النص المفهرس
صفحات 161-180
الآية : ٧٩ ١٦١ سُورَةُ السَحَّةِ وقرأ أُبيِّ وابن مسعود وابن عباس: ((وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك))(١). ﴿وَأَرْسَلْتَكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ بيانٌ لجلالةٍ منصبهِ وَلَّه ومكانتِهِ عند ربِّه سبحانه، بعد الذبِّ عنه بأتمِ وجهٍ. وفيه ردِّ أيضاً لمَن زعم اختصاصَ رسالتِهِ عليه الصلاة والسلام بالعرب، فتعريف ((الناس)) للاستغراق، والجارُّ متعلِّقٌ بـ ((رسولاً)) قُدِّم عليه للاختصاص الناظر إلى قيد العموم، أي: مرسلاً لكلِّ الناس لالبعضهم فقط كما زعموا. و((رسولاً)) حالٌ مؤكّدةٌ لعاملها، وجُوِّز أنْ يتعلَّقَ الجارُّ بما عنده، وأنْ يتعلَّق بمحذوفٍ وقع حالاً من ((رسولاً))، وجُوَّزَ أيضاً أنْ يكونَ ((رسولاً)) مفعولاً مطلقاً إمّا على أنَّه مصدرٌ كما في قوله: لقد كَذَبَ الواشُون ما فُهْتُ عندهم بشيءٍ ولا أرسلتُهم برسول(٢) وإمَّا على أنَّ الصفة قد تُستعمل بمعنى المصدر مفعولاً مطلقاً، كما استعمل الشاعر خارجاً بمعنى خروجاً في قوله: ولا خارِجاً مِن فيَّ زُورُ كلامِ على حلفةٍ لا أَشتِمُ الدهرَ مُسلِماً حيث أرادَ كما قال سيبويه: ولا يَخرج خروجاً (٣). ﴿وَكَ بِاللَّهِ شَهِيدًا (﴾﴾ على رسالتك، أو على صِدْقك في جميع ما تدَّعيه، حيث نصَبَ المعجزاتِ وأنزلَ الآياتِ البيناتِ. وقيل: المعنى: كفى الله تعالى شهيداً على عباده بما يعملون من خيرٍ أو شرٌّ، والالتفاتُ لتربية المهابة. (١) ذكرها النحاس في إعراب القرآن ٤٧٤/١ عن ابن عباس، وأخرجها عن أبيٍّ وابن مسعود ابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف، كما في الدر المنثور ١٨٥/٢. وروي عن ابن مسعود أيضاً: ((وأنا قضيتها)، وعنه وعن أبي: ((وأنا قدَّرتُها عليك)). المحرر الوجيز ٨٢/٢. (٢) البيت لكثير عزة، وهو في ديوانه ص٢٧٨، والبحر ١٥٩/٣، ورواية الديوان: لقد كذب الواشون ما بُحتُ عندهم بليلى ولا أرسلتهم برسيل (٣) الكتاب ٣٤٦/١، والبيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٢/ ٢١٢ برواية: على قَسَمٍ .... سوء کلام. سُورَةُ المشكلة ١٦٢ الآية : ٨٠ - ٨١ ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ بيانٌ لأحكام رسالته وَّهِ إثرَ بيان تحقُّقها، وإنّما كان كذلك؛ لأنَّ الآمر والناهيَ في الحقيقة هو الحقُّ سبحانه، والرسولُ إنَّما هو مُبلِّغٌ للأمر والنهي، فليست الطاعة له بالذات إنَّما هي لمَن بَلَّغ عنه، وفي بعض الآثار عن مقاتل؛ أنَّ النبيَّ وَّه كان يقول: ((مَن أحبَّني فقد أحبَّ الله تعالى، ومَن أطاعني فقد أطاع الله تعالى))، فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقولُ هذا الرجلُ؟! لقد قارفَ الشركَ وهو نَهَى أنْ يُعبدَ غيرُ الله تعالى، ما يريد إلا أنْ نَتَّخذه ربًّا كما انَّخذتِ النصارى عيسى عليه السلام. فنزلت(١). فالمراد بـ ((الرسول)) نبيّنا وَّةِ، والتعبيرُ عنه بذلك ووضْعُه موضعَ المضمَر للإشعار بالعلِّية. وقيل: المراد به الجنسُ، ويَدخلُ فيه نبيُّنَا وَّهِ دخولاً أوليًّا، ويأباه تخصيصُ ۵﴾. وجَعْلُه مِن الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْتَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا باب الخطاب لغير مُعيَّنٍ خلافُ الظاهر. و(مَن)) شرطيةٌ، وجوابُ الشرط محذوفٌ، والمذكورُ تعليلٌ له قائمٌ مقامه، أي: ومَن أعرضَ عن الطاعة فَأَعرِضْ عنه؛ لأنَّا إنَّما أرسلناكَ رسولاً مُبلِّغاً لا حفيظاً مهيمناً تحفظُ أعمالهم عليهم وتحاسِبُهم عليها، ونَفَى كما قيل كونَه حفيظاً - أي: مبالغاً في الحفظ - دون كونه حافظاً؛ لأنَّ الرسالة لا تنفكُّ عن الحفظ؛ لأنَّ تبليغَ الأحكام نوعُ حفظٍ عن المعاصي والآثام. وانتصابُ الوصف على الحالية من الكاف، وجَعْلُه مفعولاً ثانياً لـ ((أرسلنا)» لتضمينه معنى جعلنا، ممَّا لا حاجةَ إليه، و((عليهم)) متعلِّقٌ به، وقُدِّمَ رعايةً للفاصلة. وفي إفراد ضمير الرفع وجمعٍ ضمير الجرِّ مراعاةٌ للفظِ ((مَن) ومعناها. وفي العدول عن: ومَن تولَّى فقد عصَاه ـ الظاهرِ في المقابلة - إلى ما ذُكر ما لا يَخْفَى مِن المبالغة. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ الضمير للمنافقين كما روي عن ابن عباس ﴿يا والحسن والسُّديِّ، وقيل: للمسلمين الذين حَكّى عنهم أنَّهم يَخْشَوْنَ الناسَ كخشيةِ الله، أي: ويقولون إذا أمرتَهم بشيءٍ: ﴿طَاعَةٌ﴾، أي: أمرُنا وشأننا طاعةٌ، على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف (١) ذكره الزمخشري في الكشاف ٥٤٦/١، وقال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص٤٦: لم أجده. الآية : ٨١ ١٦٣ سُورَةُ الشَّةِ وجوباً - وتقديرُ: طاعتُك طاعةٌ، خلافُ الظاهر - أو: عندنا أو منَّا طاعةٌ، على أنَّه مبتدأ وخبرُه محذوف، وكان أصله النصب كما يقول المجيب(١): سمعاً وطاعةٌ، لكنَّه يجوز في مثله الرفعُ - كما صرَّح به سيبويه(٢) - للدلالة على أنَّه ثابتٌ لهم قبل الجواب. ﴿فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ﴾ أي: خرجوا مِن مجلسك وفارقوك ﴿بَيَّتَ طَآئِفَةٌ ﴾ أي: جماعةٌ ﴿مِنْهُمْ﴾ وهم رؤساؤهم. والتبييت: إمَّا مِن البيتوتة؛ لأنَّه تدبيرُ الفعل ليلاً والعزمُ عليه، ومنه تَبييتُ نيةِ الصيام، ويقال: هذا أمرٌ بُيِّت(٣) بليلٍ، وإمّا مِن بَيْتِ الشعر؛ لأنَّ الشاعر يُدبِّرِه ويُسوِّيه، وإمّا مِن البيت المبنيّ؛ لأنَّه يُسوَّى ويُدبّر، وفي هذا بُعدٌ، وإنْ أَثبتَه الراغبُ لغة(٤). والمرادُ: زوَّرتْ وسوَّت ﴿غَيّرَ الَّذِى تَقُولٌ﴾ أي: خلافَ ما قلتَ لها، أو ما قالت لك مِن القبول وضمانِ الطاعة. والعدولُ عن الماضي لقصد الاستمرار، وإسنادُ الفعل إلى طائفةٍ منهم لبيان أنَّهم المتصدُّون له بالذات والباقون(٥) أتباعٌ لهم في ذلك، لا لأنَّهم ثابتون على الطاعة، وتذكيرُه أولاً؛ لأنَّ تأنيث الفاعل غيرُ حقيقيٍّ. وقرأ أبو عمرو وحمزة: ((بيت طائفة)) بالإدغام لقُرْبِهما في المخرج(٦)، وذكرَ بعضُ المحقّقين أنَّ الإدغام هنا على خلاف الأصل والقياس، ولم تُدغم تاءٌ متحركةٌ غيرُ هذه. ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّئُونَ﴾ أي: يُثْبِتُه في صحائفهم ليجازيَهم عليه، أو فيما يوحيه إليك فيطلعُك على أسرارهم ويفضحُهم كما قال الزجَّاج (٧)، والقصد على الأول لتهديدهم، وعلى الثاني لتحذيرهم. (١) في (م): المحب. (٢) في الكتاب ٣٢٠/١، والنصب على معنى: أطعناك طاعة. ينظر الكشاف ٥٤٦/١. قال أبو حيان في البحر ٣٠٤/٣: ولا حاجة لذكر ما لم يُقرأ به ولا لتوجيهه ولا لتنظيره بغيره. (٣) في (م): تبيت. (٤) مفردات الراغب (بيت). (٥) في الأصل: والباقي. (٦) التيسير ص٩٦، والنشر ٢٨٩/١ و٢٥٠/٢. (٧) في معاني القرآن ٢/ ٨١. سُوَرَةُ السَكَاةِ ١٦٤ الآية : ٨٢ ﴿فَعَِّضْ عَنْهُمْ﴾ أي: تجافَ عنهم ولا تَتَصدَّ للانتقام منهم، أو قَلْلِ المبالاةَ بهم، والفاءُ لسببيةٍ ما قبلها لما بعدها. ﴿وَتَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: فوِّضْ أمرك إليه وثِقْ به في جميع أموركَ، لا سيَّما في شأنهم، وإظهارُ الاسم الجليل للإشعار بعلَّة الحكم. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾﴾ قائماً بما فُوَّضَ إليه من التدبير، فيكفيك مضرَّتَهم ويَنتقمُ لك منهم. والإظهارُ لِمَا سبق وللإيذان باستقلال الجملة واستغنائها عمَّا عَدَاها من كلِّ وجهٍ. ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ لعلَّه جوابُ سؤالٍ نَشأَ من جَعْلِ الله تعالى شهيداً، كأنَّه قيل: شهادةُ الله تعالى لا شُبهةَ فيها ولكنْ مِن أينَ يُعلم أنَّ ما ذكرتَه شهادةُ الله تعالى محكيةٌ عنه؟ فأجاب سبحانه بقوله: ﴿أَفَلاَ يَتَّدَبَّرُونَ﴾، وأصلُ التدبُّر: التأمُّلُ في أدبار الأمورِ وعواقٍها، ثم استُعمل في كلِّ تأمُّلٍ سواءٌ كان نظراً في حقيقة الشيءٍ وأجزائه، أو سوابقه وأسبابه، أو لَوَاحِقِهِ وأعقابِهِ. والفاء للعطف على مقدَّر، أي: أَيَشُكُّونَ في أنَّ ما ذُكر شهادةُ الله تعالى فلا يتدبَّرون القرآن الذي جاء به هذا النبيُّ وَّهِ المشهودُ له، ليعلموا كونَه من عند الله فيكون حجَّةٌ وأيّ حَجَّةٍ على المقصود. وقيل: المعنى: أَيُعْرِضون عن القرآن، فلا يتأمّلون فيه ليعلموا كونَه من عند الله تعالى بمشاهدةٍ ما فيه من الشواهد التي من جملتها هذا الوحيُّ الصادق والنصُّ الناطق بنفاقهم المحكيِّ على ما هو عليه. ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ أي: القرآن ﴿مِنْ عِندِ غَّرِ اللَّهِ﴾ كما يزعمون ﴿لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرً (فَ﴾﴾ بأنْ يكونَ بعضُ إخباراته الغيبية - كالإخبارِ عما يُسِرُّه المنافقون - غیرُ مطابقٍ للواقع؛ لأنَّ الغيبَ لا يعلمه إلا الله تعالى، فحيث اّرد الصدق فيه ولم يَقع ذلك قظُ، عُلم أنَّه بإعلامه تعالى ومن عنده، وإلى هذا يشير كلام الأصمِّ والزجَّاج(١). (١) في معاني القرآن ٢/ ٨٢. الآية : ٨٢ ١٦٥ سُورَةُ الشَكَّاءِ وفي روايةٍ عن ابن عباس أنَّ المراد: لوجدوا فيه تناقضاً كثيراً، وذلك لأنَّ كلام البشر إذا طال لم يَخْلُ - بحُكْم العادة - من(١) التناقض، وما يُظنُّ مِن الاختلاف كما في كثيرٍ من الآيات - ومنه ما سبَقَ آنفاً - ليس من الاختلاف عند المتدبرين. وقيل(٢) - وهو ممَّا لا بأس به خلافاً لزاعمه -: المرادُ: لكان الكثير منه مُختلفاً متناقضاً قد تفاوتَ نَظْمُه وبلاغتُه، فكان بعضُه بالغاً حدَّ الإعجاز وبعضُه قاصراً عنه يمكنُ معارضتُه، وبعضُهِ إخباراً بغيبٍ قد وافق المُخبرَ عنه، وبعضُه إخباراً مخالفاً للمُخْبَر عنه، وبعضُه دالًا على معنّى صحيح عند علماء المعاني، وبعضُه دالًّا على معنّى فاسدٍ غير ملتئم، فلمَّا تجاوب كلُّه بلاغةٌ مُعجزةً فائةً (٣) لِقُوَى البلغاء، وتَناصَرَ صِحَّةَ معانٍ وصِدْقَ أخبارٍ، عُلم أنَّه ليس إلا من عند قادرٍ على ما لا يقدرُ عليه غيرُه، عالمٍ بما لا يعلمُه سواه. انتهى. وهو مبنيٌّ على كون وَجْه الإعجاز عند علماءِ العربية كونَ القرآن في مرتبة الأعلى من البلاغة، وكونَ المقصود من الآية إثباتَ القرآن كلِّه وبعضِه من الله تعالى، وحينئذٍ لا يمكن وصفُ الاختلاف بالكثرة؛ لأنَّه لا يكونُ الاختلاف حينئذٍ إلا بأنْ يكون البعضُ منه مُعجزاً والبعضُ غيرَ معجز، وهو اختلافٌ واحدٌ، فلذا جَعَل ((وجدوا)) متعدِّياً إلى مفعولين أوَّلهُما ((كثيراً))، وثانيهما ((اختلافاً)) بمعنى مُختلفاً، وإليه يُشير قوله: لكانَ الكثيرُ منه مُختلفاً. وإنَّما جُعل اللازمُ - على تقدير كونه من عند غيرِ الله تعالى - كونَ الكثير منه(٤) مختلفاً، مع أنَّه يَلزم أنْ يكونَ الكلُّ مختلفاً، اقتصاراً على الأقلِّ كما في قوله تعالى: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] وهو مِن الكلام المنصف. وبهذا يندفع ما أُورد مِن أنَّ الكثرة صفةُ الاختلاف، والاختلاف صفةٌ للكلِّ في النظم، وقد جُعل صفةً الكثرة والكثرة صفة الكثير؛ لأنَّا لا نسلِّم أنَّ الكثرةَ صفةٌ الاختلاف، بل هما مفعولا ((وجدوا)). (١) في الأصل: عن. (٢) القائل هو الزمخشري في الكشاف ٥٤٦/١-٥٤٧ . (٣) في (م): فائقة، والمثبت من الأصل والكشاف. (٤) قوله: منه، ليس في (م). سُورَةُ المِسْكَاةِ ١٦٦ الآية : ٨٢ وكذا ما أُورد مِن أنَّه يُفهم من قوله: لكان بعضُه بالغاً حدَّ الإعجاز، ثبوتُ قدرةٍ غيرِه تعالى على الكلام المعجز، وهو باطلٌ؛ لأنَّا لا نسلِّم ذلك، فإنَّ المقصودَ أنَّ القرآن كلَّا وبعضاً من الله تعالى، أي: البعضُ الذي وقع به التحدِّي وهو مقدارُ أقصرِ سورةٍ منه، ولو كان بعضٌ من أبعاضه مِن غيره تعالى لوجدوا فيه الاختلاف المذكور، وهو أنْ لا يكونَ بعضُه بالغاً حدَّ الإعجاز. قاله بعضُ المحقّقين. وقال بعضُهم: لا مَحيصَ عن الإيراد الأخيرِ سوى أنْ يُحملَ الكلامُ على الفرض والتقدير، أي: لو كان فيه مرتبةُ الإعجاز ففي البعض خاصةً، على أن يكونَ ذلك القدرُ مأخوذاً من كلام الله تعالى كما في الاقتباس ونحوه، إلا أنَّه لا يَخفَى بُعدُه. وإلى تفسيرِ الاختلاف بالتفاوُت بلاغةً وعدمَ بلاغة، ذهبَ أبو علي الجبائي. هذا(١) ونُقل عن الزمخشري(٢) أنَّ في الآية فوائدَ: وجوبَ النظر في الحُججِ والدلالاتِ، وبطلانَ(٣) التقليد، وبُطلانَ قولٍ مَن يقول: إنَّ المعارف الدينية ضروريَّةٌ، والدلالةَ على صحَّةِ القياس، والدلالةَ على أنَّ أفعال العباد ليستْ بِخَلْقِ الله تعالى لوجود التناقض فيها. انتهى. ولا يخفى أنَّ دلالتها على (٤) وجوب النظر في الجملة، وبطلانِ التقليد للكلِّ، وقولِ مَن يقول: إنَّ المعارفَ الدينية كلّها ضروريَّةٌ، أمَّا على صحَّةِ القياس على المصطلح الأصوليّ فلا . وأمّا تقرير الأخير - على ما في ((الكشف)) - فلأِنَّ اللازمَ: كلُّ مختلِفٍ من عند غير الله تعالى، على قولهم: إنَّ (لو)) عَكْسُ ((لولا))، ولو كان أفعالُ العباد مِن خَلْقِهِ لكانت مِن عنده بالضرورة، وكذبت القضية. أو بعضُ المختلِف من عند غير الله تعالى، على ما حقَّقه الشيخ ابنُ الحاجب والمشهورِ عند أهل الاستدلال، فيكونُ (١) في (م): إلى هذا. (٢) نقله عنه الطيبي في حاشيته عند تفسير هذه الآية، وليس هو في مطبوع الكشاف. (٣) قبلها في حاشية الطيبي: وبطلان قول من يقول: القرآن لا يفهم المراد بظاهره. (٤) جاء فوقها في الأصل بين السطور: خبر، وفوق قوله ((دلالتها)): اسم. الآية : ٨٣ ١٦٧ سُؤَّةُ التَسَخَاةِ بعضُ أفعال العباد غيرَ مخلوقةٍ له تعالى، ويَكفي ذلك في الاستدلال، إذ لا قائلَ بالفرقِ بينَ بعضٍ وبعضٍ إذا كان اختياريًّا . وأجابَ فيه بأنَّ اللازمَ: كلُّ مختلفٍ هو قرآنٌ مِن عند غير الله تعالى على الأول، وحينئذٍ لا يتمُّ الاستدلال، وذكر أنَّ معنى ((ولو كانَ مِن عند غَيرِ الله)) عند الجماعة: ولو كان قائماً بغيره تعالى، ولا مدخلَ للخلق في هذه الملازمة، وأنتَ تعلمُ أنَّه غيرُ ظاهر الإرادة هنا. وكذا استُدل بالآية على فساد قولٍ مَن زَعَم أنَّ القرآن لا يُفهم معناه إلا بتفسير الرسول ◌َ﴾، أو الإمام المعصوم كما قال بعضُ الشيعة. ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ﴾ أي: المنافقين، كما روي عن ابن عباس والضحاك وأبي معاذ. أو ضعفاء المسلمين، كما روي عن الحسن، وذهب إليه غالبُ المفسرين، أو الطائفتين كما نقله ابن عطية (١). ﴿أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ أي: ممَّا يوجب الأمنَ أو الخوفَ ﴿أَذَاعُواْ بِهِمْ﴾ أي: أَفْشَوه، والباء مزيدةٌ، وفي ((الكشاف)): يقال: أذاع الشرَّ وأذاع به، ويجوزُ أنْ يكونَ المعنى: فعلوا به الإذاعة، وهو أبلغُ مِن: أذاعوه(٢)؛ لدلالته على أنَّه يفعل نفس الحقيقة كما في نحو: فلانٌ يُعطي ويَمنع، ولمَا فيه مِن الإبهام والتفسير. وقيل: الباء لتضمُّن الإذاعة معنى التحديثِ. وجَعْلُها بمعنى ((مع)) والضميرُ للمجيء، ممَّا لا ينبغي تخريجُ كلام الله تعالى الجليل عليه. والكلامُ مسوقٌ لبيان جنايةٍ أخرى من جنايات المنافقين، أو لبيان جنايةٍ الضعفاءِ إثرَ بيان جناية المنافقين، وذلك أنَّه إذا غَزَت سريةٌ مِن المسلمين خبر الناس عنها فقالوا: أصابَ المسلمون من عدوّهم كذا وكذا، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا، فأفشَوه بينهم مِن غير أنْ يكونَ النبيُّ ◌َّهِ هو الذي يُخْبِرُهم به، ولا يكاد يخلو ذلك عن مَفسدة. (١) في المحرر الوجيز ٨٤/٢. (٢) الكشاف ١/ ٥٨٤ . سُورَةُ المَسَّةِ ١٦٨ الآية : ٨٣ وقيل: كانوا يقفُون من رسولِ اللهِ وَّه وأولي الأمر على أمنٍ ووثوقٍ بالظهور على بعضٍ الأعداء، أو على خوفٍ، فيُذيعونه فيُنشَرُ، فيبلغ الأعداءَ فتعود الإذاعة مفسدة. وقيل: الضعفاء يَسمعون مِن أفواه المنافقين شيئاً مِن الخبر عن السرايا مظنونٍ غيرِ معلوم الصحة، فيُذيعونه قبل أنْ يُحقِّقوه، فيعود ذلك وبالاً على المؤمنين، وفيه إنكارٌ علىَ مَن يُحدِّث بالشيءٍ قبل تحقيقه، وقد أخرج مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً : (كفَى بالمرء إثماً أنْ يُحدث بكلِّ ما سمع))(١). والجملةُ عند صاحب ((الكشف)) معطوفةٌ على قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾، وقولُه سبحانه: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ﴾ اعتراضٌ؛ تحذيراً لهم عن الإضمار لِمَا يخالفُ الظاهر، فإنَّ في تدبُّر القرآن جارًّا إلى طاعة المنزَل عليه أيَّ جارٍّ. وقيل(٢): الكلام مسوقٌ لدفع ما عسى أنْ يُتوهَّمَ في بعض الموادِّ مِن شائبةٍ الاختلاف بناءً على عدم فهم المراد، ببيانِ أنَّ ذلك لعدم وقوفهم على معنى الكلام لالتخلُّف مدلوله عنه، وذلك أنَّ ناساً من ضَعَفةِ المسلمين الذين لا خبرةً لهم بالأحوال كانوا إذا أخبرهمُ النبيُّ وَّهِ بما أُوحي إليه مِن وعدٍ بالظّفَر، أو تخويفٍ من الكفرة، يُذيعونه من غير فَهْمِ لمعناه ولا ضَبْطِ لفَخْواه، على حَسَب ما كانوا يفهمونه ويَحملونه عليه من المحاملَ، وعلى تقدير الفهم قد يكونُ ذلك مشروطاً بأمورٍ تفوتُ بالإذاعة، فلا يظهرُ أثرُه المتوقَّع، فيكونُ ذلك مَنشأً لتوهُّم الاختلاف. ولا يخلو عن حُسنٍ غيرَ أنَّ روايات السلف على خلافه، وأيًّا ما كان فقد نَعی الله تعالی ذلك علیھم. وقال سبحانه ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ أي: ذلك الأمر الذي جاءهم ﴿إِلَى الرَّسُولِ﴾ وَّ ﴿وَإِلَىَ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ وهم كبار (٣) الصحابة ◌َِ، البُصَرَاءُ في الأمور، وهو الذي ذهب إليه الحسن وقتادة وخلقٌ كثيرٌ. وقال السُّدي وابنُ زيد وأبو علي الجبائي: المرادُ بهم أمراء السرايا والولاة. وعلى الأول المعوَّلُ. (١) صحيح مسلم (٥) برواية: ((كفى بالمرء كذباً ... )) وأخرجه برواية المصنف أبو داود (٤٩٩٢). (٢) القائل هو أبو السعود في تفسيره ٢٠٨/٢. (٣) في (م): کبائر. الآية : ٨٣ ١٦٩ سُورَةُ الشَّةِ ﴿لَعَلِّمَهُ﴾ أي: لعلمَ تدبيرَ ذلك الأمرِ الذي أُخبروا به ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي: يستخرجون تدبيرَه بفِطَنهم(١) وتجاربهم، ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايده. أو: لو ردُّوه إلى الرسولِ﴿ ومَن ذُكر، وفوَّضوه إليهم، وكانوا كأن لم یسمعوا، لعلم الذین(٢) يستنبطون تدبيره کیف ◌ُدبّرونه، وما يأتون وما یذرون. أو: لو ردوه إلى الرسول چ وإلى كبار أصحابه چه، وقالوا: نسكت حتى نَسمعَه منهم ونعلمَه، هل [هو] ممَّا يذاع أو لا يذاع؟ لعَلِمَ صحَّتَه - وهل هو ممَّا يُذاع أو لا - هؤلاء المذيعون، وهم الذين يستنبطونه مِن الرسول وأولي الأمر، أي: يتلقّوْنَه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم. أو: لو عرضُوه على رأيه عليه الصلاة والسلام مستكشفين لمعناه وما ينبغي له من التدبير، وإلى أَجِلَّة صحبه ◌َ، لَعَلِمَ الرَّادُون معناه وتدبيره، وهم الذين يستنبطونه ويَستخرجون علمه وتدبيرَه من جهة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومَن تشرَّف بالعطف عليه. والتعبيرُ بالرسالة لِمَا أنَّها من موجبات الردِّ. وكلمة (مِن)) إمَّا ابتدائيةٌ، والظرف لغوٌ مُتعلِّقٌ بـ ((يستنبطونه))، وإمَّا تبعيضيةٌ أو بيانيةٌ تجريديةٌ، والظرف حال، ووضع الموصول موضعَ الضمير في الاحتماليّن الأخيرَين؛ للإيذان بأنه ينبغي أنْ يكونَ القصد بالردِّ استكشافَ المعنَى واستيضاحَ الفحوى. والاستنباط في الأصل: استخراجُ الشيء من مأخذه، كالماء من البئر والجوهر من المعدن، ويقالُ للمستخرَج: نَبَطُ، بالتحريك، ثم تُجوِّزَ به فأُطلق على كلِّ أَخذٍ وتَلَقِّ. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْتُهُ﴾ خطابٌ للطائفة المذكورة آنفاً - بناءً على أنَّهم ضَعَفَةُ المؤمنين - على طريقة الالتفات، والمرادُ من الفضل والرحمة شيءٌ واحد، (١) في (م): بفطنتهم. (٢) في الأصل و(م): الذي، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٠٩/٢، والكلام وما سيأتي بين حاصرتین منه. سُورَةُ النَّسَاءِ ١٧٠ الآية : ٨٣ أي: لولا فضلُه سبحانه عليكم ورحمتُه بإرشادكم إلى سبيل الرشاد الذي هو الردّ إلى الرسولِ وَل﴿ وإلى أولي الأمر ﴿لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ﴾ وعملتُم بَآرائكم الضعيفة، أو أخذُتم بآراء المنافقين فيما تأتون وتذرون، ولم تهتدوا إلى صوب الصواب. وهم أولو الأمر المستنيرةُ عقولُهم بأنوار الإيمان الراسخ، ﴿إِلَّا قَلِيلًا الواقفون (١) على الأسرار، الراسخون في معرفة الأحكام بواسطة الاقتباس من مشكاة النبوة، فالاستثناء منقطعٌ. أو الخطاب للناس، أي: ((ولولا فضل الله)) تعالى بالنبيِّ وَِّ ((ورحمتُه)) بإنزال القرآن، كما فسَّرهما بذلك السُّدِّي والضحاك، وهو اختيار الجبائيّ، ولا يبعدُ العكس، ((لاتبعتُم)) كلَّكم ((الشيطان)) وبقيتُم على الكفرِ والضلالةِ ((إلا قليلاً)) منكم قد تفضّل عليه بعقلٍ راجحٍ، فاهتدى به إلى طريقِ الحق، وسَلِمَ من مَهاوي الضلالة، وعُصم مِن متابعة الشيطان، مِن غير إرسالِ الرسول عليه الصلاة والسلام وإنزالِ الكتاب(٢)، كقِسّ بن ساعدة الإياديِّ وزيد بن عمرو بن نفيل وورقةَ بنِ نوفل وأضرابِهم، فالاستثناء متصلٌ، وإلى ذلك ذهب الأنباري(٣). وقال أبو مسلم: المرادُ بفضل الله ورحمته: النصرةُ والمعونةُ مرةً بعد أخرى، والمعنى: لولا حصولُ النصرةِ والتَّفَرِ لكم على سبيل التتابع ((لا تبعتم الشيطان)» فيما يُلقَى إليكم مِن الوساوسِ والخواطر الفاسدة المؤذِّية إلى الجُبن والفشل والركونِ إلى الضلال وترك الدين ((إلا قليلاً)) وهم أهلُ البصائر النافذةِ والعزائم المتمكِّنة والنّيَّات الخالصة من أفاضلِ المؤمنينَ، الذين يَعلمون أنَّه ليس مِن شرطٍ كونِ الدين حقًّا حصولُ الدولة في الدنيا، أو باطلاً حصولُ الانكسارِ والانهزام، بل مدارُ الأمر في كونه حقًّا وباطلاً على الدليل (٤). ولا يَرِدُ أَنَّه يلزمُ من جَعْلِ الاستثناءِ من الجملة التي وَليها جوازُ أنْ يَنتقلَ (١) في الأصل: أو الواقفون. (٢) قوله: وإنزال الكتاب، ساقط من الأصل، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٢٠٩/٢، والكلام منه . (٣) هو أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، ونقل المصنف قوله عن مجمع البيان ٥/ ١٧٥ . (٤) ذكره عن أبي مسلم الرازي في تفسيره ٢٠٣/١٠، وهو عنده أحسن الوجوه كما سيرد. الآية : ٨٣ ١٧١ سُورَةُ النِّسَاةِ الإنسان من الكفر إلى الإيمان ومن اتبّاع الشيطان إلى عصيانه وخزيه، وليس لله تعالى عليه في ذلك فضلٌ، ومعاذَ الله تعالى أنْ يعتقدَ هذا مسلمٌ موحّدٌ سنيًّا كان أو معتزليًّا، وذلك لأنَّ ((لولا)) حرفُ امتناعٍ لوجود، وقد أنبأَتْ أنَّ امتناع اتِّباع المؤمنين للشيطان في الكفر وغيرِه إنَّما كان بوجود فضل الله تعالى عليهم، فالفضلُ هو السبب المانع من اتِّباع الشيطان، فإذا جُعِلَ الاستثناءُ ممَّا ذُكر (١)، فقد سلبتَ تأثيرَ فضلِ الله تعالى في امتناع الاتِّباع عن البعض المستثنَى ضرورةً، وجَعَلْتَهم (٢) مُستبدِّين بالإيمان وعصيانِ الشيطان الداعي إلى الكفر بأنفسهم لا بفضل الله تعالى، ألا تراك إذا قلتَ لِمَن تُذكِّره بحقِّك عليه: لولا مساعدتي لك لسُلبتْ أموالك إلا قليلاً، كيف لم تَجعل لمساعدتك أثراً في بقاء القليل للمخاطَب، وإنَّما مَنَنتَ عليه في تأثير مساعدتك في بقاء أكثر ماله لا في كلِّه = لأنَّا نقولُ: هذا إذا عمَّ الفضلُ، لا إذا خُصَّ كما أشرنا إليه؛ لأنَّ عدم الاتِّباع إذا لم يكنْ بهذا الفضلِ المخصوصِ لا ينافي أنْ يكون بفضلٍ آخرَ، نعم ظاهرُ عبارة ((الكشاف)) في هذا المقامِ مشكلٌ حيث جعَلَ الاستثناء من الجملة الأخيرة، وزاد التوفيق في البيان(٣). ويُمكن أن يُقالَ أيضاً: أراد به توفيقاً خاصًّا نشأَ ممَّا قبله، وهذا أَولى من الإطلاق ودفع الإشكال بأنَّ عدم الفضل والرحمة على الجميع لا يلزم منه العدمُ على البعض، لِمَا فيه من التكلُّف. وذهب بعضهم للتخلّص من الإيراد إلى أنَّ الاستثناء من قوله تعالى: ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ وروي ذلك عن ابن عباس، وهو اختيارُ المبرِّد والكسائيّ والفرَّاء والبلخيِّ والطبري(٤). (١) يعني على القول باستثناء ((قليلاً)) مما قبله الذي هو جملة (اتبعتم))، كما في القولين السابقين وهما قول أبي مسلم وقول الأنباري. ينظر الانتصاف ٥٤٧/١، وغرائب القرآن للنيسابوري ٩٧/٥، وحاشية الشهاب ١٦١/٣. (٢) في الأصل و(م): وجعلهم، والصواب ما أثبتناه. ينظر الانتصاف على هامش الكشاف ١/ ٥٤٧. (٣) الكشاف ٥٤٨/١، وقوله: وزاد التوفيق في البيان، يعني به قول الزمخشري: ((ولولا فضل الله عليكم ورحمته)) وهو إرسال الرسول وإنزال الكتاب والتوفيق. وينظر حاشية الشهاب ١٦٢/٣. (٤) نقل المصنف قولهم عن مجمع البيان ١٧٤/٥، وقول الفراء في معاني القرآن ٢٧٩/١-٢٨٠، وقول الطبري في تفسيره ٧/ ٢٦٥ . سُورَةُ المشكلة ١٧٢ الآية : ٨٤ وانَّخذ القاضي أبو بكر الآيةَ دليلاً في الردِّ على مَن جزمَ بعودِ الاستثناء عند تعدُّد الجمل إلى الأخيرة. وعن بعضٍ أهل اللغة أنَّ الاستثناء من قوله تعالى: ﴿لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾. ٠ وعن أكثرهم أنَّه من قوله تعالى: ﴿لَعَلِّمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْيِطُونَهُ﴾ . واعترضَه الفرَّاء والمبرِّد بأنَّ ما يُعلم بالاستنباط فالأقلُّ يعلمه والأكثرُ يَجهلُه، وصرْفُ الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضدَّ ذلك(١). وتعقّبَ ذلك الزجَّاج بأنَّه غلطٌ؛ لأنَّه لا يُراد بهذا الاستنباط ما يُستخرَج بنظرٍ دقيقٍ وفكر غامضٍ، إنَّما هو استنباط خبرٍ، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه ولا يجهلُه إلا البالغ في البلادةُ(٢). وفيه نظرٌ. وبعضُهم إلى جَعْلِ الاستثناء مُفرَّغاً من المصدر، فما بعد ((إلا)) منصوبٌ على أنَّه مفعول مطلق، أي: لاتَّبعتموه كلَّ اتِّباع إلا اتِّباعاً قليلاً، بأنْ تبقَوا على إجراء الكفر وآثاره إلا البقاء القليل النادر بالنسبة إلى البعض، وذلك قد يكون بمجرَّد الطبع والعادة. وأحسنُ الوجوه وأقربُها إلى التحقيق عند الإمام ما ذكره أبو مسلم (٣). وأُيِّد التخصيصُ فيما ذهب إليه الأنباريُّ بأنَّ قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِع الرَّسُولَ﴾ إلخ، وقوله سبحانه: ﴿أَفَلَا يَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ إلخ يشهدان له، وفي الذي بعده بأنَّ قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ إلخ، وقوله جلَّ وعلا: ﴿فَقَئِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إلَّا نَفْسَكْ﴾ يشهدان(٤) له. وأنتَ تعلم أنَّ قرينةَ التخصيص بهما غيرُ ظاهرةٍ. (١) نقل المصنف قولهما عن غرائب القرآن للنيسابوي ٩٧/٥، وذكره الزجاج في معاني القرآن ٨٤/٢ عن النحويين. وينظر معاني القرآن للفراء ٢٨٠/١. (٢) معاني القرآن للزجاج ٨٤/٢. (٣) تفسير الرازي ٢٠٣/١٠. (٤) في (م): يشهد. الآية : ٨٤ ١٧٣ سُورَةُ السَّةِ والفاءُ في هذه الآية واقعةٌ في جواب شرطٍ محذوفٍ يَنساق إليه النظم الکریم، أي: إذا كان الأمرُ كما حُكي مِن عدم طاعة المنافقين وتقصيرِ الآخرين في مراعاة أحكام الإسلام، فقاتل أنت وحدَك غيرَ مُكترِثٍ بما فعلوا. ونَقل الطبرسيُّ في اتصال الآية قولين: أحدُهما: أنَّها متّصلةٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَبْرًا عَظِيمًا﴾ والمعنى: فإن أردتَ الأجرَ العظيم فقاتل، ونُقل عن الزجَّاجِ. وثانيهما: أنَّها مُتَّصلةٌ بقوله عزَّ وجل: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا نُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾(١) والمعنى: إنْ لم يقاتلوا في سبيل الله (٢) فقاتل أنت وحدك. وقيل: هي متّصلةٌ بقوله تعالى: ﴿فَقَدِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَّنِ﴾. ومعنى ((لا تكلَّفُ إلا نَفْسَك)): لا تكلَّف إلا فِعْلَها؛ إذ لا تكليف بالذوات، وهو استثناءٌ مقرِّرٌ لما قبله، فإنَّ اختصاصَ تكليفِهِ عليه الصلاة والسلام بفعلٍ نفسه مِن موجبات مباشرته و﴿ للقتال وحده، وفيه دلالةٌ على أنَّ ما فعلوه من التثبيط والتقاعد لا يضرُّهُ وَّهِ ولا يؤاخذُ به، وذهب بعضُ المحقّقين إلى أنَّ الكلام مجازٌ أو كنايةٌ عن ذلك(٣)، فلا يَرِدُ أنَّه مأمورٌ بتكليف الناس فكيف هذا؟ ولا حاجةً إلى ما قيل - بل في ثبوته مقالٌ - أنَّه عليه الصلاة والسلام كان مأموراً بأنْ يقاتلَ وحده أولاً، ولهذا قال الصدِّيق ◌َبه في أهل الردة: أُقاتلهم وحدي، ولو خالفتني يميني لقاتلتُها بشمالي(٤). وجعل أبو البقاء هذه الجملةَ في موضع الحال مِن فاعل ((قاتِل))، أي: فقاتِل غيرَ مكلَّفٍ إلا نفسك(٥). (١) مجمع البيان ١٧٦/٥، والقولان ذكرهما الزجاج في معاني القرآن ٨٤/٢-٨٥. (٢) قوله: في سبيل الله، ليس في الأصل. (٣) أي: عن عدم ضرر ذلك. حاشية الشهاب ٣/ ١٦٢ . (٤) ذكره الزجاج في معاني القرآن ٢/ ٨٥، والشهاب في الحاشية ١٦٢/٣، وعنه نقل المصنف. (٥) الإملاء ٢٩٥/٢. سُورَةُ الشَحَّةِ ١٧٤ الآية : ٨٤ وقرئ: ((لا تكلَّفْ)) بالجزم(١)، على أنَّ ((لا)) ناهية والفعل مجزومٌ بها، أي: لا تكلِّف أحداً الخروجَ إلا نفسَك. وقيل: هو مجزومٌ في جواب الأمر، وهو بعيد. و: ((لا نكلِّفُ)) بالنون على بناءِ الفاعل(٢). فـ ((نفسَك)) مفعولٌ ثانٍ بتقدير مضافٍ، وليس في موقع المفعول الأول، أي: لا نكلِّفكَ إلَّا فعلَ نفسك، لا أنَّا لا نُكلِّفُ أحداً إلا نفسك. وقيل: لا مانعَ من ذلك على معنى: لا نكلِّفُ أحداً هذا التكليفَ إلا نفسك، والمرادُ من هذا التكليف مقاتلتهم وحده. ﴿وَحَرِّضِ الْؤْمِيَّ﴾ أي: حُثَّهم على ((القتال))، ورغّبهم فيه، وعِظْهم لمَا أنَّهم آئمون بالتخلُّف لفَرْضِه عليهم قبل هذا بسنتين(٣). وأصلُ التحريض: إزالةُ الحَرَض، وهو ما لا خيرَ فيه ولا يعتدُّ به، فالتفعيل للسلبٍ والإزالة، كـ : قدَّيْتُه وجلَّدته، ولم يذكر المحرَّض عليه لغايةِ ظهوره. ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ﴾ أي (٤): نكايةَ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ومنهم قريش، و((عسى)) من الله تعالى كما قال الحسن وغيره تحقيقٌ، وقد فعل سبحانه ما وعد به، فعن ابن عباس څ: واعد رسولُ الله ێ أبا سفيان بعد حربٍ أحدٍ موسمَ بدرٍ الصغرى في ذي القعدة، فلمَّا بلغ الميعاد دعا الناس إلى الخروج، فكرهَهُ بعضُهم ـى حتى أَتَی موسمَ بدٍ، فنزلت، فخرجَ رسولُ اللهِ وَلٍ مع جماعةٍ من أصحابه فكفاهم الله سبحانه بأسَ العدوِّ، ولم يُوافقهم أبو سفيان، وأَلقَى الله تعالى الرُّعبَ في قلبه، ولم يكن قتالٌ يومئذٍ، وانصرف رسول الله وَّهُ بمَن معه سالمين(٥). (١) وهي بالتاءِ وفتح اللام كما قيدها أبو حيان في البحر ٣٠٩/٣، ونسبها لعبد الله بن عمر (٢) البحر ٣٠٩٥٣ . (٣) في (م): بسنين. (٤) قوله: أي، ليس في (م). (٥) ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره ٣٧٢/١، والبغوي ٤٥٧/١، والقرطبي ٤٨١/٦، دون نسبة، وعزاه الطبرسي في مجمع البيان ١٧٦/٥-١٧٧ للكلبي، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٠١٧) عن ابن عباس في سبب نزول الآيات (١٧٢-١٧٤) من سورة آل عمران. الآية : ٨٥ ١٧٥ سُورَةُ التَسَكَاةِ . أي: تعذيباً، ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسَا﴾ من الذين كفروا ﴿وَأَشَدُّ تَنكِيلًا وأصلُه: التعذيب بالنِّكْلِ - وهو القيدُ - فعمِّم، والمقصودُ من الجملة التهديدُ أو التشجيعُ(١). وإظهارُ الاسم الجليل لتربية المهابة، وتعليلِ الحكم، وتقويةٍ استقلال الجملة، وتذكيرُ الخبر لتأكيد التشديد. وقوله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَّةٌ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ﴾ أي: حظّ وافرٌ ﴿مِّنْهًا﴾ أي: من ثوابها، جملةٌ مستأنفَةٌ سيقَتْ لبيان أنَّ له عليه الصلاة والسلام فيما أَمرَ به مِن تَحريض المؤمنين حظًا موفوراً من الثواب، وبه ترتبطُ الآية بما قبلها كما قال القاضي. وقال علي بن عيسى: إنَّه سبحانه لمَّا قال: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ مشيراً به إلى أنَّه عليه الصلاة والسلام غيرُ مؤاخذٍ بفعل غيره، كان مظنةً لتوهُّم أنَّه كما لا يؤاخذُ بفعل غيره لا يزيدُ عملُه بعمل غيره أيضاً، فدفع ما عسى أن يُتوهّم بذلك. وليس بشيءٍ كما لا يخفَى. والشفاعة: هي التوسُّطُ بالقول في وصول الشخص ولو كان أعلى قَدْراً مِن الشفيع إلى منفعةٍ مِن المنافع الدنيوية أو الأخروية، أو خلاصُه عن مضرَّةٍ ما كذلك، من الشَّفْعِ ضدُّ الوتر، كأنَّ المشفوعَ له كان وتراً فجعله الشفيعُ شفعاً، ومنه الشفيع في الملك؛ لأنَّه يَضُّ ملكَ غيره إلى نفسه، أو يضمُّ نفسَه إلى مَن يشتريه ويطلبه منه. والحسنة: منها ما كانت في أمرٍ مشروعِ رُوعي بها حقُّ مسلم ابتغاءً لوجه الله تعالى، ومنها الدعاء للمسلمين، فإنَّه شفاعةٌ مَعنّى عند الله تعالى، روى مسلمٌ وغيرُه عن النبي ◌َّهِ: (مَن دعا لأخيه المُسْلِمِ بظَهْرِ الغيب استُجيب له، وقال الملكُ: ولَكَ مثلُ ذلك)»(٢)، وفيه بيانٌ لمقدار النصيب الموعود، ولا أرى حَسَناً إطلاقَ الشفاعةِ على الدعاء للنبيِّ وَّ، بل لا أكاد أُسوِّغه، وإن كانت فيه منفعةٌ له وَلّ كما أنَّ فيه منفعةً لنا على الصحيح. (١) في الأصل و(م): والتشجيع، والمثبت من حاشية الشهاب ١٦٢/٣، والكلام منه. (٢) صحيح مسلم (٢٧٣٢) من حديث أبي الدرداء فته، وهو عند أحمد (٢١٧٠٧). سُورَةُ الشَّة ١٧٦ الآية : ٨٥ وتفسيرُها بالدعاء كما نُقل عن الجبائي، أو بالصلح بين اثنين كما رَوى الكلبيُّ عن ابن عباس ﴿يا، لعلَّه مِن باب التمثيلٍ لا التخصيصٍ. وكون التحريض الذي فعله * من باب الشفاعة ظاهرٌ، فإنَّ المؤمنين تخلَّصوا بذلك من مَضرَّة التثُبُّط وتعبيرٍ العدو واحتمالِ الذل، وفازوا بالأجر الجزيل المخبوء لهم يوم القيامة، وربحوا أموالاً جسيمةً بسببٍ ذلك، فقد رُوي أنَّه عليه الصلاة والسلام لمَّا وافَى بجيشه بدراً ولم يَر بها أحداً من العدو أقامَ ثماني ليالٍ وكان معهم تجاراتٌ، فباعوها وأصابوا خيراً كثيراً. ومن الناس مَن فسَّر الشفاعةَ هنا بأنْ يصيرَ الإنسان شفعَ صاحبه في طاعةٍ أو معصيةٍ، والحسنةُ منها ما كان في طاعةٍ، فالجملة مسوقةٌ للترغيب في الجهاد، والترهيبٍ عن التخلَّف والتقاعد، وأمرُ الارتباط عليه ظاهرٌ، ولا بأس به غيرَ أنَّ الجمهور على خلافه. ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةُ سَيِئَةٌ﴾ وهي ما كانت بخلاف الحسنة، ومنها الشفاعةُ في حدٍّ من حدودِ الله تعالى، ففي الخبر: (مَن حالَتْ شفاعتُه دون حدٍّ مِن حدود الله تعالى فقدْ ضادَّ الله تعالى في ملكه، ومَن أعان على خصومةٍ بغيرِ علم كان في سَخَطِ الله تعالى حتى يَنْزِعَ»(١). واستثني من الحدود القصاصُ، فالشفاعةُ في إسقاطه إلى الدِّية غيرُ محرَّمة. ﴿يَكُن لَّهُ, كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ أي: نصيبٌ مِن رِزْرِها، وبذلك فسَّرَه السُّدي والربيع وابن زيد وكثير من أهل اللغة، فالتعبيرُ بالنصيب في الشفاعة الحسنة، وبالكِفل في الشفاعة السيئة للتفتُّن. وفرَّق بينهما بعضُ المحقّقين بأنَّ النصيب يَشملُ الزيادة، والكفل هو المِثْلُ المساوي، فاختيارُ النصيبِ أولاً لأنَّ جزاءً الحسنة يُضاعَفُ، والكفلِ ثانياً لأنَّ مَن جاء بالسيئة لا يُجزَى إلا مثلُها. ففي الآية إشارةٌ إلى لطف الله تعالى بعباده. وقال بعضُهم: إنَّ الكفل وإنْ كان بمعنى النصيب إلا أنَّه غَلَب في الشرِّ ونَدَر في غيره، كقوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْيِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] فلذا خصَّ بالسيئة تَطريةً وهرباً مِن التكرار. (١) أخرجه أحمد (٥٣٨٥)، وأبو داود (٣٥٩٧) من حديث ابن عمر الآية : ٨٦ ١٧٧ سُورَةُ المَسَكَاةِ 29﴾ أي: مُقتدراً، كما قاله ابن عباس حين سأله ﴿وَكَانَ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا عنه نافعُ بن الأزرق، واستشهد عليه بقول أحيحة الأنصاري: وذي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النفسَ عنهُ وكَنْتُ على مَساءتِهِ مُقْيْتًا(١) ورُوي ذلك عن جماعة من التابعين. : أَنَّه الحفيظ، واشتقاقه من القُوت، فإنَّه وفي روايةٍ أُخرى عن ابن عباس يقوِّي البدن ويحفظه. وعن الجبائي أنَّه المُجازي، أي: يُجازي على كلِّ شيءٍ من الحسنات والسيئات. وأصلهُ مُقْوِت فأُعلَّ كمُقيم. والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لمَا قبلها على سائر التفاسير. ﴿وَإِذَا حُبِِّثُم ◌ِنَحِيَّةٍ﴾ ترغيبٌ كما قال شيخ الإسلام في فردٍ شائعٍ من الشفاعة الحسنةِ إثرَ ما رَغَّبَ فيها على الإطلاق، وحذَّر عمَّا يقابلُها من الشفاعة السيئة، فإنَّ تحية الإسلام من المسلم شفاعةٌ منه لأخيه عند الله عز وجل(٢). وهذا أَوْلَى في الارتباط ممَّا قاله الطبرسي: إنه لمّا كان المراد بالسلام المُسالَمةُ التي هي ضدُّ الحرب، وقد تقدَّم ذكرُ القتال، عقَّبه به للإشارة إلى الكفّ عمَّن ألقَى إلى المؤمنين السَّلَم وحيَّاهم بتحية الإسلام(٣). والتحيةُ مصدرُ حَيَّى، أصلُها تَحْيِية كـ : تَنْمية وتَزْكية، وأصلُ الأصل تَحْيِيَيّ بثلاث ياءات، فحُذفت الأخيرةُ وعوّض عنها هاء التأنيث، ونُقلَتْ حركةُ الياء الأولى إلى ما قبلها، ثم أُدغمَتْ، وهي في الأصل كما قال الراغب: الدعاءُ بالحياة وطولِها، ثم استُعملت في كلِّ دعاءٍ، وكانت العرب إذا لقي بعضهم بعضاً (١) أخرجه أبو بكر الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٨٠، ونسب البيت في تفسير الطبري ٢٧٢/٧ للزبير بن عبد المطلب، وهو في التاج (قوت) لقيس بن رِفاعةً اليهودي أو لثعلبة بن محيصة، أو للزبير بن عبد المطلب عمّ رسول الله ◌َ﴾. (٢) تفسير أبي السعود ٢١٠/٢. (٣) مجمع البيان ١٨١/٥. سُورَةُ النَّسَاةِ ١٧٨ الآية : ٨٦ تقول: حيَّاك الله تعالى، ثم استعملها الشرع في السلام(١)، وهو تحية الإسلام قال الله تعالى: ﴿تَجِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمْ﴾ [الأحزاب: ٤٤] وقال سبحانه: ﴿فَسَلِّمُواْ عَلَّ أَنْفُسِكُمْ تَجِيَّةُ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النور: ٦١] وفيه - على ما قالوا - مزيةٌ على قولهم: حَيَّاك الله تعالى، لمَا أنَّه دعاءٌ بالسلامة عن الآفات، وربما تستلزم طول الحياة، وليس في ذلك سوى الدعاء بطول الحياة أو به وبالملك، ورُبَّ حياةٍ الموتُ خيرٌ منها : فهذا العَيشُ ما لا خيرَ فيهِ ألا موتٌ يُباعُ فأشتَرِيهِ تَصدَّقَ بالمَمَاتِ على أَخِيْهِ(٢) ألا رَحِمَ المُهِيمِنُ نَفْسَ حُرِّ وقال آخر: إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحياءِ ليسَ مَنْ ماتَ فاسترَاحَ بميْتٍ كاسفاً بالُهُ قليلَ الرَجاءِ(٣) إنّما الميْتُ مَن يَعيشُ كئيباً ولأنَّ السلام من أسمائه تعالى، والبداءةُ بذكره ممَّا لا ريبَ في فضله ومزيَّته. أي: إذا سُلِّم عليكم مِن جهة المؤمنين كما قال الحسن وعطاء، أو مُطلقاً (٤) كما أخرجَ ابنُ أبي شيبة والبخاريُّ في ((الأدب)) وغيرُهما عن ابن عباس . ، ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ أي: بتحيةٍ أحسنَ مِن التحية التي حُيِّيتُم بها، بأنْ تقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله تعالى، إن اقتصرَ المسلِّمُ على الأول، وبأن تزيدوا (وبركاته)) إنْ جَمَعَهُما المسلِّم، وهي النهايةُ، فقد أخرج البيهقيُّ عن عروةً بنٍ (١) مفردات الراغب (حيي). (٢) البيتان للمهلبي الوزير الحسن بن محمد من ولد قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، كما في يتيمة الدهر ٢٦٦/٢، وزهر الآداب ١٣٩/١، والوافي بالوفيات ٢٢٤/١٢، وفيها جميعاً: تصدق بالوفاة .. . (٣) البيتان لعدي بن الرعلاء، كما في الأصمعيات ص١٥٢، واللسان (موت)، وخزانة الأدب ٥٨٣/٩. وينسب الأول للبحتري، وهو في ديوانه ٤٩/١، وسلف ١٧٨/٢ . (٤) مصنف ابن أبي شيبة ٦٣١/٨، والأدب المفرد (١١٠٧) ولفظه: ردُّوا السلام على مَن كان يهوديًّا أو نصرانياً أو مجوسيًّا، ذلك بأن الله يقول: ﴿وَإِذَا حُبِيِثُم ◌ِنَحِيَّقِ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُوهَا﴾. الآية : ٨٦ ١٧٩ سُورَةُ النَّسَاءِ الزبير أنَّ رجلاً سلَّم عليه فقال: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، فقال عروةُ: ما ترَكَ لنا فضلاً، إن السلام قد انتهى إلى: وبركاته(١). وفي معناه ما أخرجه الإمام أحمد والطبرانيُّ عن سلمانَ الفارسيِّ مرفوعاً (٢). وذلك لانتظام تلكَ التحيةِ لجميع فنون المطالب التي هي السلامةُ عن المضارِّ، ونيلُ المنافع ودوامُها ونماؤها(٣). وقيل: يزيد المُحَيَّى إذا جمع المُحَيِّي الثلاثةَ له، فقد أخرج البخاريُّ في ((الأدب المفرد)» عن سالم مولى عبد الله بن عمر قال: كان ابنُ عمر إذا سُلِّم عليه فردَّ زاد، فأتيته فقلتُ: السلام عليكم. فقال: السلام عليكم ورحمة الله تعالى. ثم أتيته مرةً أخرى فقلتُ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاتُه، وطيِّبُ صلواتِه(٤) . ولا يتعيَّنُ ما ذكر للزيادة، فقد ورَدَ في خبرِ رواه أبو داود والبيهقيُّ عن معاذٍ زيادةُ: ومغفرتُه(٥). فما في ((الدرِّ)) مِن أنَّ الرَّاذَّ لا يزيد على ((وبركاته))(٦)، غيرُ مُجمَعٍ عليه. ﴿أَوْ رُدُّوهَاً﴾ أي: حيُّوا بمثلها، و((أو)) للتخيير بينَ الزيادةِ وتركِها، والظاهرُ أنَّ الأول هو الأفضلُ في الجواب، بل لو زاد المسلِّم على «السلامُ عليكم» كان أفضلَ، فقد أخرج البَيْهقيُّ عن سهلٍ بن حنيف قال: قال رسول الله وَّهِ: (مَن قال: السلامُ عليكم، كتبَ الله تعالى له عشرَ حسناتٍ، فإنْ قال: السلامُ عليكم ورحمة الله تعالى، كتبَ الله تعالى له عشرينَ حسنةً، فإنْ قال: السلامُ عليكم ورحمة الله تعالى (١) شعب الإيمان (٩٠٩٦). (٢) عزاه لأحمد في الزهد السيوطي في الدر ١٨٧/٢، وهو في المعجم الكبير (٦١١٤)، والعلل لابن الجوزي (١١٩٦) من طريق أحمد بن حنبل، عن هشام بن لاحق، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن سليمان، عن النبي ◌َّر. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٣/٨: هشام بن لاحق قواه النسائي وترك أحمد حديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح. (٣) في الأصل و(م): ونمائها، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢١١/٢، والكلام منه. (٤) الأدب المفرد (١٠١٦). (٥) سنن أبي داود (٥١٩٦)، وشعب الإيمان (٨٧٦) ومعاذ هو ابن أنس الجهني (٦) الدر المختار للحصكفي ٣٩٩/٢. سُورَةُ السَّةِ ١٨٠ الآية : ٨٦ وبركاتُه، كتب الله تعالى له ثلاثين حسنةً))(١). ووَرَد في معناه غيرُ ما خبرٍ (٢). وقد نصُّوا على أنَّ جوابَ السلام المسنونِ واجبٌ، ووجوبُه على الكفاية، ولا يُؤْثِّرُ فيه إسقاطٌ المسلِّم؛ لأنَّ الحقَّ لله تعالى، ودليلُ الوجوب الكفائيّ خبرُ أبي داود(٣)، وفي معناه ما أخرجه البيهقيُّ عن زيد بن أسلم ولم يُضعِّفه: ((يُجْزِئُّ عن الجماعة إذا مرُّوا أنْ يُسلِّم أحدهم، ويُجزِئُ عن الجلوس أنْ يردَّ أحدهم))(٤) فبه يَسقطُ الوجوبُ عن الباقين، ويختصُّ بالثواب، فلو ردُّوا كلُّهم ولو مرَّباً أُثيبوا ثوابَ الواجب . وفي ((المبتغى))(٥): يَسقطُ عن الباقين بردٍّ صبيٍّ يَعقلُ؛ لأنَّه من أهل إقامةٍ الفرض في الجملة بدليل حِلِّ ذبيحته، وقيل: لا. وظاهرُ ((النهاية)» ترجيحُه، وعليه الشافعية؛ قالوا: ولو ردَّ صبيٍّ أو [مَن] لم يُسمَع منهم لم يَسقط، بخلاف نظيره في الجنازة؛ لأنَّ القصد ثَمَّ الدعاءُ، وهو منه أقربُ للإجابة، وهنا الأمنُ وهو ليس مِن أهله، وقضيَّتُه أنَّه يُجزِئ تشميتُ الصبيّ عن جمعٍ؛ لأنَّ القصدَ التبرُّكُ والدعاء، كصلاة الجنازة(٦). ويسقطُ بردِّ العجوز، وفي ردِّ الشابَّة قولان عندنا(٧)، وعند الشافعية: لو رَدَّتِ امرأةٌ عن رجلٍ أجزاً إنْ شُرعَ السلامُ علیھا(٨)، وعليه فلا يختصُّ بالعجوز بل المَحْرَمُ وأمةُ الرَّجل وزوجتُه كذلك. (١) شعب الإيمان (٨٨٧٥)، وأخرجه أيضاً الطبراني (٥٥٦٣)، وضعف إسناده الحافظ في الفتح ٦/١١. (٢) منها ما أخرجه أحمد (١٩٩٤٨)، وأبو داود (٥١٩٥)، والترمذي (٢٦٨٩)، وإسناده قوي كما ذكر الحافظ في الفتح ٦/١١. وينظر باقي شواهده في حاشية المسند. (٣) في سننه (٥٢١٠) من حديث علي ته، ولفظه كلفظ حديث زيد بن أسلم الآتي. وقال ابن عبد البر في التمهيد ٥/ ٢٩٠ عن حديث علي: وهو حديث حسن لا مُعارِض له. (٤) شعب الإيمان (٨٩٢٣). (٥) المبتغى في فروع الحنفية للشيخ عيسى بن محمد الحنفي. كشف الظنون ١٥٧٩/٢. ونقله المصنف عنه بواسطة الدر المختار ٣٩٩/٢. (٦) نهاية المحتاج ٨/ ٥١، وما سلف بين حاصرتين منه. (٧) الدر المختار ٣٩٩/٢. (٨) نهاية المحتاج ٥١/٨.