النص المفهرس
صفحات 121-140
الآية : ١٨ ١٢١ سُورَةُ لعَائِدَة اسمهُ وأشياعِ الابن بزَعْم الفريقين، فاندفع ما قيل: إنهم لا يقولون ببنوَّة أنفسهم. ولم يُحمَل على التوزيع بمعنى: أنفُسُنا الأحبَّاء وأبناؤنا الأبناء بجمع الابنين المشاكلة الأحبَّاء؛ لأنَّ خطاب ((بل أنتم بشر)) يأباه ظاهراً، ويدلُّ على ادِّعائهم البنوة بائِّ معنی کان. وقيل: الكلام على حَذْف المضاف، أي: نحن أبناءُ أنبياءِ الله تعالى، وهو خلافُ الظاهر. وقائلُ ذلك من اليهود بعضُهم، ونُسب إلى الجميع لما مرَّ غيرَ مرَّة، فقد أخرج ابن جرير والبيهقيُّ في ((الدلائل)) عن ابن عباس﴿هَا قال: أتى رسولَ اللهِ وَله. نعمانُ بن آصى(١) وبَحْرِيُّ بن عمرو وشأسٍ بن عَدِيّ، فكلَّموه، وكلَّمهم رسول الله وَّه، ودعاهم إلى الله تعالى، وحذَّرهم نِقْمَتهُ، فقالوا: ما تُخَوِّفُنا يا محمد، نحن والله أبناءُ الله وأحبَّاؤه. وقالت النصارى ذلك قبلهم، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية(٢). وعن الحسن أنَّ النصارى تأوَّلوا ما في ((الإنجيل)) من قول المسيح: إني ذاهبٌ إلى أبي وأبيكم(٣)، فقالوا ما قالوا. وعندي أنَّ إطلاقَ ابن الله تعالى على المطيع قد كان في الزمن القديم، ففي ((التوراة)): قال الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام: اذهب إلى فرعونَ وقل له: يقول لك الرَّبُّ: إسرائيلُ ابني بِكري أرسله يعبدني، فإن أَبيتَ أن تُرسل ابني بكري، قتلتُ ابنَكَ بِكْرَك(٤). وفيها أيضاً في قصة الطوفان: أنه لما نَظَرَ بنو الله تعالى إلى بنات الناس وهم حِسانٌ جدًّا، شُغفوا بهنَّ، فنكحوا منهنَّ ما أَحَبُّوا واختاروا، فولدوا جبابرة (١) كذا في الأصل و(م)، وفي المصادر: أضا، على ما يأتي. (٢) تفسير الطبري ٢٦٩/٨، والدلائل ٢/ ٥٣٥، وهو في السيرة النبوية ٥٦٣/١ -٥٦٤ وفي إسناده محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، وهو مجهول، تفرَّد عنه ابن إسحاق، كما في تقريب التهذيب. (٣) إنجيل يوحنا ص ٣٥٧. (٤) بنحوه في العهد القديم، سفر الخروج ص١٥٩ . سُورَةُ القَائِدَة ١٢٢ الآية : ١٨ فأفسدوا، فقال الله تعالى: لا تَحِلُّ عنايتي على هؤلاء القوم (١)، وأُرِيدَ بأبناء الله تعالى أولادُ هابيل، وبأبناء الناس أبناءُ قابيل، وكنَّ حِساناً جدًّا فَصَرَفْنَ قلوبهنَّ عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الأوثان. وفي ((المزامير)): أنت ابني، سَلْني أُعْطِكَ(٢)، وفيها أيضاً: أنت ابني وحبيبي. وقال شعيا في نبوَّته عن الله تعالى: تواصَوْا بي في أبنائي وبناتي. يريد ذكورَ عباد الله تعالى الصالحين وإناثهم. وقال يوحنا الإنجيلي في الفصل الثاني(٣) من الرسالة الأولى: انظروا إلى محبّة الأب لنا أن أعطانا أن نُدْعَى أبناء. وفي الفصل الثالث: أيها الأحبَّاء، الآن صِرْنا أبناء الله تعالى، فينبغي لنا أن نُنزله في الإجلال على ما هو عليه، فمَنْ صحَّ له هذا الرجا فليُزَكِّ نفسَه بَتَرْك الخطيئة والإثم، واعلموا أنَّ مَنْ لابَسَ الخطيئةَ فإنه لم يعرفه (٤). وقال مثَّى: قال المسيح: أَحبُّوا أعداءكم، وباركوا على لاعِنِيكم، وأَحسِنوا إلى مَنْ يُبغضكم، وصلَّوا على مَنْ طَرَدكم، كيما تكونوا بني أبيكم المُشْرقِ شمسُهُ على الأخيار والأشرار، والممطِرِ على الصِّدِّيقين والظالمين(٥). وقال يوحنّا التلميذ في قصص الحواريين: يا أَحبَّائي، إنَّا أبناءُ الله تعالى، سمَّانا بذلك. وقال بولس الرسول في رسالته إلى ملك الروم: إنَّ الروحَ تشهدُ لأرواحنا أننا أبناءُ الله تعالى وأحباؤه(٦). إلى غير ذلك مما لا يحصى كَثْرةً. وقد جاء أيضاً إطلاقُ الابن على العاصي، ولكن بمعنى الأثر ونحوه، ففي الرسالة الخامسة لبولس: إياكم والسَّفَهَ والسَّبَّ واللَّعب، فإنَّ الزاني والنجس كعابد (١) بنحوه في العهد القديم، سفر التكوين ص٧٧. (٢) سفر المزامير، المزمور (٢) ص ١١٢٠. (٣) بل في الفصل الثالث ص٧٧٤. (٤) المصدر السابق. (٥) إنجيل متى ص ٥٠ بنحوه. (٦) الكتاب المقدس، العهد الجديد ص ٤٨٤ . الآية : ١٨ ١٢٣ سُورَُّ للفائِدَة الوثن لا نصيب له في ملكوت الله تعالى، واحذروا هذه الشرور فمِنْ أَجلها يأتي رِجْزُ الله على الأبناء الذين لا يطيعونه، وإياكم أن تكونوا شركاءَ لهم فقد كنتم قَبْلُ في ظُلْمةٍ فاسعَوا الآن سعيَ أبناء النور. ومقصود الفريقين بـ ((نحن أبناء الله وأحبَّاؤه)» هو المعنى المتضمِّنُ مَدْحاً، وحاصلُ دعواهم أنَّ لهم فَضْلاً ومَزِيَّةً عند الله تعالى على سائر الخلق، فَرَدَّ سبحانه عليهم ذلك، وقال لرسول الله وَلَى: ﴿قُلْ﴾ إلزاماً لهم وتبكيناً ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُّكُم بِذُنُوبِكُمْ﴾ أي: إن صحَّ ما زعمتم، فلأَيِّ شيءٍ يُعذّبكم يومَ القيامة بالنار أياماً بعدد أيام عبادتكم العِجْل، وقد اعترفتم بذلك في غير ما موطن؟ وهذا ينافي دعواكم القُرْبَ ومحبَّةَ الله تعالى لكم، أو محبتكم له المستلزمةَ لمحبَّته لكم، كما قيل: ما جزاءُ مَنْ يُحِبُّ إلَّا [أنْ](١) يُحَبّ. أو: فلأيِّ شيءٍ أذنبتم بدليل أنكم ستعذبون؟ وأبناء الله تعالى إنما يُطلق إنْ أُطلِقَ في مقام الافتخار على المطيعين كما نطقت به كتبكم. أو: إنْ صَّ ما زعمتم فلمَ عذبكم بالمسخ الذي لا يَسَعُكم إنكارهُ؟ وعدَّ بعضهم من العذاب البلايا والمحن كالقتل والأسر، واعتُرض ذلك بأنه لا يصلح للإلزام، فإن البلايا والمحنَ قد كثرت في الصلحاء، وقد ورد: ((أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ - عليهم السلام - ثم الأمثلُ فالأمثل))(٢)، وقال الشاعر: ولكنَّهم أهلُ الحفائِظِ والعُلا فهُمْ لمُلِمَّاتِ الزمانِ خُصومُ(٣) وقولهُ تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ ينسحب(٤) عليه الكلام، أي: ليس الأمر كذلك بل أنتم بشر. وإنْ شئتَ قدَّرتَ مثلَ هذا في أوَّل الكلام وجَعَلْتَ الفاءَ عاطفةً. (١) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٢٢٩/٣. (٢) أخرجه الترمذي (٢٣٩٨)، وابن ماجه (٤٠٢٣) من حديث سعد بن أبي وقاص ته، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٣) البيت لأبي العلاء، وهو في شروح سقط الزند ٦٦٣/٢، وفيه عن البطليوسي: مُلمَّات الزمان: نوائبه. والحفائظ جمع حفيظة، وهي ما يحافظ عليه الإنسان، ويغضب له، ويمنعه ممن رامه. (٤) في الأصل: ينجر، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٢١/٣، والكلام منه. سُورَةُ القَائِدَة ١٢٤ الآية : ١٨ وقولُه سبحانه: ﴿مَِّنْ خَلَقُّ﴾ متعلِّقٌ بمحذوف وقع صفةً لـ ((بشر))، أي: بشرٌ كائنٌ مِن جنسٍ مَن خَلَقه الله تعالى من غير مزيَّةٍ لكم عليهم. ﴿يَغْفُرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ أنْ يغفرَ له من أولئك المخلوقين، وهم المؤمنون به(١) تعالى وبرسله عليهم الصلاة والسلام. ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ أنْ يعذِّبه، وهم الذين كفروا به سبحانه وبرسله عليهم السلام مثلَكم. والذي دلَّ على التخصيص قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] إن قلنا بعمومه كما هو المعروف المشهور، ومن الغريب ما في ((شرح مسلم)) للنوويُّ أنه يحتمل أن يكون مخصوصاً بهذه الأمة، وفيه نظر. هذا وأَوْرَدَ بعضُ المحقّقين هنا إشكالاً ذَكَرَ أنه قويٌّ، وهو أنه إذا كان معنی ((نحن أبناء الله)): أشياعُ بَنيه، فغايةُ الأمر أن يكونوا على طريقة الابن تحقيقاً للتبعية، لكن من أين يلزم أن يكونوا من جنس الأب - كما صرَّح به الزمخشري(٢) - في انتفاء فِعْلِ القبائح، وانتفاءِ البشرية والمخلوقية، ليَحْسُنَ الرد عليهم بأنهم بشرٌ ممن خَلَق؟ نعم ما ذكروه في هذا المقام من استلزام المحبة عدمَ العصيانِ والمعاقبةٍ ربما يتمشَّى؛ لأنَّ من شأن المحِبِّ أنْ لا يعصيَ الحبيبَ ولا يستحقّ منه المعاقبةَ، ومن هنا قيل: هذا لَعَمْري في الفِعَالِ بديعُ تَعْصي الإلهَ وأنتَ تُظْهِرُ حبَّه إِنَّ المحبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطيعُ(٣) لو كان حبُّك صادقاً لأَطَعْتَه وفيه مناقشةٌ لأن هذا شأنُ المُحِبِّين، والأحبَّاء هم المُحَبُّون(٤). وأجاب عن إشكال إثبات البشرية بأنه ليس إثباتاً لمطلق البشرية ليجب أن يكون ردُّ الدعوى بانتفائه، بل هو إثباتُ أنهم بشرٌ مثلُ سائرِ البشر، ومن جنس سائر المخلوقين، منهم العاصي والمطيعُ والمستحقُّ للمغفرة والعذاب، لا كما ادَّعوا من أنهم الأشياعُ المخصوصون بمزيد قُرْبٍ واختصاصٍ لا يوجدُ في سائر البشر، ولذا (١) في الأصل: بالله. (٢) في الكشاف ٦٠٢/١ . (٣) البيتان سلفا ١٢٥/٤. (٤) في حاشية الشهاب ٢٢٨/٣ (والكلام منه): المحبوبون. الآية : ١٨ ١٢٥ سُورَةُ للفائِدَة وَصَفَ ((بشراً)) بقوله سبحانه: (مِتَنْ خَلَقَّ)، حتى لا يَبْعُد أن يكون ((يغفرُ لمن يشاء)» أيضاً في موقع الصفة على حذف العائد، أي: لمن يشاء منهم. وأما إشكالُ الجنسيةِ فقيل في جوابه: المراد أنكم لو كنتم أشياع بني الله تعالى لكنتُم على صفتهم في ترك القبائح وعدم استحقاق العذاب؛ لأنَّ من شأن الأشياع والأتباع أن يكونوا على صفة المتبوعين، والمتبوعون هنا هم الأبناء بالزعم، ومن شأن الأبناء أن يكونوا على صفة الأب، فمن شأن الأتباع أن يكونوا على صفة الأب بالواسطة . وقيل: كلامُ مَن قال: يلزم أن يكونوا من جنس الأب، على حذفِ مضافٍ، أي: لو كنتُم أشياعَ بني اللهِ تعالى لكنتم من جنس أشياع الأب، يعني أهلَ الله تعالى الذين لا يفعلون القبائح ولا يستوجبون العقاب. وفي ((الكشف)): إن قولهم: ((نحن أبناء الله)) فيه إثباتُ الابن، وأنَّهم من أشياعه مستوجبون محبةَ الأب لذلك، فينبغي أن يكون الردُّ مشتملاً على هدم القولين، فقيل: مَن أسندتُم إليه البنوّة لا يصلُح لها؛ لإمكان القبيح عليه، وصدورِه هفوةً، ومؤاخذتِهِ بالزَّلَّة. ودعواكم المحبةَ كاذبةٌ وإلَّا لما عذِّبتم، وأيضاً إذا بطل أن يكون له تعالى ابنٌّ بطل أن يكونوا أشياعه، وكذلك المحبةُ المبنيةُ على ذلك. ثم قال: وجاز أن يقال: إنه لإبطال أن يكونوا أبناءً حقيقة كما يفهَمُ من ظاهر اللفظ، أو مجازاً كما فسره الزمخشري. اهـ. وأنت تعلم أنَّ كلَّ ما ذكره ليس بشيء كما لا يخفى على مَن له أدنى تأمُّلٍ، وما ذكرناه كافٍ في الغرض. نعم ذكر الشهابُ(١) عليه الرحمةُ توجيهاً لا بأسَ به، وهو أنَّ اللائق أنْ يكونَ مرادُهم بكونهم أبناءَ الله تعالى أنه لمَّا أرسل إليهم الابن - على زَعْمِهم - وأُرْسِلَ لغيرهم رسلٌ [من] عباده دلَّ ذلك على امتيازهم عن سائر الخلق، وأن لهم مع الله تعالى مناسبةٌ تامةٌ وزُلْفَى تقتضي كرامةً لا كرامةَ فوقها، كما أن الملك إذا أَرْسَلَ الدعوةِ قومٍ أحدَ جنده، ولآَخَرِينَ ابنَه علموا أنه مريدٌ لتقريبهم، وأنهم آمنون من كلِّ (١) في الحاشية ٢٢٨/٣ - ٢٢٩، وما سيأتي بين حاصرتين منه. سُورَةُ القَائِدَة ١٢٦ الآية : ١٩ سوء يَظْرقُ غيرهم، ووجهُ الرِدِّ: أنَّكم لا فَرْقَ بينكم وبين غيركم عند الله تعالى، فإنه لو كان كما زعمتم لما عذَّبكم وجَعَل المسخَ فيكم، وكذا على كونه(١) بمعنى المقرَّبين، المرادُ قربٌ خاصٌّ، فيطابقُه الردُّ ويتعانق الجوابان فافهمه. انتهى. والجوابُ عن المناقشة التي فعلها البعضُ يُعلم مما أَشَرْنا إليه سابقاً فلا تَغْفَلْ. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّأَ﴾ من تتمة الردِّ، أي: كلُّ ذلك له تعالى لا ينتمي إليه سبحانه شيءٌ منه إلا بالمملوكية والعبودية والمقهورية تحت ملكوته يتصرف فيه كيف يشاء إيجاداً وإعداماً، إحياءً وإماتةً، إثابةً وتعذيباً، فأنَّى لهؤلاء ادِّعاءُ ما زعموا؟! وربما يقال: إنَّ هذا مع ما تقدَّم ردِّ لكونهم أبناءَ الله تعالى بمعنى أشياعٍ بنيه، فنفَى أولاً كونَهم أشياعاً، وثانياً وجودَ بنينَ له عزَّ شأنهُ. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾﴾ أي: الرجوعُ في الآخرة، لا إلى غيره استقلالاً أو اشتراكاً، فيجازي كلَّا من المحسن والمسيء بما يستدعيه علمه من غير صارفٍ يَثْنِيهِ ولا عاطفٍ يَلْوِیه. ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ﴾ تكريرٌ للخطاب بطريق الالتفات، ولطفٌ في الدعوة. وقيل: الخطابُ هنا لليهود خاصَّةً. ﴿قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّثُ لَكُمْ﴾ - على التدريج حَسْبَما تقتضيه المصلحةُ - الشرائعَ والأحكامَ النافعةَ مَعَاداً ومَعاشاً، المقرونةَ بالوعد والوعيد، وحُذفَ هذا المفعولُ اعتماداً على الظهور؛ إذ من المعلوم أنَّ ما يبيِّنه الرسولُ هو الشرائعُ والأحكام. ويجوزُ أن ينزَّلَ الفعلُ منزلةَ اللازم، أي: يفعلُ البيانَ ويبذلُه لكم في كلِّ ما تحتاجون فيه من أمور الدِّين. وأما إبقاؤه متعدِّياً مع تقدير المفعولِ: ((كثيراً مما كنتُم تُخْفونَ من الكتاب)» كما قيل، فقد قيل فيه: مع كونه تكريراً من غير فائدة يردُّه قولُه سبحانه: ﴿عَلَى فَتْرَقِ مِّنَ الرُّسُلِ﴾ فإنَّ فتور الإرسالِ وانقطاعَ الوحي إنما يُخْوِجُ إلى بيان الشرائع والأحكام، لا إلى بيانِ ما كَتَموه. (١) في حاشية الشهاب: كونهم. الآية : ١٩ ١٢٧ سُورَّةُ القَائِدَة و((على فترةٍ)) متعلِّقٌ بـ ((جاءكم)) على الظرفية كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: جاءكم على حينٍ فتورٍ من الإرسال وانقطاعِ الوحي، ومزيدِ الاحتياج إلى البيان. وجوِّز أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من ضميرٍ ((يبيِّن))، أو من ضمير (كم))، أي: يبينُ لكم حالَ كونه على فترة، أو حال كونكم على فترة. و(مِنَ الرُّسُلِ) صفةُ ((فترة)) و ((من)) ابتدائية، أي: فترةٍ كائنةٍ من الرسل مبتدأةٍ من جهتهم . والفترةُ فَعْلَة من فَتَر عن عمله يَفْتُرُ فُتوراً: إذا سَكَن، والأصلُ فيها الانقطاعُ عما كان عليه من الجدِّ في العمل، وهي عند جميع المفسِّرين انقطاعُ ما بين الرسولين. واختلفوا في مدتها بين نبيِّنا وَلّ وعيسى عليه السلام، فقال قتادة: كان بينهما عليهما الصلاة والسلام خمسُ مئة سنةٍ وستُّون سنة. وقال الكلبيُّ: خمسُ مئةٍ وأربعون سنة. وقال ابن جريج: خمسُ مئة سنة. وقال الضحاك: أربع مئةٍ سنةٍ وبضعٌ وثلاثون سنة. وأخرج ابن عساكر عن سلمان رَظُه: أنها ستُّ مئةٍ سنة (١). وقيل: كان بين نبينا وَّ﴿ وأخيه عيسى عليه السلام ثلاثةُ أنبياء هم المشارُ إليهم بقوله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَآ إِلَتِهِمُ أَثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]. وقيل: بينهما عليهما الصلاة والسلام أربعةٌ: الثلاثةُ المشارُ إليهم، وواحدٌ من العرب من بني عبس، وهو خالد بنُ سنانٍ عليه السلام، الذي قال فيه وَّر: ((ذلك نبيٌّ ضَيَّعه قومُه))(٢) . (١) تاريخ ابن عساكر ٤٨٤/٤٧- ٤٨٥، وهو في صحيح البخاري (٣٩٤٨). (٢) أخرجه بهذا اللفظ البزار (٢٣٦١ - كشف) من حديث ابن عباس ، وأخرجه الطبراني في الكبير (١٢٢٥٠) من حديث ابن عباس أيضاً بلفظ: جاءت بنت خالد بن سنان إلى النبي ◌َّ فبسط لها ثوبه وقال: ((بنتُ نبيَّ ضيعه قومه)). وفي إسناده عندهما قيس بن الربيع، وهو ضعيف من قِبَل حفظه كما ذكر الحافظ في الإصابة ١٨١/٣ . سُورَّةُ القَائِدَة ١٢٨ الآية : ١٩ ولا يَخْفَى أنَّ الثلاثة الذين أشارت إليهم الآيةُ رسلُ عيسى عليه السلام، ونسبةٌ إرسالهم إليه تعالى بناءً على أنه كان بأمره عز وجل، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقیقُ ذلك. وأمَّا خالد بنُ سنان العبسيُّ فقد تردَّد فيه الراغب في ((محاضراته))، وبعضُهم لم يُثْبتْه، وبعضُهم قال: إنه كان قبل عيسى عليهما الصلاة والسلام؛ لأنه ورد في حديثٍ: ((لا نبيَّ بيني وبين عيسى))(١) صلى الله تعالى عليهما وسلم، لكن في التواريخ إثباتُه، وله قصةٌ في كتب الآثار مفصلةٌ، وذُكر أنَّ بنته أتَتِ النبيَّ نَّهِ وآمنتْ به(٢) ، ونقش الشیخ الأکبر قدِّس سرُّه له فصًّا في كتابه («فصوص الحكم)). وصحَّح الشهاب(٣) أنه عليه السلام من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأنه قبل عيسى عليهما الصلاة والسلام، وعلى هذا فالمراد بينته الجائية إلى رسول الله واله - إنْ صَّ الخبرُ - بنتُه بالواسطة لا البنتُ الصُّلْبيةُ؛ إذ بقاؤها إلى ذلك الوقتِ مع عَدَمِ ذِكْرِ أحدٍ أنَّها من المعمَّرين بعيدٌ جدًّا. وكان بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ألفٌ وسبعُ مئةٍ سنةٍ في المشهور، لكنْ لم يَفْتُرْ فيها الوحيُّ، فعن ابن عباس ◌ًُّا أنَّ الله تعالى بَعَثَ فيها ألفَ نبيٍّ من بني إسرائيل سوى مَن بَعَثَ من غيرهم. ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ تعليلٌ لمجيء الرسول بالبيان، أي: كراهةَ أن تقولوا، كما قدَّره البَصْريُّون، أو لئلا تقولوا - كما يقدِّر الكوفيون - معتذرين عن(٤) تفريطكم في أحكام = وقال الحافظ العراقي في الذيل على ميزان الاعتدال ص٣٧٩: لا يصح هذا، ويرد عليه الحديث الصحيح: ((أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، ليس بيني وبينه نبي)). اهـ. ومثله قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢١٤/٨، والحديث المذكور في الرد سيردُ قريباً . (١) أخرجه البخاري (٣٤٤٢)، ومسلم (٢٣٦٥) من حديث أبي هريرة له بلفظ: ((أنا أولى الناس بابن مريم، الأنبياء أولاد علَّات، ليس بيني وبينه نبيّ)). (٢) وذكر الحافظ ابن حجر أن اسمها محياة، وقد سلف تخريج قصة مجيئها إلى النبي ◌َّو قبل تعليقين، وينظر ما ورد فيها وفي أبيها من آثار في الإصابة ١٧٧/٣ - ١٨٢، و١١٨/٤، و ١٢٩/١٣. (٣) في الحاشية ٢٢٩/٣، وما قبله منه. (٤) في (م): من. الآية : ١٩ ١٢٩ سُؤَةُ القَائِدَة الدِّين يومَ القيامة: ﴿مَا جَآَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيْرٍ﴾ وقد انْطَمَسَتْ آثارُ الشريعة السابقة وانقطعتْ أخبارُها . وزيادةُ ((مِن)) في الفاعل للمبالغة في نفي المجيء، وتنكيرُ (بشير)) و((نذير)) - على ما قال شيخُ الإسلام(١) - للتقليل. وتعقيبُ ((قد جاءكم) إلخ بهذا يقتضي أن المقدَّر أو المنويَّ فيما سبق هو الشرائعُ والأحكامُ، لا كيفما كانت بل مشفوعةً بذكر الوَعْدِ والوعيد. والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ تُفْصِحُ عن محذوفٍ ما بعدَها علةٌ له، والتقديرُ هنا: لا تعتذروا فقد جاءكم، وتسمَّى الفاءَ الفصيحة، وتختلفُ عبارةُ المقدَّرِ قبلها، فتارةً يكونُ أمراً أو نهياً، وتارةً يكون(٢) شرطاً كما في قوله تعالى: ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٣٠]، وقولِ الشاعر: ( 2 1 : : اخ راس اذا(٣) وتارةً معطوفاً عليه، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠]. وقد يصار إلى تقدير القول، كما في ((الفرقان)) في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ [الآية: ١٩]، وإنْ شئتَ قدَّرتَ هنا أيضاً: فقلنا لا تعتذروا فقد، إلخ. وقد صرَّح بعضُ علماء العربية أنَّ حقيقة هذه الفاءِ أنها تتعلَّق بشرطِ محذوفٍ، ولا ينافي ذلك إضمارَ القول؛ لأنه إذا ظهر المحذوفُ لم يكن بدٌّ من إضمارٍ ليرتبط بالسابق، فيقالُ في البيت مثلاً: وقلنا - أو فقلنا -: إنْ صحَّ ما ذكرتم فقد جئنا خراسانا. وكذلك ما نحن فيه: فقلنا لا تعتذروا فقد جاءكم. ثم إنه في المعنى جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ سواءٌ صرِّح بتقديره أم لا(٤)؛ لأنَّ الكلام إذا اشتمل على مترتِّبين [تَرتَّبَ] أحدُهما على الآخر تَرتُّبَ العلِّية كان في معنى (١) في تفسيره ٢٢/٣ . (٢) قوله: يكون، ليس في الأصل. (٣) سلف ٢/ ٢٧٠، وتمامه: قالوا: خراسان أقصى ما يراد بنا ثم القفول فقد جئنا خراسانا (٤) كما في: لا تعتذروا .. إلخ. حاشية الشهاب ٢٢٩/٣، والكلام وما سيأتي بين حاصرتين منه. سُورَّةُ للَائِدَة ١٣٠ الآية : ٢٠ الشرط والجزاء، فلا تَنَافي بين التقادير والتقادير المختلفة(١). ولو سلِّم التنافي فهما وجهان ذكروا أحدهما في موضع والآخرَ في آخر - كما حقَّقه في ((الكشف)) . وقد مرت الإشارة من بعيد إلى أمر هذه الفاء فتذكَّر. وتنوین ((بشير)) و ((ونذير)) للتفخيم. ﴿وَلَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ بعد الفترة. فيقدر على إرسال الرسل تترى، وعلى الإرسال ١٩ ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مسوقةٌ لبيان ما فعلتْ بنو إسرائيل بعد أخذِ الميثاق منهم، وتفصيلٍ كيفيةِ نَقْضِهم له، مع الإشارة إلى انتفاءِ فترة الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما بينهم. و ((إذا نصب على أنه مفعولٌ لفعلٍ محذوفٍ خُوطِبَ به سيدُ المخاطَبِينِ وَ ه بطريق تلوين الخطاب وصَرْفِه عن أهل الكتاب؛ ليعدِّد عليهم ما سلف من بعضهم من الجنايات، أي: واذكُرْ لهم يا محمدُ وقتَ قولٍ موسى عليه السلام ناصحاً ومُسْتَميلاً لهم بإضافتهم إليه: ﴿يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وتوجيهُ الأمر بالذكر إلى الوقت أبلغُ من توجيهه إلى ما وقع فيه، وإنْ كان هو المقصودَ بالذات كما مرَّتٍ الإشارةُ إليه. و ((عليكم)) متعلّقٌ إما بالنعمة إنْ جُعِلَتْ مصدراً، وإما بمحذوفٍ وقع حالاً منها إذا جعلت اسماً، أي: اذكروا إنعامَه عليكم بالشكر، أو: اذكروا(٢) نعمته كائنةً علیکم . وكذا ((إذ)) في قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ أَنْبِيَةَ﴾ متعلِّقةٌ بما تعلَّق به الجارُّ والمجرور، أي: اذكُروا إنعامَه عليكم في وَقْتِ جَعْلِه، أو: اذكروا نعمته تعالى كائنةً عليكم في وقت جَعْلِه فيما بينكم من أقربائكم أنبياءً. وصيغةُ الكثرة على حقيقتها كما هو الظاهر، والمرادُ بهم: موسى وهارونُ ويوسفُ، وسائرُ أولادٍ يعقوبَ على القول بأنهم كانوا أنبياء، أو الأوَّلون، والسبعون (١) في حاشية الشهاب: فلا تنافي بين التقادير المختلفة. (٢) في (م): واذكروا، بدل: أو اذكروا، والمثبت من الأصل، وهو الصواب. الآية : ٢٠ ١٣١ سُورَةُ القَائِدَةِ الذين اختارهم موسى لميقات ربِّه، فقد قال ابن السَّائب ومقاتلٌ: إنَّهم كانوا أنبياء. وقال الماورديُّ(١) وغيره: المراد بهم الأنبياءُ الذين أُرسلوا من بعدُ في بني إسرائيل، والفعلُ الماضي مصروفٌ عن حقيقته. وقيل: المرادُ بهم مَن تقدَّم ومَن تأخّر. ولم يُبعثْ من أمةٍ من الأمم ما بُعث من بني إسرائيل من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ﴿وَجَعَلَكُم ◌ُلُوكًا﴾ عطفٌ على ((جعل فيكم)، وغيرَّ الأسلوب فيه لأنه لكثرة الملوك فيهم أو منهم صاروا كلَّهم كأنَّهم ملوٌ؛ لسلوكهم مَسْلَكهم في السّعةِ والثّرقُّهِ، فلذا تُجوِّزَ في إسناد الملك إلى الجميع بخلاف النبوة، فإنها - وإنْ كَثُرتْ - لا يسلكُ أحدٌ مَسْلَكَ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأنها أمرٌ إلهيٌّ يَخُصُّ الله تعالى به مَن يشاء، فلذا لم يُتَجوَّز في إسنادها . وقيل: لا مجازَ في الإسناد، وإنَّما هو في لفظ الملوك؛ فإنَّ القوم كانوا مملوكين في أيدي القِبْطِ فأنقذهم الله تعالى، فسمِّ ذلك الإنقاذُ ملكاً. وقيل: لا مجازَ أصلاً بل جُعلوا كلُّهم ملوكاً على الحقيقة، والملكُ مَن كان له بيتٌ وخادمٌ كما جاء عن زيد بن أسلم مرفوعاً(٢). وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدريِّ قال: قال رسول الله وَّتٍ: ((كانت بنو إسرائيلَ إذا كان لأحدهم خادمٌ ودابةٌ وامرأةٌ كُتب ملكاً))(٣). وأخرج ابنُ جَرِيرٍ عن الحسن: هل المُلْكُ إلا مركبٌ وخادمٌ ودارٌ(٤)؟. وأخرج البخاريُّ(٥) عن عبد الله بن عمرو أنه سأله رجلٌ فقال: أَلَسْنا من فقراء (١) في تفسيره المسمى النكت والعيون ٢٤/٢. (٢) أخرجه أبو داود في المراسيل (٢٠٤)، والطبري ٢٧٩/٨. (٣) الدر المنثور ٩٦٩/٢-٢٧٠، وهو من طريق ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد به كما في تفسير ابن كثير عند هذه الآية، وابن لهيعة سيِّئ الحفظ، ورواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة. (٤) تفسير الطبري ٢٧٩/٨. (٥) كذا ذكر، والصواب أنه عند مسلم (٢٩٧٩). سُورَّةُ القَائِدَة ١٣٢ الآية : ٢١ المهاجرين؟ فقال عبد الله: أَلَكَ زوجةٌ تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكنٌ تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال: فإنَّ لي خادماً. قال: فأنت من الملوك. وقيل: الملِكُ مَن له مسکنٌ واسعٌ فيه ماءٌ جارٍ. وقيل: مَن له مالٌ لا يحتاج معه إلى تَكَلُّفِ الأعمال وتحمُّلِ المشاقِّ. وإليه ذهب أبو عليّ الجبائيُّ. وأنت تعلم أنَّ الظاهر هنا القولُ بالمجاز، وما ذُكر في معرض الاستدلال محتملٌ له أيضاً . مِن فَلْقِ البحر، وإغراقِ العدوّ، ﴿وَءَاتَنْكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ وتظليلِ الغمام، وانفجارِ الحجر، وإنزالِ المنِّ والسَّلْوَى، وغير ذلك مما آتاهم الله تعالى من الأمور المخصوصة. والخطابُ لقوم موسى عليه السلام كما هو الظاهر. و((أل)) في ((العالمين)) للعهد، والمرادُ: عالَمي زمانهم. أو للاستغراق؛ والتفضيلُ من وجهٍ لا يستلزمُ التفضيلَ من جميع الوجوه، فإنه قد يكون للمفضول ما ليس للفاضل. وعلى التقديرين لا يلزم تفضيلُهم على هذه الأمة المحمدية، على نبيِّها أفضلُ الصلاة وأكملُ التحية. وإيتاءُ مالم يؤتَ أحدٌ وإن لم يلزم منه التفضيلُ لكنَّ المتبادرَ من استعماله ذلك، ولذا أوِّلَ بما أوِّل. وعن سعيد بن جبير وأبي مالك: أنَّ الخطاب هنا لهذه الأمة. وهو خلافُ الظاهرِ جدًّا، ولا يكادُ يُرتَكَبُ مِثْلُه في الكتاب المجيدِ؛ لأنَّ الخطاباتِ السابقةَ واللاحقةَ لبني إسرائيل، فوجودُ خطابٍ في الأثناء لغيرهم مما يُخِلُّ بالنّظْمِ الكريم، وكأنَّ الداعيَ للقول به ظنُّ لزومِ التفضيل مع عدم دافعٍ له سوى ذلك، وقد علمتَ أنه من بعض الظن. ﴿يَقَّوْمِ أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ كرَّر النداء مع الإضافة التشريفية اهتماماً بشأن الأمر، ومبالغةً في حثِّهم على الامتثال به. و((الأرض المقدسة)) هي كما روي عن ابن عباس ﴿ والسدِّيِّ وابنِ زيد: بيتُ المقدس. الآية : ٢١ ١٣٣ سُورَةُ القَائِدَة وقال الزجَّاجُ: دمشقُ وفلسطين والأردنُّ(١). وقال مجاهد: هي أرضُ الظُّور وما حوله. وعن معاذ بن جبل: هي ما بين الفراتِ وعريشٍ مصر. والتقديس: التطهير، ووُصفتْ تلك الأرضُ بذلك إمَّا لأنها مطهّرةٌ من الشرك، حيث جُعلتْ مَسْكَنَ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام. أو لأنها مطهّرةٌ من الآفات، وغَلبةُ الجَبَّارين عليها لا يُخرجُها عن أنْ تكون مقدَّسةً. أو لأنها طهِّرتْ من القَحْطِ والجوع. وقيل: سمِّيتْ مقدسةً لأنَّ فيها المكانَ الذي يُتقدَّسُ فيه من الذنوب. ﴿اَلَتِ كَتَبَ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: قدَّرها وقَسَمَها لكم، أو: كَتَبَ في اللوح المحفوظ أنها تكون مسكناً لكم؛ روي أنَّ الله تعالى أمر الخليل عليه الصلاة والسلام أن يصعد جبل لبنان، فما انتهَى بصرُه إليه فهو له ولأولاده، فكانت تلك الأرضُ مَدَى بَصَره. وعن قتادة والسديِّ أنَّ المعنى: التي أمركم الله تعالى بدخولها وفَرَضَه عليكم، فالكَتْبُ هنا مِثلهُ في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْضِيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وذهب إلى الاحتمالين الأوَّلينِ كثيرٌ من المفسِّرين، والكَتْبُ على أوَّلهما مجازٌ، وعلى ثانيهما حقيقةٌ، وفيَّدوه بـ: إنْ آمنتُم وأطعتُم؛ لقوله تعالى لهم بعدَ ما عصوا: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٢٦] وقولِه سبحانه: ﴿وَلَ نْنَدُّواْ عَلَى أَدْبَرِكُمْ فَتَنْقَلُِواْ فإنَّ ترتیبَ الخيبة والخسران على الارتداد يدلُّ على اشتراطِ الگَتْبِ خَسِرِينَ ® بالمجاهدة المترتّبةِ على الإيمان قطعاً. والأدبارُ جمع: دبرٍ، وهو ما خَلْفَهم من الأماكن من مصر وغيرها، والجارُّ والمجرورُ حالٌ من فاعلِ ((ترتدُّوا))، أي: لا ترجعوا عن مَقْصِدِكم مُنْقَلِبين خوفاً من الجبابرة، وجوِّز أن يتعلَّق بنفس الفعل. (١) جاء في هامش الأصل: بضم الهمزة وسكون الراء المهملة وضم الدال كذلك وتشدید النون، وهي كورة بالشام. اهـ. والكلام في معاني القرآن للزجاج ٢/ ١٦٢-١٦٣، بزيادة: وبيت المقدس. سُورَةُ القَائِدَةِ ١٣٤ الآية : ٢٢ ويحتمل أنْ يُراد بالارتداد صَرْفُ قلوبهم عما كانوا عليه من الاعتقاد صرفاً غيرَ محسوسٍ، أي: لا تَرْجِعوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق بالله تعالى، وإليه ذهب أبو عليٍّ الجبائيُّ. وقوله تعالى: (فَنَنقَلِبُوا) إمَّا مجزومٌ بالعطف وهو الأظهر، وإما منصوبٌ في جواب النهي؛ قال الشهاب: على أنه من قَبيل: لا تَكْفُرْ تَدْخُلِ النار، وهو ممتنع خلافاً للكسائي(١). وفيه نظرٌ لا يَخْفَى. والمراد بالخسران: خسرانُ الدارين. ﴿قَالُواْ يَمُوسَىَ إِنَّ فِيَهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ شديدِي البطشِ، متغلِّبين لا تتأتَّى مقاومتُهم ولا تُجزُّ لهم ناصيةٌ. والجبَّارُ صيغةُ مبالغةٍ من ((جَبَر)) الثلاثيّ على القياس، لا مِن أَجْبَرَه على خلافه - كالحسَّاس من الإحساس - وهو الذي يَقهرُ الناس ويُكرهُهم كائناً من كان على ما يريده كائناً ما كان، ومعناه في النخل: ما فات اليدَ طولاً . وكان هؤلاء القومُ من العمالقة بقايا قوم عادٍ، وكانت لهم أجسامٌ ليست لغيرهم؛ أخرج ابن عبد الحكم في ((فتوح مصر))(٢) عن ابن حجيرة قال: استظلَّ سبعون رجلاً من قوم موسى عليه السلام في قَحْفِ رجلٍ من العمالقة. وأخرج البيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن زيد بن أسلم قال: بلغني أنه رُؤيتْ ضبعٌ وأولادُها رابضةً في فجاج عينِ رجلٍ منهم (٣). إلى غير ذلك من الأخبار، وهي عندي كأخبار عُوج بن عُنق، وهي حديثُ خرافة. ﴿وَإِنَّا لَن تَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ بقتالٍ غيرنا، أو بسببٍ يُخرجهم الله تعالى به، فإنه لا طاقةً لنا بإخراجهم منها، وهذا امتناعٌ عن القتال على أتمٍّ وجهٍ. (١) حاشية الشهاب ٣/ ٢٣٠. (٢) ٧٦/١-٧٧. (٣) شعب الإيمان (١٧٧٠)، وفيه: حجاج، بدل: فجاج. والحجاج: عظم ينبت عليه الحاجب. القاموس (حجج). الآية : ٢٣ ١٣٥ سُورَةُ القائِدَة ﴿فَإِنِ يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ بسببٍ من الأسباب التي لا تَعَلَّقَ لنا بها ﴿فَإِنَّا دَاخِلُونَ ٢٢ فيها حينئذٍ، وأَتَوا بهذه الشرطية - مع كون مضمونها مفهوماً مما تقدم - تصريحاً بالمقصود، وتنصيصاً على أنَّ امتناعهم من دخولها ليس إلا لمكانهم فيها، وأتوا في الجزاء بالجملة الاسمية المصدَّرة بـ ((إنَّ) دلالةً على تقرُّرِ الدخول وثباتِه عند تحقُّق الشرط لا محالةَ، وإظهاراً لكمال الرغبة فيه وفي الامتثال بالأمر. ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي: يخافون الله تعالى، وبه قُرئ(١). والمراد: رجلان من المتقين، وهما - كما روي عن ابن عباس ﴿بًا ومجاهد والسديِّ والربيع - يوشع بنُ نون وكالب بن يوقنا، وفي وَصْفِهم بذلك تعريضٌ بأنَّ مَن عَدَاهما من القوم لا يخافونه تعالى بل يخافون العدو. وقيل: المراد بالرجلين ما ذكر، و((من الذين يخافون)) بنو إسرائيل؛ والمراد: يخافون العدوَّ، ومعنى كونِ الرجلين منهم أنَّهما منهم في النسب لا في الخوف. وقيل: في الخوف أيضاً، والمراد أنهما لم يمنعهما الخوفُ عن قولِ الحقّ. وأخرج ابن المنذر(٢) عن ابن جُبير: أنَّ الرجلين كانا من الجبابرة، أسلما وصارا إلى موسى عليه السلام. فعلى هذا يكون ((الذين)) عبارةً عن الجبابرة، والواو ضميرُ بني إسرائيل، وعائدُ الموصول محذوفٌ، أي: يَخافونهم. وقرأ ابن عباس ﴿ه ومجاهدٌ وسعيد بن جبير: ((يُخافون)) بضم الياء(٣)، وجَعَلَها الزمخشريُّ شاهدةً على أنَّ الرجلين من الجبّارين، كأنه قيل: من المخوَّفين(٤)، أي: يخافُهم بنو إسرائيل. وفيها احتمالان آخران: الأول أن يكون من الإضافة، ومعناه: من الذين يخوَّفون من الله تعالى بالتذكير والموعظة، أو يخوِّفهم وعيدُ الله تعالى بالعقاب، والثاني أنَّ معنى ((يُخافون)): يُهابون ويُوَقَّرون، ويُرْجَعُ إليهم لفضلهم وخيرهم. ومع هذين الاحتمالين لا ترجيحَ في هذه القراءة لكونهما من الجبارين. (١) ذكرها الطبري ٧/ ٢٩٧. (٢) كما في الدر المنثور ٢٧١/٢. (٣) القراءات الشاذة ص٣١، والمحتسب ٢٠٨/١، والكشاف ٦٠٤/١، والبحر ٤٥٥/٣. (٤) الكشاف ٦٠٤/١. سُورَةُ القَائِدَة ١٣٦ الآية : ٢٣ وترجيحُ ذلك بقوله تعالى: ﴿أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ - أي: بالإيمان والتثبيت - غيرُ ظاهرٍ أيضاً؛ لأنه صفةٌ مشتركةٌ بين يوشع وكالب وغيرِهما. وكونُه إنما يَليقُ أن يقال لمن أسلم من الكفار لا لمن هو مؤمن في حيِّز المنع. والجملةُ صفةٌ ثانيةٌ لـ ((رجلين))، أو اعتراضٌ. وقيل: حالٌ بتقدیرِ ((قد) من ضميرٍ ((يخافون))، أو من ((رجلان)) لتخصيصه بالصفة، أو من الضمير المستتر في الجار والمجرور. أي: قالا مخاطِبَيْنِ لهم ومشجِّعَيْنٍ: ﴿آدْخُلُواْ عَلَهِمُ الْبَابَ﴾ أي: بابَ مدينتهم، وتقديمُ ((عليهم)) عليه للاهتمام به؛ لأنَّ المقصود إنَّما هو دخولُ الباب وهم في بلدهم، أي: فاجِئوهم وضاغِطُوهم في المضيق، ولا تُمْهِلوهم لُيُصْحِروا(١) ويجدوا للحرب مجالاً . ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ﴾ عليهم الباب ﴿فَإِنَّكُمْ غَلِبُونَ﴾ من غير حاجة إلى(٢) القتال؛ فإنَّا قد رأيناهم وشاهدناهم أنَّ قلوبهم ضعيفةٌ وإنْ كانت أجسامُهم عظيمةً، فلا تخشَوْهم واهجموا عليهم في المضايق، فإنهم لا يقدرون على الكرِّ والفرِّ. وقيل: إنما حَكَما بالغلبة لمَّا عَلِمَاها من جهةٍ موسى عليه السلام، وقوله(٣): ((التي كتب الله لكم)). وقيل: من جهة غَلَبةِ الظَّنّ، وما تبيَّنا من عادةِ الله تعالى في نُصْرةِ رُسُلِه، وما عَهِدا مِن صُنْعِ اللهِ تعالى لموسى عليه السلام في قَهْرِ أعدائه. قيل: والأولُ أنسبُ بتعليق الغَلَبةِ بالدخول. ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ تعالى خاصَّةً ﴿فَتَوَّكَّلُواْ﴾ بعد ترتيب الأسباب، ولا تعتمدوا عليها فإنها لا تؤثِّر من دون إذنه. بالله تعالى، والمرادُ بهذا: الإلهابُ والتهييجُ، وإلَّا ﴿إِن كُنتُم مُّؤْ مِنِينَ فإيمانُهم محقَّقٌ. وقد يراد بالإيمان: التصديقُ بالله تعالى وما يتبعه من التصديق (١) من الإصحار، وهو البروز إلى الصحراء. حاشية الشهاب ٢٣١/٣. (٢) قوله: إلى، ساقط من (م). (٣) في تفسير أبي السعود ٢٤/٣ (والكلام منه): ومن قوله. الآية : ٢٤، ٢٥ ١٣٧ سُورَةُ لقَائِدَة بما وعده، أي: إنْ كنتُم مؤمنين به تعالى مصدِّقين لوعده، فإنَّ ذلك مما يوجب التوكُّل عليه حتماً . ﴿قَالُوا﴾ غيرَ مُبَالينَ بهما وبمقالتهما، مخاطِبِينَ لموسى عليه السلام إظهاراً لإصرارهم على القول الأول، وتصريحاً بمخالفتهم له عليه السلام: ﴿يَمُوسَى إِنَّا لَنْ نَّدْ خُلَهَا﴾ أي: أرضَ الجبابرة، فضلاً عن الدخول عليهم وهم في بلدهم ﴿أَبَدًا﴾ أي: دهراً طويلاً، أو فيما يُستقبل من الزمان كلِّه ﴿مَّا دَامُواْ فِيهَا﴾ أي: في تلك الارض، وهو بدلٌ من ((أبداً) بدلَ البعض، وقيل: بدلَ الكلِّ من الكلِّ، أو عطفُ بیانٍ لوقوعه بين النكرتين. ومثله في الإبدال قولُه: وأَكْرِمْ أخاك الدهرَ ما دمتما معاً كَفَى بالممات فُرقةً وتَنَائِيا(١) فإنَّ قوله: ((مادمتُما)) بدلٌ من الدهر. ﴿فَأَذْهَبْ﴾ أي: إذا كان الأمر كذلك فاذهب ﴿أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا﴾ أي: فقاتلاهم وأَخْرِجاهم حتى ندخل الأرض، وقالوا ذلك استهانةً واستهزاءً به سبحانه وبرسوله عليه الصلاة والسلام وعدمَ مبالاةٍ، وقصدوا ذهابهما حقيقة كما يُنْبِئُ عنه ٢٤ غايةُ جَهْلِهِم وقسوةٍ قلوبهم، والمقابلةُ بقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ وقيل: أرادوا إرادتَهما وقَصْدَهما، كما تقول: كلَّمتُه فذهب يجُيبُني، كأنهم قالوا : فأَرِيدا قتالَهم واقْصِدَاهم. وقال البلخيُّ: المراد: فاذهب أنت، وربُّك يُعِينُكَ. فالواوُ للحال، و((أنت)) مبتدأُ حُذِفَ خبرُه. وهو خلافُ الظاهر، ولا يساعده ((فقاتلا)). ولم يذكروا أخاه هارون عليهما السلام ولا الرجلين اللَّذَيْن قالا، كأنهم لم يجزموا بذهابهم، أو لم يعبؤوا بقتالهم. وأرادوا بالقعود عَدَمَ التقدُّم لا عَدَمَ التأخّر أيضاً . ﴿قَالَ﴾ موسى عليه السلام لمَّا رأى منهم ما رأى من العناد، على طريق البثِّ والحزن والشكوى إلى الله تعالى، مع رقَّةِ القلب التي بمثلها تُسْتَجْلَبُ الرحمةُ وتُسْتَنْزَلُ النُّصرة. فليس القصدُ إلى الإخبار، وكذا كلُّ خبرٍ يخاطَبُ به علَّامُ الغيوب يُقْصَدُ به معنَى سوى إفادةِ الحكم أو لازمِه، فليس قولُه ردًّا لِمَا أمر الله تعالى به، (١) البيت لإياس بن القائف كما في شرح الحماسة المرزوقي ١١٣٤/٣. سُوَدَّةُ القَائِدَة ١٣٨ الآية : ٢٥ ولا اعتذاراً عن عَدَم الدخول: ﴿رَبِّ إِنِّ لَّ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىٌ﴾ هارونَ عليه السلام، وهو عطفٌ عَلى ((نفسي))، أي: لا يُجيبُني إلى طاعتك ويوافقُني على تنفيذ أمرك سوى نفسي وأخي، ولم يذكر الرجلين اللَّذين أَنْعَمَ الله تعالى عليهما وإنْ كانا يوافقانه إذا دعا، لِمَا رأى من تلوُّنِ القوم وتقلَّبٍ آرائهم، فكأنه لم يثق بهما ولم يعتمد عليهما . وقيل: ليس القصد إلى القَصْرِ، بل إلى بيان قلَّةِ مَن يوافقُه تشبيهاً لحاله بحالٍ مَن لا يملك إلَّا نفسَه وأخاه. وجوِّز أن يراد بـ ((أخي): مَن يُؤاخيني في الدِّين، فيدخلان فيه، ولا يتم إلَّا بالتأويل بكلِّ مُؤاخٍ له في الدِّين، أو بجنس الأخ، وفيه بعدٌ. ويجوز(١) في ((أخي)) وجوهٌ أُخَرُ من الإعراب: الأول: أنه منصوبٌ بالعطف على اسم ((إنَّ). الثاني: أنه مرفوع بالعطف على فاعلٍ ((أملك)) للفصل. الثالث: أنه مبتدأ خبرُه محذوفٌ. الرابع: أنه معطوف على محلِّ اسم ((إنَّ) البعيد؛ لأنه بعد استكمال الخبر، والجمهورُ علی جوازه حينئذٍ. الخامس: أنه مجرورٌ بالعطف على الضمير المجرور على رأي الكوفيين. ثم لا يَلزمُ على بعض الوجوه الاتِّحادُ في المفعول، بل يقدَّر للمعطوف مفعولٌ آخرُ، أي: وأخي إلا نفسه، فلا يَرِدُ ما قيل: إنه يلزم من عَطْفِه على اسم ((إنَّ) أو فاعلٍ ((أملك)) أنَّ موسى وهارون عليهما السلام لا يملكان إلا نفسَ موسى عليه السلام فقط، وليس المعنى على ذلك كما لا يخفى، وليس من عَظْفِ الجمل بتقدير: ولا يملك أخي إلا نفسَه، كما تُوهِّم، وتحقيقُه: أنَّ العطف على معمول الفعل لا يقتضى إلا المشاركة في مدلول ذلك ومفهومِه الكلِّي، لا الشخص المعيّن بمتعلقاته المخصوصةِ، فإنَّ ذلك إلى القرائن. (١) في الأصل: وجوز. الآية : ٢٦ ١٣٩ سُورَةُ القَائِدَة ﴿فَاَفْرُقْ بَيْنَنَا﴾ يريد نفسَه وأخاه عليهما الصلاة والسلام، والفاءُ لترتيب الفَرْق والدعاءٍ(١) به على ما قبله. وقرئ: ((فافرِق)) بكسر الراء(٢). ﴿وَبَيْنَ الْقَوْمِ اٌلْفَسِقِينَ ﴾ أي: الخارجين عن طاعتك، بأنْ تحكم لنا بما نستحقُّه، وعليهم بما يستحقُّونه، كما هو المرويُّ عن ابن عباس والضحاك وقال الجبائيُّ: سأل عليه السلام ربَّ أنْ يَفْرُقَ بالتبعيد في الآخرة بأنْ يجعله وأخاه في الجنة ويجعلهم في النار. وإلى الأول ذهب أكثر المفسرين، ويرجِّحه تعقيبُ الدعاءِ بقوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا﴾ فإنَّ الفاء فيه لترتيب ما بعدها على ما قبلها من الدعاء، فكأنَّ ذلك أثرُ الدعاء ونوعٌ من المدعوِّ به، وقد أخرج ابن جرير عن السديِّ قال: إنَّ موسى عليه السلام غضب حين قال له القوم ما قالوا، فدعا، وكان ذلك عَجْلةً منه علیه السلام عَجِلَها، فلما ضُرب عليهم التِّهُ ندم، فأوحى الله تعالى عليه: (فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ اُلْفَسِفِينَ)(٣). والضميرُ المنصوبُ عائدٌ إلى الأرض المقدَّسة، أي: فإنَّها لدعائك ﴿مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ﴾ لا يدخلونها ولا يملكونها. والتحريمُ تحريمُ منع لا تحريمُ تعبُّدٍ، ومثلُه قولُ امرئ القيس يَصِفُ فرسَه: جالتْ لَتَصْرَعَني فقلتُ لها اقْصِري إِنِّي امرؤٌ صَرْعي عليكِ حرامٌ(٤) يريد: إنّي فارسٌ لا يمكنك أنْ تصرعيني. وجوَّز أبو عليٍّ الجبّائيُّ - وإليه يشير كلام البَلْخيِّ - أن يكون تحريمَ تعبُّدٍ، والأولُ أظهر. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ﴾ متعلِّقٌ بـ ((محرَّمة)) فيكون التحريم مؤقَّتاً لا مؤبَّداً، فلا يكون مخالفاً لظاهر قوله تعالى: (كَتَبَ اَللَّهُ لَكُمَّ). والمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحدٌ منهم هذه المدةَ، لكن لا بمعنى أنَّ (١) في تفسير أبي السعود ٢٥/٣ (والكلام منه): أو الدعاء. (٢) القراءات الشاذة ص٣١-٣٢. (٣) أخرجه الطبري ٣٠٦/٨ و٣٠٩ و٣١٦ مقطعاً، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٢٧١/٢. (٤) ديوان امرئ القيس ص١١٦، وفي البيت إقواء لأن رَويَّ القصيدة بكسر الميم. الآية : ٢٦ ١٤٠ سُورَةُ القَائِدَة كلّهم يدخلونها بعدها، بل بعضهم ممن بقي، حَسْبما روي: أنَّ موسى عليه السلام سار بمَن بقي مِن بني إسرائيل إلى الأرض المقدَّسة، وكان يوشع بن نون على مقدِّمته، ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قُبض عليه السلام، وروي ذلك عن الحسن ومجاهد. وقيل: لم يدخلها أحدٌ ممن قال: ((لن نَدْخُلَها أبداً)) وإنما دَخَلَها مع موسى عليه السلام النَّوَاشِئُ من ذرياتهم، وعليه فالمؤقَّتُ بالأربعين في الحقيقة تحريمُها على ذرياتهم، وإنَّما جُعل تحريماً عليهم لِمَا بينهما من العلاقة التامة. وقولُه تعالى: ﴿يَتِيهُونَ فِ اُلْأَرْضِِّ﴾ استئنافٌ لبيان كيفية حرمانهم. وقيل: حالٌ من ضمير ((عليهم)). والتيهُ: الحيرة، ويقال: تاه يَتِيهُ ويَتُوه، وهو أَتْوَهُ وأَتْيَهُ، فهو مما تَدَاخَلَ فيه الواو والياء، والمعنى: يسيرون متحيِّرين، وحيرتُهم عَدَمُ اهتدائهم للطريق. وقيل: الظرفُ متعلِّقٌ بـ ((يتيهون))، وروي ذلك عن قتادة، فيكون التِّيهُ مؤقَّتاً والتحريمُ مطلقاً يحتمل التأبيدَ وعَدَمَه. وكان مسافةُ الأرض التي تاهوا فيها ثلاثين فرسخاً في عرض تسعةِ فراسخَ كما قال مقاتل. وقيل: اثني عشر فرسخاً في عَرْضٍٍ ستٍ فراسخَ. وقيل: ستة في عَرْضٍ تسعة. وقيل: كان طولها ثلاثين ميلاً في عرض ستة فراسخ. وهي ما بين مصر والشام. وذكر أنهم كانوا ستَّ مئةِ ألفِ مقاتلٍ، وكانوا يسيرون فيصبحون حيث يمسون ویمسون حیث یصبحون؛ کما قاله الحسن ومجاهد. قيل: وحكمةُ ابتلائهم بالتيه أنهم لما قالوا: ((إنَّا هاهنا قاعدون)) عوقبوا بما يُشْبِهُ القعود، وكان أربعين سنةً، لأنَّها غايةُ زمنٍ يَرْعوي فيه الجاهل. وقيل: لأنهم عبدوا العجل أربعين يوماً فجُعِلَ عقابُ كلِّ يومٍ سنةً في التيه، وليس بشيء. وكان ذلك من خَوارقِ العادات؛ إذ التحيُّر في مثل تلك المسافة على عُقَلاءَ كثيرين هذه المدةَ الطويلة مما تُحيله العادة. ولعل ذلك كان بمحو العلامات التي يُستدل بها، أو بأنْ أُلقي شَبَهُ بعضِها على بعض.