النص المفهرس

صفحات 441-460

الآية : ٢٤
٤٤١
سُورَةُ المِسَاءِ
الآية: أحلَّ الله تعالى لك أربعاً في أول السورة وحرَّم نكاح كلِّ مُحصَنةٍ بعد الأربع
إلا ما ملَكَت يَمِينُك. وروي مثلهُ عن كثير(١).
وقال شيخ الإسلام: المراد من المحصنات ذواتُ الأزواج، والموصولُ إمَّا
عامٌّ حَسْبَ عمومٍ صِلَتهِ، والاستثناء ليس لإخراج جميع الأفراد مِنْ حكم التحريم
بطريق شمول النفي، بل بطريق نفي الشمول المستلزم لإخراج البعض، أي: حرِّمت
عليكم المحصناتُ على الإطلاق إلا المحصناتِ اللاتي ملكتموهن، فإنهنَّ لَسْنَ من
المحرَّمات على الإطلاق، بل فيهنَّ مَن لا يَحْرم نكاحهن في الجملة، وهنَّ
المسبَّات بغير أزواجهن أو مطلقاً، على اختلاف المذهبَين.
وإمَّا خاصٌّ بالمسبيات، فالمعنى: حرِّمت عليكم المحصناتُ إلا اللاتي سُبين،
فإنَّ نكاحهن مشروع في الجملة، أي: لغير ملَّاكهنَّ، أمَّا حِلَّهنَّ لهم بحكم ملك
اليمين فمفهوم بدلالة النص لاتحاد المناط لا بعبارته؛ لأنَّ مساق النظم الكريم
لبيان حرمة التمثُّع بالمحرَّمات المعدودة بحكم ملك النكاح، وإنما ثبوتُ حرمةِ
التمتّع بهنَّ بحكم ملك اليمين بطريق دلالة النص، وذلك مما لا يجري فيه الاستثناءُ
قطعاً .
وأما عَدُّهنَّ من ذوات الأزواج مع تحقّق الفُرقة بينهنَّ وبين أزواجهنَّ قطعاً
بتباين الدارَين أو بالسِّباء، فمبنيٌّ على اعتقاد الناس حيث كانوا غافلين عن الفرقة،
كما يُنبئ عن ذلك خبر أبي سعيد، وليس في ترتُّب ما فيه من الحكم على نزول
الآية الكريمة ما يدلُّ على كونها مَسوقةً له، فإن ذلك إنما يتوقَّفُ على إفادتها له
بوجهٍ من وجوه الدلالات، لا على إفادتها بطريق العبارة أو نحوها(٢).
واعتُرض بأن فيه ارتكابَ خلافِ الظاهر من غير ما وجه، ولا مانع على تقدير
تَسليم أنْ يكونَ مَساقُ النظم الكريم لبيان حرمة التمتّع بالمحرَّمات المعدودة بحكم
ملك النكاح فقط من أن يكون الاستثناء باعتبار لازم تحريم النكاح، وهو تحريمُ
الوطء، فكأنه قيل: يَحرُم عليكم نكاحُ المحصنات فلا يَجوز لكم وظؤهنَّ،
إلا ما ملكت إيمانكم فإنه يجوز لکم وطؤهن، فتدبّر.
(١) منهم عمر له وأبو العالية وسعيد بن جبير وعطاء والسدي. ينظر تفسير الطبري ٥٦٨/٦ -٥٧٠.
(٢) تفسير أبي السعود ١٦٣/٢-١٦٤.

سُورَةُ النَّسَاءِ
٤٤٢
الآية : ٢٤
﴿كِنَبَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكِّد، أي: كَتَبَ الله تعالى عليكم تحريمَ هؤلاء كتاباً،
ولا ينافيه الإضافةُ كما تُوهِّم، والجملةُ مؤكِّدةٌ لم قبلها، و﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُتعلِّقٌ بالفعل
المقدَّر.
وقيل: ((كتابَ)) منصوب على الإغراء، أي: الزموا كتاب الله، و((عليكم)) متعلّق
إما بالمصدر وإما بمحذوف وقع حالاً منه. وقيل: هو إغراءٌ آخَرُ مؤكِّد لما قبله، قد
حذف مفعوله لدلالةِ ما قبله عليه.
وقيل: منصوب بـ ((عليكم))، واستدلَّوا به على جواز تقديم المفعول في باب
الإغراء. وليس بشيء.
وقرأ ابن السميفع: ((كُتُبُ الله)) بالجمع والرفع(١)، أي: هذه فرائضُ الله تعالى
عليكم، و((كَتَبَ اللهُ)) بلفظ الفعل (٢).
﴿وَأُحِلَ لَكُمْ﴾ قرأ وحمزة والكسائيُّ وحفص عن عاصم على البناء للمفعول،
والباقون على البناء للفاعل(٣)، وجعله الزمخشريُّ(٤) على القراءة الأولى معطوفاً
على ((حُرِّمت)، وعلى الثانية معطوفاً على ((كَتَبَ)) المقدَّر.
وتعقَّبه أبو حيان(٥) بأنَّ ما اختاره من التفرقة غيرُ مختارٍ؛ لأنَّ جملة ((كتب))
لتأكيد ما قبلها، وهذه غيرُ مؤكِّدة فلا ينبغي عطفها على المؤكِّدة، بل على الجملة
المؤسّسة، خصوصاً مع تناسُبِهما بالتحليل والتحريم. ونظر فيه الحلبي(٦)، ولعلَّ
وجه النظر أنَّ تحليل ما سوى ذلك مؤكِّد لتحريمه معنًى، وما ذكر أمرٌ استحسانيٌّ
رعايةً لمناسبةٍ ظاهره.
ـَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى ما تقدَّم من المحرَّمات، أي: أُحلَّ لكم نكاحُ
(١) الكشاف ٥١٨/١، والبحر ٢١٤/٣-٢١٥، ووقع في الأصل و(م): أبو السميقع، وهو
تصحيف .
(٢) القراءات الشاذة ص ٢٥، والمحتسب ١٨٥/١.
(٣) التيسير ص ٩٥، والنشر ٢٤٩/٢. وقرأ على البناء للمفعول من العشرة أبو جعفر وخلف.
(٤) في الكشاف ٥١٨/١ .
(٥) في البحر المحيط ٢١٦/٣.
(٦) في الدر المصون ٣/ ٦٥٠.

الآية : ٢٤
٤٤٣
سُورَةُ الَّسَاء
ما سواهن انفراداً وجمعاً، وفي إيثار اسم الإشارة على الضمير إشارةٌ إلى مشاركةٍ
مَن في معنى المذكورات للمذكورات في حكم الحرمة، فلا يَرِدُ حرمةُ الجمع بين
المرأة وعمتها، وكذا الجمع بين كلِّ امرأتين أيتهما فُرِضَتْ ذَكَرَاً لم تحلَّ لها
الأخرى(١)، كما بيِّن في الفروع؛ لأنَّ تحريم مَن ذُكر داخلٌ فيما تقدَّم بطريق
الدلالة، كما مرَّت إليه الإشارة عن بعض المحققين، وحديث تخصيص هذا العموم
بالكتاب والسنّة مشهور.
﴿أَنْ تَبْتَغُواْ﴾ مفعول له لما دل عليه الكلام، أي: بيَّن لكم تحريمَ المحرَّمات
المذكورات وإحلالَ ما سواهن إرادةَ وطلبَ أن تبتغوا. والمفعول محذوف، أي:
تبتغوا النساء، أو متروك، أي: تفعلوا الابتغاء ﴿بِأَمَّوَلِكُمْ﴾ بأن تصرفوها إلى
مهورهن. أو بدلُ اشتمال مِن ((ما وراء ذلكم)) بتقدير المفعولِ ضميراً .
وجوَّز بعضُهم كونَ ((ما)) عبارةً عن الفعل كالتزوُّج والنكاح، وجَعَل هذا بدلَ كلِّ
من كل، والمرويُّ عن ابن عباس تعميمُ الكلام، بحيث يشمل صرف الأموال إلى
المهور والأثمان.
﴿تُحْصِنِينَ﴾ حال من فاعل ((تبتغوا))، والمراد بالإحصان هنا: العِفَّةُ وتحصين
النفس عن الوقوع فيما لا يُرضي اللهَ تعالى.
﴿غَيّرَ مُسَفِحِينٌ﴾ حال من الضمير البارز، أو من الضمير المستكنُّ، وهي في
الحقيقة حال مؤكِّدة. والسِّفاح: الزنا، من السَّفْح وهو صبُّ الماء، وسمِّي الزنا به
لأن الزاني لا غرض له إلا صبُّ النطفة فقط، لا النسل.
وعن الزجَّاج (٢): المسافِحة والمسافِح: الزانيان اللذان لا يمتنعان من أحد،
ويقال للمرأة إذا كانت تزني بواحد: ذات خِدْن.
ومفعول الوصفين محذوف، أي: محصِنین فروجكم أو نفوسكم غیرَ مسافحین
الزواني .
(١) يشير إلى قول الشعبي: كل امرأتين إذا جعلْتَ موضع إحداهما ذكراً لم يجز له أن يتزوج
الأخرى فالجمع بينهما باطل. التمهيد ٢٨١/١٨-٢٨٢، وتفسير القرطبي ٢٠٨/٦.
(٢) في معاني القرآن ٣٧/٢.

سُورَةُ الشَكَاةِ
٤٤٤
الآية : ٢٤
وظاهر الآية حجَّةٌ لمن ذهب إلى أنَّ المهر لا بدَّ وأن يكون مالاً، كالإمام
الأعظم ته. وقال بعض الشافعية: لا حُجَّة في ذلك؛ لأنَّ تخصيص المال لكونه
الأغلبَ المتعارَف، فيجوز النكاح على ماليس بمالٍ، ويؤيِّد ذلك ما رواه البخاريُّ
ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد: أنَّ رسول الله وِّهِ سأل رجلاً خطب الواهبةَ
نفسَها للنبيِّ ◌َِّ: ((ماذا معك من القرآن؟)) قال: معي سورةُ كذا وكذا. وعدَّدهن،
قال: ((تقرؤهنَّ على ظهر قلبك؟)) قال: نعم، قال: ((اذهب فقد مَلَّكْتُكَها بمامعك من
القرآن)»(١). ووجهُ التأييد أنه لو كان في الآية حجةٌ لِمَا خالفها رسولُ اللهِ وَلِهِ.
وأجيب بأنَّ كونَ القرآن معه لا يوجب كونَه بدلاً، والتعلیم ليس له ذِكْرٌ في
الخبر، فيجوز أن يكون مرادُهُ و9َّ: زوَّجتك تعظيماً للقرآن، ولأَجْلِ ما معك منه؛
قاله بعضُ المحققين، ولعلَّ في الخبر إشارةً إليه.
﴿فَمَا أُسْتَمْتَعْثُم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ ((ما)) إمَّا عبارةٌ عن النساء، أو عما يتعلَّق بهنَّ من
الأفعال، وعليهما فهي إما شرطية، أو موصولة، وأيًّا ما كان فهي مبتدأ، وخبرها
على تقدير الشرطية فعلُ الشرط، أو جوابه، أو كلاهما، وعلى تقدير الموصولية
قولُه تعالى: ﴿فَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنٌّ﴾، والفاء لتضمُّن الموصول معنى الشرط.
ثم على تقدير كونها بمعنى النساء بتقديرَيْهِ(٢)، العائدُ إلى المبتدأ الضميرُ
المنصوب في ((فآتوهن))، و((مِن)) بيانية أو تبعيضية في موضع النصب على الحال مِن
ضمير (به))، واستعمال ((ما)) للعقلاء لأنه أُريدَ بها الوصفُ كما مرَّ غيرَ مرَّة، وقد
روعي في الضمير أولاً جانبُ اللفظ، وأخيراً جانبُ المعنى. والسين للتأكيد
لا للطلب، والمعنى: فأيُّ فرد، أو: فالفرد الذي تمتَّعتم به حال كونه من جنس
النساء أو بعضهن فأعطوهنَّ أجورهن.
وعلى تقدير كونها عبارةً عما يتعلَّق بهنَّ فـ ((مِن)) ابتدائيةٌ متعلَّقة بالاستمتاع
بمعنى التمتّع أيضاً، و((ما)) لما لا يعقل، والعائد إلى المبتدأ محذوف، أي: فأيُّ
فعلٍ تمتعتم به من قِبَلهن من الأفعال المذكورة فآتوهنَّ أجورهنَّ لأجله أو بمقابلته.
(١) صحيح البخاري (٥٠٣٠)، وصحيح مسلم (١٤٢٥)، وهو عند أحمد (٢٢٧٩٨).
(٢) أي: الشرطية والموصولية. تفسير أبي السعود ١٦٥/٢، والكلام منه.

الآية : ٢٤
٤٤٥
سُورَةُ المَشَاءِ
والمرادُ من الأجور المهورُ، وسمِّي المهر أجراً لأنه بدلٌ عن المنفعة لا عن
العین.
﴿فَرِيضَةٌ﴾ حال من الأجور، بمعنى: مفروضةً، أو صفةٌ مصدرٍ محذوف، أي:
إيتاءً مفروضاً، أو مصدرٌ مؤكِّد، أي: فُرض ذلك فريضةً، فهي كالقطيعة بمعنى
القطع .
﴿وَلَا جُنَاحَ﴾ أي: لا إثم ﴿عَلَيْكُمْ فِيمَا تََّضَيْتُم بِهِ﴾ من الحطّ عن المهر، أو
الإبراءِ منه، أو الزيادةِ على المسمَّى، ولا جُناحَ في زيادة ((الزيادة)) لعدم مساعدة
((لاجناح))، إذا جُعل الخطاب للأزواج تغليباً؛ فإنَّ أَخْذ الزيادةِ مَظِنَّةُ ثبوتِ المنفيِّ
للزوجة (١) ﴿مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ أي: الشيء المقدَّر.
وقيل: فيما تراضيتم به من نفقة ونحوها. وقيل: من مُقام أو فراق. وتعقَّبه
شيخ الإسلام بأنه لا يساعده ذِكْرُ الفريضة، إذ لا تَعلَّق لهما بها، إلا أنْ يكون
الفراق بطريق المخالعة(٢).
وقيل: الآية في المتعة، وهي النكاح إلى أَجَلٍ معلوم من يوم أو أكثر،
والمراد: ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من استئنافِ عقدٍ آخرَ بعد انقضاء الأجل
المضروب في عقد المتعة، بأنْ يَزيد الرجل في الأجل وتزيدَه المرأة في المدة،
وإلى ذلك ذهبت الإمامية، والآيةُ أحدُ أدلَّتهم على جواز المتعة، وأيَّدوا استدلالهم
بها بأنها في حرف أُبيّ: ((فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمَّى)) وكذلك قرأ ابن
عباس وابن مسعود ه(٣)، والكلام في ذلك شهير.
ولا نزاع عندنا في أنها أُحلَّت ثم حُرِّمت، وذكر القاضي عياض في ذلك
(١) وردت هذه المسألة، وهي قول المصنف: ولا جناح في زيادة ... إلخ في تفسير أبي السعود
١٦٥/٢ كما يلي: وتعميمه للزيادة على المسمى لا يساعده رفعُ الجناح عن الرجال لأنها
ليست مظنَّةَ الجناح، إلا أن يجعل الخطاب للأزواج تغليباً؛ فإن أخذ الزيادة على المسمى
مظنة الجناح على الزوجة اهـ. وهي أوضح من عبارة المصنف.
(٢) تفسير أبي السعود ١٦٥/٢.
(٣) تفسير الطبري ٦/ ٥٨٧، والكشاف ٥١٩/١، والمحرر الوجيز ٣٦/٢، ومجمع البيان ٧٢/٥،
والبحر ٢١٨/٣.

سُورَةُ النِّسَاءِ
٤٤٦
الآية : ٢٤
كلاماً طويلاً (١)، والصواب المختار أنَّ التحريم والإباحة كانا مرَّتين، وكانت
حلالاً قبل يوم خيبر، ثم حُرِّمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة، وهو يوم
أوطاس لاتصالهما، ثم حُرِّمتْ يومئذٍ بعد ثلاثٍ تحريماً مؤبَّداً إلى يوم القيامة،
واستمرَّ التحریم.
ولا يجوزُ أنْ يُقال: إنَّ الإباحة مختصَّةٌ بما قبل خيبر، والتحريمَ يوم خيبر
للتأبيد، وإنَّ الذي كان يوم الفتح مجرَّدَ توكيدِ التحريم من غير تقدُّم إباحةٍ يوم
الفتح؛ إذ الأحاديثُ الصحيحة تأبى ذلك، وفي ((صحيح) مسلم ما فيه مقنع (٢).
وحكي عن ابن عباس ﴿ها أنه كان يقول بحلّها، ثم رجع عن ذلك حين قال له
" عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: إنك رجلٌ تائهٌ، إنَّ رسول الله وَلّ نهى عن المتعة(٣).
كذا قيل، وفي ((صحيح)) مسلم ما يدلُّ على أنه لم يرجع حين قال له عليّ
ذلك، فقد أخرج عن عروة بن الزبير: أنَّ عبد الله بن الزبير ظُبه قام بمكة فقال: إنَّ
ناساً أعمى الله تعالى قلوبهم كما أعمى أبصارهم يُقتون بالمتعة، يعرِّضُ برجل - يعني
ابنَ عباس كما قال النووي(٤) - فناداه فقال: إنك لَجِلْفٌ جافٍ، فَلَعَمْري لقد كانت
المتعة تُفعل في عهد إمام المتقين، يريد رسول الله وَّل، فقال له ابن الزبير: فجرِّبْ
نفسك، فواللهِ لئن فَعَلْتَها لأرجمنَّك بأحجارك(٥).
فإنَّ هذا إنما كان في خلافة عبد الله بن الزبير، وذلك بعد وفاة عليٍّ كرم الله
تعالى وجهه، فقد ثبت أنه مستمِرُّ القول على جوازها لم يرجع إلى قول الأمير
كرم الله تعالى وجهه، وبهذا قال العلامة ابن حجر في شرح ((المنهاج))(٦).
(١) ينظر إكمال المعلم ٥٣٣/٤ وما بعدها، وينظر كذلك تفسير القرطبي ٢١٤/٦ وما بعدها.
(٢) صحيح مسلم (١٤٠٤) و(١٤٠٥) و(١٤٠٦) و(١٤٠٧) من حديث ابن مسعود وسلمة بن
الأكوع وسَبْرةَ الجهني وعلي
(٣) أخرجه البخاري (٥١١٥)، ومسلم (١٤٠٧)، والبيهقي ٢٠١/٧- ٢٠٢، واللفظ له، وليس
في هذا الخبر ذكر رجوع ابن عباس.
(٤) في شرح صحيح مسلم ١٨٨/٩ .
(٥) صحيح مسلم (١٤٠٦): (٢٧).
(٦) وهو تحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر الهيتمي المكي.

الآية : ٢٤
٤٤٧
سُورَةُ النَّسَاءِ
فالأَوْلى أن يحكم بأنه رجع بعد ذلك بناءً على ما رواه الترمذيُّ والبيهقيُّ
والطبرانيُّ عنه أنه قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة
ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقَدْرٍ ما يرى أنه مقيم، فتَحْفَظُ له متاعَه وتُصْلِحُ له
شأنه، حتى نزلت الآية: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ فكلُّ فرْجِ
سواهما فهو حرام(١). ويحمل هذا على أنه اطّلع على أنَّ الأمر إنما كان على هذا
الوجه فرجع إليه وحكاه.
وحكي عنه أيضاً أنه إنما أباحها حالةً الاضطرار والعنتِ في الأسفار، فقد
رُوي عن ابن جبير أنه قال: قلتُ لابن عباس: لقد سارتْ بفُتياك الركبانُ، وقال
فيها الشعراء، قال: وما قالوا؟ قلت: قالوا:
يا صاحِ هل لك في فتوى ابن عباسٍ
قد قلتُ للشيخِ لما طال مجلسُه
تكون مثواك حتى مَصْدَرِ الناس
هل لك في رَخْصَةِ الأطرافِ آنسةٍ
فقال: سبحان الله! ما بهذا أفتيتُ، وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير،
ولا تحلُّ إلا للمضطر(٢).
ومن هنا قال الحازمي: إنه وَ ير لم يكن أباحها لهم وهم في بيوتهم وأوطانهم،
وإنما أباحها لهم في أوقاتٍ بحسب الضرورات، حتى حرَّمها عليهم في آخر الأمر
تحريمَ تأبيد(٣).
(١) سنن الترمذي (١١٢٢)، وسنن البيهقي الكبرى ٢٠٥/٧-٢٠٦، والمعجم الكبير للطبراني
(١٠٧٨٢).
وأخرج أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص٨٣، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ١٩١/٢-١٩٢
عنه أن قوله تعالى: ﴿فَمَا أَسْتَمْتَعْثُم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ نسخه قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ
فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وقال ابن العربي في القبس ٧١٤/٢: وقد كان ابن عباس يقول
بجوازها، ثم ثبت رجوعه عنها، فانعقد الإجماع على تحريمها. وينظر الإشراف لابن
المنذر ٧٥/٤، والناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ص ٨٠، ومعالم السنن للخطابي ١٩٠/٣،
والاستذكار لابن عبد البر ٣٠٠/١٦، وشرح السنة للبغوي ٩/ ١٠٠ .
(٢) أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (١٧١٢)، والخطابي في معالم السنن ١٩١/٣، والطبراني
في الكبير (١٠٦٠١)، والبيهقي ٢٠٥/٧، والحازمي في الاعتبار ص٤٣١.
(٣) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ص٤٢٧ لمحمد بن موسى الحازمي الهمداني
الشافعي المتوفى سنة (٥٤٨هـ). السير ٢١/ ١٦٧ .

سُورَةُ الشَحَّةِ
٤٤٨
الآية : ٢٤
وأما ما روي أنهم كانوا يستمتعون على عهد رسول الله وَّر، وأبي بكر، وعمر،
حتى نهى عنها عمر (١)، فمحمول على أنَّ الذي استمتع لم يكن بلغه النسخ، ونهيُ
عمر كان لإظهار ذلك حيث شاعت المتعة ممن لم يبلغه النهيُ عنها، ومعنى ((أنا
محرِّمها)) في كلامه إن صح: مُظْهِر تحريمها، لا مُنشِئُه كما يزعمه الشيعة.
وهذه الآية لا تدل على الحِلِّ، والقول بأنها نزلَتْ في المتعة غلط، وتفسير
البعض لها بذلك غير مقبول؛ لأن نظم القرآن الكريم يأباه، حيث بيَّن سبحانه
أولاً المحرمات، ثم قال عزَّ شأنه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ﴾
وفيه شرط بحسب المعنى، فيبطل تحليل الفرج وإعارتُه، وقد قال بهما الشيعة.
ثم قال جلَّ وعلا: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ﴾ وفيه إشارةٌ إلى النهي عن كون
القصد مجردَ قضاءِ الشهوة وصبِّ الماء واستفراغ أوعية المني، فبطلت المتعة بهذا
القيد؛ لأن مقصود المتمتع ليس إلا ذاك، دون التأمُّلِ والاستيلادِ وحمايةِ الذِّمار
والعِرْض، ولذا تجد المتمثَّعَ بها في كلِّ شهر تحت صاحب، وفي كل سَنَة بحِجْر
مُلاعِب، فالإحصانُ غيرُ حاصلٍ في امرأةٍ المتعة أصلاً؛ ولهذا قالت الشيعة: إنَّ
المتمتعَ الغیرَ الناکح إذا(٢) زنی لا رجم علیه.
ثم فرَّع سبحانه على حال النكاح قولَه عزَّ مِن قائل: ﴿فَمَا (٣) أُسْتَمْتَعْثُمْ﴾ وهو
يدل على أنَّ المراد بالاستمتاع هو الوطءُ والدخول، لا الاستمتاعُ بمعنى المتعة
التي يقول بها الشيعة.
والقراءة التي ينقلونها عمن تقدَّم من الصحابة شاذَّة، وما دل على التحريم كآية
﴿إِلَّا عَلَّ أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ قطعيٍّ فلا تُعارِضُه، على أن الدليلَين إذا
تساويا في القوة وتعارضا في الحل والحرمة، قُدِّم دليل الحرمة منهما، وليس
للشيعة أنْ يقولوا: إن المرأة المتمثَّع بها مملوكةٌ؛ لبداهة بطلانه، أو زوجةٌ؛ لانتفاء
جميع لوازم الزوجية - كالميراث والعدَّة والطلاق والنفقة - فيها، وقد صرَّح بذلك
علماؤهم.
(١) أخرجه مسلم (١٤٠٥) (١٦).
(٢) في (م): إذ.
(٣) في الأصل و(م): فإذا .

الآية : ٢٤
٤٤٩
سُورَةُ السَحَاءِ
وروى أبو بصير(١) منهم في صحيحه عن الصادق به أنه سئل عن امرأة
المتعة: أهي من الأربع؟ قال: لا ولا من السبعين. وهو صريح في أنها ليست
زوجة، وإلا لكانت محسوبة في الأربع.
وبالجملة الاستدلالُ بهذه الآية على حِلِّ المتعة ليس بشيء كما لا يخفى،
ولا خلاف الآن بين الأئمة وعلماء الأمصار إلا الشيعة في عدم جوازها، ونَقْلُ
الحِلِّ عن مالك رحمه الله تعالى غلظٌ لا أصل له، بل في حدِّ المتمتِّع روايتان
عنه، ومذهبُ الأكثرين أنه لا يُحدُّ؛ لشُبهة العقد وشُبهة الخلاف، ومأخذ الخلاف
على ما قال النووي: اختلاف الأصوليين في أن الإجماع بعد الخلاف هل يرفع
الخلاف وتصير المسألة مجمعاً عليها؟ فبعضٌ قال: لا يرفعه بل يدوم الخلاف،
ولا تصير المسألة بعد ذلك مجمعاً عليها أبداً، وبه قال القاضي أبو بكر
الباقلاني(٢) .
وقال آخرون: إن الإجماع اللاحق يرفع الخلاف السابق. وتمامه في الأصول.
وحکی بعضُهم عن زُفر أنه قال: مَن نكح نكاح متعةٍ تأبَّد نكاحه، ویکون ذکر
التأجيل من باب الشروط الفاسدة في النكاح، وهي مَلغيَّة فيها(٣).
والمشهور في كتب أصحابنا أنه قال ذلك في النكاح المؤقت، وفي كونه عينَ
نكاح المتعة بحث، فقد قال بعضهم باشتراط الشهود في المؤقت، وعدمِه في
المتعة، ولفظ التزويج أو النكاح في الأول، وأَستمتعُ أو أَتمتعُ في الثاني. وقال
آخرون: النكاح المؤقت من أفراد المتعة. وذكر ابن الهمام(٤) أنَّ النكاح لا ينعقدُ
بلفظِ المتعة وإِنْ قَصدَ به النكاحَ الصحيح المؤَّد وحَضَر الشهود؛ لأنه لا يصلح
مجازاً عن معنى النكاح، كما بيَّنه في ((المبسوط))(٥) .
بقي مالو نَكح مطلقاً ونيَّتُه أنْ لا يمكث معها إلا مدةً نواها، فهل يكون ذلك
(١) في (م): أبو نصير.
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي ٩/ ١٨١ .
(٣) شرح صحيح مسلم للنووي ١٧٩/٩ .
(٤) في فتح القدير ٣٤٩/٢.
(٥) للسرخسي ١٥٣/٥.

سُورَةُ النَّسَكَاةِ
٤٥٠
الآية : ٢٥
نكاحاً صحيحاً حلاليًّا أم لا؟ الجمهور على الأول، بل حكى القاضي الإجماعَ
عليه، وشدَّ الأوزاعيُّ فقال: هو نكاح متعة ولا خيرَ فيه (١)، فينبغي عدمُ نية ذلك.
﴾ فيما شَرَّع لهم، ومن
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بما يُصلح أمرَ الخلق ﴿حَكِيمًا (
٢٤
ذلك عَقْدُ النكاح الذي يحفظ الأموال والأنساب.
﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ﴾ ((مَن)) إمَّا شرطيةٌ، وما بعدها شرطُها، وإمَّا موصولةٌ
وما بعدَها صلتها، و((منكم)) حالٌ من الضمير في ((يستطع)). وقوله سبحانه:
﴿طَوْلًا﴾ مفعول به لـ ((يستطع))، وجعلُه مفعولاً لأجله على حذف مضافٍ، أي:
لعدم طول، تَطويلٌ بلا طول.
والمراد به: الغنَى والسعة، وبذلك فسَّره ابن عباس ومجاهد، وأصله: الفضل
والزيادة، ومنه الطائل.
وفسَّرِه بعضهم بالاعتلاء والنَّيْل، فهو من قولهم: ظُلْتُه، أي: ◌ِلْتُهُ، ومنه قولُ
الفرزدق :
إنَّ الفرزدق صخرةٌ مَلْمُومَةٌ
طالَت فَليسَ تنالُها الأوعالا(٢)
وقوله(٣) عز وجل: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾ - أي: الحرائرَ بدليل
مقابلتهنَّ بالمملوكات، وعَبَّر عنهنَّ بذلك، لأنَّ حُرِّيتهنَّ أَحْصَنَتْهُنَّ عن نقص
الإماء - إمّا أنْ يكونَ متعلِّقاً بـ ((طولاً)(٤) على معنى: ومَن لم يستطعْ أنْ ينالَ نكاحَ
المحصنات، وإمَّا أنْ يكونَ بتقدير ((إلى)) أو اللام، والجارُّ في موضع الصفة
لـ (طولاً))، أي: ومَن لم يستطعْ غِنىّ موصلاً إلى نكاحهنَّ أو النكاحهن، أو ((على))
(١) إكمال المعلم للقاضي عياض ٤/ ٥٣٧.
(٢) كذا نسبه للفرزدق العكبري في الإملاء ٢٣٠/٢، وأبو حيان في البحر ٢٢٠/٣، والسمين
في الدر ٦٥٤/٣، ونسبه المبرد في الكامل ٨٦٢/٢ والبصري في الحماسة ١/ ١٨٠ لرياح بن
سنيح الزنجي مولى بني ناجية، وقيل: اسمه رياح بن سٍبيح، وقيل: سبيح بن رياح.
والأوعال جمع الوعل، والمعنى كما قال السمين: أي: طالت الأوعال فلم تَّلْها .
(٣) في (م): قوله.
(٤) أي: أنه في محل نصب على أنه مفعول به لـ ((طولاً))؛ لأنه مصدر: طلت الشيء، أي: نلته.
الدر المصون ٦٥٤/٣.

الآية : ٢٥
٤٥١
سُورَةُ النَّسَاءِ
على أنَّ الطّول بمعنى القُدرة كما قال الزَّجاج(١). ومحلُّ ((أنْ)) بعد الحذف جرٍّ أو
نصبٌ، على الخلاف المعروف، وهذا التقدير قول الخليل، وإليه ذهب الكِسائي.
وجَوَّز أبو البقاء أن يكون بدلاً مِن ((طولاً))، بدلَ الشيء مِن الشيء، وهما لشيءٍ
واحدٍ، بناءً على أنَّ الطّول هو القُدرة أو الفضل، والنكاح قوة وفضل(٢) .
وقيل: يجوز أنْ يكون مفعولاً لـ ((يستطع))، و((طولاً)) مصدرٌ مؤكِّدٌ له إذ
الاستطاعةُ هي الطّوْل، أو تمييز، أي: ومَن لم يستطع منكم استطاعةً، أو مِن جهة
الطّوْل والغنى، أي: لا من جهة الطبيعة والمِزَاج، إذ لا تعلَّقَ لذلك بالمقام.
وقوله تعالى وتقدَّس: ﴿فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ جواب الشرط، أو خبر
الموصول، وجاءت الفاءُ لِمَا مرَّ غيرَ مرة، و((ما)) موصولة في محل جرِّ بـ ((من))
التبعيضية، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بفِعْلٍ مقدَّرٍ حُذِفَ مفعوله، وفي الحقيقة مُتعلِّقٌ
بمحذوفٍ وَقَعَ صفةً لذلك المفعول، أي: فلينكحْ امرأةً كائنةً بعضَ النوعِ الذي
مَلَكَتْهُ أيمانُكم. وأجاز أبو البقاء(٣) كونَ ((مِن)) زائدةً، أي: فلينكح ما مَلَكَتْهُ
أيمانكم.
وقوله تعالى: ﴿مِّن فَيَتِكُمُ﴾ أي: إمائكم ﴿اُلْمُؤْمِنَتِ﴾ في موضع الحال من
الضمير المحذوف العائد إلى ((ما)).
وقيل: ((مِن)) زائدة، و((فتياتكم)) هو المفعول للفعل المقدَّر قبلُ، و((مما ملكت))
مُتعلِّق بنفس الفعل و((من)) لابتداء الغاية، أو متعلِّقٌ بمحذوف وقع حالاً من هذا
المفعول و((من)) للتبعيض. و((المؤمنات)) على جميع الأوجه صفةُ ((فتياتكم))، وقيل:
هو مفعولُ ذلك الفعل المقدَّر، وفيه بُعد.
وظاهر الآية يُفيدُ عدمَ جوازٍ نكاح الأمَةِ للمستطيع؛ لمفهوم الشَّرط، كما ذهب
إليه الشافعي، وعدمَ جوازٍ نكاح الأمةِ الكتابية مطلقاً لمفهوم الصفة، كما هو رأيُ
أهل الحجاز، وجَوَّزَهما الإمام الأعظم ظُبه لإطلاق المقتضي من قوله تعالى:
(١) في معاني القرآن ٤٠/٢ .
(٢) الإملاء ٢٢٩/٢ -٢٣٠.
(٣) في الإملاء ٢٣١/٢.

سُورَةُ الشَّكَاةِ
٤٥٢
الآية : ٢٥
﴿فَنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَآِ﴾ ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾، فلا يَخرجُ منه شيءٌ
إلا بما يُوجب التخصيص، ولم يَنْهضْ ما ذُكِرَ حجةً مُخْرِجةً:
أمَّا أولاً: فالمفهومان - أعني مفهوم الشرط ومفهوم الصفة - ليسا بحُجة
عنده رعُه كما تقرَّر في الأصول.
وأما ثانياً: فبتقدير الحجة مقتضَى المفهومين عدمُ الإباحة الثابتة عند وجود
القيد المبيح، وعدمُ الإباحة أَعمُّ مِن ثُبوت الحرمة أو الكراهة، ولا دلالةً للأعمِّ
على أخصَّ بخصوصه، فيجوز ثُبوتُ الكراهة عند وجود طول الحرةِ كما يجوز
ثبوت الحُرمة على السَّواء، والكراهة أقلُّ فَتَعيَّنتْ فقلنا بها، وبالكراهة صرَّح في
(البدائع)(١).
وعلَّل بعضُهم عدمَ حِلِّ تَزوُّج الأمةِ حيثُ لم يتحقَّق الشرطُ بتعريض الولد
للرِّقِّ، لتثبتَ الحُرمةُ بالقياس على أصولٍ شتَّى، أو ليتعيَّن أحدُ فردي الأعمِّ الذي
هو عدمُ الإباحة وهو التحريم مراداً بالأعمِّ.
واعْتُرِضَ بأنهم إنْ عنَوا أنَّ فيه تعريضَ موصوفٍ(٢) بالحرية للرق، سلَّمنا
استِلزامَه للحُرمةِ(٣)، لكنَّ وجودَ الوصف ممنوع، إذ ليس هنا مُتَّصِفٌ بحريةٍ عُرِّض
للرِّقِّ، بلِ الوصفان من الحرية والرق يقارنانِ وجودَ الولد باعتبار أُمِّه: إن كانت
حرةً فحرٌّ، أو رقيقةً فرقيقٌ.
وإنْ أرادوا به تعريضَ الولد الذي سيوجد لأَنْ يقارنه الرقُّ في الوجود لا إرفاقَه،
سلّمنا وجوده ومنعنا تأثيره في الحرمة، بل في الكراهة، وهذا لأنَّه كان له أنْ
لا يحصل الولد أصلاً بنكاح الآيسة ونحوها، فلأنْ يكونَ له أنْ يحصلَ رقيقاً بعد
كونه مُسلماً أولى، إذ المقصود بالذات من التناسل تكثيرُ المقِرِّين لله تعالى
بالوحدانية والألوهية وما يجب أنْ يُعتَرفَ له به، وهذا ثابتٌ بالولد المسلم،
والحريةُ مع ذلك كمالٌ يَرجِعُ أكثره إلى أمرٍ دنيويٍّ، وقد جاز للعبد أنْ يتزوَّج أمَتَين
(١) ٤٥٠/٣.
(٢) في (م): تعريضاً موصوفاً، والمثبت من الأصل وفتح القدير لابن الهمام ٣٧٦/٢ والكلام
منه.
(٣) في الأصل: للحرية، والمثبت من (م) وفتح القدير.

الآية : ٢٥
٤٥٣
سُورَةُ النساءِ
بالاتفاق مع أنَّ فيه تعريضَ الولد للرِّقِّ في موضع الاستغناء عن ذلك وعدمِ
الضرورة، وكونُ العبد أباً لا أثر له في ثبوت رِقِّ الولد، فإنه لو تزوَّج حُرَّة كان ولده
حرًّا، والمانع إنما يعقل كونه ذاتَ الرق؛ لأنه الموجب للنقص الذي جعلوه
مُحرِّماً، لا مع قيد حرية الأب، فوجب استواء العبد والحرِّ في هذا الحكم لو صحَّ
ذلك التعليل. قاله ابن الهمام(١)، وفيه مناقشة(٢) فتأمَّل.
وفي هذه الآية ما يشيرُ إلى وَهْنِ استدلالِ الشيعةِ بالآية السابقة على حِلِّ
المتعة؛ لأنَّ الله تعالى أمر فيها بالاكتفاء بنكاح الإماء عند عدمِ الطَّل إلى نكاح
الحرائر، فلو كان أَحَلَّ(٣) المتعة في الكلام السابق لَّمَا قال سبحانه بعده: ﴿وَمَن لَّمْ
يَسْتَطِعْ﴾ إلخ؛ لأنَّ المتعة في صورة عدم الطول المذكور ليست قاصرةً في قضاء
حاجة الجماع، بل كانت بحكم: لكلِّ جديدٍ لذةٌ أطيب وأحسن، على أنَّ المتعة
أَخفُّ مؤونةً وأَقلُّ كلفةً، فإنها مادةٌ يكفي فيها الدرهم والدرهمان، فأيةُ ضرورةٍ
كانت داعيةً إلى نكاح الإماء؟ ولعمري إنَّ القول بذلك أبعدُ بعيدٍ كما لا يخفى على
مَن أُطلق مِن رِبْقَةٍ قيد التقليد.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ﴾ جملةٌ معترضةٌ جيءَ بها تأنيساً لقلوبهم، وإزالةً للنفرة عن
نكاح الإماء، ببيانِ أنَّ مناط التفاخُرِ الإيمانُ دون الأحساب والأنساب، ورُبَّ أمةٍ
يَفوقُ إيمانُها إيمانَ كثيرٍ من الحرائر. والمعنى: أنه تعالى أعلمُ منكم بمراتب
إيمانكم، الذي هو المدارُ في المدارَين، فليكن هو مَطمَحُ نظركم.
وقيل: جيء بها للإشارة إلى أنَّ الإيمانَ الظاهرَ كافٍ في صِحَّة نكاح الأمة،
ولا يُشترط في ذلك العلمُ بالإيمان علماً يقينيًّا، إذ لا سبيل إلى الوقوف على
الحقائق إلا لعلَّامِ الغيوب.
﴿بَعَضُكُم مِّنْ بَعْضٍٍ﴾ أي: أنتم وفتياتكم متناسبون، إما من حيث الدين، وإما من
حيث النسب، وعلى الثاني يكون اعتراضاً آخَرَ مُؤكِّداً للتأنيس من جهة أخرى،
(١) في فتح القدير ٣٧٦/٢-٣٧٧.
(٢) بعدها في (م): ما.
(٣) في الأصل: حل.

سُورَةُ السَكَاءِ
٤٥٤
الآية : ٢٥
وعلى الأول يكون بياناً لتَناسُبهم من تلك الحيثية إثرَ بيانٍ تفاوتهم في ذلك. وأيًّا
ما كان فـ ((بعضكم)) مبتدأ، والجارُّ والمجرور متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع خبراً له.
وزَعَم بعضهم أنَّ ((بعضكم)) فاعل للفعل المحذوف قبلُ(١)، وفي الكلام تقديمٌ
وتأخير، والتقدير: فلينكحْ بعضُكم من بعضِ الفتيات. ولا ينبغي أنْ يُخرَّجَ كتابُ الله
تعالى الجليل على ذلك.
﴿فَأَنْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ مترتِّبٌ على ما قبله، ولذا صدِّر بالفاء، أي: فإذا
وقَعْتُم على جَليَّة الأمر فانكِحوهنَّ إلخ، وأُعيدَ الأمر - مع فَهْمِه مما قبله - لزيادة
الترغيب في نكاحِهنَّ، أو لأنَّ المفهوم منه الإباحة، وهذا للوجوب.
والمراد من الأهل الموالي، وحَمَل الفقهاء ذلك على مَن له ولايةُ التزويج ولو
غيرَ مالكٍ، فقد قالوا: للأب والجدِّ والقاضي والوصيِّ تَزويجُ أمةِ اليتيم، لكنْ في
((الظهيرية)): الوصيُّ لو زوَّج أمةَ اليتيم مِن عبدِه لا يجوز، وفي ((جامع الفصولين)):
القاضي لا يملك تزويج أمة الغائب، وفي ((فتح القدير)): للشريك المفاوض تزويجُ
الأمة، وليس لشريك العنان والمضارِب والعبدِ المأذون تزويجُها عند أبي حنيفة رُه
ومحمد، وقال أبو يوسف: يملكون ذلك(٢).
وهذا الإذن شَرطُ عندنا لجواز نكاح الأَمَة، فلا يجوز نكاحُها بلا إذن، والمرادُ
بعدمِ الجواز عدمُ النفاذ لا عدمُ الصحة، بل هو موقوف كعقد الفضولي، وإلى هذا
ذهب مالك، وهو روايةٌ عند أحمد. ومثلُ ذلك نكاحُ العبد.
واستدلوا على عدم الجواز فيهما بما أخرجه أبو داود والترمذيُّ من حديث
جابر - وقال: حديث حَسَنٌ - عن النبي ◌ََّ قال: «أيمُّا عبدٍ تَزوَّجَ بغيرِ إذْنِ مولاه
فهو عاهر))(٣). والعهر: الزنا، وهو محمولٌ على ما إذا وَطِئَ لا بمجرَّد العقد، وهو
زنّى شرعيٍّ لا فقهيٌّ، فلم يَلزم منه وجوبُ الحدِّ؛ لأنه مرتَّبٌ على الزنا الفقهي
كما بُيِّن في الفروع.
(١) في (م) قيل.
(٢) فتح القدير ٢/ ٤٨٧.
(٣) سنن أبي داود (٢٠٧٨)، وسنن الترمذي (١١١١)، وهو عند أحمد (١٤٢١٢) و(١٥٠٣١).

الآية : ٢٥
٤٥٥
سُورَةُ الشَكَاةِ
وبأنَّ في تنفيذِ نكاحِهما تعييبَهما، إذ النكاح عَيبٌ فيهما، فلا يملكانه إلا بإذن
مولاهما .
ونُسب إلى الإمام مالك - ولم يَصِح - أنّه يجوز نكاح العبد بلا إذن السيد؛ لأنه
يَملك الطلاق فيَملكُ النكاح.
وأجيب بالفرق؛ فإن(١) الطلاق إزالةُ عَيبٍ عن نفسه، بخلافِ النكاح، قال ابن
الهمام(٢): لا يقال: يَصُّ إقرارُ العبد على نفسه بالحدِّ والقِصاص مع أنَّ فيه هلاكَه
فضلاً عن تعييبه، لأنَّا نقول: هو لا يدخل تحت ملكِ السيد فيما يتعلَّق به خطاب
الشرع أمراً ونهياً (٣) كالصلاة والغسل والصوم والزنى والشرب وغيره، إلا فيما عُلم
إسقاط الشارع إياه عنه كالجمعة والحجِّ، ثم هذه الأحكام تجبُ جزاءً على ارتكاب
المحظور شرعاً، فقد أَخرجَه عن ملكه في ذلك الذي أدخله فيه باعتبار غير ذلك
- وهو الشارع - زجراً عن الفساد وأعاظم العيوب. انتهى.
وادَّعى بعضُ الحنفية أنَّ الآية تدلُّ على أنَّ للإماء أنْ يباشِرْنَ العقد بأنفسهن؛
لأنه اعتّبَر إذنَ الموالي لا عَقْدَهم.
واعتُرض بأنَّ عدم الاعتبار لا يوجب اعتبار العدم، فلعلَّ العاقد يكونُ هو
المولى، أو الوكيل، فلا يلزم جوازُ عقدِهن كما لا يخفى.
ولو كانت الأمةُ مشتَرَكةً بين اثنين مثلاً، لا يجوز نكاحها إلا بإذن الكلّ، وفي
((الظهيرية)): لو زَوَّج أحدُ المولَيَيْنِ أَمتَه ودخل بها الزوج، فللآخر النقض، فإنْ نقَضَ
فله نصفُ مهرِ المثل، وللزوج الأقلُّ من نصفِ مهرِ المثل ومن نصف المسمَّى.
وحكمُ معتَقِ البعضِ حكمُ كاملِ الرقُّ عند الإمام الأعظم ◌َ﴿ُه، وعندهما يجوزُ
نکاحه بلا إذن؛ لأنه حرٌّ مدیون.
﴿وَءَاتُوُهُنَ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: أَدُّوا إليهنَّ مهورهنَّ بإذن أهلهنَّ، وحذفَ هذا القيد
لتقدُّم ذكره، لا لأنَّ العطف يوجبُ مشاركةَ المعطوفِ المعطوفَ عليه في القيد،
(١) في الأصل: بأن.
(٢) في فتح القدير ٤٨٧/٢، وما قبله منه، ووقع في الأصل: قاله ابن الهمام.
(٣) في الأصل: أو نهياً، والمثبت من (م) وفتح القدير ٢/ ٤٨٧.

سُورَةُ النَّسَاءِ
٤٥٦
الآية : ٢٥
ويحتمل أن(١) يكون في الكلام مضافٌ محذوفٌ، أي: آتَوا أهلَهن، ولعلَّ ما تقدَّم
قرينةٌ عليه.
قيل: ونكتةُ اختيار ((آتوهن)) على آتوهم مع تقدُّم الأهل - على ما ذكره بعضُ
المحققين - أنَّ في ذلك تأكيداً لإيجاب المهر، وإشعاراً بأنه (٢) حقُّهنَّ من هذه
الجهة، وإنما تأخذه الموالي بجهة ملك اليمين (٣)، والداعي لهذا كلِّه أنَّ المهر
للسيد عند أكثر الأئمة؛ لأنه عوضُ حقِّه.
وقال الإمام مالك: الآيةُ على ظاهرها والمهرُ الأَمَةِ(٤). وهذا يُوجب كونَ
الأمةِ مالكةً مع أنه لا ملك للعبد، فلا بد أن تكونَ مالكة له يداً كالعبد المأذون له
بالتجارة؛ لأنَّ جَعْلَها منكوحةً إذنٌ لها، فيجب التسليم إليهن كما هو ظاهر الآية.
وإنْ حُملت الأجور على النفقات استُغني عن اعتبار التقدير أولاً وآخِراً، وكذا
إِنْ فُسِّر قوله تعالى: ﴿يَاَلْمَعْرُوفِ﴾ بما عُرف شرعاً من إذن الموالي، والمعروف فيه
أنه مُتعلِّق بـ (آتوهن))، والمراد: أَدُّوا إليهنَّ من غيرِ مماطلةٍ وإضرارٍ، ويجوز أن
يكون حالاً، أي: مُتلبِّساتٍ بالمعروف غيرَ ممطولات، أو متعلقاً بـ ((انكحوهن))،
أي: فانكحوهنَّ(٥) بالوجه المعروف، يعني: بإذن أهلهنَّ ومهرٍ مِثْلهنَّ.
﴿مُحْصَنَةٍ﴾ حالٌ إما من مفعول ((وآتوهنَّ)) فهو بمعنى متزوِّجات، أو من مفعول
((فانكحوهنَّ) فهو بمعنى عفائف، وحَمْلُه على مسلمات وإنْ جاز - خصوصاً على
مذهب الجمهور الذين لا يجيزون نكاح الأمةِ الكتابية - لكنَّ هذا الشرط تقدَّم في
قوله سبحانه: «فتیاتکم المؤمنات» فلیس في إعادته کثیرُ جدوی.
والمشهورُ هنا تفسيرُ المحصنات بالعفائف، فقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَفِحَاتٍ﴾
تأکیدٌ له، والمراد: غیر مُجاهرات بالزنی؛ کما قاله ابن عباس
(١) في (م): أنه.
(٢) في الأصل: بأن، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ١٢٦/٣، والكلام منه.
(٣) في الأصل: العين. والمثبت من (م) وحاشية الشهاب.
(٤) ينظر المدونة ٣١٦/٥، ونقله المصنف عن حاشية الشهاب ١٢٦/٣.
(٥) قوله: فانكحوهن، ليست في الأصل، والمثبت في (م) والدر المصون ٦٥٧/٣.

الآية : ٢٥
٤٥٧
سُورَةُ السَّة
﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ عطف على ((مسافحاتٍ)) و((لا)) لتأكيد ما في ((غير)) من
معنى النفي. والأخدان: جمع خِدن، وهو الصاحب، والمراد به هنا مَنْ تَتَّخذه
المرأة صديقاً يزني بها، والجمع للمقابلة، والمعنى: ولا مُسِرَّات الزنى.
وكان الزنى في الجاهلية منقسماً إلى سرٍّ وعلانية، وروي عن ابن عباس أنَّ
أهل الجاهلية كانوا يحرِّمون ما ظهر منه، ويقولون: إنه لؤمٌ، ويَستَحِلُّون ما خَفي
ويقولون: لا بأس به، ولتحريم القسمين نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا
ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَّ﴾ [الأنعام: ١٥١].
﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ أي: بالأزواج؛ كما قال ابن عباس وجماعةٌ. وقرأ إبراهيم:
((أَحْصَنَّ) بالبناء للفاعل(١)، أي: أَحْصَنَّ فروجَهنَّ وأزواجهنَّ. وأخرج عبدُ بن
حميد [عن ابن مسعود] أنه قرأ كذلك، ثم قال: إحصانها إسلامها(٢).
وذهب كثيرٌ من العلماء إلى أنَّ المراد من الإحصان على القراءة الأولى الإسلامُ
أيضاً لا التزوُّج، وبعضُ مَن أراده من الآية قال: لا تُحدُّ الأمة إذا زَنَت مالم تَتزوَّج
بحرِّ، ورُوي ذلك مذهباً لابن عباس(٣). وحُكي عدمُ الحدِّ قبل التزوُّج عن مجاهد
وطاوس.
وقال الزُّهري: هو فيها بمعنى التزوُّج. والحدُّ واجبٌ على الأمة المسلمة إذا لم
تتزوَّج، لما في الصحيحين عن زيد بن خالد الجُهني: أنَّ النبيَّ وَّرَ سُئل عن الأمة
إذا زَنت ولم تحصن قال: ((اجْلِدوها، ثم إنْ زَنَتْ فاجْلِدوها، ثم إنْ زَنّتْ
فاجْلِدوها، ثم بيعوها ولو بضَفِيرٍ))(٤) فالمزوَّجةُ محدودةٌ بالقرآن وغيرُها بالسنة،
(١) أخرجها عن إبراهيم سعيد بن منصور في سننه (٦١٢ - تفسير)، وهي قراءة حمزة والكسائي
وخلف وأبو بكر كما في النشر ٢٤٩/٢.
(٢) الدر المنثور ١٤٢/٢، وما بين حاصرتين منه.
(٣) أخرجه الطبري ٦١١/٦. وأخرجه دون قوله: بحر، عبد الرزاق في المصنف (١٣٦١٨)،
وینظر التمهيد لابن عبد البر ٩٨/٩ وما بعدها.
(٤) صحيح البخاري (٢١٥٣) و(٢١٥٤)، وصحيح مسلم (١٧٠٤) من حديث أبي هريرة وزيد بن
خالد، وهو في مسند أحمد (٨٨٨٦) من حديث أبي هريرة. الضفير: هو الحبل من الشعر،
کما ورد في رواية أحمد.

سُورَةُ النَّسَكَّةِ
٤٥٨
الآية : ٢٥
ورُجِّح هذا الحملُ بأنه سبحانه شَرَط الإسلام بقوله جل وعلا: ﴿مِّن فَنَيَلِكُمُ
اُلْمُؤْمِنَتِ﴾ فَحْمْلُ ما هنا على غيره أَتُّ فائدة وإنْ جازَ أنه تأكيدٌ لطول الكلام.
وذكّرَ بعضُ المحقّقين أنَّ تفسيرَ الإحصانِ بالإسلام ظاهرٌ على قول
أبي حنيفة ◌ُه، مِن جهةٍ أنه لا يَشْتَرِطُ في التزوُّجِ بالأمة أنْ تكون مسلمةً، وأنَّ
الكفارَ ليسوا مخاطَبين بالفروع، وهو مشكلٌ على قول مَن يقول بمفهومِ الشرط مِن
الشافعية، فإنه يقتضي أنَّ الأمةَ الكافرة إذا زنت لا تُجلَد، وليس مذهبه كذلك، فإنه
يُقِيمُ الحدَّ على الكفار.
﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ﴾ أي: فإن فعلْنَ فاحشةً - وهي الزنا - وثَبتَ ذلك
﴿فَعَلَئِنَّ﴾ أي: فثابتٌ عليهنَّ شرعاً ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ﴾ أي: الحرائرِ الأبكار
﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: الحدِّ الذي هو جَلْدُ مئة، فنصفُه خمسون، ولا رَجْمَ عليهنَّ
لأنه لا يَتَنصَّف؛ وهذا دفعٌ لتوهُم أنَّ الحدَّ لهن يزيد بالإحصان، فيَسقط الاستدلالُ
به على أنهنَّ قبل الإحصان لا حدَّ عليهنَّ، كما روي ذلك عمن تقدَّم.
قال الشهاب(١): وعُلم مِن بيانِ حالهنَّ حالُ العبيد بدلالة النصِّ(٢)، فلا وجه
لما قيل: إنه خلافُ المعهود؛ لأنَّ المعهودَ أنْ يَدخلَ النساءُ تحت حكم الرجال
بالتبعية، وكأنَّ وجهه أنَّ دواعيَ الزنى فيهنَّ أقوى، وليس هذا تغليباً وذِكْراً بطريق
التبعية حتى يتَّجه ما ذكر، ويَرِدُ على وَجْه التخصيص أنه لو كان كذلك لم يَدلَّ على
حُكمِ العبيد، بل الوجه فيه أنَّ الكلامَ في تزوُّجِ الإماء فهو مقتضى الحال. انتهى.
والظاهر أنَّ المرادَ بالحالِ المعلومِ بدلالةِ النصِّ حالُ العبيد إذا أتَوا بفاحشةٍ،
لا مطلقاً، فإنَّ حال العبيد ليس حالَ الإماء في مسألةِ النكاح من كلِّ وجهٍ، كما بيِّن
في كتب الفروع. وأخرج عبدُ بن حميد عن مجاهد أنه قرأ: ((فإن أتوا أو أتين(٣)
بفاحشة)).
(١) في حاشيته على تفسير البيضاوي ٣/ ١٢٧، وما قبله منه.
(٢) وقع عند هذا الموضع في حاشية (م): وقال بعضهم: لاحدَّ على العبد أصلاً وإنما الحد
على الأمة إذا زنت محصنة، وقال آخرون يجلد كالحر لعموم ﴿الَِّيَّةُ وَالزَِّ﴾ إلى آخرها؛
لأن الآية المنصفة وردت في الإماء. أهـ منه.
(٣) في الأصل و(م): وأتين، والمثبت من الدر المنثور ١٤٣/٢، وعنه نقل المصنف.

الآية : ٢٥
٤٥٩
سُورَةُ المَسَنَّاءِ
هذا والفاء في ((فإن أتين)) جواب ((إذا))، والثانية جواب ((إن))، والشرط الثاني
مع جوابه مُترتّبُ على وجود الأول، و((من العذاب)) في موضع الحال مِن الضمير
في الجارِّ والمجرور، والعامل فيها هو العامل في صاحبها، قال أبو البقاء(١):
ولا يجوز أن تكون حالاً من ((ما))؛ لأنها مجرورة بالإضافة، فلا يكون لها عامل.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: نكاح الإماء ﴿لِمَنْ خَشِىَ أَلْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي: لمن خاف الزنا بسبب
غَلَبةِ الشهوة عليه، وعن ابن عباس ﴿هما أنَّ نافع بن الأزرق سأله عن العَنَت فقال:
الإثم، فقال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ فقال: نعم، أما سمعت قول الشاعر:
رأيتُك تَبتغي عَنَتي وتَسْعَى مع السَّاعي عليَّ بغير ذَحْلٍ (٢)
وقيل: أصلُ العنتِ: انكسارُ العظم بعدَ الجبر، فاستُغيرَ لكلِّ مشقَّةٍ وضررٍ
يعتري الإنسان بعد صلاح حاله، ولا ضررَ أعظمُ مِن مُواقعة المآثم بارتكابِ أفحشٍ
القبائح، ويُفهَم مِن كلام كثيرٍ من اللُّغَوبين أنه حقيقةٌ في الإثم، وكذا في الجهد
والمشقّة، ومنه: أَكَمَةٌ عَنُوتٌ، أي: صعبةُ المرتَقَى، وفَسَّره الزجَّاج هنا بالهلاك(٣)،
والذي علیه الأكثرون ما تقدَّم، وهو مأثور أیضاً عن ابن عباس ◌ًا.
وقيل: المراد به الحدّ؛ لأنه إذا هَوِيَها يُخشى أَنْ يواقعها فُحدّ.
ورُجّح القول الأول بكثرة الذاهبين إليه، مع ما فيه من الإشارة إلى أنَّ اللائق
بحال المؤمن الخوفُ من الزنى المفضي إلى العذاب، وفي هذا إيهامٌ بأنَّ المحذور
عنده الحدُّ لا ما يوجبه.
وأيًّا ما كان فهو شرطٌ آخر لجوازٍ تزوُّج الإماء عند الشافعي عليه الرحمة،
ومذهب الإمام الأعظم ظ به أنه ليس بشرط، وإنما هو إرشاد للأصلح.
﴿وَأَنْ تَصْبِرُواْ﴾ أي: وصبرُكم عن نكاح الإماء متعفِّفين ﴿غَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من
نكاحهنَّ وإنْ رُخِّص لكم فيه؛ لأنَّ حقَّ الموالي فيهنَّ أقوى، فلا يَخلُصن للأزواج
(١) في الإملاء ٢٣٣/٢.
(٢) أخرجه الطستي في مسائله، كما في الدر المنثور ١٤٣/٢، ومن طريقه السيوطي في الإتقان
٤٠٣/١ والذَّحْل: العداوة والبغض. القاموس (ذحل).
(٣) معاني القرآن للزجاج ١/ ٢٩٤ و٤٢/٢ نقلاً عن أبي عبيدة والمبرد.

سُورَةُ الشَكَاةِ
٤٦٠
الآية : ٢٥
خُلُوص الحرائر، إذ هم يقدرون على استخدامهن سفراً وحضراً، وعلى بَيعهنَّ
للحاضر والبادي، وفي ذلك مشقَّةٌ عظيمةٌ على الأزواج، لا سيما إذا وُلد لهم منهنَّ
أولاد؛ ولأنهنَّ ممتهناتٌ مبتذَلاتُ خرَّاجَات ولَّاجات، وذلك ذلِّ ومهانة سارية
للناكح، ولا يكادُ يتحمّل ذلك غَيور؛ ولأنَّ في نكاحهن تعريضُ الولد للرقِّ.
وقد أخرج عبد الرزاق وغيرُه عن عمر تظله أنه قال: إذا نكح العبدُ الحرةَ فقد
أَعتقَ نصفَه، وإذا نكحَ الحرُّ الأمةَ فقد أرقَّ نصفَه (١).
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس ﴿ها أنه قال: ما تزخَّف ناكح الأمة عن
الزنا إلا قليلاً(٢). وعن أبي هريرة وابن جبير مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر قال: نكاحُ الأمةِ كالميتة والدم ولحم الخنزير،
لا يحلُّ إلا للمضطر(٣) .
وفي مسند الديلمي ((الفردوس))(٤) عن أبي هريرة رضي الله قال: قال رسول الله وَعليه:
((الحرائرُ صلاحُ البيت، والإماءُ هلاك البيت))(٥). وقال الشاعر:
ومَن لم يكن في بيته قهرمانةٌ فذلك بيتٌ لا أبا لكَ ضائعُ
وقال الآخر:
إذا لم يكن في منزل المرء حرةٌ تُدَبِّرُه ضاعت مصالحُ دارِه(٦)
(١) مصنف عبد الرزاق (١٣١٠٣)، وسنن سعيد بن منصور (٧٣٩)، ومصنف ابن أبي شيبة
٤ / ١٤٧.
(٢) سنن سعيد بن منصور (٦٢٠-تفسير)، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ١٤٦/٤، والطبري
٦١٤/٦.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ١٤٧/٤، وعامر هو الشعبي.
(٤) في الأصل و(م) وحاشية الشهاب ١٢٧/٣ (والكلام منه): والفردوس، والصواب ما أثبتناه.
(٥) الفردوس بمأثور الخطاب ١٦١/٢، وأخرجه أيضاً الثعلبي كما ذكر ابن حجر في تخريج
أحاديث الكشاف ص٤٢، وهو من طريق أحمد بن محمد بن عمر اليمامي عن أحمد بن
يوسف العجلي، عن يونس بن مرداس، عن أبي هريرة به. قال الحافظ: أحمد بن محمد
اليمامي متروك، وكذبه أبو حاتم، ويونس لا أعرفه.
(٦) البيتان في اللباب ٣٢٩/٦، وحاشية الشهاب ١٢٧/٣.