النص المفهرس

صفحات 241-260

الآية : ٩٧
٢٤١
سُورَةُ الشَّاءِ
عُقدة هذا الأمرِ الذي أَخَلَّ بدينكم بالرحيل إلى قطرٍ آخرَ من الأرض تَقدرون فيه
على إقامة أمورٍ الدين، كما فعل مَن هاجر إلى الحبشةِ وإلى المدينة.
أو: إنَّ تعلُّلكم عن الخروج مع أعداء الله تعالى لِمَا يغيظُ رسولَهِ وَ﴿ بأنَّكم
مقهورون بين أولئك الأقوام غيرُ مقبولٍ؛ لأنكم بسبيلٍ من الخلاص عن قهرهم
مُتمگّنون من المهاجرة عن مجاورتهم، والخروج من تحت أیدیھم.
وَأَوْلَكَ﴾ الذينَ شُرِحَتْ حالُهم الفظيعةُ ﴿مَأْوَهُمْ﴾ أي: مسكنُهم في الآخرة
◌ٌ﴾ لتَزْكِهم الفريضةَ المحتومةَ، فقد كانت الهجرةُ واجبةً في صدر الإسلام.
وعن السُّدِّي كان يقول: مَن أَسلم ولم يُهاجر فهو كافرٌ حتى يُهاجر. والأصحُ
الأولُ(١). أو لنفاقهم وكُفرِهم ونُصرتهم أعداءَ الله تعالى على سيِّدِ أحبَّائه عليه
الصلاة والسلام. وعدمُ التقييد بالتأييد ليس نصًّا في العصيان بما دون الكفر،
وإنَّما النصُّ التقييد بعدمه.
واسم الإشارة مبتدأً أول، و((مأواهم)) مبتدأ ثانٍ، و((جهنم)) خبرُ الثاني،
وهما خبرُ الأول، والرابطُ الضمير المجرور، والمجموع خبرُ ((إنَّ»، والفاءُ لتضمُّن
اسمها معنى الشرط.
وقولُه سبحانه: ﴿قَالُواْ فِيَ كُنْ﴾ في موضع الحال من ((الملائكة))، و((قد) معه
مقدرةٌ في المشهور - وجَعْلُه حالاً من الضمير المفعول بتقدير ((قد)) أوَّلاً، و((لهم))
آخِراً، بعيدٌ - أو هو الخبر والعائدُ فيه محذوفٌ، أي: لهم، والجملةُ المصدَّرة بالفاء
معطوفةٌ عليه مُستَنْتَجَةٌ منه وممَّا في خبره.
ولا يصحُّ جعلُ شيءٍ من ((قالوا)» الثاني والثالثِ خبراً؛ لأنَّه جوابٌ ومُراجَعةٌ،
فمَن قال: لو جُعل ((قالوا)) الثاني خبراً لم يَحْتَجْ إلى تقديرِ عائدٍ، فقد وَهِمَ.
وقيل: الخبر محذوفٌ تقديرُه: هلكوا ونحوه.
(١) يعني القول بأنهم مسلمون ولكنهم تركوا فريضة، وهي الهجرة، وذكر ابن عطية في المحرر
الوجيز ٩٩/٢: أن الذي تقتضيه الأصول أن مَن ارتدَّ من أولئك كافرٌ ومأواه جهنم على جهة
الخلود، ومن كان مؤمناً فمات بمكة ولم يهاجر، أو أخرج كرهاً فقتل فإنما هو عاص في
ترك الهجرة، ومأواه جهنم دون خلود.

سُورَةُ السَكَاةِ
٢٤٢
الآية : ٩٨
و(تهاجروا)) منصوبٌ في جواب الاستفهام. وقوله تعالى: ﴿وَسَآءَتْ﴾ مِن باب
بئس، أي: بئسَتْ ﴿مَصِيًّا (®﴾، والمخصوصُ بالذمِّ مقدَّرٌ، أي: مصيرُهم، أو جهنّم.
واستَدلَّ بعضُهم بالآية على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكّن الرجل فيه مِن
إقامة دينه، وهو مذهب الإمام مالك، ونَقَّل ابنُ العربي وجوبَ الهجرةِ من البلاد
الوبيئة أيضاً(١). وفي كتاب ((الناسخ والمنسوخ)) أنَّها كانت فرضاً في صدر الإسلام
فنُسخَت وبقي ندبُها(٢)، وأخرج الثعلبي من حديث الحسن مرسلاً: (مَن فرَّ بدينه مِن
أرضٍ إلى أرضٍ وإنْ كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة، وكان رفيقَ أبيه
إبراهيم ونبِّه محمد نَا﴾(٣) وقد قدَّمنا لك ما يَنفعك هنا فتذكَّر.
﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ استثناءٌ مُنقطعٌ؛ لأنَّ الموصول وضمائرَه والإشارةَ إليه
بأولئك لِمَن توقَّته الملائكة ظالماً لنفسه، فلم يَنْدرِجْ فيهم المستضعفون المذكورون.
وقيل: إنَّه مُتَّصلٌ، والمستثنَى منه: ((أولئك مأواهم جهنم)). وليس بشيءٍ.
أي: إلا الذين عَجزُوا عن الهجرة وضَعفُوا ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ كعيَّاش بن أبي ربيعة
وسَلَمةَ بنِ هشام والوليد بنِ الوليد ﴿وَلِّسَاءِ﴾ كأمِّ الفضل لُبابة بنتِ الحارث أمّ
عبد الله بن عباس وغيرها ﴿وَآلْوِلْدَنِ﴾ كعبد الله المذكور وغيرِه ◌ِ﴿ه (1).
والجارُّ حالٌ من ((المستضعفين))، أو مِن الضمير المستتر فيه، أي: كائنين مِن
هؤلاء.
وذكر الولدان للقصد إلى المبالغة في وجوب الهجرة والأمرِ بها، حتى كأنَّها
ممَّا كُلِّف بها الصغار.
أو يُقال: إنَّ تكليفَهم عبارةٌ عن تكليف أوليائهم بإخراجهم من ديار الكفر.
(١) حاشية الشهاب ١٧١/٣، وينظر أحكام القرآن لابن العربي ٤٨٥/١. وجاء في حاشية
الأصل: لم أقف على وجوب الهجرة من البلاد الوبية في قول.
(٢) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار الحازمي ص ٤٨٢.
(٣) تفسير الثعلبي ٣٧٢/٣ و٢٨٨/٧.
(٤) أخرج البخاري (٤٥٨٨) عن ابن أبي مليكة، أن ابن عباس تلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ
وَلِسَآءِ وَالْوِلْدَنِ﴾ قال: كنت أنا وأمي ممَّن عَذَر الله.

الآية : ٩٩ - ١٠٠
٢٤٣
سُورَةُ الشَّةِ
أو المرادُ(١) بهم المراهقون، أو مَن قرُبَ عهدُه بالصغر مجازاً كما مرَّ في
اليتامى.
أو أنَّ المرادَ التسويةُ بين هؤلاء في عدم الإثم والتكليف.
أو أنَّ العجزَ يَنبغي أنْ يكون كعجز الولدان.
أو المرادُ بهم العبيدُ والإماء.
سَپیلا
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ﴾ أي: لا يَجدون أسبابَ الهجرةِ ومباديها ﴿وَلَا يَّهْتَدُونَ
أي: ولا يعرفون طريقَ الموضعِ المهاجر إليه بأنفسهم أو بدليل.
٩٨
والجملةُ صفةٌ لِمَا بعدَ ((مِن))، أو للمستضعَفين لأنَّ المرادَ به الجنسُ سواءٌ كانت
(أل)) موصولةً أو حرفَ تعريفٍ، وهو في المعنَى كالنكرة، أو حالٌ منه، أو من
الضمير المستتر فيه، وجُوِّز أنْ تكون مستأنفَةً مُبيِّنَةً لمعنى الاستضعاف المراد هنا.
﴿فَأُوْلَكَ﴾ أي: المستضعفون ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ فيه إيذانٌ بأنَّ تَرْك
الهجرة أمرٌ خطير حتى إنَّ المضطر الذي تحقَّق عدمُ وجوبها عليه ينبغي أنْ يَعُدَّ
تركها ذنباً ولا يأمن، ويَترصَّد الفُرصة ويُعلِّق قلبه بها .
تذييلٌ مقرِّر لِمَا قبله بأتمٌّ وجهٍ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا
٩٩,
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَغَمًا كَثِرًا﴾ ترغيبٌ في المُهَاجَرةِ وتأنيسٌ
لها، والمرادُ مِن ((المُرَاغَم)»: المتحوَّل والمُهاجَر، كما رُوي ذلك عن ابن عباس
والضحاك وقتادة، وغيرِهم، فهو اسمُ مكان، وعبَّر عنه بذلك تأكيداً للترغيب؛ لما
فيه مِن الإشعار بكون ذلك المتحوَّل الذي يجدُه يَصلُ فيه المُهاجِر إلى ما يكون سبباً
لِرَغْمِ أنفٍ قومه الذين هاجَرَهم.
وعن مجاهد أنَّ المعنَى: يجد فيها مُتزخْزَحاً عمَّا يكرَه.
وقيل: متَّسَعاً ممَّا كان فيه من ضِيْق المشركين.
وقيل: طريقاً يُراغِمُ بسلوكه قومَه، أي: يُفارقُهم على رَغْم أنوفهم.
(١) في الأصل: وإن كان المراد، وفي (م): وأن المراد، والمثبت من حاشية الشهاب ١٧١/٣،
والكلام منه.

سُورَةُ المَشْكَاةِ
٢٤٤
الآية : ١٠٠
والرَّغْمُ: الذلُّ والهوانُ، وأصلُه: لصوقُ الأنفِ بالرَّغام وهو التراب. وقرئ:
(مَرْغَمَا))(١).
﴿وَسَمَةَّ﴾ أي: مِن الرزق، وعليه الجمهور. وعن مالك: سَعَةً مِن البلاد.
﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاِرً إِلَى الَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُبَّ يُدْرِكُهُ الْوَتُ﴾ أي: يَحلُّ به قبل أنْ
يصلَ إلى المقصد، ويحظّ رحال التسيار، بل وإنْ كان ذلك خارجَ بابه كما يُشعر به
إيثار الخروجِ من بيته على المُهاجَرة، و((ثم)) لا تأبى ذلك كما ستعرفه قريباً إنْ
شاء الله تعالى. وهو معطوفٌ على فعل الشرط.
وقرئ: ((يدركُه)) بالرفع، وخرَّجه ابنُ جنِّي - كما قال السمين(٢) - على أنَّه فعلٌ
مضارعٌ مرفوعٌ للتجرُّد من الناصب والجازم، والموتُ فاعله، والجملةُ خبرٌ لمبتدأ
محذوفٍ، أي: ثم هو يدركُه الموت، وتكون الجملةُ الاسمية معطوفةً على الفعلية
الشرطية، وعلى ذلك حَمَل يونس قول الأعشَى:
أَوْ تَثْزِلونَ فإنَّا مَعشَرٌ نُزُل(٣)
إِنْ تَرْكَبوا فَرِكُوبُ الخَيلِ عادَتُنا
أي: أو أنتم تنزلون. وتكونُ الاسمية حينئذٍ كما قال بعض المحقّقين(٤): في
محلٌّ جزمٍ وإنْ لم يَصَّ وقوعُها شرطاً؛ لأنَّهم يتسامحون في التابع، وإنَّما قدَّروا
المبتدأ ليصحَّ رفعُه مع العطف على الشرط المضارع.
وقال عصامُ الملَّة: يَنبغي أنْ يُعلم أنَّه على تقدير المبتدأ يَجب جعلُ ((مَن)
موصولةً؛ لأنَّ الشرطَ لا يكون جملةً اسميةً، ويكون ((يخرج)) أيضاً مرفوعاً، ويَرِدُ
عليه حينئذٍ أنَّه لا حاجةً إلى تقدير المبتدأ، فالأولى أنَّ الرفع بناء على توقُّم رفع
(خرج))؛ لأنَّ المقام مِن مظانِّ الموصول، ولا يَخفَى أنَّه خبطٌ وغفلةٌ عمَّا ذَكروا.
(١) القراءات الشاذة ص٢٨، والمحتسب ١٩٥/١.
(٢) في الدر المصون ٢٨٢/٤، وكلام ابن جني في المحتسب ١٩٥/١، ونقله المصنف
عنهما بواسطة الشهاب في الحاشية ٣/ ١٧١ .
(٣) ديوان الأعشى ص١٤٩، والكتاب ٥١/٣، والمحتسب ١٩٥/١، والبحر ٣٣٦/٣، والدر
المصون ٨٢/٤، وحاشية الشهاب ١٧١/٣، ورواية الديوان: قالوا الركوب فقلنا تلك
عادتنا ...
(٤) هو الشهاب في الحاشية ١٧١/٣ .

الآية : ١٠٠
٢٤٥
سُورَةُ السَكَاةِ
وقيل: إنَّ ضمَّ الكاف منقولٌ من الهاء، كأنَّه أراد أنْ يقفَ عليها ثمَّ نقل حركتَها
إلی الکاف کقوله:
عَجِبتُ والدهرُ كثيرٌ عَجَبُهْ
مِن عَنَزِيِّ سَبَّنِي لَمْ أَضرِبُهُ(١)
وهو كما في ((الكشف)) ضعيفٌ جدًّا لإجراء الوصل مجرَى الوقف، والنقلِ
أيضاً، ثم تحريكِ الهاء بعد النقل بالضمِّ وإجراءِ الضمير المتَّصل مجرَى الجزء من
الكلمة، والبيتُ ليس فيه إلا النقلُ وإجراءُ الضمير مجرى الجزء.
وقرأ الحسن: ((يدركَه)) بالنصب(٢)، وخرَّجه غيرُ واحدٍ على أنَّه بإضمار ((أنْ))،
نظير ما أنشده سيبويه من قوله:
سأترُكُ مَنْزلِي لبني تَمِيمٍ
وأَلحَقُ بالحجاز فأستَرِيحا (٣)
ووجهُهُ فيه أنَّ ((سأترك)) مستقبلٌ مطلوبٌ فجُرِّي مجرَى الأمرِ ونحوه، والآيةُ
لكون المقصود منها الحثَّ على الخروج، وتقدَّم الشرط الذي هو شديدُ الشَّبه بغير
الموجب = کانت أقوی مِن البيت.
وذكرَ بعضُ المحققين أنَّ النصب في الآية جَوَّزه الكوفيون؛ لِمَا أنَّ الفعلَ
الواقع بين الشرط والجزاء يَجوز فيه الرفعُ والنصبُ والجزمُ عندهم إذا وقع بعد
الواو والفاء، كقوله:
ومَنْ لا يُقدِّمْ رجلَهُ مُظْمَئِنَّةً
فيُثْبِتها في مُستوى القاعِ يَزْلَقِ (٤)
(١) البيت لزياد الأعجم، وهو في ديوانه ص٦٩، والكتاب ٤/ ١٨٠، والكشاف ٥٥٨/١. ووقع
في (م): يسبني.
(٢) المحتسب ١٩٥/١ .
(٣) الكتاب ٣٩/٣، والمحتسب ١٩٧/١، والكشاف ٥٥٨/١، والخزانة ٥٢٢/٨، قال
البغدادي: لم يعزه أحد من خدمة كتاب سيبويه إلى قائل معين، ونسبه العيني وتبعه السيوطي
في أبيات المغني [٤٧٩/١] إلى المغيرة بن حبناء الحنظلي التميمي، وقد رجعت إلى ديوانه
- وهو صغیر - فلم أجده فيه.
(٤) البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في ديوانه ص ٢٥٠، ونسبه سيبويه في الكتاب ٨٩/٣
لكعب بن زهير، وهو دون نسبة في البحر ٣٣٧/٣، والدر المصون ٨١/٤، وحاشية
الشهاب ١٧١/٣ .

سُورَةُ النَشَكَاةِ
٢٤٦
الآية : ١٠٠
وقاسوا عليهما ((ثم))، فليس ما ذُكر في البيت نظيرَ الآية.
وقيل: مِن عَظْفِ المصدر المتوهّم على المصدر المتوهّم، مثل: أَكرمْني
وأُكرمْك، أي: ليكن منك إكرامٌ ومَنِّي.
والمعنى: مَن يَكُن منه خروجٌ مِن بيته وإدراكُ الموتِ له ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّهِ﴾
أي: وجب بمُقتضَى وعْدِه وفضله، وهو جوابُ الشرط.
وفي مقارنة هذا الشرطِ مع الشرط السابقِ الدلالةُ على أنَّ المُهاجِرَ له إحدَى
الحُسنَيَينِ إِمَّا أنْ يُرغِمَ أنفَ أعداء الله ويُذلَّهم بسبب مفارقته لهم واتِّصاله(١) بالخير
والسَّعَة، وإمَّا أنْ يُدركَه الموت ويَصل إلى السعادة الحقيقيةِ والنعيمِ الدائم.
وفي الآية ما لا يَخْفَى مِن المبالغة في الترغيب، فقد قيل: كان مُقْتضَى
الظاهر: ومَن يُهاجر إلى الله ورسوله ويَمُتْ يُئِبْه، إلا أنَّه اختير ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ،
مُهَاِرًا﴾ على ((ومَن يُهاجِرْ)) لِمَا أشرنا إليه آنفاً.
ووضع ((يدركه الموت)) مَوضع: يَمُتْ، إشعاراً بمزيد الرِّضا مِن الله تعالى، وأنَّ
الموتَ كالهدية منه سبحانه له؛ لأنَّه سببٌ للوصول إلى النعيم المقيم الذي لا يُنالُ
إلا بالموت، وجيءَ بـ ((ثم)) بدل الواو تَتْميماً لهذه الدقيقة، وأنَّ مرتبةً الخروج دون
هذه المرتبة.
وأقيم ((فقد وقع أجرُه على الله)) مقامَ يُثِيْه، لمَا أنَّه مُؤذِنٌ باللزوم والثبوت، وأنَّ
الأجر عظيمٌ لا يقادَر قدرُه ولا يُكتَنه كنهُهُ؛ لأنَّه على الذات الأقدس المسمَّى بذلك
الاسم الجامع.
وعن الزمخشريِّ: أنَّ فائدة ((ثم يدركه)) بيانُ أنَّ الأجرَ إنَّما يستقرُّ إذا لم يحبط
العملُ [حتى جاء] الموت(٢).
واختلف فيمَن نزلت؛ فأخرج ابن جرير عن ابن جبير أنَّها نزلَت في جندب بن
ضمرة، وكان بَلَغَه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَتَبَكَةُّ ◌َظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية وهو
(١) في (م): واتصالهم، وهو تصحيف.
(٢) ذكره عن الزمخشري الطيبي في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية، وما بين
حاصرتين منه .

الآية : ١٠٠
٢٤٧
سُورَةُ السَّةِ
بمكة حينَ بعَثَ بها رسولُ اللهِوَّهِ إلى مسلميها، فقال لبنيه: احملُوني فإنَي لستُ
مِن المستضعفين، وإني لأهتدي الطريق، وإنِّي لا أبيت الليلة بمكة، فحملوه على
سريرٍ مُتوجّهاً إلى المدينة وكان شيخاً كبيراً، فمات بالتنعيم، ولمَّا أَدركَه الموت
أَخذَ يَصْفِقُ يَمينه على شماله ويقول: اللهم هذه لك وهذه لرسولك وَّةِ، أُبايعك
قالوا : ليته مات
على ما بايع عليه رسولك. ولمَّا بلغ خبرُ موته الصحابةَ
بالمدينة. فنزلت(١).
ورَوى الشعبيُّ عن ابن عباسٍ ﴿يَا أنَّها نزلت في أكثم بن صيفي، لمَّا أسلم
(٢)
ومات وهو مهاجر
وأخرج ابنُ أبي حاتم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير: أنَّها نزلت
في خالد بن حزام، وقد كان هاجرَ إلى الحبشة فنهشتُهُ حيَّةٌ في الطريق فمات(٣).
ورُوي غيرُ ذلك، وعلى العلات فالمرادُ عمومُ اللفظ لا خصوصُ السبب.
وقد ذَكَر أيضاً غيرُ واحدٍ أنَّ مَن سار لأمرٍ فيه ثواب، كطلب علمٍ وحجِّ،
وكسبٍ حلالٍ، وزيارة صديقٍ وصالحٍ، ومات قبل الوصول إلى المقصد، فحُكْمه
كذلك، وقد أخرج أبو يعلَى والبيهقيّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((مَن
خرج حاجًّا فمات كُتبَ له أجرُ الحاجّ إلى يوم القيامة، ومَن خرج معتمراً فمات
كُتب له أجرُ المعتمر إلى يوم القيامة، ومَن خرج غازياً في سبيل الله تعالى فمات
كُتب له أجرُ الغازي إلى يوم القيامة))(٤).
واحتجَّ أهلُ المدينة بالآية على أنَّ الغازي إذا مات في الطريق وجب سهمُه في
الغنيمة، والصحيحُ ثبوتُ الأجر الأخروي فقط.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ مُبالغاً في المغفرة، فيَغفرُ له ما فَرَطَ منه من الذنوب التي مِن
(١) بنحوه في تفسير الطبري ٧/ ٣٩٣-٣٩٧ عن سعيد بن جبير وجمع، واختلف في تلك الأخبار
في اسم الرجل الذي هاجر، ولفظ الخبر نقله المصنف من تفسير أبي السعود ٢٢٤/٢.
(٢) أخرجه أبو حاتم السجستاني في كتاب المعمَّرين كما في الدر المنثور ٢٠٧/٣.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ١٠٥٠، قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: هذا الأثر غريب جدًّا.
(٤) مسند أبي يعلى (٦٣٥٧)، وشعب الإيمان (٤١٠٠). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٨٣/٥:
فیه ابن إسحاق وهو مدلس وبقية رجاله ثقات.

سُورَةُ التَشَكَّة
٢٤٨
التفسير الإشاري (٩٢-١٠٠)
جملتها القعودُ عن الهجرة إلى وقت الخروج ﴿رَّحِيمًا ﴾ مُبالغاً في الرحمة،
فیرحمه سبحانه بإکمال ثواب هجرته ونيّته.
ومن باب الإشارة في بعض ما تقدَّم من الآيات: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ أي:
وما يَنبغي لمؤمنِ الروحِ ﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ وهو مؤمنُ القلب ﴿إِلَّا﴾ أنْ يكون قَتْلاً
﴿خِطْئًا﴾، وذلك إنَّما يكون إذا خَلُصت الروح مِن حُجب الصفات البشرية، فإذا
أرادت أنْ تتوجَّه إلى النفس أنوارُها لتُميتَها وقعَ تجلِّيها على القلب، فخرَّ صَعِقاً من
ذلك التجلِّي، ودَّ جبلَ النفس دًّا، فكان قتله خطأً؛ لأنَّه لم يكن مقصوداً .
﴿وَمَنْ قَثَلَ﴾ قلباً ﴿مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وهي رقبةُ السرِّ الرُّوحانيّ،
وتحريرُها إخراجُها عن رقِّ المخلوقات ﴿وَدِيَةٌ تُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ تُسلِّمُها العاقلة
وهي الألطافُ الإلهية إلى القوى الروحانيَّة، فيكونُ لكلٍّ منهما حقٌّ مِن الأخلاق
الربانية ﴿إِلََّ أَنْ يَضَدَّفُوا﴾ وذلك وقت غنائهم بالفناء بالله تعالى.
﴿فَإِن كَانَ﴾ المقتول بالتجلِّي ﴿مِن قَوْمٍ عَدُوِّ لَّكُمْ﴾ بأنْ كان مِن قوى النفس
الأمَّارة ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٌ﴾ وهي رقبةُ القلب، فيُطلقُه من وثاق
رقٌ حُبِّ الدنيا والميل إليها، ولا ديةً في هذه الصورة لأهل القتيل.
﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِِّثَقٌّ﴾ بأنْ كان من قوى النفس القابلة
للأحكام الشرعية ظاهراً والمهادِنةِ للقلب ﴿فَدِيَةٌ مُلَّمَةُ﴾ واجبةٌ على عاقلة
الرحمة ﴿إِلَّ أَهْلِهِ﴾ أي: أهل تلك النفس من الصفات الأخر ﴿وَتَحْرِثُ رَقَبَةٍ
مُؤْمِنَةٌ﴾ وهي رقبةُ الروح، وتحريرُها إفناؤها وإطلاقُها عن سائر القيود.
﴿فَ لَّمْ يَهِدْ﴾ رقبةً كذلك بأنْ كانت روحُه محرَّرةً قبلُ ﴿فَصِيَامُ شَهْرِنِ
مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: فعليه الإمساكُ عن العاديَّات وتَرْكُ المألوفات ستِّينَ يوماً، وهي
مقدار مدةِ الميقات الموسوي ونصفُها رجاءً أنْ يحصلَ له البقاء بعد الفناء.
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَيِّدًا فَجَزَّآؤُهُ جَهَنَّهُ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ النفس إذا
قتلت القلب واستولَت عليه، بقيتْ مُعذَّبة في نيران الطبيعة، مُبْعَدةً عن الرحمة،
مَظْهَراً لغضب الله تعالى.

التفسير الإشاري (٩٢ -١٠٠)
٢٤٩
سُورَةُ المَسَكَاةِ
﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِي سَبِيلِ الَّهِ﴾ الإرشاد عباده ﴿فَتَبَنَّوْاْ﴾ حالَ المُريدِ
في الردِّ والقبول ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ
الحيوةِ آلُّنيا﴾ أي: لا تُنفِّروا من استسلم لكم وأسلم نفسه بأيديكم لترشدوه،
فتقولوا له: لستَ مؤمناً صادقاً لتعلُّق قلبك بالدنيا، فسلّم ما عندك مِن حُطامها لِيَخلو
قلبك لربِّك وتَصلُح لسلوك الطريق ﴿فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ للسالكين إليه فإذا
حَظِيَ بها السالك تَركَ لها ما في يده من الدنيا، وأَعرَض قلبه عن ذلك.
﴿ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنشَّ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ قَتَبَيَّنُواْ﴾ أي: مثل هذا المريد
كنتم أنتم في مبادي طلبكم وتسليم أنفسكم للمشايخ، حیث کان لكم تعلٌُّ بالدنيا ،
فمنَّ الله عليكم بعد السلوك بتلك المغانم الكثيرة التي عنده، فأنساكم جميعَ ما في
أيديكم، وفَطَّمَ قلوبكم عن الدنيا بأسرها، فقيسوا حال مَن يُسْلِم نفسَه إليكم
بحالكم، لتعلموا أنَّ الله سبحانه بمقتضى ما عوَّد المتوجِّهين إليه، الطالبين له،
سَيَمُنُّ على هؤلاء بما مَنَّ به عليكم، ويُخرج حُبَّ الدنيا مِن قلوبهم بأحسن وجهٍ،
كما أخرجه من قلوبكم.
والحاصل: أنَّه لا ينبغي أنْ يُقال لِمَن أراد التوجُّهَ إلى الحقِّ جلَّ وعلا من
أرباب الدنيا في مبادي الأمر: اترُك دنياك واسلُك؛ لأنَّ ذلك ممَّا يُنفِّره ويَسدُّ بابٌ
التوجُّهِ عليه؛ لشدَّة تركِ المحبوب دفعةً واحدةً، ولكنْ يُؤمر بالسلوك ويكلَّف مِن
الأعمال ما يُخْرِجُ ذلك عن قلبه، لكنْ على سبيل التدريج.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ بمنعها عن حقوقها التي اقتضتها
استعداداتُهم مِن الكمالات المودَعة فيها ﴿قَالُواْ فِيَ كُنْ﴾ حيث قعدتُم عن السعي
وفرَّظْتُم في جنب الله تعالى، وقصَّرتُم عن بلوغ الكمال الذي نُدبتُم إليه ﴿قَالُوا كُنّ
مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضَِّ﴾ أي: أرضٍ الاستعداد باستيلاء قوى النفس الأمّارة، وغلبةٍ
سلطان الهوى وشيطانِ الوهم.
﴿قَالُواْ أَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةٌ فَنُهَاجِرُواْ فِهَا﴾ أي: ألم تكنْ سعةُ استعدادكم بحيثُ
تهاجروا فيها مِن مبدأ فطرتكم إلى نهاية كمالکم، وذلك مجال واسعٌ، فلو تحرکثُم
وسرتُم بنور فطرتكم خطواتٍ يسيرةً، بحيثُ ارتفعَتْ عنكم بعضُ الحُجُب، انطلقتم
عن أَسْرِ القوى، وتخلَّصتُم عن قيود الهوى، وخرجتُم عن القرية الظالمِ أهلُها، التي

سُورَةُ الْقِسْكَاةِ
٢٥٠
التفسير الإشاري (٩٢ -١٠٠)
هي مكةُ النفس الأمّارة إلى البلدةِ الطيبة، التي هي مدينةُ القلب.
وإنّما نَسبَ سبحانه وتعالى هنا التوفِّيَ إلى الملائكة؛ لأنَّ التوفِّيَ، وهو استيفاءُ
الروح من البدن بقبضها عنه على ثلاثة أوجه: توفِّي الملائكة، وتوفِّي ملك الموت،
وتوفّي الله تعالى :
فأمَّا توفّي الملائكة فهو لأرباب النفوس، وهم إمَّا سعداء وإمّا أشقياء.
وأمَّا توفِّي ملك الموت فهو لأرباب القلوبِ الذين برزوا عن حجاب النفس إلى
مقام القلب.
وأمَّا توفّي الله تعالى فهو للموحِّدين الذين عُرِجَ بهم عن مقام القلب إلى محلِ
الشهود، فلم يَبْقَ بينهم وبين ربِّهم حجابٌ، فهو سبحانه يَتولَّى قبضَ أرواحهم بنفسه،
ويحشرُهم إلى نفسه عزَّ وجل.
ولمَّا لم يكن هؤلاء الظالمين مِن أحدِ الصنفَين الأخيرين، نَسب سبحانه توفِيهم
إلى الملائكة، وقيَّد ذلك بحال ظلمهم أنفسَهم ﴿فَأُوْلَكَ مَأْوَهُمْ جَهَنٌَّ﴾ الطبيعةِ
﴿وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ لِمَا أنَّ نار البعد والحجاب فيها(١) موقدة.
﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْرِّجَالِ﴾ وهم كما قال بعض العارفين: أقوياء الاستعداد
الذين قويتْ قواهم الشَّهْويةُ والغَضَبيةُ، مع قوة استعدادهم، فلم يقدروا على قَمعها
في سلوك طريق الحقِّ، ولم يُذعنوا لقواهم الوهميَّةِ(٢) والخيالية، فَيُبِطِلُوا
استعدادَهم بالعقائد الفاسدة، فبقُوا في أَسْرِ قواهم البدنيَّةِ مع تنوُّرِ استعدادهم بنور
العلم، وعجزِهم عن السلوك برفع القيود.
﴿وَلِّسَآءِ﴾ أي: القاصرين الاستعدادَ عن دَرْك الكمال العلمي، وسلوك طريق
التحقيق، الضعفاء القوى(٣)، قيل: وهم البُلهُ المذكورون في خبر: ((أكثرُ أهلِ الجنَّةِ
البُلْهُ))(٤).
(١) في (م): بها.
(٢) في (م): الوهبية، والمثبت من الأصل وتفسير ابن عربي ١٧٦/١.
(٣) في تفسير ابن عربي: القوى والأحلام.
(٤) أخرجه البزار (١٩٨٣ - كشف)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢٩٨٢)، وابن عدي في
=

الآية : ١٠١
٢٥١
سُؤَةُ النَّسَاءِ
﴿وَالْوِلَّنِ﴾ أي: القاصرين عن بلوغ درجةِ الكمال لفترةٍ تَلْحَقُهم من قِبَل صفات
النفس ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ﴾ لعدم قدرتهم وعجزهم عن كَسْرِ النفس وقَمْعِ الهوى
﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ لعدم علمهم بكيفية السلوك.
﴿فَأُوْلَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ بمحو تلك الهيئات المظلمة لعدم رسوخها
وسلامة عقائدهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًا﴾ عن الذنوب ما لم تَتَغيَّر الفطرة ﴿غَفُورًا﴾.
يستر بنور صفاته صفاتٍ النفوس القابلة لذلك.
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن مقارِّ النفس المألوفة ﴿يَجِدْ فِى الْأَرْضِ﴾ أي: أرض
استعداده ﴿مُرَغَمَا كَثِيرًا﴾ أي: مَنازِلَ كثيرةً يُرغِمُ فيها أُنوفَ قوى نفسه ﴿وَسَمَةٌ﴾ أي:
انشراحاً في الصدر بسبب الخلاص من مضايق صفاتِ النفس وأسر الهوى.
﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ﴾ أي: مقامه الذي هو فيه ﴿مُهَاجِرً إِلَى اللَّهِ﴾ بالتوجُّه إلى
توحيد الذات ﴿وَرَسُولِهِ﴾ بالتوجه إلى طلب الاستقامة في توحيد الصفات ﴿ثُمَّ يُدْرِكُهُ
اٌلْوَتُ﴾ أي: الانقطاعُ ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُ عَلى اللّهُ﴾ حَسْبَما توجَّه إليه ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
زَّحِيمًا﴾ فيستر بصفاته صفاتٍ مَن توجَّه إليه، ويرحمُ مَن انقطع دون الوصول بما هو
أهله، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
ثم إنَّه سبحانه بعد أنْ أمرَ بالجهاد ورَغَّب في الهجرة، أَردَفَ ذلك ببيان كيفية
الصلاة عند الضرورات مِن تخفيف المؤنة ما يؤكّد العزيمةً على ذلك، فقال سبحانه
وتعالى: ﴿وَإِذَا ضَُّمْ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ أي: سافرتُم أيَّ سفرٍ كان، ولذا لم يقيِّد بما قيَّد به
المُهاجَرة، والشافعيُّ رَُّهِ يَخصُّ السفرَ بالمباح كسفر التجارة، والطاعةِ كسفر
الحج، ويُخرِجُ سفر المعصية كقطع الطريق والإباق، فلا يُثبتُ فيه الحكم الآتي؛
لأنَّه رُخصةٌ، وهي إنما ثبتت (١) تخفيفاً، وما كان كذلك لا يتعلَّقُ بما يوجب
= الكامل ١١٦٠/٣، وفي إسناده سلامة بن روح، يرويه عن عمه عقيل بن خالد، قال الحافظ
في التقريب: سلامة بن روح صدوق له أوهام، وقيل: لم يسمع من عمه، وإنما يحدث من
كتبه. وينظر الميزان ١٨٣/٢ .
(١) في (م): تثبت.

سُورَةُ الْنِسَكَاةِ
٢٥٢
الآية : ١٠١
التغليظَ؛ لأنَّ إضافةً الحكم إلى وصفٍ يقتضي خلافَه فسادٌ في الوضع.
ولنا إطلاقُ النصوص مع وجود قرينةٍ في بعضها تُشْعِرُ بإرادة المُظْلَقِ، وزيادةٌ
قيدِ عدم المعصية نسخ على ما عُرف في موضعه، ولأنَّ نفسَ السفر ليس بمعصيةٍ؛
إذ هو عبارةٌ عن خروجٍ مديدٍ، وليس في هذا شيءٌ من المعصية، وإنَّما المعصية
ما يكون بعده كما في السرقة، أو مُجاوِرَه كما في الإباق، فيصلح من حيث ذاتُه
مُتَعلَّق الرُّخصة، لإمكان الانفكاك عمَّا يُجاوره، كما إذا غصب خُقًّا ولبسه، فإنَّه
يجوز له أنْ يَمسح عليه؛ لأنَّ الموجب سترُ قدمه ولا محظور فيه، وإنَّما هو في
مجاوره، وهو صفةٌ كونه مغصوباً، وتمامه في الأصول.
والمراد من الأرض ما يَشمل البَرَّ والبحر، والمقصود التعميم، أي: إذا سافرتم
في أيّ مكانٍ يُسافَرُ فيه مِن برٍّ أو بحر ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَاحُ﴾ أي: حرجٌ وإثمٌ ﴿أَنْ
نَقْصُرُوا﴾ أي: في أنْ تقصروا.
والقصرُ خلاف المدِّ؛ يقال: قَصَرْتُ الشيءَ، إذا جعلتَه قصيراً بحَذْفٍ بعضٍ
أجزائه أو أوصافه، فمتعلَّقُ القَصْرِ إنَّما هو ذلك الشيءُ لا بعضُه فإنَّه متعلَّقُ الحذفِ(١)
دون القصر، فقوله تعالى: ﴿مِنَ الصَّلَوةِ﴾ ينبغي على هذا أنْ يكون مفعولاً لـ ((تقصروا))،
و(مِن)) زائدة حَسْبَما نقله أبو البقاء عن الأخفش القائلِ بزيادتها في الإثبات(٢).
وأمَّا على تقدير أنْ تكون تبعيضيةً، ويكونَ المفعولُ محذوفاً، والجارُّ والمجرورُ
في موضع الصفة، على ما نقله الفاضل المذكور عن سيبويه، أي: شيئاً من
الصلاة (٣)، فينبغي أنْ يُصار إلى وصفِ الجزء بوصف الكلِّ. أو يُراد بالقصر الحَبْسُ
كما في قوله تعالى: ﴿حُرٌ مَّقْصُورَاتٌ فِ الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢]. أو يُراد بالصلاة
الجنس، ليكونَ المقصور(٤) بعضاً منها وهي الرباعية، أي: فليس عليكم جناحٌ في
أن تقصروا بعضَ الصلاة بتنصيفها .
(١) قوله: الحذف، ليس في الأصل، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٢/ ٢٢٥، والكلام منه.
(٢) الإملاء ٣١٤/٢، وينظر مذهب الأخفش في زيادة (من) في الإثبات في معاني القرآن له
١/ ٢٧٢.
(٣) المصدر السابق.
(٤) في (م): المقصود، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٢٥/٢، والكلام منه.

الآية : ١٠١
٢٥٣
سُورَة النساءِ
وقرئ: ((تُقْصِروا))(١)، مِن أَقْصَرَ، ومصدرُه: الإقصار.
وقرأ الزهري: ((تقصِّروا)) بالتشديد(٢)، ومصدره التقصير، والكلُّ بمعنَى.
وأدنى مدَّةِ السفر الذي يتعلَّق به القصر في المشهور عن الإمام أبي حنيفة ◌َ به
مسيرةُ ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل ومَشْي الأقدام بالاقتصاد في البر، وجَرْيٍ
السفينةِ والريحُ معتدلةٌ في البحر، ويُعتبر في الجبل كونُ هذه المسافة من طريق
الجبل بالسير الوسط أيضاً. وفي روايةٍ عنه ظُبه التقديرُ بالمراحل، وهو قريبٌ مِن
المشهور.
وقدَّر أبو يوسف بيومَين وأكثرِ الثالث. والشافعيُّ رحمه الله تعالى في قولٍ:
بيوم وليلة.
وقدَّر عامَّةُ المشايخ ذلك بالفراسخ، ثُمَّ اختلفوا فقال بعضُهم: أحدٌ وعشرون
فرسخاً، وقال آخرون: ثمانيةَ عشرَ، وآخرون: خمسةَ عشرَ، والصحیحُ عدمُ
التقدير بذلك، ولعلَّ كلَّ مَن قدَّر بقدرٍ ممَّا ذكر اعتقَد أنَّه مسيرة ثلاثة أيام
ولياليها، والدليل على هذه المدة ما صحَّ مِن قوله وَلِ: ((يمسحُ المقيمُ كمالَ يومٍ
وليلة والمسافرُ ثلاثةَ أيام ولياليها))(٣)، لأنَّه وَّرَ عمَّمَ الرخصةَ الجنسَ(٤)، ومِنْ
ضرورته عمومُ التقدير.
والقول بكون ((ثلاثة أيام)) ظرفاً للمسافر لا لـ ((يمسح)) يأباه أنَّ السَّوق ليس
إلا لبيان كميَّةٍ مَسْح المسافر لا لإطلاقه، وعلى تقدير كونه ظرفاً للمسافر يكون
((يمسح)) مطلقاً وليس بمقصودٍ.
وأيضاً يُبْطِلُ كونَه ظرفاً لذلك أنَّ المقيم يَمسحُ يوماً وليلةً، إذ يلزمُ عليه اتِّحاد
حكم السفر والإقامة في بعض الصور، وهي صورةٌ مسافرٍ يومٍ وليلةٍ؛ لأنَّه إنَّما يَمسحُ
(١) المحرر الوجيز ١٠٤/٢، والبحر ٣٣٩/٣.
(٢) القراءات الشاذة ص٢٨، والبحر ٣٣٩/٣.
(٣) أخرجه أحمد (٧٤٨)، ومسلم (٢٧٦) من حديث علي ره.
(٤) أي: عمم بالرخصة وهي مسح ثلاثة أيام الجنسَ، أي: جنس المسافرين؛ لأن اللام في
((المسافر)) للاستغراق؛ لعدم المعهود المعين. فتح القدير ٣٩٣/١-٣٩٤.

سُورَةُ القَسَحَّةِ
٢٥٤
الآية : ١٠١
يوماً وليلةٌ، وهو معلومُ البُطلان؛ للعلم بفرق الشرع بين المسافر والمقيم، على أنَّ
ظرفية ((ثلاثة)) للمسافر تَستدعي ظرفيةً اليوم للمقيم، ليتَّفق طَرَفا الحديث، وحينئذٍ
يكون لا يكاد يُنسب إلى أفصح مَن نطقَ بالضاد وَّ.
وربمَّا يُستدل للقصر في أقلّ من ثلاثةٍ بما رُوي عن ابن عباسِ ظُهَا أنه قال:
يا أهلَ مكة لا تَقصُروا في أدنَى مِن أربعةِ بُرَدٍ من مكة إلى عُسْفان. فإنَّه يُفيد القَصْرَ
في الأربعة بُرَدٍ وهي تُقطع في أقلَّ مِن ثلاثة.
وأجيبَ بأنَّ راوي الحديث عبدُ الوهاب بنُ مجاهد، وهو ضعيفٌ عند النقلة
جدًّا، حتى كان سُفیان یزريه(١) بالكذب، فليفهم.
واحتجَّ الإمامُ الشافعيُّ ◌َلُه بظاهر الآية الكريمة على عدم وجوب القصر
وأفضليةِ الإتمام، وأيَّد ذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة والبزَّار والدارقطني عن
عائشةً ﴿ِّ: أنَّ رسول الله وَ ◌ّه كان يَقصُرُ في السفر ويُتم(٢).
وما أخرجه النسائي والدراقطني وحسَّنه والبيهقيُّ وصحَّحه: أنَّ عائشة ﴿ّا لمَّا
اعتمرَتْ مع رسول الله وَ﴿ وقالت: يا رسول الله، قصرتُ وأَتممْتُ وصمتُ
وأفطرتُ؟ فقال: ((أحسنتِ يا عائشة))(٣).
وبما رُوي عن عثمانَ رَبُهُ أَنَّه كان يُتُمُّ ويقصر.
وعندنا يَجب القصرُ لا محالةَ، خلا أنَّ بعض مشايخنا سمَّاه عزيمةً، وبعضُهم
رُخصةَ إسقاطٍ بحيث لا مساغَ للإتمام، لا رخصةً توفية، إذ لا معنَى للتخيير بين
الأخفّ والأثقل، وهو قول عمرَ وعليٍّ وابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ وجابر وجميع أهل
البيت رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وبه قال الحسنُ وعمرُ بن عبد العزيز
وقتادةُ، وهو قول مالك.
(١) أزرى به: قصَّر به وحقّره وهوَّنه، وزَرَى عليه يَزري بالياء: عابه. ينظر أساس البلاغة،
واللسان، ومختار الصحاح (زرى).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٤٥٢/٢، ومسند البزار (٦٨٢ - كشف)، وسنن الدارقطني (٢٢٩٨).
قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح.
(٣) سنن النسائي (المجتبى) ١٢٢/٣، وسنن الدارقطني (٢٢٩٣)، وسنن البيهقي ١٤٢/٣.

الآية : ١٠١
٢٥٥
سُورَةُ الشَكَاةِ
وأخرج النسائيُّ وابنُ ماجه عن عمر ◌َهُبه أنّه قال: صلاةُ السفر ركعتان تمامٌ
غيرُ قصرٍ على لسان نبيّكم عليه الصلاة والسلام(١).
وروَى الشيخان عن عائشةَ ﴿َّ أنَّها قالت: أولُ ما فرضَ الله تعالى الصلاة
ركعتين ركعتَين، فأُقِرَّت في السفر وزِيدَت في الحضر(٢).
وأمَّا ما روي عنها مِن الإتمام فقد اعتذرَت عنه، وقالت: أنا أمُّ المؤمنين
فحيثُ حللتُ فهي داري(٣)، كما اعتذرَ عثمانُ رَله عن إتمامه بأنَّه تأهَّلَ بمكة
وأزمعَ الإقامة بها، كما رُوي عن الزُّهريّ(٤)، فلا يَرِدُ أنّها ﴿ُهَا خالفَ رأيُها
روايتَها، وإذا خالفَ الراوي روايته في أمرٍ لا يُعمل بروايته فيه.
والقولُ: بأنَّ حديثها غيرُ مرفوع لأنَّها لم تشهد فرضَ الصلاة، غيرُ مسلّم؛
لجوازٍ أنَّها سمعتْه من النبيِّ ◌َّ.
نعم ذكر بعضُ الشافعية أنَّ الخبر مُؤوَّلٌ بأنَّ الفرض في قولها: فُرضَت ركعتين،
بمعنى البيان، وقد ورَدَ بهذا المعنى كـ ﴿فَرَضَ اَللَّهُ لَكُنْ تَجِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
وقال الطبريُّ: معناه: فُرِضَت لِمَن اختار ذلك من المسافرين(٥)، وهذا كما قيل
في الحاجّ: إنَّه مخيَّرٌ في النَّفْرِ في اليوم الثاني والثالث، وأيًّا فعل فقد قام بالفرض
وكان صواباً .
وقال النووي(٦): المعنَى: فُرضَت ركعتَين لِمَن أرادَ الاقتصار عليهما، فزيد في
(١) سنن النسائي (المجتبى) ١١٦/٣، وسنن ابن ماجه (١٠٦٣).
(٢) صحيح البخاري (٣٥٠)، وصحيح مسلم (٦٨٥).
(٣) ذكره ابن الهمام في فتح القدير ٣٩٦/١ عن بعض كتب الفقه واستبعده؛ لأنه - كما قال -
يقتضي أن لا يتحقق لها سفر أبداً. وقال ابن عبد البر في التمهيد ١٧٠/١١ :
وأما التأويلات في إتمام عائشة فليس منها شيءٌ يروى عنها، وإنما هي ظنون وتأويلات
لا يصحبها دليل، وأضعف ما قيل في ذلك أنها أم المؤمنين، وأن الناس حيث كانوا
هم بنوها، وكان منازلهم منازلها .
(٤) أخرجه أبو داود (١٩٦١).
(٥) ذكر قول الطبري ابن حجر في فتح الباري ٢/ ٥٧٠، والشهاب في الحاشية ١٧٢/٣،
والكلام منه .
(٦) في شرح صحيح مسلم ٥/ ١٩٥، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٧٢/٣ .

سُورَة المَحَاةِ
٢٥٦
الآية : ١٠١
الحضر ركعتان على سبيل التحتُّم، وأُقرَّت صلاةُ السفر على جواز الإتمام(١)،
وحيثُ ثبتت دلائلُ الإتمام وجب المصيرُ إلى ذلك جمعاً بين الأدلة.
وقال ابن حجر عليه الرحمة(٢): والذي يَظهرُ لي في جمع الأدلة أنَّ الصلاةَ
فُرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إِلا المغربَ، ثُمَّ زِيدت عقب الهجرة إلا الصبحَ،
كما رواه ابنُ خزيمة وابن حبان والبيهقيُّ عن عائشة، وفيه: وتُركّت الفجرُ لطول
القراءة والمغربُ لأنَّها وترُ النهار(٣). ثم بعدما استقرَّ فرضُ الرباعيَّة خُفِّفَ منها في
السفر عند نزول الآية، ويُؤْيِّده قولُ ابنِ الأثير: إنَّ القصر كان في السنة الرابعة من
الهجرة(٤). وهو مأخوذ من قول غيره: إنَّ نزول آية الخوف فيها، وقيل: القصر كان
في ربيع الآخِرِ من السنة الثانية كما ذكره الدولابي، وقال السُّهيلي: إنه بعد الهجرة
بعام أونحوه(٥)، وقيل: بعدَ الهجرة بأربعينَ يوماً، فعلى هذا قول عائشة ؤُها:
فأُقرَّت صلاة السفر، أي: باعتبار ما آل إليه الأمرُ من التخفيف، لا أنَّها استمرَّت
منذ فرضت، فلا يلزم من ذلك أنَّ القصر عزيمةٌ. انتهى.
واستُبعد هذا الجمع: بأنَّها لو كانت قبل الهجرة ركعتَين لا شْتَهَرَ ذلك.
وقال آخرون منهم: إنَّ الآية صريحةٌ في عدم وجوب الإتمام، وما ذُكرَ خبرُ
واحدٍ فلا يُعارِضُ النصَّ الصريح، على أنَّه مخصوصٌ بغير الصبح والمغرب،
وحُجَِّةُ العامِّ المخصوص مختلفٌ فيها .
وذكر أصحابنا أنَّ كثرةَ الأخبار، وعملَ الجمِّ الغفير من الصحابة والتابعين
وجميعِ العترة ﴿ه أجمعين بها يُقوِّي القول بالوجوب، وورودُه بنفي الجناح لأنَّهم
أَلِفِوا الإتمام فكانوا مظنَّةً أنْ يَخطر ببالهم أنَّ عليهم نقصاناً في القصر، فصرَّح بنفي
الجناح عليهم لتطيبَ به نفوسُهم وتطمئنَّ إليه، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ
أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] مع أنَّ ذلك الطواف واجبٌ
(١) في شرح صحيح مسلم: الاقتصار.
(٢) في فتح الباري ٤٦٤/١، والكلام من حاشية الشهاب ١٧٢/٣-١٧٣ .
(٣) صحيح ابن خزيمة (٣٠٥)، وصحيح ابن حبان (٢٧٣٨)، وسنن البيهقي الكبرى ٣٦٣/١.
(٤) الكامل لابن الأثير ١٧٤/٢، وعزاه ابن حجر لشرح المسند له.
(٥) الروض الأنف ٢٨٣/١.

الآية : ١٠١
٢٥٧
سُورَةُ الشَكَاةِ
عندنا، ركنٌ عند الشافعيِّ رحمه الله تعالى، وعن أبي جعفر ◌ُه أنَّه تلا هذه الآية
لِمَن استبعدَ الوجوبَ بنفي الجناح.
﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ جوابه محذوف لدلالة ما قبلُ عليه، أي: إنْ
خفتم أنْ يتعرَّضوا (١) لكم بما تكرهونه من القتال أو غيره فليس عليكم
جناح ... إلخ، وقد أخذ بعضُهم بظاهر هذا الشرط فقَصَرَ القَصْرَ على الخوف،
وأخرجه ابن جرير عن عائشة
والذي عليه الأئمة: أنَّ القصر مشروعٌ في الأمن أيضاً؛ وقد تظاهرت الأخبارُ
على ذلك، فقد أخرج النسائيُّ والترمذيُّ وصحَّحه عن ابن عباس پا قال: صلَّينا
مع رسول الله وَّهِ بينَ مكة والمدينة ونحنُ آمنون لا نخاف شيئاً ركعتَين(٣).
وأخرجَ الشيخانِ وغيرُهما من أصحاب السُّنن عن حارثةَ بن وهبِ الخزاعيّ أنَّه
قال: صلَّيتُ مع النبيِّ بَّهِ الظهرَ والعصرَ بمنّى أكثرَ ما كان الناسُ وَآمَنَهُ ركعتين(٤).
إلى غير ذلك.
ولا يُتُوهَّمنَّ أنَّه مخالفٌ للكتاب؛ لأنَّ التقييد بالشرط عندنا إنَّما يَدُّ على ثبوت
الحكم عند وجود الشرط، وأمَّا عَدَمُه عند عَدَمِهِ فساكتٌ عنه، فإنْ وُجد له دليلٌ ثبت
عنده أيضاً، وإلا يَبقَى على حاله لعدم تحقُّق دليله لا لتحقُّق دليلٍ عَدَمِه، وناهيك
ما سمعتَ من الأدلَّة الواضحة.
وأمَّا عند القائلين بالمفهوم فلأنَّه إنَّما يدلُّ على نَفْي الحكم عند عدم الشرط إذا
لم يكن فيه فائدةٌ أخرى، وقد خُرِّج الشرطُ هاهنا مخرجَ الأغلب، كما قيل في قوله
تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيَا حُدُودَ اَللَّهِ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهُ﴾ [البقرة: ٢٢٩] بل قد
يقال: إنَّ الآية الكريمة مجمَلٌ في حقِّ مقدار القصر وكيفيته، وفي حقِّ ما يتعلَّقُ به
من الصلوات، وفي مقدار مدَّة الضرب الذي نيط به القصر، فكلُّ ما وردَ منه واله
(١) في الأصل: يعترضوا.
(٢) تفسير الطبري ٧/ ٤٠٩ -٤١٠.
(٣) سنن النسائي (المجتبى) ١١٧/٣، وسنن الترمذي (٢٤٥)، وهو عند أحمد (١٩٩٥).
(٤) صحيح البخاري (١٠٨٣)، وصحيح مسلم (٦٩٦)، وهو عند أحمد (١٨٧٢٧).

سُورَةُ الشَكَّةِ
٢٥٨
الآية : ١٠١
من القصر في حال الأمن، وتخصيصهِ بالرباعيَّات على وجه التنصيف، وبالضرب
في المدَّة المعيَّنة، بيانٌ لإجمال الكتاب كما قاله شيخ الإسلام(١).
وقال بعضُهم: إنَّ القصر في الآية محمولٌ على قصر الأحوال، من الإيماء،
وتخفيفِ التسبيح، والتوجُّهِ إلى أيِّ وجهٍ، وحينئذٍ يَبقَى الشرطُ على ظاهر مقتضاه
المتبادر إلى الأذهان، ونُسب ذلك إلى طاوس والضحاك، وأخرج ابن جرير عن
ابن عباس ◌ًّا أنَّه قال في الآية: قَصرُ الصلاة إنْ لقيتَ العدوَّ وقد حانت الصلاة
أنْ تكبِّرَ الله تعالى وتَخفضَ رأسك إيماءً راكباً كنتَ أو ماشياً(٢).
وقيل: إن قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُ﴾ إلخ متعلّقٌ بما بعدَه مِن صلاة الخوف، منفصلٌ
عمَّا قبله، فقد أخرج ابنُ جرير عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه قال: سألَ قومٌ من
التَجَّار رسولَ الله وَ ل﴿ فقالوا: يا رسول الله، إنَّا نضرب في الأرض فكيف نُصلِّي؟
فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيُ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ مُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ ثم انقطع
الوحي، فلمَّا كان بعدَ ذلك بحولٍ غزا النبيُّ ◌َيرٍ فصلَّى الظهرَ، فقال المشركون: لقد
أَمْكَنكُم محمدٌ وأصحابُه من ظهورهم، هلَّا شددتُم عليهم؟ فقال قائل منهم: إنَّ لهم
أُخرى مثلَها في إِثْرِها. فأنزل الله تعالى بين الصلاتين: ﴿إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾
إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينَا﴾ فنزلَت صلاةُ
الخوف(٣). ولعلَّ جواب الشرط على هذا محذوفٌ أيضاً على طرز ما تقدَّم.
ونقل الطبرسيُّ عن بعضهم: أنَّ القصر في الآية بمعنى الجمع بين الصلاتين(٤).
وليس بشيءٍ أصلاً .
وقرأَ أُبيّ كما قال ابن المنذر: ((فاقصُروا من الصلاة أن يَقتنكم))(٥)، والمشهورُ
أنَّه كعبد الله أسقط ((إن خفتم)) فقط(٦).
(١) في تفسيره ٢٢٦/٢.
(٢) تفسير الطبري ٧/ ٤٢١- ٤٢٢.
(٣) تفسير الطبري ٧/ ٤٠٧ .
(٤) مجمع البيان ٢١١/٥.
(٥) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٠، وأخرجه أيضاً الطبري ٤٠٨/٧.
(٦) أخرجه الطبري ٤٠٨/٧ عن أبي أنه كان يقرأ: ((أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم))، وذكرها
عن عبد الله بن مسعود رز قه الزمخشري في الكشاف ٥٥٩/١.

الآية : ١٠٢
٢٥٩
سورة النساءِ
وأيَّاما كان فإنَّ ((أن يفتنكم)) في موضع المفعول له لِمَا دلَّ عليه الكلام بتقدير
مضافٍ، كأنَّه قيل: شَرَع لكم ذلك كراهةً أن يفتنكم .. إلخ، فإنَّ استمرارَ الاشتغالِ
بالصلاة مظنةٌ لاقتدار الكافرينَ على إيقاع الفتنةِ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُوا
لَكُرُّ عَدُوًّا غُيًا (®﴾ إمَّا تعليلٌ لذلك باعتبار تعلُّلِهِ بما ذكر، أو تعليلٌ لمَا يُفَهم مِن
الكلام مِن كون فتنتهم متوقَّعةً، فإنَّ كمال العداوة مِن موجبات التعرُّض بالسوء.
و((عدوًّا)) كما قال أبو البقاء: في موضع أعداء، وقيل: هو مصدرٌ على فَعول
مثل الوَلوع والقبول، و((لكم)) حالٌ منه، أو متعلِّقٌ بـ ((كان))(١).
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ﴾ بيانٌ لِمَا قبله من النصِ المُجمَلِ في مشروعية القصرِ بطريق
التفريع، وتصويرٌ لكيفيته عند الضرورة التامَّة، والخطابُ للنبيِّ وَّهِ بطريقِ التجريد،
وتَعلَّقَ بظاهره مَن خصَّ صلاةً الخوف بحضرتِه عليه الصلاة والسلام كالحسن بن
زياد(٢)، ونُسبَ ذلك أيضاً لأبي يُوسف ونقلَه عنه الجصَّاصُ في كتاب
(الأحكام))(٣)، والنوويُّ في ((المهذب)»(٤).
وعامَّةُ الفقهاء على خلافه، فإنَّ الأئمةَ بعده ◌َِّ نُوَّابُه وقُوَّامٌ بما كان يقومُ به،
فيتناولُهم حُكم الخطاب الوارد له عليه الصلاة والسلام كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ
مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقد أخرجَ أبو داود والنسائيُّ وابن حِبان
وغيرُهم عن ثَعلبة بن زَهْدَم قال: كنَّا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيُّكم
صلَّى مع رسول الله وَّ صلاة الخوف؟ فقال حذيفةٌ: أنا. ثم وصفَ له ذلك،
فصلَّوا كما وصفَ ولم يَقضُوا(٥). وكان ذلك بمحضرٍ من الصحابة رِّ، ولم يُنْكِرْه
أحدٌ منهم وهم الذين لا تأخذُهم في الله تعالى لومةُ لائم، وهذا يَحِلُّ محلّ.
(١) الإملاء ٣١٥/٢.
(٢) اللؤلؤي صاحب أبي حنيفة، وكلامه في تحفة الفقهاء ١٧٧/١، وبدائع الصنائع ١٤٨/٢ ،
ووقع في الأصل و(م): الحسن بن زيد، وهو خطأ.
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٢٦٢/٢.
(٤) كذا في الأصل و(م)، والصواب: في شرح المهذب، وهو كتاب المجموع للنووي،
والكلام فيه ٢٩٣/٤، وهو شرح كتاب المهذب لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي.
(٥) سنن أبي داود (١٢٤٦)، وسنن النسائي ١٦٨/٣-١٦٩، وصحيح ابن حبان (١٤٥٢)، وهو
عند أحمد (٢٣٢٦٨).

سُورَةُ المَسَكَاةِ
٢٦٠
الآية : ١٠٢
الإجماع، ويَردُّ ما زعمَه المزنيُّ من دعوى النسخ أيضاً (١).
﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَلَوَةَ﴾ أي: أردتَ أنْ تُقيم بهم الصلاة (٢). ﴿فَلَهُمْ ◌َآِفَةٌ
فِّنْهُم مَّعَكَ﴾ بعد أنْ جعلتَهم طائفتين، ولْتَقِفْ الطائفةُ الأُخرى تجاه العدوِّ للحراسة،
ولظهور ذلك تُرك.
﴿وَلْيَأْخُذُواْ﴾ أي: الطائفةُ المذكورة القائمة معك ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾ ممَّا لا يشغلُ عن
الصلاة كالسيف والخنجر، وعن ابن عباس أنَّ الآخذة هي الطائفةُ الحارسة، فلا یحتاجُ
حينئذٍ إلى التقييد، إلا أنَّه خلافُ الظاهر، والمرادُ من الأخذ عدمُ الوضع، وإنَّما عبّر
بذلك عنه للإيذان بالاعتناء باستصحاب الأسلحة، حتى كأنَّهم يأخذونها ابتداءً.
﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾ أي: القائمون معك، أي: إذا فرغوا من السجود وأتمُّوا
الركعة، كما رُوي عن ابن عباس ﴿يَا ﴿فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآَبِكُمْ﴾ أي: فلينصرفوا
للحراسة من العدوِّ ﴿وَلَتَأْتِ طَآَيِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُواْ﴾ بعدُ، وهي التي كانت
تَحرُس، ونكّرها لأنَّها لم تُذكر قبلُ ﴿فَيُصَلُوا مَعَكَ﴾ الركعة الباقية من صلاتك.
والتأنيثُ والتذكيرُ مراعاةٌ للَّفظ والمعنَى.
ولم يُبيِّن في الآية الكريمة حالَ الركعة الباقية لكلٍّ مِن الطائفتين، وقد بَيِّن ذلك
بالسنَّة، فقد أخرج الشيخان وأبو دواد والترمذيُّ والنسائي وابن ماجه وغيرُهم عن
سالم عن أبيه في قوله سبحانه: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَلَوَةَ﴾: هي صلاةُ الخوف، صلَّى
رسول الله وَ﴿ بإحدى الطائفتين ركعةً، والطائفة الأخرى مقبلةٌ على العدوِّ، ثم
انصرفت التي صلَّت مع النبيِ وَ ﴿ فقاموا مقامَ أولئك مُقبلين على العدو، وأقبلت
الطائفةُ الأخرَى التي كانت مقبلةً على العدو، فصلَّى بهم رسول اللهِّهِ ركعةً
أخرى، ثمَّ سلَّم بهم، ثم قامت كلُّ طائفة فصلَّوا ركعةً ركعةً، فتمَّ لرسول الله وَهـ
ركعتان ولكلٍّ من الطائفتين ركعتان، ركعةٌ مع رسول الله وَّةٍ وركعةٌ بعد سلامه(٣).
(١) ذكر قوله النووي في المجموع ٢٩٣/٤.
(٢) بعدها في الأصل: وتأمَّهم، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٢٢٧/٢، والكلام منه.
(٣) صحيح البخاري (٩٤٢)، وصحيح مسلم (٨٣٩)، وسنن أبي داود (١٢٤٣)، وسنن الترمذي
(٥٦٤)، وسنن النسائي ١٧١/٣، وسنن ابن ماجه (١٢٥٨). وهو عند ابن ماجه من طريق
نافع عن ابن عمر، وأخرجه أيضاً أحمد (٦٣٥١).