النص المفهرس

صفحات 401-420

الآية : ١٦٥
٤٠١
سُورَةُ النَّسَّةِ
﴿رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ نصب على المدح، أو بإضمار ((أرسلنا))، أو على
الحال من ((رُسُلاً)) الذي قبله، أو ضميره، وهي حالٌ موطّئة، والمقصود وَصْفُها،
وضُعِّفَ هذا بأنه حينئذٍ لا وجهَ للفَصْلِ بين الحال وذِيها .
وجُوِّز أن يكونَ نَصْباً على البدلية من ((رُسُلاً)) الأول، وضُعِّفَ بأنَّ اتِّحادَ البدل
والمبدَل منه لفظاً بعيدٌ، وإن كان المعتمدُ بالبدلية الوصف، أي: مبشِّرينَ مَنْ آمَنَ
وأَطاعَ بالجنة والثواب، ومُنذِرِينَ مَنْ كَفَرَ وعصى بالنار والعقاب.
﴿لِّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُبَّةٌ﴾ أي: معذرةٌ يعتذرونَ بها قائلين: لولا أرسلتَ
إلينا رسولاً، فيُبيِّنَ لنا شرائِعَكَ، ويُعلِّمَنا ما لم نكن نعلمُ من أحكامك، لقصور
القوى البشرية عن إدراك جزئيَّات المصالح، وعَجْزِ أكثر الناس عن إدراك كلِّيَّاتها ،
فالآية ظاهرةٌ في أنه لا بدَّ من الشرع وإرسال الرسل، وأنَّ العقل لا يغني عن ذلك،
وزعم المعتزلةُ أنَّ العقلَ كافٍ، وأنَّ إرسالَ الرسل إنما هو للتنبيه عن سِنَةِ الغفلة
التي تعتري الإنسانَ من دون اختيار، فمعنى الآية عندهم: لئلًا يبقى للناس على الله
حُجَّة، وسيأتي ردُّ ذلك إن شاء الله تعالى مع تحقيق هذا المبحث(١).
وتسميةُ ما يقالُ عند تَرْك الإرسال حُبَّةً - مع استحالة أن يكون لأَحدٍ عليه
سبحانه حُجَّةٌ - مجازٌ بتنزيل المعذرَةِ في القبول عنده تعالى بمقتضى كَرَمِهِ ولُظْفه
منزلةَ الحُجَّةِ القاطعة التي لا مردً لها، فلا يَبطلُ قولُ أهل السنة: إنه لا اعتراض
لأحدٍ على الله تعالى في فِعْلٍ من أفعاله، بل له سبحانه أن يفعل بمَنْ شاءَ
ما شاء.
واللامُ متعلِّقةٌ بـ ((أرسلنا)) المقدَّرِ، أو بـ ((مبشِّرين ومُنذِرين)) على التنازع، وجُوِّزَ
أن تتعلَّقَ بما يدلَّان عليه.
و(حُجّةٌ)) اسمُ ((كان))، وخبرُها ((للناس))، و((على الله)) حالٌ من ((حُجَّة))، ويجوز
أن يكون الخبر ((على الله)) و((للناس)) حالٌ. ولا يجوز أن يتعلَّق ((على)) بـ ((حُجَّة))
لأنها مصدرٌ ومعمولُهُ لا يتقدَّم عليه، ومَنْ جوَّزه في الّرْف جوَّزه هنا.
وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ الرُّسُلِّ﴾ أي: بعد إرسالهم وتبليغ الشريعة على ألسنتهم،
(١) عند تفسير الآية (١٣٤) من سورة طه .

سُورَةُ النساءِ
٤٠٢
الآية : ١٦٦
ظَرْفٌ لـ ((حجة))، وجُوِّزَ أن يكونَ صفةً لها؛ لأنَّ ظَرْفَ الزمان يُوصَفُ به المصادر
کما يُخبّر به عنها .
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يُغالَبُ في أمرٍ يريده ﴿حَكِيمًا ﴾﴾ في جميع أفعاله، ومن
قضية ذلك الامتناعُ عن إجابة مسألة المتعنِّتين، وقَطْعُ الحُجَّةِ بإرسال الرسل وتنوُّع
الوحي إليهم والإعجاز. وقيل: عزيزاً في عقاب الكفَّار، حكيماً في الإعذار بعد
تَقَدُّمِ الإنذار(١).
﴿لَِّنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ﴾ بتخفيف النون ورَفْعِ الجلالة.
وقرأ السُّلمي بتشديد النون ونَصْبِ الجلالة(٢). وهو استدراٌ عن مفهوم ما قبله،
كأنهم لما سألوه بَّهِ إنزالَ كتابٍ من السماء وتعنَّتوا، وردّ عليهم بقوله تعالى: ﴿إِنّا
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ إلخ، قيل: إنهم لا يشهدون، لكنِ اللهُ يشهد، وحاصل ذلك: إن لم
تلزمهمُ الحُجَّة ويَشهدوا لك، فالله تعالى يشهد.
وقيل: إنه سبحانه لمَّا شبَّه الإيحاءَ إليه وَّيه بالإيحاء إلى الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام، أَوْهَمَ ذلك التشبيهُ مَزِيَّةَ الإيحاء إليهم، فاستدركَ عنه بأنَّ للإيحاء إليك
مزيةً شهادةِ الله تعالى.
﴿يَمَآ أَنْزَلَ إِلَيْكٌ﴾ أي: بحقِّيَّةِ الذي أنزله إليك وهو القرآن، فالجارُّ
والمجرورُ متعلُّقٌ بـ ((يشهد)) والباءُ صِلة(٣)، والمشهود به هو الحَقّيَّة.
ويجوز أن يكون المشهود به هو النبوة، وتعلَّق ((بما أنْزل)) تعلُّق الآلية، أي:
يشهد بنبوَّتك بسبب ما أَنزل إليك، لدلالته بإعجازه على صِدْقك ونبوَّتك.
ولعلَّ مآل المعنى ومؤدَّاه واحد، فإنَّ شهادته سبحانه بحَقِّيَّةٍ ما أنزله من القرآن
بإظهار المعجِزِ، المقصودُ منه إثباتُ نُبُوَّتِهِ وٍَّ .
وأخرج البيهقي في ((الدلائل)) وغيرُهُ عن ابن عباس
طًِّا قال: دخل جماعةٌ من
(١) بعدها في (م): كأنه بعد أن سألوا إنزال كتاب الله تعالى.
(٢) القراءات الشاذة ص٣٠، والكشاف ٥٨٣/١. ووقع في (م): السليمي، بدل: السلمي،
وهو تصحيف .
(٣) أي: صلة للشهادة. تفسير أبي السعود ٢٥٧/٢.

الآية : ١٦٦
٤٠٣
سُورَةُ النَّسَاءِ
اليهود على رسول الله وَله، فقال عليه الصلاة والسلام لهم: ((إني واللهِ أعلمُ أنكم
تعلمون أنِّي رسول الله)) فقالوا: ما نعلمُ ذلك. فنزلت: ﴿لَّكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ﴾(١).
وفي رواية ابن جرير عنه أنه لمَّا نزل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ قالوا: ما نشهد لك.
فنزل: ﴿لَّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنْزَلَ إِلَيْكٌ﴾(٢).
وقرئ: ((أُنزِلَ)) على البناء للمفعول(٣).
﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِةٍ.) ذُكر فيه أربعة أوجه:
الأول: أن يكون المعنى: أنزله بعلمه الخاصِّ به، الذي لا يعلمه غيرُهُ
سبحانه، وهو تأليفُهُ على نَظْم وأسلوبٍ يَعْجَزُ عنهُ كلُّ بليغٍ وصاحب بيان، واختاره
جماعةٌ من المفسرين .
والثاني: أن يكون المعنى: أنزله وهو عالمٌ بأنك أهلٌ لإنزاله إليك؛ لقيامك فيه
بالحقِّ ودعائك الناس إليه، واختاره الطبرسيّ(٤).
والثالث: أن يكون المعنى: أنزله بما عَلِمَ من مصالح العباد مشتملاً عليه.
والرابع: أن يكون المعنى: أنزله وهو عالمٌ به رقيبٌ عليه، حافظٌ له من
الشياطين برصدٍ من الملائكة.
والعلمُ على الوجه الأول قيل: بمعنى المعلوم، والمراد به التأليفُ والنَّظُمُ
المخصوصُ، وليس من جَعْلِ العِلْم مجازاً عن ذلك. ولو جُعل عليه العلمُ بمعناه
المصدريِّ، والباءُ للملابسة، ويكونَ تأليفُهُ بياناً لتلبُّسه لا للعلم نفسه صحَّ، لكن فيه
تجوُّزٌ من جهة أنَّ التأليفَ ليس نفسَ التلبُّس بل أَثره، ويحتملُ على هذا أن تكون
الباء للآلية كما يقال: فَعَلَهُ بعِلْمِهِ، إذا كان مُتقناً وعلى ما ينبغي، فيكونُ وصفاً
للقرآن بكمال الحُسْنِ والبلاغة .
(١) دلائل النبوة ٥٣٤/٢-٥٣٥. وأخرجه الطبري ٧ / ٦٩٤.
(٢) لم نقف عليه عند الطبري، وذكره الزمخشري في الكشاف ٥٨٣/١، وأبو حيان في البحر
٣٩٩/٣، والبيضاوي في تفسيره دون نسبة، ونسبه لابن عباس الشهاب في الحاشية ٢٠٣/٣.
(٣) هي قراءة الحسن والمفضل عن عاصم، القراءات الشاذة ص ٣٠، والبحر المحيط ٣٩٩/٣.
(٤) في مجمع البيان ٢٩٦/٦.

سُورَةُ النَّسَاءِ
٤٠٤
الآية : ١٦٦
وأما على الوجه الثاني والثالث فالعلم بمعناه، أو هو في الثالث بمعنى
المعلوم، والظرفُ حالٌ من الفاعل أو المفعول، ومتعلِّقُ العلم مختلف، وهو: أنك
أهلٌ لإنزالهِ، أو: مصالحَ العباد.
وظاهرُ كلام البعض أنه على الثاني حالٌ من الفاعل، وعلى الثالث من
المفعول، وجُوِّز أن يكون مفعولاً مطلقاً مطلقاً، أي: إنزالاً متلبِّساً بعلمه، وموقعُ
الجملة على الأول موقعَ الجملة المفسِّرة؛ لأنه بيانٌ للشهادة على ما نصَّ عليه
الزمخشريُّ(١)، وعلى الوجهين موقعُ التقرير والبيان للصلة، وقيل: إنها في الأوجه
الثلاثة كالتفسير لـ ((أَنزل إليك)) لأنها بيانٌ لإنزاله على وجهٍ مخصوص.
وأما على الوجه الرابع فقد ضمّنَ العلم بمعنى الرقيب الحافظ، والظَّرْفُ حالٌ
من الفاعل، ويكون ((أنزله)) تكريراً ليعلَّق به ما علِّق، أو كما قيل، ولم يعتبر بعضُهم
هذا الوجه؛ لأنه لا مساسَ له بهذا المقام، وقيل: إنَّ فيه تعظيماً لأمر القرآن بحفظه
من شياطين الجنِّ، المشعر بحفظه أيضاً من شياطين الإنس، فتكون الجملةُ حينئذٍ
كالتفسير للشهادة أيضاً. وقرئ: ((نزَّله))(٢) .
﴿وَالْمَلَبِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أيضاً بما شهد الله تعالى به؛ لأنهم تَبَعٌ له سبحانه في
الشهادة، والجملة عَظْفٌ على ما قبلها، وقيل: حالٌ من مفعول ((أنزله))، أي: أنزله
والملائكةُ يشهدون بصدقه وحَقّيَّته، وجَعَلَ بعضُهم شهادةَ الملائكة على صِدْقِهِ وَه
في دعواه بإتيانهم لإعانته عليه الصلاة والسلام في القتال ظاهرينَ كما كان في غزوة
بدر، وأيًّاما كان فـ ((يشهدون)) من الشهادة، وذُكر أنه على الوجه الرابع من الشهود
للحفظ .
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (﴾﴾ على ما شَهِدَ به لك، حيث نَصَبَ الدليل، وأوضح
السبيل، وأزال الشُّبَه، وبالَغَ في ذلك على وجهٍ لا يحتاج معه إلى شهادةٍ غيرِه عزَّ
وجلَّ.
(١) في الكشاف ١/ ٥٨٤ .
(٢) نسبها أبو حيان في البحر ٣٩٩/٣، والسمين في الدر المصون ١٦٣/٤ السلمي.

التفسير الإشاري (١٤٨ - ١٦٦)
٤٠٥
سُورَةُ النَّسَاءِ
هذا، ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾
أي: لا يُحبُّ أن يَهتِكَ العبدُ سِتْرَه إذا صَدَرَتْ منه هفوةٌ، أو اتَّفقت منه كَبْوةٌ ﴿إِلَّا
مَنْ ظَلَ﴾ أي: إلا جَهْرَ مَنْ ظَلَمَتْهُ نفسُهُ برسوخ الملَكَات الخبيثة فيه، فإنه مأذونٌ له
بإظهار ما فيه من تلك الملَكّات وعَرْضِها على أَطبّاء القلوب ليَصِفُوا له دواءَها.
وقيل: ﴿لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ﴾ تعالى إفشاءَ سِرِّ الربوبية وإظهارَ مواهب الأُلوهية، أو
كَشْفَ القناع من مكنونات الغيب ومَصُوناتِ غيبٍ الغيب ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِّ﴾ بغَلَبات
الأحوال، وتعاقُبٍ كؤوس الجلال والجمال، فاضْطُرَّ إلى المقال، فقال باللسان
الباقي لا باللسان الفاني: أنا الحقُّ، وسُبحاني ما أعظم شأني، وفي تسمية تلك
الغلبة ظُلْماً خفاءٌ لا يخفى.
وفي ظاهر الآية بشارةٌ عظيمةٌ للمذنبين، حيث بيَّن سبحانه أنه لا يرضى بَهْكِ
السِّتْر إلا من المظلوم، فكيف يرضى سبحانه من نفسه أن يهتِكَ سِتْرَ العاصين
وليسوا بظالميه جلَّ جلالُهُ، وإنما ظلموا أنفسَهم كما نطق بذلك الكتاب.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِلَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ
تُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ هؤلاء قومٌ احتجبوا بالجمع عن التفصيل، فأَنكروا
الرُّسُلَ لتوهُّمهم وَحْدةً منافيةً للكثرة، وجَمْعاً مبايناً للتفصيل، ومن هنا عظّلوا
الشرائع، وأباحوا المحرَّمات، وتركوا الصلوات ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ﴾
أي: الإيمان بالكُلِّ جَمْعاً وتفصيلاً، والكُفْرِ بالكلِّ ﴿سَبِيلًا﴾ أي: طريقاً.
﴿أُوْلََّكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ المحجوبون ﴿حَقًّا﴾ بذواتهم وصفاتهم؛ لأنَّ معرفتَهم
وَهْمٌ وَغَلَطَ، وتوحيدهم زندقةٌ وضلالٌ، ولَقَتْلُ واحدٍ منهم أنفعُ من قَتْلِ ألف كافٍ
حربيٍّ على ما أشار إليه حُجَّةُ الإِسلام الغزالي قُدِّس سرُّه.
﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ وهم المؤمنون جَمْعاً
وتفصيلاً، لا يحجُبهم جَمْعٌ عن تفصيل ولا تفصيلٌ عن جمع، كالسادة الصادقين
من أهل الوحدة ﴿أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ من الجنَّات الثلاث ﴿وَكَانَ اللَّهُ
غَفُورًا﴾ يستر ذواتهم وصفاتهم ﴿رَّحِيمًا﴾ يرحمهم بالوجود الموهوب الحقَّانيّ،
والبقاء السرمدي.

سُورَةُ الْنَسَّةِ
٤٠٦
التفسير الإشاري (١٤٨ -١٦٦)
﴿يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِنَبًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: علماً يقينيًّا
بالمكاشفة من سماء الروح ﴿فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىّ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اَللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي:
طلبوا المشاهدةَ، ولا شكَّ أنها أكبرُ وأعلى من المكاشفة ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعِقَةُ﴾ أي:
استولتْ عليهم نارُ الأنانية، وأهلكتِ استعدادهم بظُلْمهم، وهو طَلَّبُهُمُ المشاهدةَ مع
بقاء ذواتهم.
﴿ثُمَّ أَّخَذُواْ الْعِجْلَ﴾ أي: عِجْلَ الشهوات الذي صاغه لهم سامريُّ النفس
الأمّارة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَتُ﴾ الرَّادِعةُ لهم عن ذلك ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا
◌ُبِينًا﴾، وهو سطوعُ نور التجلّي من وجهه، حتى احتاج إلى أن يستر وجهه بالبُرْقعِ
رحمةً بخفافيش أُمَّته.
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اُلُوَرَ﴾ أي: جعلناه مستولياً عليهم ﴿يِمِتَِهِمْ﴾ أي: بسبب أن
يُعطوا الميثاق، وأُشير بالطُور إلى موسى عليه السلام، أو إلى العقل، ورَفْعُه فوقَهم
تأييدُهُ بالأنوار الإلهية ﴿وَقُلْنَا لَهُ أَدْخُلُواْ الْبَابَ﴾ أي: باب السَّير والسلوكِ المُؤْصِل
إلى حضيرة القُدس وملك الملوك ﴿يُجَّدًّا﴾ خُضَّعاً متذلِّلين.
وقوله تعالى: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أشيرَ به على ما ذكره بعض القوم - والعهدة عليه -
إلى اتصال روحه عليه السلام بالعالم العلويِّ عند مفارقته للعالم السفلي، وذلك الرفعُ
عندهم إلى السماء الرابعة؛ لأنَّ مصدرَ فيضان روحه عليه السلام روحانيةُ فَلَكِ الشمس
الذي هو بمثابة قَلْبِ العالم، ولمَّا لم يصلْ إلى الكمال الحقيقيِّ الذي هو درجةُ
المحبَّةِ، لم يكن له بُدٌّمن النزول مرةً أخرى في صورةٍ جسدانية، يتبع الملَّةَ المحمدية
لنيل تلك الدرجة العلية، وحينئذٍ يعرفُهُ كلُّ أحدٍ، فيؤمنُ به أهلُ الكتاب - أي: أهلُ
العلم العارفين بالمبدأ والمعاد - كلَّهم عن آخرهم قبل موته عليه السلام بالفناء بالله عزَّ
وجلَّ، فإذا آمنوا به يكون يوم القيامة - أي: يومٍ بروزهم عن الحُجُبِ الجسمانية،
وانتباهِهم عن نَوْمِ الغفلة - شهيداً، وذلك بأن يتجلَّى الحقُّ علیھم في صورته.
﴿فَيُطْرٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ وهو عبادتُهم عِجْلَ الشهوات واتِّخاذُه إلهاً، وامتناعُهم
عن دخول بابٍ حضيرة القُدس، واعتداؤهم (١) في السبت بمخالفة الشرع الذي هو
(١) في الأصل و(م): واعتدائهم، والصواب ما أثبتناه.

التفسير الإشاري (١٤٨ - ١٦٦)
٤٠٧
سُورَةُ النِّسَكَاءِ
المظهر الأعظم، والاحتجابُ عن كَشْفِ توحيد الأفعال، ونقضُهم ميثاقَ الله تعالى،
واحتجابُهم عن توحيد الصفات الذي هو كُفْرٌ بآيات الله تعالى، إلى غير ذلك من
المساوي :
لما أُمْهِرنَ إلا بالطَّلاقِ(١)
مساوٍ لو قُسِمْنَ على الغواني
﴿حَّمْنَا عَلَّهِمْ طَيِّبَةٍ﴾ عظيمةٍ جليلةٍ، وهي ما في الجنَّات الثلاث ﴿أُحِلَّتْ لَمْ﴾
بحسب استعدادهم لولا هذه الموانع.
﴿وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي طريقهِ الموصلة إليه سبحانه ﴿كَثِيرًا﴾ أي: خَلْقاً
كثيراً، وهي القوى الروحانية.
﴿وَأَخْذِهِمُ الْرِبَوا﴾ وهو فُضُول العلم الرسميّ الجدليِّ الذي هو كشجرة الخلاف
لا ثمرة له، وكاللَّذَّات البدنية والحظوظ النفسانية ﴿وَقَدْ نُهُواْ عَنَّهُ﴾ لِمَا أنه الحجابُ
العظيم ﴿وَأَكْلِهِمْ أَقْوَّلَ النَّاسِ بِلْبَطِلِّ﴾ أي: استعمال علوم القوى الروحانية في تحصيل
الخسائس الدنيوية، أو أخذ ما في أيدي العباد برذيلة الحرص والطمع.
﴿لَّكِنِ الرَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ﴾ المستقيمون في السماع الخاصِّ من الله سبحانه من
غير معارضة النفوس واضطراب الأسرار ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ بالإيمان العياني، حالَ كونهم
﴿ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ من الأحكام الشرعية والأسرار الإلهية
﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَةُ﴾ على أكمل وجه ﴿وَاُلْمُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ ببذل قواهم(٢) في
أصناف الطاعة ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِالَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾ أي: بالمبدأ والمعاد، والمرادُ من
المتعاطفات طائفةٌ واحدةٌ كما قدمنا (٣) ﴿أُوْلَكَ سَنُؤْتِهِمْ أَبْرًّا عَضِيَا﴾ لا يُقادرُ قَدْره
فيما أُعدَّ لهم من الجنات.
﴿إِنَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحِ﴾ الآيةُ، التشبيهُ على حدِّ التشبيهِ في قوله
تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْضِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] على
قول.
(١) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه (بشرح التبريزي) ٤/ ٤٠٧.
(٢) في (م): قوامهم.
(٣) ص٣٨٧ من هذا الجزء.

سُورَةُ الْنِسْكَاةِ
٤٠٨
الآية : ١٦٧ - ١٦٨
﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ﴾ بتجلّيات اللُّظْفِ ﴿وَمُنذِرِينَ﴾ بتجلّيات القَهْرِ ﴿لِتَّلَا يَكُونَ
لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُبَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ﴾ أي: لئلا يكون لهم ظهورٌ وسلطنةٌ بعد ما مُحي ذلك
بإمداد الرسل ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ فيمحو صفاتهم ويُفني ذواتهم ﴿حَكِيمًا﴾ فیُفیض
عليهم من صفاته، ويبقيهم في ذاته حَسْبما تقتضيه الحكمة.
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنَزَلَ إِلَيْكٌَ﴾ لتجلِّيه فيه سبحانه ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِةٍ﴾ أي:
متلبِّساً بعلمه المحيط الذي لا يَعْزُبُ عنه مثقالُ ذَرَّةٍ في السماوات ولا في الأرض.
ومن هنا عَلِمَ رَِّ ما كان وما هو كائن ﴿وَالْمَلَتَبِكَةُ﴾ هم أصحاب النفوس القُدْسِيةِ
﴿يَشْهَدُونَ﴾ أيضاً لعدم احتجابهم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ لأنه الجامعُ ولا موجودَ
غيره، والله تعالى الموفق للصواب.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بما أُنزِل إليك، أو بكلِّ ما يجبُ الإيمان به ويدخلُ ذلك فيه
دخولاً أوَّلِيًّا، والمراد بهم اليهود، وكأنَّ الجملةَ لبيان حُكْم الله سبحانه فيهم بعد
بیان حالھم وتعتُّتهم .
﴿وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الَّهِ﴾ أي: دين الإسلام مَنْ أَرادَ سلوكَهُ بإنكارهم نعتَ
النبيِّ ◌َّة، وقولِهم: لا نعرفه في كتابنا، وأنَّ شريعةً موسى عليه السلام لا تُنْسَخُ،
وأنَّ الأنبياء لا يكونون إلا من أولاد هارون وداود عليهما السلام.
وقرئ: ((صُدُّوا)) بالبناء للمفعول(١).
﴿قَدْ ضَلُواْ﴾ بالكفر والصَّدِّ ﴿ضَلَلا بَعِيدًا ﴾ لأنهم جمعوا بين الضلال
والإضلال، ولأنَّ المُضِلَّ يكونُ أقوى وأَدخلَ في الضلال، وأَبعدَ عن الانقلاع عنه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بما ذُكر آنفاً ﴿وَظَلَمُوا﴾ محمداً فَه بإنكار نبوَّته، وكتمانِ
نعوته الجليلة، أو الناسَ بصدِّهم لهم عن الصراط المستقيم، والمراد: إنَّ الذين
جمعوا بين الكفر وهذا النوع من الظّلم.
﴿لَمْ يَكُنِ الَّهُ لِيَغْفِرَ لَمْ﴾ لاستحالةِ تعلُّق المغفرة بالكافر.
(١) المحرر الوجيز ١٣٨/٢، والبحر ٤٠٠/٣ عن عكرمة وابن هرمز.

الآية : ١٦٩
٤٠٩
سُورَةُ النَّسَاءِ
والآيةُ في اليهود على الصحيح، وقيل: إنها في المشركين وما قبلَها في اليهود.
وزعم بعضُهم (١) أنَّ المرادَ من الظُّلْم: ما ليس بكُفْر من سائر أنواع الكبائر،
وحَمَلَ الآيةَ على معنى: إنَّ الذين كان بعضُهم كافرين، وبعضُهم ظالمين أصحابَ
كبائر، لم يكن .. إلخ.
ولا يخفى أنَّ ذلك عدولٌ عن الظاهر لم يَدْعُ إليه إلا اعتقادُ أنَّ العصاةَ مخلَّدون
في النار تخليدَ الكفار، والآيةُ تنبو عن هذا المعتقدِ، فإنه قد جُعل فيها الفعلان
كلاهما صلةً للموصول، فيلزمُ وقوعُ الفعلين جميعاً من كلِّ واحدٍ من آحاده،
ألا تراك إذا قلت: الزيدون قاموا، فقد أَسندتَ القيامَ إلى كلِّ واحدٍ من آحاد
الجمع، فكذلك لو عطفتَ عليه فعلاً آخرَ لَزِمَ فيه ذلك ضرورة، وسياقُ الآية أيضاً
يأبى ذلك المعنى، لكن لم يزل ديدنُ المعتزلة اتِّباعُ الهوى، فلا يبالون بأيِّ وادٍ
وقعوا .
﴿وَلَا لِيَّهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (﴿٢﴾ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ لعدم استعدادهم للهداية إلى الحق
والأعمال الصالحة التي هي طريق الجنة، والمراد من الهداية المفهومة من الاستثناء
بطريق الإشارة كما قال غير واحد: خَلْقُهُ سبحانه لأعمالهم السيئةِ المؤذِّية بهم (٢)
إلى جهنّم حَسْبَ استعدادهم، أو سَوْقُهمْ إلى جهنَّم يومَ القيامة بواسطة الملائكة.
وذكر بعضُهمْ أنَّ التعبيرَ بالهداية تهكّمٌ إن لم يُرَدْ بها مطلقُ الدلالة.
والطريقُ على عمومه، والاستثناءُ متَّصلٌ كما اختاره أبو البقاء(٣) وغيره. وجوَّز
السمينُ أن يُرادَ بالطريق شيءٌ مخصوصٌ، وهو العملُ الصالح، والاستثناءُ
منقطع (٤).
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حالٌ مقدَّرةٌ من الضمير المنصوب؛ لأنَّ الخلودَ يكونُ بعد
إيصالهم إلى جهنّم، ولو قُدِّرَ: يقيمون خالدين، لم يلتئم.
(١) هو الزمخشري في الكشاف ١/ ٥٨٤ .
(٢) في الأصل و(م): لهم. والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٥٨/٢ والكلام منه.
(٣) في الإملاء ٣٦٨/٢.
(٤) الدر المصون ١٦٣/٤، وذكره أيضاً أبو حيان في البحر ٤٠٠/٣.

سُورَةُ النِّسَاءِ
٤١٠
الآية : ١٧٠
وقيل: يمكن أن يُستغنَى عن جَعْلِهِ حالاً مقدَّرةً بأنَّ هذا من الدلالة الموصِلةِ إلى
جهنَّم، أو الدلالة إلى طريقٍ يُوصِلُ إليها، فهو حالٌ عن المفعول باعتبار الإيصال
لا الدلالة، فتدبر.
وقوله تعالى: ﴿أَبَدَمْ﴾ نَصْبٌ على الظرفية رافعٌ احتمالَ أن يُراد بالخلود المكثُ
الطويل.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: انتفاءُ غفرانه وهدايتِه سبحانه إياهم، وطرحُهم في النار
®﴾ سهلاً لا صارفَ له عنه، وهذا تحقيرٌ لأمرهم وبيانٌ
إلى الأبد ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
لأنه تعالى لا يَعبأُ بهم ولا يبالي.
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطابٌ لجميع المكلَّفين بعد أن حكى سبحانه لرسوله ◌َّهِ تَعَلُّلَ
اليهود بالأباطيل، واقتراحَهمُ الباطلَ تعتُّناً، وَرَدَّ جلَّ شأنُه عليهم بما ردَّ، وأَّد ذلك
بما أَگَّد.
وفي توجيه الخطاب إليهم وأَمْرِهم بالإيمان مشفوعاً بالوعد والوعيد بَعْدُ، تنبيهٌ
على أنَّ المحجَّةَ قد وَضَحَتْ، والحُجَّةَ قد لَزِمَتْ، فلم يبقَ لأحدٍ عُذْرٌ في القبول.
وقيل: الخطابُ لأهل مكة؛ لأنَّ الخطاب بـ ((يا أيها الناس)) أينما وَقَعَ لهم.
ولا يخفى أنَّ التعميمَ أولى، وما ذُكر في حيِّز الاستدلال - وإن روي عن بعض
السلف - أغلبيٍّ.
وقيل: هو للكفار مطلقاً؛ إبقاءً للأمر على ظاهره، ولم يَحتجْ إلى حمله على
ما يعمُّ الإحداث والثبات(١).
﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾ يعني به محمداً بَّهِ، وإيرادُهُ عليه الصلاة والسلام بعنوان
الرسالة لتأكید وجوب طاعته.
﴿يِالْحَقِّ﴾ أي: متلبِّساً به، وفُسِّر بالقرآن، وبدين الإسلام، وبشهادة التوحيد.
وجُوِّزَ أن تكون الباءُ للتعدية، أو للسببية متعلقةً بـ ((جاء))، أي: جاءكم بسبب إقامة
الحقِّ.
(١) أي أن تعميم الخطاب للمؤمنين والكافرين يحتاج إلى حمل الأمر بالإيمان على الثبات عليه
بالنسبة للمؤمنين، وعلى إحداثه بالنسبة للكافرين.

الآية : ١٧٠
٤١١
سُورَةُ النِّسَاءِ
وقولُه سبحانه: ﴿مِن زَيَّكُمْ﴾ متعلِّقٌ إما بالفعل أيضاً، أو بمحذوفٍ وقع حالاً
من الحق، أي: جاءكم به من عند الله تعالى، أو كائناً منه سبحانه.
والتعرُّضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطَّبين للإيذان بأنَّ ذلك
لتربيتهم وتبليغهم إلى كمالهم اللائقِ بهم؛ ترغيباً لهم في الامتثال لما بعدُ من
الأمر، كما أنَّ في ذِكرِ الجملة تمهيداً لما يعقبها من ذلك. وقيل: إنها تكريرٌ
للشهادة وتقريرٌ للمشهود به وتمهيدٌ لما ذكر.
﴿فَامِنُواْ﴾ أي: بالرسول ◌َّله، وبما جاء به من الحقّ، والفاءُ للدلالة على
إيجاب ما قبلها لما بعدها .
وقولُه سبحانه: ﴿خَيْرًّاً لَّكُمْ﴾ منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ وجوباً تقديره: وافعلوا،
أو: انتوا خيراً لكم، وإلى هذا ذهب الخليل وسيبويه(١).
وذهب الفراء (٢) إلى أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إيماناً خيراً لكم. وأُورد
عليه أنه يقتضي أنَّ الإيمانَ ينقسمُ إلى خيرٍ وغيره. ودُفعَ بأنه صفةٌ مؤكِّدةٌ، وأنَّ
مفهومَ الصفة قد لا يُعتبر، وعلى القول باعتباره قد يقال: إنَّ ذِكْرَهُ تعريضٌ بأهل
الكتاب، فإنَّ لهم إيماناً ببعض ما يجبُ الإيمانُ به كاليوم الآخر مثلاً، إلا أنه ليس
خيراً حيثُ لم يكن على الوجه المَرْضِيِّ.
وذهب الكسائيُّ وأبو عبيد (٣) إلى أنه خبر ((كان)) مضمرة، والتقدير: يكنِ
الإيمانُ خيراً لكم.
ورُدَّ: بأنَّ ((كان)) لا تُحذَفُ مع اسمها دون خبرها إلا في مواضعَ اقتضتهُ، وأنَّ
المقدَّر جوابُ شرطٍ محذوفٍ، فيلزمُ حَذْفُ الشرط وجوابه؛ إذ التقدير: إن تؤمنوا
يكنِ الإيمانُ خيراً .
وأجيب: بأنَّ تخصيصَ حَذْفِ ((كان)) واسمِها في مواضعَ لا يُسلِّمه هذا القائل،
(١) في الكتاب ٢٨٢/١-٢٨٣.
(٢) في معاني القرآن ٢٩٥/١.
(٣) كذا في الأصل و(م): أبو عبيد، ولعل الصواب: أبو عبيدة، فهذا القول مذهبه كما في مجاز
القرآن ١٤٣/١، ونقله عنه القرطبي في تفسيره ٢٢٨/٧، وأبو حيان في البحر ٣/ ٤٠٠.

سُورَةُ النَّسَاءِ
٤١٢
الآية : ١٧١
وبأنَّ لزوم حَذْفِ الشَّرْط وجوابه مبنيٌّ على أنَّ الجزمَ بشَرْطِ مقدَّر، وإن قلنا
بأنه بنفس الأمر وأخواتِه كما هو مذهبٌ لبعض النحاة، لم يُرَدَّ ذلك.
ونقل مَكِّيٌّ(١) عن بعض الكوفيين أنه منصوبٌ على الحال. وهو بعيدٌ.
﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ من الموجودات، سواءٌ كانت
داخلةً في حقيقتهما، وبذلك يُعلمُ حالُ أنفسهما على أبلغ وجهٍ وآكدِهِ، أو خارجةً
عنهما مستقرَّةً فيهما من العقلاء وغيرهم، ويدخلُ في ذلك المخاطَبون دخولاً أوَّلِيًّا،
أي: كلُّ ذلك له تعالى خَلْقاً ومُلْكاً وتصرُّفاً، ولا يخرجُ من ملكوته وقهره ذرَّة
فما دونها .
والجملةُ دليلُ الجواب أُقيم مُقامه؛ لأنَّ مضمونها مقرَّرٌ قبل كفرهم، فلا يصلحُ
للجواب، والتقدير: وإن تكفروا فهو سبحانه قادرٌ على تعذيبكم بكفركم(٢)؛ لأنَّ له
جلَّ شأنه ما في السماوات والأرض، أو فهو غنيٌّ عنكم لا يتضرَّر بكفركم،
کما لا ينتفعُ بإيمانكم.
وقال بعضُهم: التقدير: وإن تكفروا فقد كابَرْتم عقولَكم، فإنَّ لِلَّهِ سبحانه ما لَه
مما يدلُّ على ما ينافي حالكم واعتقادكم، فكيف يتأتَّى الكفرُ به مع ذلك.
وقيل: التقدير: وإن تكفروا فإنَّ عبيداً غيرَكُمْ لا يكفرون، بل يعبدونه وينقادون
لأمره. ولا يخلو عن بُعْد.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بأحوال كلٍّ، ويدخل في ذلك كفرُهم دخولاً أوَّلِيًّا
﴿حَكِيمًا (٣﴾ في جميع أفعاله وتدبيراته، ويدخلُ في ذلك كذلك تعذيبُ مَنْ كَفَرَ.
﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ﴾ تجريدٌ للخطاب، وتخصيصٌ له بالنصارى، زَجْراً لهم عمَّا
هم عليه من الضلال البعيد، وإلى ذلك ذهب أبو عليٍّ الجبَّائيُّ وأبو مسلم وجماعةٌ
من المفسِّرين.
وعن الحسن أنه خطابٌ لهم ولليهود؛ لأنَّ الغلوَّ - أي مجاوزةَ الحدِّ - والإفراطَ
المنهيَّ عنه في قوله تعالى: ﴿لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ﴾ وَقَعَ منهم جميعاً:
(١) في مشكل إعراب القرآن ٢١٤/١.
(٢) في الأصل و(م): بكفرهم. والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٥٩/٢.

الآية : ١٧١
٤١٣
سُورَةُ المِسْكَاةِ
أما النصارى، فقال بعضهم: عيسى عليه السلام ابنُ الله عزَّ وجلَّ، وبعضُهم:
أنه الله سبحانه، وآخرون: ثالث ثلاثة.
وأما اليهود فقالوا: إنه عليه السلام وُلد لغير رِشْدة.
ورُجِّحَ ما عليه الجماعةُ بأنَّ قولَ اليهود قد نُعي عليهم (١) فيما سبق، وبأنه أَوفقُ
بما بعد.
﴿وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ إِلَّا الْحَقّ﴾ أي: لا تذكروا ولا تعتقدوا إلا القولَ الحقَّ،
دونَ القولِ المتضمِّنِ لدَعْوَى الاتِّحادِ والحلولِ واتِّخاذِ الصاحبة والولد، والاستثناءُ
مفرٌَّ، وهو متَّصلٌ عند الأكثرين.
وادَّعى بعضٌ أنَّ المرادَ من الحقِّ هنا تنزيهُهُ تعالى عن الصاحبة والولد،
والأشبهُ بالاستثناء الانقطاعُ؛ لأنَّ التنزيه لا يكون مقولاً عليه، بل له وفيه؛ لأنَّ
معنى ((قال عليه)): افترى، وهو مخالفٌ لِمَا عليه الأكثرُ في الاستثناء المفرَّغ،
فافهم.
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ﴾ بالتخفيف، وقد مرَّ معناهُ، وقرئ: ((المِسِّيح)) بكسر الميم
وتشديد السين كالسِّكّيت(٢).
وهو مبتدأٌ، وقوله تعالى: ﴿عِيسَى﴾ بدلٌ منه أو عطفُ بيانٍ له، كما قال
أبو البقاء(٣) وغيره، وقولُه تعالى: ﴿أَبْنُ مَرْيَمَ﴾ صفةٌ له، مفيدةٌ بطلانَ ما زعموه
فيه من بنوَّته عليه السلام له عزَّ وجلَّ، وقولهُ سبحانه: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ خبرُ
المبتدأ، والجملةُ مستأنفةٌ مسوقةٌ لتعليل النهي عن القول الباطل المستلزم للأمر
بضدِّه، أي: إنه عليه السلام مقصورٌ على رتبة الرسالة لا يتخطّاها إلى
ما تقولون.
﴿وَكَلِمَنْهُ:﴾ عطفٌ على ((رسول الله))، ومعنى كونه كلمةً: أنه حصل بكلمة
(كُنْ)) من غير مادَّةٍ معتادة، وإلى ذلك ذهب الحسن وقتادة.
(١) قوله: عليهم، ليس في (م).
(٢) القراءات الشاذة ص ٣٠ عن جعفر بن محمد.
(٣) في الإملاء ٣٧٠/٢ .

سُورَةُ النَّسَاءِ
٤١٤
الآية : ١٧١
وقال الغزاليُّ قُدِّس ◌ِرُّهُ: لكلِّ مولود سببٌ قريبٌ وبعيدٌ، فالأول المنيُّ،
والثاني: قول ((كن)) ولمَّا دلَّ الدليلُ على عدم القريب في حقِّ عيسى عليه السلام،
أضافه إلى البعيد، وهو قولُ ((كن)) إشارةً إلى انتفاء القريب، وأوضحه بقوله
سبحانه: ﴿أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أي: أوصلها إليها وحصَّلها فيها، فجعله كالمنيِّ الذي
يُلقَى في الرَّحِم، فهو استعارة.
وقيل: معناه أنه يُهتَدى به كما يُهتَدى بكلام الله تعالى، وروي ذلك عن أبي عليٍّ
الجُبَّائيِّ.
وقيل: معناه: بشارةُ الله تعالى التي بَشَّرَ بها مريم عليها السلام على لسان الملائكةِ
كما قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَتَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٥].
وجملةُ ((ألقاها)) حالٌ ـ على ما قيل - من الضمير المجرور في ((كلمته)) بتقدير
((قد)»، والعاملُ فيها معنى الإضافة، والتقديرُ: وكلمته مُلقياً إياها .
وقيل: حالٌ من ضميره عليه السلام المستكنِّ فيما دلَّ عليه ((وكلمته)) من معنى
المشتقِّ الذي هو العاملُ فيها .
وقيل: حالٌ من فاعل ((كان)) مقدَّرةً مع ((إذ)) المتعلّقةِ بالكلمة باعتبار أنَّ المرادَ
بها المكون، والتقديرُ: إذ كان ألقاها إلى مريم.
﴿وَرُوحٌ مِنْهٌ﴾ عَظْفٌ على ما قبله، وسُمِّيَ عليه السلام رُوحاً لأنه حَدَثَ عن
نفخةِ جبرائيل(١) عليه السلام في دِرْع مريم عليها السلام بأمره سبحانه، وجاء تسميةٌ
النَّفْخِ رُوحاً في كلامهم، ومنه قول ذي الرُّمة في نارٍ :
وَأَحْيهَا بروحك(٢)
..
(١) في الأصل: جبريل.
(٢) قطعة من بيت في ديوانه ١٤٢٩/٣، وتمامه:
وقلتُ له ارْفَعْها إليكَ فأَخْبِها برُوحِكَ واقتَتْهُ لها قِيتةً قدْرا
قوله: ارفعها، أي: النار. وأحيها، أي: انفخ فيها. بروحك: بنَفَسك. واقتته ... ، أي:
ترفَّق في نفخك واجعله شيئاً مقدراً. ينظر أساس البلاغة (روح) و(قوت)، واللسان (حيا)
و(قوت).

الآية : ١٧١
٤١٥
سُورَةُ الْنِسَاءِ
و ((من)) متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وَقَعَ صفةً لـ ((روح))، وهي لابتداء الغاية مجازاً،
لا تبعيضيةٌ كما زعمت النصارى؛ يُحكى أنَّ طبيباً نصرانيًّا حاذقاً للرشيد ناظَرَ عليَّ بنَ
الحسين الواقدي المروزي ذاتَ يومٍ فقال له: إنَّ في كتابكم ما يدلُّ على أنَّ عيسى
عليه السلام جزء منه تعالى، وتلا هذه الآية، فقرأ الواقديُّ قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ
مَّا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] فقال: إذن يلزمُ أن يكون جميعُ
الأشياء جزءاً منه سبحانه وتعالى علوًّا كبيراً، فانقطع النصرانيُّ فأسلم، وفَرحَ
الرشيدُ فَرَحاً شديداً، وَوَصَلَ الواقديَّ بصِلَةٍ فاخرة.
وقيل: سُمِّي روحاً لأنَّ الناسَ يَحْيَونَ به كما يَحْيَونَ بالأرواح. وإلى ذلك ذهب
الجُبَّائيُّ.
وقيل: الروح هنا بمعنى الرحمة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَيِّدَهُم بِرُوجٍ مِنْةٌ﴾
[المجادلة: ٢٢] علی وجه.
وقيل: أُريد بالروح الوحيُّ الذي أَوْحَى إلى مريم عليها السلام بالبشارة.
وقيل: جرتِ العادةُ بأنهم إذا أرادوا وَصْفَ شيءٍ بغاية الطهارة والنظافة قالوا :
إنه روحٌ، فلما كان عيسى عليه السلام متكوِّناً من النَّفْخ لا من النطفة، وُصِفَ
بالروح.
وقيل: أُريد بالروح السّرُّ، كما يقال: روحُ هذه المسألة كذا، أي: أنه عليه
السلامُ سِرٌّ من أسرار الله تعالى، وآيةٌ من آياته سبحانه.
وقيل: المراد: ذو روح، على حَذْفِ المضاف، أو استعمالِ الروح في معنى
ذي الروح. والإضافةُ إلى الله تعالى للتشريف، ونظيرُ ذلك ما في التوراة: إنّ موسى
عليه السلام رجلُ الله، وعصاهُ قضيبُ الله، وأورشليمُ بيتُ الله.
وقيل: المراد من الروح جبريلُ عليه السلام، والعَظْفُ على الضمير المستكنِّ
في ((ألقاها))، والمعنى: ألقاها الله تعالى وجبريلُ إلى مريم. ولا يخفى بُعْدُهُ.
وعلى العلَّات لا حُجَّةً للنصارى على شيءٍ مما زعموا في تشريف عيسى عليه
السلام بنسبة الروح إليه؛ إذ لغيره عليه السلام مشاركةٌ له في ذلك:

سُورَةُ السَّةِ
٤١٦
الآية : ١٧١
ففي ((إنجيل لوقا))(١): قال يسوع لتلاميذه: إنَّ أباكم السَّماويَّ يُعطي روحَ
القُدُس الذين يسألونه.
وفي ((إنجيل مثَّى)): إنَّ يوحنا المعمدانيَّ امتلأ من روحِ القُدُس وهو في بطن أمه.
وفي ((التوراة))(٢). قال الله تعالى لموسى عليه السلام: اخترْ سبعينَ من قومك
حتَّى أُفيضَ عليهم من الروح التي عليك، فيحملوا عنك ثِقَلَ هذا النعت، ففعل،
فأفاض عليهم من روحه فتنبّؤوا(٣) لساعتهم.
وفيها في حقِّ يوسف عليه السلام: يقول الملك: هل رأيتمْ مثلَ هذا الفتى
الذي روحُ الله تعالى عزَّ وجل حالٌّ فيه(٤).
وفيها أيضاً: إنَّ روحَ الله تعالى حلَّتْ على دانيال(٥). إلى غير ذلك.
ولعلَّ الروحَ في جميع ذلك أمرٌ قُدسيٍّ وسِرٌّ إلهيٍّ يُفيضه الله تعالى على مَن يشاء
من عباده(٦) حَسْبَما يشاء، وفي أيِّ وقتٍ يشاء، وإطلاقُ ذلك على عيسى عليه
السلام من باب المبالغةِ على حدٍّ ما قيل في: زيدٌ عَدْلٌ، وليس المراد به الروح
الذي به الحياةُ أصلاً، وقد يظهر ذلك بصورة كما يظهر القرآنُ بصورةِ الرجل
الشاحب(٧)، والموتُ بصورة الكبش(٨).
ويؤيد ذلك في الجملة ما في ((إنجيل متى)) (٩) في تمام الكلام على تعميد عيسى
عليه السلام: إنَّ يسوعَ لمَّا تعمَّد وخرج من الماء انفتحت له أبواب السماء ونظر
(١) ص٢٣٢.
(٢) العهد القديم سفر العدد ص٣٠٤.
(٣) في (م): فتبنوا.
(٤) العبارة كما وردت في العهد القديم، سفر التكوين ص١٣٢: هل نجد مثل هذا رجلاً فيه
روح الله .
(٥) ينظر العهد القديم، سفر دانيال، ص ١٨٦٧ و١٨٦٨ و١٨٧١.
(٦) في (م): عباد.
(٧) أخرجه أحمد (٢٢٩٧٦)، وابن ماجه (٣٧٨١) من حديث بريدة رضاه، وسلف ١٠٤/٥.
(٨) أخرجه أحمد (١١٠٦٦)، والبخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩) من حديث أبي سعيد
الخدري . وسلف ١٠٤/٥.
(٩) ص٤٢ - ٤٣ .

الآية : ١٧١
٤١٧
سُورَةُ النَّسَاءِ
روحَ الله تعالى، جاءت له في صفة حمامةٍ، وإذا بصوتٍ من السماء: هذا ابنُ
الحبيب الذي سُرَّتْ به نفسي. فإنه - على تقدير صحّته - يهدمُ ما يزعمُهُ النصارى من
أنه عليه السلام تجسَّد بروح القدس في بطن أمه، وما فيه من وصْفِهِ عليه السلام
بالبنوَّةِ سيأتي إن شاء الله تعالى الجواب عنه.
﴿فَامِنُواْ بِاللَّهِ﴾، وخُصُّوه بالألوهية ﴿وَرُسُلِّهِ﴾ أجمعين، ولا تُخرجوا أحداً منهم
إلى ما يستحيل وَصْفُهُ به من الألوهية ﴿وَلَا تَقُولُواْ ثَلَةٌ﴾ أي: الآلهة ثلاثة: الله
سبحانه، والمسيح، ومريم، كما ينبئُ عنه قوله تعالى: ﴿َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِ
وَأُفِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] إذ معناه: إلهين غيرَ الله تعالى، فيكونون معه
ثلاثةً. وحُكي هذا التقدير عن الزجاج(١).
أو: الله سبحانه ثلاثةٌ، إن صحَّ عنهم أنهم يقولون: الله تعالى جوهرٌ واحدٌ ثلاثةُ
أقانيم (٢)، أُقنوم الآب، وأُقنوم الابن، وأُقنوم روح القدس، وأنهم يريدون بالأول
الذات أو الوجود، وبالثاني العِلْم، أي: الكلمة، وبالثالث الحياة، كذا قيل.
وتحقيق الكلام في هذا المقام على ما ذكره بعضُ المحقّقين: أنَّ النصارى
اتفقوا على أنَّ الله تعالى جوهرٌ، بمعنى: قائم بنفسه، غير متحيِّز ولا مختصٍّ بجهة،
ولا مُقَدَّرٍ بقدر، ولا يقبلُ الحوادث بذاته، ولا يُتصوَّرُ عليه الحدوث والعدم، وأنه
واحدٌ بالجوهرية، ثلاثةٌ بالأقنومية، والأقانيم صفاتٌ للجوهر القديم، وهي الوجود
والعلم والحياة، وعبَّروا عن الوجود بالآب، والحياة بروح القدس، والعلم
بالكلمة .
ثم اختلفوا، فذهب المَلْكانية أصحاب مَلْكا الذي ظهر بالروم واستولى عليها
إلى أنَّ الأقانيمَ غيرُ الجوهر القديم، وأنَّ كلَّ واحدٍ منها إله، وصرَّحوا بإثبات
التثليث، وقالوا: إنَّ الله ثالثُ ثلاثةٍ - سبحانه وتعالى عما يشركون - وإنَّ الكلمةَ
اتَّحدتْ بجسد المسيح وتدرَّعت بناسوته، وامتزجت به امتزاجَ الماء بالخمر،
وانقلبت الكثرةُ وَحْدَةً، وإنَّ المسيحَ ناسوتٌ كُلِّيٍّ لا جُزئيٌّ، وهو قديمٌ أزليٍّ، وإنَّ
(١) في معاني القرآن ١٣٥/٢.
(٢) قال الجوهري في الصحاح (قنم): الأقانيم: الأصول، واحدها أقنوم، وأحسبها رومية.
:٠

سُؤَدَةُ النِّسَاةِ
٤١٨
الآية : ١٧١
مريم ولدت إلهاً أزليًّا، مع اختلافهم في مريم أنها إنسانٌ كُلِّيٍّ أو جزئيّ، واتَّفقوا
على أنَّ اتحاد اللاهوت بالمسيح دون مريم، وأنَّ القتلَ والصَّلْبَ وقعَ على الناسوت
واللاهوت معاً، وأطلقوا لفظَ الآب على الله تعالى، والابن على عيسى عليه
السلام .
وذهب نَسْطور الحكيم في زمان المأمون: إلى أنَّ الله تعالى واحدٌ، والأقانيمُ
الثلاثةُ ليست غيرَ ذاته ولا نفسَ ذاته، وأنَّ الكلمةَ اتَّحدت بجسدِ المسيح، لا بمعنى
الامتزاج بل بمعنى الإشراق، أي: أشرقت عليه كإشراق الشمس من كُوَّةٍ على
بُلُّور.
ومن النَّسطورية مَن قال: إنَّ كلَّ واحدٍ من الأقانيم الثلاثة حيٍّ ناطقٌ موجودٌ،
وصرَّحوا بالتثليث كالمَلْكانية، ومنهم مَنْ مَنَعَ ذلك، ومنهم مَن أَثبتَ صفاتٍ أُخَرَ
كالقُدرة والإرادة ونحوها، لكن لم يجعلوها أقانيم، وزعموا أنَّ الابن لم يزل
متولِّداً من الآب، وإنما تَجسُّدُه وتَوخُّدُهُ(١) بجسد المسيح حين ولد، والحدوثُ
راجعٌ إلى الناسوت، فالمسيحُ إلهٌ تامٌّ وإنسانٌ تامٌ، وهما قديمٌ وحادثٌ، والاتحادُ
غيرُ مُبطلٍ لقِدَمِ القديم ولا لحدوثِ الحادث، وقالوا: إنَّ الصَّلْبَ وَرَدَ على الناسوت
دون اللاهوت.
وذهب بعض اليعقوبية إلى أنَّ الكلمةَ انقلبتْ لحماً ودماً، فصار الإلهُ هو
المسيح، وقالوا: إنَّ الله هو المسيحُ عيسى ابن مريم، ورووا عن يوحنا الإنجيليِّ
أنه قال في صَدْرٍ إنجيله: إنَّ الكلمة صارت جَسَداً وحلَّت فينا(٢)، وقال: في البدء
كانت الكلمةُ، والكلمةُ عند الله، والله تعالى هو الكلمة(٣).
ومنهم مَنْ قال: ظهر اللاهوتُ بالناسوت، بحيثُ صارَ هو هو، وذلك كظهور
المَلَك في الصورة، المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧].
ومنهم مَن قال: جوهرُ الإله القديم وجوهرُ الإنسان المحدَث ترَّبا تركُّبَ
النفس الناطقة مع البدن وصارا جوهراً واحداً، وهو المسيح، وهو الإله، ويقولون:
(١) في الملل والنحل للشهرستاني ٢٢٤/١: وإنما تجسد واتحد.
(٢) إنجيل يوحنا ص ٢٩٠.
(٣) إنجيل يوحنا ص٢٨٩.

الآية : ١٧١
٤١٩
سُورَةُ النَّسَاءِ
صار الإلهُ إنساناً، وإن لم يصر الإنسانُ إلهاً(١)، كما يقال في الفحمة الملقاة في
النار: صارتْ ناراً، ولا يقال: صارت النارُ فحمة، ويقولون: إنَّ اتحادَ اللاهوت
بالإنسان الجزئيّ دون الكُلِّيّ، وإنَّ مريمَ ولدت إلهاً، وإنَّ القَتْل والصَّلْبَ واقعٌ على
اللاهوت والناسوت جميعاً؛ إذ لو كان على أحدهما بَطَلَ الاتحاد.
ومنهم مَن قال: المسيحُ - مع انِّحاد جوهره - قديمٌ من وجه، مُحدَثٌ من وجه.
ومن اليعقوبية من قال: إنَّ الكلمةَ لم تأخذْ من مريمَ شيئاً، وإنما مرَّتْ بها
كمرور الماء بالمیزاب.
ومنهم مَنْ زَعَمَ أنَّ الكلمةَ كانت تُداخل(٢) جَسَدَ المسيح، فتصدرُ عنه الآيات
التي كانت تظهر عنه، وتفارقه تارةً فَتَحُلُّهُ الآفاتُ والآلامِ.
ومن النصارى مَنْ زَعَمَ أنَّ معنى اتحاد اللاهوت بالناسوت ظهورُ اللاهوت على
الناسوت، وإن لم ينتقلْ من اللاهوت إلى الناسوت شيءٌ ولا حَلَّ فيه، وذلك
كظهور نَقْشِ الطابع على الشَّمْع، والصورة المرئية في المرآة.
ومنهم مَن قال: إنَّ الوجودَ والكلمة قديمان، والحياة مخلوقة.
ومنهم من قال: إنَّ الله تعالى واحدٌ، وسمَّاه أباً، وإنَّ المسيحَ كلمةُ الله تعالى
وابنه على طريق الاصطفاء، وهو مخلوقٌ قبل العالم، وهو خالقٌ للأشياء كلِّها .
وحكى المؤرِّخون وأصحابُ النقل أنَّ آريوس أحدُ كبار النصارى كان يعتقدُ هو
وطائفته توحيدَ الباري، ولا يُشرك معه غيره، ولا يرى في المسيح ما يراه
النصارى، بل يعتقد رسالته، وأنه مخلوقٌ بجسمه وروحه، ففشتْ مقالتهُ في
النصرانية، فتكاتبوا واجتمعوا بمدينة نيقية(٣) عند الملك قسطنطين، وتناظروا،
(١) في الملل والنحل ٢٢٦/١ عكسه، والعبارة فيه: فيقال: الإنسان صار إلهاً، ولا ينعكس،
فلا يقال: الإله صار إنساناً، كالفحمة ...
(٢) في الأصل: تدخل، والمثبت من (م) والملل والنحل ٢٢٧/١.
(٣) نيقية: من أعمال اسطنبول على البر الشرقي، وهي المدينة التي اجتمع بها آباء الملة
المسيحية وكانوا ثلاث مئة وثمانية عشر أباً يزعمون أن المسيح عليه السلام كان معهم في
هذا المجمع. معجم البلدان ٥/ ٣٣٣.

سُورَةُ النِّسَاءِ
٤٢٠
الآية : ١٧١
فشرح آريوس مقالته، فردَّ عليه الأكصيدروس بطريقُ الإسكندرية، وشَنَّع على مقالته
عند الملك، ثم تناظروا فطال تنازعهم فتعجّب الملك من انتشار مقالتهم وكثرة
اختلافهم، وقام لهم البَتْرَكُ وأمرهم أن يبحثوا عن القول المرضيِّ، فاتفق رأيهم
على شيءٍ، فحرَّروه وسمّوه بالأمانةِ وأكثرهم اليوم عليها، وهي :
نؤمن بالله تعالى الواحد الأب صانع كلِّ شيء، مالك كلِّ شيء، صانع ما يُرى
وما لا يُرى، وبالرَّبِّ الواحد المسيح ابن الله تعالى الواحد، بِكْر الخلائق كلِّها،
الذي وُلد من أبيه قبل العوالم كلِّها، وليس بمصنوعٍ، إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقٌّ، من
جوهر أبيه الذي بيده أُتقنتِ العوالم، وخُلقَ كلُّ شيءٍ، الذي من أجلنا معاشرَ
الناس، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسَّد من روح القدس ومريم، وصار
إنساناً وحُبِلَ به، ووُلد من مريم البتول، واتَّجع(١) وصُلب أيام فيلاطس، ودُفِنَ وقام
في اليوم الثالث - كما هو مكتوب - وصَعِدَ إلى السماء، وجلس على يمين أبيه،
وهو مستعدٌّ للمجيء تارةً أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، ونؤمنُ بروح
القدس الواحد روح الحقِّ الذي يخرجُ من أبيه، وبمعموديةٍ(٢) واحدةٍ لغفران
الخطايا، وبجماعةٍ (٣) واحدةٍ قدسيةٍ كاطولكيةٍ (٤)، وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين.
انتھی .
وهذه جملةُ الأقاويل، وما لهؤلاء الكفرة من الأباطيل، وهي مع مخالفتها
للعقول ومزاحمتها للأصول، مما لا مستندَ لها، ولا معوَّل لهم فيها غيرُ التقليد
لأسلافهم، والأخذِ بظواهر ألفاظٍ لا يُحيطون بها عِلْماً، على أنَّ ما سَمُّوه أمانةً
لا أصلَ له في شَرْع الإنجيل، ولا مأخوذة من قول المسيح، ولا من أقوال
تلاميذه، وهو مع ذلك مضطربٌ متناقضٌ متهافتٌ يُكذِّبُ بعضُه بعضاً، ويعارضه
ويناقضه، وإذ قد علمتَ ذلك فاستمع لما يُتلى عليك في رَدِّهم تتميماً للفائدة
وتأكيداً لإبطال تلك العقائد الفاسدة.
(١) أي: أَلِمَ. ينظر الفصل في الملل والنحل لابن حزم ١/ ٥٤ .
(٢) في الأصل و(م): وبعمودية. والمثبت من الفِصَل ٥٥/١، والملل والنحل ٢٢٣/١.
(٣) في الأصل و(م): والجماعة. والمثبت من الفِصَل والملل والنحل.
(٤) كذا في الأصل و(م)، وفي الفصل: قدسية سليحية جائليقية، وفي الملل والنحل: قدسية
مسيحية جائليقية .