النص المفهرس
صفحات 21-40
الآية : ٢ ٢١ سُورَةُ العَائِدَة بسَرْح المدينة، فاستاقه وانطلقَ به وهو يرتجزُ ويقول: قد لفَّها اللَّيلُ بسؤَّاقٍ خُطَّمْ(١) ليس براعي إيلٍ ولا غَنَمْ ولا بخوَّارٍ على ظهر قطمْ (٢) باتُوا نياماً وابنُ هند لم ينَمْ بات يُقاسيها غلامٌ كالزُّلَمْ مُدَمْلَجُ الساقينِ ممسوحُ القدَمْ فطلبهم(٣) المسلمون، فعجزوا، فلمَّا خرج رسولُ اللهِ وَّهِ عامَ قضاءِ العمرة التي أُحصر عنها، سمعَ تلبيةً حجَّاج اليمامةِ، فقال ◌َِّ: ((هذا الخُطَيم(٤) وأصحابُه، فدونَكُموه)». وكان قد قلَّدَ ما نهبَ من السَّرْحِ وجعلَه هدياً، فلمَّا توجَّهوا لذلك نزلت الآيةُ، فكقُّوا. ورُوي عن ابنِ زيد: أنَّها نزلت يومَ فتح مكة في فوارسَ يؤمُّون البيتَ من المشركين يُهلَّون بعمرةٍ، فقال المسلمون: يا رسولَ الله، هؤلاء المشركون مثلُ هؤلاء، دعنا نغيرُ عليهم. فأنزل الله سبحانه الآية(٥). واختلف القائلون بأنَّ المرادَ من الآمِّين المشركون في النَّسْخِ وعدمِهِ، فعن ابن جريج أنَّه لا نسخَ؛ لأنَّه لا (٦) يجوزُ أن يُبتدأ المشركون في الأشهر الحرم بالقتال. وأنتَّ تعلمُ أنَّ الآية لَيست نصّاً في القتال على تقدير تسليم ما في حيِّز التعليل(٧). (١) أي: داهية متصرف، والحطم أيضاً: الراعي الظلوم للماشية. معجم متن اللغة (حطم). (٢) جاء هذا الشطر في المصادر برواية: ولا بجزَّارٍ على ظهر وَضَمْ. والوضم: ما وَقَيْتَ به اللحمَ عن الأرض من خشب أو حصير. القاموس (وضم). والقطم: الفحل الهائج إذا أراد الضراب. ينظر اللسان (قطم). (٣) في (م): فطلبه. (٤) كذا في الأصل و(م)، والذي في المصادر: الحطم، كما سلف آنفاً. (٥) أخرجه الطبري ٣٤/٨. (٦) قوله: لا، ساقط من (م)، والمثبت من الأصل ومجمع البيان ١٧/٦، وعنه نقل المصنف. (٧) في (م): التعليم. الآية : ٢ ٢١ سُوَرَّةُ لِلْقَائِدَة وقال أبو مسلم: إنَّ الآيةَ منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿فَلَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٧]. وقيل: بآية السيف. وقيل: بهما. وقيل: لم ينسخ من هذه الآيةِ إلَّا القلائدُ، ورُوي ذلك عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. وادَّعى بعضُهم أنّ المراد بالآمِّين ما يعمُّ المسلمين والمشركين، وخصوصُ السببٍ لا يمنعُ عمومَ اللفظ، والنسخُ حينئذٍ في حقِّ المشركين خاصَّة. وبعضُ الأئمةِ يسمِّي مثل ذلك تخصيصاً كما حُقِّق في الأصول، ولا بدَّ على هذا من تفسير الفضلِ والرضوانِ بما يناسب الفريقين. وقرأ حُميد بنُ قيس الأعرج(١): ((تبتغون)) بالتاء على خطاب المؤمنين، والجملةُ على ذلك حالٌ من ضميرٍ المخاطبين في ((لا تُحِلُّوا)) على أنَّ المرادَ بيانُ منافاةٍ حالهم هذه للمنهيِّ عنه لا تقييدُ النهي بها. واعترض بأنَّه لو أُريدَ خطابُ المؤمنين، لكان المناسبُ: من ربِّكم وربِّهم. وأجيب بأنَّ تركَ التعبير بما ذُكر للتَّخويف بأنَّ ربَّهم يحميهم، ولا يرضى بما فعلوه، وفيه بلاغةٌ لا تخفى، وإشارةٌ إلى ما مرَّ من أنَّ الله تعالى ربُّ العالمين لا المسلمين فقط . وقال شيخُ الإسلام: إنَّ إضافةَ الربِّ إلى ضميرِ الآمِّين(٢) على قراءةِ الخطاب؛ للإيماء إلى اقتصارِ التشريف عليهم، وحرمانِ المخاطبين عنه وعن نيلِ المبتغى، وفي ذلك من تعليل النهي وتأكيدهِ والمبالغةِ في استنكارِ المنهيّ عنه ما لا يخفى(٣). ﴿وَإِذَا حَلْتُمْ﴾ من الإحرام المشارِ إليه بقوله سبحانه: (وَأَنْتُمْ حٌُ). ﴿فَصْطَادُواْ﴾ أي: فلا جناحَ عليكم بالاصطياد لزوال المانع، فالأمرُ للإباحة بعد الحظرِ، ومثلُه: لا تدخلنَّ هذه الدارَ حتَّى تؤدِّيَ ثمنَها، فإذا أدَّيت فادخلها، أي: إذا أدَّيت أبيحَ لك دخولُها. وإلى كونِ الأمرِ للإباحة بعد الحظر ذهبَ کثیر. (١) كذا في الأصل و(م)، والصواب: والأعرج، كما في القراءات الشاذة ص٣١، والكشاف ٥٩٢/١، والبحر ٤٢٠/٣. (٢) في (م): آمين. (٣) تفسير أبي السعود ٤/٣ . الآية : ٢ ٢٣ سُوَرَّةُ القَائِدَة وقال صاحبُ ((القواطع)) (١): إنَّه ظاهرُ كلام الشافعيّ في أحكام القرآنِ. ونقله ابنُ برهان(٢) عن أكثر الفقهاء والمتكلِّمين، لأنَّ سبقَ الحظرِ قرينةٌ صارفةٌ، وهو أحدُ ثلاثةِ مذاهبَ في المسألة. ثانيها: أنَّه للوجوب؛ لأنَّ الصيغةَ تقتضيه، وورودُه بعد الحظر لا تأثيرَ له، وهو اختيارُ القاضي ابن الطيب(٣)، والشيخ أبي إسحاق، والسمعانيِّ، والإمام في (المحصول)) (٤)، ونقلَه الشيخ أبو حامد الإسفراييني في كتابه عن أكثر الشافعيَّة، ثم قال: وهو قولُ كافَّةِ الفقهاء وأكثر المتكلمين. وثالثُها: الوقفُ بينهما، وهو قولُ إمام الحرمين(٥)، مع كونِه أبطلَ الوقف في لفظِه ابتداءً من غير تقدُّم حظرٍ. ولا يبعدُ - على ما قاله الزركشيُّ - أن يقال هنا برجوعِ الحال إلى ما كان قبلُ، كما قيل في مسألة النهي الوارد بعد الوجوب. ومَن قال: إنَّ حقيقة الأمر المذكورِ للإيجاب قال: إنَّه مبالغةٌ في صحَّة المباحِ حتى كأنَّه واجبٌ. وقيل: إنَّ الأمرَ في مثله لوجوبٍ اعتقاد الحلِّ، فيكونُ التجوُّز في المادة، كأنَّه قيل: اعتقدوا حلَّ الصيد. وليس بشيءٍ. وقرئ: ((أحللتم))(٦) وهو لغةٌ في حلَّ. وعن الحسن أنَّه قرأ: ((فِاصطادوا)) بكسرِ الفاءِ(٧)، بنقلِ حركة همزة الوصل عليها، وضُعِّفت من جهة العربيَّةِ بأنَّ النقلَ إلى المتحرِّكِ مخالفٌ للقياس، وقيل: إنَّه لم يقرأ بكسرةٍ محضةٍ، بل أمالَ؛ الإمالة الطاء، وإن كانت من المستعلية. (١) قواطع الأدلة لأبي المظفر منصور بن محمد السمعاني ١/ ٦١. (٢) أحمد بن علي بن برهان، أبو الفتح البغدادي الشافعي، من مصنفاته: الأوسط، والوجيز، توفي سنة (٥١٨هـ). السير ٤٥٦/١٩. (٣) في الأصل و(م): أبي الطيب، وهو خطأ، وابن الطيب هو الباقلاني، وينظر التقريب والإرشاد له ٢/ ٩٣ -٩٤. (٤) ٩٦/٢. (٥) في البرهان ١٨٨/١. (٦) الكشاف ٥٩٢/١، والبحر ٤٢١/٣، والدر المصون ١٨٧/٤، وحاشية الشهاب ٢١٤/٣. (٧) القراءات الشاذة ص ٣٠، والمحتسب ٢٠٥/١. سُورَةُ القَائِدَة ٢٤ الآية : ٢ ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أي: لا يحملنَّكم، كما فسَّره به قتادة، ونُقل عن ثعلب والكسائيٌّ وغيرِهما، وأنشدوا له بقوله: ولقد طعنتَ أبا عُيَيْنةَ طعنةً جرَمَتْ فزارةَ بعدَها أن تغضبا(١) فجرَمَ على هذا يتعدَّى لواحدٍ بنفسه، وإلى الآخرِ بعلى. وقال الفرَّاء وأبو عبيدةً: المعنى: لا يَكْسِبنَّكم(٢)، وجرَمَ جارٍ مجرى كَسَب في المعنى والتعدِّي إلى مفعولٍ واحد وإلى اثنين، يقال: جَرَمَ ذنباً، نحو كسبَه، وجرَمْتُه ذنباً، نحو كَسَبْتُهُ إِيَّاه. خلا أنَّ جرمَ يستعمل غالباً في كَسْبٍ مالا خير فيه، وهو السببُ في إيثاره هاهنا على الثاني، ومنه الجريمةُ، وأصلُ مادته موضوعةٌ لمعنى القطع؛ لأنَّ الكاسبَ ينقطعُ لكسبه، وقد يقال: أجرمتُه ذنباً، على نقل المتعدِّي إلى مفعولٍ بالهمزة إلى مفعولين، كما يقال: أكسبتُه ذنباً، وعليه قراءةُ عبد الله: (لا يُجرمنَّكم)) بضمِّ الياء(٣). ◌ِشَكَانُ قَوْمٍ﴾ بفتح النون، وقرأ ابنُ عامر، وأبو بكرٍ عن عاصم، وإسماعيلُ عن نافعٍ بسكونِها(٤). وفيهما احتمالان : الأول: أن يكونا مصدرين بمعنى البغض أو شدَّته شذوذاً؛ لأنَّ فَعَلان بالفتح مصدرُ ما يدلُّ على الحركة كَجَوَلان، ولا يكون لفعلِ متعدٍّ كما قال سيبويه، وهذا (١) البيت لأبي أسماء بن الضريبة أو لعطية بن عفيف، وكلاهما جاهليان كما في الخزانة ٢٩٢/١٠. وهو في الكتاب ١٣٨/٣، والمقتضب ٣٥٢/٢، والاقتضاب ٦٥/٣، واللسان (جرم)، والخزانة ٢٨٣/١٠. ويخاطب الشاعر - كما قال البطليوسي - كرزاً العقيلي، وكان طَعَن أبا عيينة حصن بن بدر الفزاري يوم الحاجر. وجاء في جميع المصادر: أن يغضبوا، بدل: أن تغضبا . (٢) معاني القرآن للفراء ٢٩٩/١، وذكره عن أبي عبيدة القرطبي ٧/ ٢٦٥، وأبو حيان في البحر ٤١٠/٣. (٣) القراءات الشاذة ص٣١، والمحتسب ٢٠٦/١، والكشاف ١/ ٥٩٢. (٤) التيسير ص٩٨، والنشر ص٢٥٣ عن ابن عامر وأبي بكر وأبي جعفر. والمشهور عن نافع فتح النون. الآية : ٢ ٢٥ سُورَةُ القَائِدَة متعدٍّ إذ يقال: شَيِئْتُه، ولا دلالة له (١) على الحركةِ إلَّا على بُعْدٍ، وفعْلان بالسكون في المصادر قليلٌ نحو: لَوَيْتُه ليَّاناً، بمعنى: مَطَلْتُه. والثاني: أن یکونا صفتین لأنَّ فعلان في الصفات کثیر کسگران، وبالفتح ورد فيها قليلاً، كحمارٍ قَطَوان: عَسِر السَّيرِ، وتيسٍ عَدَوان: كثير العَدْو. فإن كان مصدراً، فالظاهرُ أنَّ إضافته إلى المفعول، أي: أن تبغضوا قوماً، وجوِّز أن تكون إلى فاعل، أي: أن يبغضكم قومٌ، والأوَّل أظهر كما في (البحر))(٢). وإن كان وصفاً فهو بمعنى بَغيضٍ، وإضافته بيانيَّةٌ، وليس مضافاً إلى مفعوله أو فاعله كالمصدر، أي: البغيض من بينهم. ﴿أَنْ صَذُّوكُمْ﴾ بفتح الهمزة بتقدير اللَّام على أنه علَّة للشَّنآن، أي: لِأنْ صدُّوكم عامَ الحديبية . وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة(٣)، على أنَّ ((إنْ)) شرطية، وما قبلَها دليلُ الجواب، أو الجوابُ على القول المرجوح بجواز تقدُّمه. وأُورد على ذلك أنه لا صدَّ بعد فتح مكة. وأجيب بأنَّه للتوبيخ [والدلالة](٤) على أنَّ الصدّ السابق على فتح مكة مما لا يصحُّ أن يكون وقوعُه إلَّا على سبيل الفَرَض، وذلك كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥](٥). وجوِّز أن يكونَ بتقدير: إنْ كانوا قد صدُّوكم، وأن يكون على ظاهره إشارةً إلى أنَّه: لا ينبغي أنْ يجرمنَّكم شنآنُ قوم إن صدُّوكم بعد ظهورِ الإسلام وقوَّته، ويُعلَمُ منه النهيُ عن ذلك باعتبار الصدِّ السابق بالطريق الأَوْلى. ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: عن زيارته والطوافِ به للعمرة، وهذه - كما قال (١) في ط: ولا دلة له. (٢) ٤٢٢/٣ . (٣) التيسير ص٩٨، والنشر ص٢٥٤ . (٤) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٢١٥/٣. (٥) هي قراءة نافع وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف، وقرأ الباقون (أن كنتم)) بفتح الهمزة. سُورَّةُ القَائِدَة ٢٦ الآية : ٢ شيخ الإسلام(١) - آيةٌ بَيِّنةٌ في عموم ((آمِّين)) للمشركين قطعاً، وجَعَلَها البعضُ دليلاً على تخصيصه بهم. ﴿أَن تَعْتَدُواْ﴾ أي: عليهم، وحُذف تعويلاً على الظهور، وإيماءً إلى أنَّ المقصدَ الأصليَّ منعُ صدور الاعتداء من المخاطبين محافظةً على تعظيم الشعائر، لا منعُ وقوعِه على القوم مراعاةً لجانبهم. و((أن)) على حذف الجارِّ، أي: على أن تعتدوا، والمحلُّ بعدَه إمَّا جرٍّ أو نصبٌ، على المذهبين، أي: لا يحملنَّكم بغضُ قوم لصدِّهم إياكم عن المسجد الحرام على اعتدائِكم عليهم وانتقامِكم منهم؛ للتشفّ. أو لا حَذْفَ، والمُنْسَبِكُ ثاني مفعولَيْ ((يجرمنكم))، أي: لا يَكْسِبنَّكم ذلك اعتداءَكم، وهذا على التقديرين وإن كان بحسب الظاهر نهياً للشنآن عمَّا نسب إليه، لكنَّه في الحقيقةِ نهيٌّ لهم عن الاعتداءِ على أبلغ وجهٍ وآكده، فإنَّ النهيَ عن أسباب الشيء ومباديه المؤدِّيةِ إليه نهيٌّ عنه بالطريق البرهانيّ وإبطالٌ للسببيَّة، ويقال: لا أرينَّك هاهنا، والمقصودُ نهيُ المخاطب عن (٢) الحضور. ووجَّه العلّامةُ الطيبي الاعتراضَ بقوله تعالى: (وَإِذَا ◌َلْتُمْ فَأَصْطَادُواْ) بين ما تقدَّم وبين هذا النهي المتعلِّقِ به؛ ليكون إشارةً وإدماجاً إلى أنَّ القاصدينَ ما داموا مُخْرِمين مبتغين فضلاً من ربِّهم، كانوا كالصَّيد عند المُخْرِم فلا تتعرَّضوهم، وإذا حَلَلْتم أنتم وهم، فشأنُكم وإِيَّهم؛ لأنَّهم صاروا كالصَّيد المباح أبيح لكم تعرُّضهم حينئذٍ. وقال شيخ الإسلام: لعلَّ تأخير هذا النهي عن ذلك مع ظهورٍ تعلُّقه بما قبله؛ للإيذان بأنَّ حرمة الاعتداء لا تنتهي بالخروج عن الإحرام، كانتهاء حرمة الاصطياد به، بل هي باقيةٌ ما لم تنقطع علاقتُهم عن الشعائر بالكليَّة، وبذلك يعلم بقاء حرمة التعرُّضِ لسائر الآمِّين بالطريق الأولى(٣). ولعلَّه الأَوْلِى. (١) في تفسيره ٥/٣. (٢) في (م): على، وهو تصحيف. (٣) تفسير أبي السعود ٣/ ٥. الآية : ٣ ٢٧ سُوَّةُ القَائِدَةِ ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أَلْبِ وَالنَّقْوَى﴾ عطفٌ على ((ولا يجرمنكم)) من حيثُ المعنى، كأنه قيل: لا تعتدوا على قاصدي المسجد الحرام لأَجْل أن صُدِدتم عنه، وتعاونوا على العفوِ والإِغضاءِ، وقال بعضُهم: هو استئنافٌ. والوقفُ على ((أن تعتدوا)) لازمٌ. واختار غيرُ واحدٍ أنَّ المراد بالبرِّ متابعةُ الأمر مطلقاً، وبالتقوى اجتنابُ الهوى، لتصيرَ الآيةُ من جوامع الكلمِ وتكونَ تذييلاً للكلام، فيدخل في البرِّ والتقوى جمیعُ مناسك الحجِّ، فقد قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. ويدخل العفو والإغضاءُ أيضاً دخولاً أولياً . وعلى العموم أيضاً حُمل قوله تعالى: ﴿وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ فيعمُّ النهيُ كلَّ ما هو من مقولة الظلم والمعاصي، ويندرجُ فيه النهيُ عن التعاون على الاعتداء والانتقام. وعن ابن عباس ﴿هًا وأبي العالية، أنَّهما فسَّرا الإثمَ بتركٍ ما أمرهم به، وارتكابٍ ما نهاهم عنه، والعدوانَ بمجاوزة ماحدَّه سبحانه لعباده في دينهم وفَرَضَه عليهم في أنفسِهم، وقُدِّمت التحليةُ على التخليةِ مسارعةً إلى إيجاب ما هو المقصودُ بالذات. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّقُواْ اللَّهَ﴾ أمرٌ بالاتِّقاء في جميع الأمور، التي من جملتها مخالفة ما ذكر من الأوامر والنواهي، ويثبتُ وجوب الاتقاء فيها بالطريق البرهانيِّ. لمن لا يتَّقيه، وهذا في موضعِ التعليل لِمَا قبله، ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ وإظهارُ الاسم الجليل لِمَا مَرّ غير مَرّةٍ. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَهُ﴾ شروعٌ في بيان المحرَّمات التي أُشير إليها بقوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ والمرادُ تحريمُ أكل الميتة، وهي ما فارقه الروحُ حتفَ أنْفِه من غیر سبپٍ خارجٍ عنه. ﴿وَالَّمُ﴾ أي: المسفوحُ منه، وكان أهلُ الجاهلية يجعلونه في المباعر ويشوونه ويأكلونه، وأمَّا الدمُ غيرُ المسفوح كالكبد فمباحٌ، وأمَّا الطحالُ فالأكثرون على إباحته، وأجمعت الإماميَّةُ على حرمته، ورُويت الكراهةُ فيه عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه وابن مسعودٍ قپه. سُورَةُ القَائِدَة ٢٨ الآية : ٣ ﴿وَلَمُ الْخِزِيرِ﴾ إقحامُ اللَّحم لما مرَّ، وأخذَ داودُ وأصحابُه بظاهره، فحرَّموا اللَّحم وأباحوا غيره، وظاهرُ العطف أنَّه حرامٌ حرمةَ غيره، وأخرج عبدُ الرزاق في ((المصنف))(١) عن قتادة أنه قال: مَن أكل لحمَ الخنزير عُرضت عليه التوبةُ، فإنْ تاب وإلَّا قُتِل. وهو غريبٌ، ولعلَّ ذلك لأنَّ أكله صار اليوم من علامات الكفرِ، كلبس الزُّنَّار(٢)، وفيه تأمُّلٌ. ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي: رُفِعَ الصوتُ لغير الله تعالى عند ذبحه، والمرادُ بالإهلال هنا: ذكرُ ما يذبح له كاللَّات والعزَّى. ﴿وَالْمُنْخَيِقَةُ﴾ قال السديُّ: هي التي يدخلُ رأسها بين شعبتين من شجرةٍ فتختنقُ فتموت. وقال الضحاك وقتادة: هي التي تختنقُ بحبل الصائد فتموت. وقال ابنُ عباس ﴿هَا: كان أهلُ الجاهلية يخنقون البهيمةَ ويأكلونها، فحرِّم ذلك على المؤمنين. والأَوْلى أن تُحملَ على التي ماتت بالخنق مطلقاً. ﴿ وَالْمَوْقُودَةُ﴾ أي: التي تُضربُ حتَّى تموت، قاله ابنُ عباس ﴿ّ وقتادةٌ والسُّدي. وهو من وقذتُه بمعنى ضربتُه، وأصلُه أن تضربَه حتَّى يسترخي، ومنه وَقَذَه النعاسُ، أي: غلب عليه. ﴿وَالْمُتَرَّدِيَةُ﴾ أي: التي تقعُ من مكان عالٍ أو في بئرٍ فتموت. ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ أي: التي ينطحُها غيرُها فتموت، وتاؤها للنقل، فلا يَرِدُ أنَّ فعيلاً بمعنى مفعول لا يدخله التاء، وقال بعضُ الكوفيين: إنَّ ذلك حيثُ ذُكر الموصوفُ مثلُ: كفِّ خضيبٌ، وعينٌ كحيلٌ، وأمَّا إذا حذف فيجوز دخولُ التاء فيه، ولا حاجةً إلى القول بأنَّها للنقلِ. وقُرئ: ((والمنطوحة))(٣). ﴿وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أي: ما أكل منه السبعُ فمات؛ وفسِّر بذلك لأنَّ ما أكلَه كلَّه لا يتعلَّقُ به حكم ولا يصحُّ أن يُستثنى منه قولُه تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَّكَّيُْ﴾ أي: إلَّا (١) برقم (١٣٨٢٦). (٢) الزُّنَّار: ما يلبسه النصارى والمجوس على وسطهم. القاموس (زنر). (٣) الكشاف ٥٩٢/١، والبحر ٤٢٣/٣ عن ابن مسعود وأبي ميسرة. الآية : ٣ ٢٩ سُورَةُ القَائِدَة ما أدركتموه وفيه بقيةُ حياةٍ يضطربُ اضطرابَ المذبوح وذكَّيتموه. وعن السيدين السَّندين: الباقرِ والصادق ﴿هَا، أنَّ أدنى ما يُدْرَكُ به الذكاةُ أنْ يدركَه وهو يحرِّكُ الأذن أو الذَّنَبَ أو الجفن، وبه قال الحسن وقتادة وإبراهيم وطاووس والضحاك وابن زيد. وقال بعضُهم: يشترط الحياةُ المستقرَّة، وهي التي لا تكون على شرف الزوال، وعلامتُها على ما قيل: أن يضطربَ بعد الذبح لا وقته. وعن عليٍّ كرَّمَ الله وجهه وابنِ عباس ﴾ أنَّ الاستثناءَ راجعٌ إلى جميع ما تقدَّم ذكرُه من المحرَّمات سوى مالا يقبلُ الذكاةَ من الميتة والدَّم والخنزير وما أكل السبع، على تقدير إبقائِه على ظاهره. وقيل: هو استثناءٌ من التحريم لا من المحرَّمات، والمعنى: حرِّم عليكم سائرُ ما ذكر، لكن ما ذَّيتم ممَّا أحلَّه الله تعالى بالتذكية، فإنَّه حلالٌ لكم. ورُوي ذلك عن مالكٍ وجماعةٍ من أهل المدينة، واختارَه الجبائيُّ. والتذكيةُ في الشرع: قطعُ الحلقومِ والمريءٍ بمحدَّدٍ، والتفصيلُ في الفقه. واستدلَّ بالآية على أنَّ جوارحَ الصيد إذا أكلت ممَّا صادته لم يحلَّ. وقرأ الحسنُ: ((السيْع)) بسكون الباءٍ (١). وابنُ عباس ◌ًَّا: ((وأكيلُ السبع))(٢). ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ جمعُ نِصاب، كحُمُرُ وحِمار، وقيل: واحدُ الأنصاب، كظُنُب وأطناب. واختُلف فيها؛ فقيل: هي حجارةٌ كانت حول الكعبةِ، وكانت ثلاثَ مئةٍ وستين حجراً، وكان أهلُ الجاهليَّة يذبحون عليها، فـ ((على)) على أصلها، ولعلَّ ذَبْحَهم عليها كان علامةً لكونِه لغير الله تعالى. وقيل: هي الأصنامُ؛ لأنَّها تُنْصَبُ فتُعْبَدُ من دون الله تعالى، و((على)) إما بمعنى اللَّام، أو على أصلها، بتقدير: وما ذُبح مسمّى على الأصنام. (١) المحرر الوجيز ١٥١/٢، والكشاف ٥٩٢/١، والبحر ٤٢٣/٣. (٢) المحتسب ٢٠٧/١، والكشاف ٥٩٣/١، والبحر ٤٢٣/٣. سُورَةُ القَائِدَة ٣٠ الآية : ٣ واعتُرض بأنَّه حينئذٍ يكون كالتَّكرار لقوله سبحانه: (وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِء) والأمرُ في ذلك هیِّنٌ. والموصولُ معطوفٌ على المحرَّمات. وقرئ: ((النُّصْب)) بضمِّ النون وتسكين الصاد تخفيفاً، وقرئ بفتحتين، ويفتح فسكون(١). ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِآلْأَزْلَمِ﴾ جمع زَلَم كجَمَل، أو زُلَم كصُرَد(٢)، وهو القِدْحِ، أي: وحُرِّم عليكم الاستقسامُ بالأَقداح، وذلك أنَّهم - كما رُوي عن الحسن وغيره - إذا قصدوا فعلاً ضربوا ثلاثةَ أقداح، مكتوب على أحدها: أمرني ربِّي، وعلى الثاني: نهاني ربِّي، وأبقوا الثالثَ غُفْلاً لم يكتب عليه شيءٌ، فإن خرج الآمرُ مَضَوا لحاجتهم، وإن خرج الناهي تجنّبوا، وإن خرج الغُفل أجالوها ثانياً، فمعنى الاستقسام: طلبُ معرفةٍ ما قُسِمَ لهم دون ما لم يُقْسَم بالأزلام. واستُشكل تحريمُ ما ذكر بأنَّه من جملة التفاؤل، وقد كان النبيُّ ◌َلّ يحبُّ الفأل (٣). وأجيب بأنَّه كان استشارةً مع الأصنام، واستعانةً منهم، كما يشير إلى ذلك ما رُوي عن ابن عباس ◌ًّا من أنَّهم إذا أرادوا ذلك أتوا بيتَ أصنامهم وفعلوا ما فعلوا، فلهذا صار حراماً . وقيل: لأنَّ فيه افتراءً على الله تعالى إن أُريد بـ ((ربِّي)) اللهُ تعالى، وجهالةً وشركاً إن أُريد به الصنم. وقيل: لأنَّه دخولٌ في علم الغيب الذي استأثرَ اللهُ تعالى به. واعتُرض بأنَّا لا نسلِّمُ أنَّ الدخولَ في علم الغيب حرامٌ، ومعنى استئثارِ الله تعالى بعلم الغيب أنَّه لا يُعلَمُ إلَّا منه، ولهذا صارَ استعلامُ الخير والشرِّ من المنجِّمين والكهنة ممنوعاً حراماً؛ بخلاف الاستخارة من القرآن، فإنَّه استعلامٌ (١) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص٣١، والمحرر الوجيز ١٥٣/٢، والبحر ٤٢٣/٣. (٢) الصُّرَد: طائر ضخم الرأس يصطاد العصافير. القاموس (صرد). (٣) ينظر حديث أنس عند البخاري (٥٧٥٦)، ومسلم (٢٢٢٤). وحديث أبي هريرة عند البخاري (٥٧٥٤)، ومسلم (٢٢٢٣). الآية : ٣ ٣١ سُورَةُ لعَائِدَة من الله تعالى، ولهذا أطبقوا على جوازها. ومَن ينظر في ترتيب المقدِّمات أو يرتاض، فهو لا يطلب إلَّا علمَ الغيب منه سبحانَه، فلو كان طلبُ علم الغيب حراماً لا نسدَّ طريقُ الفكرِ والرياضة، ولا قائلَ به. وقال الإمام رحمه الله تعالى(١): لو لم يَجُزْ طلبُ علم الغيب، لزمَ أن يكونَ علم التعبير كفراً؛ لأنَّه طلبٌ للغيب، وأن يكون أصحابُ الكرامات المدَّعون للإلهامات كفَّاراً، ومعلومٌ أنَّ كلَّ ذلك باطلٌ. وتُعقِّبَ القولُ - بجواز الاستخارة بالقرآن - بأنَّه لم ينقل فعلُها عن السلف، وقد قيل: إنَّ الإمام مالكاً كرهها . وأمَّا ما في ((فتاوى الصوفية))(٢) نقلاً عن الزَّنْدَوِسْتِيِّ(٣) من أنَّه لا بأس بها، وأنَّه قد فعلها عليٍّ كرم الله تعالى وجهه ومعاذْ رَبه. وروى عن عليٍّ كرم الله وجهه أنَّه قال: من أراد أن يتفاءلَ بكتاب الله تعالى، فليقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) سبعَ مرات، وليقل ثلاثَ مرات: اللهمَّ بكتابك تفاءلتُ، وعليك توكَّلت، اللهمَّ أرني في كتابك ما هو المكتومُ من سرِّك المكنون في غيبك، ثمَّ يتفاءلُ بأوَّل الصحيفة. ففي النفس منه شيءٌ. وفي كتاب ((الأحكام)) (٤) للجصَّاص: أنَّ الآيةَ تدلُّ على بطلان القرعة في عتق العبيد؛ لأنَّها في معنى ذلك بعينه إذا كان فيها إثباتُ ما أخرجته القرعةُ من غير استحقاق، كما إذا أعتق أحدَ عبيده عند موته على ما بُيِّن في الفقه. ولا يَرِدُ أنَّ القرعةَ قد جاءت(٥) في قسمة الغنائم مثلاً، وفي إخراج النساء؛ لأنَّا نقول: إنَّها (١) في التفسير الكبير ١٣٦/١١. (٢) الفتاوى الصوفية في طريق البهائية، لفضل الله محمد بن أيوب الماجُوي، المتوفى سنة (٦٦٦هـ)، قال عنه المولى بركلي: ليست من الكتب المعتبرة. كشف الظنون ١٢٢٥/٢. (٣) بفتح الزاي وسكون النون وفتح الدال المهملة وکسر الواو وفتح السين، وقد يقال: الزندويستي، واسمه يحيى بن علي بن عبد الله، وقيل: حسين بن يحيى البخاري، له تصنيفات منها: روضة العلماء. الفوائد البهية ٢ ٣٧١. (٤) ٣١١/٢. (٥) في م: جازت. سُورَةُ العَائِدَة ٣٢ الآية : ٣ فيما ذُكر؛ لتطبيب النفوس والبراءة من التهمة في إيثار البعض، ولو اصطلحوا على ذلك جاز من غير قرعةٍ، وأمَّا الحريّةُ الواقعةُ على واحدٍ من العبيد فيما نحن فيه فغيرُ جائزٍ نَقْلُها عنه إلى غيره، وفي استعمال القرعة النقلُ. وخالف الشافعيُّ في ذلك، فجوَّزَ القرعةَ في العتق كما جوَّزها في غيره، وظواهرُ الأدلَّة معه، وتحقیقُ ذلك في موضعِهِ. والحقُّ عندي: أنَّ الاستقسامَ الذي كان يفعله أهل الجاهلية حرامٌ بلا شبهةٍ، كما هو نصُّ الكتاب، وأنَّ حرمتَه ناشئةٌ من سوء الاعتقاد، وأنَّه لا يخلو عن تشاؤم وليس بتفاؤلٍ محضٍ، وأن مثل ذلك ليس من الدخول في علم الغيب أصلاً، بل هوّ من باب الدخول في الظن. وأن الاستخارة بالقرآن مما لم يَرِدْ فيها شيءٌ يعوَّل عليه عن الصدر الأول، وتَرْكُها أحبُّ إليَّ لاسيما وقد أغنَى الله تعالى ورسولُهُ وَّر عنها بما سنَّ من الاستخارة الثابتة في غير ما خبر صحيح(١). وأن تصديق المنجمين فيما ليس من جنس الخسوف والكسوف مما يخبرون به من الحوادث المستقبلة محظورٌ، وليس من علم الغيب ولا دخولاً فيه - وإنْ زَعَمه الزجَّاج - لبنائه على الأسباب، ونَقَلَ الشيخ محيي الدين النوويُّ في ((شرح مسلم))(٢) عن القاضي (٣): كانت الكهانةُ في العرب ثلاثةَ أَضْرُبٍ: أحدها: أن يكون للإنسان رئيّ(٤) من الجنِّ يخبره بما يَسْتَرِقُه من السمع من السماء، وهذا القسم بَطَلَ من حين بعث الله تعالى نبيَّنَا وَلّ. الثاني: أن يخبره بما يطرأ ويكونُ في أقطار الأرض وما خَفِيَ عنه مما قَرُبَ أو بَعُدَ، وهذا لا يَبْعُدُ وجودُه. ونفت المعتزلة وبعضُ المتكلِّمين هذين الضربين وأحالوهما، ولا استحالةً في (١) منها ما أخرجه البخاري (١١٦٢) من حديث جابر به قال: كان رسول الله وَ﴾ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلّها كما يعلمنا السورة من القرآن، الحديث. (٢) ١٤/ ٢٢٣. (٣) هو عياض، وكلامه في إكمال المعلم ٧/ ١٥٣ بنحوه. (٤) في شرح مسلم: ولي. الآية : ٣ ٣٣ سُورَةُ لقَائِدَة ذلك ولا بُعْدَ في وجوده، لكنهم يَصْدُقون ويَكْذِبون، والنهيُ عن تصديقهم والسماع منهم عامٌّ. الثالث: المنجِّمون، وهذا الضربُ بخَلْقِ الله تعالى في بعض الناس قوةً ما، لكنَّ الكذب فيه أغلب، ومن هذا الفنِّ العرَافةُ، فصاحبُها عرَّف، وهو الذي يستدلُّ على الأمور بأسباب ومقدمات يدَّعي معرفتها بها، كالزجر والطّرْقِ بالحصى. وهذه الأضربُ كلُّها تسمَّى كهانة، وقد أَكْذَبهم الشرعُ ونهى عن تصديقهم وإتیانهم. انتهى. ولعل النهي عن ذلك لغلبة الكذب في كلامهم ولأنَّ في تصديقهم فتحَ بابٍ يُؤْصِلُ إلى لَظَى؛ إذ قد يجرُّ إلى تعطيل الشريعة والطعنِ فيها، لاسيما من العوام، واستثناءُ ما هو من جنس الكسوف والخسوف لندرة خطئهم فيه بل لعدمه إذا أَمْكَنوا الحساب، ولا كذلك ما يخبرون به من الحوادث؛ إذ قد بَنَوْا ذلك على أوضاع السيارات بعضِها مع بعض أو مع بعضٍ الثوابت، ولا شك أن ذلك لا يكفي في الغرض والوقوفٍ على جميع الأوضاع وما تقتضيه مما يتعذَّر الوقوفُ عليه لغير علَّام الغيوب، فيلفهم. وقيل: المراد بالاستقسام استقسامُ الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة، أي: طلبُ قسم من الجزور أو ما قسمه الله تعالى له منه، وهذا هو الميسر، وقد تقدَّم بيانه، وروى ذلك عليُّ بن إبراهيم (١) عن الأئمة الصادقين ﴿ه، ورجِّح بأنه يناسب ذِكْرُه مع محرَّمات الطعام. وروي عن مجاهد أنه فسَّر الأزلام بسهام العرب وكعابٍ فارس التي يتقامرون بها . وعن [سفيان بن](٢) وكيع: أنها أحجار الشطرنج. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: الاستقسامُ بالأزلام، ومعنى البُعْدِ فيه الإشارةُ إلى بُعْدِ منزلته في الشر ﴿فِسْقُّ﴾ أي: ذنبٌ عظيم، وخروجٌ عن طاعة الله تعالى إلى معصيته؛ لِمَا أشرنا إليه. وعن ابن عباس ﴿ّ: أن ((ذلكم)) إشارةٌ إلى تناوُلِ جميع ما تقدَّم من المحرَّمات، المعلومِ من السياق. (١) في تفسيره كما في مجمع البيان ٦/ ٢٤، وعنه نقل المصنف. (٢) ما بين حاصرتين من تفسير الطبري ٧٣/٨، وتفسير البغوي ٢/ ١٠، وتفسير القرطبي ٢٨٧/٧. سُورَةُ القَائِدَة ٣٤ الآية : ٣ ﴿اَلْيَوْمَ﴾ أي: الزمان الحاضر وما يتَّصلُ به من الأزمنة الآتية. وقيل: يوم نزول الآية، وروي ذلك عن ابن ◌ُرَيْچ ومجاهد وابن زيد، وكان - كما رواه الشيخان عن عمره(١) - عصرَ يوم الجمعة عرفةَ حجة الوداع. وقيل: يوم دخوله وَلفي مكة لثمان بَقِينَ من رمضان سنةً تسعٍ، وقيل: سنة ثمانٍ. وهو منصوبٌ على الظرفية بقوله تعالى: ﴿َيِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ والياسُ: انقطاعُ الرجاءِ، وهو ضدُّ الطمع، والمراد: انقطع رجاؤهم من إبطال دينكم ورجوعِکم عنه بتحليل هذه الخبائث وغيرها . أو: من أن يغلبوكم عليه لمَّا شاهدوا أنَّ الله تعالى وفَّى بوعده حيث أظهره على الدِّين كلِّه، وروي أنه لمَّا نزلت الآية نظر وَّ في الموقف فلم يَرَ إلا مسلماً، ورجّح هذا الاحتمال بأنه الأنسبُ بقوله سبحانه: ﴿فَلَ تَخْشَوْهُمْ﴾ أن يظهروا عليكم، وهو متفرِّع عن اليأس ﴿وَأَخْشَوْنِ﴾ أن أُحِلَّ بكم عقابي إنَّ خالفتُم أمري وارتكبتُم معصيتي . ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ بالنصر والإظهار لأنهم بذلك يُجْرون أحكامَ الدِّين من غير مانع، وبه تمامُه، وهذا كما تقول: تمَّ لي الملك، إذا كُفيتَ ما تخافُه، وإلى ذلك ذهب الزجَّاج (٢) . وعن ابن عباس والسدي: أنَّ المعنى: اليومَ أكملتُ لكم حُدودي وفرائضي وحلالي وحرامي، بتنزيل ما أَنْزلْتُ، وبيانِ ما بيَّنتُ لكم، فلا زيادةً في ذلك ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم، وكان يومَ عرفةَ عامَ حجةِ الوداع. واختاره الجبائيُّ والبلخيُّ وغيرهما، وادَّعَوْا أنه لم ينزل بعد ذلك شيءٌ من الفرائض على رسول الله وَلي في تحليلٍ ولا تحريم، وأنه عليه الصلاة والسلام لم يلبث بعدُ سوى أحدٍ وثمانين يوماً، ومضى - روحي فداه - إلى الرفيق الأعلى ◌َلاقو. وفَهِمَ عمر رَّه لمَّا سمع الآية نعيَ رسول الله بَّر، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن عنترة: أنَّ عمر ◌َظُله لمَّا نزلت الآية بكى، فقال له النبيُّ وَّر: ((ما يبكيك))؟ (١) صحيح البخاري (٤٥)، وصحيح مسلم (٣٠١٧)، وهو عند أحمد (٢٧٢). (٢) في معاني القرآن ١٤٨/٢. الآية : ٣ ٣٥ سُورَةُ القائِدَة قال: أبكاني أنَّا كنَّا في زيادةٍ من ديننا، فأمَّا إذا كمل فإنه لم يكمل شيءٌ قط إلا نقص. فقال عليه الصلاة والسلام: ((صدقت))(١). ولا يُحتجُّ بها - على هذا القول - على إبطال القياس كما زعم بعضهم، لأن المراد إكمالُ الدِّين نفسِه ببيان ما يلزمُ بيانُه ويُستَنْبَطُ منه غيرهُ، والتنصيصٍ على قواعد العقائد، والتوقيفٍ على أصول الشرع وقوانين الاجتهاد. وروي عن سعيد بن جبير وقتادة أنَّ المعنى: اليومَ أكملتُ لكم: حَجّكم، وأقررتُكم بالبلد الحرام تحجُّونه دون المشركين. واختاره الطبري وقال: يَرِدُ على ما رُوي عن ابن عباس والسديِّ ﴿ه أنَّ الله تعالى أنزل بعد ذلك آيةَ الكلالة، وهي آخر آيةٍ نزلت(٢). واعتُرِضَ بالمنع. وتقديمُ الجارِّ للإيذان من أول الأمر بأنَّ الإكمال لمنفعتهم ومصلحتهم، وفيه أيضاً تشويقٌ إلى ذكر المؤخّر كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ ولیس الجارُّ فيه متعلِّقاً بـ (نعمتي)) لأن المصدر لا يتقدم عليه معمولُه. وقيل: متعلِّق به، ولا بأسَ بتقدُّم معمولِ المصدر إذا كان ظرفاً . وإتمامُ النعمةِ على المخاطبين بفتح مكة، ودخولها آمنين ظاهرين، وهَدْمٍ منار الجاهلية ومناسكها، والنهىٍ عن حجِّ المشركين وطوافِ العريان. وقيل: بإتمام الهداية والتوفيق بإتمام سببهما. وقيل: بإكمال الدين. وقيل: بإعطائهم من العلم والحكمة ما لم يُعْطِه أحداً قبلهم. وقيل: معنى ((أتممتُ عليكم نعمتي)): أنجزتُ لكم وعدي، بقوله سبحانه: ﴿وَلِأُتِمَ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ﴾(٣) [البقرة: ١٥٠]. ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ أي: اخترتُه لكم من بين الأديان، وهو الدِّين عند الله تعالى لا غير، وهو المقبول وعليه المدار. (١) مصنف ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٥٠، وهو عند الطبري ٨/ ٨١. (٢) بنحوه في تفسير الطبري ٨٢/٨. (٣) في الأصل: ولأتم عليكم نعمتي، وفي (م): وأتممت عليكم نعمتي، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في تفسير أبي السعود ٨/٣. سُورَةُ القَائِدَة ٣٦ الآية : ٣ وأخرج ابن جرير(١) عن قتادة قال: ذُكر لنا أنه يَمْثُلُ لأهل كلِّ دينٍ دينُهم يومَ القيامة، فأمَّا الإيمانُ فيبشِّرُ أصحابه وأهلَه ويَعدُهم في الخير، حتى يجيءَ الإسلام فيقول: ربِّ أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول: إياك اليومَ أَقْبَلُ، وبك اليومَ أَجْزي. وقد نُظِر في الرضا معنى الاختيار ولذا عدِّي باللام، ومنهم مَن جعل الجارّ صفةً لـ ((دين)) قدِّم عليه فانتصب حالاً . و((الإسلام)) و(ديناً)) معفولاً ((رضيتُ)) إن ضمِّن معنى ((صِيَّر))، أو ((ديناً) منصوبٌ على الحالية من الإسلام، أو تمييزٌ من ((لكم)). والجملةُ - على ما ذهب إليه الكرخيُّ - مستأنفةٌ لا معطوفةٌ على ((أكملت))، وإلا كان مفهوم ذلك أنه لم يرض لهم الإسلام قبل ذلك اليوم ديناً، وليس كذلك؛ إذ الاسلام لم يَزَلْ ديناً مَرْضيًّا لله تعالى وللنبيِّ وٍَّ وأصحابه ◌َّ منذ شرع. والجمهورُ على العطف، وأجيب عن التقييد بأنَّ المراد برضاه سبحانه حُكمُه جلَّ وعلا، باختياره حكماً أبديًّا لا ينسخ، وهو كان في ذلك اليوم. وأخرج الشيعة عن أبي سعيد الخدريِّ: أنَّ هذه الآية نزلت بعد أن قال النبيُّ وَلّ لعليٍّ كرم الله تعالى وجهه في غدير خُم: ((مَن كنْتُ مولاه فعليٍّ مولاه)) فلمَّا نزلت قال عليه الصلاة والسلام: ((الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضاءِ الربِّ برسالتي وولايةٍ عليٍّ - كرم الله تعالى وجهه - بعدي)). ولا يَخفَى أنَّ هذا من مفترياتهم، وركاكةُ الخبر شاهدةٌ على ذلك في متبدأ الأمر، نعم ثبت عندنا أنه وَلّ قال في حق الأمير كرم الله تعالى وجهه هناك: «مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه» وزاد على ذلك كما في بعض الروايات(٢)، لكنْ لا دلالةً في الجميع على ما يدَّعونه من (١) في (م): جبير، وهو تصحيف، والخبر في تفسير الطبري ٨٥/٨. (٢) وهذه الزيادة هي قوله عليه الصلاة والسلام: ((اللهم وال من والاه وعادٍ مَن عاداء)) كما في حديث علي عند أحمد (٣٥٠) وحديث البراء بن عازب عند أحمد أيضاً (١٨٤٧٩)، وحديث علي وزيد بن أرقم عند أحمد (١٩٣٠٢) وأخرجه دون الزيادة أحمد (٢٣١٠٧) من حديث خمسة أوستة من أصحاب النبي وَطاهر، و(٢٣٥٦٣) من حديث أبي أيوب الأنصاري، وأورده السيوطي - دون الزيادة - في الأزهار المتناثرة ص١٣١، ونقل ابن كثير في البداية والنهاية ١٨٨/٥ عن الذهبي قوله: صدر الحديث متواتر أتيقن أن رسول الله وَله قاله، وأما ((اللهم والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه)) فزيادة قوية الإسناد. الآية : ٤ ٣٧ سُورَةُ القَائِدَة الإمامة الكبرى والزعامة العظمى، كما سيأتي إن شاء الله تعالى غيرَ بعيد. وقد بسطنا الكلام عليه في كتابنا ((النفحات القدسية في ردِّ الإمامية)) ولم يتم إلى الآن، ونسألُ الله تعالى إتمامه. ورواياتُهم في هذا الفصل ينادي لَفْظُها على وَضْعِها، وقد أكثر منها يوسفُ الأواليُّ(١) عليه ما عليه. ﴿فَمَنِ اضْطُرَ﴾ متصلٌ بذكر المحرَّمات، وما بينهما - وهو سبعُ جمل على ما قال الطيبيُّ - اعتراضٌ بما يوجبُ التجتُّبَ عنها، وهو أنَّ تناولها فسقٌ عظيم، وحرمتها من جملة الدِّين الكامل، والنعمةِ التامة، والإسلام المَرْضيّ. والاضطرارُ: الوقوعُ في الضرورة، أي: فَمَنْ وقع في ضرورةِ تناوُلِ شيءٍ من هذه المحرمات. ﴿فِي مَخْبَصَةٍ﴾ أي: مجاعةٍ تخمصُ لها البطونُ - أي: تَضْمُرُ - يُخافُ معها الموتُ أو مَبَادیه. ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِاثْمٍ﴾ أي: غیرَ مائلٍ ومنحرفٍ إلیه ومختارٍ له، بأن يأكل منها زائداً على ما يمسك رمقَه؛ فإن ذلك حرامٌ كما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة رضّه، وبه قال أهلُ العراق. وقال أهل المدينة: يجوزُ أن يشبع عند الضرورة. وقيل: المرادُ: غيرَ عاصٍ بأن يكون باغياً أو عادياً، بأن ينتزعها من مضطرِّ آخرَ، أو خارجاً في معصيته، وروي هذا أيضاً عن قتادة. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لا يؤاخذُه بأكله، وهو الجواب في الحقيقة، وقد أقيم سببهُ مقامه، وقيل: إنَّه مقدَّرٌ في الكلام. ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ﴾ شروعٌ في تفصيل المحلَّلات التي ذكر بعضها على وجه الإجمال إثرَ بيان المحرَّمات، أخرج ابن جرير والبيهقيُّ في ((سننه)) وغيرُهما عن أبي رافع قال: جاء جبريلُ عليه السلام إلى النبيِّ نَّ فاستأذن عليه فأذِنَ له، فأبطأ، فأخذ رداءه فخرج إليه وهو قائمٌ بالباب فقال عليه الصلاة والسلام: ((قد أذِنَّا لك)) قال: أَجَلْ، ولكنَّا لا ندخل بيتاً فيه صورةٌ ولا كلبٌ. فنظروا فإذا في بعض بيوتهم (١) يوسف بن عبد الله الأوالي البحراني، كان يقيم في شيراز، وكان حيًّا سنة (١٠٣٤هـ). سُوَرَّةُ للَائِدَة ٣٨ الآية : ٤ جرؤٌ، قال أبو رافع: فأمرني ◌َ﴿ أن أقتل كلَّ كلبٍ بالمدينة ففعلتُ، وجاء الناس فقالوا: يا رسول الله، ماذا يَحلُّ لنا من هذه الأمة التي أمرتَ بقتلها؟ فسكت النبيُّ ◌ََّ، فأنزل الله تعالى: (يَسْتَلُونَكَ) الآية (١). وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنَّ السائل عاصم بنُ عدي وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة(٢). وأخرج ابن أبي حاتم(٣) عن ابن جبير أن السائل عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيان. وقد ضمِّن السؤال معنى القول، ولذا حُكيتْ به الجملة كما تحكى بالقول، وليس معلَّقاً لأنه وإن لم يكن من أفعال القلوب لكنه سببٌ للعلم وطريقٌ له فيعلَّق كما يعلَّق، خلافاً لأبي حيان(٤)، فاندفع ما قيل: إن السؤال ليس مما يعملُ في الجمل، ويتعدَّى بحرف الجرِّ، فيقال: سئل عن كذا. وادَّعى بعضُهم لذلك أنه (١) تفسير الطبري ١٠٠/٨-١٠١ واللفظ له، وسنن البيهقي ٢٣٥/٩ وليس فيه قصة جبريل. وفي إسناده عند الطبري موسى بن عبيدة الرَّبذي وهو ضعيف، وفيه عند البيهقي محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن. وأخرجه بإسناد آخر أحمد (٢٧١٨٨) من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبي رافع، دون ذكر قصة جبريل ولا سبب النزول، وإسناده صحيح إن ثبت سماع سالم من أبي رافع. ويشهد لقصة قتل الكلاب حديث ابن عمر عند أحمد (٤٧٤٤)، ومسلم (١٥٧٠). وخبر إبطاء جبريل في النزول على النبي ◌ُ 8* بسبب وجود جروٍ تحت سريره ◌ّ، وقولِه: إنا لا ندخل بيتاً فیه کلب ولا صورة، أخرجه أحمد (٢٠١٠٠)، ومسلم (٢١٠٤) من حديث عائشة ﴿ا. والبخاري مختصراً (٥٩٦٠) من حديث ابن عمر وظ وقد استثني من قتل الكلاب كلب الصيد وكلب الغنم وكلب الماشية وكلب الزرع كما جاء مصرحاً به في حديث ابن عمر عند مسلم (١٥٧١). (٢) تفسير الطبري ٨/ ١٠١. (٣) كما في تفسير ابن كثير عند هذه الآية، والدر المنثور ٢٦٠/٢. (٤) في البحر ٤٢٨/٣ حيث نقل فيه أبو حيان قول الزمخشري في الكشاف١/ ٥٩٤: في السؤال معنى القول، فلذلك وقع بعده: ((ماذا أحل لهم)). ثم تعقبه بقوله: ولا يحتاج إلى ما ذكر لأنه من باب التعليق، كقوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] فالجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني لـ ((يسألونك))، ونصُّوا على أن فعل السؤال يعلّقُ وإن لم يكن من أفعال القلوب؛ لأنه سبب للعلم، فكما تعلق العلم فكذلك سببه. الآية : ٤ ٣٩ سُورَةُ القَائِدَة بتقدير مضافٍ، أي: جواب ماذا. والأول مختارُ الأكثرين. وضمير الغيبة دون ضمير المتكلِّم الواقع في كلامهم لِمَا أنَّ ((يسألون)) بلفظ الغيبة، كما تقول: أَقْسَمَ زيدٌ لَيَضْرِبَنَّ، ولو قلت: لأَضْرِبنَّ، جاز. والمسؤولُ - نظراً للكلام السابق - ما أُحِلَّ من المطاعم والمآكل. وقيل: إنَّ المسؤول ما أُحِلَّ من الصيد والذبائح. ﴿قُلّ أُحِلَ لَكُ الَِّّبَتُ﴾ أي: ما لم تَسْتَخْبِثْه الطباعُ السليمةُ ولم تنفر عنه، وإلى ذلك ذهب البلخيُّ. وعن أبي علي الجبائيِّ وأبي مسلم: هي ما أذن سبحانه في أكله من المأكولات والذبائح والصيد. وقيل: ما لم يَرِدْ بتحريمه نصٌّ أو قياس، ويدخل في ذلك الإجماع، إذ لا بد من استناده لنصٍّ وإن لم نقف عليه. والطيِّب على هذين القولين بمعنى الحلال، وعلى الأول بمعنى المستَلَذِّ، وقد جاء بالمعنیین. ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ﴾ عطف على ((الطيبات)) بتقدير مضافٍ على أنَّ ((ما)) موصولةٌ والعائد محذوفٌ، أي: وصيدُ ما علَّمتُموه، قيل: والمرادُ به مصيده(١) لأنه الذي أُحلَّ، فعَطْفُهُ(٢) على ((الطيبات)) من عطف الخاص على العام. وقيل: الظاهرُ أنه لا حاجةَ إلى جَعْلِ الصَّيدِ بمعنى المَصِيد لأنَّ الحِلَّ والحُرْمَةَ مما يتعلَّق بالفعل. ويحتمل أن تكون ((ما)) شرطيةً مبتدأً، والجوابُ ((فكلوا))، والخبرُ الجوابُ والشرطُ على المختار، والجملة عطفٌ على جملة ((أحل لكم))، ولا يحتاج إلى تقدیرٍ مضاف. ونُقل عن الزمخشريِّ(٣) أنه قال بالتقدير فيه، وقال: تقديرُه لا يُبْطِلُ كونَ ((ما)) شرطية؛ لأنَّ المضاف إلى اسم الشرط في حُكْمِ المضاف إليه، كما تقول: غلام (١) في (م): والمراد مصدره، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٢١٧/٣ والكلام منه. (٢) في الأصل و(م): بعطفه، والمثبت من حاشية الشهاب. (٣) كما في حاشية الشهاب ٢١٧/٣. سُورَةُ القَائِدَة ٤٠ الآية : ٤ مَن يضرب أضرب، كما تقول: مَن يضرب أضرب. وتعقّب بأنه على ذلك التقدير يصير الخبر خالياً عن ضمير المبتدأ إلا أن يُكلَّف بجعل ((ما أَمْسَكْنَ)) مِن وَضْعِ الظاهر موضع ضمير ((ما علَّمتم)) فافهم. وجوِّز كونُها مبتدأً على تقدير كونها موصولةً أيضاً، والخبر ((كلوا))، والفاء إنما دخلت تشبيهاً للموصول باسم الشرط، لكنه خلافُ الظاهر. و (((من الجوارح)) حالٌ من الموصول، أو من ضميره المحذوف. و((الجوارح)) جمعُ جارحة، والهاء فيها - كما قال أبو البقاء - للمبالغة، وهي صفةٌ غالبة إذ لا يكاد يذكر معها الموصوف(١). وفُسِّرت بالكواسب من سباع البهائم والطير، وهو من قولهم: جَرَحَ فلانٌ أهله خيراً، إذا أَكْسَبَهم، وفلانٌ جارحةُ أهله، أي: كاسِبُم. وقيل: سمِّيت جوارحَ لأنها تجرح الصيد غالباً . وعن ابن عمر ◌ّ والسُّدِّيِّ والضَّّاك - وهو المرويُّ عن أئمة أهل البيت بزعم الشيعة - أنها الكلابُ فقط. ﴿مُكِينَ﴾ أي: معلِّمين لها الصيد، والمكلِّب مؤدِّبُ الجوراح ومَضَرِّيها بالصيد(٢)، وهو مشتقٌّ من الكلب لهذا الحيوان المعروف؛ لأن التأديب كثيراً ما يقع فيه؛ أو لأن كلَّ سبع يسمَّى كلباً على ما قيل، فقد أخرج الحاكم في ((المستدرك)) - وقال: صحيح الإسناد - من حديث أبي نوفل قال: كان لهب بنُ أبي لهب يسبُّ النبيَّ وََّ، فقال ◌َير: ((اللهم سلِّظ عليه كلباً من كلابك)) - أو: كلبك - فخرج في قافلة يريد الشام، فنزلوا منزلاً فيه سبائعٌ، فقال: إنِّي أخاف دعوةَ محمد (وَّ)، فجعلوا متاعّه حولَه وقعدوا يحرسونه، فجاء أسدٌ فانتزعه وذَهَبَ به(٣). ولا يَخْفَى أنَّ في شمول ذلك لسباع الطير نظراً، ولا دلالةً في تسمية الأسد كلباً عليه. وجوِّز أن يكون مشتقًّا من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة، يقال: هو گَلِبُ بکذا، إذا كان ضاریاً به. (١) الإملاء ٣٨٥/٢. (٢) أصل معنى التضرية: الإغراء والحثِ، وقد ضرَّى بالصيد وأضراه عليه: مرَّنه عليه. حاشية الشهاب ٢١٣/٣. (٣) المستدرك ٥٣٩/٢، وأخرجه أيضاً الحارث كما في بغية الباحث (٥١١).