النص المفهرس
صفحات 1-20
بُو المجـ في تَفِي القُرآنْ لَعَظِيْ والِسُنْع المثَانِ تأليفٌ شِهَابُ الدِّينُ أبِيُ الثَّنَاء ◌َجٌمُودِبْن عَبْدُاللَّه الآلوسي البُعْدادِفي (١٢١٧ - ١٢٧٠هـ) حقّقَة هَذَا الجزء مَامِرْ جَبُوشٌ سَاهُمْ في تحقيق فَإِ حْلِ الشَّيُ خُضْر الريدي المَجَدّة السّابعُ مؤسسة الرسالة 3 ◌ُوَةُ المَعَانِى ويد ودا في تَفِي الجرآ العَظِيمُ والِسُنْ المَانُ (٧) جَمِيعُ الحُقُوق محفوظَة لِلّاشِرُ الطَّبعة الأولى ١٤٣١ هـ / ٢٠١٠م :' مؤسسة الرسالة بيروت - وعلى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان للطُبَاعَة وَالنَّشْرَوَالتَّوْزِيّع Al-Resalah Publishing House BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460 Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com سُورَةُ المَائِدَة وتسمَّى أيضاً العقودُ والمنقذة. قال ابنُ الفرسِ: لأنَّها تنقذُ صاحبَها من ملائكة العذاب. وهي مدنيَّةٌ في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقال أبو جعفر بنُ بشر والشعبيُّ: إنَّها مدنيّةٌ إلَّا قولَه تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فإنَّه نزل بمكةً . وأخرج أبو عبيد عن محمد القرظيِّ قال: نزلت سورة المائدة على رسول الله والقوى في حِجَّةِ الوداع فيما بين مكةً والمدينة، وهو على ناقته، فانصدعت كتفُها، فنزل عنها رسولُ اللهِ وَ﴾(١). وذلك من ثِقَل الوحي. وأخرج غيرُ واحدٍ عن عائشةً ◌ِ﴿ُّ أنَّها قالت: ((المائدةُ)) آخرُ سورةٍ نزلت(٢). وأخرجَ أحمدُ والترمذيُّ عن ابن عمرو (٣) أنَّ آخرَ سورة ((المائدة)) و((الفتح))(٤). وقد تقدَّمَ آنفاً عن البراء: أنَّ آخرَ سورةٍ نزلت ((براءةُ)(٥). ولعل كُلَّا ذكرَ ما عنده، وليس في ذلك شيءٌ مرفوعٌ إلى النبيِّ وَّ، نعم أخرج أبو عبيد عن ضَمْرةً بن حبيب وعطيةً بن قيس قالا: قال رسول الله وَّ: ((المائدةُ من (١) فضائل القرآن لأبي عبيد ص١٢٨ . (٢) أخرجه أحمد (٢٥٥٤٧)، والنسائي في الكبرى (١١٠٧٣). (٣) في الأصل و(م): عمر. والمثبت من مصادر التخريج. (٤) سنن الترمذي (٣٠٦٣)، ولم نقف عليه عند أحمد. وسقط من مطبوع الترمذي قوله: والفتح. وهي مثبتة في تفسير ابن كثير والدر المنثور ٢/ ٢٥٢، وتحفة الأحوذي ٤٣٦/٨، وهي كذلك في نسخة من تحفة الأشراف كما ورد في حاشيته ٣٥٣/٦. (٥) أخرجه البخاري (٤٣٦٤)، ومسلم (١٦١٨): (١٢)، وسلف ٤٥٣/٦. ٦ سُورَةُ القَائِدَةِ آخرِ القرآنِ تنزيلاً، فأَحِلُّوا حَلَالَها وحَرِّموا حَرامَها)»(١) وهو غيرُ وافٍ بالمقصود لمکانٍ «مِن». واستدلَّ قومٌ بهذا الخبرِ على أنَّه لم يُنسخ من هذه السورةِ شيءٌ، ومَمَّن صرَّح بعدم النسخ عمرو بنُ شُرَحْبيل والحسنُ ﴿هما، كما أخرج ذلك عنهما أبو داود(٢). وأخرَجَ عن الشعبيِّ أنه لم يُنسخ منها إلَّا قولُه تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُواْ شَعََبِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَ اَلْهَدْىَ وَلَا الْقَلَبِدَ﴾ [المائدة: ٢](٣). وأخرج عن ابن عباس ﴿ًّا أنَّه قال: نُسخَ من هذه السورةِ آيتان: آيةُ القلائدِ، وقولُه سبحانه: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَأَحَكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمَّ﴾ [المائدة: ٤٢](٤). وادَّعى بعضُهم أنَّ فيها تسعَ آيَاتٍ منسوخاتٍ، وسيأتي الكلامُ على ذلك إن شاء الله تعالى. وعدَّةُ آيها مئةٌ وعشرون عند الكوفيين، وثلاثٌ وعشرون عند البصريين، واثنان وعشرون عند غيرهم. ووجهُ اعتلَاقِها بسورة النساء - على ما ذكره الجلال السيوطيُّ عليه الرحمة(٥) - أنَّ سورة النساء قد اشتملت على عدَّة عقودٍ صريحاً وضمناً، فالصريح: عقود الأنكحة، وعقد الصَّداق، وعقد الحلف(٦)، وعقد المعاهدة والأمان(٧)، والضمنيُّ: عقد (١) فضائل القرآن ص١٢٨، والدر المنثور٢٥٢/٢، ووقع في مطبوع فضائل القرآن: عن ضمرة بن حبيب عن عطية بن قيس. وعطية بن قيس وضمرة بن حبيب تابعيان، ينظر ((تهذيب التهذيب)) ١١٥/٣-١١٦ و٢٢٩/٢. (٢) في ناسخه، كما في الدر المنثور ٢/ ٢٥٢، وعنه نقل المصنف. وأخرجه أيضاً أبو عبيد في فضائل القرآن ص١٢٩، وفي الناسخ والمنسوخ (٢٥٠). (٣) الناسخ والمنسوخ لأبي داود كما في الدر المنثور ٢٥٢/٢، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في التفسير ١٨١/١، وسعيد بن منصور في سننه (٧١٢ - تفسير)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٢٣٤/٢. (٤) الدر المنثور ٢٥٢/٢-٢٥٣، وأخرجه أيضاً النحاس في الناسخ والمنسوخ ٢٩٤/٢، والحاكم ٣١٢/٢ وصححه. وقال النحاس: هذا إسناد مستقيم، وأهل الحديث يدخلونه في المسند. (٥) في تناسق الدرر في تناسب السور ص٤٨ . (٦) في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَثَانُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]. (٧) في قوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْعِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيْتَقُّ﴾ [النساء: ٩٨]. الآية : ١ ٧ سُوَرَّةُ القَائِدَة الوصيّة، والوديعة، والوكالة، والعاريَّة، والإجارة، وغيرِ ذلك، الداخلِ في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَّ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فناسبَ أن تُعْقَبَ بسورةٍ مفتَتَحة بالأمر بالوفاء بالعقود، فكأنَّه قيل: يا أيَّها الناسُ أوفوا بالعقود التي فُرغ من ذكرها في السورة التي تمَّت. وإن كان في هذه السورة أيضاً عقودٌ. ووجَّه - أيضاً - تقديم ((النساء)) وتأخير ((المائدة) بأنَّ أولَ تلك: (يَأَيُّهَا النَّاسُ) وفيها الخطابُ بذلك في مواضعَ وهو أشبه بتنزيل المكيِّ، وأولُ هذه: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ) وفيها الخطابُ بذلك في مواضعَ وهو أشبه بخطاب المدنيِّ، وتقديمُ العامِّ وشِبْه المگِّيِّ أنسبُ. ثُمَّ إنَّ هاتين السورتين في التلازم والاتحاد نظيرُ ((البقرة)» و «آلِ عمران»، فتَانِكَ انَّحدا في تقرير الأصول من الوحدانية والنبوة ونحوهما، وهاتان في تقرير الفروع الحكمية. وقد خُتمت ((المائدةُ)) في صفة(١) القدرة كما افتتحت النساءُ بذلك، وافتتحت ((النساءُ)» ببدء الخلق وخُتمت ((المائدة)) بالمنتهى من البعثِ والجزاءِ، فكأنَّهما سورةٌ واحدة اشتملتْ على الأحكام من المبتدأ إلى المنتهى. ولهذه السورةِ أيضاً اعتلاقٌ بالفاتحة والزهراوين كما لا يخفى على المتأمِّل. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِآلْعُقُودٍ﴾ الوفاءُ حِفْظُ ما يقتضيه العقد والقيامُ بموجبه، ويقال: وَفَى وِوَفَى وأَوْفَى بمعنى، لكن في المزيد مبالغةٌ ليست في المجرَّد. وأصلُ العقد: الربطُ مُحْكَماً، ثم تُجوِّزَ به عن العهد الموثَّق. وفرَّق الطبرسيُّ بين العقد والعهد، بأنَّ العقدَ فيه معنى الاستيثاق والشدِّ ولا يكون إلَّا بين اثنين، والعهد قد يتفرَّدُ به واحد (٢). (١) في تناسق الدرر: بصفة، بدل: في صفة. (٢) مجمع البيان ٦/ ٧. الآية : ١ ٨ سُورَةُ القَائِدَة واختلفوا في المراد بهذه العقود على أقوال: أحدها: أنَّ المرادَ به العهودُ التي أخذ الله تعالى على عباده بالإيمان به وطاعته فيما أَحَلَّ لهم أو حرَّم عليهم، وهو مرويٌّ عن ابن عباس . وثانيها: العقود التي يتعاقدُها الناس بينهم، كعقد الأيمان، وعقد النكاح، وعقد البيع، ونحو ذلك، وإليه ذهبَ ابنُ زيدٍ وزيدُ بن أسلمَ. وثالثها: العهود التي كانت تؤخذ في الجاهلية على النصرة والمؤازرة على مَن ظلم، ورُوي ذلك عن مجاهد والربيع وقتادة وغيرهم. ورابعها: العهود التي أخذها الله تعالى على أهل الكتاب بالعمل بما في التوراة والإنجيل ممَّا يقتضي التصديق بالنبيِّ وَّ﴿ وبما جاءَ به، ورُوي ذلك عن ابن جريج وأبي صالح. وعليه فالمراد من (الَّذِينَ ءَامَنُوا) مؤمنو أهل الكتاب، وهو خلاف الظاهر. واختار بعض المفسرين أنَّ المراد بها ما يعمُّ جميع ما ألزمه الله تعالى عبادَه وعَقَّدَ عليهم من التكاليف والأحكام الدينية، وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الأماناتِ والمعاملاتِ ونحوهما مما يجب الوفاء به، أو يحسُنُ دِيناً، ويحمل الأمرُ على مطلقٍ الطلبِ ندباً أو وجوباً، ويدخل في ذلك اجتنابُ المحرَّماتِ والمكروهاتِ؛ لأنَّه أوفق بعموم اللفظ - إذ هو جمعٌ محلّى باللَّام - وأوفى بعموم الفائدة. واستَظْهرَ الزمخشريُّ كونَ المراد بها عقودُ الله تعالى عليهم في دينه من تحليل حلالِه وتحريم حرامِه(١)؛ لِمَا فيه - كما في ((الكشفِ)) - من براعة الاستهلال، والتفصيل بعد الإجمال. لكن ذَكَر فيه(٢) أنَّ مختار البعض أولى؛ لحصول الغرضين وزيادة التعميم، وأنَّ السورةَ الكريمة مشتملةٌ على أمهات التكاليف الدينية في الأصول والفروع، ولو لم يكن إلا (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىْ) و(أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) لكفى. وتُعقِّب بما لا يخلو عن نظر. (١) الكشاف ١/ ٥٩١. (٢) يعني في الكشف. الآية : ١ ٩ سُورَةُ القَائِدَة وزعم بعضهُم أنَّ فيه نزعَ الخفِّ قبل الوصول إلى الماء، وما استظهره الزمخشريُّ خالٍ عن ذلك. والأمر فیه ھیِّنٌّ. وفي القول بالعموم رغب الراغبُ - كما هو الظاهر - فقد قال: العقود باعتبار المعقود والعاقدِ ثلاثةُ أَضرُب، عقدٌ بين الله تعالى وبين العبد، وعقدٌ بين العبد ونفسِه، وعقدٌ بينه وبين غيره من البشر. وكلُّ واحد باعتبار الموجب له ضربان: ضربٌ أوجبه العقل، وهو ما رَكَز الله تعالى معرفته في الإنسان، فيتوصَّل إليه إمَّا ببديهة العقل، وإمَّا بأدنى نظر دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَفِىّ ءَدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]، وضربٌ أوجبه الشرع، وهو ما دلَّنا عليه كتابُ الله تعالى وسنَّةُ نبيه وَِّ، فذلك سنَّةً أضرب. وكلُّ واحد من ذلك إمَّا أن يلزم ابتداءً، أو يلزمَ بالتزام الإنسان إيَّه، والثاني أربعةُ أضرب: فالأول: واجبُ الوفاءِ، كالنذور المتعلقة بالقُرَبِ، نحو أن يقول: عليَّ أن أصوم إن عافاني الله تعالى. والثاني: يستحبُّ الوفاء به ويجوزُ تركُه، كمن حلفَ على ترك فعل مباح، فإنَّ له أن یکفّر عن يمينه ویفعل ذلك. والثالثُ: يستحبُّ تركُ الوفاء به، وهو ما قال ◌َّ: ((إذا حلف أحدكم على شيءٍ فرأى غيرَه خيراً منه، فليأتِ الذي هو خيرٌ منه، ولْيكفِّرْ عن يمينِهِ))(١). والرابعُ: واجبٌ تركُ الوفاء به، نحو أن يقول: علي أن أقتل فلاناً المسلم. فيحصل من ضرب ستةٍ في أربعةٍ أربعةٌ وعشرون ضرباً. وظاهر الآية يقتضي كلَّ عقد سوى ما كان تركهُ قربةً أو واجباً، فافهم ولا تغفل. ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ تَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾ شروعٌ في تفصيل الأحكام التي أمر بإيفاها، وبدأ سبحانه بذلك؛ لأنَّه مما يتعلَّق بضروريات المعاش. (١) أخرجه مسلم (١٦٥٠)، وأحمد (٨٧٣٤) من طريق أبي هريرة ﴿به مرفوعاً. الآية : ١ ١٠ ◌ُوَدَّةُ القَائِدَة والبهيمة من ذوات الأرواح مالا عقل له مطلقاً، وإلى ذلك ذهب الزجَّاجُ(١)، سُمِّي ((بهيمة) لعدم تمييزه وإبهام الأمر عليه. ونقل الإمام الشعرانيُّ عن شيخه عليٍّ الخوَّاص قُدِّس سرّه: أنَّ سبب تسمية البهائم بهائم ليس إلَّا لكون أمر كلامها وأحوالها أُبهمَ على غالب الخلق، لا أنَّ الأمر أُبهمَ عليها، وذكر ما يدلُّ على عقلها وعلمها، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى. وقال غيرُ واحدٍ: البهيمةُ اسمٌ لكلِّ ذي أربع من دوابٌّ البرِّ والبحر، وإضافتها إلى الأنعام للبيان، كـ: ثوبٍ خَزِّ، أي: أُحلَّ لكُم أكلُ البهيمة من الأنعام، وهي الأزواج الثمانية المذكورة في سورتها . واعترض بأنَّ البهيمة اسمُ جنس، والأنعام نوعٌ منه، فإضافتها إليه كإضافة: حيوان إنسانٍ، وهي مستقبحةٌ. وأجيب بأنَّ إضافة العامِّ إلى الخاصِّ إذا صدرت من بليغ وقَصَدَ بذكرهِ فائدةً فحسنةٌ، كـ : مدينة بغداد، فإنَّ لفظ بغداد لمَّا كان غير عربيٍّ لم يُعهد معناه، أضيف إليه ((مدينة)) لبيان مسمَّاه وتوضيحِهِ، وك: شجر الأراك، فإنَّه لما كان الأراك يطلق على قضبانه، أضيف لبيان المراد وهكذا، وإلَّ فلغو زائدٌ مستهجنٌ. وهنا لمَّا كان الأنعام قد يختصُّ بالإبل؛ إذ هو أصلُ معناه على ما قيل - ولذا لا يقال: النَّعم إلَّا لها - أضيفَ إليه ((بهيمة)) إشارةً إلى ما قصد به [من العموم](٢). وذكرُ البهيمة وإفرادُها لإرادة الجنس، وجمع الأنعام ليشمل أنواعها، وأُلحق بها الظباءُ وبقرُ الوحش. وقيل: هما المرادُ بالبهيمة، ونحوُهما مما يماثل الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب، ورُويَ ذلك عن الكلبيِّ والفراءِ(٣)، وإضافتها إلى الأنعام حينئذ لملابسة المشابهة بينهما . وجوَّزَ بعضُ المحققين في إضافة المشبّه للمشبّه به كونها بمعنى اللَّام على جعل (١) في معاني القرآن ٢/ ١٤١ . (٢) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٢١١/٣، والكلام منه. (٣) في معاني القرآن له ٢٩٨/١. الآية : ١ سُورَةُ العَائِدَة ملابسة المشبّه اختصاصاً بينهما؛ أو بمعنى ((من)) البيانيَّة على جعل المشبّه نفسَ المشبّه به، وفائدةُ هذه الإضافة هنا الإشعارُ بعَّة الحكم المشتركة بين المتضايفَين، كأنَّه قيل: أُحلَّت لكم البهيمةُ المشبّهَةُ بالأنعام التي بيِّن إحلالُها فيما سبق لكم، المماثلةُ لها في مناط الحكم. وقيل: المرادُ ببهيمة الأنعام ما يخرج من بطونها من الأجنَّة بعد ذكاتها وهي ميتةٌ، وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمرَ، وهو المرويُّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله ﴿ه، فيكونُ مفادُ الآية صريحاً حلُّ أكلِها، وبه قال الشافعيُّ، واستدلَّ عليه بغير ما خبر (١)، ويفهم منها حلُّ الأنعام. وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على القائم مقامَ الفاعل؛ لإظهار العناية بالمقدَّمِ لِمَا فيه من تعجيل المسرَّة، والتشويقِ إلى ذكر المؤشّر. وفي الآية رةٌّ على المجوس فإِنَّهم حرَّموا ذبح الحيوانات وأكلَها، قالوا: لأنَّ ذبحها إيلام، والإيلامُ قبيح خصوصاً إيلامُ مَن بلغ في العجز إلى حيثُ لا يقدر أن يدفع عن نفسه، والقبيحُ لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم. وزعموا - لعنهم الله تعالى - أنَّ إيلام الحيوانات إنَّما يصدر من الظّلمة دون النور. والتناسخيَّةُ لم يجوِّزوا صدور الآلام منه تعالى ابتداءً بوجهٍ من الوجوه إلَّا بطريق المجازاة على ما سبق من اقتراف الجرائم، والتزموا أنَّ البهائم مكلَّفةٌ عالمةٌ بما يجري عليها من الآلام، وأنَّها مجازاة على فعلها، ولولا ذلك لَمَا تُصوِّرَ انزجارُها بالآلام عن العود إلى الجريمة بتقدير انتقالها إلى بدنٍ أشرف. وزعم البعضُ منهم أنه ما من جنسٍ من البهائم إلَّ وفيهم نبيٌّ مبعوث إليهم من جنسهم. بل زعم آخرون أنَّ جميع الجماداتِ أحياءٌ مكلَّفةٌ، وأنَّها مجازاة على ما تقترفُه من الخير والشر، ونَسَبَ نحواً من ذلك الإمامُ الشعرانيُّ إلى السادة الصوفيّة. وأبى أهلُ الظاهر ذلك كلَّ الإباء. (١) منها ما أخرجه أحمد (١١٢٦٠)، وأبو داود (٢٨٢٧)، والترمذي (١٤٧٦) من حديث أبي سعيد الخدري به عن النبي ◌َ﴿ قال: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وينظر المجموع للنووي ١٣١/٩ - ١٣٢، والتلخيص الحبير ١٥٦/٤-١٥٨ . الآية : ١ ١٢ سُورَةُ القَائِدَة ولمَّا أشكل على البكريَّةِ (١) من المسلمين الجوابُ عن هذه الشبهةِ على أصولهم، واعتقدوا ورودَ الأمر بذبح الحيواناتِ من الله تعالى، زعموا أنَّ البهائم لا تتألَّم، وكذلك الأطفال الذين لا يعقلون. ولا يخفى أنَّ ذلك مصادمٌ للبديهةِ، ولا يقصر عن إنكار حياة المذكورين وحركاتهم وحسِّهم وإدراكهم. وأجاب المعتزلةُ بما ردّه أهلُ السنة، وأجابوا بأنَّ الإذنَ في ذبح الحيوانات تصرُّفٌ من الله تعالى في خالص ملكِه فلا اعتراضَ عليه. والتحسينُ والتقبيحُ العقليان قد طوي بساطُ الكلام فيهما في علم الكلام، وكذا القولُ بالنور والظلمة. وقال بعض المحققين: لما كان الإنسانُ أشرفَ أنواع الحيوانات، وبه تمَّت نسخةُ العالم، لم يقبح عقلاً جعلُ شيءٍ ممَّا دونه غذاءً له مأذوناً بذبحه وإيلامِهِ، اعتناءً بمصلحته حَسْبَما تقتضيه الحكمةُ التي لا يحلِّق إلى سرِّها طائرُ الأفكار. وقال بعض الناس: الآية مجملَةٌ؛ لاحتمال أن يكونَ المرادُ إحلالَ الانتفاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو الكلِّ. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ ظهورَ تقدير الأكل مما لا يكاد ينتطح فيه كبشان، نعم ذكر ابنُ السبكي وغيرُه أنَّ قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَكُمْ﴾ مجمل؛ للجهل بمعناه قبل نزول مبيِّنْهِ، ويسري الإجمالُ إلى ما تقدَّم، ولكنَّ ذاك ليس محلَّ النزاع. والاستثناءُ متصلٌ من ((بهيمة)) بتقديرِ مضافٍ محذوفٍ من ((ما يتلى))، أي: إلَّا محرَّم ما يتلى عليكم، وعنى بالمحرَّمِ الميتةَ وما أُهِلَّ لغير الله به، إلى آخر ما ذكر في الآية الثالثة من السورة. أو من فاعل ((يتلى))، أي: إلا ما يتلى عليكم آيةُ تحريمِه، لتكون ((ما)) عبارةً عن البهيمة المحرَّمةِ لا اللفظِ المتلوِّ. وجُوِّز اعتبارُ التجوُّز في الإسناد من غير تقديرٍ، وليس بالبعيد. وأمَّا جعلُه مفرَّغاً من الموجب في موقع الحال، أي: إلَّا كائنةً على الحالات المتلوَّة، فبعيدٌ - كما قال الشهاب(٢) - جدّاً. (١) هم أتباع بكر ابن أخت عبد الواحد بن زيد، انفرد بضلالات أكفرته الأمة فيها. الفرق بين الفرق ص ٢٠٠-٢٠١. (٢) في حاشيته ٢١١/٣. الآية : ١ ١٣ سُؤَدَُّ القَائِدَة وذهب بعضُهم إلى أنَّه منقطعٌ بناءً على الظاهر؛ لأنَّ المتلوّ لفظٌ، والمستثنى منه ليس من جنسه، والأكثرون على الأوَّل، ومحلُّ المستثنى النصبُ، وجُوِّزَ الرفعُ على ما حُقِّقَ في النحو. ﴿غَيْرَ تُحِى الصَّيْدِ﴾ حالٌ من الضمير في ((لكم)) على ما عليه أكثرُ المفسرين، و((الصيد)» يحتمل المصدرَ والمفعولَ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ حالٌ عمَّا استكنَّ في ((مُحلّي)). والحُرُمُ: جمعُ حَرَامِ، وهو المُحْرِمِ. ومحصّلُ المعنى: أحلَّت لكم هذه الأشياء لا محلِّين الاصطيادَ أو أكلَ الصيد في الإحرام. وفسَّرَ الزمخشريُّ عدمَ إحلال الصيد في حالة الإحرام بالامتناع عنه وهم محرمون، حيثُ قال: كأنَّه قيل: أحللنا لكم بعضَ الأنعام في حالة امتناعكم عن الصيد وأنتم حرمٌ؛ لئلا يكون عليكم حرجٌ(١). ولم يَحمل الإحلال على اعتقادِ الحلِّ ظنًّا منه أنَّ تقييدَ الإحلال بعدم اعتقاد الحلِّ غيرُ موجّه، وقد يقال: إنَّ الأمرَ كذلك لو كان المرادُ مطلقَ اعتقاد الحلِّ، أمَّا لو كان المرادُ عدمَ اعتقادٍ ناشئ من الشرع ومترتّب منه، فلا ؛ لأنَّ حالَه إن لم يكن عينَ حال الامتناع فليس بالأجنبيِّ عنه كما لا يخفى على المتدبّر، وأشار إليه شيخ مشايخنا جرجيس أفندي الإربلي(٢) رحمة الله تعالی علیه. واعترضَ في ((البحر)) على ما ذهب إليه الأكثرون: بأنَّه يلزم منه تقييدُ إحلالٍ بهيمة الأنعام بحالِ انتفاء حلِّ الصيد وهم حُرمٌ، وهي قد أُحلَّت لهم مطلقاً، فلا يظهر له فائدةٌ إلَّا إذا أريد ببهيمة الأنعام الصيودُ المشبَّهةُ بها كالظباء وبقر الوحش وحُمُره(٣) . ودُفع بأنَّه - مع عدم اطّراد اعتبار المفهوم - يُعلمُ منه غيرُه بالطريق الأَوْلى؛ لأنَّها إذا أحلَّت في عدم الإحلال لغيرها وهم محرمون لدفع الحرج عنهم، فكيف في غير هذه الحال؟ فيكون بياناً لإنعام الله تعالى عليهم بما رخّص لهم من ذلك، (١) الكشاف ١/ ٥٩١. (٢) جرجيس الإربلي، فاضل نشأ في إربل، له حواش وتعليقات ومنظومات. كان حيًّا سنة (١١٧٨ هـ). ينظر الروض المعطار ٩/٢، ومعجم المؤلفين ٤٨٣/١. (٣) بنحوه في البحر ٤١٦/٣، وفيه سقط، وهو أيضاً في النهر الماد من البحر لأبي حيان (على هامش البحر) ٤١٤/٣، والكلام منقول من حاشية الشهاب ٢١١/٣. الآية : ١ ١٤ سُورَةُ القَائِدَة وبياناً لأنَّهم في غنيةٍ عن الصيد وانتهاكِ حُرْمةٍ الحرم. وعبارة الزمخشريِّ(١) كالصريحة في ذلك. ودفَعه العلّامة الثاني بأنَّ المرادَ من ((الأنعام)» ماهو أعمُّ من الإنسيِّ والوحشيِّ مجازاً أو تغليباً أو دلالةً أو كيفما شئت، وإحلالُها على عمومها مختصٌّ بحال كونِكم غيرَ محلِّين الصيدَ في الإحرام، إذ معه يحرمُ البعض وهو الوحش. ولا يخفى أنه توجيهٌ وحشيٍّ لا ينبغي لحمزةٍ غابةِ التنزيلِ أن يقصده من مراصد عباراته. وذهب الأخفشُ(٢) إلى أنَّ انتصاب ((غير)) على الحالية من ضميرِ ((أوفوا)). وضُعِّف بأنَّ فيه الفصلَ من الحال وصاحبها بجملةٍ ليست اعتراضيَّةً؛ إذ هي مبيّنةٌ، وتخلُّلَ بعض أجزاءِ المبيِّن بين أجزاء المبيَّن، مع ما يجب فيه من تخصيصٍ العقود بما هو واجبٌ أو مندوب في الحجِّ، وإلا فلا يبقى للتقييد بتلك الحال - مع أنَّهم مأمورون بمطلق العقود مطلقاً - وجهٌ. وزعم العلّامةُ أنَّه أقربُ من الأول معنَى وإن كان أبعدَ لفظاً، واستدلَّ عليه بما هو على طرف الثُّمام، ثم قال: ومنهم مَن جعله حالاً من فاعل أحللنا المدلولِ عليه بقوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ)، ويستلزمُ جعلَ ((وأنتم حرم)) أيضاً حالاً من مقدَّرٍ، أي: حالَ كوننا غيرَ محلِّين الصيد في حال إحرامكم، وليس ببعيدٍ إلَّا من جهة انتصابٍ حالَيْن متداخلَيْن من غيرِ ظهور ذي الحال في اللفظ. وتعقَّبه أبو حيان(٣) بأنَّه فاسدٌ؛ لأنَّهم نصُّوا على أنَّ الفاعل المحذوف في مثل هذا يصير نسياً منسيًّا، فلا يجوز وقوع الحالِ منه، فقد قالوا: لو قلت: أُنزِل الغيثُ مجيباً لدعائهم، على أنَّ مجيباً حالٌ من فاعل الفعل المبني للمفعول، لم يَجُزْ، لا سيَّما على مذهب القائلين بأنَّ المبني للمفعولِ صيغةٌ أصليّةٌ ليست محوَّلةً عن المعلوم، على أنَّ في التقييدِ أيضاً مقالاً . (١) في الكشاف ١/ ٥٩١. (٢) في معاني القرآن ٤٥٩/٢. (٣) في البحر المحيط ٤١٦/٣. الآية : ١ ١٥ سُورَةُ القَائِدَة وجَعَله بعضُهم حالاً من الضمير المجرور في ((عليكم)) ويردُّه أنَّ الذي يتلى لا يتقيَّد بحال انتفاءِ إحلالهم الصيدَ وهم حرمٌ، بل هو يُتلى عليهم في هذه الحال وفي غيرها . ونقل العلّامة البيضاويُّ(١) عن بعضِ أنَّ النصبَ على الاستثناء، وذكر أنَّ فيه تعسُّفاً. وبيَّنه مولانا شيخُ الكلِّ في الكلِّ صبغةُ الله أفندي الحيدريُّ(٢) عليه الرحمة بأنَّه لو كان استثناءً لكان إمَّا من الضمير في ((لكم) أو في ((أوفوا))؛ إذ لا جوازَ لاستثنائِه من ((بهيمة الأنعام)). وعلى الأوَّل يجب أن يخصِّص البهيمة بما عدا الأنعام ممَّا يماثلها، أو تبقى على العموم لكن بشرطِ إرادة المماثل فقط في حيِّز الاستثناء، وأن يجعلَ قوله تعالى: ((وأنتم حرم)) من تتمَّةِ المستثنى بأن يكونَ حالاً عمَّا استكنَّ في ((محلَّي)) ليصحَّ الاستثناءُ، إذ لا صحَّة له بدون هذين الاعتبارين، فسَوْقُ العبارةِ يقتضي أن يقال: وهم حرمٌ؛ لأنَّ الاستثناءَ أخرج المُحِلِّين من زمرة المخاطَبين، واعتبارُ الالتفات هنا بعيدٌ لكونه واقعاً(٣) فيما هو بمنزلة كلمةٍ واحدةٍ. وعلى الثاني: يجب تخصيصُ العقود بالتكاليف الواردة في الحجِّ، وتأويلُ الكلام الطلبيِّ بما يلزمُه من الخبر مع ما يلزم من الفصل بين المستثنى والمستثنى منه بالأجنبيّ، وكلُّ ذلك تعسُّفٌ أيُّ تعسفٍ. انتهى. وكأنَّه رحمه الله تعالى لم يذكر احتمالَ كونِ الاستثناء من الاستثناء، مع أنَّ القرطبيَّ(٤) نقله عن البصريين؛ لأنَّ ذلك فاسدٌ - كما قاله القرطبيُّ وأبو حيان - لا متعسّفٌ، إذ يلزم عليه إباحة الصيد في الحرم؛ لأنَّ المستثنى من المحرَّم حلالٌ، نعم ذكر أبو حيان أنَّه استثناءٌ من ((بهيمة الأنعام)) على وجهٍ عَيْنهُ وأَنْفُه التكلُّفُ والتعسُّف، فقد قال رحمه الله: إنَّما عَرَضَ الإشكالُ في الآية حتَّى اضطرب الناس في تخريجها من كون رَسْمِ ((مُحلِّي)) بالياء، فظنُّوا أنَّه اسمُ فاعلٍ من أَحَلَّ، وأنه (١) في تفسيره مع حاشية الشهاب ٢١٢/٣. (٢) هو صبغة الله بن إبراهيم الحيدري، شيخ مشايخ بغداد في عصره، له عدد من التصانيف، توفي سنة (١١٨٧هـ). الأعلام ٣/ ٢٠٠، ومعجم المؤلفين ١/ ٨٣٧. (٣) في (م): رافعاً. (٤) في الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢٥٢. سُوَرَّةُ للَائِدَة ١٦ الآية : ١ مضافٌ إلى الصيد إضافةً اسم الفاعل المتعدِّي إلى المفعول، وأَنَّه جمعٌ حُذِفَ منه النون للإضافة، وأصلُه غيرَ محلِّين الصيد. والذي يزول به الإشكال ويتّضح المعنى، أن يجعل قوله تعالى: (غَيّرَ مُحِلِّ الضَّيْدِ) من باب قولهم: حِسَانُ النساء، والمعنى: النساءُ الحِسَانُ، وكذا هذا أصلُه: غيرَ الصيدِ المُحِلِّ، والمُحِلّ صفةٌ للصيد لا للناس، ووصفُ الصيد بأنَّه مُحِلٌّ، إمّا بمعنى: داخلٌ في الحلِّ، كما تقول: أَحَلَّ الرجلُ، أي: دَخَلَ في الحِلِّ، وأَخْرَمَ أي: دَخَلَ في الحَرَمِ، أو بمعنى: صار ذا حلٍّ، أي: حلالاً بتحليل الله تعالى، ومجيءُ (أَفْعَلَ)) على الوجهين المذكورين كثيرٌ في لسان العرب، فمن الأوَّل: أَعْرَقَ وأَشْأَمَ وأَيْمنَ وأَنْجدَ وأَتْهَمَ، ومن الثاني: أَعْشَبَتِ الأرضُ وأَبْقَلَتْ، وأَغَدَّ البعير. وإذا تقرَّر أنَّ الصيد يوصف بكونه مُحِلًّا باعتبار الوجهين، اتَّضح كونُه استثناءً ثانياً، ثُمَّ إن كان المراد بـ ((بهيمة الأنعام)) أنفُسَها فهو استثناءٌ منقطعٌ، أو الظباءَ ونحوَها متَّصلٌ على تفسير المُحِلِّ بالذي يبلغُ الحلَّ في حال کونھم محرمین. فإن قلتَ: ما فائدة هذا الاستثناء بقيد بلوغ الحلِّ، والصيدُ الذي في الحرم لا يحلُّ أيضاً؟ قلتُ: الصيدُ الذي في الحرم لا يحلُّ للمُخْرِمِ ولا لغير المحرم، والقصدُ بيانٌ تحريم ما يختصُّ تحريمه بالمُخرِم. فإن قلتَ: ما ذكرتَه من هذا التوجيه الغريب يعكِّرُ عليه رسمُه في المصحف بالياء، والوقف عليه بها . قلتُ: قد كتبوا في المصحف أشياءَ تخالفُ النطقَ نحو ﴿لَ أَذْبَجَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١] بالألف، والوقفُ اتَّبِعوا فيه الرسمَ(١). انتهى. وتعقّبه السفاقسيُّ بمثل ما قدَّمناه من حيثُ زيادةُ الياء، وفيها التباسُ المفرد بالجمع، وهم يفرُّون من زيادةٍ أو نقصان في الرسم، فكيف يزيدون زيادةً ينشأ عنها لَبْسٌ؟ ومن حيثُ إضافةُ الصفة للموصوف، وهو غيرُ مَقيس. (١) البحر المحيط ٤١٦/٣-٤١٨، وقد نقله المصنف عنه مختصراً. الآية : ٢ ١٧ سُوَرَّةُ القَائِدَة وقال الحلبيُّ(١): إنَّ فيه خرقاً للإجماع، فإنَّهم لم يُعْرِبوا ((غير)) إلَّا حالاً، وإنَّما اختلفوا في صاحبها . ثُمَّ قال السفاقسيُّ: ویمکنُ فيه تخریجان: أحدُهما: أن يكون ((غير)) استثناءً منقطعاً، و(مُحلِّي)) جمع على بابه، والمرادُ به: الناسُ الداخلون حلَّ الصيد، أي: لكن إن دخلتم حلَّ الصيدِ فلا يجوزُ لكم الاصطياد. والثاني: أن يكون مثَّصلاً من ((بهيمة الأنعام))، وفي الكلام حذفُ مضاف، أي: أُحلَّت لكم بهيمةُ الأنعام إلَّا صيدَ الداخلين حلَّ الاصطيادِ وأنتم حرم فلا يحلُّ. ويحتملُ أن يكون على بابه من التحليل، ويكون الاستثناء متصلاً والمضاف محذوف، أي: إلَّا صيدَ مُحلِّي الاصطياد وأنتم حرم - والمرادُ بالمحلِّين: الفاعلون فِعْلَ مَن يعتقدُ التحليل - فلا يحلُّ، ويكون معناه أنَّ صيدَ الحرم كالميتة لا يحلُّ أكلُه مطلقاً . ويحتمل أن يكونَ حالاً من ضمير ((لكم))، وحُذِفَ المعطوفُ للدَّلالة عليه، وهو كثيرٌ، وتقديرُه: غير محلِّي الصيد ومحلِّيه(٢)، كما قال تعالى: ﴿تَقِيَكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد، وهو تخريجٌ حسن. هذا ولا يخفَى أنَّ يدَ الله تعالى مع الجماعة، وأنَّ ما ذكره غيرُهم لا يكاد يَسْلمُ من الاعتراض. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُ مَا يُرِيدُ ﴾﴾ من الأحكام حَسْبَما تقتضيه مشيئته المبنيَّةُ على الحِكم البالغةِ التي تقف دونها الأفكارُ، فيدخلُ فيها ما ذكر من التحليل والتحريم دخولاً أوليًّا، وضمَّن ((يحكم)) معنى يفعل، فعدَّاه بنفسه، وإلا فهو متعدٍّ بالباء. ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَِّرَ اَللَّهِ﴾ لمَّا بَيَّن سبحانه حرمةَ إحلال الحرم الذي (١) في الدر المصون ٤/ ١٨٤. (٢) في (م): محليه، بدل: ومحليه. الآية : ٢ ١٨ سُورَةُ لَائِدَة هو من شعائر الحجِّ، عقَّبَ جلَّ شأنُه ببيان إحلال سائر الشعائر، وهو جمعُ شعيرة(١)، وهي اسمٌ لما أُشْعِرَ، أي: جُعل شعاراً وعلامةً للنُّسك؛ من مواقف الحجِّ، ومَرامي الجمار، والطّاف، والمسعى، والأفعال التي هي علامات الحاجٌ يعرف بها؛ من الإحرام، والطّواف، والسعي، والحلق، والنحر. وإضافتُها إلى الله تعالى؛ لتشريفها وتهويلِ الخَطْب في إحلالها، والمرادُ منه: التهاونُ بحرمتِها، وأن یحال بينها وبين المتنسِّکین بها . ورُوي عن عطاءٍ أَنَّه فسَّر الشعائرَ بمعالم حدود الله تعالى وأمرِه ونهيه وفرائضه(٢) . وعن أبي علي الجبائيّ أنَّ المرادَ بها: العلاماتُ المنصوبةُ للفرق بين الحلِّ والحرم، ومعنى إحلالها عنده: مجاوزتُها إلى مَّةَ بغير إحرامٍ. وقيل: هي الصفا والمروةُ والهَدْيُ من البُدْن وغيرها، ورُوي ذلك عن مجاهد. ﴿وَلَا الشَّهْرَ اَلْحَرَامَ﴾ أي: لا تحلُّوه بأن تقاتلوا فيه أعداءكم من المشركين، كما رُوي عن ابن عباس وقتادةَ. أو بالنسيءٍ كما نقل عن القتيبيِّ. والأوَّلُ هو الأَوْلَى بحال المؤمنين. واختُلف في المراد منه فقيل: رجب. وقيل: ذو القعدة، ورُوي ذلك عن عكرمةَ. وقيل: الأشهر الأربعة الحُرمُ، واختاره الجبائيُّ والبلخيُّ. وإفرادُه الإرادة الجنس. ﴿وَلَ الْمَدْىَ﴾ بأن يتعرَّضَ له بالغَصْبِ، أو بالمنع من أن يبلغَ محلَّه. والمرادُ به ما يُهدى إلى الكعبةِ من إبلٍ أو بقرٍ أو شاءٍ، وهو جمَعُ هَذْيٍ - كَجدْيٍ وجَدْية، وهي ما يُحشى تحت السرج والرَّحْل - وخُصَّ ذلك بالذكر بناءً على دخولهِ في الشعائرِ؛ لأنَّ فيه نفعاً للناسِ، ولأنَّه ماليٍّ قد يُتساهل فيه، وتعظيماً له لأنَّه من أعظمها. ﴿وَلَا الْقَلَيْدَ﴾ جمع قلادة، وهي ما يقلَّدُ به الهذيُ من نعلٍ أو لحاءِ شجرٍ أو غيرهما ليُعلم أنَّ هَذْيٌ فلا يتعرَّض له، والمرادُ: النهيُ عن التعرُّض لذوات القلائدِ (١) في (م): شعرة، وهو تصحيف. (٢) في (م): وفرضه. الآية : ٢ ١٩ سُورَةُ لعَائِدَة من الهدي وهي البُدْن، وخُصَّت بالذكر تشريفاً لها واعتناءً بها. أو التعرُّضِ لنفس القلائدِ مبالغة في النهي عن التعرُّض لذواتِها، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] فإنَّهن إذا نُهينَ عن إظهار الزينة، كالخلخال والسوار عُلم النهيُّ عن إبداء محلٌّها بالطريقِ الأَوْلى. ونُقل عن أبي علي الجبائيّ أنَّ المرادَ النهيُّ عن إحلال نفسِ القلائدِ، وإيجابُ التصدُّق بها إن كانت لها قيمةٌ، ورُوي ذلك عن الحسن. ورُوي عن السُّديِّ أنَّ المرادَ من القلائد أصحابُ الهدي، فإنَّ العربَ كانوا يقلِّدون من لحاءِ شجر مكة، يقيمُ الرجل بمكة حتَّى إذا انقضت الأشهرُ الحرام وأراد أن يرجعَ إلى أهلِه، قلَّد نفسَه وناقته من لحاءِ الشجر، فيأمن حتَّى يأتي أهله. وقال الفرَّاء(١): أهلُ الحرم كانوا يتقلَّدون بلحاء الشجر، وغيرُ أهل الحرم كانوا يتقلَّدون بالصوفِ والشعرِ وغيرهما . وعن الربيعِ وعطاءٍ: أنَّ المرادَ نهيُ المؤمنين أن ينزعوا شيئاً من شجر الحرم يقلِّدون به، كما كان المشركون يفعلونه في جاهليَّتهم. ﴿وَلَآ ءَآمِينَ الْبَيْتَ الْخَرَامَ﴾ أي: ولا تحلُّوا أقواماً قاصدين البيتَ الحرامَ بأن تصدُّوهم عنه بأيِّ وجهٍ كان، وجوِّز أن يكونَ على حذفِ مضافٍ، أي: قتالَ قومٍ - أو أذى قوم ۔ آمِین. وقرُئ: ((ولا آمِّي البيتِ الحرامِ)) بالإضافة(٢). و ((البيت)» مفعولٌ به لا ظرف، ووجهُ عملِ اسم الفاعل فيه ظاهرٌ. وقوله تعالى: ﴿يَّنَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّتِهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ حالٌ من المستكنُّ في ((آمِين))، وجوِّز أن يكونَ صفةً، وضعِّف بأنَّ اسمَ الفاعل الموصوفَ لا يعمل؛ لضَعْفِ شَبَهِه بالفعل الذي عَمِلَ بالحَمْلِ عليه؛ لأنَّ الموصوفيةَ تُبعِدُ الشَّبهَ لأنَّها (٣) من خواصِ الأسماءِ. (١) في معاني القرآن ٢٩٩/١. (٢) القراءات الشاذة ص ٣٠ عن ابن مسعود والأعمش. (٣) في (م): بأنها. سُورَةُ القَائِدَة ٢٠ الآية : ٢ وأجيب بأنَّ الوصفَ إنَّما يمنعُ من العملِ إذا تقدَّم المعمول، فلو تأخّر لم يمنع؛ لمجيئهِ بعد الفراغ من مقتضاه كما صرَّح به صاحبُ ((اللبِّ))(١) وغيره. وتنكيرُ ((فضلاً)) و((رضواناً)) للتفخيم. و((من ربهم)) متعلِّقٌ بنفس الفعل، أو بمحذوفٍ وقعَ صفةً لـ ((فَضْلاً)) مُغْنيةً عن وصفِ ما عُطف عليه بها، أي: فضلاً كائناً من ربهم ورضواناً كذلك. والتعرُّضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم؛ لتشريفهِم والإشعارِ بحصول مبتغاهم، والمرادُ بهم المسلمون خاصَّةً، والآيةُ مُحْكَمةٌ. وفي الجملة إشارةٌ إلى تعليل النهي واستنكارِ المنهي(٢) عنه، كذا قيل، واعتُرض بأنَّ التعرُّضَ للمسلمين حرامٌ مطلقاً سواءٌ كانوا آمِّين أم لا، فلا وجه لتخصيصهم بالنهي عن الإحلالِ، ولذا قال الحسنُ وغيرُه: المرادُ بالآمِّن هم المشركون خاصَّةً، والمراد من الفضل حينئذٍ الربحُ في تجاراتِهم، ومن الرضوان ما في زعمهِم، ويجوزُ إبقاءُ الفضل على ظاهره إذا أريد ما في الزعم أيضاً، لكنَّه لمَّا أَمْكَن حملُه على ما هو في نفس الأمر كان حملُه عليه أولى، ويؤيِّدُ هذا القولَ أنَّ الآية نزلت - كما قال السُّدي وغيرُهُ(٣) - في رجل من بني ربيعةً يقال له: الحُطَّيْمُ(٤) بنُ هند، وذلك أنَّه أتى إلى النبيِّ بَّ وحدَه وخلّف خيلَه خارج المدينة، فقال: إلامَ تدعو الناسَ؟ فقال ◌َله: (إلى شهادة أن لا إله إلَّ الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة)). فقال: حسنٌ، إلّا أنَّ لي أمراءَ لا أقطعُ أمراً دونَهم، ولعلي أَسْلِمُ وآتي بهم. وقد كان النبيُّ وَّ قال لأصحابه: (يدخل عليكم رجلٌ يتكلّمُ بلسانِ شيطان)). ثم خرج من عنده، فلمَّا خرج قال رسول الله وَالر: ((لقد دخل بوجهٍ كافرٍ وخرج بعقبي غادرٍ، وما الرجلُ بمسلم)). فمرَّ (١) لعله لبّ الألباب في علم الإعراب لتاج الدين الإسفراييني، وهناك كتاب آخر بهذا العنوان للبيضاوي صاحب التفسير. كشف الظنون ١٥٤٥/٢. والكلام من حاشية الشهاب ٢١٢/٣. (٢) في (م): النهي. (٣) أخرجه عن السدي الطبري ٣١/٨، وأورده الطبرسي في مجمع البيان ١٣/٦، والقرطبي ٧/ ٢٦٢، والسيوطي في الدر المنثور ٢٥٤/٢. وأخرجه بنحوه الطبري أيضاً عن عكرمة، وذكره بنحوه أيضاً الواحدي في أسباب النزول ص١٨١ . (٤) كذا في الأصل و(م)، والذي في المصادر: الحطم. وذكر القرطبي أن الحطم لقب له، وأن اسمه شريح بن ضبيعة البكري.