النص المفهرس
صفحات 341-360
الآية : ١٣٧ ٣٤١ سُورَةُ النَّسَاءِ السلام، ثم كافرين بعبادة العجل أو بشيءٍ آخرَ، ثم مؤمنينَ بعوده إليهم أو بعزير، ثم كافرينَ بعيسى عليه السلام، بل هم إمَّا مؤمنون بموسى عليه السلام وغيره، أو كفارٌ لكفرهم بعيسى عليه السلام والإنجيلِ. وأُجيبٌ بأنَّه لم يُرَدْ على هذا قومٌ بأعيانهم بل الجنس، ويَحصلُ التَّبكيتُ على اليهود الموجودين باعتبار عدِّ ما صدر من بعضهم، كأنَّه صدر من كلِّهم. والذي يَميل القلب إليه أنَّ المراد قومٌ تَكرَّرَ منهم الارتداد، أعمّ مِن أنْ يكونوا منافقين أو غيرهم، ويؤيِّدُه ما أخرجه ابن جرير وابنُ أبي حاتم عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنَّه قال في المرتد: إنْ كنتُ لَمُسْتَتِيبَه ثلاثاً، ثم قرأ هذه الآية(١). وإلى رأي الإمام كرَّم الله تعالى وجهه ذهبَ بعضُ الأئمة فقال: يقتل المرتدُّ في الرابعة ولا يُستتاب. وكأنَّه أراد أنَّه لا فائدةَ في الاستتابة إذ لا تنفعُه(٢)، وعليه فالمراد مِن قوله سبحانه: ﴿لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِّرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (®َ﴾ أنَّه سبحانه لا يفعلُ ذلك أصلاً وإنْ تابوا. وعلى القول المشهور الذي عليه الجمهور: المرادُ مِن نَفْي المغفرة والهداية نَفْيُ ما يقتضيهما وهو الإيمانُ الخالصُ الثابت، ومعنى نَفْيه: استبعادُ وقوعه؛ فإنَّ مَن تكرَّر منهم الارتدادُ وازديادُ الكفر والإصرار عليه صاروا بحيث قد ضُربَتْ قلوبهم بالكفر، وتمرَّنَت على الردة، وكان الإيمان عندهم أَذْوَنَ شيءٍ وأهونَه، فلا يكادون يقربون منه قيد شبرٍ ليتأهَّلوا للمغفرة وهدايةٍ سبيل الجنة، لا أنَّهم لو أَخلصُوا الإيمان لم يُقْبَل منهم ولم يُغفر لهم. وخصَّ بعضُهم عدم الاستتابة بالمتلاعب المستخِفِّ إذا قامت قرينةٌ على ذلك. وخبرُ ((كان)) في أمثال هذا الموضع محذوفٌ وبه تتعلَّق اللام كما ذهب إليه البصريون، أي: ما كان الله تعالى مريداً للغفران لهم، ونفيُ إرادةِ الفعل أبلغُ من نفيه . (١) تفسير الطبري ٥٩٩/٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٠٩١، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ١٣٨/١٠. (٢) في (م): إذا لا منفعة. سُورَةُ الشَّلة ٣٤٢ الآية : ١٣٨ - ١٣٩ وذهب الكوفيون إلى أنَّ اللام زائدةٌ والخبر هو الفعل، وضُعِّف بأنَّ ما بعدها قد انتصب، فإنْ كان النصب باللام نفسِها فليست بزائدة، وإن كان بـ ((أنْ)) ففاسدٌ لِمَا فيه من الإخبار بالمصدر عن الذات. وأُجِيبَ باختيار الشقِّ الأول، وأنَّه لا مانعَ من العمل مع الزيادة كما في حرف الجرِّ الزائد، وباختيار الشقِّ الثاني، وامتناعُ الإخبار بالمصدر عن الذات لعدم كونه دالًّا بصيغته على فاعل وعلى زمانٍ دون زمانٍ، والفعلُ المصدَّر بـ ((أنْ)) يدلُّ عليهما فيجوزُ الإخبار به وإنْ لم يَجُزْ بالمصدر، ولا يخفَى ما فيه، فإنَّ الإخبار على هذا بالفعل لا بالمصدر، وإنْ أُوِّلَ المصدرُ باسم الفاعل كان الإخبار باسم الفاعل لا به أيضاً، فافهم. واختار قومٌ في القوم ما ذهب إليه مجاهد، وأُيِّد ذلك بقوله تعالى: ﴿بَشْرِ ﴾ ووضع فيه ((بَشِّر)) موضعَ ((أَنذِر)) تهكُّماً بهم، ففي ١٣٨ اَلْمُتَّفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الكلام استعارةٌ تهكّميَّة، وقيل: موضعَ أَخِر، فهناك مجازٌ مرسَلٌ تهكُّميٍّ. ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَّةَ﴾ في موضع النصب أو الرفع على الذمِّ، على معنى: أُريدُ بهم الذين، أو: هم الذين، ويجوزُ أنْ يكون منصوباً على انِّباع ((المنافقين))، ولا يمنع منه وجود الفاصل فقد جَوَّزه العربُ. والمرادُ بالكافرين، قيل: اليهود. وقيل: مشركو العرب. وقيل: ما يعمُّ ذلك والنصارى. وأُيِّد الأول بما روي: أنه كان يقول بعضُهم لبعض: إنَّ أمر محمدٍ (وَّ) لا يتمُّ، فتولَّوا اليهود ﴿مِن دُونِ اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: متجاوزين ولايةَ المؤمنين، وهو حالٌ مِن فاعل ((یتَّخذون)). ﴿أَيَبْتَغُونَ﴾ أي: المنافقون ﴿عِندَهُمْ﴾ أي: الكافرين ﴿الْعِزَّةَ﴾ أي: القوَّة والمَنَعة، وأصلُها: الشدَّةُ، ومنه قيل للأرض الصُّلبة: عَزَاز. والاستفهام إنكاري(١)، والجملةُ معترِضةٌ مقرِّرة لِمَا قبلها. وقيل: للتھگُم، وقيل: للتعُّب. (١) في (م): للإنكار. الآية : ١٤٠ ٣٤٣ سُورَةُ النَّسَكَاءِ ﴾ أي: أنَّها مُختصَّةٌ به تعالى يُعطيها مَن يشاء، وقد كتبها ١٣٩ ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا سبحانه لأوليائه فقال عزَّ شأنه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. والجملةُ تعليلٌ لِمَا يُفيده الاستفهام الإنكاريُّ من بُطلان رأيهم وخيبةٍ رجائهم. وقيل: بيانٌ لوجه التهكُّم، أو التعجُّب. وقيل: إنَّها جوابُ شرطٍ محذوف، أي: إنْ يبتغوا العزّة مِن هؤلاء فإنَّ العزّة .. إلخ، وهي على هذا التقدير قائمةٌ مقامَ الجواب لا أنَّها الجوابُ حقيقةً. و ((جميعاً)) حالٌ(١) مِن الضمير في الجارِّ والمجرور لاعتماده على المبتدأ، وليس في الكلام مضافٌ - أي: لأولياء ــ كما زعمه البعض. وقوله سبحانه: ﴿وَقَّدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ خطابٌ(٢) للمنافقين بطريق الالتفات مفيدٌ لتشديد التوبيخ الذي يستدعيه تمديدُ جناياتهم. وقرأ ما عدا عاصماً ويعقوب: ((نزِّل)) بالبناء لِمَا لم يُسمَّ فاعلُه(٣). والجملةُ حالٌ من فسمير ((يتخذون)) مفيدةٌ - أيضاً - لكمالٍ قَبَاحةِ حالِهِم ببيان أنّهم فعلوا ما فعلوا مِن موالاة أعداء الله تعالى مع تَحقّق ما يمنعهم عن ذلك، وهو ورودُ النهي عن المجالسة المستلزم للنهي عن الموالاة على آكدٍ وجهٍ وأبلغِهِ إثْرَ بيان انتفاءِ ما يدعوهم إليه بالجملة المعترضة، كأنَّه قيل: تتخذونهم أولياء والحالُ أنَّه تعالى نَزَّل عليكم قبل هذا بمكة ﴿فِى الْكِتَبِ﴾ أي: القرآن العظيم الشأن ﴿أَنّ إذَا سَمِعْثُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرٍِ﴾ وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيّ ◌َئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٦٨]، وهذا يقتضي الانزجار عن مجالستهم في تلك الحالة القبيحة، فكيف بموالاتهم والاعتزازٍ بهم؟. و((أنْ)) هي المخفَّفة من الثقيلة، واسمُها ضمير الشأن مقدَّر، أي: أنَّه إذا سمعتم، وقدَّره بعضُهم ضميرَ المخاطبين، أي: أنَّكم، وكون المخفَّفة لا تعمل في (١) قبلها في (م): قيل. (٢) قبلها في الأصل: قيل. (٣) التيسير ص٩٨، والنشر ٢/ ٢٥٣. سُورَةُ الشَحَّةِ ٣٤٤ الآية : ١٤٠ غير ضمير الشأن إلا لضرورة - كما قال أبو حيان(١) - في حيِّز المنع، وقد صحَّح غيرُ واحدٍ جوازَ ذلك من غير ضرورة. والجملةُ الشرطية خبرٌ، وهي تقعُ خبراً في كلام العرب. و((أنْ)) وما بعدها في موضع النصب على أنَّها(٢) مفعولٌ به لـ ((نزَّل))، وهو القائمُ مقامَ الفاعل على القراءة الثانية، واحتمالُ أنْ يُجعلَ(٣) القائمُ مقامه ((عليكم)) وتكون ((أنْ)) مُفسِّرةً؛ لأنَّ التنزيل في معنى القول، لا يُلتَفَتُ إليه. و((يُكفر بها ويُستهزَأ بها)) في موضع الحال مِن الآيات جيءَ بهما لتقييد النهي عن المجالسة، فإنَّ قَيْدَ القَيْدِ قَيْدٌ، والمعنى: لا تقعدوا معهم وقْتَ كفرهم واستهزائهم بالآيات. وإضافةُ الآيات إلى الاسم الجليل لتشريفها وإبانةِ خطرها وتهويلِ أمرِ الكفر بها، والضمير في ((معهم)) للكَفَرة المدلول عليهم بـ ((يُكفَر)) و(يُستهزأ)) والضمير في ((غيره)) راجعٌ إلى تحديثهم بالكفر والاستهزاء، وقيل: للكفر (٤) والاستهزاء لأنَّهما في حکم شيءٍ واحدٍ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُرْ إِذَا مِثْلُهُمْ﴾ تعليلٌ للنهي غيرُ داخلٍ تحت التنزيل، و((إذا)) ملغاة؛ لأنَّ شرط عملها النصبَ في الفعل أنْ تكون في صدر الكلام، فلذا لم يَجِئ بعدها فعلٌ. و((مثل)) خبرٌ عن ضمير الجمع، وصحَّ مع إفراده لأنَّه في الأصل مصدر، فيستوي فيه الواحدُ المذكَّر وغيرُه. وقيل: لأنَّه كالمصدر في الوقوع على القليل والكثير(٥)؛ أو لأنَّه مضافٌ لجمعٍ فيعمُّ، وقد يطابق ما قبله كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْتَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. (١) في البحر ٣٧٥/٣. (٢) في (م): أنه. (٣) في (م): أنه قد يجعل. (٤) في (م): الكفر. (٥) قوله: والكثير، ليس في الأصل، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٣/ ١٩٠، والقول أن ((مثل)) كالمصدر هو قول البيضاوي، قال الشهاب: لمَّا لم يتعين عنده مصدريته قال: كالمصدر. الآية : ١٤٠ ٣٤٥ سُؤَةُ الْقِسَكَاةِ والجمهور على رَفْعِه، وقرئ شاذًّا بالنصب(١)، فقيل: إنَّه منصوبٌ على الظرفية؛ لأنَّ معنى قولك: زيدٌ مثلُ عمرو، أنَّه في حالٍ مثله. وقيل: إنَّه إذا أُضيف إلى مبنيٌّ اكتَسَب البناء، ولا يختصُّ ذلك بـ ((ما)) المصدرية كما تُوهِّم، بل يكون فيها مثل: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ نَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]، وفي غيرها کقوله : إِذْ هُم قُريشٌ وإذا ما مِثْلَهم بَشَرُ (٢) فأصْبَحوا قَدْ أُعَادَ اللهُ نِعْمَتَهُم وابنُ مالك يشترط لاكتِسَاب البناء أنْ لا يقبل المضافُ للتثنية والجمع كـ : دون وغير وبين، ولم يُصحَّخ ذلك في ((مثل)) وأَعربَه حالاً من الضمير المستتر في ((حق)) في قوله تعالى: ﴿إِنَُّ لَحَقٌّ مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ نَطِقُونَ﴾(٣). تعليلٌ ١٤٠ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا ( لكونهم مثلَهم في الكفر ببيان ما يستلزمُه من شركتهم لهم في العذاب. والمرادُ من المنافقين: إمَّا المخاطَبون، وأُقيمَ المُظْهَرُ مقامَ المُضْمَر تسجيلاً لنفاقهم وتعليلاً للحكم بمأخذ الاشتقاق، وإمّا الجنس وهم داخلون دخولاً أوليًّا، وتقديمُهم لتشديد الوعيد على المخاطبين. وانتصابُه(٤) على الحال طرز ما مرَّ. واستُشكل كون الخطاب للمنافقين بأنَّهم مثلُ الكافرين في الكفر من غير سَبَبيَّة القعودِ معهم، فلا وجْهَ لترتُّب(٥) الجزاء على الشرط، والعدولُ عن كون المماثلة في الكفر إلى المماثلة في المجاهرة به لا يَحسُن معه كونُ جملةٍ ((إنَّ الله)) إلخ تعليلاً لكونهم مثلَهم بتلك المماثلة بالطريق الذي ذُكر. وأيضاً الذين نُهُوا عن مجالسة الكافرين والمستهزئين بمكةً هم المؤمنون المخلصون لا المنافقون؛ لأنَّ نَجْم النفاق إنَّما ظهر بالمدينة، فكيف يُذكَّر المنافقون فيها بنهي نزل في مكة قبل أن يكونوا. (١) الإملاء ٣٤٥/٢، والبحر ٣٧٥/٣. (٢) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ١/ ١٨٥، ومغني اللبيب ص٦٧١، وحاشية الشهاب ٣/ ١٩٠ والكلام منه. (٣) حاشية الشهاب ٣/ ١٩٠. (٤) يعني ((جميعاً))، وينظر تفسير أبي السعود ٢٤٥/٢. (٥) في الأصل: لترتيب. سُورَةُ النَشَاةِ ٣٤٦ الآية : ١٤٠ وأُجيبَ عن هذا: بأنَّه إنْ سُلِّم أنَّ المُنُزَل على النبيِّ وَّهِ وإنْ خوطب به خاصةً مُنزَلٌ على الأمة مخلصِهم ومنافقِهم إلى قيام الساعة، صحَّ دخولُ المنافقين وإنْ لم يكونوا وقتَ النزول. وإنْ لم يُسلَّم ذلك، فإن ادُّعي الاقتصارُ على النبيِّ وَّه لم يدخل المؤمنون المخلصون أيضاً، وإن ادُّعي دخولُهم فقط دون المنافقين الذين هم مؤمنون ظاهراً فلا دليلَ عليه، كيف وجميعُ الأحكام متعلِّقةٌ بالمؤمنين كيف كانوا، ولسنا مكلَّفين بأنْ نشقَّ على قلوب العباد، بل لنا الظاهرُ والله تعالى يتولَّى السرائر، على أنَّه قد قام الدليلُ على أنَّ الأحكام الشرعية التي كانت صدر الإسلام ولم تُنسخ مخاطبٌ بها من نَطَق بالكلمة الطيبة وبلغتْه قبل يوم الساعة، فقد قال الله تعالى: ﴿لِأَنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنُّ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. ولهذه الدغدغة قال بعضُ المحققين: إنَّ المقصود من الخطاب هنا المؤمنون الصادقون، والمرادُ بمَن يَكفُر ويَستهزئ أعمُّ من المنافقين والكافرين، وضمير (معهم)) للمفهوم من الفعلين، ويُؤيِّد ذلك ما نقل عن الواحدي أنَّه قال: كان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن، فنهَى الله تعالى المسلمين عن مجالستهم(١). والمرادُ من المماثلة في الجزاء المماثلةُ في الإثم؛ لأنَّهم قادرون على الإعراض والإنكار لا عاجزون كما في مكة. أو في الكفر على معنَى: إنْ رضيتُم بذلك، وهو مبنيٌّ على أنَّ الرضا بكفرِ الغير كفرٌ من غير تفصيل، وهي(٢) روايةٌ عن أبي حنيفة رَُّهِ عَثَرَ عليها صاحبُ ((الذخيرة))(٣). وقال شيخ الإسلام خواهر زاده(٤): الرضا بكفر الغير إنَّما يكونُ كفراً إذا كان (١) الوسيط ١٢٩/٢. (٢) في الأصل: وهو. (٣) ذخيرة العقبي ليوسف بن جنيد المعروف بأخي جلبي، وهي حاشية على شرح الإمام صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي الحنفي لكتاب وقاية الرواية في مسائل الهداية. (٤) محمد بن الحسين بن محمد البخاري، أبو بكر الحنفي، ويعرف بيكر خواهر زاده، وكان من عظماء ما وراء النهر، من كتبه: المبسوط في الفروع، توفي سنة (٤٨٣هـ). الجواهر المضية ١٤١/٣، وهدية العارفين ٧٦/٦. وجاء في هامش الأصل عند هذا الموضع: بحث الرضى بالكفر. الآية : ١٤٠ ٣٤٧ سُورَةُ النِّسَكَاةِ يستجيزُ الكفر أو يستحسنُه، أمَّا إذا لم يكن كذلك ولكنْ أحبَّ الموت أو القتل على الكفر لِمَن كان مُؤذياً حتى ينتقمَ الله تعالى منه، فهذا لا يكون كفراً. ومَن تأمَّل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ﴾ الآية [يونس: ٨٨] يظهرُ له صحَّةُ هذه الدعوى، وهو المنقول عن الماتريدي. وقول بعضهم: إنَّ مَن جاءه كافرٌ لِيُسْلِمَ فقال: اصبر حتى أتوضَّأَ، أو أَخّره، يكفُر لرضاه بكفره في زمانٍ = موافقٌ لما روي عن الإمام، لكنْ يدلُّ على خلافه ما روي في الحديث الصحيح في فتح مكة: أنَّ ابن أبي سرح أتَى به عثمانُ رَّتُه إلى النبيِّ نَّ ه فقال: يا رسول الله بايعه، فكفَّ ◌َّهِ يدَه، ونظر إليه ثلاث مراتٍ. وهو معروفٌ في السير(١)، وهو يدلُّ بظاهره على أنَّ التوقُّف مطلقاً ليس - كما قالوه - كفراً. واستدلَّ بعضُهم بالآية على تحريم مجالسةِ الفُسَّاق والمبتدعين من أيِّ جنسٍ كانوا، وإليه ذهب ابن مسعود وإبراهيمُ وأبو وائلٍ. وبه قال عمر بنُ عبد العزيز وروى عنه هشام بن عروةً أنَّه ضرب رجلاً صائماً كان قاعداً مع قومٍ يشربون الخمر، فقيل له في ذلك، فتلا الآية. وهي أصلٌ لِمَا يفعله المصنِّفون من الإحالة على ما ذكر في مكانٍ آخرَ والتنبيهِ عليه، والاعتمادِ على المعنى، ومِن هنا قيل: إنَّ مدار الإعراض عن الخائضين فيما لا يُرضي اللهَ تعالى هو العلمُ بخوضهم، ولذلك عبَّر عن ذلك تارةً بالرؤية وأخرى بالسماع. وإنَّ المراد بالإعراض: إظهارُ المخالفةِ بالقيام عن مُجالستهم، لا الإعراضُ بالقلب أو بالوجه فقط، وعن الجبائيّ أنَّ المحذور مجالستُهم مِن غير إظهارِ كراهةٍ لِمَا يسمعه أو يراه. وعلى هذا - الذي ذهب إليه بعضُ المحققين - يحتملُ أنْ يُرادَ بالمنافقين والكافرين في جملة التعليل ما أُريدَ بضمير ((معهم)، وصرَّح بهذا العنوان لمَا أشرنا إليه قبلُ، ويحتمل أنْ يُراد الجنس ويدخلُ أولئك فيه دخولاً أوليًّا . (١) أخرجه أبو داود (٢٦٨٣) والنسائي ١٠٦/٧ من حديث سعد هـ سُورَةُ المَشَاةِ ٣٤٨ الآية : ١٤١ والخطاب في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ للمؤمنين الصادقين بلا خلاف، والموصول إما بدلٌ من ((الذين يَتَّخذون)) أو صفةٌ للمنافقين فقط، إذ هم المتربِّصون دون الكافرين، وجوَّز أبو البقاء(١) وغيرُه كونَه صفةً لهما، أو مرفوعٌ أو منصوبٌ على الذمِّ، وجعْلُه مبتدأً خبرُه الجملةُ الشرطية لا يخلو مِن تكلُّفٍ. والتربُّصُ: الانتظار، والظاهرُ من كلام البعض أنَّ مفعولَه مقدَّرٌ، والجارَّ والمجرورَ متعلِّق به، أي: ينتظرون وقوع أمرٍ بكم، وكلامُ الراغب يقتضي أنَّه يتعدّى بالباء؛ لأنَّه من: انتظر بالسلعة غلاءَ السعر(٢). والفاء في قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحُ مِّنَ الَّهِ﴾ لترتيب مضمونه على ما قبلَها، فإنَّ حكاية تربُّصِهم مستتبِعةٌ لحكاية ما يقعُ بعد ذلك، أي: فإن اتَّفق لكم فتحٌّ وظَفَرٌ على الأعداء ﴿قَالُوا﴾ أي: لكم ﴿أَلَمَّ تَكُنْ تَعَكُمْ﴾ نجاهد عدوًّكم، فأعطونا نصيباً من الغنيمة ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَفِينَ نَصِيبٌ﴾ أي: حظّ مِن الحرب، فإنَّها سِجَالٌ ﴿قَالُوا﴾ أي: المنافقون للكفار ﴿أَلَمَّ نَسْتَحْرِذْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: ألم نَغلبكم ونتمگّن من قتلكم وأسركم فأَبقينا عليكم، أو: ألم نغلبكم بالتفضّل ونُطلعْكم على أسرار محمد رَّ وأصحابه، ونكتب إليكم بأخبارهم حتى غَلبتُم عليهم ﴿وَنَمْتَعَّكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: نَدفعْ عنكم صَولةً المؤمنين بتخَذِيلنا إِيَّهم، وتثبيطِنا لهم، وتَوَانينا في مظاهرتهم، وإلقائِنا عليهم ما ضَعُفَتْ به قلوبُهم عن قتالكم، فاغْرِفوا لنا هذا الحقَّ عليكم، وهاتوا نصيبنا ممَّا أصبتم. وقيل: المعنى: ألم نَغلبكم على رأيكم بالموالاة لكم، ونَمنعكم من الدخول في جملة المؤمنين، وهو خلاف الظاهر. وأصلُ الاستحواذ: الاستيلاء، وكان القياس فيه استحاذ يَستحيذُ استحاذةً بالقلب، لكنْ صحّت فيه الواو وكثُر ذلك فيه وفي نظائرَ له حتى أُلحِقَ بالمَقيس وعُدَّ فصيحاً، وقال أبو زيد: إنَّه قياسيٍّ. وعلى كلِّ حالٍ لا يَرِدُ على فصاحةِ القرآن کما حُقِّق في موضعه. (١) في الإملاء ٣٤٦/٢. (٢) مفردات الراغب (ربص). الآية : ١٤١ ٣٤٩ سُورَةُ النَّسَاءِ وقرئ: ((ونَمْنَعَكُم)) بالنصب(١) بإضمار ((أنْ))، والتقدير: ألم (٢) يكنْ منَّا الاستحواذُ والمنعُ، كقولك: لا تأكل السمكَ وتشربَ اللبن. وسمِّي ظَفَرُ المسلمين فَتْحاً وما للكافرين نصيباً لتعظيم شأنِ المسلمين وتخسيسٍ حظّ الكافرين. وقيل: سمِّي الأول فَتْحاً إشارةً إلى أنَّه من مداخل فتح دار الإسلام، بخلاف ما للكافرين فإنَّه لا فْتحَ لهم في استيلائهم، بل سينطفئُ ضياءُ ما نالوا. ﴿فَلَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَّمَةُ﴾ فيُشيب أحبَّاءه ويعاقبُ أعداءه، وأمَّا في الدنيا فأنتم وهم سواءٌ في العصمة بدليل قوله ◌َّ: ((فإذا قالوها عَصَموا منِّي دماءَهم وأموالَهم))(٣). وفي الكلام قيل: تغليب، وقيل: حذفٌ، أي: بينكم وبينهم. ﴾ أي: يوم القيامة وحين الحكم، ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمِينَ سَبِيلًا (® كما قد(٤) يجعل ذلك في الدنيا ابتلاءً واستدراجاً، وروي ذلك عن علي كرَّم الله وجهه، وابن عباس ٹًا. أو في الدنيا، أي: لم يجعل لهم على المؤمنين سلطاناً تامًّا بالاستئصال، أو حجَّةً قائمةً عليهم مُفِمةً لهم، وحكي ذلك عن السدي. ويجوز إبقاءُ الكلام على إطلاقه ليشمل الدنيا والآخرة ولعلَّه الأَولى. واحتجَّ الشافعية بالآية على فساد شراءِ الكافر العبدَ المسلم؛ لأنَّه لو صحَّ لكان له عليه يدٌ وسبيلٌ بتملُّكه. ونحن نقول: يصحُّ، ولكنْ يُمنع مِن استخدامه والتصرُّفِ فيه إلا بالبيع والإخراج عن ملكه، فلم يحصل له سبيل عليه. واحتجَّ بظاهرها بعضُ الأصحاب على وقوع الفرقة بين الزوجين برِدَّة الزوج؛ لأنَّ عقد النكاح يُثبت للزوج سبيلاً في إمساكها في بيته وتأديبها ومَنْعها من (١) القراءات الشاذة ص٢٩، والبحر ٣٧٥/٣. (٢) في (م): لم، والمثبت من الأصل وهو الصواب. (٣) أخرجه البخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢٠) من حديث أبي هريرة په (٤) قوله: قد، ليس في الأصل. سُورَةُ المَشَاءِ ٣٥٠ الآية : ١٤٢ الخروج، وعليها طاعتُه فيما يقتضيه عقدُ النكاح، و((المؤمنين)) و((الكافرين)) شاملٌ للإناث، وكذا الكافرُ إذا أسلمَتْ زوجتُه. وضُعِّف بأنَّ الارتداد لا ينفي أنْ يكون النكاح إذا عاد إلى الإيمان قبل مُضِيٍّ العدَّة. واعتُرضَ بأنَّه حين الكفر لا سبيل له، ونفيُ السبيل بوقوع الفرقة، وبعد وقوع الفرقة لا بدَّ لحدوث العلقة من موجب وهو ظاهر، فإنْ كان العودُ يكون الارتدادُ کالطلاق الرجعيِّ والعودُ کالرجعة فلا ضعف فيه. وأنت تعلم أنَّه إذا كان نَفْي السبيل في الآخرة، أو في الدنيا بالاستئصال، أو السبيل بمعنى الحجّة، لا متمسَّك في الآية لأصحابنا ولا للشافعية، فلا تغفل. ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ﴾ أي: يفعلون ما يفعلُ المخادِعِ، فَيُظهرون الإيمان ويُضمرون نقيضه. وعن الحسن - واختاره الزجَّاج - أنَّ المراد: يُخادعون النبيَّ وَِّ، على حدٍّ: ﴿إِنَّا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠](١) . ﴿وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ أي: فاعلٌ بهم ما يفعلُ الغالبُ في الخداعِ، حيث ترَكّهم في الدنيا معصومي الدماءِ والأموال، وأعدَّ لهم في الآخرة الدَّرْكَ الأسفل من النار. وقيل خداعُه تعالى لهم أنْ يُعطيّهم سبحانه نوراً يوم القيامة يمشون به مع المسلمين، ثم يَسْلُبَهم ذلك النورَ ويضربَ بينهم بسور، وروي ذلك عن الحسن أيضاً والسدِّي، واختاره جماعةٌ من المفسِّرين، وقد مرَّ تحقيقُ ذلك ولله تعالى الحمد. والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال، أو معطوفةٌ على خبر ((إنَّ)، أو مستأنفةٌ کالأ ولی. ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾ أي: متثاقلين متباطئينَ لا نشاطَ لهم ولا رغبةً، كالمكْرَه على الفعل؛ لأنَّهم لا يعتقدون ثواباً في فعلها ولا عقاباً على تَرْكها. وقرئ بفتح الكاف(٢)، وهما جَمْعًا كسلان. (١) معاني القرآن للزجاج ١٢٢/٢-١٢٣. (٢) البحر ٣٧٧/٣. الآية : ١٤٢ ٣٥١ سُورَةُ النِّسَاءِ ﴿يُرَآءُونَ النَّاسَ﴾ ليحَسْبَوهم مؤمنينَ، والمراءاةُ مفاعلةٌ مِن الرؤية، إمَّا بمعنى التفعيل؛ لأنَّ فاعَلَ بمعنى فعَّل واردٌ في كلامهم كنعَّم وناعم، وقراءة عبد الله بن أبي إسحق: ((يُرُّون))(١) تدلُّ على ذلك، أو للمقابلة لأنَّهم لفعلهم في مشاهد الناس يرون الناسَ والناسُ يرونهم، وهم يقصدون أنْ تُرَى أعمالهم والناس يستحسنونها، فالمفاعلة في الرؤية متَّحدةٌ وإنَّما الاختلاف في متعلّق الإراءة، فلا يَرِدُ على هذا الشقِّ أنَّ المفاعلة لا بدَّ في حقيقتها من اتّحاد الفعل ومتعلّقه. والجملةُ إمَّا استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشَأَ من الكلام، كأنَّ قيل: فماذا يُريدون بقيامهم هذا؟ فقيل: ((يراؤون)) إلخ، أو حالٌ من ضمير ((قاموا)) أو من الضمير في («کسالی)). عطفٌ على ((يراؤون)»، وقيل: حال من فاعله. ١٤٢ ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلَّا قَلِيلًا أي: ولا يذكرونه سبحانه مطلقاً إلا زماناً قليلاً، أو: إلا ذِكْراً قليلاً، إذ المرائي لا يفعلُ إلا بحضرة مَن يُرائيه وهو أقلُّ أحواله؛ أو لأنَّ ذِكْرهم باللسان قليلٌ بالنسبة إلى الذكر بالقلب. وقيل: إنَّما وُصِفَ بالقلَّة لأنَّه لم يُقبّل، وكلُّ ما لم يَقبله الله تعالى قليلٌ وإنْ كان كثيراً، وروي ذلك عن قتادة. وأخرج البيهقيُّ وغيرُه عن الحسن ما معناه(٢). وأخرج ابنُ المنذر عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنَّه قال: لا يقلُّ عملٌ مع تقوى، وكيف يَقُلُّ ما يتقبَّل(٣)؟ وقيل: المراد بالذكر الذكْرُ الواقع في الصلاة نحو التكبير والتسبيح، وإليه ذهب الجبائي، وأُيِّد بما أخرجه مسلم وأبو داود عن أنس قال: قال رسول الله الآلية: (١) القراءات الشاذة ص٢٩، والمحتسب ٢٠٢/١، ومجمع البيان ٢٦٧/٥. ووقع في الأصل و(م): وقراءة عبد الله وإسحاق، والمثبت هو الصواب، وهو موافق لما في المصادر. (٢) شعب الإيمان (٦٨٦٦)، وأخرجه أيضاً الطبري ٧/ ٦١٤، ولفظه: إنما قلَّ لأنه كان لغير الله. وأخرج الطبري قول قتادة بعده، ولفظه: إنما قلَّ ذكرُ المنافق لأن الله لم يقبله، وكلُّ ما ردَّ الله قليل، وكلُّ ما قَبِلَ الله کثیر. (٣) الدر المنثور ٢٣٦/٢. سُورَةُ الشَّة ٣٥٢ الآية : ١٤٣ ((تلك صلاةُ المنافِقِ يجلسُ يرقُّبُ الشمسَ حتى إذا كانت بينَ قَرْنَيْ شيطانٍ قام فنَقَرَ أربعاً لا يذكرُ الله تعالى فيها إلَّا قليلاً))(١). وقيل: الذكْرُ بمعنى الصلاة؛ لأنَّ الكلام فيها، لا بمعناه المتبادِرِ منه. وجُوِّز أنْ يُراد بالقلَّة العدمُ، واستُشكلَ توجيه الاستثناء حينئذٍ. وأُجيبَ بأنَّ المعنى: لا يذكرون الله تعالى إلا ذكراً ملحقاً بالعدم؛ لأنَّه لا ينفعُهم، فلا إشكال. ولا يخفى ما فيه فإنَّ القلَّة بمعنى العدم مجازٌ، وجَعْلُ العدَم بمعنى ما لا نفع فيه مجازٌ آخر، ومع ذلك ليس في الكلام ما يدلُّ عليه. وقال بعضُ المحققين في توجيه الكلام على ذلك التقدير: إنَّ المعنَى حينئذٍ: لو صحَّ أنْ يُعدَّ عدمُ الذكر ذكراً فذلك ذكرُهم، على طريقة قوله: ولا عَيبَ فيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيونَهُمْ بِهِنَّ فُلولٌ من قراعِ الكِتَائِبِ (٢) وفيه - وإن كان أهونَ من الأول - ما فيه. واستُدل بالآية على استحباب دُخولِ الصلاة بنشاطٍ، وعلى كراهة قولِ الإنسان كَسِلْتُ، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ظًّا: أنَّه يُكره أنْ يقول الرجلُ: إنّ كسلان، ويتأوَّل هذه الآية(٣). ﴿مُذَبَذَبِيْنَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ حالٌ من فاعل ((يراؤون)) أو من فاعل ((يذكرون))، وجوِّز أنْ يكونَ حالاً من فاعل ((قاموا))، أو منصوبٌ(٤) على الذمِّ بفعلٍ مقدٍَّ. ((وذلك)) إشارةٌ إلى الإيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين، ولذا أُضيف ((بَيْنَ)) إليه، وروي هذا عن ابن زيد، ويصُّ أنْ يكونَ إشارةً إلى المؤمنين والكافرين، فيكون ما بعدَه تفسيراً له على حدٍّ قوله: (١) صحيح مسلم (٦٢٢)، وسنن أبي داود (٤١٣)، وهو عند أحمد (١٢٥٠٩). (٢) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص١١. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ١٠٩٥/٤- ١٠٩٦، وأخرجه أيضاً ابن أبي الدنيا في الصمت (٣٦٥). (٤) في الأصل: منصوباً، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٢٤٦/٢. الآية : ١٤٣ ٣٥٣ سُورَةُ النَّسَاءِ ـنَّ كأنْ قَدْ رأى وقَد سَمعا(١) الألمعيّ الذي يَظُنُّ بِكَ الظَّ. والمعنى: مُردَّدين بينهما مُتحيِّرين قد ذَبْذَبهم الشيطان، وأصلُ الذَّبذبة كما قال الراغب: صوت الحركة للشيء المعلَّق، ثم استُغيرَ لكلِّ اضطرابٍ وحركةٍ، أو تردُّدٍ بين شيئين(٢). والذال الثانية أصليّة عند البصريين، ومُبدلَةٌ مِن باءٍ عند الكوفيين، وهو خلافٌ معروفٌ بينهم. وقرأ ابنُ عباس ◌ًِّا: ((مذبْذِبِيْنَ)) بكسر الذال الثانية(٣)، ومفعولُه على هذا محذوفٌ، أي: مُذَبذِبيْنَ قلوبَهم، أو دينَهم، أو رأيَهم. ويحتملُ أنْ يُجعلَ لازماً على أنَّ فَعْللَ بمعنى تَفَعْلَلَ، كما جاء صَلْصَل بمعنى: تَصَلْصَل، أي: متذبذِين، ويُؤيِّده ما في مصحف ابنٍ مسعود: ((متَذَبذِيِيْن)(٤). وقرئ بالدال غيرِ المُعْجَمةِ (٥)، وهو مأخوذٌ من الدُّبَّة بضمِّ الدال وتشديد الباء؛ بمعنى الطريقة والمذهب كما في ((النهاية))(٦)، ويقال: هو على دُبَّتي، أي: طريقتي وسَمْتي، وفي حديث ابنِ عباس: اتَّبعوا دُبَّة قريشٍ ولا تفارقوا الجماعة(٧). والمعنى حينئذ أنَّهم أخذَ بهم تارةً طريقاً وأُخرى أُخرى. ﴿لَ إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلَآ إِلَى هَؤُلاءِ﴾ أي: لا منسوبين إلى المؤمنين حقيقةً لإضمارهم الكفر، ولا إلى الكافرينَ لإظهارِهم الإيمان، أو: لا صائرينَ إلى الأوَّلين ولا إلى الآخِرِين. ومحلُّه النصب على أنَّه حالٌ من ضمير ((مُذَبذَبين))، أو على أنَّه بدلٌ منه، ويحتمل أنْ يكونَ بياناً وتفسيراً له. (١) البيت لأوس بن حجر، وهو في ديوانه ص٥٣، والكامل للمبرد ٣/ ١٤٠٠، وفيهما: لك: بدل: بك. (٢) مفردات الراغب (ذنب)، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٩١/٣. (٣) القراءات الشاذة ص٢٩، والمحتسب ٢٠٣/١. (٤) الكشاف ٥٧٤/١، والبحر ٣٧٨/٣، ونسبها في إعراب القرآن ٤٩٨/١ لأبيٍّ ◌ُته. (٥) الكشاف ٥٧٤/١، والبحر ٣٧٩/٣. (٦) مادة (دبب). (٧) النهاية (دبب)، وغريب الحديث لابن الجوزي ٣٢٠/١. سُورَةُ المِسْكَاةِ ٣٥٤ الآية : ١٤٤ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ لعدم استعدادِه للهداية والتوفيق ﴿فَلَنْ تَجِّدَ لَهُ سَبِيلًا موصلاً إلى الحقِّ والصواب فضلاً عن أنْ تهديَه إليه، والخطابُ لكلِّ مَن يصلُح له، وهو أبلغُ في التفظيع . ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَنَّخِذُوا الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ﴾ نهيٌّ للمؤمنين(١) الصادقين عن موالاة الكفار اليهود فقط كما قيل، أو ما يعمُّهم وغيرَهم كما هو الظاهر، بعدَ بيان حالِ المنافقين، أي: لا تَتَّخذوهم أولياءَ فإنَّ ذلك دَيْدَنُ المنافقين ودینُهم، فلا تتشبّهوا بهم. وقيل: المرادُ بـ ((الذين آمنوا)) المنافقون وبـ ((المؤمنين)) المخلصون، فالآية نهيّ للمنافقين عن موالاة الكافرين دون المخلصين. وقيل: المرادُ بالموصول المخلصون، وبـ ((الكافرين)) المنافقون، فكأنَّه قيل: قد بيَّنتُ لكم أخلاقَ هؤلاء المنافقين، فلا تتَّخذوا منهم أولياءَ، وإلى ذلك ذهب القفَّال. وفي كلا القولين بُعدٌ. أي: حَجَّةً ظاهرةً في ١٤٤ ﴿أَنْرِدُونَ أَنْ تَّجْمَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا العذاب، وفيه دلالةٌ على أنَّ الله تعالى لا يعذِّب أحداً - بمقتضى حكمته - إلا بعدَ قيام الحجّة عليه، ويُشعر بذلك كثيرٌ من الآيات. وقيل: أتريدون بذلك أنْ تجعلوا لله (٢) تعالى حجةً بيِّنةً على أنَّكم منافقون(٣)، فإنَّ موالاة الكافرين أوضحُ أدلَّة النفاق. ومِن الناس مَن أبقَى السلطان على معناه المعروف، لكنْ أخرج ابنُ المنذر وغيرُه عن ابنِ عباسٍ ﴿ّ أنَّه قال: كلُّ سلطانٍ في القرآن فهو حجةٌ (٤). وهو ممَّا يجوز فيه التذكيرُ والتأنيث إجماعاً، فتذكيرُه باعتبار البرهان، أو (١) في (م): المؤمنين. (٢) في (م): تجعلوا له. (٣) في الأصل و(م): موافقون، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٤٦/٢، والكلام منه. (٤) الدر المنثور ٢٣٦/٢، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في التفسير ٣٩٩/٢، وعلقه البخاري قبل الحديث (٤٧٠٩). الآية : ١٤٥ ٣٥٥ سُورَةُ النَّسَاءِ باعتبار معناه المعروف، والتأنيثُ باعتبار الحجَّة، والتأنيثُ أكثرُ عند الفصحاء على ما قاله الفرَّاءُ(١)، إلا أنَّه لم يُعتبر هنا، واعتُبر التذكير لتحسُنَ الفاصلةُ. وادَّعَى ابنُ عطية أنَّ التذكير أشهرُ، وهي لغةُ القرآن حيث وقع(٢). و((عليكم)) يجوز تعلَّقه بالجعل، وبمحذوفٍ وقع حالاً مِن ((سلطاناً)). وتوجيهُ الإنكار إلى الإرادة دون متعلّقها بأن يقال: أتجعلون إلخ. للمبالغة في إنكاره وتهويلٍ أمره ببيان أنّه ممَّا لا يصدر عن العاقل إرادتُه فضلاً عن صدور نفسه. ﴿إِنَّ الُْفِقِينَ فِ الَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أي: في الطبقة السفلَى منها وهو قعرُها، ولها طبقاتٌ سبعٌ، تُسمَّى الأولى كما قيل: جهنّم، والثانية: لظى، والثالثة: الحُطمة، والرابعة: السعير، والخامسة: سقر، والسادسة: الجحيم، والسابعة: الهاوية، وقد تُسمَّى النار جميعاً باسم الطبقة الأولى، وبعضُ الطبقات باسم بعضٍ؛ لأنَّ لفظ النار يجمعها . وتسميةُ تلك الطبقات دركاتٌ لكونها متداركةً متتابعةً بعضها تحت بعضٍ، والدرك كالدرج إلا أنه يقال باعتبار الهبوط، والدرجُ باعتبار الصعودِ. وفي كون المنافق في الدرك الأسفل إشارةٌ إلى شدَّةٍ عذابه، وقد أخرج ابنُ أبي الدنيا عن الأحوص عن ابن مسعود: أنَّ المنافق يُجعل في تابوتٍ مِن حديد يُصمد عليه، ثم يُجعل في الدرك الأسفل (٣). وإنمَّا كان أشدَّ عذاباً مِن غيره مِن الكفار لكونه ضَمَّ إلى الكفر المشترك استهزاءً بالإسلام وخداعاً لأهله. وأمَّا ما روي في الصحيحَين من قوله وََّ: ((أربعٌ مَن كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومَن كانت فيه خَصلةٌ منهنَّ كان فيه خصلةٌ مِن النفاق حتى يدَعَها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد(٤) غدر، وإذا خاصم فجر))(٥) فقد قال (١) في المذكر والمؤنث ص١٩ . (٢) المحرر الوجيز ١٢٨/٢ . (٣) الدر المنثور ٢٣٦/٢، وأخرجه بنحوه ابن أبي شيبة ١٥٣/١٣ - ١٥٤، والطبري ٧/ ٦٢٠. (٤) في (م): وعد. (٥) صحيح البخاري (٣٤)، وصحيح مسلم (٥٨) من حديث عبد الله بن عمرو رضيًا، وهو عند أحمد (٦٧٦٨) وفيه: إذا وعد أخلف، بدل: إذا اؤتمن خان. سُورَةُ النِّسَاةِ ٣٥٦ الآية : ١٤٥ المحدِّثون فيه: إنَّه مخصوصٌ بزمانه و ﴿ لاطلاعه بنور الوحي على بواطن المتَّصفين بهذه الخصال، فأَعلَمَ عليه الصلاة والسلام أصحابَه ◌ِّهَ بأَمارَتِهم ليَحترزوا عنهم، ولم يُعيِّنهم حذراً عن الفتنة وارتدادهم ولحوقهم بالمحاربين. وقيل: ليس بمخصوصٍ ولكنَّه مؤوَّلٌ بمَن استحلَّ ذلك. أو المرادُ: مَن اَّصف بهذه فهو شبيهٌ بالمنافقين الخلَّص، وأطلقَ وَّل ذلك عليه تغليظاً وتهديداً له، وهذا في حقِّ مَن اعتاد ذلك لا مَن ندَرَ منه. أو هو منافقٌ في أمور الدِّين عُرفاً، والمنافقُ في العُرف يُطلق على كلِّ مَن أبطَنَ خلافَ ما يُظهر ممَّا يُتضرَّر به، وإنْ لم يكن إيماناً وكفراً، وكأنَّه مأخوذٌ مِن النافِقَاءِ(١)، وليس المرادُ الحصرَ، وهذا صدَرَ منه وَّرَ باقتضاء المقام، ولذا ورَدَ في بعض الروايات ((ثلاث))(٢)، وفي بعضها ((أربع)). وقرأ الكوفيون: ((الدَّرْك)) بسكون الراء (٣)، وهو لغةٌ كالسَّطْر والسَّطَّر، والفتحُ أكثر وأفصحُ؛ لأنَّه ورَدَ جمعُه على ((أفعال))، و((أفعال)) في ((فَعَل)) المحرَّك كثيرٌ مَقيِسٌ، وورودُه في الساكن نادرٌ كـ : فَرْخ وأفراخ، وزْند وأزناد، وكونه استُغني بجمعٍ أحدهِما عن الآخر جائز لكنَّه خلافُ الظاهر، فلا يندفعُ به الترجيحُ. والكلام مخرَّج مخرجَ الحقيقة. وزعَمَ أبو القاسم البلخي أنْ لا طبقات في النار، وأنَّ هذا إخبارٌ عن بلوغ الغاية في العقاب، كما يقال: إنَّ السلطان بلَّغَ فلاناً الحضيضَ وفلاناً العرش، يريدون بذلك انحطاطَ المنزلة وعلوَّها لا المسافة. ولا يخفى أنَّه خلاف ما جاءت به الآثار. و﴿مِنَ النَّارِ﴾ في محلِّ النصب على الحال، وفي صاحبها وجهان: أحدُهما أنَّه ((الدَّرْك)) والعامل الاستقرار، والثاني أنَّه الضميرُ المستتر في ((الأسفل)) لأنَّه صفةٌ فيتحمل الضمير، أي: حال كون ذلك من النار. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (12)﴾ يُخرجهم منه أو يُخفِّف عنهم ما هم فيه يوم القيامة (١) النافقاء: إحدى جِحَرة اليَرْبوع، يكتمها ويظهر غيرها. القاموس (نفق). (٢) صحيح البخاري (٣٣)، وصحيح مسلم (٥٩) من حديث أبي هريرة رصد ته. (٣) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف. التيسير ص٩٨، والنشر ٢٥٣/٢. الآية : ١٤٦ ٣٥٧ سُورَةُ النِّسَاءِ حين يكونون في الدرك الأسفل. وكونُ المراد: ولنْ تجدّ لهم نصيراً في الدنيا، لتكونَ الآيةُ وصفاً لهم بأنَّهم خسروا الدنيا والآخرةَ، ليس بشيءٍ كما لا يخفَى. والخطاب لكلِّ مَن يصلح له. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾ عن النفاق، وهو استثناءٌ من المنافقين، أو مِن ضميرهم في الخبر، أو من الضمير المجرور في ((لهم))، وقيل: هو في موضع رفعٍ بالابتداء والخبرُ ما بعد الفاء، ودخلَتْ لِمَا في الكلام من معنَى الشرط. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ما أفسدوا من نيَّاتهم وأحوالهم في حال النفاق. وقيل: ثَبتوا على التوبة في المستقبل. والأول أَولَى. ﴿وَأَعْتَصَمُواْ بِلَّهِ﴾ أي: تمسَّكوا بكتابه، أو وَثِقُوا به ﴿وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾. لا يُريدون بطاعتهم إلا وجهَه ورضاه سبحانه، لا رياءَ الناسِ ودَفْعَ الضرر كما في النفاق. أخرج أحمد والترمذيُّ وغيرُهما عن أبي ثمامة قال: قال الحواريُّونَ لعيسى عليه السلام: يا روح الله، مَن المُخْلِصُ لله تعالى؟ قال: الذي يعمل لله تعالى لا يحبُّ أنْ يَحمَدَه الناسُ عليه(١). ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتِّصافه بما في حيِّز الصفة، وما فيه من معنَى البعد لمَا مرَّ غيرَ مرَّة. ﴿مَعَ الْمُؤْمِنِينِّ﴾ أي: المعهودين من الذين لم يصدر منهم نفاقٌ أصلاً منذ آمنوا. والمرادُ أنَّهم معهم في الدرجات العالية مِن الجنة، أو معدودون من جملتهم في الدنيا والآخرة. ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٣)﴾ لا يقادَرُ قدرُه، فيساهمونَهم فيه ويُقاسمونهم، وفسَّر أبو حيان الأجرَ العظيم بالخلود (٢). والتعميمُ أَولَى. (١) قطعة من أثر في الزهد لأحمد ص ٧٣، والترمذي هو الحكيم، وعزاه إليه السيوطي في الدر المنثور ٢٣٧/٢، وقد ورد في الأصل المئة من مطبوع نوادر الأصول دون هذه القطعة، وأخرجه أيضاً نعيم بن حماد في زوائده على الزهد لابن المبارك (١٣٤)، وابن أبي شيبة ١٩٤/١٣ - ١٩٥. (٢) البحر ٣٨١/٣. سُورَةُ الشَكَاةِ ٣٥٨ الآية : ١٤٧ والمرادُ بالمؤمنين هاهنا ما أُريدَ به فيما قبله، واعتبارُ المساهمة جرَى عليه غيرُ واحد، ولولا تفسيرُ الآية بذلك لم يكن لها في ذكر أحوال مَن تاب من النفاق معنّی ظاهرٌ. وذهب بعضُهم إلى عدم اعتبارها، والمراد الإخبارُ بزيادة ثوابٍ مَن لم يسبق منه نفاقٌ أصلاً. وعمَّم بعضٌ ((المؤمنين)) ليشمل مَن لم يتقدَّم منه نفاق ومَن تقدَّم منه وتاب عنه. والظاهر ما ذكرناه. ورَسْمُ ((يؤتٍ) بغير ياء، وهو مضارعٌ مرفوعٌ فحَقُّ يائه أنْ تثبت لفظاً وخظًّا، إلا أنَّها حُذفَتْ في اللفظ لالتقاء الساكنَين، وجاء الرسم تَبَعاً للَّفْظِ، والقُرَّاءُ يقفون عليه دونها اتِّباعاً للرسم، إلا يعقوب فإنَّه يقفُ بالياء نظراً إلى الأصل، وروي ذلك أيضاً عن الكسائي وحمزة ونافع(١)، واذَّعَى السمين أنَّ الأولَى اتِّباعُ الرسم؛ لأنَّ الأطراف قد كثُر حذفها(٢). ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ﴾ خطابٌ للمنافقين - وقيل: للمؤمنين، وضُعِّف - مسوقٌ لبيان أنَّ مدار تعذيبهم وجوداً وعدماً إنِّما هو كفرُهم لا شيءَ آخر، فتكونُ الجملةُ مقرِّرةٌ لِمَا قبلها مِن إثابتهم عن توبتهم (٣) . و((ما)) استفهاميةٌ مفيدةٌ للنفي على أبلغ وجهٍ وآَكَدِهِ. وقيل: نافيةٌ. والباء سببية، وقيل: زائدةٌ، أي: أيُّ شيءٍ يفعلُ الله سبحانه بسبب تعذیبکم، أَيتشفَّى به مِن الغيظ، أمْ يُدرك به الثأر، أم يستجلب نفعاً، أو يستدفع به ضرراً، كما هو شأنُ الملوك، وهو الغنيُّ المطلقُ المتعالي عن أمثال ذلك؟ وإنَّما هو أمرٌ يقتضيه مرضُ كفركم ونفاقكم، فإذا احتميتُم عن النفاق ونَقَّيتُم نفوسَكم بشُربة الإيمان والشكر في الدنيا بَرِئتُم وسَلمتُم، وإلا هلكتُم هلاكاً لا محيص عنه بالخلود في النار. (١) والمشهور عنهم حذف الياء في الحالين عدا يعقوب. ينظر النشر ١٣٨/٢ - ١٣٩. (٢) الدر المصون ١٣٣/٤. (٣) في الأصل: إثباتهم عند توبتهم، وفي (م): ثباتهم عند توبتهم، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٤٧/٢، والكلام منه . الآية : ١٤٧ ٣٥٩ سُورَةُ النِّسَاءِ وإنَّما قدَّم الشكرَ مع أنَّ الظاهر تأخيرُه؛ لأنَّه لا يُعتدُّ به إلا بعد الإيمان؛ لِمَا أنَّه طريقٌ موصِلٌ إليه في أول درجاته. فقد ذكَرَ العارف أبو إسماعيل الأنصاريِّ(١) أنَّ الشكر في الأصل اسمٌ لمعرفة النعمة؛ لأنَّها السبيل إلى معرفة المُنعِم، وله ثلاثُ درجاتٍ؛ لأنَّه إذا نظر إلى النِّعمة كالرزق والخَلْقِ يَنبعثُ منه شوقٌ إلى معرفة المنعِم، وهذه الحركة تُسمَّى باليقظة والشكر القلبيّ والشكر المبهم؛ لأنَّ منعِمَه لم يتَّضح له تعيينه، وإنَّما عرف منعماً ما، فهو منعِمٌ عليه، فإذا تيقّظ لهذا وُفِّق لنعمةٍ أكبر منها، وهي المعرفة بأنَّ المنعِم عليه هو الصمدُ الواسعُ الرحمةِ المثیبُ المعاقبُ، فتتحرَّك جوارحُه لتعظيمه، ويُضيف إلى شكر الجَنان شُكر الأركان، ثم يُنادي على ذلك الجميل باللسان، ويقول: أَفادَتْكُم النعْماءُ مِنِّي ثَلاثَةً يَدي ولساني والضَميرَ المُحَجَّبا(٢) فالمذكور في الآية هو الشكر المبْهَم وهو مقدَّمٌ على الإيمان، فلا حاجةً إلى ما زعَمَه الإمام مِن أنَّ الكلامَ على التقديم والتأخير، أي: آمنتُم وشكرتم (٣). وأمَّا القول: بأنَّ هذا السؤالَ إنَّما هو على تقدير أنْ تكون الواو للترتيب، وأمَّا إذا لم تكن للترتيب فلا سؤال. فممَّا لا ينبغي أنْ يتفوَّه به مَن له أدنى ذوقٍ في علم الفصاحة والبلاغة؛ لأنَّ الواو وإنْ لم تُفد الترتيب لكن تقديم ما ليس مقدَّماً لا يليقُ بالكلام الفصيح فضلاً عن المعجِز، ولذا تراهم يذكرون لِمَا يخالفه وجهاً ونكتة. وذكر النيسابوري وجهاً آخر في التقديم لكنَّه بناه على إفادة الواو للترتيب، فقال: لعلَّ الوجه في ذلك أنَّ الآية مسوقةٌ في شأن المنافقين، ولا نزاعَ في إيمانهم ظاهراً، وإنَّما النزاع في بواطنهم وأفعالهم التي تصدر عنهم غيرَ مطابقةٍ للقول اللساني، فكان تقديمُ الشكر هاهنا أهمَّ؛ لأنَّه عبارةٌ عن صَرْف جميع ما أعطاه الله (١) عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري الهروي الحافظ الكبير وشيخ خراسان، من ذرية صاحب النبي ◌َّي أبي أيوب الأنصاري، مصنف كتاب ذم الكلام، توفي سنة (٤٨١هـ). سير أعلام النبلاء ١٨/ ٥٠٣. (٢) البيت في الكشاف ٤٧/١، والمستطرف ٥٠٥/١. (٣) تفسير الرازي ٨٩/١١. سُورَةُ النَّسَاءِ ٣٦٠ الآية : ١٤٧ تعالى فيما خُلِقَ لأجله حتى تكونَ أفعالُه وأقوالُه على نهج السَّدَادِ وسَنَّنِ الاستقامة(١). انتھی. ولا يخفى أنّه لم يَحمل الشكرَ في الآية على الشكر المبهم، ولا يخلو عن حسن . وأوضحُ منه وأطيبُ ما حاك في صدري، ثم رأيتُ العلّامة الطَّيبيَّ عليه الرحمة صرَّح به (٢): أنَّ الذي يقتضيه النظمُ الفائق أنَّ هذا الخطاب مع المنافقين، وأنَّ قوله سبحانه: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ متَّصلٌ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْنُّفِقِينَ فِي الَّرْكِ ﴾ إلخ، وتنبيهٌ لهم على أنَّ الذي ورَّطهم في ١٤٥ اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا تلك الورطةِ كفرانُهم نعمَ الله تعالى، وتَهَاونُهم في شكر ما أُوتوا، وتفويتُهم على أنفسهم بنفاقهم البُغْيَةَ العظمَى، وهو الإسعاد بصحبة أفضلِ الخلق وَّ والانخراطِ في زُمرة الذين ﴿مَثَلُهُمْ فِىِ التَّوْرَةِ﴾ و﴿وَمَثَلُهُمْ فِ الْإِنِلِ﴾، فإذا تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله تعالى وأخلصوا دينَهم له فأولئك حكمُهم أنْ ينتظموا في سلك أولئك السعداء مِن المؤمنين بعدما كانوا مُستأهلين الدرجاتِ السُّفلَى من النيران. ثم التفت تعريضاً لهم أنَّ ذلك العذابَ كان منهم بسبب تقاعدِهم وكُفرانِهم تلك النعمةَ الرفيعة، وتفويتِهم على أنفسهم تلك الفرصةَ السنيَّةَ، وإلا فإنَّ الله(٣) تعالى غنيٌّ مطلَقٌ عن عذابهم فضلاً عن (٤) أنْ يُوقعهم في تلك الورطاتِ، فقوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِن شَكَرْتُمْ﴾ فذلكةٌ لمعنَى الرجوعِ عن الفساد في الأرض إلى الإصلاح فيها، ومِن اللجأ إلى الخلقِ إلى الاعتصام بالله تعالى، ومِن الرياء في الدِّين إلى الإخلاص فيه، فقوله عزَّ مِن قائلٍ: ﴿وَءَامَنتُمْ﴾ تفسيرٌ له وتقريرٌ لمعناه، أي: وآمنتُم الإيمان الذي هو حائزٌ لتلك الخلال الفواضل، جامعٌ لتلك الخصال الكوامل. فتقديمُ الشكر على الإيمان وحقُّه التأخير في الأصل إعلامٌ بأنَّ الكلام فيه، وأنَّ (١) غرائب القرآن. (٢) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٣) في الأصل: وإلا فالله. (٤) في (م): على.