النص المفهرس
صفحات 361-380
التفسير الإشاري (١٢٧ -١٤٧) ٣٦١ سُورَةُ السَّةِ الآية السابقةَ مسوقةٌ لبيان كفرانِ نعمةِ الله تعالى العظمَى، والكفرُ تابعٌ فإذا أخَّرَ الشكر أخلَّ بهذه الأسرار واللطائف. ومن ثم ذيَّل سبحانه الآية على سبيل التعليل بقوله جلَّ وعلا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ أي: مُثيباً على الشكر ﴿عَلِيمًا (®﴾ بجميع الجزئيات والكلِيَّات فلا يعزُب عن علمه شيءٌ، فيوصل الثوابَ كاملاً إلى الشاكر، وإلى هذا ذهب الإمام(١) .. وقال غيرُ واحدٍ: الشاكر وكذا الشَّكور مِن أسمائه تعالى هو الذي يَجزي بيسير الطاعات كثيرَ الدرجاتِ، ويُعطي بالعمل في أيام معدودةٍ نِعَماً في الآخرة غيرَ محدودة، وعلى التقديرَين يرجعُ إلى صفةٍ فعليَّة. وقيل: معناه: المُثْنِي على مَن تمسَّك بطاعتِه، فيرجع إلى صفةٍ كلامية. هذا، ومن باب الإشارة في الآيات: أمَّا في قوله سبحانه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ﴾ إلى قوله عز وجل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَسِعًا حَكِيمًا﴾، فقد قال النيسابوريُّ(٢) فيه: إنَّ النفس للروح كالمرأة للزوج، و﴿يَتَلَى النِّسَاءِ﴾ صفاتُ النفوس، و﴿مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾: ما أَوْجَبَ الله تعالى [للنفوس] من الحقوق. وحاصلُ المعنَى: إنَّ نفسك مَطِيَّئُكَ فارْفُقْ بها، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿وَالضُّلْحُ خَيْرٌّ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ فالروحُ تشخُّ بترك حقوق الله تعالى، والنفسُ تشخُ بترك حظوظها ﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَ الْمَيْلِ﴾ في رفض حظوظِ النفس، فقد جاء في الخبر: ((إنَّ لنفسك عليك حقًّا))(٣)، ﴿فَتَذَرُوهَا كَلْمُعَلَقَةٍ﴾ بين العالم العلويِّ والعالم السفليِّ. ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا﴾ أي: الروح والنفس ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلَّ مِّن سَعَتِهِ﴾ فالروحُ تجتذبُ بجذبةِ: خلِّ نفسَك وائتني إلى سعةٍ غنَى الله تعالى في عالم هويته، (١) تفسير الرازي ٨٩/١١. (٢) في غرائب القرآن ١٦٩/٥، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٣) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٦٣٠٨) عن عائشة ؤنا. وأخرجه البخاري (١٩٧٥)، ومسلم (١١٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو ها بلفظ: إن لجسدك .... سُورَةُ النِّسَاةِ ٣٦٢ التفسير الإشاري (١٢٧ -١٤٧) لتستغني(١) عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود، والنفسُ تجتذبُ بجذبةِ: ﴿أَرْجِعِيّ إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨] إلى سعةِ غِنَى الله تعالى في عالم ﴿فَادْخُلِ فِ عِبَدِی ٢٩ وَآَدْخُلِى جَنَّى﴾ [الفجر: ٢٩-٣٠]. انتهى. ولا يخفى أنَّ باب التأويلِ واسعٌ، وما ذكره ليس بمتعيِّنٍ؛ لاحتمال(٢) أن تجعل الآية في شأن الشيخ والمريد. وأمَّا في قوله تعالى: ﴿يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوا﴾ إلخ، فنقول: إنَّه سبحانه أمَرَ المؤمنين بالتوحيد العِلْمي، المريدين لثوابي(٣) الدارَين، أن يكونوا ثابتين في مقام العدالة التي هي أشرف الفضائل، ﴿قَوَّمِينَ﴾ بحقوقها بحيث تكون مَلَكةً راسخةً فيهم لا يُمكن معها جورٌ في شيءٍ، ولا ظهورُ صفةٍ نفسٍ لاتِّباع هوّى في جلْبٍ نفعِ دنيويٍّ أو دفعٍ(٤) مضرَّةٍ كذلك. ثم قال جلَّ وعلا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ من حيث البرهانُ ﴿مَامِنُواْ﴾ من حيث البيانُ، إلى أنْ تؤمنوا من حيث العيان، أو ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بالإيمان التقليدي ﴿ءَامِنُواْ﴾ بالإيمان العيّنْيِّ. أو المراد: يا أيها المدَّعون تجريدَ الإيمان لي من غير وساطةٍ، لا سبيلَ لكم إلى الوصول إلى عين التجريد إلا بقبول الوسائط، فالآية إشارةٌ إلى الفرق بعد الجمع. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ بالتقليد ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ إذ لم يكن للتقليد أصلٌ ﴿ثُمَّ ءَامَنُواْ﴾ بالاستدلال العقليّ ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ إذا لم تكن عقولُهم مشرَّفةً بالنور الإلهي ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا بالشبهات والاعتراضات. وقد يكونُ ذلك إشارةً إلى وصف أهلِ التردُّد في سلوك سبيلٍ أولياء الله تعالى والإيمانِ بأحوالهم، حين هاجَتْ رغبتُهم إلى رئاسة القوم، فلمَّا جنَّ عليهم ليلُ (١) في الأصل و(م): فيستغني، والمثبت من غرائب القرآن. (٢) في (م): فيمكن. (٣) في (م): لثواب. (٤) في (م): رفع. التفسير الإشاري (١٢٧-١٤٧) ٣٦٣ سُورَةُ النَّسَاءِ المُجاهَدات لم يتحمَّلوا وأنكروا ورَجعُوا إلى حظوظ أنفسهم، ولمَّا رأَوا نهايةَ الأكابر وظُّوا اللحوقَ بهم لو استقاموا آمنوا، فلمَّا لم يَصِلُوا إلى شيءٍ مِن مقامات القومٍ وكراماتِهم لعدم إخلاصهم وسوءٍ استعدادهم، ارتدُّوا وصاروا منكرين عليهم وعلى مقاماتهم، وازدادوا إنكاراً على إنكارٍ حينَ رجعُوا إلى اللَّذَّات والشهوات، واختاروا الدنيا على الآخرة، وجعلوا يقولون للخَلْق: إنَّ هؤلاء ليسوا على الحقِّ، فقد سلكنا ما سلكوا، وخُضْنا ما خاضوا، فلَمْ نَرَ إلا سراباً بقِيْعَةٍ، وهذا حالُ كثيرٍ من علماء السوء المنكِرينَ على القوم قدَّس الله تعالى أسرارهم. لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ لمكان الريب الحاجب، وفسادٍ جوهر القلب وزوالٍ اللهُ یگن الاستعداد ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ إلى الحقِّ ولا إلى الكمال، لعدم قَبولهم ذلك. ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ لمناسبتهم إيَّاهم، وشبيهُ الشيءِ منجذبٌ إليه ﴿مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لعدم الجنسية ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ أي: أَيطلبون التعزُّزَ بهم في الدنيا، والتقوِّيَ بمالهم وجاههم ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ فلا سبيلَ لهم إليها إلا منه سبحانه عزَّ وجل. ثم ذكَّرَ سبحانه من وَصْف المنافقين أنَّهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا کُسالی؛ لعدم شوقهم إلى الحضور ونفورِهم عنه، ولعدم(١) استعدادهم واستيلاء الهوى عليهم ﴿يُرَآءُونَ النَّاسَ﴾ لاحتجابهم بهم عن رؤية الله تعالى ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّ قَلِيلًا﴾ لأنَّهم لا يذكرونَه إلا باللسان وعند حضورهم بين الناس، بخلاف المؤمنين الصادقين فإنهَّم إذا قاموا إلى الصلاة يطيرُون إليها بجناحَي الرَّغبةِ والرَّهبةِ، بل یحتُّون إلى أوقاتها : حنينَ أعرابيةٍ حَّت إلى أطلالِ نجدٍ فارقتْهُ وَمَرْخِهِ (٢) ومِن هنا كان ◌َه يقول لبلال: ((أرحنا يا بلال))(٣) يريد عليه الصلاة والسلام: (١) في (م): لعدم. (٢) المرخ: شجر سريع الوَزْي، ومنه يكون الزناد الذي يُقْتَدح به. معجم متن اللغة (مرخ). (٣) أخرجه أحمد (٢٣٠٨٨)، وأبو داود (٤٩٨٥) من حديث رجل من أصحاب النبي وَّر، ولفظه عند أحمد: ((يا بلال أرحنا بالصلاة)) وعند أبي داود: ((يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها». سُورَةُ الشَّةِ ٣٦٤ التفسير الإشاري (١٢٧-١٤٧) أَقِمْ لنا الصلاةَ لنصلِّيَ فنستريحَ بها لا منها، وظنُّ الأخيرِ برسول الله وَّلَ كفرٌ والعياذ بالله تعالى. وإذا عبدوا لا يرون إلا الله تعالى، وما قَدْرُ السِّوَى عندهم ليراؤوه، وإنَّ كلَّ جزءٍ منهم يذكرُ الله تعالى؟ نعم إنَّهم قد يشتغلون به عنه، فهناك لا يتأتّى لهم الذكر، وقد عدَّ العارفون الذكرَ لأهل الشهود ذنباً، ولهذا قال قائلهم: وتَنْكَشِفُ الرَّذائِلُ والعيُوبُ بِذِكْرِ اللهِ تَزدَادُ الذُّنُوبُ وشَمْسُ الذاتِ ليسَ لها مَغيْبُ وَتَرْكُ الذِّكرِ أفْضَلُ كُلِّ شيءٍ لكنْ ذَكَر بعضُهم أنَّه لا يصلُ العبد إلى ذلك المقام إلا بكثرة الذكر، وأشار إلى مقامٍ عالٍ مَن قال: وليسَ يشهَدُهُ مَنْ ليسَ يذكُرُهُ لا يَثْرِكُ الذِّكرَ إلا مَنْ يشاهِدُهُ فَحِيْنَ أَذكُرُهُ في الحالِ يَستُرهُ والذِّكرُ سِتْرٌ على مَذكُورِهِ سَتَّر ولا أَزالُ على الأنْفَاسِ أَذْكُرُهُ(١) فلا أَزَالُ على الأحوَالِ أشهَدُهُ ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَِّذُواْ الْكَفِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لئلا تتعدّى إليكم ظلمةُ كفرهم ﴿أَتْرِدُونَ أَن تَّحْمَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ حجَّةً ظاهرةً في عقابكم برسوخ الهيئة التي بها تميلون إلى ولايتهم. ﴿إِنَّ الَُْفِقِينَ فِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ لتحيُّرهم(٢) بضعف استعدادهم ﴿وَلَنَ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ ينصرُهم من عذاب الله تعالى لانقطاع وُضْلَتهم وارتفاعٍ محبَّتهم مع أهل الله تعالى ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ رجعوا إلى الله تعالى بيقيَّة نورِ الاستعداد وقَبول مدد التوفيق ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ما أفسدوا من استعدادهم بقمع الهوَى، وكسرٍ صفاتٍ النفس، ورَفْع حجابِ القوَى ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ﴾ بالتمسُّك بأوامره والتوجُّه إليه سبحانه ﴿وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ بإزالة خفايا الشرك، وقطع النظر عن السِّوَى ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِينَ﴾ الصادقين ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ مِن مُشاهدةٍ تجلِّيات الصفات وجنَّات الأفعال. (١) البيتان الأول والثالث في الفتوحات المكية، الباب الثاني وأربعون ومئة. (٢) قوله: لتحيرهم، ليس في الأصل. الآية : ١٤٨ ٣٦٥ سُورَةُ النَّسَاءِ ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ﴾ بالتوبة وإصلاح ما فسد، والاعتصامِ بحبل الأوامر، والتوجّهِ إلى الله عزَّ وجل، وإخلاصِ الدِّين له سبحانه ﴿وَءَامَنْتُمْ﴾ الإيمان الحائز لذلك ﴿وَكَنَ اَللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ فيُئيب ويُوصِلُ الثوابَ كاملاً. يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ عدمُ محبَّته سبحانه لشيءٍ كنايةٌ عن غضبه، والباء متعلّقةٌ بـ ((الجهر))، وموضعُ الجارِّ والمجرور نَصْبٌ أو رَفْعٌ، و(مِن)) متعلّقةٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من ((السوء)). والجهر بالشيء: الإعلانُ به والإظهارُ، كما يُفهَمُ من ((القاموس))(١)، وفي (الصحاح)) جَهَرَ بالقول: رَفَعَ صوتَهُ به(٢). ولعلَّ المرادَ هنا الإظهارُ وإن لم يكن برفع صوت، أي: لا يُحبُّ اللهُ سبحانه أن يُعلنَ أحدٌ بالسوء كائناً من القول ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِّ﴾ أي: إلا جَهْرَ مَنْ ظُلم فإنه غيرُ مسخوطٍ عنده تعالى، وذلك بأن يدعوَ على ظالمه، أو يتظلَّمَ منه ويذكره بما فيه من السوء. وروي عن ابن عباس ﴿ًّا وقتادةَ: هو أن يدعوَ على مَنْ ظَلَمه. وعن مجاهد: أنَّ المرادَ: لا يُحبُّ اللهُ سبحانه أن يَذُمَّ أحدٌ أحداً أو يَشْكُوَه، إلا مَنْ ظُلم فيجوز له أن يشكوَ ظالِمُهُ ويُظهرَ أَمْرَهُ، ويَذْكُره بسوءِ ما قد صنعه. وعن الحسن والسُّدِّي - وهو المرويُّ عن أبي جعفر ◌َبه - المراد: لا يحُبُّ الله تعالى الشَّتْمَ في الانتصار، إلا مَنْ ظُلم، فلا بأس له أن ينتصرَ ممَّن ظَلَمهُ بما يجوز الانتصار به في الدِّين، وجوَّزَ الحسنُ للرجل إذا قيل له: يا زاني، أن يُقابل القائلَ له بمثل ذلك. وأخرج ابن جرير عن مجاهدٍ: أنَّ رجلاً ضافَ قوماً فلم يُطعموه، فاشتكاهم فعُوتب عليه، فنزلت(٣). وأنت تعلم أنَّ العبرةَ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (١) مادة (جهر). (٢) الصحاح (جهر). (٣) تفسير الطبري ٧ / ٦٢٩. سُورَةُ الْنِسَاءِ ٣٦٦ الآية : ١٤٨ ◌ُّ وأُبيِّ وابن جبير والضحاك وعطاء أنهم قرؤوا: وروي عن ابن عباس ((إلا مَنْ ظَلَمَ)) على البناء للفاعل(١)، فالاستثناءُ منقطعٌ، والمعنى: لكنَّ الظالم يُحبُّه، أو: لكنَّه يفعلُ مالا يُحبُّه الله تعالى، فيجهرُ بالسوء، والموصول في محلٌ نَصْبٍ، وجوَّز الزمخشريُّ(٢) أن يكون مرفوعاً بالإبدال من فاعل ((يُحبُّ))، كأنه قيل: لا يُحبُّ الجهرَ بالسوء إلا الظالمُ، على لغة مَن يقول: ما جاءني زيدٌ إلا عمرو، بمعنى: ما جاءني إلا عمرو، ومنه: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] وهي لغةٌ تميميةٌ، وعليها قول الشاعر: ولا النَّبْلُ إلا المشْرَفِيُّ المصمّمُ(٣) عَشِيَّةَ ما تُغني الرماحُ مكانَها وقد نقل هذه اللغةً سيبويه (٤) وأنكرها البعضُ، وكفى بنقل شيخ الصناعة سَنّداً للمثبت. ونُقل عن أبي حيان أنه ليس البيت كالمثال؛ لأنه قد يُتْخِيَّل فيه عمومٌ على معنى السلاح، وأما زيدٌ فلا يُتوهّم فيه عمومٌ، ولا يمكن تصحيحهُ إلا على أنَّ أصله: ما جاءني زيدٌ ولا غيرُهُ، فَحذفَ المعطوفُ لدلالة الاستثناء، وكذا الآيةُ التي ذُكرت(٥) . ورُدَّ - كما قال الشهاب(٦) - بأنه لو كان التقديرُ ما ذكره في المثال، لكان الاستثناءُ متَّصلاً، والمفروضُ خلافُهُ، وأنَّ المراد - كما يُفهمه كلام الطيبيّ(٧) - جَعْلُ المبدَلِ منه بمنزلة غير المذكور، حتى كأنَّ الاستثناءَ مُفرٌَّ والنفيُ عامٌ، إلا أنه صرَّح بنفي بعض أفراد العامِّ لزيادة اهتمامٍ بالنفي عنه، أو لكونه مَظِنَّةً توهُّم الإثبات، فيقولون: ما جاءني زيدٌ إلا عمرو، والمعنى: ما جاءني إلا عمرو، (١) القراءات الشاذة ص ٣٠، والمحتسب ٢٠٣/١. (٢) في الكشاف ١/ ٥٧٦ . (٣) البيت لضرار بن الأزور وهو في الكتاب لسيبويه ٣٢٥/٢، والخزانة ٣١٨/٣. (٤) في الكتاب ٣٢٣/٢. (٥) البحر المحيط ٣٨٤/٣. (٦) في الحاشية ٣/ ١٩٤. (٧) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية. الآية : ١٤٨ ٣٦٧ سُورَةُ الشَّةِ فكذا هاهنا، المعنى: لا يُحبُّ الجهرَ بالسوء إلا الظالم. فأَدخلَ لَفْظَ الله تأكيداً لنفي محبَّته تعالى، يعني لله سبحانه اختصاصٌ في عَدَم محبَّته، ليس لأحدٍ غيرِهِ ذلك. فإن قيل: ما بعد ((إلا)) حينئذٍ لا يكون فاعلاً، وهو ظاهرٌ، فَتَعيَّن البدل، وهو غلط . أجيب: بأنه إنما يكون غلطاً لو لم يكن هذا الخاصُّ في موقع العام، ولم يكن المعنى: ما جاءني أحدٌ إلا عمرو. فإن قيل: فيكون لفظ ((الله)) مجازاً عن أحدٍ، ولا سبيل إليه. أُجيب: بأنَّ ((لا يُحبُّ الله)) مؤوَّلٌ بـ: لا يُحبُّ أحدٌ، وواقعٌ موقعه من غير تجوُّز في لفظ ((الله)). كذا قيل. وتعقبه الشهاب(١) بأنَّ المستثنى منه إذا كان عامًّا؛ فإما بتقدير لفظٍ - كما ذكره أبو حيان - وإما بالتجوُّز في لفظ العِلْم، وكلاهما مرَّ ما فيه، ولا طريق آخر للعموم، فما ذكره المجيب لا بدَّ من بيان طريقه، اللهمَّ إلا أن يقال: إنَّ الاستثناءَ من العِلْم يُشترط فيه أن يكون صاحبُهُ أحقَّ بالحكم، بحيث إذا نُفي عنه يُعلمُ نفيُهُ عن غيره بالطريق الأَوْلى من غير تقدير ولا تَجَوُّز، فيقال هنا مثلاً: إذا لم يُحبَّ الله سبحانه الجهرَ بالسوءِ وهو الغنيُّ عن جميع الأشياء، فغيره لا يُحبُّه بطريقٍ من الطُرق. وأنت تعلم أنَّ هذا لا يشفي الغليل؛ لأنَّ الاشتراط المذكورَ مما لم يقمْ عليه دليلٌ، على أنَّ دعوى كون نفي حُبِّ الجهر بالسوء عنه تعالى يُعلَمُ منه نفيُهُ عن غيره بالطّريق الأَولى في غاية الخفاء، فالأَولى ما ذَكّره بَعْدُ بأن يقال: يُقدَّرُ في الكلام ما ذكر، لكنَّه ◌ُدَّ الاستثناءُ منقطعاً بحسب المتبادر، والنظرِ إلى الظاهر. وجُوِّز على قراءة المعلوم أن يكون متعلِّقاً بـ ((السوء))، أي: إلا سُوءَ مَنْ ظَلَم فيُحبُّ(٢) الجهرَ به ويقبلُهُ. (١) في حاشيته ٣/ ١٩٤ . (٢) في (م): فيجب. والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١٩٤/٣ والكلام منه. سُورَةُ السَّةِ ٣٦٨ الآية : ١٤٩ وقيل: إنه متعلُّقٌ بقوله تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] فقد روي عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقول: هذا على التقديم والتأخير، أي: ما يفعلُ الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم، إلا مَن ظَلَّم، وكان يقرؤها كذلك. ولا يكادَ يُقبل هذا في تخريج كلام الله تعالى العزيز. ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ بجميع المسموعات، فيندرجُ فيها كلامُ المظلوم والظالم ﴿عَلِيمًا بجميع المعلومات التي من جملتها حالُ المظلوم والظالم. والجملةُ ١٤٨ تذييلٌ مقرِّرٌ لما يفيده الاستثناء، ولا يأبى ذلك التعميمَ كما تُوُهِّم. ووجهُ رَبْطِ هذه الآية بما قبلها - على ما قاله العلّامة الطّيبي(١) - أنه سبحانه لمَّا فرغَ من بيان إيراد رحمته، وتقريرِ إظهار رأفته، جاء بقوله جلَّ وعلا: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ تتميماً لذلك، وتعليماً للعباد التخلُّقَ بأخلاقه جلَّ جلاله. وفيه: أنَّ هذا مما لا مُحصِّلَ له ولا تتُّ به المناسبة. وزَعْمُ أنَّ الآية الأولى فيها أيضاً إشارةٌ إلى تعليم التخلُّق بالأخلاق العليَّة - كما قرره عصام الملة، وَرَجًا أن يكون من الملهَمات - وحينئذٍ يشتركان في أنَّ كلَّا منهما متضمِّن(٢) التعليمَ المذكورَ، ليس بشيءٍ كما لا يخفى. ومِثْلُ ذلك ما ذكره عليُّ بن عيسى في وجه الاتِّصال، وهو أنه تعالى شأنه لمَّا ذَكَرَ أهلَ النفاق، وهو إظهارُ خلاف ما يُبطن، بيَّن جلَّ وعلا أنَّ ما في النفس: منه ما يجوز إبطانه، ومنه ما يجوز إظهاره. وقال شهابُ الدِّين: الظاهرُ أنه لمَّا ذَكَرَ الشُّكْرَ على وجهٍ عُلِمَ منه رضاهُ سبحانه به ومحبَّةُ إظهاره، تمَّمه عزَّ وجلَّ بذكر ضِدِّه، فكأنه قيل: إنَّه يُحبُّ الشُكْرَ وإعلانَه ويكرهُ السُّوءَ وإعلانه، وفيه احتباٌ بديع(٣). ﴿إِن تُبْدُوا﴾ أي: تُظْهِروا ﴿خَيْرًا﴾ أيَّ خيرٍ كان من الأقوال والأفعال. (١) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٢) في الأصل و(م): متضمناً، والمثبت هو الجادّة. (٣) حاشية الشهاب ١٩٣/٣. الآية : ١٥٠ ٣٦٩ سُورَةُ السَّةِ وقيل: المراد: إن تُبدوا جميلاً حَسَناً من القول فيمَن أَحْسَنَ إليكم، شُكْراً له على إنعامه عليكم. وقيل: المراد بالخير المال، والمعنى: إن تُظهروا التصدُّق. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ أي: تفعلوه سِرًّا. وقيل: تعزموا على فعله. ﴿أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوٍّ﴾ أي: تصفحوا عمَّن أساء إليكم مع ما سوَّغ لكم من مؤاخذته وأَذنَ فيها، والتنصيصُ على هذا مع اندراجه في ابتداء الخير وإخفائه - على أحد الأقوال - للاعتداد به، والتنبيه على منزلته وكونِه من الخير بمكان، وذكر إبداء الخير وإخفاؤه توطئةً وتمهيداً له كما يُنبئ عن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا فإنَّ إيرادَ العفو في مَعْرِض جواب الشَّرط يدلُّ على أنَّ العمدةَ العفوُ مع القدرة، ولو كان إبداءُ الخير وإخفاؤه أيضاً مقصوداً بالشرط، لم يَحْسُن الاقتصارُ في الجزاء على كون الله تعالى عفوًّا قديراً، أي: يُكثرُ العفوَ عن العصاة مع كمال قدرته على المؤاخذة. وقال الحسن: يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنَّة الله تعالى. وقال الكلبيُّ: هو أَقدرُ على عفو ذنوبكم منكم على عفو ذنوب مَنْ ظَلَمَكم. وقيل: عَفُوًّا عمَّنْ عفا، قديراً على إيصال الثواب إليه. نقله النيسابوريُّ(١) وغيره. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِالَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ أي على ما يؤدِّي إليه مذهبهم وتقتضيه آراؤهم، لا أنهم يُصرِّحون بذلك، كما يُنْبِئُ عنه قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يُفَّرِّقُواْ بَيِّنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ في الإيمان، بأن يؤمنوا به عزَّ وجلَّ ويكفروا برسله عليهم الصلاة والسلام، لكنْ لا يَصرِّحون بالإيمان به تعالى وبالكفر بهم قاطبةً، بل بطريق الاستلزام(٢) كما يحكيه قولُه تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ أي: نؤمن ببعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونكفرُ ببعضهم، كما فعل أهل الكتاب، (١) في غرائب القرآن ٨/٦. (٢) في الأصل و(م): الالتزام، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٤٨/٢، والكلام منه. سُورَةُ المِسْكَاةِ ٣٧٠ الآية : ١٥٠ وما ذلك إلا كُفْرٌ بالله تعالى وتفريقٌ بين الله تعالى ورسله، لأنه عزَّ وجلَّ قد أمرهم بالإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما من نبيٍّ إلا وقد أَخبرَ قومَهُ بحَقِّية دين نبيِّنا ◌َِّ، فمن كَفَرَ بواحدٍ منهم فقد كَفَرَ بالكُلِّ وبالله تعالى أيضاً من حيثُ لا يشعر. ﴿وَيُرِيدُونَ﴾ بهذا القول ﴿أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: الإيمان والكفر أي: طريقاً يسلكونه، مع أنه لا واسطة بينهما قَطْعاً، إذ الحقُّ ١٥٠ ﴿سَبِيلاً لا يختلف، وماذا بعد الحق إلا الضلال. هذا ما ذهب إليه البعض في تفسير الآية، وهو الذي تؤيِّده الآثار؛ فقد أخرج عبدُ بن حميد وابنُ جرير عن قتادةً أنه قال فيها: أولئك أعداءُ الله تعالى اليهودُ والنصارى، آمنتِ اليهودُ بالتوراة وموسى، وكفروا بالإنجيل وعيسى عليه السلام، وآمنتِ النصارى بالإنجيل وعيسى عليه السلام، وكفروا بالقرآن ومحمدٍ بَلِّ، فاتَّخذوا اليهودية والنصرانية وهما بدعتان ليستا من الله عزَّ وجلَّ، وتركوا الإسلام وهو دين الله تعالى الذي بعث به رسله(١). وأخرج ابن جرِيرٍ (٢) عن السُّدِّيِّ وابنٍ جُرَيْجٍ مثلَه. وقال بعضهم: الذين يكفرون بالله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام هم الذين خَلُصَ كُفْرِهمُ الصِّرْفُ بالجميع، فنفوا الصانعَ مثلاً وأنكروا النبؤَّات. والذين يفرِّقون بينه تعالى وبين رسله عليهم الصلاة والسلام هم الذين آمنوا بالله تعالى وكفروا برسله عليهم الصلاة والسلام، لا عكسه، وإن قيل: إنه يُتُصوَّر في النصارى لإيمانهم بعيسى عليه السلام وكفرهم بالله تعالى، حيث قالوا: إنه ثالثُ ثلاثة، والكفرُ بالله سبحانه شاملٌ للشرك والإنكار، إذ لا يخفى ما فيه. والذين يؤمنون ببعضٍ ويكفرون ببعضٍ هم الذين آمنوا ببعض الأنبياء عليهم السلام وكفروا ببعضهم كاليهود. فهذه أقسامٌ متقابلةٌ كان الظاهر عَظْفُها بـ ((أو))، لكن أتى بالواو بدلها فهي بمعناها، وقيل: إنَّ الموصولَ مقدَّرٌ بناءً على جواز حَذْفه مع بقاء صِلَته. (١) عزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ٢٣٧/٢، وهو في تفسير الطبري ٧/ ٦٣٦. (٢) في تفسيره ٧/ ٦٣٧. الآية : ١٥١ ٣٧١ سُورَةُ النِّسَاءِ وقيل: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا﴾ إلخ عَظْفٌ تفسيريٌّ على قوله سبحانه: ﴿يَكْفُرُونَ﴾ لأنّ هذه الإرادة عينُ الكفر بالله تعالى؛ لأنَّ مَنْ كَفَرَ برسل الله سبحانه فقد كفر بالله تعالى كالبراهمة (١). وأما قوله جلَّ وعلا: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ إلخ فَعَظْفٌ على صلة الموصول والواو بمعنى ((أو)) التنويعية، فالأَوَّلون فرَّقوا بين الإيمان بالله تعالى ورسوله، والآخرون فرَّقوا بين رُسُلِ الله تعالى عليهم السلام، فآمنوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ كاليهود. وعلى كلِّ تقديرٍ فخبر ((إنَّ)) قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ﴾ أي: الموصوفون بالصفات القبيحة ﴿هُمُ اٌلْكَفِرُونَ﴾ الكاملون في الكُفْرِ، لا عبرةَ بما يدَّعونه ويُسمُّونه إيماناً أصلاً . ﴿حَتَّأْ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ لغيره، وعامِلُهُ محذوفٌ أي: حقَّ ذلك - أي: كونُهم كاملين في الكفر - حقًّا . وجُوِّز أن يكون صفةً لمصدرِ الكافرين، أي: هم الذين كفروا كُفْراً حقًّا، أي: لا شكَّ فيه ولا ريب، فالعامل مذكورٌ، و((حقًّا)) بمعنى اسم المفعول، وليس بمعنى مقابل الباطل، ولهذا صحَّ وقوعهُ صفةً صناعةً ومعنّى. واحتمالُ الحالية - كما زعم أبو البقاء(٢) - بعيدٌ. والآيةُ على ما زعمه البعضُ متعلِّقةٌ بقوله تعالى: ﴿يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُوا﴾ إلخ [النساء: ١٣٦] على أنها كالتعليل له، وما توسَّط بين العلة والمعلول من الجمل والآيات، إما مُعترِضٌ أو مَستطرد عند إمعان النظر. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ﴾ أي: لهم، ووُضِعَ المُظهَرُ مَوضِعَ المضمَر تذكيراً بوصف الكفر الشنيع المؤذِنِ بالعِيَّةِ، وقد يُراد جميعُ الكفّار، وهم داخلون دخولاً أوَّلِيًّا. ﴿عَذَابًا مُهِينًا ﴿3﴾ يهينهم ويُذلَّهم جزاءَ كُفْرهم الذي ظنُّوا به العزَّة. (١) البراهمة: هم قوم انتسبوا إلى رجل منهم يقال له: براهم، وقد مهد لهم نفي النبوات، ومن الناس مَن يظن أنهم سُمُّوا بذلك لانتسابهم إلى إبراهيم عليه السلام وذلك خطأ. الملل والنحل ٢/ ٢٥٠ - ٢٥١. (٢) في الإملاء ٣٥١/٢. سُورَةُ السَّةِ ٣٧٢ الآية : ١٥٢ - ١٥٣ ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ بأن يؤمنوا ببعضٍ ويكفروا بآخرين كما فعل الكَفَرة، ودخولُ ((بَيْنَ)) على ((أحد)» قد مرَّ الكلامُ فيه(١). والموصولُ مبتدأٌ، خبرُهُ جملةُ قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ أي: المنعوتون بهذه النعوت الجليلة ﴿سَّفَ يُؤْتِيهِمْ﴾ أي: الله تعالى ﴿أُجُورَهُمْ﴾ الموعودةَ لهم، فالإضافة للعهد. وزعم بعضُهم أنَّ الخبرَ محذوفٌ، أي: أضدادُهم ومُقابِلوهم. والإتيانُ بـ ((سوف)) لتأكيد الموعود الذي هو الإيتاءُ، والدلالةِ على أنه كائنٌ لا محالة وإنْ تأخّر، لا الإخبارِ بأنه متأخِّرُ إلى حين، فعن الزمخشريِّ أنَّ((يفعل)) الذي للاستقبال موضوعٌ لمعنى الاستقبال بصيغته، فإذا دخل عليه ((سوف) أَكَّدَ ما هو موضوعٌ له من إثبات الفعل في المستقبل، لا أن يُعطى ما ليس فيه من أصلهِ، فهو في مقابلة ((لن)) ومنزلتُهُ مِن ((يَفْعَلُ)) منزلة ((لن)) من ((لا يفعل))؛ لأنَّ ((لا)) لنفي المستقبل، فإذا وُضع (لن)) موضعه، أكَّد المعنى الثابت، وهو نفي المستقبل، فإذاً كلُّ واحدٍ من (ن)) و((سوف)) حقيقته التوكيد، ولهذا قال سيبويه(٢): (لن يفعل)) نفي ((سوف يفعل)). وكأنه اكتفى سبحانه ببيان ما لهؤلاء المؤمنين عن أن يقال: أولئك هم المؤمنون حقًّا، مع استفادته مما دلَّ على الضِّدِّيَّة. وفي الآية التفاتٌ من التكلُّم إلى الغيبة. وقرأ نافع وابن كثير وكثيرٌ: ((نؤتيهم» بالنون(٣)، فلا التفات. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ - لمن هذه صفتهم - ما سلف لهم من المعاصي والآثام. ﴾ بهم فيُضاعفُ حسناتهم، ويَزيدُهم على ما وُعدوا. ١٥٢ ﴿رَحِيمًا ﴿يَسْتَلُكَ﴾ يا محمد ﴿أَهْلُ الْكِنَبِ﴾ الذين فرَّقوا بين الرسل ﴿أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَبًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾ فقالوا: إنَّ موسى عليه السلام جاء بالألواح من عند الله تعالى فَأْتِنا بألواحٍ من عنده تعالى، فطلبوا أن يكون المنزَّل جملةً، وأن يكون بخطّ سماويٍّ، وروي ذلك عن محمد بن كعب القرظيِّ والسُّدِّي. (١) عند قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]. (٢) في الكتاب ١١٧/٣. (٣) التيسير ص٩٨، والنشر ٢٥٣/٢، ولم يقرأ بالياء من العشرة سوى حفص. الآية : ١٥٣ ٣٧٣ سُورَةُ النِشَاةِ وعن قتادة: أنهم سألوا أن يُنزِّلَ عليهم كتاباً خاصًّا لهم. وقريبٌ منه ما أخرجه ابن جَرِيرٍ (١) عن ابن جُرَيْج قال: إنَّ اليهودَ قالوا لمحمد ◌َّر: لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتِيّنا بكتابٍ من عند الله تعالى: من الله تعالى إلى فلان، إنك رسول اللهِ، وإلى فلان إنك رسول الله. وما كان مَقصِدُهمْ بذلك إلا التحكّم والتعنُّت، قال الحسن: ولو سألوه ذلك استرشاداً لاعناداً، لأعطاهم ما سألوا . ﴿فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى﴾ عليه السلام شيئاً أو سُؤْلاً ﴿أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ المذكورِ وأَعْظَمَ، والفاء في جوابٍ شَرْطِ مُقدَّرٍ، والجوابُ مؤوَّلٌ ليصحَّ الترتيب، أي: إن استكبرتَ هذا وعرفتَ ما كانوا عليه، تبيَّن لك رسوخُ عِرْقهم في الكفر. وقيل: إنها سببيةٌ، والتقدير: لا تُبالٍ ولا تستكبر، فإنهم قد سألوا موسى عليه السلام ما هو أكبر. وهذه المسألةُ وإن صَدرتْ عن أسلافهم، لكنهم لمّا كانوا على سِيرتهم في كلِّ ما يأتون ويذرون، أُسند إليهم، وجَعَله بعضُ المحققين من قبيل إسناد ما للسبب للمسبب . وجُوِّز أن يكون من إسناد فِعْلِ البعض إلى الكلِّ بناءً على كمال الاتحاد نحو: فإذا رَمَيتُ يُصيبني سَهمي (٢) قومي هُمُ قتلوا أُمَيمَ أَخي فيكون المراد بضمير ((سألوا)) جميعَ أهل الكتاب؛ لصدور السؤال عن بعضهم. وأن يكون المراد بأهل الكتاب أيضاً الجميع، فيكون إسنادُ ((يسألك)) إلى أهل الكتاب من ذلك الإسناد. وأن يكون المراد بهم هذا النوع، ويكون المراد بيانُ قبائح النوع، فلا تَكَلَّفَ ولا تجوُّز، لا في جانب الضمير ولا في المرجع. وأنت تعلم أنَّ إسنادَ فِعْل البعض إلى الكلِّ مما أُلِفَ في الكتاب العزيز، ووقع في نحو ألف موضع. وقرأ الحسن: ((أكثر)) بالمثلَّةِ(٣). (١) في تفسيره ٧/ ٦٤٠ . (٢) البيت للحارث بن وَعْلَة الجَزْميِّ، وهو في أمالي القالي ٢٦٢/١، ودلائل الإعجاز ص٢٥٣ وسلف ١٣٦/٤. (٣) المحرر الوجيز ١٣١/٢، والبحر المحيط ٣٨٦/٣، والدر المصون ١٤٠/٤. سُورَةُ النَّسَاءِ ٣٧٤ الآية : ١٥٣ ﴿فَقَالُوَأْ أَرِنَا اَللَّهَ﴾ الذي أرسلك ﴿جَهْرَةً﴾ أي: مُجاهِرِينَ مُعايِنينَ، فهو في موضع الحال من المفعول الأول، كما قال أبو البقاء(١)، ويَحتمِلُ الحاليةَ من المفعول الثاني، أي: مُعايَناً على صيغة المفعول، ولا لَيْسَ فيه لاستلزام كلِّ منهما للآخر، فلا يقال: إنه يتعيَّنُ كونُهُ حالاً من الثاني لقربه منه. وجُوِّزَ أن يكون صفةً لمصدرٍ محذوفٍ هو الرؤية لا الإراءة؛ لأنَّ الجهرة في كتب اللغة صفةٌ للأول لا الثاني، فيقال: التقدير: أَرِنا نَرَهُ رؤيةً جهرةً. وقيل: يُقَدَّرُ المصدرُ الموصوفُ: سؤالاً، أي: سؤالاً جهرةً. وقيل: قولاً ، أي: قولاً جهرةً، ويؤيِّد هذا ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ظها أنه قال في الآية: إنهم إذا رَأَوه فقد رأوه، إنما قالوا جهرةً: أَرِنا الله تعالى، فهو مُقدَّم ومُؤخَّر(٢). وفيه بُعْدٌ. والفاء تفسيرية. ﴿فَأَخَذَنْهُمُ﴾ أي أهلكتهم لما سألوا وقالوا ما قالوا ﴿الصَّحِقَةُ﴾ وهي نارٌ جاءت من السماء، وأخرج ابن المنذر(٣) عن ابن جُرَيج قال: «الصاعقة»: الموت، أماتهم الله تعالى قبلَ آجالهم عقوبةً بقولهم ما شاء الله تعالى أن يميتهم، ثم بعثهم. وفي ثبوت ذلك تردُّدٌ. وقرأ عمر بن الخطاب وظه: ((الصَّعْفة))(٤). ﴿يِظُلِّيهِمْ﴾ أي: بسبب ظلمهم، وهو تعنُّتهم وسؤالهم لِمَا يستحيل في تلك الحالة التي كانوا عليها. وإنكارُ طلب الكفار للرؤية تعتُّتاً لا يقتضي امتناعَها مطلقاً، واستدلَّ الزمخشريُّ بالآية على الامتناع مطلقاً، وبنى ذلك على كون الظُّلم المضاف إليهم لم يكن إلا لمجرَّد أنهم طلبوا الرؤية، ثم قال: ولو طلبوا أمراً جائزاً لَمَا سُمُّوا به ظالمين، ولَمَا أخذتهم الصاعقةُ، كما سأل إبراهيم عليه الصلاة والسلام (١) في الإملاء ٣٥١/٢. (٢) تفسير الطبري ٦٤٢/٧، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٢٣٨/٢. (٣) كما في الدر المنثور ٢٣٨/٢. (٤) المحرر الوجيز ١/ ١٤٧ . الآية : ١٥٤ ٣٧٥ سُورَةُ النَّسَاءِ إحياءَ الموتى، فلم يُسمِّه ظالماً ولا رماه بالصواعق(١). ثم أَرْعَدَ وأَبرقَ ودعا على مُدَّعي جواز الرؤية بما هو به أحقّ. وأنتَ تعلمُ أنَّ الرجلَ قد استولى عليه الهوى، فغفلَ عن كون اليهود إنما سألوا تعنُّناً، ولم يعتبروا المعجز من حيثُ هو، مع أنَّ المعجزاتِ سواسية الأقدام في الدلالة، ويكفيهم ذلك ظُلْماً، والتنظيرُ بسؤال إبراهيم عليه الصلاة والسلام من العجب العجاب كما لا يخفى على ذوي الألباب. ﴿ثُمَّ أَخَذُواْ الْعِجْلَ﴾ وعبدوه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَتُ﴾ أي: المعجزاتُ التي أَظْهَرَها لفرعون، من العصا واليد البيضاء وفَلْقِ البحر وغيرها، أو الحُججُ الواضحة الدالّة على أُلوهيَّته تعالى ووحدته، لا التوراةُ؛ لأنها إنما نزلتْ عليهم بعد الاتِّخاذ. ﴿فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ﴾ الاتِّخاذِ حين تابوا، وفي هذا - على ما قيل - استدعاءٌ لهم إلى التوبة (٢)، كأنه قيل: إنَّ أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم، فتوبوا أنتم أيضاً حتى نعفوَ عنكم. ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَنَّا مُبِينًا ﴾﴾ أي: تسلُّطاً ظاهراً عليهم حين أمرهم أن يقتلوا أنفسهم توبةً عن اتخاذهم، وهذا - على ما قيل - وإن كان قبل العفو، فإنَّ الأمرَ بالقتل كان قبل التوبة؛ لأنَّ قبولَ القتل كان توبةً لهم، لكنَّ الواو لا تقتضي الترتيب . واستُظهر أن لا يُجعلَ التسُّطُ ذلك التسلُّطَ، بل تسلُّطاً بعد العفو، حيث انقادوا له ولم یتمگّنوا بعد ذلك من مخالفته. ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اَلُوَرَ﴾ وهو ما روي عن قتادة: جبلٌ كانوا في أصله، فرفعه الله تعالى فجعله فوقهم كأنه ◌ُلَّة، وكان كمعسكرهم قَدْرَ فَرْسَخِ في فَرْسخِ، وليس هو - على ما في ((البحر))(٣) - الجبل المعروف بطور سيناء. والّظرف متعلِّقٌ بـ ((رفعنا))، وجُوِّزَ أن يكون حالاً من (الطُّور))، أي: رفعنا الطورَ كائناً فوقهم. (١) الكشاف ١/ ٥٧٧ . (٢) في (م): التوراة. والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٤٩/٢، والكلام منه. (٣) ٣٨٧/٣. سُورَةُ المَسَحَّةِ ٣٧٦ الآية : ١٥٤ ﴿بِتَقِهِمْ﴾ أي: بسبب ميثاقهم ليُعْطُوه، على ما روي أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة، فَرُفعَ عليهم فقبلوها. أو ليخافوا فلا ينقضوا الميثاق، على ما روي أنهم هَمُّوا بنقضه، فَرُفع عليهم الجبل فخافوا وأقلعوا عن النقض، قيل: وهو الأنسب بقوله تعالى بعدُ: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِثَقًّا غَلِيظًا﴾. وزعم الجبَّائي أنَّ المراد بنقض ميثاقهم الذي أُخذ عليهم بأن يعملوا بما في التوراة، فنقضوه بعبادة العِجْل. وفيه: أنَّ التوراة إنما نزلت بعد عبادتهم العجلَ كما مرَّ آنفاً، فلا يتأتَّى هذا. وقال أبو مسلم: إنما رَفَعَ اللهُ تعالى الجبلَ فوقَهم إظلالاً لهم من الشمس جزاءً لعهدهم وكرامةً لهم. ولا يخفى أنَّ هذا خَرْقٌ لإجماع المفسِّرين، وليس له مُستَندٌ أصلاً . ﴿وَقُلْنَا لَهُ﴾ على لسان يوشع عليه السلام بعد مضيٍّ زمان التِّيه ﴿أَدْخُلُواْ أَلْبَابَ﴾ قال قتادة فيما رواه ابن المنذر(١) وغيرُه عنه: كنَّا نتحدث أنه بابٌ من أبواب بيت المقدس. وقيل: هو إيلياء(٢). وقيل: أريحا. وقيل: هو اسم قرية. أو: قلنا لهم على لسان موسى عليه السلام، والطُّور مُظِلٌّ عليهم: ادخلوا الباب المذكورَ إذا خرجتم من التِّيه، أو: باب القُبَّة التي كانوا يُصلُّون إليها؛ لأنهم لم يخرجوا من التِّيه في حياته عليه السلام، والظاهر عدم القيد. ﴿ُجَّدًا﴾ متطامنين خاضعين، وعن ابن عباس ظّا: رُكَّعاً، وقيل: ساجدين على جباهكم شكراً لله تعالى. ﴿وَقُلْنَا لَمْ﴾ على لسان داود عليه السلام ﴿لَا تَعْدُواْ﴾ أي: لا تتجاوزوا ما أُبِيحَ لكم؛ أو لا تظلموا باصطياد الحيتان ﴿فِي السَّبْتِ﴾. ويحتمل - كما قال القاضي (٣) بَيَّض الله تعالى غُرَّة أحواله - أن يُراد: على لسان (١) كما في الدر المنثور ٢٣٨/٢. وأخرجه - أيضاً - ابن جرير ٧ / ٦٤٤. (٢) إيلياء: هو اسم مدينة بيت المقدس. معجم البلدان ١/ ٢٩٣. (٣) هو البيضاوي، والكلام في تفسيره ٢/ ١٢٧ . الآية : ١٥٤ ٣٧٧ سُورَةُ النِّسََّّاءِ موسى عليه السلام حين ظُلِّلَ الجبلُ عليهم، فإنه شَرعَ السبتَ، لكنْ كان الاعتداءُ فيه والمسُ في زمن داود عليه السلام. وقرأ ورشٌ عن نافع: ((لا تَعَدُّوا)) بفتح العين وتشديد الدال، وروي عن قالون تارةً سكون العين سكوناً مَحْضاً، وتارةً إخفاء فتحة العين(١). فأما الأول فأصلها: تعتدوا؛ لقوله تعالى: ﴿أَعْتَّدَوْاْ مِنكُمْ فِى السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] فإنه يدلُّ على أنه من الاعتداء، وهو افتعالٌ من العدوان، فأُريد إدغامُ تائه في الدال، فنُقَلتْ حركتُها إلى العينِ وقُلبتْ دالاً وأدغمت. وأما السكون المحضُ فشيءٌ لا يراه النحويون؛ لأنه جَمْعٌ بين ساكنين على غير حدِّهما. وأما الإخفاء والاختلاس فهو أَخفُّ من ذلك، لِمَا أنه قريبٌ من الإتيان بحركةٍ ما . وقرأ الأعمش: ((تعتدوا))(٢) على الأصل. وأصل ((تَعْدُوا)) في القراءة المشهورة، تَعدُوُوا، بواوين: الأولى واوُ الكلمة، والثانيةُ ضمير الفاعل، فاستُثقلت الضمةُ على لام الكلمة فحُذفت، فالتقى ساكنان، فحذف الأول وهو الواو الأولى، وبقي ضميرُ الفاعل. ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ فِتَفَّا غَلًِّا أي عهداً وثيقاً مؤكّداً بأن يأتمروا بأوامر الله ١٥٤ تعالى وينتهوا عن مناهيه، قيل: هو قولهم: سمعنا وأطعنا، وكونُه («ميثاقاً)) ظاهرٌ، وكونُه ((غليظاً)) يُؤْخَذُ من التعبير بالماضي، أو من عَطْفِ الإطاعة على السمع بناءً على تفسيره بها، وفي أَخْذِ ذلك مما ذُكر خفاءٌ لا يَخْفَى. وحُكي أنهم بعد أن قبلوا ما كُلِّفوا به من الدِّين أَعطوا الميثاق على أنهم إن هَمُّوا بالرجوع عنه فالله تعالى يعذِّبهم بأيِّ أنواع العذاب أراد، فإن صحَّ هذا كانت وكادةُ الميثاق في غاية الظهور. وزعم بعضُهم أنَّ هذا الميثاقَ هو الميثاقُ الذي أَخذهُ الله تعالى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالتصديق بمحمدٍ وَّهِ والإيمانِ به، وهو المذكورُ في قوله (١) التيسير ص٩٨، والنشر ٢٥٣/٢، وقرأ ((تَعْدُّوا)) بسكون العين أيضاً أبو جعفر. (٢) المحرر الوجيز ١٣٢/٢ ونسبها أيضاً للحسن، ونسبها ابن خالويه ص ٣٠ لأبيّ، ونسبها في البحر ٣٨٨/٣ للأعمش والأخفش. سُورَةُ النَّسَّةِ ٣٧٨ الآية : ١٥٥ تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبْنَ لَمَآءَاتَّيْتُكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٨١]؛ وكونُه ((غليظاً)) باعتبار أَخْذِهِ من كلِّ نبيِّ نبيٍّ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأَخْذِ كلِّ واحدٍ واحدٍ له من أُمَّته، فهو ميثاقٌ مؤكّدٌ متكرِّرٌ. ولا يخفى أنه خلافُ الظاهر الذي يقتضيه السياق. ﴿فَّبِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ﴾ في الكلام مقدَّرٌ، والجارُّ والمجرور متعلّقٌ بمقدَّرٍ أيضاً، والباءُ للسببية، و((ما)) مزيدةٌ لتوكيدها، والإشارةُ إلى أنها سببيةٌ قويةٌ، وقد يفيدُ ذلك الحضرَ بمعونة المقام، كما يفيده التقديمُ على العامل إن التُّزم هنا. وجُوِّز أن تكون (ما) نكرةً تامةً، ويكون ((نقضهم)) بدلاً منها(١). أي: فخالفوا ونقضُوا، ففعلنا بهم ما فعلنا بنَفْضِهم، وإن شئتَ أَخَرتَ العامل. واختار أبو حيان(٢) عليه الرحمة تقدير ((لَعنَّاهم)) مؤخّراً؛ لوروده مصرَّحاً به كذلك في قوله تعالى: ﴿فَيِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ لَمَنَّهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]. وجوَّز غيرُ واحدٍ تعلُّقَ الجارِّ بـ ((حرَّمنا)) الآتي(٣)، على أنَّ قوله تعالى: ﴿فَيُظُلْمٍ﴾ بدلٌ من قوله سبحانه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾، وإليه ذهب الزجَّاجِ(٤). وتعقّبه في ((البحر)» بأنَّ فيه بُعْداً؛ لكثرة الفواصل بين البدل والمبدل منه، ولأنَّ المعطوفَ على السبب سببٌ، فيلزمُ تأخّر بعض أجزاء السبب الذي للتحريم عن التحريم، فلا يمكن أن يكون جزءً سببٍ أو سبباً إلا بتأويلٍ بعيد، وبيانُ ذلك أنَّ قولَهم على مريم بهتاناً عظيماً، وقولَهم: إنَّا قتلنا المسيح، متأخِّرٌ في الزمان عن تحريم الطيبات عليهم(٥). واستحسنه السفاقسيُّ ثم قال: وقد يُتَكلَّف لِحِلِّه بأنَّ دوام التحريم في كلِّ زمنٍ کابتدائه، وفيه بحثٌ. (١) في (م): منهما. والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢/ ٢٥٠ والكلام منه. (٢) في البحر المحيط ٢٨٩/٣. (٣) في قوله تعالى: ﴿فَيُطَلْمِ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا﴾ [الآية: ١٦٠]. (٤) في معاني القرآن ٢/ ١٢٧. (٥) البحر المحيط ٢٨٨/٣. الآية : ١٥٥ ٣٧٩ سُورَةُ النَسَّاةِ وجَعَلَ العلّامة الثاني الفاء في ((فبظلم)) على هذا التقدير تكراراً للفاء في ((فبما نقضهم)) عَظْفاً على ((أخذنا منهم)) أو جزاءَ شَرْطٍ مُقَدَّر، واستبعده أيضاً من وجهين؛ لفظيٍّ ومعنويّ؛ وبيَّن الأولَ بُطُول الفَصْل وبكونه من إبدال الجارِّ والمجرور مع حرف العطف أو الجزاء، مع القطع بأنَّ المعمولَ هو الجارّ والمجرور فقط، والثاني بدلالته على أنَّ تحريمَ بعض الطيبات مُسبَّبٌ عن مثل هذه الجرائم العظيمة ومترتّبٌ عليه. ثم قال: ولو جُعلت الفاءُ للعطف على ((فبما نقضهم)) كما في قولك: بزيدٍ وبحُسْنه، أو فبحُسنه، أو ثم حُسنه افتتنت، لم يُحْتَجْ إلى جَعْلِهِ بدلاً . وجوَّز أبو البقاء وغيرُه التعلُّق بمحذوف دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا پِكُفِهِمْ﴾(١). وَرُدَّ بأنَّ ذلك لا يصلحُ مفسِّراً ولا قرينةً للمحذوف؛ أما الأولُ: فلتعلُّقه بكلام آخر؛ لأنه رَدٌّ وإنكارٌ لقولهم: ((قلوبنا غُلْف)). وأما الثاني: فلأنه استطرادٌ يتمُّ الكلام دونه، وكونه قرينةً لِمَا هو عمدةٌ في الكلام يوجب أن لا يتمَّ دونه. والحاصل أنه لا بدَّ للقرينة من التعلُّق المعنويِّ بسابقتها حتى تصلحَ لذلك، ومنه يُعلم أنه لا مَورِدَ للنظر بأنَّ الطّبعين متوافقان في العروض، أحدهما بالكفر، والآخر بالنقض. وقيل: هو متعلِّقٌ بـ ((لا يؤمنون)) والفاءُ زائدة (٢)، وقيل: بما دلَّ عليه، ولا يخفى رَدُّ ذلك. ﴿وَكُفْرِهِم بِنَايَتِ اَلَّهِ﴾ أي حُجَجهِ الدالَّةِ على صِدْقٍ أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، والقرآن، أو ما في كتابهم لتحريفه وإنكاره وعدم العمل به . ﴿وَقَيْلِهِمُ الْأَنِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ كزكريًّا ويحيى عليهما السلام. (١) والتقدير: فبما نقصهم ميثاقهم طبع الله على قلوبهم. الإملاء ٣٥٣/٢، والدر المصون ١٤٣/٤. (٢) والتقدير: فبما نقضهم ميثاقهم لا يؤمنون إلا قليلاً. البحر ٣٨٩/٣. سُورَةُ النَّسَاءِ ٣٨٠ الآية : ١٥٥ ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفًا﴾ جمعُ غِلاف بمعنى الّرف، وأصلُهُ: غُلُف بضمَّتين، فَخُفِّفَ، أي: أوعيةٌ للعلم، فنحن مُستغنون بما فيها عن غيره. قاله ابنُ عباس . وعطاء. وقال الكلبيُّ: يعنون: إنَّ قلوبنا بحيثُ لا يَصلُ إليها شيءٌ إلا وَعَنْهُ، ولو كان في حديثك شيءٌ لَوَعَتْهُ أيضاً . ويجوز أن يكون جمعُ أَغْلَف، أي: هي مُعشَّةٌ بأغشيةٍ خَلْقيةٍ لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد رَّه، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا نَدْعُونَآَ إِلَيْهِ﴾ [فصلت : ٥]. ﴿بَّ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفِهِمْ﴾ كلامٌ معترضٌ بين المعطوفين، جيءَ به على وجه الاستطراد مسارعةً إلى ردِّ زعمهم الفاسد، أي: ليس الأمرُ كما زعمتم من أنها أوعيةُ العلم، فإنها مطبوعٌ عليها، محجوبةٌ من العلم، لم يصلْ إليها شيءٌ منه، كالبيت المقفل المختوم عليه. والباء للسببية، وجُوِّز أن تكون للآلة(١). ويجوز أن يكون المعنى: ليس عدمُ وصول الحقِّ إلى قلوبكم لكونها في أكِنَّة وحُجُبٍ خَلْقِيةٍ كما زعمتم، بل لأنَّ الله تعالى خَتَمَ عليها بسبب كفركم الكَسْبيِّ. وهذا الطّبْعُ بمعنى الخِذلانِ والمنع من التوفيقِ للتدبُّر في الآيات والتذكّرِ بالمواعظ عند الكثير، وطَبْعٌ حقيقيٌّ عند البعض، وأُيد بما أخرجه البزَّارُ عن ابن عن النبيِّ وَّ قال: «الطابعُ مُعلَّقٌ بقائمةِ العرش، فإذا انتُهِكت الحرمة، عمر : وعُمِلَ بالمعاصي، واجتُرئ على الله تعالى، بعث الله تعالى الطَّابعَ فَطَبَعَ على قلبه، فلا يَعْقِلُ بعد ذلك شيئاً))(٢) وأخرجه البيهقيُّ أيضاً في ((الشعب))(٣) إلا أنه ضعَّفه. ﴿فَلَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ نُصِبَ على أنه نَعتُّ لمصدرٍ محذوف، أي: إلا إيماناً قليلاً، فهو كالتصديق بنبوَّة موسى عليه السلام، وهو غيرُ مفيدٍ؛ لأنَّ الكُفْرَ بالبعض كُفْرٌ بالكُلِّ كما مرّ. أو صفةٌ لزمانٍ محذوفٍ، أي: زماناً قليلاً. (١) كالباء في: طبعتُ بالطين على الكيس، يعني أنه جعل الكفر كالشيء المطبوع به، أي: مغطياً عليها، فيكون كالطابع. الدر المصون ٤ / ١٤٤ . (٢) مسند البزار (٣٢٩٨ - كشف)، وأخرجه ابن الجوزي في العلل (١٢٩٤) وقال: لا يصح عن رسول الله مَلخر. (٣) شعب الإيمان (٧٢١٣) و(٧٢١٤).