النص المفهرس

صفحات 81-100

الآية : ٥٠
٨١
سُورَةُ المِسْكَاةِ
في ذلك العقابِ أدنَى ظلم وأصغرُه، وهو المراد بالفتيل: وهو الخيط الذي في شقِّ
النواة، وكثيراً ما يُضربّ به المثل في القلَّة والحقارة، كالنقير: للنقرة التي في
ظهرها، والقطمير: وهو قشرتها الرقيقة.
وقيل: الفتيل: ما خرج بين أصبعيك وكفَّيك من الوسخ، وروي ذلك عن ابن
عباس وأبي مالك والسدي
وجوِّز أنْ تكون جملة ((ولا يُظْلمون)) في موضع الحال، والضمير راجعٌ إلى
((من)) حملاً له على المعنى، أي: والحال أنهم لا يُنْقَصُون من ثوابهم أصلاً، بل
يُعطونه يوم القيامة كَمَلاً(١) مع ما زّاهم الله تعالى ومَدحهم في الدنيا.
وقيل: هو استئنافٌ، والضميرُ عائدٌ على الموصولَين: مَن زَّى نفسه، ومَن
زگاه الله تعالى، أي: لا يُنْقَصُ هذا مِن ثوابه، ولا ذاك مِن عقابه، والأول أمسُّ
بمقام الوعيد.
وانتصابُ ((فتيلاً)) على أنه مفعولٌ ثانٍ، كقولك: ظلمته حقَّه، قال علي بن
عيسى(٢): ويحتمل أنْ يكون تمييزاً، كقولك: تصبَّتُ عرقاً.
﴿أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَبِّ﴾ في زَعْمِهم أنَّهم أزكياءُ عند الله تعالى،
المتضمِّنِ لزعمهم قبولَ اللهِ تعالى وارتضاءَه إياهم، ولشناعةِ هذا لما فيه مِن نسبتِه
تعالى إلى ما يستحيل عليه بالكلِّية وُجِّه النظرُ إلى كيفيته؛ تشديداً للتشنيع وتأكيداً
للتعجيب الدالٌ عليه الكلامُ، وإلا فهُمْ أيضاً مُفتَرون على أنفسهم بادِّعائهم
الاتِّصاف بما هم مُتَّصفون بنقيضِه.
و((كيف)) في موضع نصبٍ، إمَّا على التشبيه بالظرف أو بالحال، على الخلاف
المشهور بين سيبويه والأخفش، والعاملُ ((يفترون))، و((على الله))(٣) متعلِّقٌ به، وجَوَّز
(١) أي: كلَّه. الصحاح (كمل).
(٢) أبو الحسن الرُّمَّاني النحوي المعتزلي، أخذ عن الزجاج وابن دريد وطائفة، وصنف في
التفسير واللغة والنحو والكلام، وله في الاعتزال: صنعة الاستدلال، وكتاب الأسماء
والصفات، وغيرهما، توفي سنة (٣٨٤هـ). السير ٥٣٣/١٦.
(٣) وقع في الأصل و(م): وبه، بدل: وعلى الله، وهو سبق قلم من المصنف رحمه الله وينظر
تفسير أبي السعود ١٨٨/٢.

سُورَةُ السَّةِ
٨٢
الآية : ٥١
أبو البقاء أنْ يكونَ حالاً من ((الكذب))(١). وقيل: هو متعلِّق به.
والجملةُ في موضع النصب بعد نزع الخافض، وفعل النظر مُعلَّق بذلك،
والتصريحُ بالكذب مع أنَّ الافتراء لا يكونُ إلا كذباً للمبالغة في تقبيح حالهم.
﴿وَكَفَى بِهِ﴾ أي: بافترائهم، وقيل: بهذا الكذب الخاصِّ ﴿إِثْمًا مُّبِينًا
٥٠
لا يَخْفَى كونُه مَأئماً من بين آثامهم، وهذا عبارةٌ عن كونه عظيماً منكراً، والجملةُ
كما قال عصام الملَّة: في موضع الحال بتقدير ((قد))، أي: كيف يفترون الكذبَ
والحالُ أنَّ ذلك يُنافي مضمونَه لأنه إثمٌّ مبين، والآثمُ بالإثم المبين غيرُ المتحاشي
عنه مع ظهوره لا يكونُ ابنَ الله سبحانه وتعالى وحبيبه، ولا يكونُ زكيًّا عند الله
تعالى، وانتصاب ((إثماً)) على التمييز.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَأَلَّغُوتِ﴾ تعجيبٌ
من حالٍ أخرى لهم، ووَصَفَهم بما في حيِّز الصلة تشديداً للتشنيع وتأكيداً
للتعجيب، وقد تقدَّم نظیرُه.
والآية نزلَتْ كما رُوي عن ابن عباسٍ رَّ في حُيَي بن أخطب وكعب بن
الأشرف، وفي (٢) جمعٍ من يهود، وذلك أنَّهم خرجوا إلى مكة بعد وقعةِ أحدٍ
ليحالفوا قريشاً على رسول الله وَّله، ويَنقضوا العهد الذي كان بينهم وبين
رسول الله وَس*، فنزل كعبٌ على أبي سفيان، فأحسنَ مثواه، ونزلَتْ اليهود في دُورٍ
قريش، فقال أهلُ مكة: إنَّكم أهلُ كتابٍ ومحمدٌ صاحبُ كتابٍ، فلا يُؤمَنُ هذا أن
يكون مكراً منكم، فإنْ أردتَ أن نخرجَ معك فاسجد لهذين الصنمين وآمِن بهما.
ففعل، ثم قال كعب: يا أهل مكة، ليَجِئ منكم ثلاثون ومنَّا ثلاثون، فنلزقَ أكبادنا
بالكعبة، فنعاهِدَ ربَّ البيت لنَجْهَدَنَّ على قتال محمد. ففعلوا ذلك، فلمّا فرغوا قال
أبو سفيان لكعب: إنَّك امرؤٌ تقرأ الكتابَ وتَعْلَم، ونحن أُمّيُّون لا نعلم، فأيُّنَا أهدى
طريقاً وأقربُ إلى الحقِّ نحن أم محمد؟ قال كعبٌ: اعرِضوا عليَّ دينكم، فقال
أبو سفيان: نحنُ نَنْحرُ للحجيج الكوماء، ونَسقيهمُ اللبنَ، ونَقْري الضيف، ونَفُكُ
(١) الإملاء ٢٦٧/٢ -٢٦٨.
(٢) في (م): في.

الآية : ٥١
٨٣
سُورَةُ الشَّاِ
العانيّ، ونَصلُ الرحم، ونَعمُرُ بيتَ ربِّنا ونطوفُ به، ونحن أهلُ الحرم، ومحمدٌ
فارَقَ دينَ آبائه، وقطَعَ الرَّحِمَ، وفارقَ الحَرَمَ، ودينُنا القديمُ ودينُ محمد الحديث.
فقال كعبٌ: أنتم والله أهدى سبيلاً مما عليه محمد، فأنزل الله تعالى في ذلك
الآية(١).
و ((الجبت)» في الأصل اسمُ صنم، فاستُعمل في كلِّ معبودٍ غير الله تعالى.
وقيل: أصله الجبس، وهو كما قال الراغب(٢): الرذيلُ الذي لا خيرَ فيه، فقلبتْ
سينُه تاءً كما في قول:
عَمرو بن يربوع شرار النات(٣)
أي: الناس. وإلى ذلك ذهب قُطرب.
و ((الطاغوت)) يُطلقُ على كلِّ باطلٍ من معبودٍ أو غيره (٤).
وأخرج الفريابيُّ وغيرُه عن عمرَ بنِ الخطاب ◌َُّبه قال: ((الجبتُ)) الساحرُ
و ((الطاغوتُ)) الشيطان(٥).
وأخرج ابنُ جرير مِن طرق عن مجاهد مثلَه(٦). ومن طريق ليث(٧) عنه قال:
((الجبتُ)) كعبُ بن الأشرف، و((الطاغوت)) الشيطان كان في صورةٍ إنسان.
(١) ذكره بهذا اللفظ الواحدي في أسباب النزول ص١٤٩ نقلاً عن المفسرين، وأخرجه عن ابن
عباس بشيء من الاختصار النسائي في الكبرى (١١٦٤٣)، وابن حبان (٦٥٧٢)، والطبري
٧/ ١٤٢.
(٢) في مفرداته (جبت).
(٣) الرجز لعلباء بن أرقم، كما في جمهرة اللغة ٣٣/٣، ونوادر أبي زيد ص١٠٤، واللسان
(نوت)، وهو في الخصائص ٢/ ٥٣ دون نسبة، وقبله: يا قبَّح الله بني السِّغلاةِ.
(٤) في الأصل: وغيره.
(٥) نسبه للفريابي السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧٢، وأخرجه أيضاً الطبري ٧/ ١٣٥، وعلقه
البخاري كما في الفتح ٢٥١/٨، وقال الحافظ: إسناده قوي.
(٦) تفسير الطبري ١٣٦/٧ .
(٧) في الأصل و(م): أبي الليث، بدل: ليث، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما تفسير
الطبري ٧/ ١٤٠، وتفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٩٧٥، والدر المنثور ١٧٢/٢ وعنه نقل
المصنف.

سُورَةُ النَّسَّةِ
٨٤
الآية : ٥١
وعن سعيد بن جبير: ((الجبتُ)) الساحر بلسان الحبشة، و((الطاغوت))
الكاهن(١).
وأخرج ابنُ حُميد عن عكرمة: أنَّ ((الجبتَ)) الشيطانُ بلغةِ الحبشة و ((الطاغوتُ))
الكاهن(٢). وهي روايةٌ عن ابن عباس
وفي روايةٍ أخرى: ((الجبتُ)) حُيي بنُ أخطب، و((الطاغوتُ)) كعب بن
الأشرف.
وفي أخرى: ((الجبتُ)) الأصنام، و((الطاغوتُ)) الذين يكونون بين يديها يعبِّرون
عنها الكذب ليُضلُّوا الناس(٣).
ومعنى الإيمان بهما إمَّا التصديقُ بأنَّهما آلهةٌ وإشراكهُما بالعبادةِ مع الله تعالى،
وإمَّا طاعتُهما وموافقتُهما على ما هما عليه من الباطل، وإما القَدْرُ المشتركُ بين
المعنَينِ كالتعظيم مثلاً، والمتبادر المعنى الأولُ، أي: أنَّهم يُصدِّقون بألوهية هذَين
الباطلَين، ويُشْرِكونهما في العبادة مع الإله الحقِّ ويَسجدون لهما.
﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: لأَجْلِهم وفي حقّهم، فاللام ليست صلةً القول،
وإلا لقيل: أنتم، بدلَ قوله سبحانه: ﴿هَؤُلاءِ﴾ أي: الكفارُ مِن أهل مكةً.
، أي: أَقوَمُ ديناً وأرَشَدُ طريقةً، قيل:
﴿أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا (@)
والظاهرُ أنَّهم أطلقوا أَفعلَ التفضيل ولم يَلحُوا معنى التشريك فيه، أو قالوا ذلك
على سبيل الاستهزاءِ لكفرهم.
وإيرادُ النبيِّ ◌َّهِ وأتباعِهِ بعنوان الإيمان ليس مِن قِبَلِ القائلين بل من جهة الله
تعالى، تعريفاً لهم بالوصفِ الجميل، وتخطئةً لمن رَجَّح عليهم المتَّصفين بأشنع
القبائح.
. (١) تفسير الطبري ٧/ ١٣٧.
(٢) عزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر المنثور ١٧٢/٢، وعنه نقل المصنف، وعلقه البخاري
قبل الحديث (٤٥٨٣).
(٣) تنظر هذه الروايات عن ابن عباس في تفسير الطبري ٧/ ١٣٥-١٣٩، وتفسير ابن أبي حاتم
٩٧٤/٣-٩٧٥، والدر المنثور ١٧٢/٢.

الآية : ٥٢ - ٥٣
٨٥
سُورَةُ الشَّةِ
﴿أُوْلَِّّكَ﴾ القائلون المبعِدون في الضلالة ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أَبعدَهم عن
رحمته وطردَهم، واسمُ الإشارة مبتدأ والموصولُ خبرُه، والجملةُ مستأنفَةٌ لبيان
حالهم وإظهارٍ مآلهم.
، أي: ناصراً
٥٢
﴿وَمَنْ يَلْعَنْ﴾ أي: يُبعده ﴿اللّهُ﴾ مِن رحمته ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيًّا
يَمنعُ عنه العذاب دُنيويًّا كان أو أُخرويًّا، بشفاعةٍ أو بغيرها، وفيه بيانٌ لحرمانهم
ثمرةً استنصارهم بمشركي قريش، وإيماءٌ إلى وغْدِ المؤمنينَ بأنهم المنصورون حیث
كانوا بضدِّ هؤلاء، فهم الذين قَرَّبهم الله تعالى، ومَن يُقرِّبْه الله تعالى فلن تجد له
خاذلاً .
وفي الإتيان بكلمة ((لن))، وتَوجيهِ الخطاب إلى كلِّ واحدٍ يَصلحُ له، وتوحيدٍ
النصير منكَّراً، والتعبيرِ عن عدمه بعدم الوجدانِ المؤذِن بسَبْقِ الطلب مُسنّداً إلى
المخاطَب العامٌّ، مِن الدلالة على حرمانهم الأبديِّ عن الظفَرِ بما أَمِلوا بالكلِّية
ما لا يخفى، وإن اعتبرتَ المبالغة في ((نصير)» مُتوجِّهةً للنفي كما قيل ذلك في قوله
سبحانه ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلٍَّ﴾ [فصلت: ٤٦] قَويَ أمرُ هذه الدلالة.
مْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ شروعٌ في تفصيل بعضٍ آخرَ مِن قبائحهم، و((أم))
مُنقطعة فتقدَّر بـ (بل)) والهمزة، أي: بل أَلَهم، والمرادُ إنكارُ أنْ يكون لهم نصيبٌ
من الملك، وجحدٌ لِمَا تَدَّعيه اليهودُ من أنَّ الملك يعودُ إليهم في آخر الزمان.
وعن الجبائيّ أنَّ المرد بالملك هاهنا النبوّة، أي: ليس لهم نصيبٌ مِن النبوةِ
حتى يَلزمَ الناسَ اتِّبَاعُهم وإطاعتُهم.
والأول أظهرُ؛ لقوله تعالى شأنه: ﴿فَإِذَا لَّا يُؤْتُّونَ النَّاسَ﴾ أي: أحداً، أو
الفقراء، أو محمداً ټے وأتباعه کما روي عن ابن عباس
﴿نَقِيًّا ﴾﴾ أي: شيئاً قليلاً، وأصلُه ما أشرنا إليه آنفاً. وأخرجَ ابنُ جريرٍ من
يا أنه قال: هذا النقيرُ. فوضع طرف الإبهام على
طريق أبي العالية عن ابن عباسٍ
باطن السبابة ثم نَقَرَها(١).
(١) تفسير الطبري ٧/ ١٥٢.

سُورَةُ السَّةِ
٨٦
الآية : ٥٤
وحاصلُ المعنى على ما قيل: إنهم لا نَصيبَ لهم من الملك لعدم استحقاقهم
له، بل لاستحقاقهم حرمانَه بسببٍ أنهم لو أُوتوا نصيباً منه لما أَعَطَوَاَ الناسَ أقلَّ
قليلٍ منه، ومِن حقِّ مَن أُوتي الملكَ الإيتاء، وهم ليسوا كذلك، فالفاء في ((فإذاً»
للسببية والجزائيةِ لشرطٍ محذوف هو: إنْ حصلَ لهم نصيبٌ، لا: لو كان لهم
نصيبٌ، كما قدَّره الزمحشري(١)، لأنَّ الفاء لا تقع في جواب ((لو)) سيما مع ((إذاً))
والمضارع.
ويَجوزُ أنْ تكون الفاءُ عاطفةً، والهمزةُ لإنكارِ المجموع من المعطوف
والمعطوفِ عليه، بمعنى: أنه لا ينبغي أنْ يكون هذا الذي وَقَع، وهو أنَّهم قد أُوتوا
نصيباً من الملك، حيث كانت لهم أموالٌ وبساتينُ وقصورٌ مُشَيَّدةٌ كالملوك، ويعقبه
منهم البخل بأقلِّ قليلٍ. وفائدةٌ ((إذا))(٢) زيادةُ الإنكار والتوبيخ، حيث يَجعلون ثبوتَ
النصيب الذي هو سببُ الإعطاء سباً للمنع.
والفرقُ بين الوجهَين أنَّ الإنكار في الأول مُتوجّهٌ إلى الجملة الأولى، وهو
بمعنى إنكارِ الوقوع، وفي الثاني متوجّهٌ لمجموع الأمرَين، وهو بمعنى إنكارٍ
الواقع، و((إذاً) في الوجهين ملغاةٌ، ويَجوزُ إعمالُها؛ لأنَّه قد شُرط في إعمالها
الصدارةُ، فإذا نُظر إلى كونها في صدر جملتها أُعملَتْ، وإنْ نُظر إلى العطف
وكونِها تابعةً لغيرها أُهملت، ولذلك قرأ ابن عباس وابن مسعود عنه: ((فإذاً لا يُؤْتوا
الناس)) بالنصب على الإعمال(٣).
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ انتقالٌ عن توبيخهم بالبُخل إلى توبيخهم بالحسد الذي هو
من أقبحِ الرذائلِ المُهْلِكةِ مَن انَّصف بها دنيا وأُخرى، وذِكرُه بعده مِن باب الترقِّي.
و ((أم)) مُنَقطعةٌ، والهمزةُ المقدَّرة بعدها لإنكار الواقع.
والمرادُ من الناس سيِّدُهم، بل سيِّدُ الخليقة على الإطلاق محمد وَه وإلى
(١) في الكشاف ١/ ٥٣٤.
(٢) في الأصل: إذن، وكلاهما صواب؛ قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٦٨/٢: تكتب إذن
بالنون وبالألف، فالنون هو الأصل، كعن ومن، وجاز كتبها بالألف لصحة الوقوف عليها،
فأشبهت نون التنوين، ولا يصح الوقف على ((مِن)) و((عن).
(٣) معاني القرآن للفراء ٢٧٣/١، والبحر ٢٧٢/٣.

الآية : ٥٤
٨٧
سورة النساءِ
هذا ذهب عكرمة ومجاهد والضحاك وأبو مالك وعطية، وقد أَخرجَ ابنُ أبي حاتم
مِن طريق العوفيٍّ عن ابن عباس ﴿ّ قال: قال أهلُ الكتاب: زَعَم محمدٌ أنه أُوتِيَ
ما أُوتي في تواضُع وله تسعُ نسوةٍ، وليس همُّه إلا النكاح، فأيُّ مُلْكٍ أفضلُ مِن
هذا؟! فأنزل الله تعالى هذه الآية(١).
وذهب قتادة والحسن وابنُ جُريج إلى أنَّ المراد بهم العرب.
وعن أبي جعفرَ وأبي عبد الله أنَّهم النبيُّ والُه عليه وعليهم أفضلُ الصلاة وأكمل
السلام.
وقيل: المراد بهم جميعُ الناس الذين بُعث إليهم النبيُّ وَّهِ من الأسودِ
والأحمرِ، أي: بل أيحسدونهم.
﴿عَلَى مَآ ءَاتَئُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ.﴾ يعني النبوةَ وإباحةَ تسعِ نسوةٍ، أو بعثةَ النبيِّ وَّل
مِنهم ونزولَ القرآن بلسانهم، أو جمْعَهم كمالاتٍ تَقصرُ عنها الأمانيُّ، أو تَهيئةً
سببٍ رَشادِهم ببعثة النبيِّ وَّهِ إليهم، والحسدُ على هذا(٢) مجازٌ؛ لأنَّ اليهود لمَّا
نازعوا (٣) في نبوته وَِّ التي هي إرشادٌ لجميع الناس فكأنَّما حسدوهم جُمَعَ.
﴿فَقَدْ ءَاتَيْنَاً﴾ تعليلٌ للإنكارِ والاستقباحِ، وإجراءُ الكلام على سَنن الكبرياء
بطريق الالتفات لإظهارِ كمالِ العناية بالأمر، والفاءُ كما قيل فصيحةٌ، أي: إنْ
يَحسدوا الناس على ما أوتوا فقد أخطؤوا، إذ ليس الإيتاء ببدع منَّا؛ لأنَّا قد آتينا
من قبلٍ هذا ﴿ءَالَ إِنْزَهِيَمَ اٌلْكِتَبَ﴾ أي: جنسَه، والمرادُ به التوراة والإنجيل، أو
هما والزَّبور.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: النبوةَ، أو إتقانَ العلم والعمل، أو الأسرارَ المُؤْدَعةً في
الكتاب؛ أقوال.
﴿وَءَاتَِّنَهُمْ﴾ مع ذلك ﴿قُلْكَا عَظِيمًا
لا يقادَر قَدْرُه.
٥٤
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٩٧٨ .
(٢) يعني على تفسير ((الناس)) بجميع الناس الذين بعث إليهم النبي مَله. ينظر حاشية الشهاب
١٤٣/٣.
(٣) في (م): نازعوه، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣/ ١٤٧ .

سُورَةُ الشَكَاةِ
٨٨
الآية : ٥٥
وجُوِّزَ أنْ يكون المعنى: إنَّهم لا ينتفعون بهذا الحسد، فإنَّا قد آتينا هؤلاء
ما أتينا مع كثرة الحُسَّاد الجبابرة من نُمروذُ(١) وفرعونَ وغيرِهما، فلم يَنتفعِ الحاسد
ولم يَتضرَِّ المحسود. وأن يُراد أنَّ حسدهم هذا في غاية القبح والبطلانَ، فإنَّا قد
آتينا مِن قبلُ أسلافَ هذا النبيِّ المحسودِ وَّ وأبناءَ عمِّه ما آتيناهم، فكيف
يَستبعدون نُبُوَّته عليه الصلاة والسلام ويَحسدونه على إيتائها؟
وتكريرُ الإيتاء لِمَا يَقتضيه مَقامُ التفصيلِ، مع الإشعار بما بين المُلكِ وما قبله
من المغايرة.
والمراد من الإيتاء: إما الإيتاءُ بالذات، وإمَّا ما هو أَعمُّ منه، ومن الإيتاء
بالواسطة.
وعلى الأول: فالمرادُ من آل إبراهيم أنبياءُ ذرِّيته، ومن الضمير الراجع إليهم
من (آتيناهم)) بعضُهم، فعن ابن عباسٍ ◌ًِّا: الملِكُ في آل إبراهيمَ ملكُ يوسفَ
وداودَ وسليمانَ عليهم السلام. وخصَّه السُّدِّي بما أُحِلَّ لداودَ وسليمانَ من النساء،
فقد كان للأول تسعٌ وتسعون امرأةً، ولولده ثلاثُ مئةِ امرأةٍ ومثلُها سُرِّيَّة، وعن
محمد بن كعب قال: بلغني أنَّه كان لسليمانَ عليه السلام ثلاثُ مئةِ امرأة وسبعُ مئةٍ
سُرِّية .
وعلى الثاني: فالمرادُ بهم ذُرِّيتُه كلُّها، فإنَّ تشريفَ البعض بما ذُكِرَ تشريفٌ
للكلِّ لاغتنامهم بآثار ذلك واقتباسهم من أنواره.
ومن الناس مَن فسَّر الحكمةَ بالعلم، والمُلكَ العظيمَ بالنبوة، ونُسب ذلك إلى
الحسن ومجاهد. ولا يخفى أنَّ إطلاقَ المُلك العظيم على النبوة في غاية البعد،
والحَمْلُ على المتبادر أَولی.
﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي: مِن جنس هؤلاء الحاسِدين وآبائهم ﴿مَنْ ءَامَنَ بِهِ﴾ أي: بما أُوتِيَ
آلُ إبراهيمَ ﴿وَمِنْهُم ◌َّنْ صَدَّ﴾ أي: أَعْرَضَ ﴿عَنْهُ﴾ ولم يُؤمن به، وهذا في رأيٍ
حكايةٌ لِمَا صدَرَ عن أسلافهم عقيبَ وقوعِ المحكيِّ من غير أنْ يكونَ له دخلٌ فيَّ
الإلزام.
(١) بضم النون، وإهمال الدال وإعجامها. التاج (نمرذ).

الآية : ٥٦
٨٩
سُورَةُ السَحَاةِ
وقيل: له دخلٌ في ذلك ببيانِ أنَّ الحسدَ لو لم يكن قبيحاً لأَجْمَعَ عليه أسلافُهم
فلم يؤمن منهم أحدٌ. كما أجمعوا هم عليه فلم يؤمن أحدٌ منهم، وليس بشيءٍ.
وقيل: معناه: فمِن آل إبراهيم مَن آمن به ومِنهم مَن كفر، ولم يكن في ذلك
تَوهينُ أمرِهِ، فكذلك لا يُوهِّنُ كفرُ هؤلاء أمرَك، فضمير ((به)) و((عنه)) على هذا
لإبراهيم، وفيه تسليةٌ له عليه الصلاة والسلام.
ورجوعُ الضميرين لمحمدٍ بِّه، وجَعْلُ الكلام متفرِّعاً على قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ أو على قوله سبحانه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ إلخ = في غاية البعد،
وكذا جَعْلُهما(١) لمَا ذُكر من حديث آل إبراهيم.
﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴾﴾ أي: ناراً مُسَمَّرةً مُؤْقَدةً إيقاداً شديداً، أي: إن
انْصَرَفَ عنهم بعض العذاب في الدنيا، فقد كفاهم ما أُعِدَّ لهم من سعيرِ جهنمَ في
العُقْبَى.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِنَا سَوْفَ نُصْلِهِمْ نَارًا﴾ استئنافٌ وقع كالبيان والتقرير لمَا
قبله، والمراد بالموصول إمَّا الذين كفروا برسول الله وَّله، وإمّا ما يَعمُّهم وغيرهم
ممَّن كفر بسائر الأنبياء عليهم السلام، ويَدخلُ أولئك دخولاً أوليًّا .
وعلى الأول: فالمرادُ بالآيات إمَّا القرآن أو ما يَعمُّ كلَّه وبعضَه، أو ما يَعمُّ
سائرَ معجزاته عليه الصلاة والسلام.
وعلى الثاني: فالمرادُ بها ما يَعمُّ المذكوراتِ وسائرَ الشواهد التي أَتَّى بها
الأنبياءُ عليهم الصلاة والسلام على مُدَّعاهم.
و((سوف)) كما قال سيبويه: كلمةٌ تُذكر للتهديد والوعيد، وتنوب عنها السين
كما في قوله تعالى: ﴿سَأُمْلِهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦]، وقد تُذْكَر للوعد كما في قوله
سبحانه: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾ [الضحى: ٥]، و﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾
[يوسف: ٩٨]، وكثيراً ما تُفيد هي والسين توكيد الوعيد (٢). وتنكير «ناراً)) للتفخیم،
أي: يدخلون - ولا بُدَّ - ناراً هائلة.
(١) في (م): جعل الضميرين.
(٢) في الأصل: توكيداً لوعيد.

سُورَةُ الأَسْحَّةِ
٩٠
الآية : ٥٦
﴿َُّا نَّعِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي: احترقَتْ وتهرَّت وتَلاشَتْ، من نَضِجَ الثَّمرُ واللحم
نَضجاً ونُضجاً: إذا أدرك، و((كلما)) ظرفُ زمانٍ، والعامل فيه ﴿بَدَّلْنَهُمْ جُودًا غَيْرَهَا﴾
أي: أعطيناهم مكان كلِّ جلدٍ مُحترقٍ عند احتراقه جلداً جديداً مُغايراً للمحترِق
صورةً وإن كانت مادَّتُه الأصليةُ موجودةٌ، بأن يُزال عنه الإحراق، فلا يَرِدُ أنَّ الجلدَ
الثاني لم يَعصِ فكيف يُعذّب؟ وذلك لأنَّه هو العاصي باعتبار أصلِهِ فإنَّه لم يُبدّل
إلا صفتُه.
وعندي أنَّ هذا السؤال ممَّا لا يكاد يَسأله عاقل فضلاً عن فاضل، وذلك لأنَّ
عصيانَ الجلد وطاعته وتألُّمَه وتلذُّذَه غيرُ معقولٍ؛ لأنه مِن حيث ذاتُه لا فرقَ بينه
وبين سائر الجمادات من جهة عدم الإدراك والشعور، وهو أشبهُ الأشياء بالآلة، فيدُ
قائلِ النفس ظلماً مثلاً آلةٌ له، كالسيف الذي قَتَل به، ولا فرقَ بينهما إلا بأنَّ اليد
حاملةٌ للروح، والسيفُ ليس كذلك، وهذا لا يَصلح وحده سبباً لإعادة اليد بذاتها
وإحراقها دون إعادة السيف وإحراقِه؛ لأنَّ ذلك الحملَ غيرُ اختياريٍّ.
فالحقُّ أنَّ العذابَ على النفس الحسّاسة بأيِّ بدنٍ حلَّت، وفي أيِّ جلدٍ كانت،
وكذا يقال في النعيم، ويُؤْيِّدُ هذا أنَّ مِن أهل النار مَن يملأ زاويةً من زوايا جهنّم،
وأن سنَّ الجهنَّمي كجبل أحد (١)، وأنَّ أهل الجنة يدخلونها على طولِ آدمَ عليه
السلام ستينَ ذراعاً في عرض سبعة أذرع(٢)، ولا شكَّ أنَّ الفريقَين لم يُباشروا الشرَّ
والخيرَ بتلك الأجسام، بل مَن أنْصَفَ رأى أنَّ أجزاءً الأبدان في الدنيا لا تبقَى على
کمیتها کُهولةٌ وشیوخةً.
وكون الماهية واحدةً لا يُفيد؛ لأنَّا لم نَدَّع فيما نحن فيه أنَّ الجلد الثاني يُغايرُ
الأول كمغايرة العَرَض للجوهر، أو الإنسان للحجر، بل كمغايرة زيدٍ المطيع لعمرٍو
العاصي مثلاً، على أنَّه لو قيل: إنَّ الكافر يُعذَّب أولاً ببدنٍ من حديد تَحُلُّ الروح،
وثانياً ببدنٍ من غيره كذلك، لم يَسُغْ لأحدٍ أنْ يقول: إنَّ الحديد لم يَعْصِ فكيف
أُحرق بالنار؟.
(١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٠٩٣١)، ومسلم (٢٨٥١) عن أبي هريرة څه.
(٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٧٩٣٣) وإسناده ضعيف، وأخرجه أحمد أيضاً (٧٩٣٣)
بإسناد صحيح دون قوله: في عرض سبعة أذرع.

الآية : ٥٦
٩١
سُورَةُ الْقِسَاءِ
ولولا ما عُلم من الدين بالضرورة مِن المعاد الجسماني بحيثُ صار إنكارُه
كفراً، لم يبعد عقلاً القولُ بالنعيم والعذاب الروحانيَّين فقط، ولَمَا توقَّف الأمرُ
عقلاً على إثبات الأجسام أصلاً، ولا يُتوهّمُ من هذا أنِّي أقول باستحالةِ إعادة
المعدوم، معاذَ الله تعالى، ولكنِّي أقولُ بعدم الحاجةِ إلى إعادته وإنْ أَمْكَنتْ،
والنصوصُ في هذا البابِ متعارضةٌ، فمنها ما يدلُّ على إعادة الأجسام بعينها بعد
إعدامها، ومنها ما يدلُّ على خلقٍ مثلها وفناءِ الأولى، ولا أرى بأساً بعدَ القولِ
بالمعاد الجسمانيِّ في اعتقاد أيِّ الأمرَين كان، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلامُ في
الآيات التي يدلُّ ظاهرُها على إعادة العين مثل قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيهِمْ
أَلْسِتَتُهُمْ وَيْدِهِمْ وَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤].
وما في ((شرح البخاري)) للسفيريٌّ(١)، مِن أنَّه لا تَزالُ الخصومةُ بين الناس حتى
تَختصمَ الروحُ والجسد يوم القيامة، فتقولُ الروح للجسد: أنت فعلتَ وإني كنتُ
ريحاً، ولولاك لم أستطيع أن أعمل شيئاً. ويقول الجسد للروح: أنت أمرتٍ وأنت
سؤَّلتِ، ولولاكِ لكنتُ بمنزلة الجذع المُلقَى لا أُحرِّكُ يداً ولا رجلاً. فيبعثُ الله
تعالى مَلَكاً يقضي بينهما فيقول لهما: إنّ مَثَلَكُما كَمَثَلِ رجلٍ مُقعدٍ بصيرٍ وآخرَ
ضريرٍ، دخلا بستاناً فقال المُقعد للضرير: إنِّي أرى هاهنا ثماراً لكن لا أَصلُ إليها.
فقال له الضرير: اركّبْني فتناوَلْها، فأيُّهما المتعدِّي؟ فيقولان: كلاهما. فيقول
لهما المَلَكُ: فإنَّكما قد حكمتُما على أنفسكما = لا أُراه صحيحاً لظهور الفرق بين
المثال والممثَّل له، فإنَّ الحامل فيما نحنُ فيه لا اختيارَ له ولا شعورَ بوجهٍ من
الوجوه، اللهم إلا أنْ يكونَ هناك شعورٌ لكن لا شعورَ لنا به، ولعلَّ لنا عودةٌ إنْ
شاءَ اللهُ تعالى لتحقيق هذا المقام.
ثم إنّ هذا التبديل كيفما كان يكونُ في الساعة الواحدة مراتٍ كثيرةً، فقد أخرج
ابن مردويه وأبو نعيم في «الحلية)) عن ابن عمرَ قال: قُرئ عند عمرَ هذه الآيةُ، فقال
كعبٌ: عندي تفسيرُها؛ قرأتها قبل الإسلام. فقال: هاتها يا كعب، فإنْ جئت بها
كما سمعتُ مِن رسول الله وَّرَ صدَّقناك. قال: إنِّي قرأتُها قبلُ: كلَّما نَضِجَتْ
(١) شمس الدين محمد بن عمر السفيري الحلبي الشافعي العلامة، توفي سنة (٩٥٦هـ). شذرات
الذهب ٤٤٨/١٠.

سُورَةُ القَسَّةِ
٩٢
الآية : ٥٦
جلودُهم بدَّلناهم جلوداً غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومئةً مرةٍ. فقال عمرُ:
هكذا سمعتُه من رسول الله وَلَةٍ(١).
وأخرج ابنُ أبي شيبة وغيرُه عن الحسن قال: بلغني أنَّه يُحرَق أحدُهم في
اليوم سبعينَ ألف مرَّة، كلَّما نضجتْهم النارُ وأكلَت لحومهم قيل لهم: عودوا،
فعادوا(٢).
﴿لَذُوقُواْ الْعَذَابُّ﴾ أي: ليدومَ ذوقُه ولا يَنقطعَ، كقولك للعزيز: أعزَّك الله،
والتعبيرُ عن إدراك العذابِ بالذَّوق من حيثُ إنَّه لا يَدخله نُقصانٌ بدوام الملابَسَةِ،
أو للإشعار بمرارة العذاب مع إيلامه، أو للتنبيه على شِدَّة تأثيره من حيث إنَّ القوة
الذائقةَ أشدُّ الحواسِّ تأثّراً (٣)، أو على سِرايته للباطن.
ولعلَّ السِّرَّ في تَبديل الجلود مع قُدرته تعالى على إبقاء إدراك العذاب وذوقِهِ
بحاله(٤) مع الاحتراق، أو مع بقاء أبدانهم على حالها مَصُونةً عنه، أن النفس
ربما تَتوهَّم زوالَ الإدراك بالاحتراق ولا تستبعدُ كلَّ الاستبعادِ أن تكون مَصُونةً عن
التألُّم والعذاب بصيانة(٥) بدنها عن الاحتراق. قاله مولانا شيخ الإسلام.
وقيل: السرُّ في ذلك أنَّ في النضج والتبديل نوعُ إياسٍ لهم وتجديدُ حزنٍ على
حزن.
وأنكر بعضُهم نضجَ الجلود بالمعنى المتبادر وتبديلَها، زاعماً أنَّ التبديل إنَّما هو
للسرابيل التي ذكرها الله سبحانه بقوله ﴿سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠].
وسُمِّيت السرابيلُ جلوداً للمجاورة.
وفيه أنَّه ترٌ للظاهر، ويُوشك أنْ يكونَ خلافَ المعلوم ضرورةً، وأنَّ السرابيلَ
(١) الحلية ٣٧٤/٥-٣٧٥، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ١٧٤/٢. وفي إسناده نافع
أبو هرمز ضعفه أحمد وجماعة، وكذبه ابن معين مرة، وقال أبو حاتم: متروك ذاهب
الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة. الميزان ٢٤٣/٤.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٦٣/١٣، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٩٨٣/٣.
(٣) في الأصل و(م): تأثيراً، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢/ ١٩٢، والكلام منه.
(٤) في (م): بحال، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود.
(٥) في الأصل و(م): صيانة، والمثبت من تفسير أبي السعود.

الآية : ٥٧
٩٣
سُورَةُ المِسَاةِ
لا تُوصف بالنضج، وكأنه ما دعاه إلى هذا الزعم سوى استبعادِ القول بالظاهر،
وليس هو بالبعيد عن قدرة الله سبحانه وتعالى.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِزًا﴾ أي: لم يَزَلْ منيعاً لا يُدافَع ولا يُمانَع. وقيل: إنَّه قادرٌ
لا يَمتنع عليه ما يُريده ممَّا تَوعَّد (١) أو وَعدَ به. ﴿حَكِيمًا ﴾﴾ في تدبيره وتقديره
وتعذيبٍ مَن يُعذّبُه. والجملة تعليلٌ لما قبلها من الإصلاء والتبديل، وإظهارُ الاسم
الجليل لتعليلِ الحُكم مع ما مرَّ مراراً.
﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضََّلِحَتِ﴾ عقَّبَ بيانَ سوء حالِ الكفرة ببيان حسنِ حال
المؤمنين، تكميلاً للمساءَة والمسرَّة، وقَدَّم بيانَ حال الأوَّلين؛ لأنَّ الكلام فيهم.
والمرادُ بالموصول إمَّا المؤمنين بنبيِّنا وَّه، وإمّا ما يَعمُّهم وسائرَ مَن آمن مِن
أمم الأنبياءِ عليهم السلام، أي: إنَّ الذين آمنوا بما يَجبُ الإيمانُ به، وعملوا
الأَعمال الحسنة ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْهَا الْأَنْهَرُ﴾ قرأ عبد الله: ((سيُدْخِلُهم»
بالياء(٢)، والضميرُ للاسم الجليل. وفي السين تأكيدٌ للوعد، وفي اختيارها هنا
واختيارٍ ((سوف)) في آيةِ الكفر ما لا يَخْفَى.
﴿خَلِينَ فِهَا أَبَدًا﴾ إعظاماً للمنَّة، وهو حالٌ مقدَّرةٌ من الضمير المنصوب في
((سندخلهم)).
وقوله تعالى: ﴿لَّمْ فِهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ - أي: من الحيض والنِّفاس، وسائرٍ
المعايب والأدناس، والأخلاقِ الدنيئة، والطباع الرديئة، لا يفعلن ما يُوحشُ
أزواجهنَّ، ولا يوجدُ فيهنَّ ما يُنفِّرُ عنهنَّ - في محلِّ النصب على أنَّه حالٌ من
((جنات))، أو حالٌ ثانيةٌ من الضمير المنصوب، أو أنَّه صفةٌ لـ ((جنات)» بعد صفة، أو
في محلِّ الرفع على أنَّه خبرُ الموصول بعد خبر، والمرادُ: أزواجٌ كثيرةٌ، كما تَدلُّ
عليه الأخبار.
)﴾ أي: فيناناً لا جُوَبٌ(٣) فيه، ودائماً لا تنسخُه
﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلَّا ظَلِيلًا
(١) في (م): تواعد.
(٢) الكشاف ٥٣٥/١، وهي في القراءات الشاذة ص٢٦ عن يحيى بن وثاب.
(٣) بضم الجيم وفتح الواو جمع جوبة بمعنى: فُرْجَة.

سُورَةُ النِّسَّاءِ
٩٤
التفسير الإشاري (٤٣-٥٧)
الشمسُ، وسَجْسَجاً (١) لا حرَّ فيه ولا قرَّ، رَزَقَنا الله تعالى التفيُّوَ فيه برحمتِهِ إنَّه
أرحمُ الراحمين. والمراد بذلك إمَّا حقيقتُه ولا يمنع منه عدمُ الشمس، وإمَّا أنَّه
إشارةٌ إلى النعمة التامَّةِ الدائمةِ.
والظليل صفةٌ مشتقةٌ مِن لفظ الظلِّ للتأكيد، كما هو عادتهم في نحو: يومٌ أَیْوَمُ،
وليلٌ أَلْيَل. وقال الإمام المَرْزوقيُّ: إنه مجرَّدُ لفظٍ تابع لما اشتُقَّ منه، وليس له
معنّى وضعيٍّ، بل هو كـ : بَسَنٌ، في قولك: حَسَنٌ بسنٌ.
وقرئ: ((يدخلهم)) بالياء(٢) عطفٌ على ((سيدخلهم)) لا على أنَّه غيرُ الإدخال
الأول بالذات، بل العنوان كما في قوله تعالى: ﴿وَلَغَّا جَّةَ أَمْرُنَا غَيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنََّهُ مِّنْ عَذَابٍ غَلِظٍ﴾ [هود: ٥٨].
هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَ أَنْتُمْ
شُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ خطابٌ لأهل الإيمان العِلْميِّ، ونهيّ لهم أنْ يناجوا
ربَّهم ويَقربوا(٣) مقامَ الحضور والمناجاة مع الله سبحانه وتعالى في حال كونهم
سكارى خمرِ الهوى ومحبةِ الدنيا أو نومِ الغفلة حتى يَصْحُوا، ولا يشتغلوا بغير
مولاهم، والمقصودُ النھيُ عن إشغال القلبِ بسوی الربِّ.
وقيل: إنَّه خطابٌ لأهل المحبّة والعشق الذين أسكرهم شرابُ ليلَى ومُدام ميّ،
فبقُوا حيارى مَبهوتين لا يُميِّزون الحيَّ من اللَّيِّ، ولا يعرفون الأوقات، ولا يقدرون
على أداء شرائط الصلوات، فكأنهم قيل لهم: يا أيها العارفون بي وبصفاتي
وأسمائي، السكارى من شراب مَحبتي، وسلسبيل أُنسي، وتَسنيم قِدَمي، وزَنجبيل
قُربي، ومُدام عشقي، وعُقار(٤) مشاهَدَتي، إذا كشفتُ لكم جمالي وآنستُكم في مقام
ربوبيتي، فلا تُكلِّفوا أنفسكم أداء الرسوم الظاهرة؛ لأنَّكم في جِنان مشاهدتي وليس
(١) أي: معتدلاً. النهاية (سجسج).
(٢) المحرر الوجيز ٦٩/٢، والبحر ٢٧٥/٣.
(٣) فى الأصل: أو يقربوا.
(٤) العقار بضم العين: الخمر. الصحاح (عقر).

التفسير الإشاري (٤٣-٥٧)
٩٥
سُورَةُ السَّةِ
في الجنان تقييدٌ، وإذا سكنتُم من سكركم وصِرْتُم صاحين بنعمة التمكين، فأدُّوا
ما افترضتُه عليكم وقوموا لله قانتينَ.
وحاصلُه رفعُ التكليفِ عن المجذوبين الغارقين في بحار المشاهدة إلى أنْ
يَعقلوا ويَصحُوا، فالإيمان على هذا محمولٌ على الإيمان العيني، والمعنى الأول
أولى بالإشارة.
﴿وَلَا جُنُبًا﴾ أي: ولا تقربوا الصلاةَ في حال كونكم بُعَداءَ عن الحقِّ لشدَّةِ
الميلِ إلى النفس ولَّذَّاتها ﴿إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ﴾ أي: سالكي طريقِ مَن طَرَق تَمتُّعاتِها
بقَدْرِ الضرورة، كعبورٍ طريقِ الاغتذاء بالمَأكل والمَشرب لسدِّ الرَّمق، أو الاكتساءِ
الدفع ضرورة الحرِّ والقرِّ وسترِ العورة، أو المباشرةِ لحفظ النسل. ﴿حَتَّ تَنْتَسِلُواْ﴾
وتتطهَّروا بمياه التوبة والاستغفار وحُسْنِ التنصُّلِ والاعتذار.
﴿وَإِن كُ نَّهَ﴾ بأدواءِ الرذائل ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ببيداءِ الجَهالة والحيرةِ لطلب
الشهواتِ ﴿أَوْ جَّةَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَّبِطِ﴾ أي: الاشتغال بلوث المال ملوثاً بمحبته
﴿أَوْ لَمَسْتُمُ الْنِسَآَةَ﴾ أي: لازمتُم النفوسَ وباشرتُموها في قضاءٍ وطرِها ﴿فَلَمْ تَجِدُوا
مَآءُ﴾ عَلَماً يَهديكم إلى التخلُّص عن ذلك ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أي: فاقصِدوا
صعيدَ استعدادكم، أو ارجِعُوا إلى المرشدينَ أربابِ الاستعداد ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ﴾ أي: امسَحُوا ذواتكم وصفاتكم بما يَتصاعدُ من أنوار استعدادهم،
وتخلَّقُوا بأخلاقهم، واسلُكوا مسالكُهم، حتى تُمحَى عنكم تلكَ الهيئاتُ المُهْلِكُ،
وتَبقَى أنفسُكم صافيةً ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّ﴾ يعفو عمَّا صدرَ منكم بمُقتضَى تلك
الهيئاتِ ﴿غَفُورًا﴾ يَسترُ الشينَ بالزينِ.
﴿أَلَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا﴾ أي: بعضاً ﴿مِنَ الْكِتَبِ﴾ وهو اعترافُهم بالحقِّ
مع احتجابهم برؤيةِ الخلقِ ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَلَةَ﴾ ويَتركون التوحيدَ الحقيقيَّ
﴿وَيُريدُونَ﴾ مع ذلك ﴿أَن تَضِلُواْ السَّبِيلَ﴾ الحقَّ، وهو التوحيدُ الصرفُ، وعدمُ رؤيةٍ
الأغيار فتكونوا مثلهم.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ﴾ وعنَى بهم أولئك الموصوفين بما ذكر، وسببُ عداوتهم
لهم اختلافُ الأسماءِ الظاهرةِ فيهم، ولهذا ودُّوا تكفيرَهم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَإِيًّا﴾ يَلي

سُورَةُ السَّلة
٩٦
التفسير الإشاري (٤٣-٥٧)
أمورَكم بالتوفيق لطريق التوحيد ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيًا﴾ يَنصرُكم على أعدائكم،
فلا يَستطيعون إيذاءكم وردَّكم عما أنتم عليه من الحقِّ.
﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ رجعُوا عن مقتضَى الاستعداد مِن نفي السِّوى إلى ما سَوَّلتْ
لهم أنفسُهم، واستنتجَتْه أفكارُهم، وأَيَّدتْهُ أنظارهم، ودَعَتْ إليه علومُهم الرسمية.
﴿يُحَرَفُونَ الْكَلِمَ عَن ◌َّوَاضِعِهٌ.﴾ يحتملُ أنْ يُراد بالكُلم معناها الظاهر،
أي: أنَّهم يُؤْوِّلُون جميعَ ما يُشعر ظاهرُه بالوحدة على حسب إرادتهم، زاعمين أنَّه
لا يُمكنُ أنْ يكونَ غيرُ ذلك مراداً لله تعالى لا قصداً ولا تَبّعاً، لا عبارةً
ولا إشارةً.
ويحتمل أن يراد بها هذه المُمكِنات، فإنَّها كَلِمُ الله تعالى بمعنى الدوالٌ عليه،
أو كَلِمُه بمعنى آثارٍ كَلِمه، أَعني (كُن)) المتعدِّدةَ حَسْبَ تعدُّدِ تعلُّقات الإرادة.
ومعنى تحريفها عن مواضعها إمالتُها عمَّا وَضَعَها الله تعالى فيه مِن كونها مظاهرَ
أسمائه، فيُثْبِتُون لها وجوداً غيرَ وجود الله تعالى.
﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا﴾ ما يشعر بالوحدة؛ أو سمعنا ما يُقال في هذه الممكِنات
﴿وَعَصَيْنَا﴾ فلا نقولُ بما تقولون، ولا نعتقدُ ما تعتقدون.
ويقولون أيضاً في أثناءِ مخاطبتهم للعارفِ مُستَخِفْین مُستَهْزِئین به:
وَأَسْمِعْ
ما يُعارض ما تدَّعيه ﴿غَيّرَ مُسْمَع﴾ أي: لا أَسمَعَكَ الله ﴿وَرَعِنَا﴾ يَعنونْ رَمْيَه
بالرُّعونة وهي الحماقة ﴿لَيَّا يَأَلْسِنَئِمْ وَطَعْنَا فِىِ الذِينَ﴾ الذي عليه العارف بربِّه.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ أي: فَهِمُوا عِلْمَه الظاهرَ ولم يَفهموا ما أشار إليه
من علم الباطن ﴿مَامِنُواْ بِمَا نَّنَا﴾ على قلوب أوليائي مِن العلم اللَّدِنِّي ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا
مَعَكُمْ﴾ مِن علم الظاهر، إذ كلُّ باطنٍ يُخالفُ الظاهرَ فهو باطلٌ ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ
وُجُوهًا﴾ - وهي وجوهُ القلوب - بالعمَىِ ﴿فَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ ناظرةً إلى
الدنيا وزخارفها بعد أن كانت في أصل الفطرةِ مُتوجِّهةً إلى ما في الميثاق الأول.
﴿أَوْ نَلْعَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَبَ السَّبْتِ﴾ فنمسخ صورَهم المعنويةَ كما مسخنا صورَ اليهود
الحسّية.

التفسير الإشاري (٤٣-٥٧)
٩٧
سُورَةُ الشَّلة
ويحتملُ أنْ يكونَ هذا خطاباً لِمَن أُوتِي كتاب الاستعدادِ، أَمرَهم بالإيمان
الحقيقيّ، وهدَّدَهم بإزالة استعدادِهم، وردِّهم إلى أسفلٍ سافلينَ، وإبعادهم بالمسخ.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلا بالتوبةِ عنه لشدَّةِ غيرته، لا أحد أَغْيَرُ من الله
﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشََُ﴾ أنْ يَغفرَ له، تابَ أو لم يَتُب.
وقد ذكروا أنَّ الشرك ثلاثُ مراتب، ولكلٍّ مرتبةٍ توبةٌ:
فشرٌ جليٍّ بالأعيان، وهو للعوامٌّ كعَبَدةِ الأصنام والكواكب مثلاً، وتوبتُه
إظهارُ العبوديةِ في إثبات الربوبيةِ مُصدِّقاً بالسرِّ والعلانيةِ.
وشركُ خَفِيٌّ بالأوصاف(١)، وهو للخواصِ وفُسِّرَ بشَوْبِ العبوديةِ بالالتفات إلى
غير الربوبيةِ، وتوبتُه الالتفاتُ عن ذلك الالتفات.
وشركٌ أَخفَى لخواصِّ الخواصِّ، وهو الأنانيةُ، وتوبتُه بالوحدةِ وهي فناءُ
الناسوتيَّةِ في بقاء الَّلاهونيَّة.
﴿وَمَن يُثْرِكِ بِلَّهِ﴾ أيَّ شركٍ كان مِن هذه المراتب، ﴿فَقَّدٍ أَفْتَرَى﴾ وارتكبَ
حَسْبَ مرتبتِهِ ﴿إِثْمًا عَظِيمًا﴾ لا يُقدَرُ قَدْرُه.
﴿أَمْ تَرّ إِلَى الَّذِينَ يُزَّكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ كعلماء السوء مِن أهل الظاهر الذين لم
يُحصِّلوا مِن علومهم سوى العُجْبِ والكِبرِ والحسدِ والحقدِ وسائرِ الصفات الرذيلةٍ
﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ﴾ كالعارفين به الذين لا يرون لأنفسهم فعلاً .
ويحتمل أنْ يكونَ هذا تعجيباً ممَّن يُزِّي نفسَه بنفسه، ويَسلكُ في مسالك القومِ
على رأيه غيرَ مُعتمدٍ على مربٍّ مرشدٍ له، من وليٍّ كامل، أو أَثَارةٍ من علمٍ إلهيٍّ،
كبعض المتفلسفين من أهل الرياضات.
﴿أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبِّ﴾ بادِّعاء تزكيةِ نفوسهم من صفاتها،
وما تزَّت، أو بانتحالِ صفات الله تعالى إلى أنفسهم مع وجودها(٢) ﴿وَكَفَ بِهِ إِثْمًا
تُبِينًا﴾ ظاهراً لا خفاءَ فيه.
(١) في الأصل: في الأوصاف.
(٢) العبارة في تفسير ابن عربي ١٦٨/١: أو بانتحال صفات الله إلى أنفسهم لوجود أنفسهم.

سُورَةُ الشَكَاةِ
٩٨
التفسير الإشاري (٤٣-٥٧)
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا﴾ بعضاً ﴿مِنَ الْكِتَبِ﴾ الجامع، وأُشيرَ به إلى
عِلْم الظاهرِ ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ﴾ أي: بجبتِ النفسِ ﴿وَاَلَّغُوتِ﴾ أي: طاغوت
الهوى، فَيَميلون مع أنفسهم وهواهم ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: لأجل الذين سَتَروا
الحقَّ ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الإيمانَ الحقيقيَّ ﴿سَبِيلًا﴾.
﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أَبعدَهم عن معرفتِهِ وقُربِهِ ﴿وَمَن يَلْعَنِ﴾ أي: يُبْعِدْه
﴿اَللَّهُ﴾ عن ذلك ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يَهديه إلى الحقِّ.
﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذَا لَّا يُؤْثُّونَ النَّاسَ نَقِيًّا﴾ ذَمٌّ لهم بالبخل الذي هو
الوصمةُ الكبرى عند أهل الله تعالى ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِ﴾
مِن المعرفة وإعزازهم بين خَلْقِهِ، وإرشادِهم لِمَن استرشَدَهم، ﴿فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ
إِبْرَهِيمَ﴾ وهم المتَّبِعون له على ملَّته من أهل المحبة والخُلَّة ﴿اَلْكِتَبَ﴾ أي: عِلمَ
الظاهرِ، أو الجامعَ له ولعلم الباطن ﴿وَاَلْحِكْمَةَ﴾ علمَ الباطنِ أو باطن الباطن
﴿وَءَاتَّيْتَهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ وهو الوصولُ إلى العين، وعدمُ الوقوفِ عند الأثر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَئِنَا﴾ أي: حُجِبُوا عن تَجلِّيات صفاتنا وأفعالنا، وأنكروا
على أوليائنا الذين هم مظاهرُ الآيات ﴿َسَوْفَ نُصْلِهِمْ نَارًا﴾ عظيمةً، وهي نارُ القهر
والحجابٍ، أو نارُ(١) الحسدِ.
﴿كَلَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ وتقطّعَتْ أمانيُّ نفوسِهم الأمَّارةِ ومقتضياتُ مواها
﴿بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًّا غَيْرَهَا﴾ بتجدَّدِ نوعٍ آخرَ مِن أنواعِ تجلياتِ القهر، أو بتجُّدِ نِعَم أُخرى
تَظهرُ على أوليائنا الذين حسّدُوهم وأنكروا عليهم ﴿لِيَّذُوقُواْ الْعَذَابُ﴾ ما داموا
مُنغمسينَ في أوحال الرذائلِ .
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ أي: الأعمال التي يَصلحون بها لقبول
التجلِّياتِ ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْيِهَا الْأَنْهَرُ﴾ مِن ماء الحكمة ولبنِ الفطرةِ وخمرٍ
الشهود وعسلِ الكشفِ ﴿خَالِدِينَ فِهَا أَبَدًا﴾ لبقاء أرواحهم المُفَاضَةِ عليها ما يَرَوِّحُها
﴿َّمْ فِهَا أَزْوَجٌ﴾ من (٢) التجلِّيات التي يَلتذُّون بها ﴿قُطَهَّرَ﴾ مِن لَوث النقصِ
(١) في الأصل: ونار.
(٢) قوله: من، ليس في الأصل.

الآية : ٥٨
٩٩
سُورَةُ الشَّةِ
﴿وَنُِّلُهُمْ ظِلَّا ظَلِيلًا﴾ وهو ظلُّ الوجود والصفات الإلهية، وذلك بمحوِ البشريةِ
عنهم. نسأل الله تعالى من فضله فلا فَضْلَ إلا فضلُه.
ثم إنَّه سبحانه وتعالى أَرشدَ المؤمنينَ بأبلغ وجهٍ إلى بعضٍ أمَّهات الأعمالِ
الصالحة فقال عزَّ مِن قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَنَتِ إِلَّىَّ أَهْلِهَا﴾ أخرج ابن
مَردَوَيه من طريق الكلبيِّ عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿ما قال: لمَّا فتحَ
رسولُ اللهِوَ﴾ مكةَ دعا عثمانَ بنَ أبي طلحة (١)، فلمَّا أتاه قال: ((أَرِني المفتاح))
فأتاه به، فلمَّا بسط يده إليه قام العباسُ فقال: يا رسولَ الله، بأبي أنتَ وأُمِّي اجعلْه
لي مع السِّقاية، فكفَّ عثمان يَده، فقال رسول الله وَلجر: ((أرني المفتاح يا عثمان)»
فَبَسَط يده يعطيه، فقال العباس مثلَ كلمته الأولى، فكفَّ عثمانُ يدَه، ثم قال
رسول ◌َله: ((يا عثمان إنْ كنتَ تؤمنُ بالله واليوم الآخر فهاتِني المفتاح)) فقال: هاكَ
بأمانةِ الله تعالى. فقامَ ففَتَح الكعبةَ فوجد فيها تمثالَ إبراهيم عليه السلام معه قِدَاحِ
يَستقسمُ بها، فقال رسول الله وَلي: ((ما للمشركين قاتلهم الله تعالى وما شأن إبراهيم
عليه السلام وشأن القداح؟!)) وأزال ذلك، وأخرج مقامَ إبراهيم عليه السلام وكان
في الكعبة ثم قال: ((أيُّها الناس هذه القبلة)) ثم خَرجَ فطافَ بالبيت، ثم نَزَل عليه
جبريل عليه السلام فيما ذُكر لنا بردّ المفتاح، فدعا عثمانَ بنَ [طلحة بن] أبي طلحة
فأعطاه المفتاح ثم قال: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ الآية(٢).
وفي رواية الطََّراني: أنَّ رسول الله وَقال حينَ أَعطى المفتاح: ((خذوها يا بَني
(١) كذا في الأصل و(م)، والصواب: عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، كما ذكر ابن كثير عند
تفسير هذه الآية ثم قال: أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة هو
وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأما عمه عثمان بن أبي طلحة فكان معه لواء المشركين
يوم أحد، وقتل يومئذ كافراً، وإنما نبهنا على هذا النسب لأن كثيراً من المفسرين قد يشتبه
عليهم هذا بهذا. اهـ. وينظر الإصابة ٦/ ٣٨٧.
(٢) عزاه لابن مردويه ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وابن حجر في العجاب ٢/ ٨٩٢. قال ابن
كثير: وهذا من المشهورات أن هذه الآية نزلت في ذلك، وسواء كانت نزلت في ذلك أو
لا، فحكمها عام.

سُورَةُ الشَكَاةِ
١٠٠
الآية : ٥٨
طلحة خالدةً تالدةً لا يَنزِعُها منكم إلا ظالم)؛ يعني سدانة الكعبة(١).
وفي تفسير ابن كثير: أنَّ عثمان دفَعَ المفتاح بعد ذلك إلى أخيه شيبةً بنِ
أبي طلحةً(٢)، فهو في يدٍ ولده إلى اليوم.
وذكر الثعلبيُّ والبغويُّ والواحديُّ: أنَّ عثمانَ امتنعَ عن إعطاءِ المفتاح للنبيِّ وَهـ
وقال: لو علمتُ أنَّه رسولُ الله لم أمنعه، فلَوَى عليٍّ كرم الله تعالى وجهه يده
وأخذَه منه، فدخل رسولُ اللهِ وَّهِ الكعبةَ وصلى ركعتَين، فلمَّا خَرجَ سأله العباسُ
أنْ يجمعَ له السِّدانة والسِّقاية فنزلَتْ، فأمر عليًّا كرَّم الله تعالى وجهَهُ أنْ يردَّ ويعتذرَ
إليه، وصار ذلك سبباً لإسلامه ونزول الوحي بأنَّ السِّدانة في أولاده أبداً (٣).
وما ذكرناه أَوْلَی بالاعتبار:
أمّا أولاً: فلِمَا قال الأشموني: إنَّ المعروفَ عند أهل السير أنَّ عثمان بن
طلحة أسلم قبل ذلك في هدنةِ الحديبية مع خالدِ بنِ الوليد وعمرو بنِ العاص،
كما ذَكَرَه ابنُ إسحاق وغيرُه، وجزم به ابنُ عبد البرِّ في ((الاستيعاب))، والنوويُّ في
(تهذيبه))، والذهبي، وغيرهم(٤).
وأما ثانياً: فلِمَا فيه مِن المخالفة لِمَا ذَكَرِه ابنُ كثير، وقد نَصُّوا على أنه هو
الصحيح.
(١) المعجم الكبير (١١٢٣٤)، وأخرجه أيضاً ابن عدي ٤/ ١٤٥٥، وفي إسناده عبد الله بن
مؤمل، قال عنه الحافظ في التقريب: ضعيف. وأخرجه الواحدي في أسباب النزول
ص١٥١ عن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وأخرجه أيضاً عن مجاهد مرسلاً.
(٢) كذا ذكر المصنف، والذي في تفسير ابن كثير عند هذه الآية أنَّ شيبة هو ابن عم عثمان بن
طلحة بن أبي طلحة، وأن اسمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وقد قتل أبوه كافراً في أحد
كما أسلفنا. وفي الإصابة ٩٦/٥ أن شيبة أسلم يوم الفتح وكان ممن ثبت يوم حنين.
(٣) تفسير الثعلبي ٣٣٢/٣، وأسباب النزول للواحدي ص ١٥٠، وتفسير البغوي ٤٤٣/١ -٤٤٤.
قال ابن حجر في العجاب ٨٩٣/٢: كذا أورده الثعلبي بغير سند جازماً به، وتلقاه عنه غير
واحد منهم الواحدي، وفيه زيادات.
(٤) سيرة ابن هشام ٢٧٨/٢، والاستيعاب ٢٤/٨، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي ٣٢٠/١،
والسيرة النبوية للذهبي ١١٣/٢.