النص المفهرس
صفحات 141-160
الآية : ٢٦ ١٤١ سُؤَدُّ لقائِدَة وقال أبو عليٍّ الجبائي: إنه كان بتحوُّل الأرض التي هم عليها وقت نومهم. ويُغْني الله تعالى عن قبوله. وروي أنه كان الغمام يظلُّهم من حرِّ الشمس، وينزلُ عليهم المنُّ والسلوى، وجُعِلَ معهم حجرُ موسى عليه السلام يتفجّر منه الماء دفعاً لعطشهم. قيل: ويَطْلُعُ بالليل عمودٌ من نورٍ يضيءُ لهم، ولا يطولُ شعرهم، ولا تَبْلَى ثيابهم كما روي عن الربيع بن أنس، وكانت تشبُّ معهم إذا شَبُّوا كما رُوي عن طاوس. وذكر غيرُ واحدٍ من القُصَّاص أنهم كانوا إذا ولد لهم مولودٌ كان عليه ثوبٌ کالظفر يطولُ بطوله ولا یبلی. إلى غير ذلك مما ذكروه، والعادةُ تُبْعِدُ كثيراً منه، فلا يُقبل إلا ما صحَّ عن الله تعالى ورسولِهِ وَله، ولقد سألتُ بعضَ أحبار اليهود عن لباس بني إسرائيل في التيه، فقال: إنهم خرجوا من مصر ومعهم الكثيرُ من ثياب القِبْطِ وأمتعتِهم، وحفظها الله تعالى لكبارهم وصغارهم، فذكرت له حديث الظفر، فقال: لم نَظْفَرْ به! وأنكره، فقلت له: هي فضيلةٌ فهلَا أثبتَّها لقومك؟ فقال: لا أرضى بالكذب ثوباً . واسْتُشْكِلَ معاملتُهم بهذه النعم مع معاقبتهم بالحيرة. وأجيب بأنَّ تلك المعاقبةَ من كرمه تعالى، وتعذيبُهم إنما كان للتأديب كما يضرب الرجل ولده مع محبته له ولا يقطّعُ عنه معروفَه، ولعلهم استغفروا من الكفر إذا كان قد وقع منهم. وأكثرُ المفسِّرين على أنَّ موسى وهارون عليهما السلام كانا معهم في التیه، لكن لم يَتَلْهُما من المشقَّة ما نالهم، وكان ذلك لهما رَوْحاً وسلامةً كالنار لإبراهيم عليه السلام، ولعل الرجلين أيضاً كانا كذلك. وروي أنَّ هارون مات في التيه، واتُّهم به موسى عليهما السلام، فقالوا: قَتَلَه لحبِّنا له. فأحياه الله تعالى بتضرُّعه، فبرَّأه مما يقولون وعاد إلى مضجعه. سُورَةُ لعَائِدَة ١٤٢ الآية : ٢٧ ومات موسى عليه السلام بعده بسنة، وقيل: بستة أشهر ونصف، وقيل: بثمانية أعوام. ودخل يوشع أريحاء بعده بثلاثة أشهر، وقال قتادة: بشهرين - وكان قد نُبِئ قبلُ - بمَن بقي من بني إسرائيل، ولم يَبْقَ المكلَّفون وقتَ الأمر منهم (١). قيل: ولا يُساعدُه النَّظْمُ الكريم؛ فإنَّه تعالى بعدما قَبِلَ دعوته عليه السلام على بني إسرائيل وعذَّبهم بالتِّيه بعيدٌ أن يُنجي مَن نجا، ويقدِّرَ وفاةَ النبيَّين عليهما السلام في محلِّ العقوبة ظاهراً، وإن كان ذلك لهما منزلَ رَوْحٍ وراحة. وأنت تعلمُ أنَّ الأخبار بموتهما عليهما السلام بالتيه كثيرةٌ، لاسيما الأخبار بموت هارون عليه السلام، ولا أرى للاستبعاد محلًا، ولعل ذلك أنكى لبني إسرائيل. وقيل: إنهما عليهما السلام لم يكونا مع بني إسرائيل في التيه، وإنَّ الدعاء - وقد أجيب - كان بالفَرْقِ بمعنى المباعدة في المكان بالدنيا . وأرى هذا القول مما لا يكاد يصح، فإنَّ كثيراً من الآيات كالنصِّ في وجود موسى عليه السلام معهم فيه كما لا يخفى. ﴿فَلَا تَأْسَ﴾ أي: فلا تَحْزَنْ لموتهم، أو لِمَا أصابهم فيه من الأسى وهو الحزن الذين استُجيب لك في الدعاء عليهم لفِسْقِھم، ﴿عَلَى الْقَوْمِ اَلْفَسِفِينَ ® فالخطاب لموسى عليه السلام كما هو الظاهر، وإليه ذهب أجلَّةُ المفسرين. وقال الزجَّاج(٢): إنه للنبيِّ وَّه، والمرادُ بالقوم الفاسقين: مُعاصِرُوه عليه الصلاة والسلام من بني إسرائيل، كأنه قيل: هذه أفعالُ أسلافهم، فلا تحزن أنت بسبب أفعالهم الخبيثةِ معك، وردِّهم عليك؛ فإنهم ورثوا ذلك عنهم. ﴿وَأَتْلُ عَلَهِمْ﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ تعلَّق به قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى) إلخ. وتعلَّقه به قيل: من حيث إنه تمهيدٌ لما سيأتي إن شاء الله تعالى من جنايات بني (١) أي أن الذين كانوا وقت الأمر بالدخول مكلَّفين ماتوا، والذين دخلوا هم ممن كانوا صغاراً غير مكلفين وقت الأمر أو ولدوا بعده. ينظر معاني القرآن للزجاج ١٦٥/٢، والبحر ٤٥٨/٣ . (٢) في معاني القرآن ١٦٦/٢ بنحوه. الآية : ٢٧ ١٤٣ سُورَةَ القائِدَة إسرائيل بعدَ ما كتب عليهم ما كتب، وجاءتهم الرسل بما جاءتهم به من البينات. وقيل: من حيث إن في الأول الجبنَ عن القتل، وفي هذا الإقدامَ عليهِ، مع كون كلٍّ منهما معصيةً. وضميرُ ((عليهم)) يعود على بني إسرائيل كما هو الظاهر؛ إذ هم المحدَّثُ عنهم أولاً، وأُمر ◌َِّ بتلاوة ذلك عليهم إعلاماً لهم بما هو في غامض كُتُبهم الأُوَلِ، الذي لا تعلُّق للرسول عليه الصلاة والسلام بها إلا من جهة الوحي؛ لتقوم الحجة بذلك علیھم. وقيل: الضميرُ عائدٌ على هذه الأمة، أي: اتلُ يا محمد على قومك. ﴿نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ﴾ هابيلَ عليه الرحمة، وقابيلَ عليه ما يستحقُّه، وكانا بإجماع غالب المفسّرين ابني آدم عليه السلام لصلبه. وقال الحسن: كانا رجلين من بني إسرائيل. ويدُ الله تعالى مع الجماعة. وكان من قصتهما ما أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود وناسٍ من الصحابة أجمعين: أنه كان لا يُولَدُ لآدمَ عليه السلامُ مولودٌ إلا وُلد معه جاريةٌ، فكان یزوِّجُ غلامَ هذا البطنِ جارِيةَ هذا البطنِ الآخَرِ، ويزوِّج جاريةَ هذا البطنِ غلامَ هذا البطنِ الآخَرِ - جُعل افتراقُ البطونِ بمنزلةِ افتراقِ النَّسَبِ للضَّرورةِ إذ ذاك - حتی وُلد له ابنان يقالُ لهما: هابيلُ وقابيلُ، وكان قابيلُ صاحبَ زَرْعٍ، وهابيلُ صاحبَ ضَرْعٍ، وكان قابيلُ أَكْبَرَهما، وكان له أختٌ - واسمُها إقليما - أحسن من أختِ هابيل، وإن هابيلَ طلب أنْ يَنْكِحَ أختَ قابيلَ، فأبى عليه وقال: هي أختي وُلدَتْ معي، وهي أحسنُ من أختك، وأنا أحقُّ أنْ أتزوَّجَ بها. فَأَمَرَه أبوه أنْ يزوِّجها هابيلَ فَأَبَى، فقال لهما: قَرِّبًا قُرباناً فَمِنْ أيّكما قُبِلَ تزوَّجها. وإنَّما أَمر بذلك لعِلْمِه أنه لا يُقْبَلُ من قابيل، لا أنَّه لو قُبِلَ جاز. ثم غاب عليه السلام عنهما آتياً مكةً ينظر إليها، فقال آدمُ للسماء: احفظي وَلَدي بالأمانة. فَأَبَتْ، وقال للأرض فأَبَتْ، وقال للجبال فَأَبَتْ، فقال لقابيل، فقال: نعم، تَذْهبُ وتَرْجِعُ وتجدُ أهلك كما يَسرُّك. فلمَّا انطلق آدم عليه السلام قرَّبًا قُرباناً، فقرَّبَ هابيلُ جَذَعةً، وقيل: كبشاً، وقرَّبَ قابيلُ حُزْمةَ سُنْبُلٍ، فوَجَدَ فيها سُنْبلةً عظيمةً ففركها وأكلها، فنزلت النارُ فأكلت قربان سُورَةُ للَائِدَة ١٤٤ الآية : ٢٧ هابيل، وكان ذلك علامةَ القبول - وكان أكلُ القربان غيرَ جائزٍ في الشرع القديم - وتَرَكَتْ قربانَ قابيل، فغضب، وقال: لأقتلنَّك، فأجابه بما قصَّ الله تعالى(١). ﴿يَلْحَقِ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لمصدرِ («اثْلُ»، أي: اتْلُ تلاوةً متلبسةً بالحقِّ والصحَّة. أو حالٌ من فاعلِ (اتل)) أو من مفعوله، أي: متلبِّساً أنت أو نبأهما بالحق والصِّدق، موافقاً لما في زُبُرِ الأوَّلين. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ ظرفٌ لـ ((نبأ))، وعَمِلَ فيه لأنه مصدرٌ في الأصل، والظرفُ يكفي فيه رائحةُ الفعل. وجوِّز أنْ يكون متعلِّقاً بمحذوفٍ وقع حالاً منه، ورُوَّ بأنه حينئذٍ يكون قيداً في عامله وهو (اتل)) المستقبل، و((إذا لما مضى، فلا يتلاقيان، ولذا لم يتعلَّق به مع ظهوره. وقد يجاب بالفرق بين الوجهين فتأمل. وقيل: إنه بدلٌ من ((نبأ)) على حذفِ المضاف؛ ليصحَّ كونُه متلوًّا، أي: اتلُ عليهم نبأهم نبأً ذلك الوقت. وردَّه في ((البحر)) بأنَّ ((إذ)) لا يضاف إليها إلَّ الزمان، نحو: يومَئذٍ وحينئذٍ، و (نبأ)) ليس بزمان(٢). وُجیب بالمنع، ولا فرق بين: نبأ ذلك الوقت، ونبأ إذ، وکلٌّ منهما صحيحٌ معنّى وإعراباً، ودعوى جوازِ الأولِ سماعاً دون الثاني دون إثباتها خَرْطُ القتاد. والقربانُ: اسمٌ لما يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى من ذبيحةٍ أو غيرها، كالحُلْوان (٣) اسمٌ لما يُحلَّى، أي: يُعْطَى. وتوحيده لِمَا أنه في الأصل مصدر، وقيل: تقديره: إذ قَرَّبَ كلٌّ منهما قرباناً . ﴿فَثُقُيِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ وهو هابيل ﴿وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ﴾ لأنه سَخِطَ حكمَ الله تعالى، وهو عدمُ جوازٍ نكاح التوأمة. (١) تفسير الطبري ٣٢٢/٨. (٢) البحر ٤٦١/٣. (٣) الحلوان بالضم، أجرة الدلال والكاهن ومهر المرأة، وما يعطى من رشوة ونحو ذلك، من الحلاوة لأنه يؤخذ بسهولة. حاشية الشهاب ٢٣٣/٣. الآية : ٢٨ ١٤٥ سُورَّةُ العَائِدَة ﴿قَالَ﴾ استئنافُ سؤالٍ نشأ من الكلام السابق، كأنه قيل: فماذا قال مَن لم يُتُقبَّل قربانُه؟ فقيل: قال لأخيه لفَرْطِ الحسد على قبول قُربانه ورفعةٍ شأنه عند ربِّه عز وجل، كما يدلُّ عليه الكلام الآتي، وقيل: على ما سيقع من أخذ أخته الحسناء. ﴿لَأَ قْتُلَنٌَّ﴾ أي: واللهِ تعالى لأقتلنَّكَ، بالنون المشدَّدة، وقرئ بالمخفَّفة(١). ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كالذي قبله، أي: قال الذي تُقْبِّل قربانُه لمَّا رأى حَسَدَ أخيه: ﴾﴾ في ذلك بإخلاص النية ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اَللَّهُ﴾ أي: القربانَ والطاعةَ ﴿مِنَ الْمُتَّقِينَ فيه لله تعالى، لا مِن غيرهم، وليس المرادُ من التقوى التقوى من الشرك التي هي أول المراتب كما قيل. ومراده من هذا الجواب: إنك إنما أُتيتَ من قِبَلِ نفسِكَ لانسلاخها عن لباس التقوى، لا من قِبَلي، فلِمَ تقتلني؟ ومالَكَ لا تعاتبُ نفسك ولا تَحْمِلُها على تقوى الله تعالى التي هي السببُ في القبول؟! وهو جوابُ حكيمٍ مختصَرٌ جامعٌ لمعانٍ. وفيه إشارة إلى أنَّ الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره، ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسودُ محظوظاً لا في إزالة حظّه ونعمته، فإنَّ اجتهاده فيما ذُكر يضرُّه ولا ينفعه. وقيل: مرادُه الكنايةُ عن أنه لا يمتنعُ عن حُكْم الله تعالى بوعيده لأنه مثَّقِ، والمتقي يؤثِرُ الامتثال على الحياة. أو الكنايةُ عن أنّهَ لا يقتله دفعاً لقتله لأنه مثَّقٍ، فيكون ذلك كالتَّوْطئة لِمَا بعده، ولا يخفى بعدُه. وما أَنْعَى هذه الآيةَ على العاملين أعمالهم! وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حَضَرَتْه الوفاةُ، فقيل له: ما يبكيك، فقد كنتَ وكنتَ؟ قال: إنِّي أسمع الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. ﴿لَيْنُّ بَسَطِتَ إِلَّ يَدَكَ لِنَقْتُلَنِ مَا أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكِّ﴾ قيل: كان هابيل أقوى منه، ولكنْ تَحرَّجَ عن قتله واستسلم له خوفاً من الله تعالى؛ لأنَّ المدافعة لم تكن جائزةً في ذلك الوقتِ وفي تلك الشريعة كما روي عن مجاهد، وأخرج ابن المنذر(٢) (١) البحر ٤٦١/٣. (٢) كما في الدر المنثور ٢/ ٢٧٤ . سُؤَدَّةُ القَائِدَة ١٤٦ الآية : ٢٨ عن ابن جُرَيجِ قال: كانت بنو إسرائيلَ قد كُتِبَ عليهم إذا الرجلُ بسط يده إلى الرجل لا یمتنعُ منه حتی یقتله أو یدعه. أو تحرِّياً لِمَا هو الأفضلُ الأكثرُ ثواباً، وهو كونُه مقتولاً، لا قاتلاً بالدفع عن نفسه، بناءً على جوازه إذ ذاك. قال بعض المحفِّقين: واختلف في هذا الآن على ما بسطه الإمام الجصَّاص(١)، فالصحيحُ من المذهب أنه يلزمُ الرجلَ دفعُ الفساد عن نفسه وغيره وإنْ أدَّى إلى القتل، ولذا قال ابن عباس ﴿ّ وغيره: إنَّ المعنى في الآية: (لَينُ بَسَطَتَ إِلَّ يَدَكَ) على سبيل الظلم والابتداء (لِنَقْتُلِ مَا أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ) على وجه الظلم والابتداء، وتكون الآية على ما قاله مجاهدٌ وابنُ جُرَيج منسوخةً، وهل نُسختْ قبل شريعتنا أم لا؟ فيه كلام، والدليلُ عليه قولُه تعالى: ﴿فَقَائِلُواْ أَلَّى تَبْفِى حَّه تَّفِىَّ﴾ [الحجرات: ٩] وغيرُه من الآيات والأحاديث. وقيل: إنه لا يلزمُ ذلك بل يجوزُ، واستُدلَّ بما أخرجه ابن سعدٍ في ((الطبقات)(٢) عن خبّاب بنِ الأَرَتِّ عنه وَّةِ أنه ذكر فتنةً القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من السَّاعي: ((فإنْ أَدْرَكْتَ ذلك فكُنْ عبدَ اللهِ المقتولَ ولا تَكُنْ عبدَ الله القائلَ)) وأوَّلوه بترك القتال في الفتنة واجتنابها، وأوَّلُ الحديث يدلُّ عليه. وأمَّا مَن منع ذلك الآن مستدلا بحديث: ((إذا الْتَقَى المسلمان بسيفيهما فالقاتلُ والمقتولُ في النار))(٣) فقد رُدَّ بأنَّ المراد به أن يكون كلٌّ منهما عَزَمَ على قتل أخيه وإنْ لم يقاتله، وتقابلا بهذا القصد. انتهى بزيادة. وعن السيد المُرَتَضَى (٤) أنَّ الآية ليست من محلِّ النزاع؛ لأنَّ اللام الداخلةَ على فعل القتل لامُ ((كي))، وهي مُنْبئةٌ عن الإرادة والغرض، ولا شبهةَ في قُبْح ذلك أولاً وآخِراً؛ لأنَّ المُدافع إنما يَحْسُنُ منه المدافعةُ للظالم طلباً للتخلّص من غير أن (١) في أحكام القرآن ٢/ ٤٠١، وعنى ببعض المحققين الشهاب في الحاشية ٣/ ٢٣٤. (٢) ٢٤٥/٥-٢٤٦، وهو عند أحمد (٢١٠٦٤). (٣) أخرجه أحمد (٢٠٤٣٩)، والبخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨) من حديث أبي بكرة (٤) نقل المصنف قوله عن مجمع البيان ٦/ ٧٥. الآية : ٢٩ ١٤٧ سُورَةُ لقَائِدَة يقصد إلى قتله، فكأنه قال له: لئن ظلمتني لم أظلمك. وإنما قال سبحانه: (مَآ أَنْ بِبَاسِطِ يَدِىَ) في جواب (لَيِنُ بَسَطَتَ) للمبالغة في أنَّه ليس من(١) شأنه ذلك ولا ممن يتَّصف به، ولذلك أكَّد النفي بالباء، ولم يقل: وما أنا بقاتل، بل قال: ((بباسِطِ)) للتبرِّي عن مقدِّمات القتل فضلاً عنه. وقدِّم الجارُّ والمجرور المتعلِّقُ بـ ((بَسَطْتَ)) إيذاناً - على ما قيل - من أول الأمر برجوع ضررِ البَسْطِ وغائلتِهِ إليه، ويخطرُ لي أنه قدِّم لتعجيل تذكيره بنفسه، المنجرِّ إلى تذكيره بالأُخوَّة المانعة عن القتل. وقولُه تعالى: ﴿إِّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ليقتله، وفيه إرشادُ قابيلَ إلى خشية الله تعالى على أتم وجه، وتعريضٌ بأنَّ القاتل لا يخاف الله تعالی. تعليلٌ للامتناع عن بسط يده ٣٨ ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَّأَ بِثْمِى وَإِنْكَ﴾ تعليلٌ آخَرُ لامتناعه عن البَسْطِ. ولما كان كلِّ منهما علةً مستقلّة لم يعطف أحدهما على الآخر إيذاناً بالاستقلال، ودفعاً لتوهُّم أن يكون جزءً علَّة، لا علَّةً تامةً. وأصل البواء: اللزوم، وفي ((النهاية)): ((أبوء بنعمتك عليَّ، وأبوءُ بذنبي)، أي: أَلْتزمُ وأَرْجِعُ وأُقِرُ (٢). والمعنى: إني أريد باستسلامي وامتناعي عن التعرُّض لك أنْ تَرْجِعَ بإِثمي - أي: تتحمَّلَه - لو بَسَطْتُ يدي إليك، حيث كنتَ السببَ له، وأنت الذي علَّمتني الضربَ والقتل، وإثمك حيث بَسَطْتَ إليَّ يدك. وهذا نظيرُ ما أخرجه مسلمٌ عن أبي هريرة مرفوعاً: ((المُسْتَبَّانِ ما قالا فَعَلَى البادئ، ما لم يَعْتَدِ المظلومُ))(٣) أي: على البادئ إثمُ سبِّه ومثلُ إثم سبِّ صاحبه؛ لأنه كان سبباً فيه، إلا أنَّ الإثم محطوطٌ عن صاحبه معفوٌّ عنه لأنه مكافئٌ دافعٌ عن عِرْضه، ألا ترى إلى قوله: ((ما لم يَعْتَدِ المظلومُ)) لأنه إذا خرج من حدِّ المكافأة واعتدى لم يَسْلَمْ، كذا في ((الكشاف))(٤). (١) في الأصل: ممن، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٢٣٤/٣، والكلام منه. (٢) النهاية (بوأ). (٣) صحيح مسلم (٢٥٨٧)، وهو عند أحمد (٧٢٠٥). (٤) ١/ ٦٠٧. سُورَةُ القَائِدَة ١٤٨ الآية : ٢٩ قيل: وفيه نظر؛ لأنَّ حاصل ما قرَّره أنَّ على البادئ إثمه ومثلُ إثم صاحبه، إلا أنْ يتعدَّى الصاحبُ فلا يكونُ هذا المجموعُ على البادئ، ولا دلالةَ فيه على أنَّ المظلوم إذا (١) لم يتعدَّ كان إثمه المخصوصُ بسببه ساقطاً عنه، اللهم إلا بضميمةٍ تنضمُّ إليه، وليس في اللفظ ما يُشْعِرُ بها . وردّه في ((الكشف)): بأنه كيف لا يدلُّ على سقوطه عنه، وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((فعلى البادئ)) مخصِّصٌ ظاهر، وقول (الكشاف)): إلَّا أنَّ الإثم محطوطٌ، تفسيرٌ لقوله: ((فعَلَى البادئ)). وقوله: فعليه إثمُ سبِّه ومثلُ إثم سبٍّ صاحبه، تفسيرٌ لقوله: ((ما قالا))، فكما يدلُّ على أنَّ عليه إثماً مضاعفاً، يَدُّ على أنَّ إثم صاحبه ساقط. هذا ثم قال: ولعل الأظهر في الحديث أنْ لا يُضْمَرَ المِثْلُ، والمعنى: إثم سبابهما على البادئ، وكان ذلك لئلا يلتزم الجمعُ بين الحقيقة والمجاز، والقول: بأنه إذا لم يكن لِمَا قاله غيرُ البادئ إثم، فكيف يقال: إثم سبابهما؟ وكيف يضاف إليه الإثم مشترك الإلزام؟ وتحقيقُه: أنَّ لِمَا قاله غيرُ البادئ إثماً وليس على البادئ، وليس بمنافٍ لقوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] لأنه بحَمْلِه عليه عُذَّ جانياً، وهذا كما ورد فيمَن سَنَّ سُنَّةً حسنةً أو سنَّةً سيئةً، نعم فيما نحن فيه العاملُ لا إثم له إنما هو للحامل، والحاصلُ أنَّ سبَّ غيرِ البادئ يترتَّبُ عليه شيئان، أحدهما بالنسبة إلى فاعله وهو ساقطً إذا كان على وجه الدفع دون اعتداء، والثاني بالنسبة إلى حامله عليه وهو غيرُ ساقطٍ، أعني أنه يثبتُ ابتداءً لا أنه لا يُعْفَى. وأورد في التحقيق أنَّ ما ذكره مِن حطّ الإثم عن(٢) المظلوم لأنه مكافئ غيرُ صحيح؛ لأنه إذا سُبَّ شخصٌ لم يُسْتَوْفَ الجزاءُ إلا بالحاكم. والجواب: أنَّ صريح الحديث يدلُّ على ماذكر في ((الكشاف))، والجمعُ بينه وبين الحكم الفقهيّ أنَّ السبَّ إما أنْ يكون بلفظٍ يترتَّبُ عليه الحدُّ شرعاً، فذلك (١) في (م): إذ. (٢) في الأصل و(م): من، والمثبت من حاشية الشهاب ٢٣٥/٣. الآية : ٢٩ ١٤٩ سُورَةُ القَائِدَة سبیلُه الرفع إلی الحاکم، أو بغير ذلك؛ وحينئذٍ لا يخلو : إما أنْ يكون كلمةَ إيحاشٍ أو امتنانٍ أو تفاخُرٍ بنَسَبٍ ونحوه مما يتضمَّن إزراءً بنسبٍ صاحبه، من دون شتمٍ، كنحو الرمي بالكفر والفسق، فله أن يعارضه بالمِثْلِ، ويدلُّ عليه حديثُ زينب وَعائشة ﴿هَا، وقولُه عليه الصلاة والسلام لعائشة: (دونَكِ فانْتَصِري))(١). أو يتضمَّن شتماً، فذلك أيضاً يُرفع إلى الحاكم ليعزِّره. والحديثُ محمولٌ على القسم الذي يجري فيه الانتصار، وقولُه ◌َلِّ: ((ما لم يَعْتَدِ المظلوم)» يدلُّ عليه؛ لأنه إذا كان حقُّه الرفعَ إلى الحاكم فاشتغل بالمعارضة عُدَّ متعدِّياً. انتهى، وهو تفصيلٌ حسن. وقيل: معنى ((بإثمي)): بإثم قتلي، ومعنى بإثمك: إثمك الذي كان قبل قتلي، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود ﴿ه، وقتادةً ومجاهدٍ والضَّحاك، وأَطلَقَ هؤلاء الإثمَ الذي كان قبلُ. وعن الجبائيِّ والزّجَّاج: أنه الإثم الذي من أجله لم يتقبَّل القربان(٢)، وهو عدمُ الرضا بحكم الله تعالى كما مر. وقيل: معناه: بإثم قتلي، و((إثمك)) الذي هو قتلُ الناس جميعاً حيث سَنَنْتَ القتل. وإضافة الإثم على جميع هذه الأقوال إلى ضمير المتكلم لأنه نشأ من قِبَلِه، أو هو على تقدير مضاف، ولا حاجةً إلى تقديرِ مضافٍ إليه(٣) كما قد قيل به أولاً ، إلا أنه لا خفاءَ في عَدَم حُسْنِ المقابلةِ بين التكلُّم والخطاب على هذا؛ لأنَّ ◌ِلَا الإثمين إثمُ المخاطب، والأمر فيه سهل. والجارُّ والمجرورُ مع المعطوف عليه حالٌ من فاعلِ («تبوء))، أي: ترجع متلبِّساً (١) أخرجه أحمد (٢٤٦٢٠)، وابن ماجه (١٩٨١). (٢) معاني القرآن للزجاج ٢/ ١٦٧، وذكره عن الجبائي الطبرسي في مجمع البيان ٦/ ٧٥. (٣) يعني: مثل ونحوه، وهو قول الزمخشري في الكشاف ٦٠٧/١ حيث قال: المراد: بمثل إثمي، وينظر حاشية الشهاب ٢٣٦/٣. سُورَةُ القَائِدَة ١٥٠ الآية : ٣٠ بالإثمين حاملاً لهما. ولعل مراده بالذات إنما هو عدمُ ملابستِهِ للإثم لا ملابسةٌ أخيه؛ إذ إرادةُ الإثم من آخرَ غيرُ جائزةٍ. وقيل: المراد بالإثم ما يلزمه ويترتَّبُ عليه من العقوبة، ولا يخفى أنه لا يتّضح حينئذٍ تفريعُ قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ على تلك الإرادة، فإنَّ كون المخاطب من أصحاب النار إنَّما يترتَّب على رجوعه بالإثمين، لا على ابتلاءٍ (١) بعقوبتهما، وهو ظاهر. وحَمْلُ العقوبة على نوع آخر يترتَّب عليه العقوبةُ النارية يردُّه - كما قال شيخ فإنه صریحٌ في أُنَّ کونه من الإسلام(٢) - قولُه سبحانه: ﴿وَذَلِكَ جَزَّوْاْ الطَّلِينَ ٢٩ أصحاب النار تمامُ العقوبةِ وكمالُها، والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لما قبله، وهي من كلام هابيل على ما هو الظاهر، وقيل: بل هي إخبار منه تعالى للرسول وَّه. ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ، قَتْلَ أَخِيهِ﴾ فسهَّلَتْه له ووسَّعَتْه، مِن طاع له المرتَعُ: إذا اتَّسَع، وترتيبُ التطويع على ما قبله من مقالات هابيل مع تحقَّقه قبلُ كما يُفْصِحُ عنه قولُه: ((لأقتلنك))؛ لِمَا أنَّ بقاء الفعل بعد تقرُّرِ ما يُزيله وإنْ كان استمراراً عليه بحسَبِ الظاهر لكنه في الحقيقة أمرٌ حادثٌ وصنعٌ جديدٌ، أو لأنَّ هذه المرتبة من التطويع لم تكن حاصلةً قبل ذلك بناءً على تردُّده في قدرته على القتل؛ لِمَا أنَّ أخاه كان أقوى منه، وأنها حصلت بعد وقوفه على استسلامه وعدم معارضته له. والتصريحُ بأخوَّته لكمال تقبيح ما سوَّلته نفسُه. وقرأ الحسن: ((فطاوَعَتْ))، وفيها وجهان: الأول: أنَّ فاعَلَ بمعنى فَعَلَ كما ذكره سيبويه وغيرُه، وهو أوفق بالقراءة المتواترة. والثاني: أنَّ المفاعلة مجازيَّةٌ بجَعْلِ القتل يدعو النفس إلى الإقدام عليه، وجعلت النفس تأباه، فكلٌّ من القتل والنفس كأنه يريد من صاحبه أن يطيعه، إلى أنْ غَلَبَ القتلُ النفسَ فطاوعَتْه. (١) في تفسير أبي السعود ٢٧/٣ (والكلام منه): ابتلائه. (٢) في تفسيره ٢٨/٣. الآية : ٣٠ ١٥١ سُورَةُ القَائِدَة و ((له)) للتأكيد والتبيين كما في قوله تعالى: (أَلَمَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ). والقولُ بأنه للاحتراز عن أن يكون طوَّعت لغيره أن يقتله، ليس بشيءٍ. ﴿فَقَلَهُ﴾ أخرج ابن جرير عن مجاهدٍ (١) وابنِ جُرَيجٍ: أنَّ قابيل لم يَدْرِ كیف يقتلُ هابيلَ، فتمثَّل له إبليسُ اللعينُ في هيئةٍ طيرٍ، فأخّذ طيراً فوضع رأسه بين حجرين فشدخه، فعلَّمه القتل(٢). فقتله كذلك وهو مستسلمٌ. وأخرج عن ابن مسعود وناسٍ من الصحابة ه: أنَّ قابيل طلب أخاه ليقتله، فَرَاغَ منه في رؤوس الجبال، فأتاه يوماً من الأيام وهو يرعى غنماً له وهو نائمٌ، فرفع صخرة فشَدَخَ بها رأسه فمات، فتركه بالعراء ولا يعلمُ كيف يُدْفَنُ، إلى أنْ بعث الله تعالى الغراب(٣). وكان لهابيل لما قُتل عشرون سنةً. واختلف في موضع قَتْلِه؛ فعن عمرو الشعبانيِّ عن كعب الأحبارِ أنه قتل على جبل دير المرَّان (٤). وفي رواية عنه: أنه قُتل على جبل قاسيون. وقيل: عند عَقَبةِ حِرَاءَ. وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم. وأخرج نعيم بن حماد عن عبد الرحمن بن فضالة: أنه لمَّا قَتَل قابيلُ هابيلَ مَسَخَ الله تعالى عقله وخلع فؤاده فلم يزل تائهاً حتى مات(٥). وروي أنه لمَّا قتله اسودَّ جسدُه وكان أبيضَ، فسأله آدمُ عن أخيه، فقال: ما كنتُ عليه وكيلاً. قال: بل قتلتَه ولذلك اسودَّ جسدُك. وأخرج ابن عساكر وابن جرير عن سالم بن أبي الجعد قال: إنَّ آدم عليه (١) في الأصل و(م): عن ابن مجاهد، والصواب ما أثبتناه. (٢) تفسير الطبري ٣٣٨/٨، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٢٧٥/٢. (٣) تفسير الطبري ٣٣٧/٨ و٨٤١، وفيه بدل قوله: إلى أن بعث الله الغراب: فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثا عليه التراب، قال: يا ويلتا، أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب؟ (٤) دير مُرَّان بضم أوله، دير يقع على تلِّ بالقرب من دمشق. معجم البلدان ٥٣٣/٢. (٥) الفتن لنعيم بن حماد (١١٨). سُورَةُ القَائِدَة ١٥٢ الآية : ٣٠ السلام لمَّا قَتل أحدُ ابنيه الآخرَ مكث مئةَ عام لا يضحك حزناً عليه، فأُتي على رأس المئة، فقيل له: حيَّاك الله تعالى وبيَّاك، وبُشِّر بغلام، فعند ذلك ضحك(١). وذكر محيي السُّنة أنه عليه السلام وُلد له بعد قَتْلٍ ولده بخمسين سنة شيث عليه السلام، وتفسيره: هبة الله، يعني أنه خَلَفٌ من هابيل، وعلَّمه الله تعالى ساعاتٍ الليل والنهار، وعبادةَ الخَلْقِ في كلِّ ساعة منها، وأنزل عليه خمسين صحيفة. وصار وصيَّ آدم ووليَّ عهدِه(٢) . وأخرج ابن جرير عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال: لمَّا قَتَل ابنُ آدم عليه السلام أخاه بكى آدم عليه السلام ورثاه بشعر(٣). وأخرج نحوَ ذلك الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس ﴾(٤)، وهو مشهور. وروي عن ميمون بن مهران عن الحبر به أنه قال: مَن قال: إنَّ آدم عليه السلام قال شعراً فقد كَذَبَ، إنَّ محمداً وَلّهِ والأنبياءَ كلَّهم عليهم الصلاة والسلام في النهي عن الشعر سواء، ولكن لمَّا قتل قابيلُ هابيلَ رثاه آدم بالسرياني فلم يزل ينقل حتى وصل إلى يَعْرُبَ بنِ قحطان، وكان يتكلّم بالعربية والسريانية، فنظر فيه فقدَّم وأخَّر وجعله شعراً عربيًّا . وذكر بعض علماء العربية أنَّ في ذلك الشعر لحناً، أو إقواءً، أو ارتكابَ ضرورةٍ، والأَوْلَى عدمُ نسبته إلى يعربَ أيضاً؛ لِمَا فيه من الركاكة الظاهرة. ﴾﴾ دنيا وآخِرةً، أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِينَ مسعود ◌َّه قال: قال رسول الله وَله: ((لا تُقْتَلُ نفسٌ ظلماً إلَّا كانَ عَلَى ابنِ آدم الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِها؛ لأنَّه أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ)) (٥). (١) تفسير الطبري ٣٢٥/٨، وتاريخ ابن عساكر ٨/٦٤. (٢) تفسير البغوي ٣١/٢، وذكره أيضاً الثعلبي في عرائس المجالس ص٤٨، وفيهما: بخمس سنين، بدل: بخمسين سنة، وتحرف: هبة الله، في مطبوع البغوي إلى: عبد الله. (٣) تفسير الطبري ٣٢٥/٨، وفي إسناده غياث بن إبراهيم، قال البخاري: تركوه. الميزان ٣٣٧/٣. (٤) تاريخ بغداد ١٢٨/٥، وتاريخ دمشق ٩/٤، وفي إسناده: أحمد بن محمد المخرِّمي وشيخه عبد العزيز بن الرماح، قال الذهبي في الميزان ١/ ١٥٥: وآفته المخرمي أو شيخه. اهـ. وينظر تنزيه الشريعة ٣٤/١. (٥) صحيح البخاري (٣٣٣٥)، وصحيح مسلم (١٦٧٧)، وهو عند أحمد (٣٦٣٠). ٠ الآية : ٣١ ١٥٣ سُؤَدَّةُ لقَائِدَة وأخرج ابن جرير والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن ابن عمرو (١) ﴿يَا قال: إنَّا النَجِدُ ابنَ آدمَ القائِلَ يُقاسِمُ أهلَ النارِ قسمةً صحيحةً العذابَ، عليه شطرُ عذابهم. وورد أنه أحد الأشقياء الثلاثة، وهذا ونحوُه صريحٌ في أنَّ الرجل مات كافراً. وأَضْرَحُ من ذلك ما روي: أنه لمَّا قَتَلَ أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس عليهما اللعنة، فقال: إنما أكلتِ النارُ قربان هابيل لأنه كان يخدمها ويعبدها، فإنْ عَبَدْتَها أيضاً حَصَلَ مقصودُك، فبنى بيتَ نارٍ فعبدها، فهو أولُ مَن عبد النار(٢). والظاهرُ أنَّ عليه أيضاً وزرَ مَن يعبد النار، بل لا يَبعُد أن يكون عليه وزرُ مَن يعبد غيرَ اللهِ تعالى إلى يوم القيامة. واستدلَّ بعضُهم بقوله سبحانه: (فَأَصْبَحَ) على أن القتل وقع ليلاً، وليس بشيءٍ؛ فإنَّ من عادة العرب أن يقولوا: أصبح فلانٌ خاسرَ الصفقة، إذا فَعَل أمراً ثمرتُه الخسران، ويعنون بذلك الحصولَ مع قَطْع النظر عن وقتٍ دون وقت. وإنما لم يَقُلْ سبحانه: فأصبح خاسراً، للمبالغة وإنْ لم يكن حينئذٍ خاسرٌ سواه. ﴿فَبَعَثَ اَللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِىِ الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ، كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةً أَخِيَةٍ﴾ أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطية قال: لمَّا قتله ندم، فضمَّه إليه حتى أَرْوَحَ وعكفتْ عليه الطيرُ والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله، وكره أنْ يأتيَ به آدَمَ عليه الصلاة والسلام فُيُحْزِنَه، وتحيَّر في أمره إذ كان أولَ ميتٍ من بني آدم عليه السلام، فبعث الله تعالى غرابین قتل أحدهما الآخر وهو ينظر إليه، ثم حفر له بمنقاره وبرجله حتی مگن له، ثم دفعه برأسه حتى ألقاه في الحفرة، ثم بحث عليه برجله حتى واراه (٣). وقيل: إنَّ أحد الغرابين كان ميتاً . (١) في الأصل و(م): عمر، والمثبت من تفسير الطبري ٣٣٤/٨، وشعب الإيمان (٥٣٢٣)، وتفسير ابن كثير عند هذه الآية. (٢) عرائس المجالس ص٤٨، وتفسير البغوي ٣١/٢. (٣) تفسير الطبري ٣٤٢/٨، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ٢٧٦/٢، وعنه نقل المصنف . سُورَةُ لَائِدَة ١٥٤ الآية : ٣١ والغراب: طائر معروف، قيل: والحكمةُ في كونه المبعوثَ دون غيره من الحيوان كونُه يُتَشاءمُ به في الفراق والاغتراب، وذلك مناسبٌ لهذه القصة. وقال بعضهم: إنه كان مَلَكاً ظهر في صورة الغراب. والمستكنُّ في (يُرِيَه)) لله تعالى، أو للغراب، واللامُ على الأول متعلِّقةٌ بـ ((بعث)) حتماً، وعلى الثاني بـ ((يبحثُ))، ويجوزُ تعلُّقها بـ ((بعث)) أيضاً. و(كيف)) حالٌ من الضمير في ((يُواري)) قدِّم عليه لأنَّ له الصدرَ، وجملةُ ((كيف يُواري)) في محلِّ نصبٍ مفعولٍ ثانٍ لـ ((يري)) البَصَريةِ المتعدِّيةِ بالهمزة لاثنين، وهي معلّقةٌ عن الثاني. وقيل: إنَّ (يُريه)) بمعنى يعلِّمه؛ إذ لو جُعل بمعنى الإبصارِ لم يكن لجملة ((كيف يُواري)» موقعٌ حَسَنٌ، وتكونُ الجملة في موقع مفعولَیْن له، وفيه نظر. والبحثُ في الأصل: التفتيش عن الشيء مطلقاً، أو في التراب، والمرادُ به هنا : الحفر. والمرادُ بالسوأة: جَسَدُ الميت، وقَّده الجبائيُّ بالمتغيِّر. وقيل: العورةُ؛ لأنها تَسوءُ ناظرَها، وخُصَّتْ بالذكر مع أنَّ المراد مواراةُ جميع الجسد للاهتمام بها؛ لأنَّ(١) سترها آكَدُ. والأول أَوْلَى، ووجهُ التسميةِ مشترك. وضمير (أخيه)) عائدٌ على المبحوث عنه لا على الباحث كما تُوهِّم. وبعثةُ الغراب كانت من باب الإلهام إن كان المراد منه المتبادرَ، وبعثة حقيقة أن كان المراد منه مَلَكاً ظهر على صورته. وعلى التقديرين ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ الباحث وارى جثّته، وتعلّم قابيل ففعل مثل ذلك بأخيه، وروي ذلك عن ابن عباس ظًا وابن مسعود وغيرهما . وذهب الأصمُّ إلى أنَّ الله تعالى بعث مَن بَعَثَه فبحث في الأرض ووارى هابيل، فلمَّا رأى قابيل ما أكرم الله تعالى به أخاه ﴿قَالَ يَوَيِّنَ﴾(٢). كلمةُ جزعٍ وتحسُّر، (١) في الأصل: ولأن. (٢) نقل المصنف هذا القول عن الأصم بواسطة الطبرسي في مجمع البيان ٦/ ٧٧. الآية : ٣١ ١٥٥ سُورَةُ القَائِدَة والويلةُ كالويل: الهلكة، كأنَّ المتحسِّر ينادي هلاكَه وموته، ويطلب حضوره بعد تنزيله منزلةَ مَن ينادَى، ولا يكون طلبُ الموت إلا ممَّن كان في حالٍ أشدَّ منه، والألف بدلٌ من ياء المتكلِّم، أي: يا ويلتي - وبذلك قرأ الحسن(١) - احضري فهذا أوانُكِ. ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ﴾ تعجّبٌ من عجزه عن كونه مثلَه لأنه لم يهتدِ إلى ما اهتدى إليه مع كونه أشرف منه. ﴿فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىٌ﴾ عطفٌ على ((أكونَ)). وجعله في ((الكشاف))(٢) منصوباً في جواب الاستفهام، واعترضه كثيرٌ من المُعْرِبِينَ، وقال أبو حيان: إنه خطأ فاحشٌ؛ لأنَّ شرط هذا النصب أن ينعقد من الجملة الاستفهامية والجوابِ جملةٌ شرطيةٌ، نحو: أَتزورُني فأُكرمَك، فإنَّ تقديره: إنْ تَزُرْني أُكْرِمْكَ، ولو قيل هاهنا: إنْ أَعجزْ أنْ أكونَ مثلَ هذا الغراب أواري سوأة أخي، لم يصحَّ المعنى لأنَّ المواراة تترَبُ على عدم العجز لا عليه(٣). وأجاب في ((الكشف)): بأنَّ الاستفهام للإنكار التوبيخيٍّ، ومن باب: أَتعصي ربَّك فيعفوَ عنك، بالنصب لينسحب الإنكار على الأمرين، وفيه تنبيهٌ على أنه في العصيان وتوقّع العفو مرتكبٌ خلافَ المعقول، فإذا رُفع كان كلاماً ظاهريًّا في انسحاب الإنكار، وإذا نُصب جاءت المبالغة للتعكيس حيث جُعل سببُ العقوبة سببَ العفو. وفيما نحن فيه نَعَى على نفسه عجزَها فنزَّلها منزلَةَ مَن جعل العجز سببَ المواراة دلالةً على التعكيس المؤكِّد للعجز، والقصورِ عما يهتدي إليه غرابٌ. ثم قال: فإنْ قلتَ: الإنكار التوبيخيُّ إنما يكون على واقع أو متوقَّعٍ، فالتوبيخُ على العصيان والعجز له وجه، أما على العفو والمواراة فلا. قلتُ: التوبيخ على جَعْلٍ كلِّ واحدٍ سبباً، أو تنزيله منزلةَ مَن جَعَلَه سبباً، لا على العفو والمواراة فافهم. انتهى. ولعل الأمر بالفهم إشارةٌ إلى ما فيه من البعد. (١) القراءات الشاذة ص٣٢، والبحر ٤٦٦/٣. (٢) ٦٠٨/١. (٣) البحر ٤٦٧/٣، وقد ردَّه قبله أبو البقاء في الإملاء ٤١٣/٢، وينظر الدر المصون ٢٤٦/٤. سُورَةُ للَائِدَةِ ١٥٦ الآية : ٣١ وقيل: في توجيه ذلك: إنَّ الاستفهام للإنكار وهو بمعنى النفي، وهو سببٌ، والمعنى: إنْ لم أعجز واريتُ. واعتُرض بأنه غيرُ صحيح؛ لأنه لا يكفي في النصب سببيةُ النفي بل لا بدَّ من سببية المنفيِّ قبل دخول النفي، ألا ترى أنَّ: ما تأتينا فتحدِّثَنا، مفسَّر عندهم بأنه لا يكون منك إتيانٌ فتحدیث. قال الشهاب(١): والجواب عنه: أنه فرقٌ بين ما نُصِبَ في جواب النفي وما نُصب في جواب الاستفهام، والكلام في الثاني، فكيف يَرِدُ الأول نقضاً؟ ولو جُعل في جواب النفي لم يَرِدْ ما ذكره أيضاً لأنّه لا حاجةَ إلى أَخْذِ النفي من الاستفهام الإنكاريِّ مع وضوح تأويل ((عجزتُ)) بـ: لَمْ أَهْتَدٍ، وقد قال في ((التسهيل)): إنه ينتصب في جواب النفي الصريح والمؤوَّل(٢)، وما نحن فيه من الثاني(٣)، فتأمَّل. انتهى. ولعل الأمر بالتأمُّل الإشارة إلى (٤) ما في دعوى الفرق بين الاستفهام الإنكاريِّ - الذي هو بمعنى النفي - والنفي من الخفاء، وكذا في تأويل ((عجزتُ)) بلَمْ أَهْتَدِ هنا ، فليُفْهَم. وقرئ: ((أعجِزْتُ)) بكسر الجيم(٥)، وهو لغةٌ شادَّةٌ في عجز. وقرئ: ((فأُوارِيْ)) بالسكون على أنه مستأنفٌ(٦) - وهم يقدِّرون المبتدأ لإيضاح القَطْع عن العطف - أو معطوفٌ إلَّا أنه سُكِّن للتخفيف كما قاله غيرُ واحد. واعترضه في ((البحر)) بأنَّ الفتحة لا تُستثقل حتى تُحذفَ تخفيفاً، وتسكينُ المنصوب عند النَّحْويين ليس بِلُغةٍ كما زعم ابنُ عطية(٧)، وليس بجائزٍ إلَّا في (١) في الحاشية ٢٣٧/٣، وما قبله منه. (٢) التسهيل ص٢٣١ . (٣) بعدها في (م): حكمه، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب. (٤) في (م): إن، وهو تصحيف. (٥) القراءات الشاذة ص٣٢، والبحر ٤٦٧/٣. (٦) أي: فأنا أواري، كما في الكشاف ٦٠٨/١، والبحر ٤٦٧/٣، وحاشية الشهاب ٢٣٧/٣. وذكر القراءة أيضاً ابن جني في المحتسب ٢٠٩/١. (٧) في المحرر الوجيز ١٨١/٢. الآية : ٣٢ ١٥٧ سُورَةُ القَائِدَة الضرورة، فلا تُحْمَلُ القراءةُ عليها مع وجود مَحْملٍ صحيح - وهو الاستئنافُ. لها(١). انتھی. وعلى دعوى الضرورةِ منعٌ ظاهرٌ، فإنَّ تسكين المنصوب في كلامهم کثیرٌ، وادَّعى المبرِّدُ أنَّ ذلك من الضرورات الحسنة التي يجوزُ مثلُها في النثر. أي: صار معدوداً مِن عدادهم، وكان ندمُه على ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ قتله لِمَا كابَدَ فيه من التحيُّر في أمره، وحَمْلِه على رقبته أربعين يوماً، أو سنةً، أو أكثرَ على ما قيل، وتَلْمذةِ الغراب فإنها إهانةٌ ولذا لم يُلْهَمْ من أول الأمر ما أُلْهِمَ، واسْوِدادٍ وجهه، وتبرُّؤ أبويه منه = لا على الذنب إذ هو توبة. ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ أي: ما ذكر في تضاعيف القصة، و((من)) ابتدائيةٌ متعلِّقةٌ بقوله تعالى: ﴿كَتَبْنَا﴾ أي: قضينا، وقيل: بـ ((النادمين))، وهو ظاهرُ ما روي عن نافع، و((كتبنا)) استئناف، واستبعده أبو البقاء(٢) وغيرهُ. والأَجْلُ - بفَتْحِ الهمزة وقد تُكْسَر، وقُرئ به لكنْ بنقل الكسرة إلى النون(٣)، كما قُرئ بنقل الفتحة إليها في الأصل(٤) -: الجناية؛ يقال: أَجَلَ عليهم شرًّا، إذا جنى عليهم جنايةً، وفي معناه: جرَّ عليهم جريرةً، ثم استعمل في تعليل الجنايات، ثم أتُّسع فيه فاستُعمل لكلِّ سببٍ، أي: من ذلك ابتداءُ الكَتْبِ ومنه نشأ لا من غيره. ﴿عَلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾ وتخصيصُهم بالذكر لِمَا أنَّ الحسد كان منشأً لذلك الفساد وهو غالبٌ علیھم. وقيل: إنما ذُكروا دون الناس لأنَّ التوراة أولُ كتابٍ نزل فيه تعظيمُ القتل، ومع ذلك كانوا أشدَّ طغياناً فيه وتمادياً، حتى قتلوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، (١) البحر ٤٦٧/٣. (٢) في الإملاء ٤١٣/٢، قال أبو البقاء: ولا تتعلق بـ ((النادمين)) لأنه لا يحسن الابتداء بـ ((كتبنا)) هنا. وتعقبه السمين في الدر ٢٣٨/٤ بأن هذا الرد غير واضح، وأين عدم الحسن بالابتداء بذلك؟ إلا أن الظاهر هو الوجه الأول. (٣) هي قراءة أبي جعفر. النشر ٢٥٤/٢. (٤) وهي قراءة ورش، كان يلقي حركة الهمزة على الساكن قبلها فيتحرك بحركتها، وتسقط هي من اللفظ، وذلك إذا كان الساكن غير حرف مدِّ ولين. التيسير ص٣٥. سُورَةُ القَائِدَة ١٥٨ الآية : ٣٢ فكأنه قيل: بسبب هذه العظيمة كتبنا في التوراة تعظيمَ القتل، وشدَّدنا عليهم، وهم بعد ذلك لا يبالون. ومن هنا تَعلم أنَّ هذه الآية لا تَصْلحُ - كما قال الحسن والجبائيُّ وأبو مسلم - على أنَّ ابني آدم عليه السلام كانا من بني إسرائيل، على أنَّ بعثة الغراب الظاهرةَ(١) في التعليم المستغنَى عنه في وقتهم لعَدَمِ جَهْلِهم فيه بالدفن تأبى ذلك. ﴿أَنَّهُ﴾ أي: الشأنَ ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا﴾ واحدةً من النفوس الإنسانية ﴿ِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي: بغير قَتْلِ نفسٍ يوجبُ الاقتصاص، والباء للمقابلة متعلِّقةٌ بـ ((قتل))، وجوِّز أن تتعلق بمحذوفٍ وقع حالاً، أي: متعدِّياً ظالماً. ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: فسادٍ فيها يوجبُ هَدْرَ الدم كالشِّرك مثلاً، وهو عطفٌ على ما أضيف إليه ((غير))، والنفيُ هنا واردٌ على الترديد؛ لأنَّ إباحة القتل مشروطةٌ بأحد ما ذُكر من القتل والفساد، ومن ضرورته اشتراطُ حرمته بانتفائهما معاً، فكأنه قيل: مَن قَتَلَ نَفْساً بغيرِ أحدِهما(٢). ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ لاشتراك الفعلين في هَتْكِ حرمةِ الدماء، والاستعصاءِ على الله تعالى، والتجبُّرِ على القتل، وفي (٣) استتباع القَوَدِ واستِجْلابٍ غضب الله تعالى العظيم. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود: أن هذا التشبيه عند المقتول كما أن التشبيه الآتي عند المستنقَذ(٤). والأول أولى وأنسبُ للغرض المَسوقِ له التشبيهُ. وقرئ: ((أو فساداً)) بالنصب(٥)، بتقديرٍ: أو عَمِلَ فساداً، أو: أفسد فساداً (٦). (١) في (م): الظاهر. (٢) ينظر تفصيل هذه المسألة في تفسير أبي السعود ٢٩/٣-٣٠، وعنه نقل المصنف. (٣) في (م): في، والمثبت من الأصل، وهو الصواب. (٤) تفسير الطبري ٣٤٩/٨-٣٥٠. (٥) القراءات الشاذة ص٣٢، ومشكل إعراب القرآن ٢٢٤/١، والإملاء ٤١٤/٢، والدر المصون ٢٤٩/٤. (٦) في الأصل و(م): أو فسد فساداً، والمثبت من مشكل إعراب القرآن والإملاء والدر المصون. و((فساداً)) هنا اسم مصدر - كالعطاء - وضع موضع المصدر وهو الإفساد. الآية : ٣٢ ١٥٩ سُورَّةُ القَائِدَة ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: تَسبَّبَ لبقاءِ نفسٍ واحدةٍ موصوفةٍ بعدم ما ذُكر من القتل والفساد، إما بنهي قاتلها عن قتلها، أو استنقاذها من سائر أسباب الھَلَكةِ بوجهٍ من الوجوه ﴿فَكَأَنََّآَ أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وقيل: المراد: ومَن أعان على استيفاء القصاص فكأنمًّا .. إلخ. و((ما)) في الموضعين كافَّةٌ مهيِّئةٌ لوقوع الفعل بعدها. و((جميعاً)) حالٌ من ((الناس))، أو تأكید. وفائدةُ التشبيه: الترهيبُ والرَّدْعُ عن قتل نفسٍ واحدةٍ بتصويره بصورةٍ قتل جميع الناس، والترغيبُ والتحضيضُ على إحيائها بتصويره بصورة إحياءٍ جميع الناس. ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَتِ﴾ أي: الآياتِ الواضحةِ الناطقةِ بتقرير ما كتبنا عليهم، تأكيداً لوجوب مراعاته، وتأييداً لتحتُّم المحافظة عليه. والجملة مستقلَّةٌ غيرُ معطوفة على ((كتبنا))، وأكّدت بالقسم لكمال العناية بمضمونها. وإنما لم يقل: ولقد أرسلنا إليهم إلخ؛ للتصريح بوصول الرسالة إليهم، فإنه أدلُّ على تناهيهم في العتوِّ والمكابرة. ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ﴾ المذكورِ من الكتب وتأكيدِ الأمر بالإرسال. ووُضع اسمُ الإشارةِ موضعَ الضمير للإيذان بكمال تميُّزه، وانتظامِه بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهَدَةِ. وما فيه من معنى البعد للإيماء إلى علوِّ درجته وبُعْدِ منزلته في عِظَم الشأن، و(ثم)) التراخي في الرتبة والاستبعاد. (٣)﴾ وكذا (بَعْدَ)) فيما قَبْلُ، ﴿فِى الْأَرْضِ﴾ متعلِّقٌ بقوله تعالى: ﴿لَمُسْرِفُونَ ولا تمنعُ اللام المزحْلَقةُ من ذلك. والإسراف في كلِّ أمرٍ: التباعدُ عن حدِّ الاعتدال مع عدم مبالاةٍ به، والمرادُ: مسرفون في القتل غيرَ مُبالينَ به. ولمَّا كان إسرافهم في أمر القتل مستلزماً لتفريطهم في شأن الإحياء وجوداً وعدماً، وكان هو أقبحَ الأمرين وأفظعَهما، اكتَفَى بذكره (١) في مقام التشنيع المسوقِ له الآيُّ. وعن الكلبيِّ أنَّ المراد: مُجاوِزون حدَّ الحقِّ بالشِّرك. (١) في الأصل و(م): في ذكره، والمثبت من تفسير أبي السعود ٣٠/٣، والكلام منه. سُورَّةُ القَائِدَة ١٦٠ الآية : ٣٣ وقيل: إنَّ المراد ما هو أعمُّ، من الإسراف بالقتل والشرك وغيرِهما. وإنما قال سبحانه: (إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم) لأنه عزَّ شأنه على ما في الخازن علم أنَّ منهم مَن يؤمنُ بالله تعالى ورسوله وجَلّ وهم قليلٌ من کثیر. وذكر ((الأرض)) مع أنَّ الإسراف لا يكونُ إلَّا فيها؛ للإيذان بأنَّ إسراف ذلك الكثيرِ ليس أمراً مخصوصاً بهم بل انتشر شرُّه في الأرض وسَرَى إلى غيرهم. ولمَّا بَيَّن سبحانه عِظَمَ شأنِ القتل بغيرِ حقِّ استأنف بيان حُكْمٍ نوعٍ من أنواع القتل وما يتعلَّق به من الفساد بأخذ المال ونظائره، وتعيين موجبه، وأَدْرِّجَ فيه بيانَ ما أشير إليه إجمالاً من الفساد المبيح للقتل، فقال جل شأنه: ﴿إِنَّمَا جَزَُّواْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ذهب أكثر المفسرين - كما قال الطبرسيُّ(١)، وعليه جملةُ الفقهاء - إلى أنها نزلت في قطّاع الطريق. والكلام - كما قال الجصَّاص - على حذف مضاف، أي: يحاربون أولياء الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] ويدلُّ على ذلك أنهم لو حاربوا رسولَ الله وَّ لكانوا مرتدِّين بإظهار محاربته ومخالفته عليه الصلاة والسلام (٢). وقيل: المراد: يحاربون رسولَ الله وَّهِ، وذكر الله تعالى للتمهيد، والتنبيهِ على رفعة محلّه عليه الصلاة والسلام عنده عزَّ وجل. ومحاربةُ أهلٍ شريعته وسالكي طريقته من المسلمين محاربةٌ له وَلِّ، فيعمُّ الحكم مَن يحاربهم بعد الرسول عليه الصلاة والسلام - ولو بأَعْصارٍ كثيرة - بطريق العبارة، لا بطريق الدلالة أو القياس كما يتوهّم، لأنَّ ورود النصِّ ليس بطريقِ خطابِ المُشافهةِ حتى يختصَّ بالمكلَّفين حين النزول، ويحتاجَ في تعميمه إلى دليلٍ آخَرَ، على ما تحقَّق في الأصول. وقيل: ليس هناك مضافٌ محذوفٌ، وإنما المرادُ محاربةُ المسلمين، إلا أنه جَعَل محاربتهم محاربةَ اللهِ عز وجل ورسولِهِ وَّه؛ تعظيماً لهم(٣) وترفيعاً لشأنهم، (١) في مجمع البيان ٦/ ٨٤. (٢) أحكام القرآن للجصاص ٤٠٦/٢ . (٣) في (م): له، والمثبت من الأصل وهو الصواب.