النص المفهرس

صفحات 261-280

الآية : ١٠٢
٢٦١
سُورَةُ السَّاء
وعن ابن مسعود أنَّ النبيَّ نَّهِ حينَ صلَّى صلاةً الخوف، صلَّى بالطائفةِ الأولى
ركعةً وبالطائفة الأخرى ركعةً كما في الآية، فجاءت الطائفةُ الأولى وذهبت هذه
إلى مقابلة العدو حتى قضَت الأولى الركعة الأُخرى بلا قراءة وسلَّموا، ثم جاءت
الطائفة الأُخرى وقضّوا الركعة الأُولى بقراءةٍ حتى صار لكلِّ طائفةٍ ركعتان(١). وهذا
ما ذهب إليه الإمامُ أبو حنيفة ظله، وإنَّما سقطت القراءة عن الطائفة الأولى في
صلاتهم الركعة الثانية بعد سلام رسول الله وعليه؛ لأنَّهم وإنْ كانوا في ثانيتِهِ عليه
الصلاة والسلام في مقابلة العدو، إلا أنَّهم في الصلاة وفي حُكم المتابعة، فكانت
قراءةُ الإمام قائمةً مقام قراءتهم، كما هو حُكم الاقتداء، ولا كذلك الطائفةُ
الأُخرى؛ لأنَّهم اقتدوا بالإمام في الركعة الثانية وأتمَّ الإمامُ صلاته، فلا بدَّ لهم مِن
القراءة في ركعتهم الثانية، إذ لم يكونوا مُقتدين بالإمام حينئذٍ.
وذهب بعضُهم إلى أنَّ صلاة الخوف هي ما في هذه الآيةِ ركعةٌ واحدةٌ، ونُسب
ذلك إلى ابن عباس وغيرِهِ، فقد أخرج ابن جرير وابنُ أبي شيبةَ والنحاسُ عنه ◌َظُله
أنَّه قال: فرضَ الله تعالى على لسان نبيِّكم وَّ في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتَين
وفي الخوف ركعةً(٢)، وأخرج الأوَّلان وابنُ أبي حاتم عن يزيدَ الفقيرِ قال: سألتُ
جابرَ بنِ عبد الله عن الركعتَين في السفر أَقَصْرٌ هُما؟ فقال: الركعتان في السفر
تمامٌ، إنَّما القصرُ واحدةٌ عند القتال، بَيْنَا نحنُ مع رسول الله وَلَّه في قتالٍ إذ أُقيمت
(١) أخرجه بنحوه أحمد (٣٥٦١)، وأبو داود (١٢٤٤) من طريق خصيف عن أبي عبيدة بن
عبد الله بن مسعود عن ابن مسعود. قال ابن رجب في فتح الباري ٨/ ٣٥٠: خصيفٌ مختلف
في أمره، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن رواياته عنه أخذها عن أهل بيته، فهي صحيحة
عندهم. اهـ. وليس في الحديث الإشارة إلى مسألة القراءة، وأن الأولى قضت بلا قراءة
والثانية بقراءة، وإنما ذكرها فيه صاحب الهداية كما في فتح القدير مع الهداية ٤٤١/١،
ونصب الراية ٢/ ٢٤٣، والصواب أنها من كلام أبي حنيفة كما في أحكام القرآن للجصاص
٢٥٧/٢، والمحلى ٣٩/٥، قال ابن حزم: وهي زيادة لم تعرف عن أحد من الأمة قبله. اهـ.
وقال الزيلعي في نصب الراية ٢/ ٢٤٤: الفرق بين حديث ابن عمر وحديث ابن مسعود أن
في حديث ابن عمر كان قضاؤهم في حالة واحدة ويبقى الإمام كالحارس وحده، وفي حديث
ابن مسعود كان قضاؤهم متفرقاً على صفة صلاتهم.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٤٦٤/٢، وتفسير الطبري ٤١٩/٧، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٢٩/٢،
وهو عند أحمد (٢١٢٤)، ومسلم (٦٨٧).

سُورَةُ الشّاةِ
٢٦٢
الآية : ١٠٢
الصلاة، فقام رسولُ الله ◌َّهِ فصفَّت طائفةٌ، وطائفةٌ وجوهُهَا قِبَلَ العدوِّ، فصلَّى بهم
ركعةً وسجَدَ بهم سجدتَين، ثم انطلقوا إلى أولئك فقاموا مقامهم، وجاء أولئك
فقاموا خلف رسول اللهوَ*، فصلَّى بهم ركعةً وسجد بهم سجدتَين، ثم إنَّ
رسول الله وَ﴿ جلس فسلَّم وسلَّم الذين خلْفَه وسلَّم الأولون، فكانت لرسول الله وَه
ركعتَان وللقوم ركعةٌ ركعةٌ، ثم قرأ الآية(١).
وذهب الإمامُ مالك ◌َبه إلى أنَّ كيفيَّةَ صلاة الخوف أنْ يُصلِّيَ الإمامُ بطائفةٍ
ركعةً، فإذا قام للثانية فارقته وأتمَّتْ وذهبت إلى وجه العدو، وجاء الواقفون في
وجهه، والإمام ينتظرُهُم فاقتَدوا به وصلى بهم الركعةَ الثانيةَ، فإذا جلس للتشهُّد
قاموا فأتمُّوا ثانيتَهم ولَحِقُوه وسلَّم بهم، وهذه - كما رواه الشيخان - صلاةُ النبيِّ ◌ِله
بذات الرقاع (٢). وهي أحدُ الأنواع التي اختارها الشافعيُّ(٣) رَُّه - واستُشْكِل - مِن
ستَّةَ عَشَرَ نوعاً (٤)، ويُمكن حملُ الآية عليها، ويكون المرادُ من السجود الصلاةَ،
والمعنى: فإذا فرغوا من الصلاة فليكونوا .. إلخ، وأَيِّد ذلك بأنَّه لا قصورَ في
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٢، وتفسير الطبري ٤١٩/٧-٤٢٠، وتفسير ابن أبي حاتم
١٠٥٣/٤ واللفظ له، وأخرجه أيضاً أحمد (١٤١٨٠)، والنسائي ١٧٤/٣-١٧٥، وابن
خزيمة (١٣٦٤).
(٢) صحيح البخاري (٤١٢٩)، وصحيح مسلم (٨٤٢) من طريق صالح بن خوات عمَّن صلى مع
رسول الله* يوم ذات الرقاع صلاة الخوف ... ، ورجح ابن حجر في الفتح ٧/ ٤٢٢ أن
الراوي هو والد صالح، وهو خوَّات بن جبير هـ
(٣) جاء عندها بين السطور في الأصل: أمر الاختيار. وينظر التعليق الذي بعده.
(٤) قال النووي في المجموع ٢٩٥/٤: جاءت صلاة الخوف عن النبي ◌َّر على ستة عشر نوعاً،
واختار الشافعي منها ثلاثة أنواع: أحدها: صلاته وَطّ ببطن نخلة، والثاني: صلاته بذات
الرقاع، والثالث: صلاته بعسفان، وكلها صحيحة. اهـ.
ووجه الاستشكال ما قيل من أنه إذا كان في اختيار الشافعي ما يقتضي منع غير هذه التي
اختارما فمشكلٌ بقوله: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وقد صح فيه، وإلا بأن لم يكن في
كلامه (يعني الشافعي) ما ذكر، فيتعين حملُ ذلك على أن غيرها مفضول بالنسبة إليها؛
لما في غيرها من كثرة الأعمال. ينظر حاشية البجيرمي ١/ ٤١٢.
وقال الإمام أحمد كما في التمهيد لابن عبد البر ٢٦٩/١٥: لا أعلم أنه روي في صلاة
الخوف إلا حديث صحيح ثابت، هي كلها صحاح ثابتة، فعلى أي حديث صلى منها
المصلي صلاة الخوف أجزأه إن شاء الله.

الآية : ١٠٢
٢٦٣
سُورَةُ الشَحَّةِ
البيان عليه، وبأنَّ ظاهرَ قوله سبحانه: ﴿فَلْيُمَلُوا مَعَكَ﴾ أنَّ الطائفة الأخيرةَ تُتِمُّ
الصلاةَ مع الإمام، وليس فيه إشعارٌ بحراستها مرةً ثانية وهي في الصلاة البتة.
وتحتمل الآية - بل قيل: إنَّها ظاهرةٌ في ذلك - أنَّ الإمامَ يُصلِّي مرَّتَين كلَّ مرةٍ
بفرقة، وهي صلاةُ رسول اللهَ وَّهِ - كما رواه الشيخان أيضاً - ببطن نخلٍ(١).
واحتمالُها للكيفيَّة التي فعلها رسول الله وَّ بِعُسْفان بعيدٌ جداً، وذلك أنَّه عليه
الصلاة والسلام - كما قال ابن عباس ورواه عنه أحمد وأبو داود وغيرهما - صفَّ
الناسَ خلفَه صفَّين، ثم رَكَع فركعوا جميعاً، ثم سجد بالصفّ الذي يَليه والآخَرُون
قيامٌ يَحرسونهم، فلمَّا سجدوا وقاموا جلس الآخَرُون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدَّم
هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء وهؤلاء إلى مصافٌّ هؤلاء، ثم ركَعَ عليه الصلاة والسلام
فركعوا جميعاً، ثم رفَعَ فرفعوا، ثم سجَدَ هو والصفُّ الذي يليه والآخرون قيامٌ
يحرسونهم، فلمَّا جلَسوا جلس الآخَرُون فسجدوا ثمّ سلَّم عليهم، ثم
انصرفَ مَاءُ(٢). وتمامُ الكلام يُطلب من محلِّه.
﴿وَلْيَّأْخُذُ واْ﴾ أي: الطائفةُ الأخرى ﴿ِذْرَهُمْ﴾ أي: احترازَهم وشِبْهَه بما يُتُحصَّن
به من الآلات، ولذا أثبتَ له الأخذ تخييلاً، وإلا فهو أمرٌ معنويٌّ لا يتَّصفُ
بالأخذ، ولا يضرُّ عطفُ قوله سبحانه: ﴿وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ عليه للجمع بينَ الحقيقة
والمجاز؛ لأنَّ التَجوُّز في التخييل في الإثبات والنسبة لا في الطرف على الصحيح،
ومثله لا بأس فيه بالجمع كما في قوله تعالى: ﴿تَبَوَُّو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ﴾ [الحشر: ٩].
وقال بعض المحقّقين: إنَّ هذا وأمثاله من المُشاكَلَة لمّا يلزم على الكناية
التصريحُ بطرفيها، وإنْ دُفع بأنَّ المشبّه به أعمُّ مِن المذكور، وإنْ فُسِّر الحذرُ
بما يُدفع به فلا كلام.
(١) صحيح البخاري (٤١٣٦) تعليقاً، وصحيح مسلم (٨٤٣)، وهو عند أحمد (١٤٩٢٩)، وهو
من حديث جابر مظلته. وينظر المجموع للنووي ٢٩٤/٤- ٢٩٦، وفتح الباري لابن رجب
٣٧٢/٨ وما بعدها.
(٢) مسند أحمد (١٦٥٨٠)، وسنن أبي داود (١٢٣٦) من حديث أبي عياش الزُّرَقِيَِّلُه.
ووردت هذه الكيفية أيضاً في حديث جابر عند مسلم (٨٤٠). ينظر فتح الباري لابن حجر
٧/ ٤٢٣.

سُورَةُ المَسَّةِ
٢٦٤
الآية : ١٠٢
ولعلَّ زيادة الأمر بالحذر - كما قال شيخ الإسلام - في هذه المرة لكونها مظنةً
الوقوفِ الكفرةِ على كون الطائفة القائمة مع النبيِّ وَّ في شُغلٍ شاغلٍ، وأمَّا قبلها
فربّما يَظنونهم قائمين للحراب(١).
﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتْكُمْ وَأَمْتِعَتِّكُمْ فَيَمِيْلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَحِدَةً﴾
بيانٌ لِمَا لِأَجْلِهِ أُمروا بأخذ السلاح، والخطابُ للفريقَين بطريق الالتفات، أي:
تمثّوا أنْ ينالوا منكم غِرَّةً في صلاتكم، فيَحملونَ عليكم حملةً واحدةً، والمرادُ
بالأمتعةِ ما يُتُمتَّع به في الحرب لا مطلقاً. وقرئ: ((أمتعاتكم))(٢).
والأمرُ للوجوب لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن نَّطَرٍ
أَوْ كُنْتُم مَّرْضَ أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ﴾ حيث رخّص لهم في وضعها إذا تَقُل عليهم
حملُها واستصحابها بسبب مطرٍ أو مرضٍ، وأُمروا مع(٣) ذلك بالتيقُّظِ والاحتياط
فقال سبحانه: ﴿وَخُذُواْ حِذْرَّكُمْ﴾ أي: بعد إلقاء السلاح للعذر؛ لئلا يَهجُم عليكم
العدوُّ غِيلَةً.
واختار بعضُ أئمةِ الشافعية أنَّ الأمرَ للندب، وقيَّدوه بما إذا لم يَخف ضرَراً
يُبيح التيمُّمَ بترك الحمل، أمَّا لو خاف وجبَ الحمل على الأَوْجَهِ ولو كان السلاح
نجساً ومانعاً للسجود.
وفي شرح ((المنهاج)) للعلامة ابن حجر: ولو انتفَى خوفُ الضَّرَر وتأدَّى غيرُه
بحمله كُره إنْ خفَّ الضرر بأنْ احتُملَ عادةً، وإلا حَرُم، وبه يُجمع بين إطلاقٍ
كراهتِهِ وإطلاق حرمته .
والآيةُ كما أخرجه البخاريُّ وغيرُه عن ابن عباسٍ ﴿ّ نزلَت في عبد الرحمن بن
عوف وکان جريحاً (٤).
وذكر أبو ضمرةً - ورواه الكلبيُّ عن أبي صالح - أنَّ رسول اللهِ وَ لَ غزا محارباً
(١) تفسير أبي السعود ٢٢٧/٢، وفيه: قائمين للحرب.
(٢) القراءات الشاذة ص٢٨، والبحر ٣٤١/٣.
(٣) في (م): بعد، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٢٧/٢ والكلام منه.
(٤) صحيح البخاري (٤٥٩٩).

الآية : ١٠٢
٢٦٥
سُورَةُ الشَحَّةِ
وبَني أنمار، فهزَمَهم الله تعالى وأحرَزَهم الذراري والمال، فنزلَ رسول اللهِ وَه
والمسلمون ولا يَرون مِن العدو واحداً، فوضعوا أسلحتَهم، وخرجَ رسول الله وَّ
لحاجةٍ له وقد وضع سلاحه، حتى قطع الوادي والسماءُ تَرشُّ، فحال الوادي بينهِ وَهل
وبينَ أصحابه فجلس في ظلِّ سَمُرة، فبَصُرَ بهِ غَوْرَث بنُ الحارث المُحاربيُّ فقال:
قَتَلني الله تعالى إنْ لم أقتله، وانحدَرَ من الجبل ومعه السيفُ، ولم يشعر به
رسولُ الله ◌ٍَِّ إلا وهو قائمٌ على رأسه ومعه السيف قد سلَّه مِن غمده، فقال:
يا محمد من يعصمُك مني الآن؟ فقال رسول الله وَّهِ: ((الله عزَّ وجلَّ) ثم قال:
((اللهم اكْفِنِي غَورثَ بن الحارث بما شئت)» فانكبَّ عدوُّ الله تعالی لوجهه، وقام
رسول الله وَ ل﴿ فأخذ سيفَه فقال: ((يا غورث مَن يمنعك منِّي الآن)) فقال: لا أحد،
قال ◌َله: ((أتشهدُ أن لا إله إلا الله وأَنِّي عبد الله ورسوله؟)) قال: لا، ولكنِّي أَعهدُ
إليك أنْ لا أُقاتِلَك أبداً ولا أُعينُ عليك عدوًّا، فأعطاه رسول الله وَّ سيفَه، فقال
له غورث: لأنت خيرٌ منِّي، فقال رسول الله وَّهِ: ((إنِّي أَحقُّ بذلك)) فرجع غورث
إلى أصحابه فقالوا: يا غورث لقد رأيناك قائماً على رأسه بالسيف، فما منعك منه؟
قال: الله عزَّ وجلَّ، أَهويتُ له بالسيف لأضرِبَه فما أَدري مَن لَزِجني(١) بين كَتِفَيَّ،
فخررتُ لوجهي وخرَّ سيفي وسبقني إليه محمد فأخذه. وأَتمَّ لهم القصة، فآمنَ
بعضُهم ولم يَلبث الوادي أنْ سكن، فقطَعَ رسولُ اللهِ وَله إلى أصحابه فأخبرَهم
الخبر، وقراً عليهم الآية(٢).
﴾ تعليلٌ للأمر بأخذِ الحذَر، أي: أعدَّ
﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (َ
لهم عذاباً مُذِلًّا، وهو عذابُ المغلوبية لكم ونُصرتكم عليهم، فاهتمُّوا بأموركم
ولا تُهملوا مباشرَةَ الأسباب کي يُعذّبَهم بأيديكم.
وقيل: لمَّا كان الأمرُ بالحذر مِن العدوِّ مُوهماً لغلبته واعتزازه نَفَى ذلك الإيهامَ
(١) كذا في الأصل و(م)، والصواب: زلخني، يقال: رمى الله فلاناً بالزُّلَّخة، وهو وجع يأخذ
بالظهر لا يتحرك الإنسان من شدته، وروي بالجيم من زلج، وهو خطأ. ينظر النهاية
(زلخ)، واللسان (زلخ).
(٢) تفسير البغوي ١/ ٤٧٥، وتفسير أبي السعود ٢٢٧/٢، وأصل القصة في صحيح البخاري
(٤١٣٥) و(٤١٣٦)، وصحيح مسلم (٨٤٣)، ومسند أحمد (١٤٣٣٥) و(١٤٩٢٩) من
حديث جابر ـ

سُورَةُ الْمَسَاءِ
٢٦٦
الآية : ١٠٣
بالوعد بالنصر وخذلانِ العدو؛ لتَقوَى قلوبُ المأمورِينَ، ويَعلموا أنَّ التحرُّزَ في
نفسه عبادةٌ، كما أنَّ النهيَ عن إلقاء النفس في التهلكةِ لذلك لا للمنع عن الإقدام
على الحرب.
وقيل: لا يَبعدُ أنْ يُرادَ بالعذاب المُهين شَرْعُ صلاةِ الخوف، فيكونُ لختم الآية
به مناسبةٌ تامَّةٌ، ولا يَخفَى بُعدُه.
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ﴾ أي: فإذا أدَّيتُم صلاةَ الخوف على الوجه المبيَّن وفرغتم
منها ﴿فَذْكُرُوا اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ أي: فداوِموا على ذكره سبحانه في
جميع الأحوال، حتى في حال المسابقة والمقارعة والمُرَاماةِ، ورُوي عن ابن
عباس ﴿يَا أنَّه قال عقب تفسيرها: لم يعذر الله تعالى أحداً في ترك ذكره
إلا المغلوبَ على عقله.
وقيل: المعنَى: وإذا أردتُم أداء الصلاة واشتدَّ الخوف أوِ التَحَمَ القتال فصلُّوا
كيفما كان، وهو الموافقُ لمذهب الشافعيِّ مِن وجوب الصلاة حالَ المحاربة وعدم
جواز تأخيرها عن الوقت، ويُعذَرُ المصلِّي حينئذٍ في ترك القبلة لحاجةِ القتال،
لا لنحو جِماح دابَّةٍ وطالَ الفصلُ، وكذا الأعمالُ الكثيرةُ لحاجةٍ في الأصحّ
لا الصياحُ أو النطقُ بدونه وإنْ (١) دعت الحاجةُ إليه - كتنبيهِ مَن خَشِيَ وقوعَ مهلك
به، أو زَجْرِ الخيل، أو الإعلام بأنه فلانٌ المشهورُ بالشجاعة - لنُدرةِ الحاجة،
ولا قضاء بعد الأمن فیه. نعم لو صلّوا كذلك لسوادٍ ظنُّوه ۔ ولو بإخبارِ عدلٍ - عدوًّا
فبانَ أنْ لا عدوًّ، وأنَّ بينهم وبينه ما يَمنعُ وصولَه إليهم، كخندق، أو أنَّ بقربهم ۔
عُرفاً - حِصناً يُمكِنُهم التحضُّنُ به من غير أنْ يُحاصرَهم فيه، قَضَوا في الأظهر.
ولا يَخفى أنَّ حَمْل الآية على ذلك في غاية البعد.
﴿فَإِذَا أَطْمَأْتَهُمْ﴾ أي: أَقمْتُم؛ قاله(٢) قتادة ومجاهد، وهو راجعٌ إلى قوله
تعالى: ﴿وَإِذَا ضَيُْ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ ولمَّا كان الضربُ اضطراباً، وكَنَى به عن السفر،
ناسبَ أنْ يكني بالاطمئنان عن الإقامة، وأصلُه: السكونُ والاستقرار، أي: إذا
(١) في (م): ولو.
(٢) في (م): كما قاله.

الآية : ١٠٤
٢٦٧
سُورَةُ النَّسَكَاةِ
استقررتُم وسكنتُم مِن السير والسفر في أمصاركم ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَوَّةَ﴾ أي: أَدُّوا
الصلاة التي دخل وقتُها، وأَتِمُّوها وعَدِّلوا أركانها، وراعُوا شروطَها، وحافظُوا على
حدودها .
وقيل: المعنى: فإذا أمنتم فأتمُّوا الصلاة - أي: جنسَها - معدَّلةَ الأركان،
ولا تصلُّوها ماشينَ أو راكبين أو قاعدين، وهو المرويُّ عن ابن زيد.
وقيل: المعنى: فإذا اطمأننتم في الجملة، فاقضُوا ما صلَّيتُم في تلك الأحوال
التي هي حالُ القَلَقِ والانزعاج، ونُسب إلى الشافعي تَظُه، وليس بالصحيح؛ لِمَا
علمتَ من مذهبه، ولا يُنْبِّئُكَ مثلُ خبير (١).
﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا﴾ أي: مكتوباً مفروضاً ﴿مَّوْقُوتًا
١٠٣
محدودَ الأوقات، لا يجوزُ إخراجُها عن أوقاتها في شيءٍ مِن الأحوال، فلا بدَّ مِن
إقامتها سفراً أيضاً.
وقيل: المعنى: كانت عليهم أمراً مفروضاً مقدَّراً في الحضر بأربع ركعاتٍ،
وفي السفر بركعتين، فلا بدَّ أنْ تؤدَّى في كلِّ وقتٍ حَسْبَما قُدِّر فيه.
واستدلَّ بالآية مَن حمل الذكر فيما تقدَّم على الصلاة وأوجبها في حال القتال،
على خلاف ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة
﴿وَلَا تَهِنُواْ فِى أَبْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي: لا تَضْعُفُوا ولا تَتَوانَوا في طلب الكفار
بالقتال ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ بَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونٌَ وَتَرْجُونَ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا يَرْجُونٌَ﴾
تعليلٌ للنهي وتشجيعٌ لهم، أي: ليس ما يَنالكم مِن الآلام مُختصًّا بكم، بل الأمرُ
مشترٌَ بينكم وبينهم، ثم إنَّهم يَصبرون على ذلك، فما لكم أنتم لا تصبرون مع
أنَّكم أَولَى بالصبر منهم، حيث إنَّكم ترجُون وتطمعون مِن الله تعالى ما لا يخطر
لهم ببال، من ظُهور دينكم الحقِّ على سائر الأديان الباطلة، ومِن الثواب الجزيلِ
والنعيم المقيم في الآخرة.
وجوِّز أنْ يُحمل الرجاء على الخوف، فالمعنى: إنَّ الألم لا ينبغي أنْ يمنعكم؛
لأنَّ لكم خوفاً مِن الله تعالى ينبغي أنْ يُحترزَ عنه فوقَ الاحتراز عن الألم، وليس
(١) في هامش الأصل: لأن المصنف شافعيَّ قبلُ كما مرت الإشارة إليه في صدر الكتاب.

سُورَةُ الشَّةِ
٢٦٨
الآية : ١٠٥
لهم خوفٌ يُلجِئُهم إلى الألم، وهم يختارونه لإعلاء دينهم الباطلِ، فما لكم
والوهنُ؟ ولا يَخلو عن بعدٍ.
وأبعدُ منه ما قيل: إنَّ المعنى: إنَّ الألمَ قدرٌ مشتركٌ، وإنَّكم تعبدون الإله
العالِمَ القادرَ السميعَ البصيرَ الذي يصحُّ أنْ يُرجَى منه، وإنَّهم يعبدون الأصنام التي
لا خيرُهن يُرجَى ولا شرُّهن یُخشَى.
وقرأ أبو عبد الرحمن الأعرج: ((أنْ تكونوا)) بفتح الهمزة(١)، أي: لا تَهنوا لأنْ
تكونوا تألمون، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ تعليلٌ للنھي عن الوهن لأجله.
وقرئ: ((تتلمون كما يئلمون)) بكسر حرف المضارعة(٢).
والآيةُ قيل: نزلت في الذهاب إلى بدر الصغرى لموعد أبي سفيان يوم أحد.
وقيل: نزلَت يوم أحد في الذهاب خلف أبي سفيان وعسكره إلى حمراء
الأسد، ورُوي ذلك عن عكرمة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ مبالغاً في العلم فيَعلمُ مصالحكم وأعمالكم ما تظهِرون منها
وما تسرُّون ﴿حَكِيمًا (®َ﴾ فيما يَأمر ويَنهَى، فجِدُّوا في الامتثال لذلك، فإنَّ فيه
عواقبَ حميدةً وفوزاً بالمطلوب.
﴿إِنَّ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِآلْحَقِّ﴾ أخرجَ غيرُ واحدٍ عن قتادة بن النعمان ◌َظُهُ أنَّه
قال: كان أهل بيتٍ منَّا يقال لهم: بنو أُبَيْرِق بِشرٌ وبُشَيْرٌ ومُبَشِّر، وكان بشيرٌ(٣) رجلاً
منافقاً، يقولُ الشعرَ يهجو به أصحاب رسولِ اللهِ وَّل، ثم يَنحَلُه بعضَ العرب،
ويقول: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، فإذا سمع أصحابُ النبيِّ وَّر ذلك الشعر
قالوا: والله ما يقول هذا الشعرَ إلا هذا الخبيثُ! فقال:
أَوَ كُلَّما قالَ الرجالُ قصيدةً أَضِمُوا(٤) فقالوا ابنُ الأُبيرِقِ قَالَها
(١) المحتسب ١٩٧/١، والبحر ٣٤٣/٣.
(٢) المحتسب ١٩٨/١، والبحر ٣٤٣/٣.
(٣) في الأصل و(م): بشر، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٤) في هامش الأصل و(م): أضم كفرح: غضب. اهـ منه. وفي النهاية: أضم الرجل: إذا
أضمر حقداً لا يستطيع إمضاءه.

الآية : ١٠٥
٢٦٩
سُورَةُ السَكَاةِ
وكانوا أهلَ حاجةٍ وفاقةٍ في الجاهلية والإسلام، وكان طعامُ الناس بالمدينة
التمرَ والشعيرَ، وكان الرجل إذا كان له يَسارٌ فقدمت ضَافِطَةٌ(١) مِن الشام من
الدَّرْمك(٢)، ابتاعَ منها فخصَّ بها نفسه، فقدمت ضَافِظَةٌ فابتاع عمِّي رِفاعةُ بنُ زيد
حِملاً من الدرمك فجعله في مَشْرُبةٍ(٣) له، وفي المَشْرُبة سلاحٌ له: درعان
وسيفاهما وما يصلحهما، فعَدًا عَدِيٌّ مِن تَحتِ الليل، فتَقب المشرُبة وأَخذَ الطعام
والسلاح.
فلمَّا أصبح أتاني عمِّي رِفاعة فقال: يا ابن أخي، تعلم أنه قد عُدِيَ علينا في
ليلتنا هذه، فنُقبت مَشربَتُنا فذُهِب بطعامنا وسلاحنا. فتجسَّسنا (٤) في الدار وسألنا
فقيل لنا: قد رأينا بني أُبيرق قد استَوقَدوا في هذه الليلة، ولا نَرَى فيما نَرَى إلا على
بعض طعامكم. فقال بنو أبيرق - ونحن نسأل في الدار -: والله ما نَرَى صاحبكم
إلا لبيدَ بن سهلٍ. رجلاً منا له صلاحٌ وإسلام، فلمَّا سَمِع ذلك لبيدٌ اخترط سيفَه،
ثم أَتَى بني أُبيرقّ، وقال: أنا أسرقُ؟! فوالله ليُخالطَنَّكم هذا السيفُ أو لتُبيِّنُنَّ هذه
السرقة. قالوا: إليك عنَّا أيُّها الرجل، فوالله ما أنت بصاحبها. فسألنا في الدار
حتى لم نّشُكَّ أنَّهم أصحابها، فقال لي عمِّي: يا ابنَ أخي، لو أتيتَ رسولَ الله والهم
فذكرتَ له ذلك. فأتيتُ رسولَ الله وَ﴿ فقلتُ: يا رسول الله، إنَّ أهلَ بيتٍ منَّا أهلَ
جفاءٍ، عمَدوا إلى عمِّي رِفاعة فنقبوا مَشرُبةً له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردُّوا
علينا سلاحنا، وأمَّا الطعام فلا حاجة لنا فيه. فقال رسول الله وَله ((سأنظرُ في
ذلك» .
فلمَّا سمع بنو أُبيرق أتوا رجلاً منهم يُقال له أُسَير بنُ عروةَ فكلَّموه في ذلك،
واجتمع إليه ناسٌ من أهل الدار، فأتوا رسول الله و ﴿ فقالوا: يا رسول الله، إنَّ
قتادةَ بن النعمان وعمَّه عَمَدا إلى أهلٍ بيتٍ منَّا أهلِ إسلامٍ وصلاحِ يَرمونَهم بالسرقة
من غير بيَّةٍ ولا تَبَتِ. قال قتادة: فأتيتُ رسولَ اللهِّهِ فَكَلَّمتُه، فَقال: ((عَمَدْتَ إلى
(١) الضافط والضَّفَّاط: الذي يجلب المِيرَة والمتاع إلى المدن. النهاية (ضفط).
(٢) في هامش الأصل و(م): الدَّرمك كجعفر، هو دقيق الحُوَّارى. اهـ منه. ووقع في بعض
المصادر: بالدرمك.
(٣) المشربة بالضم والفتح: الغرفة. النهاية (شرب).
(٤) في بعض المصادر: فتحسسنا.

سُورَةُ الشَّةِ
٢٧٠
الآية : ١٠٥
أهلٍ بيتٍ ذُكِرَ منهم إسلامٌ وصلاحٌ تَرميهم بالسرقة على غير بينٍ ولا ثَبَتٍ»، فرجعتُ
وَلَوَدِدتُ أَنِّي خرجْتُ من بعض مالي ولم أكلِّم رسولَ اللهِّ في ذلك.
فأتاني عمِّي رِفاعة فقال: يا ابنَ أخي، ما صنعتَ؟ فأخبرتُه بما قال لي
رسولُ اللهِ وَله، فقال: الله تعالى المستعانُ. فلم نَلبث أنْ نزَلَ القرآن ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ
الْكِتَبَ﴾ إلخ، فلمَّا نزل أتي رسول الله مَّه بالسلاح فردَّه إلى رفاعة، فلمَّا أتيتُ
عمِّي بالسلاح، وكان شيخاً قد عسا(١) في الجاهلية، وكنتُ أَرَى إسلامه
مَدخولاً (٢)، قال: يا ابن أخي، هو في سبيل الله. فعرفتُ أنَّ إسلامه كان صحيحاً،
ثم ◌َحِقَ بُشَيْرٌ بالمشركين فنزَل على سُلافة بنت سعد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَافِقِ
الرَّسُولَ﴾ الآية، ثمَّ إنَّ حسان بن ثابت تَلُه هجا سُلافة فقال:
يُنازِعُها جِلدَ اسْتِها وتُنازِعُهْ
فقد أَنزلَتْهُ بنتُ سَعدٍ وأصبحت
وفينا نبيٍّ عِندَهُ الوحيُّ وَاضِعُهْ
ظَنَنْتُم بأنْ يَخْفَى الذي قد صَنعْتُمُ
فلمَّا سمعتْ ذلك حمَلَت رَحْلَه على رأسها فأَلقَتْهُ بالأبطَحِ فقالت: أَهديتَ إليَّ
شعر حسان، ما كنتَ تأتيني بخير (٣) .
وأخرج ابن جرير(٤) عن السُّدي - واختاره الطبري(٥) - أنَّ يَهوديًّا استودع
◌ُعْمَةَ بن أُبَيْرِقٍ درعاً، فانطلق بها إلى داره فحفَرَ لها اليهوديُّ ودَفَنها، فخالَف إليها
طعمةُ فاخْتَفَر عنها فأخَذَها، فلمَّا جاء اليهوديُّ يَطلُبُ درعه كَافَرَه(٦) عنها، فانطلق
إلى أناسٍ من اليهود مِن عشيرَتِهِ فقال: انطلقوا معي، فإِنِّي أعرفُ موضِع الدرع.
فلمَّا عَلِمَ به طعمةُ أَخذَ الدرع فألقاها في دار أبي مُلَيْك (٧) الأنصاريِّ، فلمَّا جاءتٍ
(١) أي: كبر وأَسَنَّ. النهاية (عسا).
(٢) الدَّخّل بالتحريك: العيب والغش والفساد، يعني أن إيمانه كان متزلزلاً فيه نفاق. النهاية
(دخل).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٠٣٦)، والطبري ٤٥٨/٧، والحاكم ٣٨٥/٤. قال الترمذي: حديث
غريب لا نعلم أحداً أسنده غير محمد بن سلمة الحرَّاني.
(٤) في تفسيره ٤٦٦/٧، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٢١٨/٢.
(٥) في تفسيره ٧/ ٤٧٠ .
(٦) كافَرَهُ حقَّه، أي: جحده. القاموس (كفر).
(٧) في تفسير الطبري: أبي مليل، وفي الإصابة ٢٩/١٢: أبو مليكة الأنصاري الخزرجي، له

الآية : ١٠٥
٢٧١
سُورَةُ السَّاةِ
اليهودُ تطلبُ الدرعَ فلَم تقدر عليها، وَقَع به طُعمة وأناسٌ مِن قومه فسبُّوه، وقال
طعمة: أتخوِّنونني؟! فانطلّقُوا يطلبونها في داره، فأشرَفوا على دار أبي مليكٍ فإذا
هم بالدرع، فقال طعمة: أخذها أبو مليك، وجادَلَت الأنصارُ دون طعمة. وقال
لهم: انطلقوا معي إلى رسول الله:﴿ فقولوا له يَنْضَحُ عنِّي ويُكذِب حُجَّةَ
اليهودي(١)، فَأَتَوا رسول الله وَ﴿ فهَمَّ أنْ يفعل، فأنزلَ الله تعالى الآية، فلمَّا
فضَحَ الله تعالى طعمة بالقرآن هرَبَ حتى أَتَى مكةَ، فكفَرَ بعد إسلامه ونزل على
الحَجَّاجِ بنِ عِلاط السُّلَميِّ، فنقَبَ بيتَه وأرادَ أنْ يَسرقَه فسمع الحجاج خَشْخَشَةً في
بيته وقَعْقَعَةً جلودٍ كانت عنده، فنظر فإذا هو بطعمةً، فقال: ضَيفي وابنُ عمِّي،
وأردتَ أنْ تَسرقني؟! فأخرجه فمات بحَرَّة بني سُلَيم كافراً، وأنزل الله تعالى فيه:
﴿وَمَن يُشَاقِقِ﴾ إلخ.
وعن عكرمة أنَّ طعمة لمَّا نزل فيه القرآن ولَحِقَ بقريش، ورَجَع عن دينه وعدا
على مَشرُبةٍ للحجاج، سقط عليه حجر فلَحِج(٢)، فلمَّا أصبح أخرجوه من مكة،
فخرج فلقي رَكباً مِن قُضاعة فعرَض لهم، فقال(٣): ابنُ سبيل منقَطعٌ به، فحملوه
حتى إذا جنَّ عليه الليل عدا عليهم فسرقهم ثم انطلق، فرجعوا في طلبه فأدركوه
فقذفوه بالحجارة حتى مات.
وعن ابن زيد أنَّه بعد أنْ لَحِقَ بمكة نقَبَ بيتاً يسرقه، فهدمَه الله تعالى عليه
فقتله(٤).
وقيل: إنه أُخرجَ فركبَ سفينة إلى جدةَ، فسَرَق فيها كيساً فيه دنانير، فأخذ
وأُلقي في البحر.
هذا وفي تأكيد الحكم إيذانٌ بالاعتناء بشأنه، كما أنَّ في إسناد الإنزال إلى ضميرٍ
= ذكر في قصة أولاد أبيرق ... وأخرجه المستغفري من طريق ابن جريج فذكر القصة، وفيها :
فرمى بالدرع في دار أبي مليكة الخزرجي.
(١) في (م): اليهود.
(٢) لحج بالمكان: لزمه. التاج (لحج).
(٣) في الأصل و(م): فقالوا، والمثبت من تفسير الطبري ٤٦٩/٧، والدر المنثور ٢١٨/٢.
(٤) تفسير الطبري ٧/ ٤٦٤ - ٤٦٥ .

سُورَةُ الرَّسَكَّةِ
٢٧٢
الآية : ١٠٦
العظمة تعظيماً لأمر المسنّد، وتقديمُ المفعول الغيرِ صريحٍ للاهتمام والتشويق.
وقوله سبحانه: ﴿يَآلْحَقِّ﴾ في موضع الحال، أي: إنَّا أنزلنا إليك القرآن مُتلبّساً
بالحقِّ ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ بَرِّهم وفاجرِهم ﴿يِمَا أَرَكَ اَللَّهُ﴾ أي: بما عرَّفك
وأوحى به إليك.
و ((ما)) موصولة، والعائدُ محذوفٌ، وهو المفعول الأول لـ ((أَرَى))، وهي مِن
(رَأَى)) بمعنى عَرَف المتعديةِ لواحدٍ، وقد تَعدَّت لاثنين بالهمزة، وقيل: إنَّها مِن
الرأي مِن قولهم: رأى الشافعيُّ كذا. وجَعْلُها عِلْميَّةً يَقتضي التعدِّيّ إلى ثلاثةِ
مفاعيلَ، وحذفَ اثنين منها، أي: بما أراكَهُ الله تعالى حقًّا، وهو بعيدٌ، وأمَّا جَعْلُها
مِن ((رأى)) البصرية مجازاً، فلا حاجة إليه.
﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَآَيِنِينَ﴾ وهم بنو أُبيرق، أو طعمةُ ومَن يُعينه، أو هو ومَن يَسِيرُ
بسيرتّه، واللام للتعليل، وقيل بمعنى: عن، أي: لا تكن لأجلهم أو عنهم
﴿خَصِيمًا (٥َ﴾ أي: مُخاصماً للبُرآء. والنهيُ معطوفٌ على مقدَّرٍ يَنسحب عليه
النَّظْمُ الكريم، كأنَّه قيل: إنَّا أنزلنا إليك الكتاب فاحكم به ولا تكن، إلخ.
وقيل: عطفٌ على ((أنزلنا)) بتقدير: قلنا. وجُوِّز عطفُه على ((الكتاب)) لكونه
مُنْزَلاً، ولا يَخفَى أَنَّه خلافُ الظاهر جدًّا.
﴿وَأَسْتَغْفِرِ اللّهَ﴾ ممَّا قلتَ لقتادة، أو ممَّا همَمْتَ به في أمر طعمة وبراءته
الظاهر الحال. وما قاله وَّيه لقتادة، وكذا الهمُّ بالشيءٍ - خصوصاً إذا يظنُّ أنَّه الحقُّ -
ليس بذنبٍ حتى يستغفرَ منه، لكن لعظَم النبيِّ وَّهِ، وعِصمةِ الله تعالى له وتَنْزِيهِهِ
عمَّا يُوهم النقصَ وحاشاه أمرَه بالاستغفار؛ لزيادة الثواب، وإرشادِه إلى التثُّت،
وأنَّ ما ليس بذنبٍ ممَّا يكاد يُعدُّ حسنةً مِن غيره إذا صدّرَ منه عليه الصلاة والسلام
بالنسبة لعظمته ومقامه المحمودِ يوشكُ أنْ يكونَ كالذنب، فلا يُتَمسَّك بالأمر
بالاستغفار في عدم العصمة كما زعمه البعض.
وقيل: يحتمل أنْ يكون المراد: واستغفر لأولئك الذين برَّؤوا ذلك الخائن.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ مبالغاً في المغفرة والرحمة لِمَن استغفره،
وقيل: لِمَن استُغْفِرَ له.

الآية : ١٠٧ - ١٠٨
٢٧٣
سُورَةُ الْسَكَاءِ
﴿وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: يخونونها، وجُعلَت خيانة الغير
خيانةً لأنفسهم لأنَّ وَيَالها وضرَرَها عائدٌ عليهم. ويحتمل أنَّه جُعلت المعصيةُ
خيانةً، فمعنى ((يختانون أنفسهم)): يَظلمونها باكتساب المعاصي وارتكاب الآثام.
وقيل: الخيانةُ مجازٌ عن المضرَّة ولا بُعدَ فيه.
والمرادُ بالموصول: إما السارقُ، أو المودَعُ المُكافِرُ وأمثالهُ، وإمَّا هو ومَن
عاونه؛ فإنَّه شريكٌ له في الإثم والخيانة.
والخطاب للنبيِّ وَّه، وهو عليه الصلاة والسلام المقصودُ بالنهي، والنهيُّ عن
الشيءٍ لا يقتضي كون المنهيِّ مُرتكِباً للمنهيّ عنه، وقد يقال: إنَّ ذلك مِن قبيل:
﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، ومِن هنا قيل: المعنى: لا تُجادل أيها
الإنسان.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا﴾ كثيرَ الخيانة مُفْرِطاً فيها ﴿أَثِيمًا (®)﴾ مُنْهِمِكاً
في الإثم. وتعليقُ عدم المحبة المرادُ منه البغضُ والسخطُ بصيغة المبالغة، ليس
لتخصيصه، بل لبيان إفراط بني أُبيرق وقومِهم في الخيانة والإثم.
وقال أبو حيان: أَتّى بصيغة المبالغة فيهما، ليخرجَ منه مَن وقع منه الإثم
والخيانة مرَّةً، ومَن صدر منه ذلك على سبيل الغفلة وعدم القصد (١)، وليس بشيءٍ.
وأردف الخوَّان بالآثم، قيل: للمبالغة، وقيل: إنَّ الأول: باعتبار السرقة أو
إنكار الوديعة، والثاني: باعتبار تُهمة البريء، ورُوي ذلك عن ابن عباس .
وقُدِّمت صفة الخيانة على صفة الإثم؛ لأنَّها سببٌ له، أو لأنَّ وقوعَهما كان
كذلك، أو لتواخي الفواصل على ما قيل.
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: يَستترون منهم حياءً وخوفاً مِن ضررهم، وأصلُ
ذلك طَلَبُ الخفاء، وضميرُ الجمع عائدٌ على ((الذين يختانون)) على الأظهر.
والجملة مُستأنفة لا موضعَ لها من الإعراب، وقيل: هي في موضع الحال مِن
(من)).
(١) البحر ٣٤٤/٣.

سُورَةُ النَّسَاءِ
٢٧٤
الآية : ١٠٩
﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ الَهِ﴾ أي: لا (١) يستحيون منه سبحانه، وهو أحقُّ بأنْ يُستحَى
منه ويُخافَ مِن عقابه، وإنَّما فُسِّرَ الاستخفاء منه تعالى بالاستحياء؛ لأنَّ الاستتار
منه عزَّ شأنه محال، فلا فائدةً في نَفيه، ولا معنَى للذمِّ في عدمه، وذَكرَ بعضُ
المحقّقين أنَّ التعبير بذلك مِن باب المشاكلة.
﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ على الوجه اللائق بذاته سبحانه. وقيل: المرادُ: إنَّه تعالى عالمٌ
بهم وبأحوالهم فلا طريقَ إلى الاستخفاء منه تعالى سوَى تَركِ ما يؤاخِذُ عليه.
والجملةُ في موضع الحال من ضمير ((يستخفون)).
﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾ أي: يُدبِّرون، ولمَّا كان أكثرُ التدبير ممَّا يُبَيَّت عبَّر به عنه،
والظرفُ متعلِّقٌ بما تعلَّق به ما قبله، وقيل: متعلِّقٌ بـ ((يستخفون)).
﴿مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ مِن رَمْي البريءٍ وشهادة الزور، قال النيسابوري:
وتَسميةُ التدبير - وهو معنّى في النفس - قولاً لا إشكالَ فيها عند القائلين بالكلام
النفسيِّ، وأمَّا عند غيرهم فمجازٌ، أو لعلَّهم اجتمعوا في الليل ورتَّبوا كيفية المكر
فسمَّى الله تعالى كلامَهم ذلك بالقول المبيَّت، الذي لا يرضاه سبحانه(٢). وقد تقدَّم
لك في المقدِّمات ما ينفعك هاهنا فتذكر.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بعملهم، أو بالذي يعملونه من الأعمال الظاهرة
، أي: حفيظاً كما قال الحسن. أو عالماً لا يَعزُب عنه شيءٌ
١٠٨
والخافية ﴿مُحِيطًا (
ولا يفوت، كما قال غيره. وعلى القولَين الإحاطةُ هنا مجازٌ، ونَظَمها البعض في
سلك المتشابه .
﴿هَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ خطابٌ للذابِين مؤذِنٌ بأنَّ تعديد جناياتهم يوجب مُشافَهتَهم
بالتوبيخ والتقريع، والجملةُ مبتدأ وخبر، وقوله سبحانه ﴿جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْحَيَوةِ
اُلُّنْيَا﴾ جملةٌ مبيّنةٌ لوقوع ((أولاء)» خبراً، فهو بمعنَى المجادلين، وبه تَتُّ الفائدة.
ويجوزُ أنْ يكون ((أولاء)» اسماً موصولاً كما هو مذهب بعض النحاة في كلّ
اسم إشارةٍ و ((جادلتم)) صلتُه، فالحملُ حينئذٍ ظاهرٌ.
(١) في (م): ولا.
(٢) غرائب القرآن ٥/ ١٤٠.

الآية : ١١٠ - ١١١
٢٧٥
سُورَةُ المِسْكَاةِ
والمجادلةُ: أشدُّ المخاصمة، وأصلُها من الجَدْلِ: وهو شِدَّةُ الفتل، ومنه قيل
للصقر: أَجْدَل.
والمعنَى: هَبُوا أنَّكم بذلتُم الجهد في المخاصمة عمَّن أشارت إليه الأخبار في
الدنيا ﴿فَمَنْ يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ أي: فمَن يخاصمُه سبحانه عنهم يوم
لا يكتمون حديثاً، ولا يُغني عنهم مِن عذاب الله تعالى شيءٌ ﴿أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ﴾
يومئذٍ ﴿وَكِيلًا (٣)﴾ أي: حافظاً ومُحامياً مِن بأس الله تعالى وعقابه.
وأصلُ معنى الوكيل: الشخصُ الذي تُوكَلُ الأُمور له وتُسند إليه، وتفسيرُه
بالحافظ المُحامي مجازٌ مِن باب استعمال الشيء في لازم معناه.
و((أم)) هذه مُنقطعةٌ كما قال السمين، وقيل: عاطفةٌ كا نقله في ((الدر
المصون)»(١).
والاستفهام - كما قال الكرخي ـ في الموضعَين للنفي، أي: لا أحد يُجادل
عنهم ولا أحد یکون علیھم وکیلاً .
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ أي: شيئاً يَسوءُ به غيرَه، كما فعل بُشيرٌ برفاعة، أو طعمةُ
باليهودي ﴿أَوْ يَظلِم نَفْسَهُ﴾ بما يختصُّ به كالإنكار.
وقيل: السوء ما دونَ الشرك، والظلم الشرك.
وقيل: السوءُ الصغيرة، والظلمُ الكبيرةُ.
﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ بالتوبة الصادقةِ، ولو قبل الموت بيسير ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾
متفضِّلاً عليه، وفيه حتٌّ لِمَن فيهم نزلَت
لِمَا استغفره منه كائناً ما كان ﴿رَّحِيمًا
الآية من المذنبين على التوبة والاستغفار.
قيل: وتخويفٌ لِمَن لم يستغفر ولم يتُب بحسب المفهوم، فإنَّه يفيد أنَّ مّن لم
يستغفر حُرِم مِن رحمته تعالى وابتُلي بغضبه.
﴿وَمَن يَكْسِبْ﴾ أي: يفعل ﴿إِثْمًا﴾ ذنباً من الذنوب ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَ نَفْسِهِ﴾
(١) ٤/ ٨٧، ونقل القول بالعطف عن مكي، وتعقبه بقوله: وهو في محل نظر؛ لأن في المنقطعة
خلافاً: هل تسمى عاطفة أم لا؟.

سُورَةُ النَّسَاءِ
٢٧٦
الآية : ١١٢
بحيث لا يتعدَّى ضررُه إلى غيرها، فليحترز عن تعريضها للعقاب والوبال ﴿وَكَانَ اللَّهُ
عَلِيمًا﴾ بكلِّ شيءٍ ومنه الكسب ﴿حَكِيمًا (®﴾ في كلِّ ما قدَّر وقضَى، ومن ذلك
لا تَحْمِلُ وازرةٌ وِزْرَ أُخرَى.
وقيل: ((عليماً)) بالسارق ((حكيماً)) في إيجاب القطع عليه. والأول أولى.
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةٌ﴾ أي: صغيرة، أو مالا عَمْدَ فيه من الذنوب، وقرأ معاذ بن
جبل: ((يَكِسِّب)) بكسر الكاف والسين المشدَّدة(١)، وأصله يَكْتسب.
﴿أَوْ إِّمًا﴾ أي: كبيرةً، أو ما كان عن عمدٍ. وقيل: الخطيئةُ الشرك، والإثم
ما دونه. وفي ((الكشاف)): الإثم: الذنبُ الذي يَستحقُّ صاحبه العقاب، والهمزة فيه
بدلٌ من الواو، كأنه يَئِمُ الأعمال، أي: يكسرها بإحباطه(٢). وفي ((الكشف)): كأنَّ
هذا أصلُه، ثم استُعمل في مطلق الذنب في نحو قوله تعالى ﴿كَبَيْرَ الْإِمْ﴾
[الشورى: ٣٧]، ومِن هذا يُعلم ضعفُ ما ذكره صاحب القيل.
﴿ثُمَّ يَرِّ بِهِ﴾ أي: يقذف به ويُسنده، وتوحيدُ الضمير لأنَّه عائدٌ على أحد
الأمرين لا على التعيين، كأنه قيل: ثم يَرْمِ بأحدِ الأمرين.
وقيل: إنَّه عائدٌ على ((إثماً)) فإنَّ المتعاطفَين بـ ((أو)) يَجوز عودُ الضمير
فيما بعدهما على المعطوف عليه نحو ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَمْوَ أَنْفَضُوَاْ إِلَيْهَا﴾
[الجمعة: ١١] وعلى المعطوف نحو ﴿وَالَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾
[التوبة: ٣٤].
وقيل: إنَّه عائد على (٣) الكسب، على حدٍّ: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلنَّقْوَى﴾
[المائدة : ٨].
وقيل: في الكلام حذفٌ، أي: يَرمِ بها وبه.
و((ثم)) للتراخي في الرتبة، وقرئ: ((بهما))(٤).
(١) القراءات الشاذة ص٢٨، والبحر ٣٤٦/٣.
(٢) الكشاف ٣/ ٥٦٧ -٥٦٨.
(٣) في الأصل: إلى.
(٤) تفسير أبي السعود ٢٣٠/٢.

الآية : ١١٢
٢٧٧
سُورَةُ النِّسَاءِ
﴿بَرِيّنًا﴾ ممَّا رماه به ليُحمِّلَه عقوبته (١) العاجلة، كما فعل مَن عنده الدرعُ بلبيد بن
سهل، أو بأبي مليك.
﴿فَقَدِ أَحْتَمَلَ﴾ بما فَعَلَ مِن رَمْي البريءِ، وقَصْدِهِ تَحميل جريرته عليه، وهو
أبلغُ مِن حمل. وقيل: افتَعَلَ بمعنى: فَعَلَ كاقْتَدَر(٢) وقَدرَ.
﴿ُهْتَنًا﴾ وهو الكذب على الغير بما يُبْهَت منه ويُتحيّر عند سماعه لفظاعته.
وقيل: هو الكذب الذي يُتَخَيَّر في عِظَمه. والماضي: بَهَتَ، كـ: مَنَعَ، ويقال في
المصدر: بَهْتاً وبَهَتاً وبُهْتاً.
﴿وَإِثْمَا ◌ُّبِينًا (٨)﴾ أي: بيِّناً لامِرِيَةً فيه ولا خفاءً، وهو صفةٌ لـ ((إثماً)).
وقد اكتفى في بيان عِظَم البُهتان بالتنكير التفخيميِّ، على أنَّ وصفَ الإثم
بما ذكر بمنزلة وصف البهتان به؛ لأنَّهما عبارةٌ عن أمرٍ واحدٍ، هو رميُّ البريء
بجناية نفسه، وعبَّر عنه بهما تَهويلاً لأمره وتَفظيعاً لحاله، فمدارُ العِظَم والفخامةِ
كونُ المَرْميِّ به للرامي، فإنَّ رَمْيَ البريء بجنايةٍ ما - خطيئةً كانت أو إثماً - بهتانٌ
وإثمٌّ في نفسه، أمَّا كونه بهتاناً فظاهر، وأمَّا كونه إثماً؛ فلأنَّ كونَ الذنب بالنسبة إلى
مَن فَعَلَه خطيئةً، لا يلزم منه كونُه بالنسبة إلى مَن نسبه إلى البريء منه أيضاً كذلك،
بل لا يجوزُ ذلك قطعاً، كيف لا وهو كذبٌ محرَّمٌ في سائر الأديان، فهو في نفسه
بُهتانٌ وإثمٌ لا محالةَ، وبكونِ تلك الجنايةِ للرامي يَتضاعفُ ذلك شدَّةً ويزداد(٣)
قُبحاً، لكنْ لا لانْضِمَامِ جنايتهِ المكسوبة إلى رَمْي البريء، وإلا لكان الرميُّ بغير
جنايته مثلَه في العظم، ولا لمجرَّد اشتماله على تَبرِئَة نفسه الخاطئة وإلا لكان الرميُّ
بغير جنايته مع تبرِئَة نفسه مثلَه في العِظَم، بل لاشتماله على قَصْدِ تحميلٍ جنايتهِ على
البريء، وإجراء عقوبتها عليه، كما ينبئ عنه إيثارُ الاحتمال على الاكتساب ونحوه،
لمَا فيه مِن الإيذان بانعكاس تقديره، مع ما فيه مِن الإشعار بِثِقَلِ الوِزْرِ وصُعوبة
الأمر، على ما يقتضيه ظاهرُ صيغة الافتعال، نعم بما ذكر من انضمام كسبه وتبرئة
(١) في (م): عقوبة، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢/ ٢٣٠، والكلام منه.
(٢) في (م): فاقتدر، والمثبت من الأصل وهو الصواب.
(٣) في الأصل: ويزاد.

سُورَةُ المَسَحَّةِ
٢٧٨
الآية : ١١٣
نفسه إلى رَمْي البريء تزداد الجناية قُبحاً، لكنَّ تلك الزيادةَ وصفٌ للمجموع لا للإثم
فقط، كذا قاله شيخ الإسلام(١).
ولا يَخفَى أَنَّه أَولى ممَّا يُفهَم مِن ظاهرٍ كلام صاحب(٢) ((الكشاف» مِن أنَّ في
التنزيل لفَّا ونَشْراً غيرَ مرتَّب، حيث قال إِثْرَ قوله تعالى: ﴿فَقَدِ أَحْتَمَلَ﴾ إلخ: لأنَّه
بكَسْبِهِ الإثم آثمٌّ، وبرمْيِهِ البريءَ باهتٌ، فهو جامعٌ بينَ الأمرين(٣) = لخلوِّه عمَّا
يلزمه، وإنْ أُجيب عنه، فافهم.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ بإعلامِكَ بما هم عليه بالوحي، وتنبيهِك على
الحقِّ. وقيل: لولا فضلُه بالنبوة ورحمتُه بالعصمة. وقيل: لولا فضلُه بالنبوة
ورحمتُه بالوحي. وقيل: المرادُ: لولا حفظُه لك وحراستُه إياك.
﴿لَّنَت ◌َطَآئِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أي: مِن الذين يَختانون، والمراد بهم أُسير بنُ عروة
وأصحابُه، أو الذابُون عن طُعمة، المطّلعون على كُنْهِ القصة، العالمون بحقيقتها.
ويجوز أن يكونَ الضمير راجعاً إلى الناس، والمرادُ بالطائفة الذينَ انتصروا
للسارق، أو المودّع الخائن.
وقيل: المراد بهم وَفْد ثقيف، فقد روي عن جويبر عن الضحاك عن ابن
عباس ﴿يا: أنَّهم قَدِمُوا على رسول الله بِّهِ وقالوا: يا محمد، جئناك نُبايعُك على
أنْ لا نكسر أصنامنا بأيدينا، وعلى أنْ نَتمَّع بالعزَّى سنةً. فلم يُجبهم وَول
وعصمه الله تعالى من ذلك، فنزلَت(٤).
وعن أبي مسلم أنَّهم المنافقون همُّوا بما لم يَنالوا مِن إهلاك النبيِّ وَِّ،
فحفظه الله تعالی منهم وحرسَه بعين عنايته.
﴿أَن يُضِلُّوكَ﴾ أي: بأنْ يُضلوك عن القضاء بالحقِّ، أو عن اتباع ما جاءك في
(١) تفسير أبي السعود ٢٣١/٢.
(٢) قوله: صاحب، ليس في (م).
(٣) الكشاف ٥٦٣/١، وينظر حاشية الشهاب ١٧٦/٣.
(٤) مجمع البيان ٢٢٨/٥، وأخرجه ابن شبة في أخبار المدينة ٢/ ٥١٠-٥١١ مطولاً عن الكلبي
في سبب نزول الآية (٧٣) من سورة الإسراء.
٠

الآية : ١١٣
٢٧٩
سُورَةُ القَسَاءِ
أمر الأصنام، أو بأنْ يُهلكوك، وقد جاء الإضلال بهذا المعنى، ومنه ـ على ما قيل -
قولُه تعالى ﴿وَقَالُواْ أَوِذَا ضَلَّلْنَا فِ اْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠].
والجملة جواب ((لولا))، وإنَّما نَفَى همَّهم مع أنَّ المنفيَّ إنَّما هو تأثيرُه فقط؛
إيذاناً بانتفاء تأثيره بالكلِّية.
وقيل: المراد هو الهُّ المؤثِّر، ولا ريب في انتفائه حقيقةً.
٦
وقال الراغبُ(١): إنَّ القوم كانوا مسلمين ولم يَهمُّوا بإضلاله ◌َِّ أصلاً ،
وإنَّما كان ذلك صواباً عندهم وفي ظنّهم.
وجوَّز أبو البقاء أنْ يكونَ الجواب محذوفاً، والتقديرُ: ولولا فضلُ الله عليك
ورحمتُه لأضلَّوك، ثم استأنف بقوله سبحانه: ((لهمَّت))، أي: لقد همَّت بذلك(٢).
﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: ما يُزيلون عن الحقِّ إلا أنفسهم، أو:
ما يُهلكون إلا إياها؛ لعودٍ وبالِ ذلك وضررِه عليهم، والجملة اعتراضيةٌ، وقولُه
تعالى ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ﴾ عطف عليه، وعطفهُ على ((أنْ يُضلُّوكُ)) وهمّ محضّ.
و(مِن)) صلةٌ، والمجرور في محلِّ النصب على المصدريَّةِ، أي: وما يَضرُّونك شيئاً
مِن الضرر لمَا أنَّه تعالى عاصمُك عن الزَّيخ في الحكم، وأمَّا ما خطر ببالك فكان
عملاً منك بظاهر الحال ثقةً بأقوال القائلينَ، مِن غير أنْ يَخطرَ لك أنَّ الحقيقة على
خلاف ذلك. أو لمَا أنَّه سبحانه عاصمُك عن المُداهنة والميل إلى آراء المُلْحِدينَ
والأمرِ بخلاف ما أنزل الله تعالى عليك. أو لمَا أنَّه جلَّ شأنه وعَدَكَ العصمةً مِن
الناس وحَجَبَهم عن التمكّن منك.
﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: القرآن الجامعَ بين العنوانين. وقيل:
المراد بالحكمة السنَّة، وقد تقدَّم الكلامُ في تحقيق ذلك.
والجملةُ على ما قال الأجهوري في موضع التعليل لما قبلها، وإلى ذلك أشار
الطبرسي(٣)، وهو غيرُ مسلَّم على ما ذهب إليه أبو مسلم.
(١) كما في حاشية الشهاب ١٧٧/٣ .
(٢) الإملاء ٣٢٠/٢.
(٣) في مجمع البيان ٢٢٩/٥.

سُورَة النِّسَكَاةِ
٢٨٠
الآية : ١١٤
﴿وَعَلَّمَكَ﴾ بأنواع الوحي ﴿مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ﴾ أي: الذي لم تكن تعلمه مِن خفيَّات
الأمور وضمائر الصدور، ومِن جملتها وجوهُ إبطالٍ كيد الكائدين. أو: من أمور الدِّين
وأحكام الشرع، كما روي عن ابن عباس ﴾. أو: مِن الخير والشرِّ كما قال
الضَّّاكَ. أو: مِن أخبار الأوَّلين والآخِرِين كما قيل. أو: مِن جميع ما ذُكر كما يقال.
ومِن الناس مَن فسَّر الموصول بأسرار الكتاب والحكمة، أي: أنَّه سبحانه أنزلَ
عليك ذلك، وأظْلعَكَ على أسراره، وأَوْقفَكَ على حقائقه، فتكونُ الجملة الثانية
كالتتمَّة للجملة الأولى. واستَظْهَرَ في ((البحر)) العموم(١).
(٢)﴾ لا تحويه عبارةٌ ولا تحيطُ به إشارةٌ، ومِن
﴿وَكَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
ذلك النبوة العامَّة، والرياسةُ التامَّة، والشفاعةُ العظمَى يومَ القيامة.
﴿لَّا خَّرَ فِى كَثِيرٍ مِن ◌َّجْوَئِهُمْ﴾ أي: الذين يختانون. واختارَ جمعٌ أنَّ
الضمير للناس، وإليه يُشير كلام مجاهد.
والنجوى في الكلام كما قال الزجَّاج: ما يَتفرَّد به الجماعةُ أو الاثنان(٢). وهل
يُشترط فيه أنْ يكونَ سرًّا أم لا؟ قولان. وتكونُ بمعنَى التناجي.
وتُطلق على القوم المتناجين كـ ﴿وَإِ مُ تَخْرَى﴾ [الإسراء: ٤٧] وهو إمَّا مِن باب:
رجلٌ عَذْلٌ، أو على أنَّه جمعُ نَجِيٍّ كما نقله الكرماني.
والظرف الأول خبرُ ((لا))، والثاني في موضع الصفة للنكرة، أي: كائنٍ من
نجواهم.
﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ﴾ أي: إلا في نجوى مَن أمرَ ﴿بِصَدَقَةٍ﴾ فالكلامُ على حذفٍ
مضافٍ، وبه يتَّصل الاستثناء، وكذا إنْ أُريد بالنجوى المتناجون على أحد
الاعتبارَين، ولا يُحتاج إلى ذلك التقدير حينئذٍ، ويَكفي في صِحة الاتصال صحةٌ
الدخول وإنْ لم يجزم به، فلا يَرِدُ ما توقَّمه عصامُ الدين مِن أَنَّ مثل: جاءني كثيرٌ
مِن الرجال إلا زيداً، لا يصحُّ فيه الاتصال؛ لعدم الجزم بدخول زيد في الكثير،
ولا الانقطاع لعدم الجزم بخروجه.
(١) البحر ٣٤٧/٣.
(٢) في معاني القرآن ٢/ ١٠٤ .