النص المفهرس
صفحات 121-140
الآية : ٦٦ ١٢١ سُورَةُ النَّسَاءِ ففطنَ يهوديٌّ كان مع المقداد فقال: قاتلَ الله تعالى هؤلاء، يَشهدون أنَّه رسولُ الله ويَتَّهمونَه في قضاءٍ يقضي بينهم، وايمُ الله تعالى لقد أذنبنا ذنباً مرةً في حياة موسى عليه السلام، فدعانا إلى التوبة منه وقال: اقتلوا أنفسكم، ففعلنا، فبلغ قتلانا سبعينَ ألفاً في طاعة ربِّنا حتى رضيَ عنَّا. فقال ثابتُ بن قيس: أمَّا والله إنَّ الله تعالى ليعلم مِنِّي الصدق، لو أمرني محمد وَّهِ أنْ أقتلَ نفسي لقتلتها(١). وروي أنَّ قائل ذلك هو وابن مسعود وعمار بن ياسر، وأنَّه بلغ رسول الله وَله عنهم فقال: ((والذي نفسي بيده إنَّ مِن أُمتي رجالاً الإيمان في قلوبهم أثبتُ من الجبال الرواسي)) وأنَّ الآيةَ نزلَتْ فيهم(٢). وفي روايةِ البغوي الاقتصارُ على ثابت بن قيس(٣). وعلى هذا الأثرِ وجْهُ مناسبةٍ ذِكرٍ هذه الآية ممَّا لا يَخْفَى، وكأنه لذلك قال صاحب ((الكشاف)) في معناها: لو أَوجبنا عليهم مِثلَ ما أوجبنا على بني إسرائيلَ، مِن قتلهم أنفسَهم، أو خروجهم مِن ديارهم حينَ استُثيبوا من عبادة العجل، ما فعلوه (٤) إلا قليل(٤). وقال بعضُهم: إنَّ المرادَ: إننا قد خَفَّفنا عليهم، حيث اكتفينا منهم في تَوبتهم بتحكيمك والتسليم له، ولو جعلنا توبتهم كتوبةٍ بني إسرائيل لم يتوبوا. والذي يُفهم مِن فحوى الأخبار المعوَّلِ عليها أنَّ هذه الكتابة لا تَعلُّقَ لها بالاستتابة، ولعلَّ المرادَ مِن ذكر ذلك مجردُ التنبيه على قصور كثيرٍ من الناس وَوَهْنِ إسلامهم إثرَ بيانٍ أَنَّه لا يَتِمُّ إيمانهم إلا بأنْ يُسلِّموا حقَّ التسليم، وظاهرُ ما ذكره الزمخشريُّ من أنَّ بني إسرائيلَ أُمروا بالخروج حينَ استُثيبوا ممَّا لا يكاد يصحُّ إذا (١) ذكره الثعلبي ٣/ ٣٤٠، والبغوي ٤٤٨/١، وقال الحافظ في الفتح ٣٦/٥: وفي صحة هذا نظر. (٢) الكشاف ٥٣٩/١. وقال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص٤٦: لم أجده هكذا، وإنما ذكره الثعلبي [في تفسيره ٣٤١/٣] عن الحسن ومقاتل قالا: لمَّا نزلت هذه الآية قال عمر وعمار وابن مسعود: والله لو أمرنا الله لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ النبيَّ ◌َ} ذلك فقال، فذكره. اهـ. (٣) تفسير البغوي ٤٤٨/١-٤٤٩. (٤) الكشاف ٥٣٩/١. سُورَةُ النَّسَنَاةِ ١٢٢ الآية : ٦٦ أُريد بالديار الديار المصرية؛ لأنَّ الاستتابةَ مِن عبادة العجلِ إنما كانت بعد الخروج منها وبعد انفلاقِ البحر، وهذا ممَّا لا امتراءَ فيه، على أنَّا لا نُسلِّم أنهم أُمروا بالخروج استتابةً في وقتٍ من الأوقات. وحمْلُ الذِّلَّةِ على الخروج من الديار؛ لأنَّ ذلَّ الغربةِ مَثَلٌ مضروب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَبَّنَالُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَّةٌ ﴾ [الأعراف: ١٥٢] لا يُفيد؛ إذ الآيةُ لا تَدلُّ على الأمر به والنزاع فيه، على أنَّ في كون هذه الآيةِ في التائبين من عبادة العجل نزاعاً، وقد حقَّقَ بعضُ المحقّقين أنَّها في المُصرِّيْنَ المستمرِّينَ على عبادته كما ستعلمه إنْ شاء الله تعالى. والعجبُ من صاحب ((الكشف» كيف لم يتعقّب كلام صاحب ((الكشاف» بأكثر مِن أنَّه ليس منصوصاً في القرآن، ثم نَقَلَ كلامه في الآية. هذا والكلامُ في ((لو)) هنا أشهر من نارٍ على علم، وحقُّها كما قالوا: أنَّ يليَها فعلٌ، ومن هنا قال الطبرسيُّ: التقدير: لو وَقَع كتبنا عليهم (١). وقال الزجَّاج(٢): إنَّها وإنْ كان حقُّها ذلك إلا (٣) أنَّ ((أنَّ) الشديدة تقعُ بعدها؛ لأنَّها تنوبُ عن الاسم والخبر، فتقول: ظننتُ أَنك عالمٌ، كما تقول: ظننتُك عالماً، أي: ظننتُ علمَك ثابتاً، فهي هنا نائبةٌ عن الفعل والاسم، كما أنَّها هناك نائبةٌ عن الاسم والخبر. وضميرُ الجمع في ((عليهم)) وما بعده، قيل: للمنافقين، ونُسبَ إلى ابن عباسٍ ومجاهد. واعتُرض بأنَّ فعلَ القليلِ منهم غيرُ مُتصوَّرٍ، إذ هم المنافقون الذين لا تَطيبُ أنفسهم بما دون القتلِ بمراتب، وكلُّ شيءٍ دون المنية سهلٌ، فكيف تَطيبُ بالقتل ويمتثلون الأمر به؟! وأُجيبَ بأنَّ المرادَ: لو كتبنا على المنافقينَ ذلك ما فعلَه إلا قليلٌ منهم رياءً وسُمعةً، وحينئذٍ يصعبُ الأمرُ عليهم ويَنكشفُ كفرهم، فإذا لم نفعل بهم ذلك بل كلَّفناهم الأشياءَ السهلةَ، فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص. ونُسب ذلك للبلخي. (١) مجمع البيان ١٤٨/٥ . (٢) في معاني القرآن ٢/ ٧١. (٣) قوله: إلا، ساقط من الأصل، والمثبت من (م) ومعاني القرآن. الآية : ٦٦ ١٢٣ سُورَةُ المَسَاةِ ولا يخفى أنَّ قوله وَّ في عبد الله بن رواحة: ((لو أنَّ الله تعالى كَتَب ذلك لكان منهم)) وكذا غيرُه من الأخبار السالفةِ، تأبى هذا التوجيه غايةَ الإباء؛ لأنَّها مسوقةٌ للمدح، ولا مدحَ في كون أولئك المذكورينَ مِن القليل الذين يمتثلون الأمر رياءً وسُمعةً، بل ذلك غايةٌ في الذمِّ لهم وحاشاهم. وقيل: للناس مطلقاً والقلَّة إضافيةٌ؛ لأنَّ المراد بالقليل المؤمنونَ، وهم وإنْ كثروا قليلون بالنسبة إلى مَن عَدَاهم مِن المنافقين والكَفَرة المتمردين(١) ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وحينئذٍ لا يَرِدُ أنَّه يَلزمُ من الآية كونُ بني إسرائيلَ أقوى إيماناً من أصحاب رسول الله وَّر، حيث امتثلوا أمرَ الله تعالى لهم بقتل أنفسهم حتى بلغَ قتلاهم سبعين ألفاً، ولا يمتثله لو كان من الصدر الأول إلا قليلٌ. ومِن الناس مَن جعل الآيةَ بياناً لكمال اللطفِ بهذه الأمةِ، حيثُ إنَّه لا يقبلُ القتلَ منهم إلا القليلُ؛ لأنَّ الله تعالى يعفو عنهم بقتل قليلٍ، ولا يَدِعُهم أنْ يُقْتَلَ الكثيرُ كبني إسرائيل، لا أنَّهم (٢) لا يفعلون كما فعل بنو إسرائيل لقلَّة المُخْلِصين فيهم وكثرة المخلصين في بني إسرائيل ليلزم التفضيل. وقيل: يحتمل أنْ يكونَ قَتْلُ كثيرٍ مِن بني إسرائيل لأنَّهم لو لم يَنقادوا لأهلكهم عذابُ الله تعالى، وهذه الأمة مأمونون إلى يوم القيامة، فلا يُقْدِمون كما أقدموا لعدم خوفِ الاستئصال، لا لأنَّهم دون وأنَّ بني إسرائيل أقوى منهم إيماناً . وأنت تعلم أنَّ الآية بمراحلَ على إفادتها كمالَ اللطف، والسباقُ والسياقُ لا يُشعران به أصلاً، وأنَّ خوفَ الاستئصال وعدمَه ممَّا لا يكاد يَخطر ببالٍ كما لا يخفَى على مَن عرف الرجال بالحقِّ لا الحقَّ بالرجال. والضميرُ المنصوب في ((فعلوه)) للمكتوب الشاملِ للقتل والخروج؛ لدلالة الفعلِ عليه، أو هو عائدٌ على القتل والخروجِ، وللعطف بـ ((أو)) لزم توحيدُ الضمير؛ لأنَّهَ عائدٌ لأحد الأمرَين، وقولُ الإمام الرازي: إنَّ الضمير عائدٌ إليهما معاً بالتأويل(٣)، تَنبو عنه الصناعةُ. (١) في (م): والمتمردين. (٢) في الأصل: لأنهم. (٣) تفسير الرازي ١٦٧/١٠. سُورَةُ الشَحَّةِ ١٢٤ الآية : ٦٦ و ((قليل)) لكون الكلام غيرَ موجبٍ بدلٌ من الضمير المرفوع في «فعلوه)). وقرأ ابن عامر: ((إلا قليلاً)) بالنصب(١)، وجعلَهُ غيرُ واحدٍ على أنَّه صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، والاستثناءُ مفرَّغُ، أي: ما فعلوه إلا فعلاً قليلاً، و((مِن)) في ((منهم)) حينئذٍ للابتداء، على نحو: ما ضربتَه إلا ضرباً منك مبرِّحاً. وقال الطيبي: إنَّها بيانٌ للضمير في فعلوا؛ كقوله تعالى: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧٣] على التجريد(٢). وليس بشيءٍ. ٩٠ وكأنَّ الذي دعاهم إلى هذا والعدولِ عن القول بنصبه على الاستثناء أنَّ النصبَ عليه في غيرِ الموجبِ غيرُ مختارٍ، فلا يُحمل القرآنُ عليه كما يشيرُ إليه كلامُ الزجَّاج (٣)، حيث قال: النصبُ جائزٌ في غير القرآن. لكن قال ابنُّ الحاجب(٤): لا بُعدَ في أنْ يكونَ أقلُّ القرَّاء على الوجه الأقوى، وأكثرُهم على الوجه الذي هو دونه، بل التزم بعضُ الناس أنَّه يجوزُ أنْ يُجْمِعَ القرَّاءُ [على] غير الأقوى. وحقَّقه الحمصي(٥). وقيل: بل يكونُ إجماعهم دليلاً على أنَّ ذلك هو القوي؛ لأنهم هم المتقنون الآخذونَ عن مشكاة النبوة، وأنَّ تعليلَ النحاة غيرُ مُلتفتٍ إليه. ورجّح بعضهم أيضاً النصب على الاستثناء هنا بأنَّ فيه تَوَافُقُ القراءتين معنًى، وهو ممَّا يُهتُمُّ به، وبأنَّ توجيه الكلامِ على غيرِه لا يخلو عن تكلُّفٍ ودَغدغةٍ. وقرأ أبو عمرو ويعقوب: ((أنِ اقتلوا)) بكسر النون على الأصل في التخلُّص من الساكنين، و((أوُ اخرجوا» بضم الواو للإتباع والتشبيهِ بواو الجمع في نحو: ﴿وَلَا (١) التيسير ص٩٦، والنشر ٢/ ٢٥٠. (٢) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٣) في معاني القرآن ٢/ ٧٢ . (٤) كما في حاشية الطيبي على الكشاف، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٥) ياسين بن زين الدين، ولد بحمص ونشأ واشتهر، وتوفي بمصر، له حواش كثيرة منها حاشية على التصريح شرح التوضيح في النحو، وحاشية على ألفية ابن مالك، توفي سنة (١٠٦١ هـ). خلاصة الأثر ٤ / ٤٩١. الآية : ٦٧ ١٢٥ سُورَةُ السَّكَاةِ تَنْسَوَأْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقرأ حمزة وعاصم بكسرهما على الأصل والباقون بضمِّهما(١)، وهو ظاهر. و((أنْ)) كيفما كانت نونُها إمَّا مُفسِّرةٌ لـ ((أنَّا كتبنا)) في معنى ((أَمرْنا))، ولا يضرُّ تعلِّيه بـ ((على)) لأنَّه لم يَخرُج عن معناه، ولو خرجَ فتعدِّيه باعتبار معناهُ الأصليّ جائزٌ كما في: نَطَقَتِ الحالُ بكذا، حيث تعدَّى الفعلُ بالباء مع أنَّهم قد يُريدون به : دلَّ، وهو يَتعدَّى بعلى، وإنْ أبيتَ هذا - ولا أظنُّ - قلنا: إنَّه بمعنى أوحينا. وإمَّا مصدرية وهو الظاهرُ، ولا يَضرُّ زوالُ الأمر بالسَّبك؛ لأنَّه أمرٌ تقديريٌّ. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِدٍ﴾ أي: ما يؤمرون به مقروناً بالوعد والوعيدِ، من متابعة الرسول و﴿ والانقياد إلى حكمه ظاهراً وباطناً ﴿لَكَانَ﴾ فعلهُم ذلك ﴿غَيّاً لَّهُمْ﴾ عاجلاً وآجلاً ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾﴾ لهم على الحقِّ والصواب، وأمنعَ لهم من الضلال، وأبعدَ من الشبهات كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَِّنَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى﴾ [محمد ١٧]. وقيل: معناه: أكثر انتفاعاً؛ لأنَّ الانتفاع بالحقِّ يدومُ ولا يَبْطُلُ؛ لاتصاله بثواب الآخرة، والانتفاعُ بالباطل يبطلُ ويَضمحلٌّ ويتَّصل بعقاب الآخرةِ. ﴿وَإِذَا لَّكَتَيْنَهُمْ﴾ لأعطيناهم ﴿مِّن لَّدُنََّ﴾ مِن عندنا ﴿أَجْرًا﴾ ثواباً ﴿عَظِيمًا ٦٧ لا يَعْرِفُ أحدٌ مبدأه ولا يَبْلِغُ منتهاه. وإنما ذَكَر ((مِن لدنَّا)) تأكيداً ومبالغةً، وهو متعلّقٌ بـ (آتيناهم))، وجُوِّز أنْ يكون حالاً من ((أجراً)). والواو العطف و((لآتيناهم)) معطوفٌ على ((لكانَ خيراً لهم)) لفظاً، و((إذاً» مُفحمةٌ للدلالة على أنَّ هذا الجزاءَ الأخيرُ بعد تَرتُّب التالي السابق على المقدَّم، ولإظهار ذلك وتحقيقِهِ قال المحقّقون: إنَّه جوابٌ لسؤالٍ مُقدَّرٍ كأنه قيل: وماذا يكون لهم بعد التثبيت؟ فقيل: وإذاً لو ثبتوا لآتيناهم، وليس مرادُهم أنَّه جوابٌ لسؤالٍ مقدَّرٍ لفظاً ومعنّى، وإلا لم يَكن لاقترانه بالواو وجهٌ، وإظهارُ ((لو)» ليس لأنَّها مقدَّرةٌ بل لتحقيق أنَّ ذلك جوابٌ للشرط، لكن بعد اعتبارٍ جوابه الأول. (١) التيسير ص٧٨، والنشر ٢٢٥/٢. سُورَةُ المَشَاءِ ١٢٦ الآية : ٦٨ - ٦٩ والمراد بالجواب في قولهم جميعاً: إنَّ ((إذاً)) حرفُ جوابٍ دائماً، أنَّها لا تكون في كلام مُبتدَأ بل هو في كلامٍ مبنيٌّ على شيءٍ تقدَّمه ملفوظٍ (١) أو مقدرٍ، سواءٌ كان شرطاً أَو كلامَ سائلٍ أو نحوَهَ، كما أنَّه ليس المراد بالجزاء اللازم لها أو الغالبٍ إلا ما يكون مجازاةً لفعلٍ فاعلٍ، سواء السائلُ وغيرُه، وبهذا تندفَعَ الشُّبَهُ المُؤْرَدةُ في هذا المقام. وزَعَم الطيبيُّ(٢) أنَّ ما أَشَرْنا إليه من التقدير تكلُّفٌ من ثلاثة أوجُوٍ، وهو توهُمُ منشؤُه الغفلةُ عن المراد، كالذي زَعَمه العلّامة الثاني. فتدبر. ﴾ وهو المراتبُ بعد الإيمان، التي تفتحُ أبوابَها ﴿وَلَهَدَيْتَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (َّ للعاملين، فقد أخرج أبو نعيم في ((الحلية)) عن أنس قال: قال رسول الله وَّ} ((مَن عمل بما عَلِمَ أَورثَه الله تعالى عِلْمَ ما لم يَعلَم))(٣). وقال الجبائي: المعنى: ولهديناهم في الآخرة إلى طريق الجنةِ. ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ بالانقياد لأمره ونَهْبِهِ ﴿وَالرَّسُولَ﴾ المبلِّغَ ما أُوحيَ إليه منه باتِّباع شريعته، والرضا بحكمه. والكلامُ مُستأنفٌ فيه فضلُ ترغيبٍ في الطاعة ومزيدُ تشويقٍ إليها، ببيانِ أنَّ نتيجتها أقصى ما تنتهي إليه هممُ الأُمم، وأرفعُ ما تمتدُّ إليه أعناقُ أمانيهم، وتَشرئبُّ إليه أعينُ عزائمهم، من مجاورة أعظم الخلائق مقداراً وأَرْفَعِهم مَناراً، ومُتضمِّنٌ لتفسير ما أبهم وتفصيل ما أجمل في جواب الشرطية السابقةِ . (ومَن)) شرطيةٌ، وإفرادُ ضمير ((يُطِعْ)) مراعاة للَّفظ، والجمعُ في قوله سبحانه ﴿فَأُوْلَكَ﴾ مراعاة للمعنى، أي: فالمطيعون الذين علَتْ درجتُهم وبعُدَتْ منزلتهم شرفاً وفضلاً ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بما تقصُرُ العبارةُ عن تفصيله وبيانه ﴿مِّنَ (١) في الأصل: ملفوظ به، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ١٥٢/٣، والكلام منه. (٢) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٣) الحلية ٥/١٠. وذكر أبو نعيم أن أحمد بن حنبل ذكر هذا الكلام عن بعض التابعين عن عيسى بن مريم عليه السلام، فوهم بعض الرواة أنه ذكره عن النبي وَ طير، فوضع له عن الإمام أحمد سنداً - وهو عن يزيد بن هارون عن حميد عن أنس - لسهولته وقربه، وهذا الحديث لا يحتمل بهذا الإسناد عن أحمد. الآية : ٦٩ ١٢٧ سُورَةُ الشَكَاةِ النَّبِنَ﴾ بيانٌ للمنعَم عليهم، فهو حالٌ إمَّا مِن ((الذين))، أي: مقارنيهم حالَ كونهم من النبيين، وإمَّا مِن ضميره. والتعرُّضُ لمعية الأنبياء دون نبيِّنَا وَّرِ خاصةً مع أنَّ الكلام في بيان حُكْمٍ طاعتِهِ عليه الصلاة والسلام لجريانِ ذكرهم في سببٍ النزول مع الإشارة إلى أنَّ طاعتَه مُتضمّنةٌ لطاعتهم، أخرج الطبراني وأبو نُعيم والضياءُ المَقْدِسيُّ وحسَّنه قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَّه فقال: يا رسول الله: إنَّك لأَحبُّ إليَّ مِن نفسي، وإنَّك لأحبُّ إليَّ مِن ولدي، وإِّي لأكونُ في البيت فأذكرُكَ فما أصبرُ حتى آتي فأنظرَ إليك، وإذا ذكرتُ موتي وموتَكَ عرفتُ أنك إذا دخلتَ الجنةَ رُفعتَ مع النبيِّين، وإنِّي إذا دخلتُ الجنة خشيتُ أنْ لا أراك. فلم يَردَّ عليه النبيُّ وَ﴿ شيئاً حتى نزلَ جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ إلخ(١)، ورُوي مثلُه عن ابن عباس(٢) . وقال الكلبيُّ: إنَّ ثوبان مولى رسولِ اللهِ وَّ كان شديدَ الحبِّ له عليه الصلاة والسلام، قليلَ الصبرِ عنه، وقد نَحِل جسمُه وتَغيَّرَ لونُه خوفَ عدم رؤيتِهِ وَّهِ بعد الموتِ، فذكّرَ ذلك لرسول الله وَّ فأنزلَ الله تعالى هذه الآية(٣). وعن مسروق: أنَّ أصحاب رسول اللهِ وَّر قالوا: ما ينبغي لنا أنْ نُفارقك في الدنيا، فإنك إذا فارَقْتَنَا رُفعْتَ فوقنا، فَزَلَتْ(٤). وبدأ بذكر النبيِّين لعلُوِّ درجتهم وارتفاعِهم على مَن عَدَاهم، وقد نقل الشعرانيُّ عن مولانا الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه أنَّه قال: فُتح لي قَدْرُ خَرْمِ إبرةٍ مِن مَقامِ النبوّة تجلّياً لا دخولاً فكدتُ أَحترِقُ(٥). ثم عطَفَ عليهم على سبيل التدلِّي قولَه سبحانه: ﴿وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَِّينَ﴾. (١) المعجم الأوسط (٤٨٠)، والصغير (٥٢)، والحلية ٢٣٩/٤، وأخرجه الضياء في صفة الجنة كما في الدر المنثور ١٨٢/٢، وهو من حديث عائشة رؤيا، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٧: رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي، وهو ثقة. (٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢٥٥٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٧: فيه عطاء بن السائب وقد اختلط. (٣) ذكره عن الكلبي أبو الليث في تفسيره ٣/ ٩٩٧، والواحدي في أسباب النزول ص١٥٨ . (٤) أخرجه الطبري ٧/ ٢١٤، وابن أبي حاتم ٣/ ٩٩٧، والواحدي في أسباب النزول ص١٥٨. (٥) تقدم ٤٣٣/٣. سُورَةُ الشَكّلة ١٢٨ الآية : ٦٩ فالمنازلُ أَربعةٌ بعضُها دونَ بعض : الأولُ: منازلُ الأنبياء، وهم الذين تمدُّهم قوةٌ إلهيةٌ، وتصحبُهم نَفْسٌ في أعلى مراتبِ القُدْسية، ومَثَلُهم كمَن يَرى الشيءَ عِياناً مِن قريبٍ، ولذلك قال تعالى في صفة نبيّنا بَّهِ: ﴿أَفْتُونَهُ، عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١٢]. والثاني: منازل الصِّدِّيقين، وهم الذين يَتأخّرون على الأنبياء عليهم السلام في المعرفة، ومَثَلُهم كمَن يَرى الشيء عِياناً مِن بعيدٍ، وإياه عنَى عليٍّ كرم الله وجهَهُ حيث قيل له: هل رأيتَ الله تعالى؟ فقال: ما كنتُ لأعبدَ ربًّا لم أَرَهُ. ثم قال: لم تَرَهُ العيون بشواهد العيان، ولكن رأتُه القلوب بحقائق الإيمان(١). والثالث: منازلُ الشهداء، وهم الذين يعرفون الشيءَ بالبراهين، ومَثَلُهم كمَن يَرى الشيءَ في المرآة من مكانٍ قريبٍ، كحال مَن قال: ((كأنّ أنظرُ إلى عرشِ ربي بارزاً)(٢)، وإياه قصدَ النبيُّ وَّهِ بقوله: ((اعبدِ الله كأنك تَرَاه)»(٣). والرابع: منازلُ الصالحين، وهم الذين يعلمون الشيءَ بالتقليد الجازم، ومَثَلَهم كَمَن يَرَى الشيء مِن بعيدٍ في مرآة، وإِيَّاه قصدَ النبيُّ وَّه بقوله: ((فإنْ لم تكن تراه فإنَّه يراك))(٤). قاله الراغب. ونقله الطيبي وغيرُهُ(٥) . ونَقلَ بعضُ تلامذةٍ(٦) مولانا الشيخ خالد النقشبندي قُدِّسَ سرُّه عنه أنَّه قرَّر يوماً أنَّ مراتبَ الكُمَّل أربعةٌ: نبوَّةٌ وقطبُ مدارِها نبيُّنَا وَّةِ، ثم صدِّيقيَّة وقطبُ مدارها أبو بكر الصديق ﴿ه، ثم شهادةٌ وقطبُ مدارِها عمرُ الفاروق ◌َ﴿به، ثم ولايةٌ وقطبُ مدارها عليٍّ كرم الله وجهه، وأنَّ الصلاح في الآية إشارةٌ إلى الولايةِ. فسأله (١) أخرجه ابن عساكر ٢٨٢/٥٤ من كلام محمد بن علي بن الحسين. (٢) قطعة من حديث أخرجه العقيلي في الضعفاء ٤/ ٤٥٥ عن أنس له، وقال: ليس لهذا الحدیث إسناد یثبت. (٣) أخرجه أحمد (٦١٦٥) من حديث عبد الله بن عمر ﴿يا وينظر التعليق الذي بعده. (٤) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٣٦٧)، ومسلم (٨) عن عمر ظ له، والبخاري (٥٠) عن أبي هريرة به. وقبله: ((أن تعبد الله كأنك تراه ... )). (٥) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية، والبحر ٢٨٧/٣-٢٨٨، وقال أبو حيان: وهو شبيه بكلام المتصوفة. (٦) في هامش الأصل: الشيخ إسماعيل البرزنجي الكردي. الآية : ٦٩ ١٢٩ سُورَةُ السَكَاةِ بعضُ الحاضرين عن عثمانَ ﴿به في أيِّ مَرتبةٍ هو مِن مراتبِ الثلاثة بعد النبوة؟ فقال: إنَّه ﴿به قد نال حظًّا مِن رتبةِ الشهادة، وحظًّا مِن رتبة الولاية، وإنَّ معنى کونه ذا النورين هو ذلك عند العارفين. انتهى. وأنا(١) مستعيناً بالله تعالى، ومُستمِدًّا مِن نفحات(٢) القوم قَدَّسَ الله تعالى أسرارَهم أقول: إنَّ الولايةَ هي المحيطةُ العامَّةُ والفلكُ والدائرةُ الكبرى، وإنَّ الوليَّ مَنْ كان على بينَّةٍ من ربِّه في حاله، فعرفَ مآله بإخبار الحقِّ إِيَّاه على الوجه الذي يَقع به التصديقُ عنده، ويَصدُقُ على أصنافٍ كثيرة، إلا أنَّ المذكور منها في هذه الآية أربعةٌ: الصنف الأول: الأنبياءُ، والمرادُ بهم هنا الرسل أهلُ(٣) الشرع، سواءٌ بُعثوا أو لم يُبعثوا، أعني بطريق الوجوب عليهم، ولا بحث لأهل الله تعالى عن مقاماتهم وأحوالهم، إذ لا ذوقَ لهم فيها، وكلُّهم مُعترفون بذلك، غيرَ أنَّهم يقولون: إنَّ النبوة عامةٌ وخاصّةٌ، والتي لاذوقَ لهم فيها هي الخاصةُ، أعني نبوَّةَ التشريع، وهي مقامٌّ خاصٌّ في الولاية، وأما النبوةُ العامةُ فهي مستمرَّةٌ ساريةٌ في أكابر الرجال غيرُ منقطعةٍ دنيا وأخرى، لكن باب الإطلاق قد انسدَّ. وعلى هذا يخرَّج مارواه البدرُ التماسكيُّ(٤) البغداديُّ عن الشيخ بشيرٍ عن القطب عبد القادر الجيليّ قُدِّسَ سرُّه أنَّه قال: معاشر الأنبياء أُوتيتم اللقب وأُوتينا مالم تُؤْتَوا. فإنَّ معنى قوله: أوتيتُم اللقب، أنَّه حُجِرَ علينا إطلاقُ لفظِ النبيِّ، وإنْ كانت النبوَّةُ العامة أبديةً، وقوله: وأوتينا مالم تُؤْتَوا، على حدٍّ قول الخضر لموسى عليه السلام، وهو أفضل منه: يا موسى، أنا على علم علَّمنيه الله تعالى لا تعلّمه أنت. وهذا وجهٌ آخرُ غيرُ ما أسلفنا مِن قبلُ في توجيه هذا الكلام(٥). (١) في هامش الأصل. بحث صوفي استطرادي. (٢) قوله: نفحات، ليس في (م). (٣) في الأصل: وأهل. (٤) كما في الفتوحات المكية ٢/ ٩٠، وفيه: أبو البدر التماشكي، ولم نقف له على ترجمة. (٥) ينظر ما سلف ٤٣٣/٣، وجاء في هامش الأصل: وذلك في سورة البقرة، لكن في اللفظ المنقول عن الشيخ قدِّس سرُّه نوعُ مغايرةٍ، وذكرنا هناك أن النقل عنه قدّس سرُّه لم يوجد في سُورَةُ النَّسَاءِ ١٣٠ الآية : ٦٩ والصنفُ الثاني: الصدِّيقون، وهم المؤمنونَ بالله تعالى ورُسله عن قول المُخْبِرِ لا عن دليلٍ سوى النورِ الإيماني الذي أُعدَّ في قلوبهم قبلَ وجودِ المصدَّق به، المانعِ لها مِن تَردُّدٍ أوشكٌّ يدخلها في قول المخبِرِ الرسولِ، ومُتعلَّقه في الحقيقة الإيمانُ بالرسول، ويكون الإيمانُ بالله تعالى على جهةِ القُرْبة لا على إثباته، إذ كان بعضُ الصدِّيقين قد ثبتَ عندهم وجود الحقِّ جلَّ وعلا ضرورةً أو نظراً، لكنْ ما ثَبَتَ کونُه قربةً. وليس بينَ النبوّةِ والصديقية - كما قال حُجَّة الإسلام وغيرُه - مقامٌ، ومَن تَخَلَّى رقابَ الصدِّيقين وقع في النبوة، وهي بابٌ مُغلقٌ، وأثبتَ الشيخُ الأكبرُ قُدِّس سرُّه(١) مقاماً بينهما سمَّاه: مقام القربة، وهو السرُّ الذي وقَّرَ في قلبٍ أبي بكرٍ ◌َُه المشارُ إليه في الحديث(٢)، فليسَ بين النبيِّ ◌ِ﴿ وأبي بكرٍ ◌َُه رجلٌ أصلاً، لا أنَّه ليس بين الصديقية والنبوةِ مقام. ولها أجزاءٌ على عدد شُعب الإيمان. وفسَّرها بعضُهم بأنَّها نورٌ أخضرُ بينَ نورَين يَحصلُ به شهودُ عينٍ ما جاء به المخبِرُ مِن خَلْفِ حجابِ الغيب بنورِ الکرَمِ، وبَيَّنَ ذلك بما يطولُ. والصنفُ الثالثُ: الشهداءُ، تولَّاهم الله تعالى بالشهادة، وجعلَهم مِن المقرَّبين، وهم أهلُ الحضورِ مع الله تعالى على بساطِ العلم به، فقد قال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْرِ﴾ [آل عمران: ١٨]، فجمَعَهم مع الملائكة في بساط الشهادةِ، فهم موحِّدون عن حضورٍ إلهيّ وعنايةٍ أزليةٍ، فإنْ بعثَ الله تعالى رسولاً وآمنوا به فهم المؤمنون العلماء، ولهم الأجرُ التامُّ يوم القيامة، وإلا فليس = كتاب يعوَّل عليه، ومرادنا بذلك كتب أرباب العبارة، وإلا فقد ذكر الشيخ محيي الدين قدس سره نحواً من ذلك في فتوحاته. اهـ، وهو في الفتوحات ٢/ ٩٠. (١) في الفتوحات ٢٤/٢ - ٢٥. (٢) وهو: ما فضلكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه. وفي رواية: لسرِّ وقر في صدره. قال السخاوي في المقاصد الحسنة ص٣٦٩: ذكره الغزالي، وقال العراقي: لم أجده مرفوعاً. وهو عند الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من قول بكر بن عبد الله المزني. اهـ. قوله: وقر، أي: سكن فيه وثبت. النهاية (وقر). الآية : ٦٩ ١٣١ سُورَةُ الشَّةِ هم الشهداء المنعَمُ عليهم، وإيمانُهم بعد العلم بما قاله الله سبحانه أنَّ ذلك قربةٌ إليه مِن حيث قاله الله سبحانه أو قاله الرسول الذي جاء مِن عنده. فقُدِّم الصِّدِّيق على الشهيد وجُعلَ بإزاء النبيِّ فإنَّه لا واسطة بينهما؛ لاتِّصال نورٍ الإيمانِ بنور الرسالة. والشهداءُ لهم نورُ العلم مساوِقٌ لنور الرسول من حيثُ هو شاهدٌ لله تعالى بتوحيده، لا من حيثُ هو رسول، فلا يصحُّ أنْ يكونَ بعدَه مع المساوَقة لئلا تبطل، ولا أَنْ يكونَ معه لكونه رسولاً، والشاهدُ ليس به فلا بدَّ أنْ يَتأخّرَ، فلم يبقَ إلا أنْ يكونَ في الرتبة التي تلي الصدِّيقية، فإنَّ الصدِّيقَ أتمُّ نوراً منه في الصدِّيقية؛ لأنه صدِّيقٌ من وجهين: وجهِ التوحيد، ووجهِ القربة، والشهيدُ من وجهِ القربة خاصَّةً؛ لأنَّ توحيدَه عن علمٍ لا عن إيمان، فنزل عن الصدِّيق في مرتبة الإيمان وهو فوقه في مرتبة العلم، فهوّ المتقدمُ في مرتبة العلم المتأخِّرُ برُتبة الإيمان والتصديق، فإنَّه لا يصحُّ من العالِمِ أنْ يكونَ صدِيقاً وقد تقدَّم العلم مرتبة الخبر، فهو يَعلم أنه صادقٌ في توحيد الله تعالى إذا بلَّغ رسالة الله تعالى، والصدِّيق لم يَعلم ذلك إلا بنورٍ الإيمان المعَدِّ في قلبه، فعندما جاء الرسول اتَّبَعَهُ من غير دليلٍ ظاهرٍ . والصنف الرابع: الصالحون، تولَّاهم الله تعالى بالصلاح، وهم الذين لا يَدخلُ في عِلْمِهم بالله تعالى ولا إيمانِهم به وبما جاء من عنده سبحانه خللٌ، فإذا دخلَه بطلَ كونُه صالحاً، وكلُّ مَن لم يدخلُهُ خللٌ في صدِّيقيَّته فهو صالحٌ، ولا في شهادته فهو صالح، ولا في توبته فهو صالح، ولكلِّ أحدٍ أنْ يَدعوَ بتحصيل الصلاح له في المقام الذي يكون فيه، لجواز دخول الخللِ عليه في مقامه؛ لأنَّ الأمر اختصاصٌ إلهيٍّ وليس بذاتيٌّ، فيجوز دخولُ الخللِ فيه، ويجوز رفعُه، فصحَّ أنْ يدعو الصالحُ بأنْ يُجعلَ مِن الصالحين، أي: الذين لا يَدخلُ صلاحَهم خللٌ في زمانٍ ما. وقد ذُكر أنَّه ما مِن نبيِّ إلا وذكر أنَّه صالحٌ، أو أنَّه دعا أنْ يكونَ من الصالحين مع كونه نبيًّا، ومن هنا قيل: إنَّ مرتبة الصلاح خصوصٌ في النبوّة، وقد تحصلُ لِمَن ليس بنبيّ ولا صدِيقٍ ولا شهيدٍ. هذا ما وقفتُ عليه مِن كلام القومِ قَدَّسَ الله تعالى أسرارَهم، ولم أَظْفَرْ بالتفصيل الذي ذَكّره مولانا الشیخُ قُدِّسَ سرُّه، فتدبّر. سُورَةُ الْقِسْكَاةِ ١٣٢ الآية : ٦٩ وقد ذَكَر أصحابنا الرسميُّون أنَّ الصدِّيق صيغةُ مبالغةٍ كالسِّكير، بمعنى: المتقدِّم في التصديق، المبالغ في الصدقِ والإخلاص في الأقوال والأفعال، ويُطلق على كلِّ مِن أفاضل أصحاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأماثِلٍ خواصِّهم كأبي بكر ظُه. وأنَّ الشهداء جمعُ شهيد، والمراد بهم: الذين بذلوا أرواحهم في طاعة الله تعالى وإعلاءِ كلمته، وهم المقتولون بسيف الكفّار من المسلمين. وقيل: المرادُ بهم هاهنا ما هو أعمُّ من ذلك، فعن أبي هريرةَ رَُّه قال: قال رسول الله وَل: ((ما تعدُّون الشهيد فيكم؟))، قالوا: يا رسول الله، مَن قُتل في سبيل الله تعالى. فقال: ((إنَّ شهداءَ أُمتي إذاً لقليلٌ، مَن قُتل في سبيل الله تعالى فهو شهيد، ومَن مات في الطاعون فهو شهيد، ومَن مات مبطوناً فهو شهيد))(١). وعدَّ بعضُهم الشهداءَ أكثرَ مِن ذلك بكثير. وقيل: الشهيدُ هو الذي يَشهد لدين الله تعالى تارةً بالحجة والبيان، وأخرى بالسيف والسنان. وزَعَم النيسابوري(٢) أنَّه لا يَبْعُد أنْ يدخلَ كلُّ هذه الأمةِ في الشهداء لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وليس بشيءٍ كما لا يخفى. وأنَّ المراد بالصالحين: الصَّارِفِينَ أعمارهم في طاعة الله تعالى، وأموالَهم في مرضاته سبحانه . ويقال: الصالحُ هو الذي صلحتْ حالُه واستقامت طريقتُه. والمُصْلِحُ هو الفاعلُ لِمَا فيه الصلاح؛ قال الطبرسيُّ(٣): ولذا يجوزُ أنْ يقالَ مُصلحٌ في حقِّ الله تعالی، دونَ صالح. وليس المرادُ بالمعية اتّحاد الدرجةِ، ولا مطلقَ الاشتراك في دخول الجنة، بل كونهم فيها بحيث يَتمكَّنُ كلُّ واحدٍ منهم من رؤية الآخر وزيارته متى أراد وإنْ بَعُدَتْ المسافة بينهما . (١) أخرجه أحمد (٨٠٩٢)، والبخاري (٢٨٢٩)، ومسلم (١٩١٥). (٢) في غرائب القرآن ٧٨/٥، وما قبله منه. (٣) في مجمع البيان ٥/ ١٥٣، وما قبله منه. ٢٠٠ الآية : ٦٩ ١٣٣ سُورَةُ النِّسَاءِ وذكر غير واحد أنَّه لا مانع من أنْ يُرفعَ الأدنى إلى منزلة الأعلى متى شاء تكرمةً له ثم يَعودُ، ولا يَرَى أَنَّه أَرْغَدُ منه عيشاً ولا أكملُ لذةً؛ لئلا يكونَ ذلك حسرةً في قلبه، وكذا لا مانع من أن ينحدر الأعلى إلى منزلةِ الأدنَى ثم يعودُ، من غير أنْ يرى ذلك نقصاً في ملكه أو حظًّا مِن قَدْرِهِ، وقد ثبت في غير ما حديث أنَّ أهل الجنة يتزاورون(١). وادَّعى بعضُهم أنْ لا تزاورَ مع رؤية كلِّ واحدٍ الآخرَ؛ وذلك لأنَّ عالم الأنوار لا تَمَانُعَ فيها ولا تَدَافُع، فينعكسُ بعضُها على بعضِ كالمرايا المجلوَّة المتقابلة، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِخْوَنَا عَلَى سُرُرٍ مُتَّقَيِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، وزعَمَ أنَّه التحقیق، وهو بعيد عنه. وأبعدُ من ذلك بمراحلَ ما قيل: يحتمل أنْ يكونَ المراد: أنَّ معنى كونِ المطيع مع هؤلاء، أنَّه معهم في سلوك طريق الآخرةِ، فيكون مأموناً مِن قُّاع الطريق محفوظَ الطاعة عن النهب. ﴾ أي: صاحباً، وهو مُشتقٍّ من الرِّفقِ، وهو لِيْنُ ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا (®ـ الجانب واللطافةُ في المعاشرةِ قولاً وفعلاً. والإشارةُ يحتمل أنْ تكونَ إلى النبيين ومَن بعدهم، وما فيها مِن معنى البعد لِمَا مرَّ مراراً، و((رفيقاً)) حينئذٍ إمَّا تمييزٌ، أو حالٌ على معنى أنَّهم وُصفوا بالحسن مِن جهة كونهم رفقاء للمطيعين، أو حالَ كونهم رفقاءَ لهم، ولم يُجمع لأنَّ فعيلاً يَستوي فيه الواحدُ وغيرُه، أو اكتفاءً بالواحد عن الجمع في باب التمييز لفهم المعنى، وحسَّنَهُ وقوعُه في الفاصلة؛ أو لأنه بتأويلٍ: حَسُنَ كلُّ واحدٍ منهم، أو لأنَّه قَصدَ بيانَ الجنس مع قَطْعِ النظر عن الأنواع. (١) منها ما أخرجه نعيم بن حماد في زوائده على الزهد لابن المبارك (٢٣٩) من طريق شفي بن ماتع عن النبي ◌َ هر. قال المنذري في الترغيب والترهيب ١٤٥٤/٤ شفي ذكره البخاري وابن حبان في التابعين، ولا تثبت له صحبة، وقال أبو نعيم: مختلف فيه، وقيل: له صحبة. ومنها ما أخرجه البزار (٣٥٥٣- كشف الأستار) من حديث أنس ظله. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤٢١/١٠: رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن دينار والربيع بن صبيح، وهما ضعيفان وقد وثقا. وينظر حادي الأرواح لابن القيم ص٣٣٢-٣٣٦. سُورَةُ المشكلةِ ١٣٤ الآية : ٦٩ ويحتمل أنْ تكون إلى (مَن يُطِعْ))، والجمعُ على المعنى، فـ ((رفيقاً)) حينئذٍ تمييزٌ على معنى أنَّهم وُصفوا بحسنِ الرفيقِ مِن الفرق الأربع، لا بنفس الحُسنِ، فلا يجوز دخولُ ((مِن)) عليه(١) كما يجوزُ في الوجه الأول. والجملةُ على الاحتمالَين تذييلٌ مقرِّرٌ لِمَا قبله، مؤكِّدٌ للترغيب والتشويق. وفي ((الكشاف)): فيه معنى التعجّب، كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقاً، ولاستقلاله بمعنى التعجيب قرئ: ((وحَسْنَ)) بسكون السين، يقول المتعجّب: حَسْنَ الوجهُ وجْهُكَ، وحُسْنَ الوجهُ وجهُكَ، بالفتح والضم مع التسكين(٢). انتهى. وفي ((الصحاح)): يقال: حَسُنَ الشيءُ، وإنْ شئتَ خففَّتَ الضمَّةَ فقلت: حَسْنَ الشيءُ، ولا يجوز أنْ تنقلَ الضمةَ إلى الحاء؛ لأنَّه خبر، وإنَّما يجوز النقل إذا كان بمعنى المدح أو الذمِّ؛ لأنَّه يُشبَّه في جواز النقل بِنِعْمَ وبِئْسَ، وذلك أنَّ الأصل فيهما: نَعِمَ، وبَيْسَ، فَسُكِّن ثانيهما ونُقْلَتْ حركته إلى ما قبله، وكذلك كلُّ ما كان في معناهما؛ قال الشاعر: لم يمنعِ الناسُ منِّي ما أردتُ وما أُعطيهمُ مَا أَرادوا حُسْنَ ذا أَدَبا أراد: حَسُنَ هذا أدباً، فخفَّف ونقل(٣). وأراد أنَّه لمَّا نقلَ إلى الإنشاء حَسُنَ أَنْ يُغيّرَ تنبيهاً على ما كان النقل. وفي ((الارتشاف))(٤): أنَّ فَعُلَ المحوَّلَ، ذهب الفارسيُّ وأكثرُ النحويين إلى إلحاقه بباب ((نعم وبئس)) فقط، وإجراءِ أحكامِه عليه، وذهبَ الأخفشُ والمبرِّدُ إلى إلحاقه بباب التعجّب، وحكى الأخفشُ الاستعمالَين عن العرب، ويجوزُ فیه ضمُّ العَين وتسكينُها ونقلُ حركتها إلى الفاء، وظاهرُه تغاير المذهبين. (١) لأن التمييز إذا كان فاعلاً في المعنى فلا يجوز دخول ((مِن)) عليه، فلا تقول: طاب زيد من نفس، في: طاب زيد نفساً، والأصل: طابت نفس زيد. شرح الألفية لابن عقيل ٦٦٩/١. (٢) الكشاف ٥٤٠/١. والقراءة بفتح الحاء وإسكان السين ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٧ . (٣) الصحاح (حسن)، والبيت لسهم بن حنظلة الغنوي، كما في الأصمعيات ص٥٦، واللسان (حسن)، والخزانة ٩/ ٤٣١، ودون نسبة في إصلاح المنطق ص٤١، والخصائص ٤٠/٣. (٤) هو: ارتشاف الضرب في لسان العرب، لأبي حيان صاحب تفسير البحر المحيط، وكلامه فيه ٤/ ٢٠٥٧، وينظر كلام المبرِّد في المقتضب ١٤٩/٢ -١٥٠. الآية : ٧٠ - ٧١ ١٣٥ سُورَةُ المِسْكَاةِ وفي ((التسهيل)) أنه من باب نعم وبئس، وفيه معنى التعجّب(١). وهو يقتضي أنْ لا تغايرَ بينهما، وإليه يَميل كلامُ الشيخَين. فافهم. والحُسنُ عبارة عن كلِّ مُبْهِج مرغوبٍ إمَّا عقلاً أو هوّى أو حسًّا، وأكثرُ ما يقال في متعارَف العامَّة في المُسْتَحْسَنِ بالبصر، وقد جاء في القرآن له وللمُستحسَن من جهة البصيرة. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ثبتَ للمُطيعين من جميع ما تقدَّم، أو إلى فَضْلٍ هؤلاء المنعَم عليهم ومزيَّتِهم، وهو مبتدأ، وقولُه سبحانه: ﴿اَلْفَضْلُ﴾ صفةٌ، وقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ُ خبرُه، أي: ذلك الفضلُ العظيمُ كائنٌ من الله تعالى لا من غيره. وجَوَّز أبو البقاء أنْ يكونَ ((الفضل)) هو الخبر، و((من الله)) متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً منه، والعاملُ فيه معنى الإشارةِ(٢). ويجوزُ أنْ يكونَ خبراً ثانياً، أي: ذلك الذي ذُكِرَ الفضلُ كائناً - أو كائنٌ - من الله تعالى، لا أنَّ أعمالَ العباد تُوجبه. بثوابٍ مَن أطاعه، وبمقادير الفضل واستحقاقٍ أهله ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا بمقتضى الوعد، فَثِقُوا بما أَخبركم به ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]. وقيل: وكفى به سبحانه عليماً بالعصاة والمطيعين والمنافقين والمُخْلِصِين، ومَن يصلحُ لمرافقة هؤلاء ومَن لا يَصلُح. ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ أي: عِدَّتكم من السلاح، قاله مقاتل، وهو المرويُّ عن أبي جعفر ◌َّهِ. وقيل: الحِذْرُ مصدرٌ كالحَذَر، وهو الاحتراز عمَّا يُخافُ. فهناك الكنايةُ والتخييلُ بتشبيه الحذرِ بالسلاح وآلةِ الوقاية، وليس الأخذُ مَجازاً ليلزم الجمعُ بين الحقيقة والمجاز في(٣) قوله سبحانه: ﴿وَلْيَأْخُذُواْ عِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، إذ التجوُّز في الإيقاع، وقد صرَّح المحقّقون بجوازِ الجمع فيه. والمعنى: استعدُّوا لأعدائكم، أو: تَيقَّظوا واحتَرِزوا منهم ولا تُمكِّنوهم مِن أُنفسگُم. (١) التسهيل ص١٢٨ . (٢) الإملاء ٢/ ٢٨١. (٣) في حاشية الشهاب ٣/ ١٥٤ (والكلام منه): في مثل. سُورَةُ السَّةِ ١٣٦ الآية : ٧١ ﴿فَنِفِرُوا﴾ بكسر الفاء، وقُرئ بضمِها (١)، أي: اخرجوا إلى قتال عدوّكم والجهاد معه عند خروجكم. وأصل معنى النَّفْرِ: الفزعُ كالنفرة، ثم استعمل فيما ذكر. ﴿ُبَاتٍ﴾ جمع ((ثُبَة)) وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة، وقيل: فوقَ الاثنين، وقد تطلق على غيرِ الرجال، ومنه قول عمرو بن كلثوم: فأمَّا يومَ خَشْيَتِنا عليهمْ فتُصبحُ خيلُنا عُصَباً ثباتا (٢) ووزنُها في الأصل فُعَلَة كـ: حُطَمَة، حُذفَتْ لامها وعُوِّض عنها هاء التأنيث. وهل هي واوٌ مِن ثبا يثبو كعدا يعدو، أي: اجتمع، أو: ياءٌ من ثَبَّيْتُ على فلان، بمعنى: أثنيتُ عليه بذكر محاسنه وجَمْعِها؟ قولان. وتُبة الحوض: وسطُه واوِيَّةٌ، وهي مِن ثاب یَتوبُ: إذا رجَعَ. وقد جُمعَ جَمْعَ المؤنَّث وأُعربّ إعرابَه على اللغة الفصيحة، وفي لغةٍ يُنصبُ بالفتح. وقد جُمع أيضاً جَمْعَ المذكّر السالم، فيقال: ثُبُون، وقد اطَّرد ذلك فيما حُذف آخرُه إنْ لم يستوفِ الشروط جبراً له، وفي ثائه حينئذٍ لغتان: الضمُّ والكسر. والجمعُ هنا في موضع الحال، أي: انفروا جماعاتٍ متفرقةً جماعةً بعد جماعة ﴿ أَنِفِرُواْ جَمِيعًا (®﴾ أي: مُجتمعينَ جماعةً واحدةً؟ ويُسمَّى الجيشُ إذا اجتمع ولم يَنتشر: كتيبةً، والقطعة (٣) المنتخبة المقتطعة منه سريةً، وعن بعضهم أنَّها التي تخرج ليلاً وتعود إليه، وهي من مئةٍ إلى خمسٍ مئٍ، أو من خمسةٍ أنفسٍ إلى ثلاث مئةٍ أو أربع مئة. (١) القراءات الشاذة ص٢٧، والبحر ٢٩٠/٣. (٢) كذا في الأصل و(م)، والصواب ثبينا، وهو جمع ثبة أيضاً. والبيت من معلقة عمرو، وهو في المعلقة بشرح ابن كيسان ص٧٨، وفي شرح المعلقات للنحاس ١٠٧/٢، وللزوزني ص١٢٧. ومعنى البيت: إنَّا إذا خشينا عدوَّنا على أولادنا تجمّع بعضنا إلى بعض لندفع عنهم. (٣) في (م): وللقطعة. الآية : ٧٢ ١٣٧ سُورَةُ السََّاةِ وما زادَ على السرية: مَنْسِر، كـ: مَجْلِس ومِنْبَر، إلى الثمان مئة، فإن زاد يقال له: جيش، إلى أربعة آلافٍ، فإنْ زاد يُسمَّى جحفلاً. ويُسمَّى الجيش العظيم: خَميساً، وما افترق من السرية: بعثاً. وقد تُطلقُ السرية على مطلق الجماعة. والآية وإنْ نزلَتْ في الحرب لكن فيها إشارةٌ إلى الحثّ على المبادرة إلى الخيرات كلِّها كيفما أَمكن قبل الفوات. ﴿وَإِنَّ مِنْكُوْ لَمَنْ لََّبِّئَنَّ﴾ أي: ليتثاقَلنَّ وليتأخَرَنَّ عن الجهاد، مِن ((بَطَّأ)) بمعنى: أبطأً، كـ ((عَثَّم)) بمعنى: أَعتَم: إذا أبطأ، والخطابُ لعسكر رسول الله وَّر مؤمنيهم ومنافقيهم، والمبطّئون هم المنافقونَ منهم. وجوِّز أنْ يكون منقولاً لفظاً ومعنّى مِن بَعُطُؤَ، نحو: ثَّقَّل من ثَقُلَ، فيراد: ليبطَِّنَّ غيرَه وليثبِّظَنَّه عن الجهاد، كما نَبَّطَ ابنُ أُبيِّ ناساً يوم أُحد، و[الأول] (١) الأنسب بما بعده. واللامُ الأُولى لامُ التأكيد التي تدخل على خبر ((إنَّ»، أو اسْمِها إذا تأخّر، والثانيةُ جوابُ قسم، وقيلَ: زائدة. وجملةُ القسم وجوابُه صلةُ الموصول، وهما كشيءٍ واحد، فَلا يَرِدُ أنه لا رابطةً في جملة القسم، كما لا يَرِدُ أنَّها إنشائيةٌ فلا تقع صلةً؛ لأنَّ المقصود الجوابُ، وهو خبريٌّ فيه عائد، ولا يُحتاج إلى تقدير (أَقِسَم)) على صيغة الماضي ليعودَ ضميرُه إلى المبطِّئ، بل هو خلافُ الظاهر. وجوِّز في ((مَن)) أنْ تكونَ موصوفة، والكلام في الصفة كالكلام في الصلة. وهذه الجملة قيل: عطفٌ على ((خُذوا حِذْرُكم)) عظْفَ القصةِ على القصة. وقيل: إنَّها معترضةٌ إلى قوله سبحانه: ﴿فَلْيُقَتِلْ﴾ وهو عطفٌ على ((خُذوا)). وقُرئ (لَيَبْطِئَنَّ) بالتخفيف(٢). ﴿فَإِنْ أَصَبَتَّكُ مُصِيبَةٌ﴾ مِن العدو كقتلٍ وهزيمةٍ ﴿قَالَ﴾ أي: المبطّئُّ فرحاً بما فَعَلَ وحامداً لرأيه ﴿قَدْ أَنْعُمَ اَللَّهُ عَلَ﴾ بالقعود ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ تَّعَهُمْ شَهِيدًا (َ﴾ حاضراً معهم في المعركةِ، فيصيبني مثلَ الذي أصابهم من البلاء والشدة. (١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٢/ ٢٠٠، والكلام منه. (٢) القراءات الشاذة ص٢٧. سُورَةُ النَّسَاءِ ١٣٨ الآية : ٧٣ وقيل: يحتمل أنْ يكونَ المعنى: إذا لم أكن مع شهدائهم شهيداً، أو: لم أكنْ معهم في معرض الشهادة، فالإنعام هو النجاة عن القتل وخوفِهِ، عبّر عنه بالشهادة تهكُّماً، ولا يَخْفَى بُعْدُه. والفاء في الشرطية لترتيب مضمونها على ما قبلها، فإنَّ ذِكرَ التبطئة مُستَتَبعٌ لذكر ما يترتَّبُ عليها، كما أنَّ نفسَ التبطئةِ مُستدعيةٌ لشيءٍ يَنتظر المُبطئُ وقوعَه. ﴿وَلَبِنْ أَصَبَّكُمْ فَضْلٌ﴾ كفتح وغنيمةٍ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلّقٌ بـ ((أصابكم))، أو بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((فضل))، وفي نسبة إصابة الفضل إلى جانب الله تعالى دونَ إصابة المصيبة تعليمٌ لحُسْنِ الأدب مع الله تعالى وإنْ كانت المصيبةُ فضلاً في الحقيقة. وتقديم الشرطية الأُولى لِمَا أنَّ مضمونها لمقصدهم أوفق، وأثرُ نفاقهم فيها أُظھرُ. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ ندامةً على تَشْبُّطه، وتهالُكاً على حُطام الدنيا، وحسرةً على فواته. وفي تأكيد القول دلالةٌ على فَرْطِ التحسُّر المفهوم من الكلام، ولم يُؤكِّدِ القولَ الأول وأَتَى به ماضياً؛ إمَّا لأنَّه لِتَحقُّقِه غيرُ محتاجٍ إلى التأكيد، أو لأنَّ العدول عن المضارع للماضي تأكيدٌ. وقرأ الحسن: ((ليقولُن)) بضمِّ اللام(١) مراعاةً لمعنى ((مَن))، وذلك شائعٌ سائٌ. وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، مَوَدَّةٌ﴾ من كلامه تعالى اعتراضٌ بين لئلا يُتوقّمَ من القول ومَقولِه الذي هو ﴿يَلَيْتَنِىِ كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا مطلع كلامه أنَّ تمنِّيه المعيةَ للنُّصْرَةِ والمُظاهرةِ، حَسْبَما يقتضيه ما في البين مِن المودة، بل هو للحرص على حُطام الدنيا كما يَنطقُ به آخره، فإنَّ الفوزَ العظيم الذي عَنَاه هو ذلك، وليس إثبات المودَّة في البين بطريق التحقيق بل بطريق التهكُم. وقيل: الجملةُ التشبيهيَّة حالٌ من ضمير ((يقولن))، أي: ليقولن مشبَّهاً بمَن لا مودَّةَ بينكم وبينه، حيث لم يَتمنَّ نُصرتكم ومظاهرتکم. وقيل: هي من كلام المبطئ داخلةٌ كجملة التمنِّي في المقول، أي: ليقولَن المبطئ لِمَن يُثْبُِّه من المنافقين وضَعَفةِ المؤمنين: كأن لم تَكُن بينك وبين محمدٍ وَه (١) المحتسب ١٩٢/١، والبحر ٢٩١/٣-٢٩٢. الآية : ٧٣ ١٣٩ سُورَةُ السَكَاةِ مودةٌ، حيثُ لم يَستصحبْكُم معه في الغزو حتى تفوزوا بما فاز به المستصحَبون، يا ليتني كنت معهم .. إلخ، وغرضُه إلقاءُ العداوة بينهم وبين رسول الله وَّل وتأكيدُها، وإلى ذلك ذهب الجبائي. وذهب أبو علي الفارسي والزجَّاج وتبعه الماتريديُّ إلى أنَّها مُتَّصلة بالجملة الأولى أعني: ((قال قد أَنْعم)) إلخ، أي: قال ذلك كأن لم تكن .. إلخ(١)، وردّه الراغب الأصفهاني(٢): بأنها إذا كانت مثَّصلةً بالجملة الأولى فكيف يفصلُ بها بين أبعاض الجملة الثانية، ومثلُه مستقبَحٌ. واعتذر بأنَّ مرادَهم أنَّها معترضةٌ بين أجزاء هذه الجملة ومعناها صريحاً مُتعلِّقٌ بالأولى وضمناً بهذه. و﴿كَأَنْ﴾ مخفَّفةٌ من الثقيلة، واسمها ضميرُ الشأن وهو محذوفٌ، وقيل: إنَّها لا تعمل إذا خُفِّفت. وقرأ ابنُ كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب: ((تكن)) بالتاء التأنيث لفظ المودة، والباقون: ((يكن)) بالياء(٣)؛ للفصل ولأنَّها بمعنى الودّ. والمنادَى في ((يا ليتني)) عند الجمهور محذوفٌ، أي: يا قومي، وأبو علي يقول في نحو هذا: ليس في الكلام منادّى محذوفٌ، بل تدخل ((يا)) خاصةً على الفعل والحرف لمجرَّد التنبيه. ونُصب ((أفوزَ)) على جواب التمنِّي، وعن يزيد النحويِّ والحسن: ((فأفوزُ)) بالرفع(٤)، على تقدير: فأنا أفوزُ في ذلك الوقت، أو العطف على خبر ((ليت))، فیکون داخلاً في التمني. (١) أي: فإن أصابتكم مصيبة قال: قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً كأن لم تكن بينكم وبينه مودَّة، ولئن أصابكم فضل .... ، فأخِّرت الجملة المعترَضُ بها، وهي ((كأن لم تكن بينكم .... ))، والنية بها التوسط. ينظر معاني القرآن للزجاج ٧٦/٢، وتأويلات أهل السنة ٤٥٢/١، والدر المصون ٣٢/٤. (٢) في الأصل و(م) وحاشية الشهاب ١٥٤/٣: والأصفهاني، وهو خطأ. ينظر البحر ٢٩٣/٣، والدر المصون ٤/ ٣٢. (٣) التيسير ص٦٩، والنشر ٢٥٠/٢. (٤) القراءات الشاذة ص ٢٧، والمحتسب ١/ ١٩٢. سُورَةُ الشَّة ١٤٠ الآية : ٧٤ - ٧٥ ﴿فَلْيُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ﴾ الموصول فاعل الفعل، وقدِّم المفعول الغير الصريح عليه للاهتمام به. و((يَشْرون)) مضارع (شَرَى))، ويكونُ بمعنى باعَ واشترى، مِن الأضداد، فإنْ كان بمعنى يشترون، فالمراد من الموصول المنافقون، أُمروا بترك النفاقِ والمجاهَدةِ مع المؤمنين، والفاء للتعقيب، أي: يَنبغي بعد ما صدّر منهم من التثبيط والنفاق تركُه وتَدارُكُ ما فات بالجهاد(١) بعد. وإنْ كان بمعنى يبيعون فالمرادُ منه المؤمنون الذين تركوا الدنيا واختاروا الآخرة، أُمروا بالثبات على القتال وعدم الالتفات إلى تَثْبيط المُبطئين. والفاءُ جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ، أي: إنْ صدَّهم المنافقون فليقاتلوا ولا يبالوا. ﴿وَمَنْ يُقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبَ فَسَوْفَ نُؤْتِيدٍ﴾ ولا بدَّ، وفي الالتفات مزيدُ التفاتٍ ﴿أَبْرًا عَظِيمًا (﴿2﴾ لا يكاد يُعلم كميَّةً وكيفيَّةً، وفي تعقيب القتال بما ذكر تنبيه على أنَّ المجاهد ينبغي أنْ يكونَ همُّه أحدَ الأمرَين: إمّا إكرامُ نفسِه بالقتل والشهادة، أو إعزازُ الدِّين وإعلاء كلمة الله تعالى بالنصر، ولا يحدِّث نفسه بالهرب بوجهٍ، ولذا لم يقل: فَيَغْلِب أو يُغلَب. وتقديمُ القتل للإيذان بتقدُّمه في استتباع الأجر. وفي الآية تكذيبٌ للمبطئ بقوله: ((قد أنعم الله)) إلخ. ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ خطابٌ للمأمورين بالقتال على طريقةِ الالتفات مبالغةً في التحريض والحثّ عليه، وهو المقصودُ من الاستفهام، و((ما)) مبتدأ و((لكم)) خبره، وقوله تعالى: ﴿لَا تُقَيِّلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في موضع الحال، والعامل فيها الاستقرار، أو الظرفُ لتضمُّنه معنى الفعل، أي: أيُّ شيءٍ لكم غيرَ مقاتلين، والمراد: لا عذرَ لكم في ترك المقاتلة. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ إمَّا عطف على الاسم الجليل، أي: في سبيلِ المستضعفين، وهو تخليصُهم من الأسر وصونُهم عن العدوِّ، وهو المرويُّ عن ابن شهاب. (١) في (م): من الجهاد.