النص المفهرس

صفحات 441-460

الآية : ١٧٢
٤٤١
سُورَةُ النَّسَاءِ
لاستمرار هذا الوصف واستتباعه وصف العبادة، فَعَدَمُ الاستئكاف عنه مُستلزمٌ لعدم
استنكاف ذلك، بخلاف وَصْفِ العبادة، فإنها حالةٌ متجدِّدةٌ غيرُ مستلزمةٍ للدوام،
يكفي في اتِّصاف موصوفها بها تحقّقُها مرَّةً، فعدمُ الاستنكاف عنها لا يستلزم (١)
عدم الاستنکاف عن دوامها .
ومما يدلُّ على عبوديَّته عليه السلام من كتب النصارى، أنَّ بولس(٢) قال في
رسالته الثانية: انظروا إلى هذا الرسول رئيس أحبارِنا، يسوع المؤتمن من عند مَنْ
خَلَقَهُ مِثْلَ موسى عليه السلام في جميع أحواله، غيرَ أنه أفضلُ من موسى عليه
السلام.
وقال مرقس في ((إنجيله)): قال يسوع: إنَّ نفسي حزينةٌ حتى الموت، ثم خرَّ
على وجهه يصلِّي الله تعالى، وقال: أيها الآب، كلُّ شيءٍ بقدرتك أَخِّرْ عنِّ هذا
الكأس لكن كما تريد لا كما أُريد، ثم خرَّ على وجهه يصلِّي الله تعالى(٣).
ووجه الدلالة في ذلك ظاهرٌ؛ إذ هو سائلٌ واللهُ تعالى مسؤول، وهو مُصَلِّ،
والله تعالى مُصَلَّى له، وأيُّ عبودية تزيد على ذلك؟ ونصوصُ الأناجيل ناطقةٌ
بعبوديته عليه السلام في غير ما موضع، ولله تعالى دُرُّ أبي الفضل حيث يقول فيه:
هو عبدٌ مُقرَّبٌ ونبيٍّ
ورسولٌ قد خصَّه مولاهُ
تمَّ آتاه وَحْيَهُ وهداهُ
طهَّر اللهُ ذاته وحباهُ
إلى مريم البتول بَرَاهُ
وبِكُنْ خَلْقُهُ بدا كلمة الله
الخَلْقِ بِكُنْ خَلَقَهمْ فَنِعْمَ الإله
هكذا شأنُ ربِّه خالقٍ
إنَّما الله ربُّهُ لا سِوَاهُ
والأناجيلُ شاهداتٌ وعنه
راغباً راهباً يُرجَى رِضَاهُ
كان لله خاشعاً مستكيناً
ليس يحيا وليس يَخْلُقُ إلا
أنْ دَعاه وقد أجاب دُعاهُ
ولكنْ على يديه قَضَاهُ
إنَّما فاعلُ الجميع هو الله
(١) بعدها في الأصل و(م): عنها، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٦١/٢، والكلام منه.
(٢) في الأصل و(م): قولس.
(٣) إنجيل مرقس ص١٧١ .

سُؤَدَةُ المَسْحَاةِ
٤٤٢
الآية : ١٧٢
ويكفي في إثبات عبوديَّته عليه السلام ما أشار الله تعالى إليه بقوله: ﴿مَّا الْمَسِيحُ
أَبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأَتُهُ، صِدِّيقَةٌ كَانَا بَأْكُلَانِ
الطَّعَامُ﴾ [المائدة: ٧٥] وفي التعبير بالمسيح ما يُشعر بالعبودية أيضاً.
﴿وَلَا الْمَلَتِكَةُّ الْمُغْرَبُونَ﴾ عَظْفٌ على المسيح كما هو الظاهر، أي: لا يستنكف
الملائكةُ المقرَّبون أن يكونوا عبيداً لله تعالى. وقيل: إنه عَظْفٌ على الضمير المستتر
في (يكون))، أو ((عبداً)) لأنه صفةٌ، وليس بشيء، وتقديرُ متعلِّق الفعل لازمٌ على
ما ذهب إليه الأكثرون.
وقيل: أُريد بـ ((الملائكة)) كلُّ واحدٍ منهم، فلا حاجةَ إلى التقدير، وزعم
بعضهم أنه من عَطْف الجُمَل، والتزم تقديرَ الفعل، وهو كما ترى.
واحتجَّ بالآية القاضي أبو بكر والحَلِيميُّ (١) والمعتزلةُ على أنَّ الملائكة أفضلُ
من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأنَّ الذي يقتضيه السياقُ، وقواعدُ المعاني،
وكلامُ العرب، التَّرَقِّيَّ من الفاضل إلى الأفضل، فيكونُ المعنى: لا يستنكف
المسيحُ، ولا مَنْ هو فؤْقَهُ، كما يقال: لن يستنكفَ من هذا الأمر الوزيرُ
ولا السلطانُ، دون العكس.
وأجيب بأنَّ سَوْقَ الآيةِ وإن كان ردًّا على النصارى، لكنه أَدْمَجَ فيه الرَّدَّ على
عَبدَة الملائكةِ المشاركين لهم في رَفْع بعض المخلوقين عن مرتبة العبودية إلى درجة
المعبودية، وادِّعاء انتسابهم إلى الله تعالى بما هو من شوائب الألوهية، وخصّ
(المقرَّبون)) لأنهم كانوا يعبدونهم دون غيرهم.
وَرُدَّ هذا الجوابُ بأنَّ هذا لا ينفي فوقيةَ الثاني كما هو مقتضَى علم المعاني.
قيل: ولا ورودَ له؛ لأنه يُعلَمُ من التقرير دَفْعُهُ؛ لأنَّ المقصود بالذات أَمْرُ
المسيح، فلذا قُدِّمَ، ولو سَلِمَ أنه لا ينفي الفوقيةَ فهو لا يُثبتها، كما إذا قلتَ:
ما فعل هذا زيدٌ ولا عمرو، وهو يكفي لدفع حُجَّةِ الخَضْم.
وأما كونُ السّباق والسياق يخالفه، فليس بشيءٍ؛ لأنَّ المجيب قال: إنه إدماجٌ
واستطراد.
(١) في المنهاج في شعب الإيمان ٣٠٩/١.

الآية : ١٧٢
٤٤٣
سُورَةُ النِّسَاءِ
وأُجيب أيضاً على تقدير تسليم اختصاص الرَّدِّ بالنصارى، بأنَّ ((الملائكةُ
المقرَّبون)) صيغة جَمْع تتناول مجموع الملائكة، فهذا العَظْفُ يقتضي كونَ مجموع
الملائكة أفضلَ من المسيح، ولا يلزم أن يكون كلُّ واحدٍ منهم أفضلُ من المسيح.
قال في ((الانتصاف))(١): وفيه نظرٌ؛ لأنَّ مَوْرِدَهُ إذا بُني على أنَّ المسيح أفضلُ من
كلِّ واحدٍ من آحاد الملائكة، فقد يقال: يلزمهُ القولُ بأنه أفضلُ من الكلِّ، كما أنَّ
النبيَّ وَّرَ لمَّا كان أفضلَ من كلِّ واحدٍ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كان
أفضلَ من كلِّهم، ولم يُفرِّق بين التفضيل على التفصيل(٢)، والتفضيلِ على الجملة
أحدٌ ممَّن صنَّفَ في هذا المعنى.
وقد كان طار عن بعض الأئمة المعاصرين تفصيلُه(٣) بين التفضيلين، ودعوى
أنه لا يلزم منه على التفصيل(٤) تفضيلٌ على الجملة، ولم يثبتْ عنه هذا القول، ولو
قاله فهو مردودٌ بوجهٍ لطيف، وهو أنَّ التفضيلَ المرادَ جُلُّ أماراته رَفْعُ درجةِ الأفضل
في الجنة، والأحاديثُ متضافرةٌ بذلك، وحينئذٍ لا يخلو إما أن ترتفعَ درجةُ واحدٍ
من المفضولين على مَن اتُّفق أنه أفضلُ من كلِّ واحدٍ منهم، أو لا ترتفع درجةُ أحدٍ
منهم عليه، لا سبيلَ إلى الأول؛ لأنه يلزمُ منه رَفْعُ المفضول على الفاضل، فيتعيّن
الثاني، وهو ارتفاعُ درجة الأفضل على درجات المجموع ضرورةً، فيلزمُ ثبوتُ
أفضليته على المجموع من ثبوت أفضليته على كلِّ واحدٍ منهم قَطْعاً. انتهى.
قلت: فما شاع من الخلاف بين الحنفية والشافعية في أنَّ النبيَّ بَّ، هل هو
أفضلُ من المجموع كما أنه أفضلُ من الجميع، أم أنه أفضلُ من الجميع فقط دون
المجموع؟ ليس في محلِّه على هذا، فتدبّر.
وقيل في الجواب: إنَّ غايةً ما تدلُّ عليه الآية تفضيلُ المقرَّبين من الملائكة
- وهم الكروبيون(٥) الذين حول العرش، أو مَنْ هم أعلى رتبةً منهم (٦) من الملائكة -
(١) الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ٥٨٦/١.
(٢) في (م): التفضيل. والمثبت من الأصل والانتصاف.
(٣) في الأصل و(م): تفضيله. والمثبت من الانتصاف.
(٤) في (م): التفضيل، وهو تصحيف.
(٥) الكروبيون: هم سادة الملائكة. القاموس (کرب).
(٦) قوله: منهم، ليس في الأصل، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٢٦١/٢، والكلام منه.

سُورَةُ الْكَاةِ
٤٤٤
الآية : ١٧٢
على المسيح من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وذلك لا يستلزمُ فَضْلَ أحدٍ
الجنسين على الآخر مطلقاً، وفيه النزاع.
وَرُدَّ بأنَّ المدَّعَى أنَّ في مِثْلِ هذا الكلام مقتضَى قواعدِ المعاني الترقِّي من
الأدنى إلى الأعلى، دون العكس أو التسوية، وقد عُلم أنَّ الحُكْمَ في الجمع
المحلَّى بـ ((أل)) على الآحاد، وأنَّ المدَّعَى ليس إلا دلالةَ الكلام على أنَّ المَلَكَ
المقرَّبَ أفضلُ من عيسى عليه السلام، وهذا كافٍ في إبطال القول بأنَّ خواصَّ
البشر أفضل من خواصِّ المَلَك.
وزعم بعضُهم أنَّ عَظْفَ الملائكة على المسيح بالواو لا يقتضي ترتيباً، وما يُورَدُ
من الأمثلة لكون الثاني أعلى مرتبةً من الأول معارَضٌ بأمثلةٍ لا تقتضي ذلك، كقول
القائل: ما أعانني على هذا الأمر زيدٌ ولا عمرو، وكقولك: لا تؤذٍ مسلماً ولا ذِمِيًّا،
بل لو عَكَسْتَ في هذا المثال وجَعَلْتَ الأعلى ثانياً، لخرجتَ عن حدِّ الكلام وقانون
البلاغة، كما قال في ((الانتصاف))(١)، ثم قال فيه: ولكنَّ الحقَّ أولى من المراء (٢)،
وليس بين المثالين تعارضٌ، ونحن نُمهّدُ تمهيداً يرفعُ اللَّبْسَ ويكشفُ الغطاء،
فنقول :
النكتةُ في الترتيب في المثالين الموهومِ تَعارُضُهما واحدةٌ، وهي تُوجِبُ في
مواضعَ تقديمَ الأعلى، وفي مواضعَ تأخيرَهُ، وَتلك النُّكْتَةُ أنَّ مقتضى البلاغة التنائي
عن التكرار، والسلامةُ عن النزول، فإذا اعتمدتَ ذلك فيهما(٣)، أدَّى إلى أن يكونَ
آخرُ كلامك نزولاً بالنسبة إلى أوله، أو يكون الآخِر مندرجاً في الأول قد أفاده
وأنت مستغنٍ عن الآخِر، فاعدلْ عن ذلك إلى ما يكون تَرَقِّياً من الأدنى إلى
الأعلى، واستئنافاً لفائدةٍ لم يشتمل عليها الأول، مثالُهُ الآيةُ المذكورة، فإنك لو
ذهبتَ فيها إلى أن يكونَ المسيحُ أفضلَ من الملائكة وأعلى رتبةً، لكان ذِكْرُ
الملائكة بَعْدَهُ كالمستغنَى عنه؛ لأنه إذا كان الأفضلُ وهو المسيحُ على هذا التقدير
عبداً غيرَ مستنكِفٍ من العبودية، لَزِمَ من ذلك أنَّ ما دونهُ في الفضيلة أولى أن
(١) ٥٨٦/١.
(٢) في (م): المراد.
(٣) في (م): فهما، وفي الانتصاف: فمهما.

الآية : ١٧٢
٤٤٥
سُورَةُ النِّسَاءِ
لا يستنكفَ عن كونه عبداً لله تعالى، وهم الملائكةُ على هذا التقدير، فلم يتجدَّدْ
إذن بقوله تعالى: ﴿وَلَا الْمَلَئِكَةُّ الْرَبُونَ﴾ إلا ما سلفَ أولَ الكلام، وإذا قدَّرت
المسيحَ مفضولاً بالنسبة إلى الملائكة، فكأنكَ ترقَّتَ من تعظيم الله تعالى بأنَّ
المفضول لا يستنكفُ عن كونه عبداً له تعالى إلى أنَّ الأفضلَ لا يستنكفُ عن ذلك،
وليس يلزمُ من عدم استنكاف المفضول عدمُ استنكاف الأفضل، فالحاجةُ داعيةٌ إلى
ذِكْرِ الملائكة؛ إذ لم يستلزم الأولُ الآخرَ، فصار الكلامُ على هذا التقدير متجدِّدَ
الفائدة متزايدها، ومتى كان كذلك تعيَّنَ أن يُحملَ عليه الكتابُ العزيز؛ لأنه الغايةُ
في البلاغة.
وبهذه النكتة يجبُ أن تقول: لا تؤذٍ مسلماً ولا زِمِّيًّا، فتؤخّر الأدنى على
عَكْسٍ الترتيب في الآية؛ لأنك إذا نَهَيْتَه عن أذى المسلم، فقد يقال: ذاك من
خواصِّه احتراماً لدين الإسلام، فلا يلزمُ من ذلك نهيُهُ عن أذى الكافر المسلوبةِ
عنه هذه الخصوصيةُ، فإذا قلت: ولا زِمِّيًّا فقد جدَّدتَ فائدةً لم تكن في الأول،
وترقَّيتَ من النهي عن بعض أنواع الأذى إلى النهي عن أكثرَ منه، ولو رتَّبت هذا
المثالَ كترتيب الآية فقلت: لا تؤذِ ذِمِّيًّا، فَهِمَ المنھيُّ أنَّ أذى المسلم أَدْخَلُ في
النهي؛ إذ يساوي الذِّمِّيَّ في سبب الاحترام(١) وهو الإنسانية مثلاً، ويمتازُ عنه
بسببٍ هو أَجلُّ وأَغْظَمُ وهو الإسلام، فيقنعه هذا النهيُّ عن تجديد نهي آخرَ عن
أذى المسلم. فإن قلت: ولا مسلماً، لم تُجدِّد له فائدةً، ولم تُعْلِمْهُ غيرَ ما أَعْلَمتهُ
أولاً .
فقد علمتَ أنها نكتةٌ واحدةٌ توجب أحياناً تقديمَ الأعلى، وأحياناً تأخيره،
ولا يُميِّزُ لك ذلك إلا السياق، وما أَشكُّ أنَّ سياقَ الآية يقتضي تقديمَ الأدنى
وتأخيرَ الأعلى.
ومن البلاغة المرتَّبة على هذه النكتة قوله تعالى: ﴿فَلَا تَّقُل ◌َُّمَا أُنّ﴾.
[الإسراء: ٢٣] استغناءً عن نهيهِ عن ضربهما فما فوقه بتقديم الأدنى، ولم يَلِقْ ببلاغة
الكتاب العزيز أن يَريدَ نهياً عن أعلى من التأفيف والانتهار؛ لأنه مستغنّى عنه.
وما يحتاج المتدبِّر لآيات القرآن مع التأييد شاهداً سواها.
(١) في الأصل و(م): الالتزام. والمثبت من الانتصاف.

سُورَةُ النِّسَاءِ
٤٤٦
الآية : ١٧٢
ولمَّا اقتضى الإنصافُ تسليمَ اقتضاءِ الآية لتفضيلِ الملائكة، وكان القول
بتفضيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اعتقاداً لأكثر أهل السنة والشيعة، التُزم حَمْلُ
التفضيل في الآية على غير محلّ الخلاف، وذلك تفضيلُ الملائكة في القوة وشدَّة
البطش وسعة التمگُّن والاقتدار.
وهذا النوعُ من الفضيلة هو المناسبُ لسياقِ الآية؛ لأنَّ المقصودَ الردُّ على
النصارى في اعتقادهم ألوهيةً عيسى عليه السلام، مستندين إلى كونه أحيا الموتى
وأَبرأَ الأُكْمَهَ والأبرص، وصَدَرَتْ على يديه آثارٌ عظيمةٌ خارقةٌ، فناسب ذلك أن
يقال: هذا الذي صَدَرَتْ على يديه هذه الخوارقُ، لا يستنكفُ عن عبادة الله تعالى،
بل مَنْ هو أكثرُ خوارقاً وأظهرُ آثاراً كالملائكة المقرَّبين الذين من جُملتهمْ جبريلُ
عليه السلام، وقد بلغ من قوَّته وإقدار الله تعالى له أن اقتلعَ المدائنَ واحتملها على
ريشةٍ من جناحه، فقلبها(١) عالِيَها سافِلَها، فيكون تفضيلُ الملائكة إذن بهذا
الاعتبار، ولا خلاف في أنهم أقوى وأبطشُ، وأنَّ خوارقَهمْ أكثر، وإنما الخلافُ
في التفضيل باعتبار مزيد الثواب والكرامات ورفع الدرجات في دار الجزاء، وليس
في الآية عليه دليل.
وقد يقال: لمَّا كان أكثرُ مالبَّس على النصارى في ألوهية عيسى عليه السلام
كونُهُ موجوداً من غيرِ أبٍ، أنبأ الله تعالى أنَّ هذا الموجودَ من غير أبٍ لا يستنكفُ
من عبادة الله تعالى، ولا الملائكة الموجودون من غيرٍ أبٍ ولا أمِّ، فيكونُ تأخيرُ
ذِكْرهم؛ لأنَّ خَلْقَهُمْ أغربُ من خَلْقِ عيسى عليه السلام، ويشهدُ لذلك أنَّ الله تعالى
نَظَرَ عيسى بآدم عليهما السلام، فَنظرَ الغريبَ بالأغرب، وشبَّه العجيب من آثار
قُدْرته بالأَعجب، إذ عيسى مخلوقٌ من آدم(٢) عليهما الصلاة والسلام، وآدمُ عليه
السلام من غير أبٍ ولا أمِّ، ولذلك قال سبحانه: ﴿خَلَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ
فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] ومدارُ هذا البحث على النكتة التي أُشير إليها، فمتى استقامَ
اشتمالُ المذكور ثانياً على فائدةٍ لم يشتمل عليها الأول بأيِّ طريقٍ كان من تفضيلٍ
أو غيره من الفوائد، فقد طابقَ صيغة الآية. انتهى.
(١) في الانتصاف: فقلب.
(٢) في الانتصاف: أم.

الآية : ١٧٢
٤٤٧
سُورَةُ الشَّةِ
وبالجملة المسألةُ سمعيةٌ، وتفصيلُ الأدلة والمذاهب فيها حشو الكتب
الكلامية، والقَطْعُ فيها منوظٌ بالنصِّ الذي لا يحتملُ تأويلاً ووجودُهُ عَسِرٌ.
وقد ذكر الآمديُّ في (أبكار الأفكار)» بعد بَسْطِ كلام ونَفْضٍ وإبرام، أنَّ هذه
المسألةَ ظَنِّيَّةٌ لا حَظّ للقَطْع فيها نفياً وإثباتاً، ومدارُها على الأدلة السمعية دون
الأدلة العقلية.
وقال أفضلُ المعاصرين صالح أفندي الموصليُّ تغمَّده الله تعالى برحمته في
تعليقاته على البيضاوي: الأَوْلَى عندي التوقُّفُ في هذه المسألة بالنسبة إلى غير
نبيِّنا وَّةِ، إذ لا قاطع يدلُّ على الحُكْم فيها، وليس معرفةُ ذلك ما كُلِّفنا به، والبابُ
ذو خَطَرٍ لا ينبغي المجازفة(١) فيه، فالوقفُ أسلمُ، والله تعالى أعلم.
﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ أي طاعته، فيشمل جميعَ الكَفَرةِ لعدم طاعتهم له
تعالى، وإنما جَعَلَ المستَنكَفَ عنه هاهنا عبادتَه تعالى لا ما سبق - كما قال شيخ
الإسلام - لتعليقِ الوعيد بالوصف الظاهرِ الثبوتِ للكَفَرة؛ فإنَّ عَدَمَ طاعتهم له تعالى
ممَّا لا سبيل لهم إلى إنكار اتِّصافهم به، وعبّر سبحانه عن عدم طاعتهم له
بالاستئكاف، مع أنَّ ذلك كان منهمْ بطريق إنكار كونِ الأمرِ من جهته تعالى،
لا بطريق الاستنكاف، لأنهم كانوا يستنكفون عن طاعة رسول الله بَّير، وهذا هو
الاستنكافُ عن طاعة الله تعالى؛ إذ لا أَمْرَ له ◌َّهِ سوى أمْرِه عزَّ وجلَّ ﴿مَّن يُطِع
الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠](٢).
وقيل : التعبيرُ بالاستنكاف من باب المشاكلة.
﴿وَيَسْتَكْرِ﴾ أي: عن ذلك، وأصلُ الاستكبار: طلبُ الكِبْر من غير استحقاقٍ،
لا بمعنى طلب تحصيله مع اعتقاد عدم حصوله، بل بمعنى عدِّ نفسه كبيراً واعتقاده
كذلك، وإنما عبَّر عنه بما يدلُّ على الطَّلَب، للإيذان بأنَّ مآله محضُ الطلب بدون
حصول المطلوب، ونظيرُ ذلك - على ما قيل - قوله تعالى: ﴿يَصُدُّونَ عَن سَيِلِ اللهِ
وَيَبْغُونَهَا عَوَجًا﴾ [الأعراف: ٤٥].
(١) في (م): المجاذفة.
(٢) تفسير أبو السعود ٢٦١/٢.

سُورَةُ النَّسَاءِ
٤٤٨
الآية : ١٧٢
والاستكبار - على ما أشار إليه الزجَّاج، وتقدَّم(١) - دون الاستنكاف، وجاء في
الحديث عنه ◌َ ﴾: ((لا يدخل الجنةَ مَنْ كان في قَلْبه مثقالُ ذَرَّةٍ من کِبْر)» فقال رجل :
يا رسول الله، إنَّ الرجلَ يُحبُّ أن يكون ثوبُهُ حَسَناً ونَعْلُهُ حَسَنة؟ قال: ((إنَّ الله
جميلٌ يُحِبُّ الجمال، الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وَغَمْطُ الناس(٢)).
وللناس في تأويل الحديث أقوالٌ ذكرها الإمامُ النووي في (شرح مسلم))(٣) منها
أنَّ المراد بالكبر المانع من دخول الجنة هو التكبِّرُ على الإيمان.
واختاره مولانا أفضلُ المعاصرين، ثم قال: وعليه فالمنفيُّ أَصْلُ الدخول
كما هو الظاهر المتبادر، وتنكيرُ الكِبْر للنوعية، والمعرَّفُ في آخر الحديث هو جنسُ
الكِبْر، لا هذا النوعُ بخصوصه، وإن كان الغالبُ في إعادة النَّكِرَةِ معرفةُ إرادة عين
الأول، وإنما خصَّ وَّهِ حُكْمَ ذلك النوع بالبيانِ ليكون أبلغَ في الزجر عن الكِبْر،
فإنَّ جنساً يبلغُ بعضُ أنواعه بصاحبه من وَخامةِ العاقبة وسوء المغَّة هذا المبلغ -
أعني الشقاءَ المؤَّد - جديرٌ بأن يُحترزَ عنه غايةَ الاحتراز، ثم عرَّفَ وَّهِ الكِبْر
بما عرَّفه لئلا يتوهّم انحصارُ الكِبْر المذموم في النوع المذكور. وبهذا التقرير اندفع
استبعادُ النوويِّ رحمه الله تعالى لهذا التأويل بأنَّ الحديث وَرَدَ في سياق الزَّجْر عن
الكِبرُ المعروف، وهو إنكارُ الحقِّ واحتقارُ الناس(٤)، فَحَمْلُ الكِبْر على ذلك خاصَّةً
خروجٌ عن مذاق الكلام، ووجهُ اندفاعه غيرُ خفيٍّ على ذوي الأفهام. انتهى.
والظاهرُ أنَّ ما في الحديث تعريفٌ باللازم للمعنى اللغوي.
﴿فَسَيَحْتُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (®﴾ أي: المستنكفين، ومقابليهم المدلولَ عليهم بذِكْر
عَدَم استنكاف المسيح والملائكة المقرَّبين عليهم السلام، وقد تَرَك ذكر أحد
الفريقين في المفضَّل تعويلاً على إنباء التفصيل عنه، وثقةً بظهور اقتضاء حَشْرِ
أحدهما لِحَشْرِ الآخر، ضرورةً عموم الحشْر للخلائق أجمعين، كما تَرَكَ ذَكْرَ أحد
(١) ص٤٤٠ من هذا الجزء، وهو في معاني القرآن للزجاج ١٣٦/٢.
(٢) أخرجه أحمد (٣٧٨٩)، ومسلم (٩١) من حديث ابن مسعود عظاته. والبطر: الطغيان عند
النعمة وطول الغنى. والغمط: الاستهانة والاستحقار. النهاية (بطر) و(غمط).
(٣) ٢/ ٩١.
(٤) المصدر السابق.

الآية : ١٧٣
٤٤٩
سُورَةُ الْمَسَكَاةِ
الفريقين في التفصيل عند قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ﴾
[النساء: ١٧٥] مع عموم الخطاب لهما، ثقةً بمثل ذلك، فلا يقال: التفصيلُ غيرُ
مطابقٍ للمفصَّل؛ لأنه اشتملَ على الفريقين والمفصَّلُ على فريقٍ واحد.
وقيل في توجيه المطابقة: إنَّ المقصودَ من الحَشْرِ المجازاةُ، ويكون قولُه
تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ إلخ تفصيلاً للجزاء،
كأنه قيل: ومَن يستنكف عن عبادته فسيُعذّبُ بالحَسْرةِ إذا رأى أجور العاملين،
وبما يصيبه من عذاب الله تعالى، فالضميرُ راجعٌ إلى المستنكفين المستكبرين
لا غير، وقد روعي لفظُ (مَنْ)) ومعناها.
وتعقّبَ العلّامةُ التفتازانيُّ ذلك بأنه غيرُ مستقيم؛ لأنَّ دخولَ ((أمَّا)) على
الفريقين لا على قِسْمَي الجزاء، وأُورِدَ هذا الفريقُ بعنوان الإيمان والعمل الصالح،
لا بوَصْفِ عدم الاستنكاف المناسب لما قبله وما بعده؛ للتنبيه على أنه المستتبعُ
لما يعقُبُهُ من الثمرات، ومعنى تَوْفِيَتِهم أجورَهم: إيتاؤُهم إياها من غير أن ينقصَ
منها شيئاً أصلاً.
وقُرئ: ((فَسَيَخْشِرهم)) بكسر الشين وهي لغة (١)، وقرئ: ((فَسَنَحْشُرهم)) بنون
العظمة(٢)، وفيه التفات.
﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِّهِ﴾ بتضعيف أجورهم أضعافاً مضاعفةً، وبإعطائهم ما لا عينٌ
رأتْ ولا أُذنٌ سمعتْ ولا خَطرَ على قلب بشر.
وأخرج ابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم والطبرانيُّ وابنُ مردويه وأبو نعيم في
((الحلية)) والاسماعيليُّ في ((معجمه)) بسندٍ ضعيفٍ عن ابن مسعود ◌َُّه، أنَّ
رسول الله وَيّ قال: ((يوفِيهمْ أجورهم: يُدخلهم الجنة، ويزيدهم من فضله: الشفاعة
فِيمَن وَجَبتْ لهم النار ممَّنْ صَنَعَ إليهم المعروفَ في الدنيا)»(٣).
(١) هي قراءة الأعرج كما في القراءات الشاذة ص٣٠.
(٢) هي قراءة الحسن كما في القراءات الشاذة ص ٣٠.
(٣) المعجم الأوسط (٥٧٦٦)، والحلية ١٠٨/٤، ومعجم الشيوخ للإسماعيلي (٢٠١)، ونقله
المصنف عن الدر المنثور ٢٤٩/٢. قال الهيثمي في المجمع ١٣/٧: فيه إسماعيل بن
عبد الله الكندي ضعفه الذهبي من عند نفسه فقال: أتى بخبر منكر، وبقية رجاله وثقوا.

سُورَةُ النَّسَاءِ
٤٥٠
الآية : ١٧٤
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ﴾ عن عبادة الله تعالى ﴿وَأُسْتَكْبِرُواْ﴾ عنها ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ﴾
بسبب ذلك ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ لا يحيط به الوصف ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَمُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا﴾
، ينصرهم من بأسه تعالى، وينجِّيهم
يلي أمورَهم ويدبِّرُ مصالحهم ﴿وَلَا نَصِيرًا لشـ
من عذابه سبحانه.
﴿يَّهَا النَّاسُ﴾ خطابٌ لكافَّةِ المكلَّفين إثرَ بيان بُطْلان ما عليه الكَفَرةُ من فنون
الكُفْرِ والضلال، وإلزامهم بما تَخِرُّ له صُّ الجبال، وفيه تنبيهٌ لهم على أنَّ الحَجَّة
قد تمتْ، فلم يبقَ بعدَ ذلك عِلَّةٌ لمتعلِّل، ولا عذرٌ لمعتذر.
﴿قَدْ جَاءَ كُمْ﴾ أتاكم ووَصَلَ إليكم ﴿بُرْهَنُ مِن زَيِّكُمْ﴾ أي: حُجَّةٌ قاطعةٌ، والمراد
بها المعجزاتُ على ما قيل.
وأخرج ابن عساكر(١) عن سفيان الثوريِّ، عن أبيه، عن رجلٍ لا يحفظ اسمه:
أنَّ المرادَ بالبرهان هو النبيُّ ◌َّر. وروي ذلك عن ابن عباس ◌ًَّا. وعُبِّر عنه عليه
الصلاة والسلام بذلك لِمَا معه من المعجزات التي تشهد بصِدْقِهِ وَّه.
وقيل: المراد بذلك دينُ الحقِّ الذي جاء به النبيُّ بَّر.
والتنوين للتفخيم، و((من)) لابتداء الغاية مجازاً، وهي متعلّقةٌ بـ ((جاء))، أو
بمحذوفٍ وقع صفةً مشرِّفةً لـ ((برهان)) مؤكِّدةً لما أفاده التنوين. وجُوِّز أن تكونَ
تبعيضيةً بحَذْفِ المضاف، أي: كائنٌ من براهين ربّكم.
والتعرُّض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين؛ لإظهار النُّطْفِ
بهم، والإيذان بأنَّ مجيء ذلك لتربيتهم وتکمیلھم.
﴿وَأَنْزَلْنَآَ إِلَيْكُمْ﴾ بواسطة النبيِّ وََّ، وفي عَدَمِ ذِكْرِ الواسطة إظهارٌ لكمال
الُّظْفِ بهم، ومبالغةٌ في الإعذار.
﴿نُورًّاً مُّبِينًا (٣٦)﴾ وهو القرآن، كما قاله قتادةُ ومجاهدٌ والسُّدِّيُّ. واحتمالُ
إرادة الكتب السابقة الدالةِ على نبوَّته ﴿ ﴿ بعيدٌ غاية البعد؛ وإذا كان المرادُ من
البرهان القرآنَ أيضاً، فقد سُلك به مَسْلَكَ العَظْف المبنيّ على تغايُر الطرفين؛
(١) كما في الدر المنثور ٢٤٩/٢.

الآية : ١٧٥
٤٥١
سُورَةُ الشَكَاةِ
تنزيلاً للمغايرة العنوانية منزلةً المغايرة الذاتية. وإطلاقُ البرهان عليه لأنه أقوى
دليلٍ على صِدقٍ مَنْ جاء به. وإطلاقُ النور المبين لأنه بَيِّنٌ بنفسه، مستغنٍ في
ثبوت حَقِّيَّته وكونِه من الله تعالى بإعجازه، غيرُ محتاج إلى غيره، مبيِّنٌ لغيره من
حَقِّيَّة الحقِّ وبطلان الباطل، مهد (١) للخَلْقِ بإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور
الإيمان.
وعَبَّرَ عن ملابسته للمخاطَبين تارةً بالمجيءِ المسندِ إليه، المنبئ عن كمال قوَّته
في البرهانية، كأنه يجيءُ بنفسه فيُثبت ما ثبتَ من غير أن يجيءَ به أحد، ويجيءُ
على شُبَهِ الكَفَرة بالإبطال، وأُخرى بالإنزال الموقَع عليه، الملائم لحيثية كونه
نوراً = توقيراً له باعتبارِ كلِّ واحد من عنوانيه: حظّه اللائق به، وإسناد إنزاله إليه
تعالى بطريق الالتفات لكمال تشريفه. قاله مولانا شيخ الإسلام(٢)، والأمرُ على
غير ذلك التقدير هیِّنٌ .
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ﴾ حَسْبَما يوجبه البرهانُ الذي جاءهم ﴿وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ.﴾
أي: عصموا به سبحانه أنفسَهم ممَّا يُرديها من زَيغ الشيطان وغيره.
وأخرج ابنُ جرير وغيرُهُ عن ابنِ جُريجٍ: أنَّ الضميرَ راجعٌ إلى القرآن(٣).
أعني: النور المبين، وهو خلافُ الظاهر.
﴿فَسَيِّدْ ◌ُِهُمْ فِ رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ أي ثوابٍ عظيم قَدَّره بإزاء إيمانهم وعملهم، رحمةً
منه سبحانه لا قضاءً لحقِّ واجبٍ.
وعن ابن عباس ﴿هما: أنَّ المرادَ بالرحمة الجنةُ.
فعلى الأول، التجوُّز في كلمة ((في)) لتشبيه عموم الثواب وشموله بعموم
الظرف، وعلى الثاني التجوُّز في المجرور دون الجارّ. قاله الشهاب(٤)، والبحثُ
في ذلك شهيرٌ. و((منه)) متعلِّقٌ بمحذوفٍ وَقَعَ صفةً مشرِّفةً لـ ((رحمة)).
(١) كذا في الأصل، وفي (م): مهدي، والصواب: هادٍ.
(٢) تفسير أبي السعود ٢٦٣/٢.
(٣) تفسير الطبري ٧/ ٧١٢.
(٤) في حاشيته ٢٠٧/٣ .

سُورَةُ النَّسَاءِ
٤٥٢
الآية : ١٧٦
﴿وَفَضْلٍ﴾ أي: إحسانٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ زائدٍ على ذلك ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ﴾ أي:
إلى الله عزَّ وجلَّ، والمراد في المشهور: إلى عبادته سبحانه. وقيل: الضميرُ عائدٌ
على جميع ما قبله باعتبار أنه موعود، وقيل: على الفضل.
﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾﴾﴾ هو الإسلامُ والطاعةُ في الدنيا، وطريقُ الجنة في
الأخرى، وتقديمُ ذِكْرٍ الوعد بالإدخال في الرحمة أو (١) الثواب أو الجنة على الوعد
بهذه الهداية؛ للمسارعة إلى التبشير بما هو المقصد الأصلي.
وفي وجه انتصاب ((صراطاً)) أقوال، فقيل: إنه مفعولٌ ثانٍ لفعلٍ مقدَّر، أي:
يُعرِّفهم صراطاً، وقيل: إنه مفعولٌ ثانٍ لـ ((يهديهم) باعتبار تضمينه معنى ((يعرِّفهم)).
وقيل: مفعولٌ ثانٍ له بناءً على أنَّ الهدايةَ تتعدَّى إلى مفعولين حقيقة.
ومن الناس مَنْ جَعَل ((إليه)) متعلِّقاً بمقدَّرٍ، أي: مقرَّبين إليه، أو مقرِّباً إياهم
إليه، على أنه حالٌ من الفاعل أو المفعول.
ومنهم مَنْ جَعَلَهَ حالاً من ((صراطاً))، ثم قال: ليس لقولنا: يهديهم طريقَ
الإسلام إلى عبادته، كبيرُ معنى، فالأَوجَهُ أن يجعل ((صراطاً)) بدلاً من ((إليه)).
وتعقَّبه عصامُ الملَّة والدين بأنَّ قولنا: يهديهم طريقَ الإسلام موصلاً إلى
عبادته، معناهُ واضحٌ، ولا وَجْهَ لكون ((صراطاً)) بدلاً من الجارِّ والمجرور.
فافهم.
﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ أي: في الكلالة، استغنى عن ذِكْره لوروده في قوله تعالى: ﴿قُلِ
اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَةِ﴾، والجارُّ متعلِّقٌ بـ ((يفتيكم))، وقال الكوفيون:
بـ ((يستفتونك))، وضَّفه أبو البقاء بأنه لو كان كذلك لقال: يفتيكم فيها في
الكلالة(٢)، وقد مرَّ تفسيرُ الكلالة في مَطْلع السورة.
والآيةُ نزلت في جابر بن عبد الله كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم(٣) وغيرُه.
(١) قوله: أو. ليس في (م).
(٢) الإملاء ٣٧٢/٢.
(٣) في تفسيره ١١٢٥/٤ .

الآية : ١٧٦
٤٥٣
سُورَةُ النِّسَاءِ
وأخرج الشيخان وخلقٌ كثير عنه قال: دخل عليَّ رسولُ اللهِوَّهُ وأنا مريضٌ
لا أعقل، فتوضَّأَ ثم صَبَّ عليَّ فَعَقَلْتُ، فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيفَ
الميراث؟ فنزلت آيةُ الفرائض(١).
وهي آخر آية نزلت، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن البراء قال: آخرُ سورةٍ
نزلتْ كاملةً ((براءة))، وآخرُ آيةٍ نزلتْ خاتمةُ سورة النساء(٢). والمراد: من الآيات
المتعلّقةِ بالأحكام، كما نصَّ على ذلك المحققون، وسيأتي تحقيقُ ذلك إن شاء الله
تعالى .
وتسمَّى آيةً الصيف؛ أخرج مالك ومسلم عن عمر رضيُه قال: ما سألتُ النبيَّ وَلِه
عن شيء أكثرَ مما سألته عن الكلالة، حتى طَعَنَ بأصبعه في صدري وقال: ((يكفيك
آيَةُ الصَّيف التي في آخر سورة النساء(٣)).
﴿إِنِ آَمُا ◌َلَكَ﴾ استئنافٌ مبَيِّنٌ للفُتيا، وارتفع ((امرؤٌ)) بفعلٍ يُفسِّرُهُ المذكور على
المشهور. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ صفةٌ له، ولا يضرُّ الفصلُ بالمفسِّر لأنه
تأکید.
وقيل: حالٌ منه، واعتُرض بأنه نكرةٌ، ومجيءُ الحال منها خلافُ الظاهر؛ إذ
المتبادرُ في الجمل الواقعة بعد النكرات أنها صفات، وقال الحلبيُّ: يصحُّ كونُه
حالاً منه، و((هلك)) صفة له (٤).
وجَعَلَهُ أبو البقاء حالاً من الضمير المستكنِّ في ((هلك)»(٥). وقيل عليه: إنَّ
المفسِّرَ غيرُ مقصودٍ، حتى ادَّعى بعضُهم أنه لا ضميرَ فيه؛ لأنه تفسيرٌ لمجرَّد الفعل
بلا ضمير، وإن رُدَّ بقوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٠].
(١) صحيح البخاري (١٩٤)، وصحيح مسلم (١٦١٦)، وهو عند أحمد (١٤١٨٦).
(٢) صحيح البخاري (٤٣٦٤)، وصحيح مسلم (١٦١٨): (١٢)، وهو عند أحمد (١٨٦٣٨).
(٣) موطأ مالك ٥١٥/٢، وصحيح مسلم (٥٦٧)، وهو عند أحمد (١٧٩).
(٤) في الدر المصون ٤/ ١٧٢ بنحوه.
(٥) الإملاء ٣٧٢/٢.

سُورَةُ السَّاةِ
٤٥٤
الآية : ١٧٦
وقال أبو حيان: الذي يقتضيه النظمُ(١) أنَّ ذلك ممتنعٌ، وذلك لأنَّ المسنَدَ إليه
في الحقيقة إنما هو الاسمُ الظاهرُ المعمولُ للفعل المحذوف، فهو الذي ينبغي أن
يكون التقييدُ له، أما الضمير فإنه في جملةٍ مفسِّرة لا موضِعَ لها من الإعراب،
فصارت كالمؤكِّدة لما سبق، وإذ دار الإتباع والتقييد بين مؤكّدٍ ومؤكِّدٍ، فالوجه أن
يكون للمؤَّد - بالفتح - إذا هو مُعْتَمَدُ الإسناد الأصليّ(٢). ووافقه الحلبيُّ(٣). وقال
السفاقسيُّ: الأظهرُ أنَّ هذا مرجِّحٌ لا موجبٌ.
والمراد من ((الولد)» - على ما اختاره البعضُ ـ الذَّكَرُ؛ لأنه المتبادَرُ، ولأنَّ
الأختَ وإن وَرَثَتْ مع البنت - عند غير ابن عباس ظَّا والإماميةِ - لكنها لا تَرِثُ
النَّصْفَ بطريق الفرضية.
وتعقّبه بعضُ المحقّقين - مختاراً العمومَ - بأنه تخصيصٌ من غير مخصِّص،
والتعليلُ بأنَّ الابنَ يُسقِطُ الأُختَ دون البنت ليس بسديدٍ، لأنَّ الحُكْمَ تعيينُ
النصف، وهذا ثابتٌ عند عَدَم الابن والبنت، غيرُ ثابتٍ عند وجود أحدهما،
أما الابنُ فلأنه يُسقِطُ الأختَ، وأما البنتُ فلأنها تُصيِّرها عَصَبةً فلا يتعيَّنُ لها
فَرْضٌ، نعم يكون نصيبُها مع بنتٍ واحدةٍ النصفَ بُحكم العُصوبة لا الفرضية،
فلا حاجةً إلى تفسير الولد بالابن، لا منطوقاً ولا مفهوماً، وأيضاً الكلامُ في
الكلالة، وهو مَنْ لا يكونُ له ولدٌ أصلاً، وكذا ما لا يكون له والدٌ، إلا أنه اقتصرَ
على عدم ذِكْرٍ الولد ثقةً بظهور الأمر، والولدُ مشتركٌ معنويٌّ في سياق النفي فيعمُّ،
فلا بدَّ للتخصيص من مخصِّصٍ وأنَّى به؟ فليفهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ: أُخْتُ﴾ عَظْفٌ على ((ليس له ولد)) ويحتملُ الحالية، والمراد
بالأُخت: الأختُ من الأبوين والأب؛ لأنَّ الأخُتَ من الأم فَرْضُها السُّدُس، وقد
مرَّ بيانُه في صَدْر السورة الكريمة.
﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ﴾ أي: بالفرض، والباقي للعَصَبة، أوْ لَها بالرَّدِّ إن لم يكن
له عَصَبةٌ، والفاءُ واقعةٌ في جواب الشرط ﴿وَهُوَ﴾ أي: المرء المفروض ﴿يَرِثُّهَا﴾
(١) في البحر: النظر.
(٢) البحر المحيط ٣/ ٤٠٧.
(٣) الدر المصون ١٧٣/٤.

الآية : ١٧٦
٤٥٥
سُورَةُ النِّسَاءِ
أي: أُختَهُ المفروضة، إن فُرِضَ هلاكُها مع بقائه، والجملةُ مستأنفةٌ لا موضعَ لها
من الإعراب، وقد سّدَّتْ - كما قال أبو البقاء (١) - مسدّ جواب الشرط في قوله
تعالى: ﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّمَا وَلَدٌ﴾ ذكراً كان أو أنثى، فالمراد بإرثه لها إحرازُ جميع
مالها، إذ هو المشروط بانتفاء الولد بالكُلِّيَّةِ، لا إرتُه لها في الجملة، فإنه يتحقَّقُ مع
وجود بنتها، والآيةُ كما لم تدلَّ على سقوط الإخوة بغير الولد، لم تدلَّ على عدم
سقوطهم به، وقد دلَّتِ السنَّة على أنهم لا يرثون مع الأبٍ؛ إذ صحَّ عنه ◌ِّ:
(أَلْحِقوا الفرائضَ بأهلها، فما بقي فلأِوْلَى عصبةٍ ذكر))(٢) ولا ريبَ في أنَّ الأبَ
أَوْلَى من الأخ، وليس ما ذُكر بأول حُكْمين بَيِّنَ أحدهما بالكتاب والآخر بالسنَّة.
﴿فَإِن كَانَتَا أَثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ بِمَّا نَزٌَّ﴾ عَظْفٌ على الشَّرطية الأولى، والضميرُ
لمن يرث بالأُخوَّة، وتثنيتُه محمولةٌ على المعنى، وحُكُمُ ما فوق الاثنتين
كحكمهما، واستُشكل الإخبارُ عن ضمير التثنية بالاثنتين؛ لأنَّ الخبرَ لا بدَّ أن يفيدَ
غيرَ ما يفيدهُ المبتدأ، ولهذا لا يصحُّ: سيِّدُ الجارية مالكُها، وضميرُ التثنية دالٌّ على
الاثْنَيِْيَّة، فلا يفيدُ الإخبارُ عنه بما ذُكر شيئاً .
وأجيب عن ذلك بأنَّ(٣) الاثنينية تدلُّ على مجرد التعدُّد من غير تقييدٍ بِكَبرٍ أو
صِغَر أو غيرِ ذلك من الأوصاف، فكأنه قيل: إنهما يستحقَّان ما ذُكِرَ بمجرَّدِ التعدُّد
من غير اعتبارِ أمرٍ آخرَ، وهذا مفيدٌ، وإليه ذهب الأخفش.
ورُدَّ بأنَّ ضميرَ التثنية يدلُّ على ذلك أيضاً، فعاد الإشكال، ورَوَى مكِّيٌّ (٤) عنه
أنه أجابَ بأنَّ ذلك حَمْلٌ على معنى ((مَنْ يَرث))، وأنَّ الأصلَ والتقدير: إنْ كان مَنْ
يَرِثُ بالأخوَّة اثنتين(٥)، وإن كان مَنْ يَرِثُ ذكوراً وإناثاً فيما يأتي، وإنما قيل:
(١) الإملاء ٣٧٣/٢.
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٥٧)، والبخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥) من حديث ابن عباس رهـ
بلفظ: فلأولى رجلٍ ذكر. قال ابن الجوزي كما تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر
ص٥١: لفظ ((عصبة)) لا يحفظ في هذا الحديث.
(٣) في (م): أن.
(٤) في مشكل إعراب القرآن ١/ ٢١٥، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٢٠٩/٣.
(٥) في الأصل و(م): اثنين. والمثبت من الكشاف ٥٨٩/١، والدر المصون ٧٤/٤، وحاشية
الشهاب ٢٠٩/٣، والكلام منه.

سُورَةُ النَّسَائِ
٤٥٦
الآية : ١٧٦
((كانتا)) و((كانوا)) لمطابقة الخبر، كما قيل: مَنْ كانت أُمَّك؟
ورُدَّ بأنه غيرُ صحيح، وليس نظيرَ المثال؛ لأنه صرَّح فيه بـ ((مَنْ)) وله لفظٌ
ومعنّى، فمَنْ أَنَّثَ راعَى المعنى وهو الأم، ولم يؤنِّثْ لمراعاة الخبر، ومدلولُ
الخبر فيه مخالفٌ لمدلول الاسم، بخلاف ما نحن فيه، فإنَّ مدلولهما واحد.
وذكر أبو حيان لتخريج الآية وجهين:
الأول: أنَّ ضميرَ ((كانتا)) لا يعود على الأختين، بل على الوارثين، وثَمَّ صفةٌ
محذوفةٌ لـ (اثنتين))، والصفةُ مع الموصوف هو الخبر، والتقدير: فإن كانتا - أي:
الوارثتان - اثنتين من الأخوات، فيفيدُ إذ ذاكَ الخبرُ ما لا يفيده الاسم، وحَذْفُ
الصفةِ لفَهْمِ المعنى جائزٌ.
والثاني أنْ يكونَ الضميرُ عائداً على الأختين كما ذكروا، ويكون خبر ((كانَ»
محذوفاً لدلالة المعنى عليه، وإن كان حذفُهُ قليلاً، ويكون ((اثنتين)) حالاً مؤكّدة،
والتقدير: فإن كانتا - أي: الأختان ـ له، أي: للمرء الهالك، ويدلُّ على حَذْفٍ له:
((وله أخت))(١).
﴿وَإِن كَانُوَأَ إِخْوَةٌ رِجَالًا وَنِسَاءَ فَلِلَذَّكَرٍ مِثْلُ حَظِّ الْأُنَّيْنِ﴾ أصله: وإن كانوا إخوةً
وأخواتٍ، فغُلِّبَ المذكَّرُ بقرينة ((رجالاً ونساءً)) الواقع بدلاً، وقيل: فيه اكتفاء(٢).
﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ حكمَ الكلالةِ، أو أحكامه وشرائعه التي من جملتها حُكْمُها،
وإلى هذا ذهب أبو مسلم.
﴿أَن تَضِلُّواْ﴾ أي: كراهةً أن تضلُّوا في ذلك، وهو رأي البصريين، وبه صرَّح
المبرِّد.
وذهب الكسائيُّ والفرَّاء(٣) وغيرهما من الكوفيين إلى تقدير اللام و((لا)) في
طَرَفَي ((أن))، أي: لئلا تضلَّوا، وقيل: ليس هناك حَذْفٌ ولا تقدير، وإنما المنسَبكُ
(١) البحر المحيط ٤٠٨/٣ .
(٢) هو أن يقتضي المقام شيئين بينهما تلازمٌ وارتباط، فيكتفى بأحدهما عن الآخر لنكتة. الإتقان
٠٨٣٠/٢
(٣) في معاني القرآن ١/ ٢٩٧.

التفسير الإشاري (١٦٧ - ١٧٦)
٤٥٧
سُورَةُ التَشَكَاةِ
مفعولُ ((يبيّن))، أي: يبيِّنُ لكم ضلالَكم، ورُجِّحَ هذا بأنه من حُسْنِ الختام
والالتفاتِ إلى أول السورة، وهو ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ [النساء: ١] فإنه
سبحانه أَمَرَهُمْ بالتقوى وبيَّن لهم ما كانوا عليه في الجاهلية، ولمَّا تمَّ تفصيلُهُ قال
عزَّ وجلَّ لهم: إِنِّي بيّنتُ لكم ضلالَكم، فاتقوني كما أمرتُكم، فإنَّ الشَّرَّ إذا عُرفَ
اجْتُنبَ، والخيرَ إذا عُرِفَ ارتكب.
واعتُرض بأنَّ المبيَّن صريحاً هو الحقُّ، والضَّلالُ يُعلَمُ بالمقايسة، فكان
الظاهر: يُبيِّنُ لكم الحقَّ، إلا أن يقال: بيانُ الحقِّ واضحٌ، وبيانُ الضَّلال خفيٍّ،
فاحتيج إلى التنبيه عليه، وفيه تأمُّلٌ.
وذكر الجلال السيوطيُّ أنَّ حُسْنَ الختام في هذه السورة أنها خُتمتْ بآية
الفرائض، وفيها أحكامُ الموت الذي هو آخرُ أمر كلِّ حيٍّ، وهي أيضاً آخرُ ما نَزَلَ
من الأحكام(١)
﴿وَلَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ﴾ من الأشياء التي من جملتها أحوالُكُمُ المتعلّقةُ بمَحياكم
ومماتكم ﴿عَلِيمٌ (®﴾ مبالغٌ في العلم، فيبيِّنُ لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم.
هذا، ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ سَتَروا ما اقتضاه
استعدادُهم ﴿وَصَدُواْ﴾ ومنعوا غيرَهم ﴿عَنْ﴾ سلوك ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: الطريقِ
المُؤْصِلةِ إليه ﴿قَدْ ضَلُّواْ ضَلَا بَعِيدًا﴾ لحِرْمانهم أنفسَهم وغيرَهم عمَّا فيه النجاة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُوا﴾ منعوا استعدادهم عن حقوقها من الكمال بارتكاب
الرذائل ﴿لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَمْ﴾ لبطلان استعدادهم ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ لجهلهم
المركَّب، واعتقادِهم الفاسد ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ وهي نيرانُ أشواق نفوسهم الخبيثة
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لانْجِذابِهم إليها بالطبيعة.
﴿يَّأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ نهيٌ لليهودِ والنصارى عند الكثيرين من
ساداتنا، وقد غلا الفريقان في دينهم، أما اليهود فتعمَّقوا في الظواهر ونفي
(١) الإتقان في علوم القرآن ٩٧٣/٢.

سُورَةُ النِّسَاءِ
٤٥٨
التفسير الإشاري (١٦٧ -١٧٦)
البواطن، فحظُوا عيسى عليه السلام عن درجة النبوة والتخلَّق بأخلاق الله تعالى،
وأما النصارى فتعمَّقوا في البواطن ونفي الظواهر، فرفعوا عيسى عليه السلام إلى
درجة الألوهية.
﴿وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقّ﴾ بالجمع بين الظواهر والبواطن، والجمع
والتفصيل، كما هو التوحيد المحمدي.
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ﴾ الداعي إليه ﴿وَكَلِمَتُّهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى
مَرْيمٌ﴾ أي: حقيقةٌ من حقائقه الدالّة عليه ﴿وَرُوعُ مِنٌْ﴾ أي أَمْرٌ قُدْسيِّ منزَّةٌ عن سائر
النقائص.
وذكر الشيخ الأكبر قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ سببَ تخصيص عيسى عليه السلام بهذا
الوصف أنَّ النافخَ له من حيث الصورةُ الجبريليةُ هو الحقُّ تعالى لا غيره، فكان
بذلك روحاً كاملاً مظهراً لاسم الله تعالى صادراً من اسم ذاتيٍّ، ولم يكن صادراً
من الأسماء الفرعية كغيره، وما كان بينه وبين الله تعالى وسائط، كما في أرواح
الأنبياء غيره عليهم الصلاة والسلام، فإنَّ أرواحهم وإن كانت من حَضْرة اسم الله
تعالى، لكنها بتوسُّط تجلِّاتٍ كثيرةٍ من سائر الحضرات الأسمائية، فما سُمِّيَ
عيسى عليه السلام روحَ الله تعالى وكلمتَهُ إلا لكونه وُجد من باطن أَحديَّةِ جَمْعِ
الحضرة الإلهية، ولذلك صَدَرتْ منه الأفعالُ الخاصَّةُ بالله تعالى من إحياءِ الموتى
وخَلْقِ الطير، وتأثيره في الجنس العالي والجنس الدُّون، وكانت دعوته عليه
السلام إلى الباطن والعالم القدسيِّ؛ فإنَّ الكلمةَ إنما هي من باطن اسم الله تعالى
وهويته الغيبية، ولذلك ظَهَّرَ الله تعالى جسمه من الأقذار الطبيعية؛ لأنه روحٌ
متجسّدٌ في بدنٍ مثاليٍّ روحانيٍّ. إلى آخر ما ذكره الإمام الشعرانيُّ في ((الجواهر
والدُّرر)).
﴿فَاِنُواْ بَِهِ وَرُسُلِّهِ﴾ بالجمع والتفصيل ﴿وَلَا تَقُولُواْ ثَلَثَهُ﴾ لأنَّ ذلك ينافي
التوحيدَ الحقيقيَّ، وعيسى عليه السلام في الحقيقة فانٍ، ووجودُهُ بوجود الله تعالى،
وحياتُه عليه السلام بحياته جلَّ شأنه، وعلْمُهُ عليه السلام بعِلْمِهِ سبحانه.
﴿إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وهو الوجودُ المطلقُ، حتى عن قيدِ الإطلاق ﴿سُبْحَنَهُ:

التفسير الإشاري (١٦٧-١٧٦)
٤٥٩
سُورَةُ النَّسَاءِ
أَنْ يَكُونَ لَهُ، وَلَدٌ﴾ أي: أُنزِّهُهُ عن أن يكون موجودٌ غيرهُ متولِّدٌ منه مجانسٌ(١) له
في الوجود.
﴿لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ﴾ أي: ما في سماوات الأرواح وأرض
الأجساد؛ لأنها مظاهرُ أسمائه وصفاته عزَّ شأنه.
﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلِّ﴾ في مقام التفصيل؛ إذ كلُّ ما ظَهَرَ
فهو ممكنٌ، والممكنُ لا وجود له بنفسه، فيكونُ عَبْداً محتاجاً ذليلاً مفتقراً غيرَ
مستنكفٍ عن ذل العبودية ﴿وَلَا الْمَلَتِكَةُ المُغْرَّبُونَ﴾ الذين هم أرواحٌ مجرَّدَةٌ وأنوارٌ
قدسيةٌ محضة، وأما في مقام الجمع، فلا عيسى ولا ملك ولا قُرْب ولا بعد
ولا ولا ...
﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَيِّهِ﴾ بظهور أنانيته، ﴿وَيَسْتَكْرٍ﴾ بطغيانه في الظهور
بصفاته ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ بظهور نور وجهه، وتجلِيه بصفة القَهْر حتى يفنَوا
بالكلية في عين الجمع.
﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الإيمانَ الحقيقيَّ بمحو الصفات وطَمْس الذات ﴿وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ﴾ وراعَوا تفاصيل الصفات وتجلِّياتها ﴿فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ من جنَّات صفاته
﴿وَيَزِيدُهُمْ مِن فَضْلِّهِ﴾ بالوجود الموهَبِ لهم بعد الفناء ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ أَسْتَنْكَفُوا﴾
وأظهروا الأنانية ﴿وَأُسْتَكْبِرُواْ﴾ وطغوا فقال قائلهم: أنا ربُّكم الأعلى، مع رؤيته نفسَه
﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ باحتجابهم وحرمانهم.
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَءَ كُمْ بُرْهَانٌ مِّنِ زَّبِّكُمْ﴾ وهو التوحيد الذاتيُّ ﴿وَأَنَزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا
مُبِينًا﴾ وهو التفصيلُ في عين الجمع؛ فالأول إشارةٌ إلى القرآن، والثاني إلى
الفرقان.
﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ.﴾ ولم يلتفتوا إلى الأغيار من حيث إنها
أغيار ﴿فَسَيُدْيِلُهُمْ فِ رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ وهي جنات الأفعال ﴿وَفَضْلٍ﴾ وجنات الصفات
﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وهو الفناء في الذات، أو: الرحمةُ جناتُ الصفات،
(١) في (م): مجالس، وهو تصحيف.

سُورَةُ النساءِ
٤٦٠
التفسير الإشاري (١٦٧ - ١٧٦)
والفضلُ جناتُ الذات؛ و((الهدايةُ إليه صراطاً مستقيماً)): الاستقامةُ على الوحدة في
تفاصيل الكثرة، ولا حَجْر على أرباب الذوق، فكتاب الله تعالى بحرٌ لا تُنْزِفُه
الدِّلَاء.
والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، ونسأله التوفيق لفهم كلامه، وشَرْح
صدورنا بعوائد إحسانه وموائد إنعامه، لا ربَّ غيرُه، ولا يُرجى إلا خيرُهُ.
تم بعونه تعالى الجزء السادس من تفسير روح المعاني
ويليه إن شاء الله الجزء السابع
ويبدأ بسورة المائدة