النص المفهرس
صفحات 321-340
الآية : ١٢٩ ٣٢١ سُورَةُ النَّسَكَّةِ ويجوز أنْ يكونَ القائم مقام الفاعل هو الثاني، أي: أنَّ الشَّ جُعل حاضراً لها لا يَغيب عنها أبداً، أو أنَّها جُعلَت حاضرةً له مطبوعةً عليه، فلا تكاد المرأة تسمحُ بحقوقها مِن الرجل، ولا الرجل يَكاد يَجودُ بالإنفاق وحُسنِ المعاشرة مثلاً على التي لا يُريدها . وذكر شيخ الإسلام أنَّ في ذلك تَحقيقاً للصلح وتقريراً له بحثٌّ كلِّ مِن الزوجَين عليه، لكنْ لا بالنظر إلى حال نفسِهِ، فإنَّ ذلك يستدعي التمادي في الشقاق، بل بالنظر إلى حال صاحبه، فإنَّ شُعَّ نفسِ الرجل وعدمَ مَيلها عن حالتها الجِبِلِّية بغير استمالةٍ ممَّا يَحمل المرأةَ على بَذْل بعض حقوقها إليه لاستمالته، وكذا شُحُ نفسها بحقوقها ممَّا يَحمل الرجلَ على أنْ يَقْنَعَ مِن قِبَلِها بشيءٍ يَسير ولا يُكلِّفها بذْلَ الكثير، فيتحقق بذلك الصلحُ الذي هو خير(١). ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ﴾ في العِشْرةِ مع النساء ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ النشوزَ والإعراضَ وإنْ تَظافرت الأسبابُ الداعية إليهما، وتَصبروا على ذلك ولم تَضطرُّوهنَّ على فوت شيءٍ مِن حُقوقهنَّ، أو بذل ما يَعزُّ عليهنَّ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ مِن الإحسان والتقوى، أو: بجميع ما تَعملون، ويَدخل فيه ما ذُكر دخولاً أوليًّا ﴿خَبِيرًا ١٢٨ فیُجازیکم ويُثیبکم على ذلك. وقد أَقامَ سبحانه كونَه عالماً مطّلعاً أكمل اطلاع على أعمالهم مقامَ مجازاتهم وإثابتهم عليها، الذي هو في الحقيقة جوابُ الشرط(٢)، إقامةَ السبب مقامَ المسبّب. ولا يخفى ما في خطاب الأزواجِ بطريق الالتفات، والتعبيرِ عن رعاية حُقوقهنَّ بالإحسان ولفظٍ التقوى المُنبئ عن كون النشوز والإعراض ممَّا يُتوقَّی منه، وترتیبٍ الوعد الكريم على ذلك، مِن لطف الاستمالة والترغيب في حسن المعاملة. ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَنْ تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ﴾ أي: لا تقدروا البتة على العدل بينهنَّ بحيث لا يقع ميلٌ ما إلى جانبٍ في شأنٍ مِن الشؤون، كالقِسْمة والنفقة والتعهُّد (١) تفسير أبي السعود ٢٣٩/٢. (٢) بعدها في الأصل: من. سُورَةُ الْنِسَكَاةِ ٣٢٢ الآية : ١٢٩ والنظرِ والإقبال والمُمالَحة والمفاكَهَةِ والمُؤانَسَةِ وغيرِها، ما لا يكاد الحصرُ يأتي من ورائه. وأخرج البيهقيُّ عن عبيدة أنَّه قال: لن تستطيعوا ذلك في الحبِّ والجماع(١). وأخرج ابنُ المنذر عن ابن مسعود أنَّه قال: في الجماع(٢). وأخرج ابنُ أبي شيبة(٣) عن الحسنِ، وابنُ جرير عن مجاهد أنَّهما قالا: في المحبة (٤). وأخرجا عن [ابن] أبي مليكة أنَّ الآية نَزلَتْ في عائشة ﴿ّا وكان رسولُ نَّهِ يُحبُّها أكثرَ من غيرها(٥). وأخرج أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ وغيرهم عنها أنَّها قالت: كان النبيُّ وَهُ يَقسمُ بين نسائه فيعدل ثم يقول: ((اللهمَّ هذا قَسْمي فيما أَملكُ فلا تَلُمني فيما تَملكُ ولا أَملِكُ))(٦)، وعَنَى ◌ِِّ بـ ((ما تَملك)) المحبةَ ومَيَلَ القلب الغيرَ الاختياري. ﴿وَلَوْ حَرَّصْتُمْ﴾ على إقامة ذلك وبالغتُم فيه ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَ الْمَيْلِ﴾ أي: فلا تَجورُوا على المرغوب عنها كلَّ الجَورِ، فتَمنعوها حقَّها من غيرِ رضَى منها، واعدلوا ما استطعتم، فإنَّ عَجْزكم عن حقيقة العدْل لا يَمنعُ عن تكليفِكم بما دونَها من المراتب التي تستطيعونها . وانتصابُ ((كلَّ)) على المصدرية، فقد تَقرَّر أنَّها بحَسَبِ ما تُضاف إليه مِن مصدرٍ أو ظرفٍ أو غيره. (١) سنن البيهقي الكبرى ٢٩٨/٧، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٢٣٣/٤، وسعيد بن منصور (٧٠٣ - تفسير)، والطبري ٧ / ٥٦٨ . (٢) الدر المنثور ٢٣٣/٤. (٣) في المصنف ٢٣٣/٤، وأخرجه أيضاً الطبري ٧/ ٥٦٨. (٤) تفسير الطبري ٧/ ٥٦٧، وهو في تفسير مجاهد ١٧٨/١، وسنن البيهقي الكبرى ٢٩٨/٧، والدر المنثور ٢٣٣/٢، ولفظه عندهم: في الحب، وتحرفت العبارة عند الطبري إلى: واجب، وفي بعض نسخه: واحب. (٥) مصنف ابن أبي شيبة ٢٣٣/٤، وتفسير الطبري ٧/ ٥٧٠، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ١٠٨٣/٤، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٢٣٣/٢، وما بين حاصرتين من هذه المصادر. (٦) مسند أحمد (٢٥١١١)، وسنن أبي داود (٢١٣٤)، وسنن الترمذي (١١٤٠)، وسنن النسائي ٧/ ٦٣ -٦٤، وسنن ابن ماجه (١٩٧١). الآية : ١٢٩ ٣٢٣ سُورَةُ النَّسَاءِ ﴿فَتَذَرُوهَا﴾ أي: فَتَدَعوا التي مِلتُم عنها ﴿كَالْمُعَلَّغَةٌ﴾ وهي كما قال ابن عباس رضيّ: التي ليست مُطلَّقةً ولا ذاتَ بَعْلٍ . وقرأ أُبي: ((كالمسجونة))(١)، وبذلك فسَّر قتادةُ المعلّقةَ. والجارُّ والمجرور مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من الضمير المنصوب في ((تذروها)) وجَوَّز السمينُ كونهُ في موضع المفعول الثاني لـ (تَذَر)» على أنَّه بمعنى: تُصيِّر(٢). وحَذْفُ نونِ (تَذَرُوها)) إمَّا للناصب وهو ((أَنْ)) المُضْمَرةُ في جواب النهي، وإمَّا للجازم بناءً على أنَّه معطوفٌ على الفعل قبله. وفي الآية ضَرْبٌ من التوبيخ، وأخرج أحمد وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ عن أبي هريرةَ رَظُبه قال: قال رسول الله وَله: (مَن كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحدُ شِقَيه ساقط))(٣). وأخرج غيرُ واحدٍ عن جابر بن زيد أنَّه قال: كانت لي امرأتان فلقد كنتُ أَعدلُ بينهما حتى أَعدّ القُبَل. وعن مجاهد قال: كانوا يَستحبُّون أنْ يُسوُّوا بين الضرائر حتى في الطِّيب، يَتْطَيَّب لهذه كما يَتطيّب لهذه. وعن ابن سيرين في الذي له امرأتان: يُكره أنْ يَتوضأ في بيت إحداهما دون الأُخرى(٤). ﴿وَإِن تُصْلِحُواْ﴾ ما كنتُم تُفسدون من أمورهنَّ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الميلَ الذي نهاكم الله تعالى عنه فيما يُستقبل ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا﴾ فيَغفرُ لكم ما مضَى مِن الحَيف فيتفضّلُ علیکم برحمته . ١٢٩ ﴿رَحِيمًا (١) القراءات الشاذة ص٢٩، والبحر ٣٦٥/٣. (٢) الدر المصون ٤ / ١١١. (٣) مسند أحمد (٧٩٣٦)، وسنن أبي داود (٢١٣٣)، وسنن الترمذي (١١٤١)، والمجتبى ٧/ ٦٣. (٤) أخرج هذه الأقوال ابن أبي شيبة ٣٨٧/٤، ونقلها المصنف من الدر المنثور ٢٣٣/٢. سُورَةُ القَشَاةِ ٣٢٤ الآية : ١٣٠ - ١٣١ ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا﴾ أي: المرأةُ وبعلُها، وقرئ: ((يَتَفارقًا))(١)، أي: وإنْ لم يصْطلحا ولم يَقع بينهما وفاقٌ بوجهٍ ما مِن الصلح وغيره، ووَقَعتْ بينهما الفُرقة بطلاقٍ . ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلَّ﴾ منهما، أي: يَجعلْه مُستغنياً عن الآخر، ويَكْفِهِ ما أهمَّه. وقيل: يُغني الزوجَ بامرأةٍ أُخرى والمرأة بزوجٍ آخر. ﴿مِّنْ سَعَتِهِ﴾ أي: مِن غِناه وقدرته، وفي ذلك تسليةٌ لكلِّ مِن الزَّوجَين بعد الطلاق. وقيل: زجرٌ لهما عن المفارقة، وكيفما كان فهو مقيّدٌ بمشيئة الله تعالى. ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَسِعًا﴾ أي: غنيًّا وكافياً (٢) للخلق، أو مُقتدراً، أو عالماً مُتْقناً في أفعاله وأحكامه. ﴿حَكِيمًا ﴾ ﴿وَلِلِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضُِ﴾ فلا يَتعذَّر عليه الإنْناءُ بعد الفُرقة، ولا الإيناسُ بعد الوحشة ولا ولا. وفيه مِن التنبيه على كمال سعتِهِ وعِظَم قُدرته ما لا يخفَى، والجملةُ مُستأنفٌ جيءَ بها - على ما قيل - لذلك. ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: أمرناهم بأبلغ وجهٍ، والمرادُ بهم اليهودُ والنصارى ومَن قَبْلهم مِن الأمم، والكتاب عامٌ (٣) للكتُب الإلهية، ولا ضرورة تَدعو إلى تخصيص الموصول باليهود والكتاب بالتوراة، بل قد يُدَّعَى أنَّ التعميم أولى بالغرض المسوقِ له الكلامُ، وهو تأكيدُ الأمر بالإخلاص. و((مِن)) متعلّقةٌ بـ ((وصَّينا)) أو بـ ((أوتوا)). ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ عطفٌ على الموصول، وحكمُ الضمير المعطوف أنْ يكونَ مُنفصلاً، ولم يُقَدَّم ليتَّصل؛ لمراعاة الترتيب الوجودي. ﴿أَنِ أَتَّقُوا الَهَ﴾ أي: وصَّينا كلَّ منهم ومنكم بأنِ اتَّقوا الله تعالى، على أنَّ (نْ)) مصدريَّةٌ بتقدير الجارّ، ومحلُّها نصبٌ أو جرِّ على المَذْهَبين، ووَضْلُها بالأمر (١) القراءات الشاذة ص٢٩، والبحر ٣٦٥/٣. (٢) في الأصل: أو كافياً. (٣) في الأصل: علم. الآية : ١٣٢ ٣٢٥ سورة النساءِ كالنهي وشِبْهِه جائزٌ كما نصَّ عليه سيبويه(١). ويجوز أنْ تكون مُفسِّرة للوصية؛ لأنَّ فيها معنى القول. وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَِّ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضَِّ﴾ عطفٌ على (وصَّينا)) بتقدير قلنا، أي: وصَّينا وقلنا لكم ولهم: إنْ تكفروا فاعلموا أنَّه سبحانه مالكُ الملك والملكوت لا يضرُّه كفرُكم ومعاصيكم، كما أنَّه لا يَنفعه شُکرکم وتقواكم، وإنَّما وصَّاكم وإيَّاهم لرحمته لا لحاجته، وفي الكلام تغليبٌ للمخاطَبِين(٢) على الغائبينَ. ويُشعر ظاهرُ كلام البعض أنّ العطف على ((اتقوا الله))، وتُعقّب بأنَّ الشرطية لا تقع بعد ((أنْ)) المصدريةِ أو المفسِّرة، فلا يَصُّ عَظْفُها على الواقع بعدها سواءٌ كان إنشاءً أم إخباراً، والفعل وصَّيْنا أو أَمَرْنا أو غيره. وقيل: إن العطف المذكور من باب: عَلفتُها تِبْناً وماءً بارداً(٣) وجَوَّز أبو حيان(٤) أنْ تكونَ جملةً مستأنفةً خُوطب بها هذه الأمةُ وحدها أو مع الذين أوتوا الكتاب. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ بالغنَى الذاتيّ عن الخلق وعبادتهم ﴿حَيدًا (٣)﴾ أي: محموداً في ذاته، حَمِدوه أم لم يَحْمَدوه، والجملةُ تذييلٌ مقرِّر لِمَا قبله. وقيل: إنَّ قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ﴾ إلخ تهديدٌ على الكفر، أي: أنَّه تعالى قادرٌ على عقوبتكم بما يشاء، ولا مُنجيَ عن عقوبته، فإنَّ جميع ما في السماوات والأرض له، وقولَه عزَّ وجل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ للإشارة إلى أنَّه جلَّ وعلا لا يَتضرَّر بكفرهم. (١) في الكتاب ١٦٢/٣. (٢) في الأصل: المخاطبين. (٣) معاني القرآن للفراء ١٤/١، والخصائص ٤٣١/٢، ومغني اللبيب ص٨٢٨، والخزانة ١٤٠/٣، وعجزه: حتى شَتَتْ همَّالةً عيناها. قال البغدادي: ولا يعرف قائله، ورأيت في حاشية نسخة صحيحة من الصحاح أنه لذي الرمَّة، ففتشت ديوانه فلم أجده فيه. (٤) في البحر ٣٦٦/٣. سُورَةُ السَّةِ ٣٢٦ الآية : ١٣٣ وقولُه سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ﴾ يحتمل أنْ يكون كلاماً مبتدأً مسوقاً للمخاطبين توطئةً لما بعده مِن الشرطية، أي: له سبحانه ما فيهما مِن الخلائق خَلْقاً ومُلكاً يَتصرَّف في ذلك كيفما يشاء إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتةً . ويحتمل أنْ يكون كالتكميل للتذييل ببيان الدليل، فإنَّ جميع المخلوقات تَدلُّ - لحاجتها وفَقْرِها الذاتيِّ - على غناه، وبما أفاض سبحانه عليها من الوجود والخصائص والكمالات على كونه حميداً . ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ تذييلٌ لما قبله، والوكيلُ: هو القيِّم والكفيلُ بالأمر الذي يُوكّل إليه، وهذا على الإطلاق هو الله تعالى، وفي ((النهاية)): يقال: وثَّل فلانٌ فلاناً، إذا استكفاه أمرَه ثقةً أو عجزاً عن القيام بأمر نفسه، والوكيلُ في أسماء الله تعالى هو القيِّمُ بأرزاق العباد، وحقيقته أنَّه يَستقلُّ بالأمر الموكول إليه(١). ولا يخفى أنَّ الاقتصار على الأرزاق قصورٌ فَعمِّم وتوكّل على الله تعالی. وادَّعى البيضاوي - بَيَّضَ الله تعالى غرَّةً أحواله - أنَّ هذه الجملة راجعةٌ إلى قوله سبحانه: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلَّ مِّنْ سَعَتِهٍ﴾(٢). فإنَّه إذا توكّلْتَ وفوضّتَ فهو المغني(٣)؛ لأنَّ مَن توكل على الله عزَّ وجل كفاه، ولمَّا كان ما بينهما تقريراً له لم يَعد فاصلاً، ولا يخفَى أنَّه على بُعْدِه لا حاجةً إليه . ﴿إِن يَشَأْ﴾ إنْ يُرِدْ إذهابَكم وإيجادَ آخرین ﴿يُذْمِنكُمْ﴾ يُفْنِكم ویُهلكُكُم ﴿أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِثَاخِينٌ﴾ أي: يُوجِدْ مكانكم دفعةً قوماً آخرين من البشر، فالخطابُ لنوعٍ مِن الناس. وقد (٤) أخرج سعيد بن منصور وابنُ جرير من حديث أبي هريرة ◌َّهِ: أنَّه لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنِ تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمَا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] ضرب النبيُّ وَّر بيده على ظهر سلمان الفارسي رَظُه وقال: ((إنَّهم قوم (١) النهاية (وكل). (٢) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٨٦/٣ .. (٣) في الأصل و(م): الغني، والمثبت من حاشية الشهاب ١٨٦/٣، والكلام منه. (٤) قوله: وقد، ليس في الأصل. الآية : ١٣٣ ٣٢٧ سُورَةُ السَّةِ هذا)»(١)، وفيه نوعُ تأييدٍ لمَا ذكر في هذه الآية، وما نُقِلَ عن العراقيّ أنَّ الضرب كان عند نزولها وحينئذٍ يتعيَّن ما ذُكر، سهوٌ على ما نصَّ عليه الجلال السيوطي. وجوَّز الزمخشريُّ وابن عطية ومُقلِّدوهما أنْ يكون المرادُ: خَلْقاً آخرين، أي: جنساً غيرَ جنس الناس(٢). وتعقّبه أبو حيان(٣) بأنَّه خطأٌ، وكونُه مِن قَبِيلِ المَجَازِ - كما قيل - لا يتمُّ به المرادُ لمخالفته لاستعمال العرب؛ فإنَّ: غيراً، تقع على المُغايِر في جنسٍ أو وصفٍ، و((آخَر)) لا يقعُ إلا على المغايرة بين أبعاض جنسٍ واحد. وفي «دُرَّة الغوَّاصِ في أوهام الخَوَاصِّ)»: أنَّهم يقولون: ابتعتُ عبداً وجاريةً أخرى فيوهمون فيه؛ لأنَّ العرب لم تصف بلفظي آخر وأخرى وجمعها، وَمَنَوَةً ١٩ إلا ما يجانس المذكور قبله، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَرَّهَ يُّمُ الَّتَ وَالْعُزَّى وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ وَمَن كَانَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى مَرِ يضَّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَمِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرُّ﴾ فوصف جلَّ اسمُه ((مناة)) بالأخرى لمَّا جانست العُزَّى واللات، ووَصَف الأيام بالأُخر لكونها مِن جنس الشهر، والأَّمَةُ ليست مِن جنس العبد لكونها مُؤنََّةً وهو مُذكَّر، فلم يَجُز لذلك أنْ يَتَّصف بلفظ: أُخرى، كما لا يقال: جاءَت هند ورجلٌ آخر، والأصل في ذلك أنَّ ((آخر)) مِن قبيل (أفعل)) الذي يصحبه ((مِن))، ويُجانسُ المذكورَ بعده، يدل(٤) على ذلك أنَّك إذا قلت: قال الفِند الزِّمَّانيّ(٥) وقال آخر، كان تقدير الكلام: وقال آخر مِن الشعراء، وإنَّما حذفت لفظة ((مِن)) لدلالة الكلام عليها، وكثرة استعمال آخر في النطق (٦). (١) تفسير الطبري ٥٨٢/٧ و٢٣٤/٢١، وعزاه لسعيد بن منصور السيوطي في الدر ٦/ ٦٧، وينظر تمام تخريجه عند تفسير سورة محمد. (٢) الكشاف ١/ ٥٧٠، والمحرر الوجيز ١٢٢/٢. (٣) في البحر ٣٦٧/٣. (٤) في (م): كما يدل. (٥) هو شهل بن شيبان بن ربيعة بن زِمَّان الحنفي، والفِنْدُ قطعة من الجبل، بعثه بنو حنيفة مع سبعين رجلاً إلى بكر بن وائل لينصرهم في حرب البسوس. الخزانة ٤٣٤/٣-٤٣٥. (٦) درة الغوّاص ص ١٦٥. سُورَةُ السَّلة ٣٢٨ الآية : ١٣٣ وفي ((الدر المصون)): أنَّ هذا غيرُ متَّفْقِ عليه وإنَّما ذهب إليه كثيرٌ مِن النحاة وأهل اللغة، وارتضاه نجم الأئمة الرضيُّ، إلا أنَّه يَرِدُ على الزمخشريِّ ومَن معه أنَّ (آخرين)) صفةُ موصوفٍ محذوفٍ، والصفةُ لا تقوم مقام موصوفها إلا إذا كانت خاصةً [بالموصوف]، نحوُ: مَرَرْتُ بكاتبٍ، أو إذا دلَّ الدليل على تعيين الموصوفِ، وهنا ليست بخاصةٍ، فلا بدَّ أنْ تكون مِن جنس الأول لتدلَّ على المحذوف(١). وقال ابن يَسعون(٢) والصقلِّي وجماعةٌ: إنَّ العرب لا تقول: مررتُ برجلَين وآخَرَ؛ لأنَّه إنَّما يقابِلُ ((آخرُ)) ما كان من جنسه تثنيةً وجمعاً وإفراداً. وقال ابن هشام(٣): هذا غيرُ صحيح لقول ربيعةً بن مُكدَّم(٤): وأَبَى الفرارَ إلى الغداة تَکرُّمي(٥) ولَقدْ شَفعتُهما بآخرَ ثالثٍ وقال أبو حية النميريُّ: فَصِرتُ أمْشي عَلى أُخرَى مِنِ الشَّجَرِ (٦) وكُنتُ أَمشي على ثِنْتينٍ مُعْتَدِلاً وإنَّما يَعنون بكونه من جنس ما قبلَه، أنْ يكون اسمُ الموصوف بـ ((آخر) في اللفظ أو التقدير يَصُّ وقوعُه على المتقدِّم الذي قوبل بـ ((آخر)) على جهة التواطؤ، (١) الدر المصون ١١٣/٤، وما بين حاصرتين منه، وليس فيه ذكر الرضي. (٢) يوسف بن يبقى بن يوسف بن يسعون التجيبي، ويعرف أيضاً بالشنشي، سكن المريَّة وبها قرأ وأقرأ، وولي أحكامها، كان أديباً نحوياً لغويًّا فقيهاً فاضلاً، له: المصباح في شرح ما انبهم من شواهد الإيضاح، وغيره، توفي سنة (٥٤٢هـ). صلة الصلة ص٢٠٤، وبغية الوعاة ٣٦٣/٢. (٣) في (التذكرة)) له كما ذكر الشهاب في الحاشية ١٨٧/٣. (٤) في الأصل و(م): يكدم، والصواب ما أثبتناه، وهو ربيعة مكدَّم بن عامر أحدُ فرسان مضر المعدودين، وهو الذي قيل فيه: لا نعلم قتيلاً ولا ميتاً حمى ظعائن غيرَه، وإنه يومئذ لغلام له ذؤابة. الأغاني ١٦/ ٥٦ . (٥) الأغاني ٦٧/١٦، وأمالي القالي ٢٧٢/٢، وزهر الأكم ١٠٤/١، وفيها جميعاً: وأبى الفرار ليَ الغداة ... (٦) الحيوان ٤٨٤/٦، ونسبه القالي في أماليه ١٦٣/٢ لعبد من عبيد بجيلة، ونسبه صاحب الخزانة ٣٥٨/٩-٣٥٩ لعمرو بن أحمر الباهلي، وهو دون نسبة في الخصائص ٢٠٧/١، وشذور الذهب ص٢٤٧ . الآية : ١٣٣ ٣٢٩ مُوَرَةُ الشَّاء ولذلك لو قلت: جاءني زيدٌ وآخرُ، كان سائغاً؛ لأنَّ التقدير: ورجلٌ آخرُ، وكذا جاءني زيدٌ وأخرى تريد: ونسمةٌ (١) أخرى، وكذا: اشتريتُ فرساً ومركوباً آخر، سائقٌ: وإنْ كان المركوب الآخرُ جملاً؛ لوقوع المركوب عليهما بالتواطؤ، فإنْ كان وقوعُ الاسم عليهما على جهة الاشتراكِ المحَضِ: فإنْ كانت حقيقتُهما واحدةً جازت المسألة، نحو: قام أحدُ الزيدين وقعد الآخر، وإنْ لم تكن حقيقتُهما واحدةً لم تَجُز، لأنَّه لم يقابَل به ما هو من جنسه، نحو: رأيتُ المشتري والمشتريّ الآخر، تريد بأحدهما الكوكب، وبالآخر مقابلَ البائع. وهل يُشترط مع التواطؤ اتفاقُهما في التذكير؟ فيه خلاف، فذهب المبرِّد إلى عدم اشتراطه، فيجوز: جاءتني جاريتُك وإنسانٌ آخر، واشترطه ابن جنِّي، والصحيح ما ذهب إليه المبرِّد بدليل قول عنترة: مِنْ بينٍ منْظَمَةٍ وآخرَ يَنظُم (٢) والخَيلُ تَقْتَحِمُ الغُبارَ عَوابِساً وما ذُكر مِن أنَّ آخر يقابل به ما تقدَّمه مِن جنسه هو المختار، وإلا فقد يَستعملونه مِن غير أنْ يَتقدَّمه شيءٌ مِن جنسه، وزَعَم أبو الحسن أنَّ ذلك لا يجوز إلا في الشعر، فلو قلتَ: جاءني آخر، مِن غير أنْ تتكلّم قبله بشيءٍ من صنفه لم يَجُز، ولو قلتَ: أكلتُ رغيفاً وهذا قميصٌ آخرُ، لم يَحْسُن، وأمَّا قول الشاعر: ليلَى وصَلَّى على جارَاتِها الأُخرِ (٣) صَلَّى على عَزَّةَ الرَّحمنُ وابنتِها فمحمولٌ على أنَّه جَعَل ابنتها جارةً لها لتكونَ الأُخر من جنسها، ولولا هذا (١) في (م): نسمة. (٢) كذا وقع عجزه عند المصنف، ولعل فيه تصحيفاً، فقد جاء في شرح المعلقات للنحاس ٤٥/٢، وللتبريزي ص٢٤٩، وجمهرة أشعار العرب ٤٩٣/١، ومنتهى الطلب من أشعار العرب ٧٦/٢، من بين شيظمة وأجرد شيظم. وفي شرح المعلقات للزوزني ص١٥٢ : من بين شيظمة وآخر شيظم. وجاء في المصادر عدا الجمهرة: والخيل تقتحم الخَبار، والخبار: الأرض اللينة. والشيظم: الطويل من الخيل. (٣) البيت وقع في شعرين أحدهما للراعي النميري، وهو في ديوانه ص ١٢٢، والثاني للقتَّال الكلابي. ينظر الخزانة ١٠٨/٩ . سُورَةُ النِّسَاءِ ٣٣٠ الآية : ١٣٣ التقديرُ لَمَا جاز أنْ يُعقب ذكرَ البنت بالجارات، بل كان يقول: وصلَّى على بناتها الأُخَرِ، وقد قوبل في البيت أيضاً أُخَر وهو جَمْعٌ، بابنتها وهو مفردٌ. وزعم السهيلي(١) أنَّ ((أُخرى)) في قوله تعالى: ﴿وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىّ﴾ [النجم: ٢٠] استُعملت مِن غير أنْ يتقدَّمها شيءٌ من صنفها؛ لأنَّه غير مَناةَ الطاغية التي كانوا يُهُّون إليها بقديد؛ فجعلها ثالثةً اللات والعزَّى، وأُخرى لمناة التي كان يعبدها عمرُو بنُ الجموح وغيرُه من قومه مع أنَّه لم يتقدَّم لها ذكرٌ. والصواب أنَّه جعلها أخرى بالنظر إلى اللَّات والعزَّى، وساغ ذلك لأنَّ الموصوف بالأخرى - وهو الثالثة - يصحُّ وقوعه على اللات والعزَّى، ألا ترى أنَّ كلَّ واحدةٍ منهنَّ ثالثةٌ بالنظر إلى صاحبتها، وإنَّما اتّجه ذلك لِمَا ذكره أبو الحسن مِن أنَّ استعمال آخر وأخرى مِن غير أنْ يَتقدَّمها صِنفُهما لا يجوز إلا في الشعر. انتهى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ إلا أنَّه سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقُ الكلام في الآية الآتي ذكرها . وفي ((المسائل الصغرى)) للأخفش في بابٍ عَقَده لتحقيق هذه المسألة: أنَّ العرب لا تستعمل آخر إلا فيما هو مِن صنف ما قبله، فلو قلت: أتاني صديقٌ لك وعدوٌّ لك آخر، لم يَحسُن؛ لأنَّه لغوٌ من الكلام، وهو يُشبه: سائر، وبقية، وبعض، في أنَّه لا يُستعمل إلا في جنسه، فلو قلتَ: ضربتُ رجلاً وتركتُ سائرَ النساء، لم يكن كلاماً، وقد يجوز ما امتنع بتأويلٍ كـ : رأيت فرساً وحماراً آخرَ، نظراً إلى أنَّه دابّةٌ. قال امرُؤُ القيس: وَقَرَّتْ بهِ العينَانِ بِدِّلْتُ آخَرا(٢) إذا قُلتُ هذا صاحِبِي وَرَضیتُهُ وفي الحديث أنَّ رسول الله ◌َّهِ وجَدَ خِقَّةٌ في مرضه فقال: ((انظروا من أَنَّكِئُ عليه)) فجاءت بَرِيرةُ ورجلٌ آخرُ فاتّكَاً عليهما(٣). (١) في الروض الأنف ٢/ ٢١٤. (٢) ديوان امرئ القيس ص٦٩، وفيه: صاحب قد رضيته، وذكر كلام الأخفش أيضاً الشهاب في الحاشية ١٨٧/٣، وفيه :... صاحبٌ ورضيته. (٣) أخرجه ابن ماجه (١٢٣٤) من حديث سالم بن عبيد ره. وأصل القصة في صحيح البخاري (١٩٨)، وصحيح مسلم (٤١٨) من حديث عائشة رينا، وفيهما أن النبي ◌َُّ خرج الآية : ١٣٤ ٣٣١ سُورَةُ النِّسَاءِ وحاصلُ هذا أنَّه لا يُوصف بآخر إلا ما كان مِن جنس ما قبله لِتَتَبَيَّن مغايرتُه في مَحِلٌّ يُتوهّم فيه اتِّحادُه ولو تأويلاً، وحينئذٍ لا يكون ما ذكره الزمخشريُّ نصًّا في الخطأ ومخالفة استعمال العرب المعوَّل عليه عند الجمهور. بليغَ ١٣٣ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ﴾ أي: إفنائكم بالمرَّة وإيجادِ آخرين ﴿قَدِيرًا ® القدرة، لكنَّه سبحانه لم يَفعل، وأبقاكم على ما أنتم عليه مِن العصيان؛ لعدم تعلّق مشيئته لحكمةٍ اقتضَتْ ذلك، لا لعجزه سبحانه وتعالى عن ذلك عُلوًّا كبيراً . ﴿َّنْ كَانَ يُرِيدُ ثَّوَابَ الدُّنْيَا﴾ كالمجاهد يُريد بجهاده الغنيمة والمنافعَ الدنيوية ﴿فَعِنْدَ الَّهِ ثَوَابُ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ جزاءٌ للشرط بتقدير الإعلام والإخبار، أي: مَن كان يُريد ثوابَ الدنيا فأَعلمْه وأَخبره أنَّ عند الله تعالى ثوابَ الدارَين، فما له لا يَطلُبُ ذلك كمن يقول: ﴿رَبَّنَاَ ءَئِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةُ وَفِى الْآَخِرَةِ حَسَنَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٠١]، أو ليَطلب(١) الأشرفَ وهو ثوابُ الآخرة؛ فإنَّ مَن جاهد - مثلاً - خالصاً لوجْهِ الله تعالى لم تُخْطِئْه المنافعُ الدنيوية، وله في الآخرة ما هي في جنبه كلا شيءٍ. وفي ((مسند)) أحمد عن زيد بن ثابت: سمعتُ رسول الله وَّلَه يقول: ((مَن كان همُّه الآخرةَ جَمَع الله تعالى شملَه، وجَعَل غِناهُ في قلبه، وأَتَتْهُ الدنيا وهي راغمةٌ، ومَن كانت نيّتُه الدنيا فرَّق الله تعالى عليه ضَيْعتَه، وجَعَل فقرَه بين عينَيْه، ولم يَأْتِهِ مِن الدنيا إلا ما كُتب له))(٢) . وجوِّز أنْ يُقدَّر الجزاءُ من جنس الخُسران، فيقال: مَن كان يريدُ ثواب الدنيا فقط فقد خَسِرَ وهَلَك، فعند الله تعالى ثوابُ الدنيا والآخرة له إن أراده. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضيُّه قال: سمعت النبيَّ نَّهُ يقول: (([إنَّ] أول الناس يُقضَى عليه يوم القيامة رجلٌ استُشهد، فأُتِيَ به فعرَّفه نِعمَه فَعَرَفَها، قال: = بين العباس ورجل آخر. وفي صحيح ابن حبان (٢١١٨): بين بريرة ونُوبة (وهو اسم عبد)، ويجمع بأنه خرج من البيت إلى المسجد بين هذين، ومن ثم إلى مقام الصلاة بين العباس والرجل الآخر، وهو علي ظته. فتح الباري ٢/ ١٥٤. (١) في الأصل و(م): يطلب، والمثبت من تفسير البيضاوي ١٨٧/٣، وتفسير أبي السعود ٢٤١/٢. (٢) مسند أحمد (٢١٥٩٠). سُورَةُ المَشَاةِ ٣٣٢ الآية : ١٣٥ فما عمِلتَ فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استُشْهِدتُ. قال: كذبتَ، ولكنَّك قاتلتَ لأَنْ يُقال جَريٌ، فقد قيل. ثمَّ أُمِرَ به فسُحِب على وجهه حتَّى أُلقيَ في النار. ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأَ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نعمَه فعَرَفها. قال: فما عملْتَ فيها؟ قال: تعلَّمت العلم وعلَّمتُه وقرأتُ فيك القرآن. قال: كذبتَ، ولكنَّك تعلمتَ لیقال عالمٌ، وقرأت ليقال هو قارئٌ، فقد قيل. ثمَّ أُمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجلٌ وسّع الله تعالى عليه وأعطاه مِن أصناف المال كلِّه، فأُتي به فعرَّفَه نعمَه فَعَرَفها، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: ما تركتُ مِن سبيلٍ تُحبُّ أنْ يُنْفَق فيها إلا أنفقتُ فيها [لك]. قال: كذبتَ ولكنَّك فعلت ليقال: هو جَوَادٌ، فقد قيل. ثم أُمِر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار))(١). وقيل: إنَّه الجزاء إلا أنَّه مؤوَّلٌ بما يجعلُه مرتَّباً على الشرط؛ لأنَّ مآله أنَّه ملومٌ موبٌَّ لتركه الأهمَّ الأعلى الجامع لِمَا أراده مع زيادةٍ، لكنْ مَن يشترط العائد في الجزاء یُقدِّرہ کما أشرنا إليه. وقيل: المرادُ أنَّه تعالى عنده ثواب الدارَين فيُعطي كلَّ ما يُريدُه، كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْئٌِ﴾ الآية [الشورى: ٢٠]. تَذييلٌ لمعنَى التوبيخ، أي: كيف يُرائي المُرائي، ﴿وَكَانَ اَللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (َ﴾ وإنَّ الله تعالى سميعٌ بما يَهجِس في خاطره وما تأمر به دواعيه، بصيرٌ بأحواله كلِّها ظاهرِها وباطِنِها، فيُجازيه على ذلك. وقد يقال: ذيّلَ بذلك لأنَّ إرادة الثواب إمَّا بالدعاء وإمّا بالسعي، والأول مسموعٌ والثاني مُبصَرٌ. وقيل: السمع والبصر عبارتان عن اطّلاعه تعالى على غرض المريد للدنيا أو الآخرة، وهو عبارةٌ عن الجزاء. ولا يخفى أنَّه وإنْ كان لا يخلو عن حُسْنٍ إلا أنَّه يُوهم إرجاع صفة السمع والبصر إلى العلم وهو خلافُ المقرَّر في الكلام. ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُواْ قَوَِّمِينَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: مواظبين على العدل في جميع الأمور، مجتهدين في ذلك كلَّ الاجتهاد لا يَصرفُكم عنه صارفٌ. (١) صحيح مسلم (١٩٠٥)، وهو عند أحمد (٨٢٧٧)، وما سلف بين حاصرتين منهما. الآية : ١٣٥ ٣٣٣ سُورَةُ السَّةِ وعن الراغب: أنَّه سبحانه نبَّه بلفظ القوَّامين على أنَّ مراعاةَ العدالة مرةً أو مرتين لا تكفي، بل يجب أنْ تكون على الدوام، فالأمورُ الدينية لا اعتبار بها ما لم تكُن مستمرَّة دائمة، ومَن عَدَل مرةً أو مرَّتَين لا يكون في الحقيقة عادلاً، أي: لا ينبغي أنْ يُطلق فيه ذلك. ﴿شُهَدَآءَ﴾ بالحقِّ ﴿لِلَِّ﴾ بأنْ تُقيموا شهاداتِكم لوجه الله تعالى لا لغرضٍ دُنيويٍّ. وانتصابُ ((شهداء)) على أنَّه خبرٌ ثانٍ لـ ((كونوا))، ولا يخفَى ما في تقديمِ الخبر الأول من الحُسن. وجوِّز أنْ يكون على أنَّه حال من الضمير المستكنَّ فيه، وأُيِّد بما رُوي عن ابن عباس ﴿ّ أنَّه قال في معنى الآية: أي: كونوا قوَّالين بالحقِّ في الشهادة على مَن کانت ولِمَن کانت مِن قَریبٍ وبعیدٍ . وقيل: إنَّه صفة ((قوَّامين)). وقيل: إنَّه خبر ((كونوا))، و((قوَّامين)) حال. ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ولو كانت الشهادةُ على أنفسكم، وفُسِّرت الشهادة ببيانِ الحقِّ مجازاً، فتشمل الإقرار المرادَ ها هنا، والشهادةَ بالمعنَى الحقيقيِّ المرادِ فيما بعد، فلا يلزمُ الجمع بين الحقيقة والمجاز. وقيل: الكلام خارجٌ مخرجَ المبالغة وليس المقصودُ حقيقتَه، فلا حاجةً إلى القول بعموم المجاز ليشملَ الإقرار، حيث إنَّ شهادة المرء على نفسه لم تُعْهَد. والجارُّ - على ما أشير إليه - ظرفٌ مستقرٌّ وقع خبراً لكان المحذوفةِ وإنْ كان في الأصل صلةَ الشهادة؛ لأنَّ متعلّق المصدر قد يُجعل خبراً عنه فيصير مستقرًّا، مثل: الحمدُ لله، ولا يجوز ذلك في اسم الفاعل ونحوه. ويجوز أنْ يكون ظرفاً لغواً مُتعلِّقاً بخبرٍ محذوف، أي: ولو كانت الشهادة وبالاً على أنفسكم. وعلَّقه أبو البقاء بفعلٍ دلَّ عليه («شهداء))، أي: ولو (١) شهدتُم على أنفسكم، وجوَّز تعلُّقَه بـ ((قوَّامين))(٢). وفيه بعدٌ. (١) في (م): لو. (٢) الإملاء ٣٤٠/٢. سُورَةُ المَسْحَاةِ ٣٣٤ الآية : ١٣٥ (ولو)) إمَّا على أصلها أو بمعنى ((إنْ))، وهي وصلية. وقيل: جوابُها مقدَّرٌ، أي: لوجب أنْ تشهدوا عليها . ﴿أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِينَ﴾ أي: ولو كانت على والدَيْكُم وأقربِ الناس إليكم أو ذوي قرابتكم. وعطف الأولَ بـ ((أو)) لأنَّه مقابلٌ للأنفس، وعطفَ الثاني عليه بالواو لعدم المقابلة . ﴿إِن يَكُنْ﴾ أي: المشهودُ عليه ﴿غَنِيًّا﴾ يُرجَى في العادة ويُخشَى ﴿أَوْ فَفِيرًا﴾ يُترجَّمُ عليه في الغالب ويُحنّى. وقرأ عبد الله: ((إن يكن غَنِيٌّ أو فقيرٌ)) بالرفع على أنَّ ((كان)) تامَّةٌ (١). وجوابُ الشرط محذوفٌ دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿قَاللَّهُ أَوْلَنَ بِهِمَّا﴾ أي: فلا تَمتَنعوا عن الشهادة على الغنيّ طلباً لرضاه أو على الفقير شفَقَةً عليه؛ لأنَّ الله تعالى أَولَى بالجنسَين وأَنْظَرُ لهما من سائر الناس، ولولا أنَّ حقَّ الشهادة مصلحةٌ لهما لَمَا شَرَعها، فراعُوا أمرَ الله فإنَّه أَعلمُ بمصالح العباد منكم. وقرأ أبيّ: ((فالله أولى بهم)) بضمير الجمع(٢)، وهو شاهدٌ على أنَّ المراد جنسا الغنيّ والفقير، وأنَّ ضمير التثنية ليس عائداً على الغنيّ والفقير المذكورَين؛ لأنَّ الحكم في الضمير العائد على المعطوف بـ ((أو)) الإفراد كما قيل؛ لأنَّها لأحد الشيئين أو الأشياء. وقيل: إنَّ (أو)) بمعنى الواو، والضمير عائد إلى المذكورين، وحُكِيَ ذلك عن الأخفش(٣). وقيل: إنَّها على بابها وهي هنا لتفصيل ما أبهم في الكلام، وذلك مبنيٌّ على أنَّ المراد بالشهادة ما يعمُّ الشهادةَ للرجل والشهادةَ عليه، فكلٌّ من المشهود له والمشهودِ عليه يَجوز أنْ يكون غنيًّا وأنْ يكون فقيراً، فقد يكونان غنيَّين، وقد يكونان فقيرَين، وقد يكونُ أحدُهما غنيًّا والآخرُ فقيراً، فحيثُ لم تُذكر الأقسام أُتي (١) تفسير الرازي ٧٤/١١، والبحر ٣٧٠/٣. (٢) تفسير الرازي ٧٤/١١، والبحر ٣٧٠/٣. (٣) معاني القرآن له ٤٥٥/١ . الآية : ١٣٥ ٣٣٥ سُورَةُ النَّسَاةِ بـ ((أو) لتدلَّ على ذلك، فضمير التثنية على المشهود له والمشهودِ عليه على أيِّ وصفٍ كانا عليه. وقيل غير ذلك. وقال الرضي: الضميرُ الراجع إلى المذكور المتعدِّد الذي عُطِف بعضُه على بعضٍ بـ ((أو)) يَجوز أنْ يُوحَّد وأنْ يُطابق المتعدِّد، وذلك يَدورُ على القصد، فيجوز: جاءني زيدٌ أو عمرو وذهب - أو: وهما ذاهبان - إلى المسجد. وعلى هذا لا حاجةً إلى التوجيه؛ لعدم صحَّةِ التثنية ووجوبٍ الإفراد في مثل هذا الضمير. نعم قيل: إنَّ الظاهر الإفرادُ دون التثنية، وإنْ جازَ كلٌّ منهما، فيحتاجُ العدولُ عن الظاهر إلى نكتة. وادَّعَى بعضُهم أنَّها تعميم الأولوية، ودفعُ(١) توهُّم اختصاصها بواحد، فتأمل. ﴿فَلَ تَتَّبِعُواْ الْمَوَى﴾ أي: هوى أنفسكم ﴿أَن تَعْدِلُواْ﴾ من العدول والميل عن ج الحقِّ، أو من العدل مقابل الجور، وهو في موضع المفعول له، إما للاتِّباع المنهيّ عنه أو للنهي، فالاحتمالاتُ أربعةٌ: الأول: أن يكون بمعنى العدول وهو علَّةٌ للمنهي عنه، فلا حاجةً إلى تقديرٍ . والثاني: أنْ يكونَ بمعنَى العدل وهو علة للمنهيِّ عنه فيقدر مضاف، أي: كراهةً أن تعدلوا. والثالث: أنْ يكونَ بمعنى العدول وهو علةٌ للنهي، فَيَحتاجُ إلى التقدير كما في الاحتمال الثاني، أي: أَنْهاكُم عن اتِّباع الهوى كراهةً العدول عن الحقِّ. والرابع: أنْ يكون بمعنى العدل وهو علَّةٌ للنهي، فلا يحتاج إلى التقدير كما في الاحتمال الأول، أي: أنهاکم عن اتباع الهوى للعدل وعدم الجور. ﴿وَإِن تَلْوُهُ﴾ السنّتكم عن الشهادة بأنْ تأتوا بها على غير وجهها الذي تستحقُّه، كما روي ذلك عن ابن زيد والضحاك، وحُكي عن أبي جعفر ◌َُّه، وهو الظاهر. وقيل: اللَّيُّ: المطلُ في أدائها، ونُسب إلى ابن عباس ظًّا. ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ أي: تتركوا إقامتها رأساً وهو خطابٌ للشهود. (١) في الأصل: ورفع. سُورَةُ الشَّةِ ٣٣٦ الآية : ١٣٥ وقيل: إنَّ الخطاب للحَّام، واللَّيُّ: الحكمُ بالباطلُ، والإعراض: عدمُ الالتفات إلى أحد الخصمین، ونسب هذا إلى السديِّ، ورُوي عن ابن عباس أيضاً. وقرأ حمزة: ((إن تلُوا)) بضمِّ اللام وواوٍ ساكنةٍ (١)، وهو مِن الولاية بمعنى مباشرةِ الشهادةِ . وقيل: إنَّ أصلَه (تلووا)) بواوَين أيضاً نُقلَت ضمَّةُ الواو بعد قَلْبِها همزة - أو ابتداءً - إلى ما قبلها، ثم حُذفَتْ لالتقاء الساكنَين، وعلى هذا فالقراءتان بمعنَّى. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من اللَّيِّ والإعراض، أو من جميع الأعمال التي من جملتها ما ذُكر ﴿خِيرًا (٣٥)﴾ عالماً مطّلعاً فيجازيكم على ذلك. وهو وعيدٌ مَخْضٌ على القراءة الأولى، وعلى القراءة الأخيرة يَحتملُ أنْ يكون كذلك وأنْ يكون مُتضمِّناً للوعد. والآية كما أخرج ابنُ جرير(٢) عن السدِّي: نزلَتْ في النبيِّ وَّ؛ اختصمَ إليه رجلان غنيٌّ وفقيرٌ، فكان ضَلْعُه(٣) مع الفقير، يَرَى أنَّ الفقيرَ لا يظلم الغنيّ، فأَبَى الله تعالى إلا أنْ يقوم(٤) بالقسط في الغنيِّ والفقير. وهي مُتضمِّنةٌ للشهادة على مَن ذكره الله تعالى، ولا تَعرُّض فيها للشهادة لهم على ما هو الظاهر. وحمَلَها بعضُهم على ما يَشمل القسمَين، ورُوي ذلك عن ابن عباس ﴿هما كما أشرنا إليه، فيجوز عنده شهادة الولد لوالده والوالد لولده. وحكي عن ابن شهاب الزهريِّ أنّه قال: كان سلفُ المسلمين على ذلك حتى ظهرَ مِن الناس أمورٌ حَمَلَت الولاةَ على اتّهامهم فتُركت شهادةَ مَن يُنَّهم. ولا يخفَى أنَّ حَمْلَ الآية على ذلك بعيدٌ جداً . (١) وهي قراءة ابن عامر أيضاً. التيسير ص ٩٧، والنشر ٢٥٢/٢. (٢) في تفسيره ٧/ ٥٨٥- ٥٨٦، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ١٨٨/٤، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص١٧٨ . (٣) في الأصل و(م): خلقه، والمثبت من المصادر، وضَلْعُه: ميلُه. النهاية (ضلع). (٤) في (م): يقول، والمثبت من الأصل والمصادر. الآية : ١٣٦ ٣٣٧ سُورَةُ الشَكَاةِ وأبعدُ منه بمراحل - بل ينبغي أنْ يكونَ من باب الإشارة - كونُ المراد منها: كونوا شهداءَ الله تعالى بوحدانيته وكمالٍ صفاته وحقّية (١) أحكامه، ولو كان ذلك مضرًّا لأنفسكم أو لوالديكم وأقربيكم بأنْ تُوجبَ الشهادةُ ذهابَ حياة هؤلاء أو أموالهم (٢) أو غير ذلك، ((إنْ يكن)) أي: الشاهد ((غنيًّا)) تَضرُّ شهادتُه بغناه ((أو فقيراً» تسدُّ شهادتُه باب دفع الحاجة عليه ((فالله)) تعالى ((أولَى بهما)) من أنفسهما، فينبغي أنْ يُرجِّحا الله تعالى على أنفسهما . واستُدلَّ بالآية على أنَّ العبد لا مدخل له في الشهادةِ، إذ ليس قَوَّاماً بذلك لكونه ممنوعاً من الخروج إلى القاضي. وعلى وجوب التسوية بين الخصمَين على الحاكم، وهو ظاهرٌ على رأي. ووجهُ مناسبتها لِمَا تقدَّم على ما في ((البحر)): أنَّه تعالى لمَّا ذكر النساء والنشوزَ والمصالحةً عقَّبه بالقيام لأداء الحقوق، وفي الشهادة حقوقٌ. أو لأنَّه سبحانه لمَّا بَيَّن أنَّ طالبَ الدنيا ملومٌ، وأشار إلى أنَّ طالب الأمرَين أو أَشْرَفِهما هو الممدوح، بَيَّن أنَّ كمال ذلك أنْ يكونَ قولُ الإنسان وفعلُه لله تعالى. أو لأنَّه تعالى شأنه لمَّا ذَكَر في هذه السورة: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِىِ الْيَ﴾ [النساء: ٣]، والإشهادَ عند دَفْع أموالهم إليهم، وأَمَرَ ببذل النفس والمال في سبيل الله تعالى، وذَكَر قصة الخائن واجتماعَ قومه على الكذب والشهادة بالباطل، ونَدبَ للمصالحة، عقَّبَ ذلك بأنْ أَمَرَ عباده المؤمنين بالقيام بالعدل والشهادة لوجه الله تعالى(٣). ﴿يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ خطابٌ للمسلمين كافَّة، فمعنى قوله تعالى: ﴿مَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنَزَّلَ مِن قَبْلُ﴾: اثْبُتُوا على الإيمان بذلك وداوٍ مواعليه، وروي هذا عن الحسن، واختاره الجبّائي. وقيل: الخطاب لهم، والمراد: ازدادوا في الإيمان ◌ُمَأنينة ويقيناً. أو: آمِنوا (١) في الأصل: حقيقة. (٢) في الأصل: وأحوالهم، بدل: أو أموالهم. (٣) البحر ٣٦٨/٣. سُورَةُ النِّسَاءِ ٣٣٨ الآية : ١٣٦ بما ذكر مُفصَّلاً، بناءً على أنَّ إيمان بعضهم إجماليُّ. وأيًّا ما كان فلا يلزم تحصيلُ الحاصل. وقيل: الخطاب للمنافقين المؤمنين ظاهراً، فمعنى ((آمنوا)): أَخلِصوا الإيمان، واختاره الزجَّاج(١) وغيرُه. وقيل: لمؤمني اليهود خاصَّةً، ويُؤيِّده ما روي عن ابن عباس ◌ًَّا: أنَّ عبد الله بنَ سلام وأسداً وأُسيداً ابني كعب وثعلبةَ بنَ قيس وابنَ أخت عبد الله بن سلام ويامين بنَ يامين أتوا إلى رسول الله وَّه وقالوا: نُؤْمنُ بك وبكتابك وبموسى وبالتوراة وعزير ونّكفرُ بما سواه من الكتب والرسلِ. فقال رسول اللهِ وَلو: ((بل آمِنوا بالله تعالى، ومحمدٍ نَّه وبكتابه القرآنِ، وبكلِّ كتابٍ كان قَبْلَه)) فقالوا: لا نفعلُ. فنزلت، فآمنوا كلُّهم(٢). وقيل: لمؤمني أهل الكتابَين، ورُوي ذلك عن الضحاك. وقيل: للمشركين المؤمنين باللَّات والعزَّى. وقيل: لجميع الخلق لإيمانهم يوم أَخْذِ الميثاق حين قال لهم سبحانه: ﴿أَلَسْتُ بِرَيْكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. والكتاب الأول القرآن، والمرادُ من الكتاب الثاني: الجنسُ المُنتَظِمُ لجميع الكتب السماوية، ويَدلُّ عليه قوله تعالى فيما بعد: ﴿وَكُنُبِهِ.﴾. والمراد بالإيمان بها الإيمانُ بها في ضمن الإيمان بالكتاب المُنْزَل على الرسول وَّ*، على معنى: أنَّ الإيمانَ بكلِّ واحدٍ منها مُندرجٌ تحت الإيمان بذلك الكتاب، وأنَّ أحكامَ كلِّ منها كانت حقَّةً ثابتةٌ يجبُ الأخذ بها إلى ورود ما نسخَها، وأنَّ ما لم يُنسَخ منها إلى الآن من الشرائع والأحكام ثابتةٌ من حيث إنَّها مِن أحكام ذلك الكتابِ الذي لا ريبَ فيه ولا تغيير (٣) يعتريه، ومِن هنا يُعلم أنَّ أمرَ مؤمني (١) في معاني القرآن ١١٩/٢ . (٢) الدر المنثور ٢٣٤/٢ وعزاه للثعلبي عن ابن عباس، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص١٧٨ عن الكلبي دون المرفوع ودون قوله: فآمنوا كلهم. (٣) في الأصل: تغير. الآية : ١٣٦ ٣٣٩ سُورَةُ النِّسَاءِ أهل الكتاب بالإيمان بكتابهم بناءً على أنَّ الخطاب لهم ليس على معنى الثبات؛ لأنَّ هذا النحو من الإيمان غير حاصل لهم وهو المقصود، ولا حاجةً إلى القول بأنَّ متعلق الأمر حقيقةً هو الإيمان بما عداه، كأنَّه قيل: آمنوا بالكلِّ ولا تخصُّوه بالبعض. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو: (نُزِّل)) و((أُنزِلَ)) على البناء للمفعول(١). واستعمالُ (نزّل)) أولاً ((وأنزل)) ثانياً؛ لأنَّ القرآن نَزْلَ مُفرَّقاً بالإجماع، وكان تمامُه في ثلاثٍ وعشرينَ سنة على الصحيح، ولا كذلك غيرُه من الكتب، فتذكر. ﴿وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾ أي: بشيءٍ من ذلك؛ فإنَّ الحكم المتعلِّقَ بالأمور المتعاطفةِ بالواو - كما قال العلّامة الثاني - قد يَرجع إِلى كلِّ واحدٍ، وقد يَرجع إلى المجموع، والتعويلُ على القرائن، وهاهنا قد دلَّت القرينةُ على الأول؛ لأنَّ الإيمان بالكلِّ واجبٌ والكلُّ ينتفي بانتفاء البعض، ومثلُ هذا ليس مِن جَعْلِ الواو بمعنى ((أو)) في شيءٍ. وجَوَّز بعضُهم رُجوعَه إلى المجموع؛ لوصف الضلال بغاية البعد في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلا بَعِيدًا (٣)﴾ ويُستفاد منه أنَّ الكفر بأيِّ بعض كان ضلالٌ متَّصِفٌ بِبُعْدٍ، والمشهورُ أنَّ المرادَ بـ ((الضلال البعيد)): الضلالُ البعيدُ عن المقصد بحيث لا يكادُ يعودُ المَّصِفُ به إلى طريقه. ويَجوزُ أنْ يُراد: ضلالاً بعيداً عن الوقوع. والجملة الشرطية تذييلٌ للكلام السابق وتأكيدٌ له. وزيادة الملائكة واليوم الآخر في جانب الكفر - على ما ذكره شيخ الإسلام - لِمَا أنَّ بالكفر بأحدهما لا يتحقَّقُ الإيمان أصلاً، وجَمْعُ الكتبِ والرُّسل لِمَا أنَّ الكفر بكتابٍ أو رسولٍ كفرٌ بالكلِّ، وتقديمُ الرسول فيما سبق لذكْرِ الكتاب بعنوانِ كونه منزَّلاً عليه، وتقديمُ الملائكة والكُتُب على الرسل، لأنَّهم وسائطُ بَيْنَ الله عزَّ وجل وبيْنَ الرسل في إنزال الكتب(٢). (١) التيسير ص٩٨، والنشر ٢٥٣/٢. (٢) تفسير أبي السعود ٢٤٣/٢. سُورَةُ النَّسَاةِ ٣٤٠ الآية : ١٣٧ وقيل: اختلافُ الترتيب في الموضعَين من باب التفتُّن في الأساليب، والزيادة في الثاني لمجرَّدِ المبالغة. وقرئ: ((وكتابه))(١) على إرادة الجنس. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُذَ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرًا﴾ هم قومٌ تكرَّر منهم الارتدادُ وأَصرُّوا على الكفر وازدادوا تمادياً في الغيِّ. وعن مجاهد وابن زيد: أنَّهم أناسٌ منافقون أَظهرُوا الإيمان ثم ارتدُّوا، ثم أظهروا ثم ارتدُّوا، ثم ماتُوا على كفرهم. وجَعَلها ابنُ عباس ◌ِّها عامَّةً لكلِّ منافقٍ في عهده وََّ فِي البَرِّ والبحر. وعن الحسن أنَّهم طائفةٌ من أهل الكتاب أرادوا تَشكيك أصحابٍ رسول الله وَّل ، فكانوا يُظهرون الإيمان بحضرتهم، ثم يقولون: قد عرضَتْ لنا شبهةٌ. فيكفرون، ثم يُظهرون، ثم يقولون: قد عرضَتْ لنا شبهةٌ أخرى. فيكفرون، ويَستمُرُّون على الكفر إلى الموت، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَقَالَت ◌َّيِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَامِنُواْ بِلَّذِىّ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُوَاْ مَاِخِرَهُ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]. وقيل: هم اليهود آمنوا بموسى عليه السلام، ثم كفرُوا بعبادتِهم العجلَ حين غاب عنهم، ثم آمنوا عند عوده إليهم، ثم كفروا بعيسى عليه السلام، ثم ازدادوا كفراً بمحمد وَلقر، وروي ذلك عن قتادة. وقال الزجَّاج والفرَّاء (٢): إنَّهم آمنوا بموسى عليه السلام ثم كفرُوا بعده(٣)، ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى عليه السلام، ثم ازدادوا كفراً بنبيِّنا عليه الصلاة والسلام. وأُورد على ذلك بأنَّ الذين ازدادوا كفراً بمحمد وَلّ ليسوا بمؤمنينَ بموسى عليه (١) القراءات الشاذة ص٢٩، والمحتسب ٢٠٢/١. (٢) معاني القرآن للزجاج ١١٩/٢، وللفراء ٢٩٢/١، ونقله المصنف عنهما بواسطة الطبرسي في مجمع البيان ٢٦٢/٥. وجاء في معاني القرآن للزجاج عند ذكره لهذا القول: قال بعضهم ... ، ولعله يعني به الفراء. (٣) بعدها في معاني القرآن للفراء وللزجاج: بعزير.