النص المفهرس

صفحات 41-60

الآية : ٤
٤١
سُورَةُ القَائِدَة
وانتصابه على الحالية من فاعل ((علَّمتم))، وفائدتها المبالغةُ في التعليم؛ لِمَا أنَّ
المكلِّب لا يقع إلا على النحرير في علمه.
أنهم قرؤوا: (مُكْلِبِين))
وعن ابن عباس وابن مسعود والحسن
بالتخفيف(١)، من أَكْلَبَ، وفَعَلَ وأَفْعَلَ قد يُستعملان بمعنّی واحدٍ.
﴿وتُعِمُونَهُنَّ﴾ حالٌ من ضمير ((مكلِّبين))، أو استئنافيةٌ إن لم تكن ((ما)) شرطيةً،
وإلا فهي معترضة، وجوِّز أن تكون حالاً ثانيةً من ضمير ((علَّمتم))، ومَنَعَ ذلك
أبو البقاء بأنَّ العامل الواحد لا يعمل في حالين، وفيه نظر، ولم يَستَحْسِنْ جَعْلَها
حالاً من (الجوارح)) للفصل بينهما(٢).
﴿يَا عَلََّكُمُ اللَّهُ﴾ من الحيل وطرقِ التعليم والتأديب، وذلك إما بالإلهام منه
سبحانه، أو بالعقل الذي خَلَقه فيهم جلَّ وعلا .
وقيل: المراد: مما عرَّفكم سبحانه أن تعلِّموه من اتّباع الصيد، بأن يسترسل
بإرسال صاحبه، وينزجرَ بزجره، وينصرفَ بدعائه، ويمسكَ عليه الصيدَ ولا يأكل
منه. ورجِّح بدلالته على أنَّ المعلِّم ينبغي أن يكون مكلِّباً فقيهاً أيضاً.
و (من)) أَجْلية، وقيل: تبعيضية، أي: بعض ما علَّمكم الله.
﴿فَكُوْ مِمَّ أَنْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ جملةٌ متفرِّعةٌ على بيان حِلِّ صيدِ الجوارح المعلَّمة،
مبيّنةٌ للمضاف المقدَّر، ومشيرةٌ إلى نتيجة التعليم وأثره، أو جوابٌ للشرط، أو خبرٌ
للمبتدأ .
و ((مِن)) تبعيضيةٌ؛ إذ من الممسَك مالا يؤكلُ كالجلد والعظم وغيرِ ذلك.
وقيل: زائدة على رأي الأخفش، وخروجُ ما ذُكر بديهيّ.
و ((ما)» موصولة، أو موصوفة والعائدُ محذوف، أي: أَمْسَكْنَه، وضميرُ المؤنَّث
للجوارح، و((عليكم)) متعلق بـ ((أمسكنَ)) والاستعلاء مَجازيٌّ، والتقييد بذلك لإخراج
ما أمسكنه على أنفسهن، وعلامتُه أن يأكلن منه فلا يؤكل منه، وقد أشار إلى
ذلك ﴿ ﴿؛ روى أصحاب السُّنن عن عدي بن حاتم قال: سألتُ النبيَّ وَّر عن صيد
(١) القراءات الشاذة ص٣١، والمحتسب ٢٠٨/١.
(٢) الإملاء ٣٨٦/٢.

الآية : ٤
٤٢
سُورَةُ القَائِدَة
الكلب المعلّم، فقال عليه الصلاة والسلام: ((إذا أرسلتَ كلبكَ المعلَّمَ وذكرتَ
اسم الله تعالى فكُلْ مما أمسَكَ عليك، فإنْ أَكَلَ منه فلا تَأْكُلْ، فإنَّما أمسك على
نفسه))(١) وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء، وروي عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه
والشعبيِّ وعكرمةَ.
وقال أبو حنيفة ظله وأصحابُه: إذا أكل الكلبُ من الصيد فهو غيرُ معلّم
لا يؤكلُ صيدُه، ويؤكلُ صيدُ البازي ونحوِه وإنْ أكل؛ لأنَّ تأديب سباع الطير إلى
حيث لا تأكل(٢) متعذِّر.
وروي ذلك عن ابن عباس ، فقد أخرج عبد بن حميد(٣) عنه ظ ته أنه قال:
إذا أكل الكلب فلا تأكل، وإذا أكل الصقر فكُلْ؛ لأنَّ الكلب تستطيع أن تضربه،
والصقرُ لا تستطيع أن تضربه. وعليه إمام الحرمين من الشافعية.
وقال مالك واللیث: يؤكل وإن أکل الكلبُ منه.
وقد روي عن سلمان وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة به: أنه إذا أكل
الكلبُ ثلثيه وبقي ثلثُه وقد ذكرتَ اسم الله تعالى عليه فكُل (٤).
﴿وَأَذَّكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيَّةِ﴾ الضمير لـ ((ما علَّمتم)) كما يدل عليه الخبر السابق،
والمعنى: سَمُّوا عليه عند إرساله؛ وروي ذلك عن ابن عباس والحسن والسُّديّ.
وقيل: لـ ((ما أمسكن))، أي: سَمُّوا عليه إذا أدركتُم ذكاتَه.
وقيل: للمصدر المفهوم من ((كلوا))، أي: سمُّوا اللهَ تعالى على الأكل، وهو
بعيد وإنِ اسْتَظْهَره أبو حيَّان(٥) .
(١) صحيح البخاري (١٧٥)، وصحيح مسلم (١٩٢٩)، وسنن أبي داود (٢٨٤٨)، وسنن
الترمذي (١٤٧٠)، والمجتبى ١٨٣/٧، وسنن ابن ماجه (٣٢٠٨)، وهو عند أحمد
(١٨٢٥٩).
(٢) في (م): تؤكل، وهو تصحيف.
(٣) كما في الدر المنثور ٢٦١/٢.
(٤) أخرج أقوالهم الطبري ١١٥/٨ - ١١٨.
(٥) في البحر ٣/ ٤٣٠ .

الآية : ٤
٤٣
سُوَرَّةُ القَائِدَة
والأمر للوجوب عند أبي حنيفة رُّه، وللندب عند الشافعي، وهو على القول
الأخير للنَّدب بالاتفاق.
﴿وَأَتَّقُوا اللَّهَّ﴾ في شأن محرَّماته، ومنها أكلُ صيد الجوارح الغيرِ المعلَّمة.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾﴾ أي: سريع إتيان حسابه، أو: سريع إتمامه إذا شَرَعَ
فيه، فقد جاء أنه سبحانه يحاسبُ الخَلْقَ كلَّهم في نصف يوم. والمراد على
التقديرين: أنه جلَّ شأنه يؤاخذكم على جميع الأفعال حقيرِها وجليلها .
وإظهارُ الاسم الجليل لتربية المهابة وتعليل الحكم.
ولعل ذِكْرَ هذا إثر بيان حُكْم الصيد لحثِّ متعاطيه على التقوى؛ لِمَا أنه مظنةٌ
التهاون والغفلة عن طاعة الله تعالى، فقد رأينا أكثر مَن يتعاطى ذلك يترك الصلاة
ولا يبالي بالنجاسة.
والمحتاجون للصيد، الحافظون لدينهم، أعزُّ من الغراب الأبيض، وهم مُثابون
فيه؛ فقد أخرج الطبرانيُّ عن صفوان بن أمية: أنَّ عرفطة بن نهيك التميميَّ قال:
يا رسول الله، إنِّ وأهل بيتي مرزوقون من هذا الصيد ولنا فيه قسمٌ وبركةٌ، وهو
مَشْغَلةٌ عن ذكر الله تعالى، وعن الصلاة في جماعة، وبنا إليه حاجةٌ، أفتُحِلُه أم
تحرِّمه؟ قال ◌َّهِ: ((أُحِلُّه؛ لأنَّ الله تعالى قد أحلَّه، نِعْمَ العملُ، والله تعالى أَوْلَى
بالعذر، قد كانت قبلي رسلٌ كلُّهم يصطادُ أو يطلب الصيدَ، ويكفيك من الصلاة في
جماعة إذا غبتَ عنها في طلب الرزق حبُّك الجماعةَ وأهلَها، وحِبُّكَ ذِكْرَ الله تعالى
وأهله، وابتغِ على نفسك وعيالِك حلالَها فإنَّ ذلك جهادٌ في سبيل الله تعالى،
واعلم أنَّ عون الله تعالى في صالح التجارة))(١).
واستُدِلَ بالآية على جواز تعليم الحيوان وضربه للمصلحة؛ لأن التعليم قد
يحتاج لذلك، وعلى إباحة اتخاذ الكلب للصيد، وقِيسَ به الحراسةُ، وعلى أنه
لا يحلُّ صید کلب المجوس، وإلى هذا ذهب ابن عباس ګًا، فقد روي عنه في
المسلم يأخذ كلب المجوسي أو بازَه أو صقرَه أو عقابَه فيرسله، أنه قال: لا تأكله
(١) المعجم الكبير (٧٣٤٠). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤٧/٢: فيه بشر بن نمير وهو
ضعيف متروك.

الآية : ٥
٤٤
سُورَةُ القَائِدَة
وإنْ سميَّتَ؛ لأنه من تعليم المجوسي، وإنما قال الله تعالى: (تُعَلُّونَهُنَّ مِمَا عَلَّتَكُمُ
الله) .
﴿اَلْيَّوْمَ أُمِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَثٌ﴾ إعادةُ هذا الحكم للتأكيد والتوطئةِ لِمَا بعده، وسببُ
ذكر اليوم يُعلم مما ذكر أمس.
وقال النيسابوريُّ: فائدة الإعادة أن يُعلم بقاءُ هذا الحُكْمِ عند إكمال الدِّين
واستقراره(١). والأوَّلُ أَوْلَى.
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ أي: حلال، والمراد بالموصول اليهودُ
والنصارى حتى نصارى العرب عندنا، وروي عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه
استثنى نصارى بني تغلب، وقال: ليسوا على النصرانية، ولم يأخذوا منها إلا شرب
الخمر. وإلى ذلك ذهب ابن جبير، وحكاه الربيع عن الشافعي ذاته.
والمراد بطعامهم: ما يتناول ذبائحهم وغيرها من الأطعمة، كما روي عن ابن
عباس وأبي الدرداء وإبراهيم وقتادة والسديِّ والضحاك ومجاهد رضوان الله عليهم
أجمعين، وبه قال الجبائيُّ والبلخيُّ وغيرهم.
وفي البخاري عن ابن عباس ﴿ أنَّ المراد به الذبائح (٢)؛ لأن غيرها لم
يُختلف في حلِّه، وعليه أكثر المفسرين.
وقيل: إنه مختصٌّ بالحبوب وما لا يُحتاج فيه إلى التذكية، وهو المرويُّ عند
الإمامية عن أبي عبد الله ﴿ه. وبه قال جماعة من الزيدية، فلا تحلُّ ذبائحهم عند
هؤلاء.
وحكم الصابئين حكم أهل الكتاب عند الإمام الأعظم رپه، وقال صاحباه:
الصابئة صنفان: صنفٌ يقرؤون الزبور ويعبدون الملائكة، وصنفٌ لا يقرؤون كتاباً
ويعبدون النجوم، فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب، وأما المجوس فقد سُنَّ بهم سُنَّةُ
أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم لِمَا روى
عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقيُّ من طريق الحسن بن محمد بن علي قال: كتب
(١) غرائب القرآن ٦/ ٤٥.
(٢) علقه البخاري قبل الحديث (٥٥٠٨)، ووصله البيهقي ٩/ ٢٨٢.

الآية : ٥
٤٥
سُورَةُ القَائِدَة
رسول الله وَّه إلى مجوس هجر يَعْرِضُ عليهم الإسلام، فمن أسلم قُبل، ومَن أصرَّ
ضُربِتْ عليه الجزية غيرَ ناكحي نسائهم (١)، وهو وإن كان مرسلاً، وفي إسناده قيس بن
الربيع وهو ضعيف(٢)، إلا أنَّ إجماع أكثر المسلمين - كما قال البيهقيُّ(٣) عليه يؤكّده.
واختلف العلماء في حلِّ ذبيحة اليهوديِّ والنصرانيّ إذا ذَكر عليها اسم غيرِ الله
تعالى؛ كعزير وعيسى عليهما السلام. فقال ابن عمر ﴿: لا تحلُّ. وهو قول ربيعة.
وذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تَحِلُّ، وهو قولُ الشعبيِّ وعطاء؛ قالا: فإن الله
تعالى قد أحلَّ ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون.
وقال الحسن: إذا ذبح اليهوديُّ والنصرانيُّ فذكر اسمَ غيرِ الله تعالى وأنت
تسمعُ فلا تأكل، فإذا غاب عنك فكُلْ، فقد أحلَّ الله تعالى لك.
﴿وَطَعَامُكُمْ سِلٌّ لَّ﴾ قال الزجَّاجِ(٤) وكثيرٌ من المتأخِّرين: إنَّ هذا خطابٌ
للمؤمنين، والمعنى: لا جُناحَ عليكم أيها المؤمنون أن تُطعموا أهل الكتاب من
طعامكم، فلا تصلحُ الآية دليلاً لمن يرى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لأن
التحليل حُكْم، وقد علَّقه سبحانه بهم فيها كما علَّق الحكم بالمؤمنين.
واعتُرض على ظاهره بأنه إنما يتأتَّى لو كان الإطعام بدل الطعام، فإنْ زعموا أنَّ
الطعام يقوم مقام الإطعام توسُّعاً، وَرَدَ الفصلُ بين المصدر وصلته بخبر المبتدأ،
وهو ممتنع، فقد صرَّحوا بأنه لا يجوز: إطعامُ زيدٍ حَسَنٌ للمساكين، وضَرْبُكَ شديدٌ
زيداً، فكيف جاز: ((وطعامكم حلٌّ لهم))؟
وعن بعضهم(٥): فإن قيل: ما الحكمة في هذه الجملة وهم كفارٌ لا يحتاجون
إلی بیاننا؟
أجيب بأن المعنى: انظروا إلى ما أُحِلَّ لكم في شريعتكم فإن أَظْعَموكُموه
فكلوه، ولا تنظروا إلى ما كان محرَّماً عليهم، فإنَّ لحوم الإبل ونحوها كانت محرمةً
(١) مصنف عبد الرزاق (١٠٠٢٨)، ومصنف ابن أبي شيبة ٢٤٢/١٢، وسنن البيهقي ١٩٢/٩.
(٢) كذا ذكر، والذي في مصادر التخريج: قيس بن مسلم، وهو ثقة كما في التقريب.
(٣) في سننه ٩/ ١٩٢ .
(٤) في معاني القرآن ٢/ ١٥١.
(٥) هو السهيلي في أماليه كما ذكر الشهاب في الحاشية ٢١٨/٣، وعنه نقل المصنف.

سُورَّةُ القَائِدَة
٤٦
الآية : ٥
عليهم، ثم نسخ ذلك في شريعتنا، فالآيةُ بيانٌ لنا لا لهم، أي: اعلموا أنَّ ما كان
محرَّماً عليهم مما هو حلالٌ لكم قد أُحِلَّ لكم(١) أيضاً، ولذلك لو أطعمونا خنزيراً
أو نحوه وقالوا: هو حلالٌ في شريعتنا، وقد أباح الله تعالى لكم طعامنا، كذَّبناهم
وقلنا: إنَّ الطعام الذي يحلُّ لكم هو الذي يحلُّ لنا لا غيره، فحاصلُ المعنى:
طعامهم حِلٌّ لكم إذا كان الطعامَ الذي أحْلَلْتُه لكم، وهذا التفسيرُ معنى قولِ السُّديِّ
وغيرِهِ فافهمه فقد أَشْكَلَ على بعضٍ المعاصرين.
﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ﴾ عطف على ((الطيبات))، أو مبتدأ والخبر محذوف
لدلالة ما تقدم عليه، أي: حلٌّ لكم أيضاً، والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بمحذوف وقع
حالاً من ((المحصنات))، أو من الضمير فيها على ما قاله أبو البقاء(٢).
والمرادُ بهنَّ عند الحسن والشعبيّ وإبراهيم: العفائف. وعند مجاهد: الحرائر،
واختاره أبو عليٍّ.
وعند جماعة: العفائف الحرائر(٣)، وتخصيصُهنَّ بالذكر للبعث على ما هو
أَوْلى لا لنفي ما عَدَاهنَّ، فإنَّ نكاح الإماء المسلمات بشرطه صحيحٌ بالاتفاق،
وكذا نكاح غير العفائف منهن، وأما الإماء الكتابيات فهنَّ كالمسلمات عند الإمام
ـه .
الأعظم
﴿وَالْحُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وإن كنَّ حربيَّاتٍ كما هو الظاهر،
وقال ابن عباس ﴿: لا يجوزُ نكاح الحربيات، وخَصَّ الآية بالذِّميات، واحتُجَّ له
بقوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
[المجادلة: ٢٢]. والنكاحُ مقتضٍ للمودَّة لقوله تعالى: ﴿فَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا
لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ﴾ [الروم: ٢١] قال الجصَّاص(٤): وهذا
عندنا إنما يدل على الكراهة، وأصحابنا يكرهون مناكحة أهل الحرب.
(١) كذا في الأصل و(م)، والذي في حاشية الشهاب: لهم.
(٢) في الإملاء ٣٨٧/٢.
(٣) في الأصل و(م): الحرائر والعفائف، والمثبت من تفسير البيضاوي على هامش حاشية
الشهاب ٢١٩/٣، وتفسير أبي السعود ٩/٣، وعنه نقل المصنف.
(٤) في أحكام القرآن ٣٢٦/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٢١٩/٣.

الآية : ٥
٤٧
سُورَّةُ القَائِدَة
وذهبت الإمامية إلى أنه لا يجوز عقد نكاح الدوام على الكتابيات لقوله تعالى :
﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ﴾ [البقرة: ٢٢١] ولقوله سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَم
اَلْكَوَافِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وأوَّلوا هذه الآية بأنَّ المراد من ((المحصنات من الذين أوتوا
الكتاب)): اللاتي أسلمن منهنَّ، والمراد من ((المحصنات من المؤمنات)): اللاتي
كنَّ في الأصل مؤمنات، وذلك أن قوماً كانوا يتحرَّجون من العقد على مَنْ أسلمتْ
عن كفر، فبيَّن الله تعالى أنه لا حرج في ذلك.
وإلى تفسير المحصنات بمَن أَسلَمْنَ ذهب ابنُ عمر عظًّا أيضاً. ولا يخفى أنه
خلافُ الظاهر ويأباه النَّظْمُ، ولذلك زعم بعضهم أنَّ المراد هو الظاهر، إلا أنَّ
الحِلَّ مخصوصٌ بنكاح المتعة وملك اليمين، ووَطْؤُهنَّ حلالٌ بكلا الوجهين عند
الشيعة، وأنت تعلم أنَّ هذا أدهى وأمر، ولذلك هرب بعضهم إلى دعوى أنَّ الآية
منسوخةٌ بالآيتين المتقدمتين آنفاً؛ احتجاجاً بمارواه الجارود عن أبي جعفر مظ لته في
ذلك، ولا يصحُّ ذلك من طريق أهل السنّة.
قال: نُهي رسولُ الله ◌َ ◌ّهِ عن أصنافٍ
نعم أخرج ابن جرير عن ابن عباس .
النساءِ إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، وحرَّم كلَّ ذاتِ دينٍ غيرِ الإسلام(١).
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن جابر بن عبد الله: أنه سئل عن نكاح
المسلم اليهوديةَ والنصرانيةَ؟ فقال: تزوجناهنَّ زمن الفتح ونحن لا نكاد نجد
المسلمات كثيراً، فلما رجعنا طلَّقناهن(٢).
وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه سُئل: أيتزوَّج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟
فقال: ماله ولأهل الكتاب وقد أکثر الله تعالى المسلمات؟! فإن كان لابد فاعلاً
فليعمَدْ إليها حَصَاناً غيرَ مسافحة. قال الرجل: وما المسافِحَةُ؟ قال: هي التي إذا
لمح الرجل إليها بعينه اتَّبعته(٣) .
(١) تفسير الطبري ٧١٤/٣، وأخرجه بنحوه أحمد (٢٩٢٢)، والترمذي (٣٢١٥). وإسناده
ضعيف، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند.
(٢) مصنف عبد الرزاق (١٢٦٧٧)، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٢٦١/٢ وعنه نقل
المصنف. وزادوا في آخره: قال: ونساؤهم لنا حلٌّ، ونساءُنا عليهم حرام.
(٣) تفسير الطبري ١٤٩/٨ .

سُورَةُ القَائِدَة
٤٨
الآية : ٥
﴿إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورَهنَّ وهي عوضُ الاستمتاع بهنَّ، كما قاله
ابن عباس ﴿يا وغيرُه. وتقييدُ الحلِّ بإيتائها لتأكيد وجوبها لا للاحتراز، ويجوز أن
يراد بالإيتاء التعهُّد والالتزام مجازاً، ولعله أقربُ من الأول وإنْ كان المآل واحداً.
و ((إذا)» ظرف لـ ((حلٌّ) المحذوف، ويحتمل أن تكون شرطيةً حُذف جوابها،
أي: إذا آتيتموهن أجورهن حَلَلْنَ لكم.
﴿مُحْصِنِينَ﴾ أي: أعقَّاء بالنكاح، وهو منصوبٌ على الحال من فاعلٍ
(آتيتموهن))، وكذا قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَفِحِينَ﴾، وقيل: هو حال من ضميرٍ
(محصنين)). وقيل: صفة لـ ((مُحصنين))، أي: غيرَ مجاهرينَ بالزِّنا. ﴿وَلَا مُتَّخِذِىّ
أَخْدَانٍ﴾ أي: ولا مسرِّين به، والخدنُ: الصديق، يقع على الذكر والأنثى.
وقيل: الأول نهيٌ عن الزنى، والثاني نهيٌّ عن مخالطتهنَّ.
و (متخذي)) يحتمل أن يكون مجروراً عطفاً على ((مسافحين)) وزِيدَتْ ((لا))
لتأكيد النفي المستفاد من ((غير))، ويحتمل أن يكون منصوباً عطفاً على ((غير
مسافحين)) باعتبار أو جُهِهِ الثلاثةِ.
﴿وَمَنْ يَكْفُرَّ بِالْإِيَنِ﴾ أي: مَن يُنْكِرِ المؤمَنَ به، وهو شرائعُ الإسلام التي من
جُملتها ما بيِّن هنا من الأحكام المتعلّقة بالحلِّ والحرمةِ، ويمتنع عن قبولها .
﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ أي: الذي عَمِله واعتقد أنه قربةٌ له إلى الله تعالى ﴿وَهُوَ فِي
اُلْآَخِرَةِ مِنَ اَلْخَسِينَ (
﴾ أي: الهالكين.
والآيةُ تذييلٌ لقوله تعالى: (الْيَّوْمَ أُعِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَكُ) إلخ، تعظيماً لشأن
ما أحلَّه الله تعالى وما حرَّمه، وتغليظاً على مَن خالف ذلك. فحَمْلُ الإيمان على
المعنى المصدريِّ، وتقديرُ مضافٍ - كما قيل - أي: بموجِبٍ الإيمان وهو الله
تعالى، ليس بشيءٍ، وإنْ أَشْعَر به كلام مجاهد(١).
وضمير الرفع(٢) مبتدأ، و((من الخاسرين)) خبرُه، و((في)) متعلقةٌ بما تعلَّق به
(١) أخرجه الطبري ٨/ ١٥٠-١٥١ عنه في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِلْإِيَنِ﴾ قال: مَن يكفر بالله.
(٢) في (م): الرافع.

التفسير الإشاري (١ - ٥)
٤٩
سُورَةُ العَائِدَة
الخبر من الكون المطلق، وقيل: بمحذوفٍ دل عليه المذكور، أي: خاسر(١) في
الآخرة، وقيل: بـ ((الخاسرين)) على أنَّ ((أل)) معرِّفةٌ لا موصولةٌ؛ لأن ما بعدها
لا يعمل فيما قبلها، وقيل: يغتفر في الظرف ما لا يغتفر في غيره كما في قوله:
كان جزائي بالعصا أنْ أُجْلَدا(٢)
ربيته حتى إذا ما تمعددا
هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بالإيمان العِلْميِّ
﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ أي: بعزائم التكليف.
وقال أبو الحسن الفارسيُّ: أمر الله تعالى عباده بحفظ النيات في المعاملات،
والرياضاتِ في المحاسبات، والحراسةِ في الخَطَرات، والرعايةِ في المشاهَدات.
وقال بعضهم: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ عقد القلب بالمعرفة، وعقد اللسان بالثناء،
وعقد الجوارح بالخضوع.
وقيل: أول عقدٍ عُقِدَ على المرء عقدُ الإجابةِ له سبحانه بالربوبية وعدم المخالفة
بالرجوع إلى ما سواه، والعقد الثاني عقدُ تحمُّل الأمانة وترك الخيانة.
﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾ أي: أُحِلَّ لكم جميعُ أنواع التمتُّعات والحظوظِ
بالنفوس السليمة التي لا يغلب عليها السَّبُعيةُ والشَّرَه ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ من
التمتُّعات المنافية للفضيلة والعدالة.
﴿غَيّرَ تُحِّى الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي: لا متمتِّعين بالحظوظ في حال تجرُّدكم
للسلوك، وقَصْدِكم كعبةَ الوصال، وتوجُّهِكُم إلى حَرَم صفات الجمال والجلال ﴿إنّ
اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدٌ﴾ فَلْيَرْضَ السالكُ بحُكْمِه؛ ليستريح ويُهْدَى إلى سبيل رشده.
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُواْ شَعَِّرَ اللَّهِ﴾ من المقامات والأحوال التي يُعلم بها
السالكُ إلى حَرَمِ ربِّه سبحانه، من الصبر والتوكُّل والشكرِ ونحوها، أي: لا تخرجوا
عن حكمها .
(١) في الأصل و(م): خاسرين، وفي تفسير أبي السعود ٩/٣ (والكلام منه): خاسرة، والمثبت
من مشكل إعراب القرآن لمكي ١/ ٢٢٠، والدر المصون ٢٠٦/٤.
(٢) الرجز للعجاج كما في المحتسب ٣١٠/٢، والخزانة ٤٣٠/٨.

سُورَةُ القَائِدَة
٥٠
التفسير الإشاري (١ - ٥)
﴿وَلَا الشَّهْرَ اَلْحَرَامَ﴾ وهو وقت الحج الحقيقيّ، وهو وقتُ السلوك إلى ملك
الملوك، وإحلالُه بالخروج عن حكمه والاشتغالِ بما ينافيه.
﴿وَلَا الْهَدْىَ﴾ وهو النفسُ المستعدَّة المُعَدَّة للقربان عند الوصول إلى الحضرة.
وإحلالُها باستعمالها بما يصرفها، أو تكليفِها بما يكونُ سببَ مَلَلِها.
﴿وَلَا الْقَلَيِدَ﴾ وهي ما قلِّدتْه النفس من الأعمال الشرعية التي لا يتم الوصول
إلا بها، وإحلالُها بالتطفيف بها وعدم إيقاعها على الوجه الكامل.
﴿وَلَّ ءَآمِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ وهم السالكون، وإحلالُهم بتنفيرهم وشَغْلِهم
بما یصدُّهم أو یکسلهم.
﴿يَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّتِهِمْ﴾ بتجلّيات الأفعال ﴿وَرِضْوَنًا﴾ بتجلِّيات الصفات.
﴿وَإِذَا ◌َلْتُ فَأَصْطَادُواْ﴾ أي: إذا رجعتم إلى البقاء بعد الفناء فلا جناح عليكم في
ج
التمتع.
﴿وَلَا يَجْرِمَتَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُواْ﴾ أي:
لا يُكْسِبَنَّكم بغضُ القوى النفسانية بسبب صدِّها إياكم عن السلوك أن تعتدوا عليها
وتقهروها بالكلِّية، فتتعطّل أو تضعف عن منافعها، أو: لا يكسبنكم بغضُ قومٍ من
أهاليكم أو أصدقائكم بسبب صدِّهم إياكم أن تعتدوا عليهم بمقتهم وإضرارهم
وإرادة الشر لهم.
﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىِّ﴾ بتدبير تلك القُوى وسياستِها، أو بمراعاة الأهل
والأصدقاء. والإحسان إليهم ﴿وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ فإنَّ ذلك يقطعُكم عن
الوصول .
وعن سهل: أنَّ ((البرَّ) الإيمان، و((التقوى)) السُّنة، و((الإثم)) الكفر، و((العدوان))
البدعة.
وعن الصادق به: ((البرُ)) الإيمان، و((التقوى)) الإخلاص، و((الإثم)) الكفر،
و ((العدوان)) المعاصي.
وقيل: ((البرُّ) ما تَوَافق عليه العلماء من غير خلاف، و((التقوى)) مخالفة الهوى،
و((الإثم)) طلب الرُّخص، و((العدوان)) التخطّ إلى الشبهات.

التفسير الإشاري (١ - ٥)
٥١
سُورَةُ القَائِدَة
﴿وَنَّقُواْ اللَّهَ﴾ في هذه الأمور ﴿أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فيعاقبكم بما هو أعلم.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَهُ﴾ وهي خمودُ الشهوة بالكلِّية؛ فإنه رذيلةُ التفريط المنافيةُ
للعقَّة ﴿وَاَلَّمُ﴾ وهو التمتُّع بهوى النفس ﴿وَمُ الْخِزِيرِ﴾ أي: وسائرُ وجوه التمتُّعات
بالحرص والشَّرهِ وقلَّة الغيرة.
﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الَّهِ بِهِ﴾ من الأعمال التي فُعلت رياءً وسمعة.
﴿وَالْمُنْخَيِّقَةُ﴾ وهي الأفعالُ الحسنةُ صورةً مع كمون الهوى فيها ﴿ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ وهي
الأفعالُ التي أجبر عليها الهوى ﴿وَالْمُتَرَدِّيَّةُ﴾ وهي الأفعال المائلة إلى التفريط والنقصان
﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ وهي الأفعال التي تَصْدُر خوفَ الفضيحةِ وزَجْرِ المحتسب مثلاً ﴿وَمَآ أَكَلَ
السَّبُعُ﴾ وهي الأفعال التي هي من مُلائِمات القوة الغَضَبية من الأنفة والحميَّة النفسانية.
﴿إِلَّا مَا ذَّكَّيْتُمْ﴾ من الأفعال الحسنة التي تصدر بإرادةٍ قلبية لم يمازجها ما يَشِينُها.
﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ وهو ما يفعله أبناء العادات لا لغرضٍ عقليٍّ أو شرعيٍّ.
﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِ﴾ بأنْ تطلبوا السعادة والكمال بالحظوظ والطوالع، وتتركوا
العمل وتقولوا: لو كان مقدَّراً لنا لَعَمِلْنا؛ فإنه ربما كان القدر معلَّقاً بالسعي.
﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ خروجٌ عن الدِّين الحقِّ؛ لأن فيه الأمرَ والنهي، والاتِّكالُ على
المقدَّر يجعلهما عبثاً .
﴿أَلْيَوْمَ﴾ وهو وقت حصول الكمال ﴿يَيِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ بأن يصدُّوكم
عن طريق الحقِّ ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ فإنهم لا يستولون عليكم بعدُ ﴿وَأَخْشَوْنَ﴾ لتنالوا
ما لا عينٌ رأَتْ، ولا أذنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَر على قلب بشر.
﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ببيان ما بيَّنْتُ ﴿وَأَّمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِىِ﴾ بذلك، أو
بالهداية إليَّ ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ﴾ أي: الانقيادَ للانمحاء ﴿دِينًا}
﴿فَمَنِ اُضْظُرَّ﴾ إلى تناول لذةٍ ﴿فِي مَخْبَصَةٍ﴾ وهي الهَيَجانُ الشديد للنفس ﴿غَيْرَ
مُتَجَانِفٍ لِِّثْمٌ﴾ غير منحرفٍ الرذيلة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فيستر ذلك ويرحمُ بمدد
التوفيق.
﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَْ قُلْ أُعِلَ لَكُمُ الَِّبَتُ﴾ من الحقائق التي تحصلُ لكم
بعقولكم وقلوبكم وأرواحكم ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ﴾ وهي الحواسُّ الظاهرةُ

سُوَرَّةُ القَائِدَة
٥٢
الآية : ٦
والباطنة، وسائرُ القوى والآلات البدنية ﴿مُكَلِّينَ﴾ معلِّمين لها على اكتساب
الفضائل ﴿تُعَلِمُونَهُنَّ مِمَا عَلََّكُمُ اللَّهُ﴾ من علوم الأخلاق والشرائع.
﴿فَكُوْ مِّ أَمْسَكْنَ عَّكُمْ﴾ مما يؤدِّي إلى الكمال ﴿وَأَذَّكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيَّةٌ﴾ بأنْ
تقصدوا أنه أحدُ أسبابِ الوصول إليه عزَّ شأنُه، لا أنه لذةٌ نفسانية.
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ ◌َّكُ﴾ وهو مقامُ الفرق والجمع ﴿وَطَعَامُّكُمْ حِلٌّ لَّ﴾
فلا عليكم أن تطعموهم منه، بأن تضمُّوا لأهل الفرق جمعاً، ولأهل الجمع فرقاً .
﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ﴾ وهي النفوس المهذَّبة الكاملة ﴿وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اُلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: حقوقهنَّ من الكمال اللائق بهن،
وألحقتموهنَّ بالمحصنات من المؤمنات ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ﴾
بل قاصدين تكميلهنَّ واستيلاد(١) الآثار النافعة منهنَّ، لا مجرَّد الصحبة وإفاضةٍ ماء
المعارف من غير ثمرة.
﴿وَمَن يَكْفُرَّ بِآلْإِيَنِ﴾ بأن ينكر الشرائع والحقائق، ويمتنع من قبولها ﴿فَقَدْ
خَبِطَ عَمَلُهُ﴾ بإنكاره الشرائع ﴿وَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِينَ﴾ بإنكاره الحقائق،
والظاهرُ عدمُ التوزيع، والله تعالى أعلم بمراده، وهو الموفق للصواب.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ﴾ شروعٌ في بيان الشرائع المتعلّقة بدينهم، بعد بيان
ما يتعلَّقُ بدنياهم، ووجهُ التقديم والتأخير ظاهرٌ.
﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ﴾ أي: إذا أردتُم القيامَ إليها والاشتغالَ بها، فعبَّر عن
إرادة الفعل بالفعل المسبَّب عنها مجازاً، وفائدتُه الإيجازُ والتنبيهُ على أنَّ مَنْ أراد
العبادةَ ينبغي أن يُبادر إليها بحيثُ لا ينفكُّ الفعلُ عن الإرادة.
وقيل: يجوز أن يكون المرادُ: إذا قصدتُم الصلاة، فعبّر عن أحد لازِمَي الشيء
بلازمه الآخر.
وظاهرُ الآية يوجبُ الوضوءَ على كلِّ قائم إلى الصلاة وإن لم يكن مُحدِثاً؛
(١) في (م): واستيلاء، وهو تصحيف.

الآية : ٦
٥٣
سُورَةُ القَائِدَة
نظراً إلى عموم ((الذين آمنوا)) من غير اختصاصٍ بالمُحْدِثين، وإن لم يكن في الكلام
دلالةٌ على تكرار الفعل، وإنما ذلك من خارج علىِ الصحيح، لكنَّ الإجماعَ على
خلاف ذلك، وقد أخرج مسلمٌ وغيرُه أنه وَّ صلَّى الخمسَ بوضوءٍ واحدٍ يومَ
الفتح، فقال عمر رُبه: صنعتَ شيئاً لم تكن تصنعُه؟ فقال عليه الصلاة والسلام:
((عَمْداً فعلتُهُ يا عمر))(١) يعني بياناً للجواز.
فاستحسن الجمهور كونَ الآية مقيّدةً، والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة مُحدِثین،
بقرينةٍ دلالةِ الحال، ولأنه اشتُرط الحدثُ في البدل، وهو التيمم، فلو لم يكن له
مَدْخِلٌ في الوضوء مع المدخلية في التيمم، لم يكن البدل بدلاً، وقولُه تعالى: (فَلَمّ
تَجِدُواْ مَآءُ) صريحٌ في البدلية.
وبعضُ المتأخِّرين أنَّ في الكلام شرطاً مقدَّراً، أي: إذا قمتم إلى الصلاة
فاغسلوا - إلخ - إنْ كنتم مُحدثين؛ لأنه يلائمه كلَّ الملاءمة عَظْفُ ((وإنْ كنتُم جنباً
فاظهروا)) علیه.
وقيل: الأمر للنَّدب، ويُعلمُ الوجوبُ للمُحدِثِ من السُّنَّة. واستُبعدَ لإجماعهم
على أنَّ وجوبَ الوضوء مُستَفادٌ من هذه الآية، مع الاحتياج إلى التخصيص بغير
المُحدِثین من غیر دلیل.
وأَبْعدُ منه أنه نَذْبٌ بالنسبة إلى البعض، ووجوبٌ بالنسبة إلى آخرين.
وقيل: هو للوجوب، وكان الوضوء واجباً على كلِّ قائم أولَ الأمر، ثم نُسخ،
فقد أخرج أحمدُ وأبو داود وابنُ جرير وابنُ خزيمة وابنُ حبان والحاكمُ والبيهقيُّ (٢)
عن عبد الله بن حَنْظلة الغسيلِ: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ أُمِرَ بالوضوء لكلِّ صلاةٍ، طاهراً
كان أو غيرَ طاهر، فلما شقَّ ذَلك عليه وَّهِ أُمِرَ بالسواك عند كلِّ صلاة، وَوُضِعَ عنه
الوضوء إلا من حَدَث(٣).
(١) صحيح مسلم (٢٧٧) من حديث بريدة ﴿ه، وهو عند أحمد (٢٢٩٦٦).
(٢) بعدها في (م): والحاكم.
(٣) مسند أحمد (٢١٩٦٠)، وسنن أبي داود (٤٨)، وصحيح ابن خزيمة (١٥)، وتفسير الطبري
١٥٨/٨-١٥٩، والمستدرك ١٥٦/١، وسنن البيهقي ٣٧/١.

الآية : ٦
٥٤
سُورَةُ لقَائِدَة
ولا يعارض ذلك خبرُ أنَّ ((المائدةَ)) آخرُ القرآن نزولاً إلخ (١)؛ لأنه ليس في
القوة مثلَه، حتى قال العراقيُّ: لم أجده مرفوعاً. نعم الاستدلالُ على الوجوب على
كلِّ الأمة أولاً ثم نَسْخُ الوجوبِ عنهم آخِراً بما يدلُّ على الوجوب عليه - عليه
الصلاة والسلام - أولاً ونَسْخُهُ عنه آخراً، لا يخلو عن شيءٍ كما لا يخفى.
وأخرج مالكٌ والشافعيُّ وغيرهما عن زيد بن أسلم أنَّ تفسير الآية: إذا قمتم
من المضاجع - يعني النوم - إلى الصلاة(٢). والأمر عليه ظاهر.
ويُحْكَى عن داود أنه أَوجبَ الوضوء لكلِّ صلاة؛ لأنَّ النبيَّ ◌َّهِ والخلفاءَ من
بعده كانوا يتوضؤون كذلك، وكان عليٍّ كرم الله وجهه يتوضَّأ كذلك، ويقرأ هذه
الآية.
وفيه أنَّ حديث عمر ◌َّه يأبى استمرارَ النبيّ عليه الصلاة والسلام على ما ذكر،
والخبر عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه لم يثبت، وفِعْلُ الخلفاء لا يدلُّ على أكثرَ من
الندب والاستحباب، وقد ورد: ((مَنْ توضَّأ على طُهْرٍ، كتبَ الله تعالى له عَشْرَ
حسنات))(٣).
﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ أي: أَسيلوا عليها الماء، وَحَدُّ الإسالة أن يتقاطرَ الماءُ
ولو قَظْرةً عندهما (٤)، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يُشتَرَطُ التقاطُر،
وأما الدَّلْكُ فليس من حقيقة الغَسْلِ - خلافاً لمالك - فلا یتوقَّف حقيقته عليه؛ قيل:
ومرجعهم فيه قولُ العرب: غَسَلَ المطرُ الأرضَ، وليس في ذلك إلا الإسالةُ.
ومُنع بأنَّ وَقْعَهُ من عُلُوِّ خصوصاً مع الشِّدَّةِ والتَّكرُّر دَلْكٌ أيُّ دَلْكِ، وهم
لا يقولونه إلا إذا نُظُّفت الأرض، وهو إنما يكون بدَلْك، وبأنه غيرُ مناسبٍ للمعنى
(١) سلف في بداية تفسير السورة.
(٢) موطأ مالك ٢١/١، وعزاه للشافعي السيوطي في الدر المنثور ٢٦٢/٢، وفي أحكام القرآن
للشافعي ٤٥/١: سمعت بعض مَن أرضى علمه بالقرآن يزعم أنها نزلت في القائمين من
النوم، وأحسب ما قال كما قال؛ لأن في السنة دليلاً على أن يتوضأ مَن قام من نومه.
(٣) أخرجه أبو داود (٦٢)، والترمذي (٥٩)، وابن ماجه (٥١٢) من حديث ابن عمر ؤها.
وضعف إسناده الترمذي.
(٤) أي: عند الإمام أبي حنيفة النعمان ومحمد بن الحسن الشيباني. ينظر حاشية ابن عابدين ٩٥/١.

الآية : ٦
٥٥
سُورَةُ للَائِدَة
المعقول من شرعية الغَسْلِ، وهو تحسينُ هيئة الأعضاء الظاهرة للقيام بين يدي
الربِّ سبحانه وتعالى، الذي لا يتمُّ بالنسبة إلى سائر المتوضئين إلا بالدلك.
وحُكي عنه أنَّ الذَّلْكَ ليس واجباً لذاته، وإنما هو واجبٌ لتحقُّق وصول الماء،
فلو تحقَّق لم يجب، كما قاله ابن الحاجِّ في ((شرح المنية))(١). ومن الغريب أنه قال
باشتراط الدلك في الغَسْل، ولم يشترط السَّيَلان فيما لو أَمَرَّ المتوضِّئُ الثلجَ على
العضو، فإنه قال: يكفي ذلك وإن لم يَذُبِ الثلجُ ويسيل، ووافقه عليه الأوزاعيُّ،
مع أنَّ ذلك لا يُسمَّى غَسْلاً أصلاً، ويَبْعُدُ قيامُه مقامَه.
وحدُّ الوجه عندنا طولاً من مبدأ سَطْح الجبهة إلى أسفل اللَّحْيَيْنِ، وعَرْضاً
ما بين شَحْمَتَي الأُذُن؛ لأنَّ المواجهةَ تقعُ بهذه الجملة، وهو مشتقٌّ منها، واشتقاق
الثلاثيّ من المزيد - إذا كان المزيدُ أشهرَ في المعنى الذي يشتركان فیه ۔ شائعٌ،
وقال العلّامة أكمل الدين: إنَّ ما ذكروا من مَنْعِ اشتقاق الثلاثيِّ من المزيد إنما هو
في الاشتقاق الصغير، وأما في الاشتقاق الكبيرَ، وهو أن يكونَ بين كلمتين تناسُبٌ
في اللفظ والمعنى، فهو جائز(٢).
ويُعطي ظاهرُ التحديد وجوبَ إدخال البياض المعترض بين العِذار والأذن بعد
نباته، وهو قولهما خلافاً لأبي يوسف، ويُعطي أيضاً وجوبَ الإسالة على شعر
اللحية، وقد اختلفت الروايات فيه عن الإمام الأعظم ﴿به وغيره، فعنه: يجبُ
مَسْحُ رُبْعِها، وعنه: مَسْحُ ما يُلاقي البشرة، وعنه: لا يتعلَّقُ به شيء، وهو روايةٌ
عن أبي يوسف. وعن أبي يوسف: يجبُ استيعابها .
وعن محمد أنه يجبُ غَسْلُ الكُلِّ؛ قيل: وهو الأصح، وفي ((الفتاوى
الظهيرية))(٣): وعليه الفتوى؛ لأنه قام مقام البشرة فتحوَّل الفَرْضُ إليه كالحاجب.
(١) شرح منية المصلي لمحمد بن محمد بن محمد بن حسن الحنفي الحلبي، ويعرف بابن أمير
الحاج وبابن الموقت، وله أيضاً: ذخيرة القصر فى تفسير سورة العصر، كما أنه شَرَح تحرير
شيخه ابن الهمام، توفي سنة (٨٧٩هـ). الضوء اللامع ٩/ ٢١٠.
(٢) شرح العناية على الهداية لأكمل الدين محمد بن محمود البابرتي ١/ ٩.
(٣) الفتاوى الظهيرية لظهير الدين أبي بكر محمد بن أحمد القاضي الحنفي، المتوفى سنة
(٦١٩هـ). كشف الظنون ١٢٢٦/٢.

سُؤَدَقُ للقَائِدَة
٥٦
الآية : ٦
وقال في ((البدائع))(١) عن ابن شجاع(٢): إنهم رجعوا عما سوى هذا.
وكلُّ هذا في الكَثَّة، أمَّا الخفيفةُ التي تُرى بشرتُها، فيجب إيصالُ الماء إلى
ما تحتها .
ولو أَمَرَّ الماءَ على شَعر الذَّقَنِ ثم حَلَقَهُ لا يجبُ غَسْلُ الذَّقَنْ.
وفي البقَّالي(٣): لو قَصَّ الشاربَ لا يجبُ تخليلُه، وإن طال وجب تخليلُهُ
وإيصالُ الماء إلى الشفتين. وكأنَّ وَجْهَهُ أنَّ قَطْعَهُ مسنونٌ، فلا يُعتبر قيامُهُ في سقوط
ما تحته، بخلاف اللحية، فإنَّ إعفاءها هو المسنون.
وعدَّ شيخُ الإسلام المرغيناني في ((التجنيس))(٤) إيصالَ الماء إلى منابت شعر
الحاجبين والشارب من الآداب من غير تفصيل.
وأما الشَّفة فقيل: تَبَعٌ للفم، وقال أبو جعفر: ما انکتم عند انضمامه تَبَعٌ له،
وما ظهر فللوجه، وروي هذا التحديدُ عن ابن عباسٍ وابن عمر والحسنِ وقتادةَ
والزهريِّ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وغيرِهم.
وقيل: الوجه كلُّ ما دون منابت الشعر من الرأس إلى منقطع الذَّقَن طولاً، ومن
الأُذن إلى الأُذن عَرْضاً ما ظهر من ذلك لِعَينِ الناظر، وما بَطَنَ كداخل الأنف
والفم، وكذا ما أقبل من الأذنين، وروي عن أنس بن مالك وأم سلمة وعمارٍ
ومجاهد وابن جبير وجماعة، فأَوجبوا غَسْل ذلك كلِّه، ولم أَرَ لهم نصًّا في باطن
العين، والظاهر عدم وجوب غَسْله عندهم لمزيد الحَرَج وتوقّعِ الضَّرر، ولهذا صرَّحَ
البعضُ بعدم سُنِيَّةِ الغَسْل أيضاً، بل قال بعضهم: يُكره، نعم يَخطُر في الذهن روايةٌ
(١) بدائع الصنائع للكاساني ١/ ٩٦.
(٢) محمد بن شجاع الثلجي من فقهاء الحنفية، وكان فقيه العراق في وقته والمقدَّم في الفقه
والحديث مع ورع وعبادة، توفي سنة (٢٦٦هـ). الفوائد البهية ص٢٨١، وهدية العارفين
٦ /٠١٧
(٣) في (م): البقال، والبقالي هو محمد بن أبي القاسم الخوارزمي النحوي، كان إماماً فقيهاً
وله مصنفات، منها: الفتاوى وغيرها، وتوفي سنة (٥٧٦هـ). الفوائد البهية ص ٢٦٧ .
(٤) هو كتاب: التجنيس والمزيد وهو لأهل الفتوى غير عتيد، وهو كتاب في الفتاوى للإمام برهان
الدين علي بن أبي بكر المرغيناني الحنفي المتوفى سنة (٥٩٣هـ). كشف الظنون ١/ ٣٥٢.

الآية : ٦
٥٧
سُؤَدَّةُ القَائِدَة
ـيّ أنه كان يوجب غَسْلَ باطن العين في الغُسل ويفعله، وأنه كان
عن ابن عباس
سبباً في کفّ بصره څ﴾(١).
﴿وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ جَمْعُ مِرْفَق بكَسْرٍ فَفَتْحِ أفصحُ من عَكْسِه، وهو مَوْصِلُ
الذراع في العَضُد، ولعلَّ وَجْهَ تسميته بذلك أنه يُرتَفَقُ به، أي: يُتَكأ عليه من اليد.
وجمهور الفقهاء على دخولها، وحكي عن الشافعيِّ رُه أنه قال: لا أعلم خلافاً
في أنَّ المرافقَ يجبُ غَسْلُها، ولذلك قيل: ((إلى)) بمعنى ((مع)) كما في قوله تعالى:
﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢] و﴿مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى الَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢].
وقيل: هي إنما تفيد معنى الغاية، ومن الأصول المقرَّرة أنَّ ما بعد الغاية إن
دَخَل في المسمَّى لولا ذكرُها دَخَلَ، وإلَّ فلا، ولا شكَّ أنَّ المرافقَ داخلٌ في
المسمَّى، فتدخل، وما أُورد على هذا الأصل من أنه لو حَلَفَ لا يُكلِّمُ فلاناً إلى
غدٍ، لا يدخل، مع أنه يدخلُ لو تُركتِ الغايةُ، غيرُ قادحِ فيه؛ لأنَّ الكلامَ هنا في
مقتضَى اللغة، والأيمانُ تُبنى على العُرْف، وجاز أن يخالفّ العُرْفُ اللغة.
وذكر بعض المحققين أنَّ ((إلى)) جاءت وما بعدها داخلٌ في الحُكْم فيما قبلها،
وجاءت وما بعدها غيرُ داخل، فمنهم مَنْ حَكَمَ بالاشتراك، ومنهم مَنْ حَكّمَ بظهور
الدخول، ومنهم مَنْ حَكَمَ بظهور انتفاء الدخول، وعليه النحويُّون.
ودخولُ المرافق ثابتٌ بالسُّنة، فقد صحَّ عنه وَِّ أنه أَدارَ الماءَ عليها(٢).
ونقل أصحابنا حكايةً عدم دخولها عن زُفَرَ، واستدلَّ بتعارُض الأشباه(٣)، وبأنَّ
(١) كذا ذكر، والصواب أنه عن ابن عمر كما في الموطأ ٤٥/١، وليس فيه أن ذلك كان سبباً
في كف بصره، وفي المجموع ٤١٣/١: يحتمل أن يكون عماه بسبب غسل العين، ويحتمل
کونه بسبب آخر.
(٢) أخرجه الدارقطني (٢٧٢)، والبيهقي ٥٦/١، وابن الجوزي في التحقيق (٣١٠) - وضعفه -
من حديث جابر بن عبد الله ما قال: كان رسول الله ﴿ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه.
قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٥٧/١: وقد صرح بضعف هذا الحديث ابن الجوزي
والمنذري وابن الصلاح والنووي، ويغني عنه ما أخرجه مسلم [(٢٤٦)] من حديث
أبي هريرة: أنه توضأ حتى أشرع في العضد، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله وصل﴿ توضأ. اهـ.
(٣) وهو أن من الغايات ما يدخل ومنها ما لا يدخل، فاحتملت هذه كلَّ منهما فلا تدخل
بالشك. فتح القدير ١/ ١٠، وعنه نقل المصنف.

سُورَةُ القَائِدَة
٥٨
الآية : ٦
في الدخول في المسمَّى اشتباهاً أيضاً، فلا تدخل بالشَّكِّ، وحديثُ الإدارة
لا يستلزمُ الافتراضَ؛ لجواز كونه على وجه السُّنة كالزيادة في مَسْحِ الرأس إلى أنْ
يستوعبه .
وأُجيب بأنه لا تَعارُضَ مع غَلَبة الاستعمال في الأصل المقرَّر(١)، وأيضاً على
ما قال يثبتُ الإجمال في دخولها، فيكون اقتصارُهُ وَّرِ على المِرْفَق وَقَعَ بياناً للمراد
من اليد، فيتعيَّنُ دخولُ ما أدخله، و((اغسل يدك للأكل)) من إطلاق اسم الكُلِّ على
البعض اعتماداً على القرينة.
وقال العلامة ابن حجر: دلَّ على دخولها الإتباع والإجماع، بل والآيةُ أيضاً بجَعْل
((إلى)) غايةً للتَّرْك المقدَّر؛ بناءً على أنَّ اليدَ حقيقةٌ إلى المنكب كما هو الأشهر لغة.
وكأنه عنى بالإجماع إجماعَ أهل الصَّدْر الأول، وإلا فلا شكَّ في وجود المخالف
بعدُ، وعدُّوا داود وكذا الإمامُ مالكٌ رَظُه من ذلك، ولي في عَدِّ الأخير تردُّدٌ، فقد نقل
ابن هبيرةَ إجماعَ الأئمة الأربعة على فَرْضية غَسْل اليدين مع المرفقين (٢).
قيل: ويترتَّبُ على هذا الخلاف أنَّ فاقدَ اليد(٣) من المرفق يجبُ عليه إمرارُ
الماء على طَرَفِ العَظْم عند القائل بالدخول، ولا يجبُ عند المخالف؛ لأنَّ محلّ
التكليفِ لم يبقَ أصلاً، كما لو فَقَدَ اليدَ مما فوق المرفق، نعم يُندبُ له غَسْلُ ما بقي
من العَضُدِ محافظةً على التحجيل.
هذا واستيعاب غَسْلِ المأمور به من الأيدي فرضٌ كما هو الظاهرُ من الآية،
فلو لَزِقَ بأَصْلِ ظُفره طينٌ يابسٌ أو نحوه، أو بقي قَدْرُ رأس إبرةٍ من موضع الغسل،
لم يجز.
ولا يجبُ نَزْعُ الخاتم وتحريكُه إذا كان واسعاً، والمختارُ في الضَّيِّقِ الوجوبُ،
وفي ((الجامع الأصغر))(٤): إنْ كان وافرَ الأظفار وفيها دَرَنٌ أو طينٌ أو عجين، جاز
(١) وهو ما سلف آنفاً من أن ما بعد الغاية إن دخل في المسمى لولا ذكرها دخل، وإلا فلا.
(٢) الإفصاح عن معاني الصحاح ص٩.
(٣) في الأصل: اليدين.
(٤) الجامع الأصغر في الفروع لمحمد بن الوليد أبي علي السمرقندي الحنفي، توفي بعد سنة
(٤٥٠ هـ). هدية العارفين ٦/ ٧١. والكلام من فتح القدير ١٠/١.

الآية : ٦
٥٩
سُورَةُ القَائِدَة
في القرويِّ والمدنيِّ على الصحيح المفتَى به، كما قال الدَّبُوسِيُّ(١).
وقيل: يجبُ إيصالُ الماء إلى ما تحتها، إلا الدَّرَن لتولُّده منه.
وقال الصفار: يجبُ الإيصال مطلقاً إن طال الظُفر، واستحسنه ابن الهمام(٢)،
لأنَّ الغَسْلَ وإن كان مقصوراً على الظواهر، لكن إذا طال الظّفرُ يصيرُ بمنزلة
عُروضِ الحائل؛ كفَظْرة شمعة. وفي ((النوازل))(٣): يجبُ في المِصْرِيِّ لا القُرويِّ؛
لأنَّ دُسومَة أظفار المصريِّ مانعةٌ من وصول الماء بخلاف القرويّ.
ولو طالتْ أظفاره حتى خرجتْ عن رؤوس الأصابع وَجَبَ غَسْلُها قولاً واحداً.
ولو خُلق له يدان على المَنْكِب، فالتَّامةُ هي الأصليةُ يجبُ غَسْلُها، والأخرى
زائدةٌ، فما حاذى منها محلَّ الفَرْض وَجَبَ غَسْلُه، ومالا فلا.
ومن الغريب أنَّ بعضاً من الناس أَوجبَ البدايةَ في غَسْل الأيدي من المرافق،
فلو غَسَل من رؤوس الأصابع لم يصحَّ وضوءه، وقد حكى ذلك الطبرسيُّ في ((مجمع
البيان)) (٤). والظاهرُ أنَّ هذا البعضَ من الشيعة، ولا أجد لهم في ذلك متمسَّكاً.
﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ قيل: الباءُ زائدةٌ لِتَعدِّي الفعل بنفسه، وقيل: للتبعيض،
وقد نقل ابن مالك عن أبي عليٍّ في ((التذكرة)) أنها تجيءُ لذلك، وأنشد:
متى لُججٍ خُضْرٍ لهنَّ نَئِيجُ(٥)
شَرِبْنَ بماء البحر ثم ترقَّعتْ
وقيل: إنَّ العُرْفَ نقلها إلى التبعيض في المتعدِّي.
(١) هو أبو زيد عبد الله بن عمر الدبوسي الحنفي، له كتاب: تأسيس النظر في اختلاف الأئمة،
توفي سنة (٤٣٠هـ). وفيات الأعيان ٤٨/٣، وكشف الظنون ٣٣٤/١. ونقل المصنف قوله
عن فتح القدير ١/ ١٠ .
(٢) في فتح القدير ١/ ١٠.
(٣) النوازل في الفروع للإمام أبي الليث نصر بن محمد السمرقندي الحنفي المتوفى سنة
(٣٧٦ هـ). كشف الظنون ٢/ ١٩٨١. والكلام من فتح القدير ١٠/١.
(٤) ٦/ ٣٦.
(٥) البيت لأبي ذؤيب، وهو في ديوان الهذليين ١/ ٥٢، والصحاح (متى)، وشرح أدب الكاتب
للبطليوسي ٣٧٢/٣ وفيه: وصف سحاباً ارتفعت من البحر، وهذيل كلها تصف أن السحاب
تستقي من البحر ثم تصعد في الجو، وقوله: متى لجج، أي: من لجج، وقيل: متى بمعنى
وسط، والنتيج: المرُّ السريع معه صوت.

سُورَةُ القَائِدَة
٦٠
الآية : ٦
والمفروضُ في المسح عندنا مقدارُ الناصية، وهو رُبعُ الرأس من أيِّ جانبٍ
كان فوقَ الأذنين؛ لِمَا روى مسلم عن المغيرة: أنَّ النبيَّ وَِّ: توضَّأَ
فمسحَ بناصيته(١). والكتاب مُجمَلٌ في حقِّ الكمية، فالتحق بياناً له. والشافعيُّ ◌َظُه
يمنع ذلك، ويقول: هو مُطلقٌ لا مُجملٌ، فإنه لم يقصد إلى كميةٍ مخصوصةٍ أَجْملَ
فيها، بل إلى الإطلاق، فيسقط عنده بأدنى ما يُطلَق عليه مَسْحُ الرأس.
على أنَّ في حديث المغيرة روايتان: ((على ناصيته))(٢) و((بناصيته)). والأولى
لا تقتضي استيعابَ الناصية؛ لجواز كون ذِكْرها لدفع توهُّم أنه مَسَحَ على الفَوْد، أو
القَذال(٣)، فلا يدلُّ على مطلوبكم، ولو دلَّ مِثْلُ هذا على الاستيعاب لَدَلَّ ((مَسَحَ
على الخفقَّين)) عليه أيضاً، ولا قائل به هناك عندنا وعندكم.
وإذا رَجَعْنا إلى الثانية كان محلُّ النزاع في الباء كالآية، ويعودُ التبعيض، ومن
هنا قال بعضهم: الأَوْلى أن يُستَدَلَّ برواية أبي داودٍ عن أنسٍ رَضُه: رأيت
رسول الله وَ﴾ يتوضَّأُ وعليه عمامةٌ قِظْريَّةٌ، فَأَدخل يَدَهُ من تحت العمامة، فمسح
مُقدَّم رأسه(٤). وسكتَ عليه أبو داود فهو حُجَّة(٥)، وظاهرُه استيعابُ تمام المقدَّم،
وتمامُ مُقدَّم الرأس هو الرُّبعُ المسمَّى بالناصية، ومثله ما رواه البيهقيُّ عن عطاء
أنه ◌َ لِّ توضَّأْ فَحَسَرَ العمامةَ وَمَسَحَ مُقدَّم رأسه، أو قال: ناصيته(٦). فإنه حُجَّةٌ وإن
كان مرسلاً عندنا، وكيف وقد اعتضد بالمتَّصل؟!
بقي شيءٌ وهو أنَّ ثبوتَ الفعل كذلك لا يستلزمُ نفي جواز الأقل، فلا بدَّ من
(١) صحيح مسلم (٢٧٤): (٨٣)، وهو عند أحمد (١٨٢٣٤).
(٢) أخرج هذه الرواية أبو داود (١٥٠).
(٣) الفَوْد: معظم شعر الرأس مما يلي الأذن. والقَذال: جماع مؤخّر الرأس. القاموس المحيط
(فود) (قذل).
(٤) سنن أبي داود (١٤٧). والقطرية هي ضرب من البرود فيه حمرة، ولها أعلام فيها بعض
الخشونة. النهاية (قطر).
(٥) كذا نقل المصنف عن ابن الهمام في فتح القدير ١١/١، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير
٥٨/١: في إسناده نظر. اهـ. وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام ١١١/٤: وهو
حديث لا يصح، قال ابن السكن: لم يثبت إسناده، وهو كما قال.
(٦) السنن الكبرى ١/ ٦١.
٠٠