أَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّ لَهُ, مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ الخطابُ للنبيِّ وَّهِ، أو لكلِّ أحدٍ
يصلُحُ له، واتِّصالُه بما قبله على ما قاله الطبرسيُّ: اتِّصالُ [إيضاح] الحجاج،
والبيانِ عن صحة ما تقدَّم من الوعد والوعيد(١).
وقال شيخ الإسلام: المرادُ به الاستشهادُ بذلك على قدرته تعالى على ما سيأتي
من التعذيب والمغفرة على أبلغ وجهٍ وأتمِّه، أي: أَلَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ تعالى له السلطانُ
القاهرُ والاستيلاءُ الباهر، المستلزمان للقدرة التامة على التصرُّف الكلّيّ فيهما وفيما
اشتملا عليه، إيجاداً وإعداماً، إحياءً وإماتةً، إلى غير ذلك حَسْبَما تقتضيه مشيئتُهُ(٢).
والجارُّ والمجرورُ خبرٌ مقدَّم، و((ملكُ السماوات)) مبتدأ، والجملةُ خبرُ ((أنّ)،
وهي مع ما في حيِّزها سادٍّ مسدَّ مفعولي ((تعلم)) عند الجمهور، وتكريرُ الإسناد
لتقوية الحكم.
وقوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ إمّا تقريرٌ لكون ملكوتٍ
السماوات والأرض له سبحانه، وإما خبرٌ آخَرُ لـ ((أنّ)).
وكان الظاهرُ لحديثِ: ((سَبَقَتْ رحمتي غضبي)(٣) تقديم المغفرة على التعذيب،
وإنما عَكَسَ هنا لأنَّ التعذيب للمصرِّ على السرقة، والمغفرةَ للتائب منها، وقد
(١) مجمع البيان ٦/ ٩٢، وما بين حاصرتين منه.
(٢) تفسير أبي السعود ٣٥/٣ - ٣٦.
(٣) أخرجه أحمد (٧٢٩٩)، والبخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١): (١٥) من حديث
أبي هريرة

الآية : ٤١
١٩٦
سُؤَةُ للَائِدَةِ
قدِّمت السرقةُ في الآية أولاً ثم ذُكرت التوبة بعدها، فجاء هذا اللاحقُ على ترتيب
السابق.
أو لأنَّ المراد بالتعذيب القطعُ، وبالمغفرة التجاوُزُ عن حقِّ الله تعالى، والأولُ
في الدنيا، والثاني في الآخرة، فجيء به على ترتيب الوجود.
أو لأنَّ المقام مقامُ الوعيد.
أو لأنَّ المقصود وصفُه تعالى بالقدرة، والقدرةُ في تعذيب مَن يشاءُ أظهَرُ من
القدرة في مغفرته؛ لأنه لا إباء في المغفرة من المغفور، وفي التعذيب إباء بيِّن.
فيَقْدِرُ على ما ذكر من التعذيب والمغفرة،
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾
والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها، ووجهُ الإظهار کالنهار.
﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ الْكُفْرِ﴾ خوطب ◌َّهِ بعنوان
الرسالة للتشريف والإشعار بما يوجبُ عدمَ الحزن. والمرادُ بالمسارعة في الشيء:
الوقوعُ فيه بسرعةٍ ورغبة.
وإيثارُ كلمة ((في)) على ((إلى)) للإيذان بأنهم مستقرُّون في الكفر لا يبرحون،
وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعضٍ آخَرَ منها، كإظهار
موالاة المشركين، وإبرازٍ آثار الكيد للإسلام، ونحو ذلك.
والتعبيرُ عنهم بالموصول للإشارة بما في حيِّز صلته إلى مدار الحزن، وهذا وإنْ
كان بحَسَبِ الظاهر نهياً للكفرة عن أن يحزنوه وسير بمسارعتهم في الكفر، لكنه في
الحقيقة نهيٌ له عليه الصلاة والسلام عن التأثَّر من ذلك والمبالاة، والغرضُ منه
مجرَّدُ التسلية على أبلغ وجهٍ وآكَدِه، فإنَّ النهي عن أسباب الشيء ومباديه المؤذِّيةِ
إليه نهيٌّ عنه بالطريق البرهانيِّ، وقطعٌ له من أصله.
وقرئ: ((يُحْزِنْكَ)) بضمِّ الياء وكَسْرِ الزاي(١)، من أَحْزَنَ وهي لغة.
وقرئ: ((يُسْرِعون))(٢)، يقال: أسرع فيه الشيب، أي: وقع فيه سريعاً.
(١) هي قراءة نافع كما في التيسير ص٩١- ٩٢، والنشر ٢٤٤/٢.
(٢) الكشاف ٦١٢/١، والبحر ٤٨٧/٣ .

الآية : ٤١
١٩٧
سُورَةُ القَائِدَةِ
أي: لا تَحْزَنْ ولا تبالِ بتهافُتِهم في الكفر بسرعةٍ، حَذَراً - كما قيل - من شرِّهم
وموالاتهم للمشركين فإن الله تعالى ناصرُك عليهم، أو شفقةً عليهم حيث لم يوقَّقوا
للهداية فإن الله تعالى يَهدي مَن يشاء ويُضِلُّ مَن يشاء.
﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنَّا بِأَفْوَهِهِمْ﴾ بيانٌ للمسارعين في الكفر، وقال
أبو البقاء(١): إنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعلٍ ((يسارعون)) أو من الموصول،
أي: كائنين من الذين .. إلخ.
والباءُ متعلِّقةٌ بـ ((قالوا)) لا بـ ((آمنًّا))؛ لظهور فساده. وتعلَّقُها به على معنى: بذي
أفواههم، أي: يؤمنون بما يتفوَّهون به من غير أن تلتفَّ به قلوبُهم، مما لا ينبغي أن
يلتفِتَ إلیه من له أدنى تمییز.
﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ جملةٌ حاليةٌ من ضميرٍ ((قالوا)). وقيل: عطفٌ على
((قالوا)).
وقولُه سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ﴾ عطفٌ على ((من الذين قالوا)).
وبه تمَّ تقسيمُ المسارعين إلى قسمين: منافقين، ويهود.
فقولُه سبحانه وتعالى: ﴿سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ خبرُ متبدأ محذوفٍ، أي: هم
سمَّاعون، والضميرُ للفريقين، أو لـ ((الذين يسارعون)). وجوِّز أن يكون لـ ((الذين
هادوا))، واعتُرِضَ بأنه مخلٌّ بعموم الوعيد الآتي ومباديه للكلِّ، كما ستقفُ عليه
إن شاء الله تعالى. وكذا جَعْلُ غيرٍ واحدٍ ((ومن الذين)) إلخ خبراً على أنَّ
(سماعون)) صفةٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: ومنهم قومٌ سمَّاعون؛ لأدائه إلى اختصاص
ما عدِّد من القبائح وما يترتَّب عليها من الغوائل الدنيوية والأخروية بهم، على أنه
قد قرئ: (سمَّاعين))(٢) بالنصب على الذمِّ، وهو ظاهرٌ في أَرْجَحِيَّةِ العَظْفِ،
فالوجهُ ذلك.
واللامُ للتقوية كما في قوله تعالى: ﴿فَعَّلٌ لِمَا يُرِيدٌ﴾ [البروج: ١٦].
وقيل: لتضمين السماع معنى القبول، أي: قابلون لما يفتريه الأحبارُ من
(١) في الإملاء ٢/ ٤٢٠.
(٢) البحر ٤٨٧/٣.

سُورَّةُ القَائِدَة
١٩٨
الآية : ٤١
الكذب على الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وتحريفِ كتابه.
واعترضه الشهابُ بأنَّ هذا يقتضي أنه إنما فسِّر بالقبول لتعدِّيه باللام، وقد قال
الزَجَّاج: يقال: لا تَسْمَعْ من فلان، أي: لا تَقْبَلْ. ومنه: ((سَمِعَ الله لمن حَمِدَ))،
أي: تَقبَّلَ منه حَمْدَهُ(١)، وكلامُ الجوهريِّ يخالفُه أيضاً، ويقتضي أنه ليس مبنيًّا على
التضمين (٢).
وقال عصام الملَّة: إنَّ القبول أيضاً متعدٍّ بنفسه، ففي ((القاموس)): قَبِلَه - كعَمِلَه
- وتقبّله بمعنى أَخَذَه(٣)، نعم يتعدَّى السماعُ بمعنى القبول باللام بمعنى ((من))،
كما في: سَمِعَ الله لمن حَمِدَه، أي: قَبِلَ الله تعالى ممَّن حَمِدَه، لكن هذه اللام
تدخلُ على المسموع منه لا المسموع.
وجوِّز أن تكون اللامُ للعلة والمفعول محذوفٌ، أي: سمَّاعون كلامَكَ ليكذبوا
عليك فيه بأنْ يَمْسَخوه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير، أو: كلامَ الناسِ الدائرِ
فيما بينهم ليكذبوا بأنْ يُرْجِفوا بقَتْلِ المؤمنين وانكسار سراياهم، أو نحو ذلك مما فيه
ضررٌ بھم.
وأيًّا ما كان فالجملةُ مستأنَفةٌ جاريةٌ - على ما قيل - مجرى التعليل للنهي، أو
مسوقةٌ لمجرَّدِ الذمِّ كما يقتضيه قراءةُ النصب.
وقولُه تعالى شأنه: ﴿سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوٌ﴾ خبرٌ ثانٍ للمبتدأ المقدَّر
للأول، ومبيِّنٌ لِمَا هو المرادُ بالكذب على تقدير التقوية والتضمين، واللام هنا
مِثْلُها في ((سَمِعَ اللهُ لمن حمده))، والمعنى: مُبالغون في قَبولِ كلامٍ قومٍ آخرين،
واختاره شيخ الإسلام(٤).
وجوِّز كونُها لامَ التعليل، أي: سمَّاعون كلامَه ◌َّهِ الصادرَ منه ليَكْذِبوا عليه
لأَجْلٍ قومٍ آخَرين، والمراد أنهم عيونٌ عليه - عليه الصلاة والسلام - لأولئك القوم،
(١) معاني القرآن للزجاج ٢/ ١٧٤ .
(٢) حاشية الشهاب ٢٤٣/٣، وينظر الصحاح (سمع).
(٣) القاموس (قبل).
(٤) تفسير أبي السعود ٣٧/٣.

الآية : ٤١
١٩٩
سُوَرَُّ للَائِدَة
ورُوي ذلك عن الحسن والزجَّاج، واختاره أبو عليٍّ الجبائيّ(١)، وليس في النظم
ما یأباه، ولا بُعْدَ فیه.
نعم ما قيل: من أنه يجوزُ أن تتعلَّق اللام بـ ((الكذب)) على أنَّ ((سماعون)) الثاني
مكررٌ للتأكيد، بمعنى: سماعون ليكذبوا لقوم آخرين = بعيدٌ.
و(آخرين)) صفةٌ لـ ((قوم))، وجملةُ ((لم يأتوك)) صفةٌ أخرى، والمعنى: لم
يحضروا عندك. وقيل: هو كنايةٌ عن أنهم لم يقدروا أن ينظروا إليك، وفيه دلالةٌ
على شدةِ بغضهم له وَّر، وفَرْطِ عداوتهم.
واحتمالُ كونها صفةً ((سماعون))، أي: سماعون لم يقصدوك بالإتيان بل
قصدوا السماع للإنهاء إلى قومٍ آخرين = مما لا ينبغي أن يُلتفت إليه.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يُحِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ﴾ صفةٌ أخرى لـ ((قوم))،
وُصفوا أولاً بمغايرتهم للسمَّاعين تنبيهاً على استقلالهم وأصالتهم في الرأي، ثم
بعَدَمِ حضورهم مجلسَ رسولِ اللهِ وَ ﴿ إيذاناً بكمال طغيانهم في الضلال، أو بعدم
قدرتهم على النظر إليه عليه الصلاة والسلام إيذاناً بما تقدَّم، ثم باستمرارهم على
التحريف بياناً لإفراطهم في العتوِّ والمكابرة والاجتراء على الله تعالى، وتعييناً
للكذب الذي سمعه السمّاعون على بعض الوجوه كما هو الظاهر.
وقيل: الجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، ناعيةٌ عليهم شنائعهم.
وقيل: خبرُ مبتدأ محذوفٍ راجعٍ إلى القوم، وقيل: إلى الفريقين.
والمعنى: يُميلون ويُزِيلون التوراةَ، أو كلامَ الرسول وَّر، أو كليهما، أو مطلقَ
الكلم ـ في قولٍ - عن المواضع التي وُضع ذلك فيها، إمَّا لفظاً بإهماله أو تغيير
وضعه، وإما معنَى بحَمْلِه على غير المراد وإجرائه في غير مورده. ومن هنا يُعلم
توجيهُ قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ،) دون: عن مواضعه.
وقال عصام الملَّة: إن إدراج لفظ ((بعد)) للتنبيه على تنزيل الكَلِم منزلةً هي أدنى
(١) نقله المصنف عنه وعن الزجاج والحسن بواسطة الطبرسي في مجمع البيان ٩٦/٦، وقول
الزجاج في معاني القرآن ٢/ ١٧١ .

الآية : ٤١
٢٠٠
سُوَرَُّ القَائِدَة
مما وُضعتْ فيه؛ لأنه إبطالُ النافع بالضَّارِّ لا بالنافع أو الأنفع، فكأنَّ المحرِّفَ
واقفٌ في موضعٍ هو أدنى من موضع الكلمة يحرِّفها إلى موضعه. ولا يخفى بعدُه.
وقال بعضهم: إنَّ (مِن)) للابتداء، ولفظ ((بعد)) للإشارة إلى أنَّ التحريف مما بعد
إلى موضعٍ أبعد، وفيه من المبالغة في التشنيع ما لا يخفى.
وقرأ إبراهيم: ((يحرِّفون الكلامَ عن مواضعه))(١).
وقولُه سبحانه وتعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ كالجملة السابقة في الوجوه، ويجوزُ أن
تکون حالاً من ضمیر ((یحرِّفون)).
وجوِّز كونُها كالتي قبلها صفةً لـ (سمَّاعون))، أو حالاً من الضمير فيه. وتعقّبه
شيخُ الإسلام بأنه مما لا سبيل إليه أصلاً، كيف لا وإنَّ مقول القول ناطقٌ بأنَّ قائله
ممن لا يحضرُ مجلسَ الرسولِ ﴿ والمخاطبَ به ممن يحضُرُه، فكيف يمكن أن
يقوله السمّاعون المتردِّدون إليه عليه الصلاة والسلام لمن لا يحوم حول حضرته
قطعاً، وادِّعاء قولِ السمّاعين لأعقابهم المخالِطينَ للمسلمين تعسُّفٌ ظاهرٌ مُخِلٌّ
بجزالة النظم الكريم، فالحقُّ الذي لا مَحيدَ عنه - وعليه دَرَجَ غالبُ المفسِّرين - أنَّ
المحرِّفين والقائلين هم القوم الآخرون، أي: يقولون لأتباعهم السمّاعين لهم: ﴿إِنّ
أُوِيْتُمْ﴾ من جِهَةِ الرسولِ وَ لّ كما هو الظاهرُ ﴿هَذَا فَخُذُوهُ﴾ واعملوا بموجبه فإنه
موافقٌ للحقِّ ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْتَهُ﴾ من جهته، بل أُوتِيتُم غيرَه ﴿فَأَحْذَرُواْ﴾ قبولَه، وإياكم
وإياه، أو: فاحذروا رسولَ الله وَّهِ. وفي ترتيب الأمر بالحذر على مجرَّدٍ عَدَمِ إيتاءِ
المحرَّف من المبالغة والتحذير ما لا يخفى (٢).
أخرج أحمدُ وأبو داود وابنُ جَرِيرٍ وغيرُهم عن ابن عباس ﴿مّ أنه قال: إنَّ
طائفتين من اليهود قَهَرتْ إحداهما الأخرى في الجاهلية حتى ارتَضَوا واصطلحوا
على أنَّ كلَّ قتيلٍ قتلته العزيزةُ من الذليلة فَدِيَتُهُ خمسون وسقاً، وكلُّ قتيلٍ قتلته الذليلةُ
من العزيزة فِيَتُه مئةُ وسقٍ، فكانوا على ذلك حتى قدم رسول الله وَ له المدينة، فذلَّت
(١) لم نقف عليها في هذا الموضع، ورويت عن إبراهيم النخعي في الآية (٢٦) من سورة
النساء، كما في البحر ٢٦٣/٣.
(٢) تفسير أبي السعود ٣٧/٣-٣٨.