النص المفهرس
صفحات 421-440
الآية : ٢٣ ٤٢١ سُورَةُ الشَّاء وبما روي عن عائشة أيضاً قالت: جاءت سَهلةُ بنتُ سُهَيلِ امرأةٌ أبي حذيفة إلى النبيِّ ◌َّه فقالت: يا رسول الله إنِّ أرى في وجه أبي حُذيفة من دخول سالم، وهو حليفُهُ. فقال ◌ِّرِ: ((أَرْضِعي سالماً خمساً تَحْرُمي بها عليه))(١) . والجواب أنَّ الجواب أنَّ جميعَ ذلك منسوخٌ كما صرَّح بذلك ابنُ عباس فيما مرَّ؛ ويدلُّ على نَسْخ ما في خبر عائشةَ الأول أنه لو لم يكن منسوخاً لزمَ ضياعُ بعض القرآن الذي لم يُنسَّخْ، والله تعالى قد تكفَّلَ بحفظه، وما في الرواية لا ينافي النسخَ؛ لجواز أن يقال: إنها ﴿َّا أرادتْ أنه كان مكتوباً ولم يُغْسَلْ بَعْدُ للقُرْب حتى دخلت الدواجنُ فأكلته. والقول بأنَّ ما ذكر إنما يلزمُ منه نسخُ التلاوة، فيجوز أن تكون التلاوةُ منسوخةً مع بقاء الحكم، كـ ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما))(٢)، ليس بشيءٍ؛ لأنَّ ادِّعاء بقاءِ حُكم الدالٌ بعد نَسْخه يحتاج إلى دليل، وإلا فالأصل أنَّ نَسْخَ الدَّالٌ يَرفَعُ حُكْمَه، وما نُظر به (٣) لولا ما عُلم بالسنَّة والإجماع لم يثبت به. ثم الذي نجزمُ به في حديث سهلةَ أنه وَّهِ لم يُرِدْ أنْ يُشبعَ سالماً خمسَ رضعاتٍ في خمسة أوقات متفاصلاتٍ جائعاً؛ لأنَّ الرجلَ لا يُشبعه من اللبن رِطلٌ ولا رِطلان، فأين تجدُ الآدميةُ في ثديها قَدْرَ ما يُشبعه؟! هذا محالٌ عادةً، فالظاهر أنَّ معدودَ ((خمس)) فيه - إن صحَّ أنها من الخبر(٤) -: المصَّات. ثم كيف جاز أن يُباشر عورَتها بشفتيه؟ فلعلَّ المرادَ أن تحلبَ له شيئاً مقدارُه مقدار خمسٍٍ رَضَعات فيشربه - كما قال القاضي(٥) - وإلا فهو مُشْكِلٌ. وقد يقال: هو منسوخٌ من وجهٍ آخر؛ لأنه يدلُّ على أنَّ الرضاعَ في الكِبَر يُوجبُ التحريم؛ لأنَّ سالماً كان إذ ذاك رجلاً، وهذا مما لم يقل به أحدٌ من (١) أخرجه أحمد (٢٦١٧٩)، ومسلم (١٤٥٣)، وليس في رواية مسلم ذكر عدد الرضعات. (٢) أخرجه أحمد (٢١٥٩٦) من حديث زيد بن ثابت ه، وسلف ٣٧٣/٢. (٣) يعني الشيخ والشيخة إذا زنيا، كما في فتح القدير ٤/٣. (٤) وقد صح أنها منه؛ لصحة الروايات الواردة بذلك، ينظر مسند أحمد (٢٥٦٥٠) و(٢٦١٧٩) و (٢٦٣٣٠). (٥) هو القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم ٤/ ٦٤١ . سُؤَةُ النَّسَّةِ ٤٢٢ الآية : ٢٣ الأئمة الأربعة، فإنَّ مدَّةَ الرضاع التي يتعلَّق به التحريمُ ثلاثون شهراً عند الإمام الأعظم، وسنتان عند صاحبيه ومستندُهما قويٌّ جدًّا، وإلى ذلك ذهب الأئمة الثلاثة، وعن مالك: سنتان وشهر، وفي رواية أخرى شهران، وفي أخرى سنتان وأيام، وفي أخرى ما دام محتاجاً إلى اللبن غيرَ مستغنٍ عنه، وقال: زفر ثلاث سنین . نعم قال بعضهم: خمس عشرة سنة، وقال آخرون: أربعون سنة. وقال داود: الإرضاعُ في الكِبَر مُحرِّمٌ أيضاً، ولا حدَّ للمدَّة، وهو مرويٌّ عن عائشة ﴿ا، وكانت إذا أرادت أن يدخلَ عليها أحدٌ من الرجال أمرتْ أُختَها أمّ كلثومٍ أو بعضَ بناتٍ أُختها أن تُرضعه(١). وروى مسلم عن أمِّ سلمةَ وسائر أزواج النبيِّ ◌َيه أنهنَّ خالفنَ عائشةَ في هذا(٢). وعمدةُ مَنْ رأى رأيَها في هذا الباب خبرُ سَهلةَ، مع أنَّ الآثارَ الصحيحةَ على خلافه، فقد صحَّ مرفوعاً وموقوفاً: ((لا رضاعَ إلا ما كان في حولين))(٣). وفي ((الموظّأ)) و((سنن)) أبي داود عن يحيى بن سعيد أنَّ رجلاً سأل أبا موسى الأشعري فقال: إني مَصَصْتُ من امرأتي ثديها لبناً، فذهب في بطني. فقال أبو موسى: لا أراها إلا قد حَرُمَتْ عليك. فقال ابن مسعود: انظر ما تُفتي به الرجل! فقال أبو موسى: فما تقول أنت؟ فقال ابن مسعود: لا رضاع إلا في حولين. فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيءٍ ما دامَ هذا الحبرُ بين أظهركم(٤) . (١) أخرجه أحمد (٢٦٣٣٠). (٢) صحيح مسلم (١٤٥٤). (٣) أخرجه مرفوعاً الدارقطني (٤٣٦٤)، والبيهقي ٧/ ٤٦٢، وابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف (١٧٤٨) من حديث ابن عباس رؤيا. قال الدار قطني: لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ. وأخرجه موقوفاً الطبري ٢٠٤/٤، والدارقطني (٤٣٦٣)، والبيهقي ٤٦٢/٧، وابن الجوزي (١٧٤٩) عن ابن عباس ﴿ها. والطبري ٢٠٤/٤، والبيهقي ٧/ ٤٦٢ عن ابن مسعود والدار قطني (٤٣٦٥)، والبيهقي ٧/ ٤٦٢ عن عمر ظله. والطبري ٢٠٤/٤ عن ابن عمر . (٤) الموطأ ٢/ ٦٠٧، وسنن أبي داود (٢٠٥٩)، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (١٣٨٩٥) والدارقطني (٤٣٦٢). الآية : ٢٣ ٤٢٣ سُورَةُ السَّةِ ، فقال: كانت لي وفيه(١) عن ابن عمر جاء رجلٌ إلى عمر بن الخطاب وَليدةٌ، فكنتُ أُصيبُها، فَعَمَدَتِ امرأتي إليها فَأَرْضَعَتْها، فدخلتُ عليها فقالت: دُونك، قد والله أَرضعتُها. قال عمر: أَوْجِعْهَا(٢)، وَأْتِ جاريتَكَ، فإنما الرضاعةُ رضاعةُ الصِّغَرِ. وروى الترمذيُّ - وقال: حديثٌ صحيح - من حديث أُمِّ سلمةَ أنه قال ◌َّ: ((لا يُحرِّمُ من الرِّضاع إلَّ [ما] فتق الأمعاءَ في الثدي، وكان قَبْلَ الفِطام)» (٣). وفي ((سنن)) أبي داود من حديث ابن مسعود يرفعه: ((لا يُحرِّم من الرَّضاع إلا ما أَنْبتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ العَظْمَ)) (٤). حتى إنَّ عائشةَ نفسَها بِ﴿ُها روتْ ما يُخالف عملها، ففي الصحيحين(٥) عنها أنها قالت: دخل عليَّ رسولُ الله ◌َله وعندي رجلٌ، فقال: ((يا عائشةُ مَنْ هذا؟)) فقلتُ: أخي من الرَّضاعة. فقال: ((يا عائشةُ، انظُرنَ مَن إخوانُكنَّ(٦)، إنما الرَّضاعةُ من المجاعة)) واعتُبر مرويُّها دون رأيها لظهور غفلتها فيه، وعدم وقوع اجتهادها على المِحَزّ، ولهذا قيل: يُشبه أنها رجعتْ كما رَجَعَ أبو موسى لَمَّا تحقَّق عندها النسخ. وحَمَلَ كثيرٌ من العلماء حديثَ سَهْلة على أنه مختصٍّ بها وبسالم، وجعلوا أيضاً العفوَ عن مباشرة العورة من الخواصِّ. هذا، ومن غرائب ما وقفت عليه مما يتعلَّق بهذه الآية عبارةٌ من مقامةٍ للعلَّامة السيوطي رحمه الله تعالى سمَّاها: الدوران الفلكي على ابن الكركي(٧)، وفيها (١) الموطأ ٦٠٦/٢ . (٢) في الأصل و(م): أرجعها. والمثبت من الموطأ . (٣) سنن الترمذي (١١٥٢) وما بين حاصرتين منه. (٤) سنن أبي داود (٢٠٥٩) و(٢٠٦٠)، وهو عند أحمد (٤١١٤). قوله: أنشز العظم، أي: رفعه وأعلاه وأكبر حجمه، ويروى بالراء، أي: شدَّه وقوَّاه. (٥) صحيح البخاري (٢٦٤٧)، وصحيح مسلم (١٤٥٥)، وهو عند أحمد (٢٤٦٣٢). (٦) في الأصل و(م): إخوانكم. والمثبت من مصادر التخريج. (٧) شرح مقامات جلال الدين السيوطي ٣٩٩/١. وابن الكركي هو إبراهيم بن عبد الرحمن القاهري المعروف بابن الكركي الحنفي، توفي سنة (٩٢٣هـ). هدية العارفين ٢٥/٥. سُورَةُ القَسَنَّاءِ ٤٢٤ الآية : ٢٣ يُخاطب الفاضلَ المذكور بما نصُّه: ماذا صنعتَ بالسؤال المهمِّ الذي دار في البلد ولم يُجب عنه أحد، وهو الفَرْقَ بين قوله تعالى: ﴿وَأُمَهَتُكُمُ الَّتِىِّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وبين ما لو قيل: واللاتي أَرضعنكم أمهاتكم، حيث رتَّب على الأول خمسَ رَضَعاتٍ واردة، ولو قيل الثاني لاكتفى برَضْعةٍ واحدة، ولقد ورد عليَّ وسِيقَ إليَّ، فلم أكتب عليه مع أنَّ جوابه نُصْبَ عينيَّ، وعتيدٌ لديّ، لا يحولُ شيءٌ بينه وبيني، لأَنظرَ هل من رجل رشيد، أو أحدٍ له في العلم قصرٌ مَشيد؟! هلَا أبدعتَ فيه جواباً مسدّداً، ونوَّعتَ فيه طرائقَ قِدَداً، وانَّخذتَ بذلك على دعوى العلم ساعداً وعَضُداً، وها لَهُ نحوُ عامين ما حلَّاه أحدٌ بحرف، ولا رَمَقَهُ ناظرٌ بَطَرْف، ولا أَودعه ذو تُرْفٍ بظَرْف، ولو شئتُ أنا لكتبتُ عليه عدَّةَ مؤلفاتٍ، ولَسَطَرْتُ فيه خمسَ مصنَّفات؛ بسيطٌ حَرِيزٌ، ووسيطٌ عزيزٌ، ومختصرٌ وجيزٌ، ومنظومةٌ ذات تطريز، ومقامةُ إنشاءٍ کأنها ذهبٌ إبریز. انتھی کلامه. وأقول: لعلَّ الفَرْقَ أنه سبحانه لما ذكر ((أُمَّهاتكم)) في هذه الآية معطوفاً على ما تقدَّم في الآية السابقة(١)، وفيها تحريمُ الأمهات، بقيَ الذهنُ مُشْرَئِباً إلى بيان الفارق بين هذه الأمهات وتلك الأمهات، فأتى سبحانه بقوله: ﴿الَّتِىّ أَرْضَعْنَّكُمْ﴾ بياناً لذلك، دافعاً لتوهُّم التكرار، فكان قيدُ الإرضاعِ الواقعُ صلةً مُعْتَنّى به أتمَّ اعتناء، ومما يترتَّب على هذا الاعتناء اعتبارُهُ أينما لُوحظ، وقد لوحظ في الآية خمسَ مرَّات؛ الأولى: حين أتى به فِعلاً، والثانية: حين أُسند إلى الفاعل، أعني ضمير النسوة، والثالثة: حين تعلَّق بالمفعول، أعني ضميرَ المخاطَبين، والرابعة: حين جُعِلَ جزءُ الجملةِ الواقعةِ صلةَ الموصول، والخامسة: حين جُعل ((اللاتي)) صفةً ((أُمهاتكم))؛ لأنَّ وصفيَّته لها باعتبار الصِّلة بلا شبهة. فهذه خمسُ ملاحظاتٍ للإرضاع في هذا التركيب، تشيرُ إلى أنَّ ما به تحصل الأمومة خمسُ رضعات، وهذا أحد الأسرار لاختيار هذا التركيب مع إمكان تراكيبَ غيره، لعلَّ بعضَها أخصرُ منه، وكثيراً ما وقع في القرآن تراكيبُ وتعبيراتٌ يُشار بها إلى أمورٍ واقعيةٍ، بينها وبين ما في تلك التعبيرات مناسبةٌ، مثلما وقع في قوله تعالى: ﴿وَلَُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] من الاحتباك المشير إلى ما بين الزوجين من (١) كذا ذكر، والصواب أنها في صدر الآية نفسها. الآية : ٢٣ ٤٢٥ سُورَةُ النساءِ الائتلاف(١)، وما وقع في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] من الإدغام في ((يُمِلَّ)) المشير إلى حال الفاعل، وهو الأخرسُ المعقودُ اللسانِ في كثيرٍ من الأقوال، وما وقع في قوله تعالى: ﴿كُلُّ فِ فَلَكِ﴾ [الأنبياء: ٣٣] من عدم الاستحالة بالانعكاس المشير إلى كُريَّة الأفلاك في رأي، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرةً. وليس هذا من باب الاستدلال، بل من باب الإشارة المقوِّية له، ألا ترى أنه لم يستدلَّ أحدٌ ممن ذهب إلى اشتراط الخَمس بهذه الآية، ولكن استدلَّوا عليه بورود الخمس في الأخبار، وإلى ذلك تشير عبارةُ الجلال السيوطي رحمه الله تعالى. وهذه الإشارةُ مفقودةٌ في القول المفروض، أعني: واللاتي أَرضعنكم أُمَّهاتكم؛ لأنَّ العَظْفَ فيه لا يُوهِمُ التكرار لعدم تقدُّم نظيره، فلا يَشْرَئِبُّ الذهنُ إلى ما يُذكر بَعْدُ كما اشرأَبَّ فيما ذُكر قَبْلُ، فلا داعي لاعتباره أينما لوحظ كما كان كذلك هناك، بل يكفي اعتبارُهُ مرَّةً واحدةً، وهي أدنى ما تتحقَّق به الماهيةُ، لا سيما وقد ذُكر بعد ((أمهاتكم)) على أنه بدلٌ، والبدلُ كما قالوا: هو المقصودُ بالنسبة على نية تكرار العامل المفيدِ لتقرير معنى الكلام وتوكيده، وهذا التوكيدُ أيضاً مُشعِرٌ بوَحدةِ الإرضاع؛ لأنَّ التحريمَ بالرضعة الواحدة مما يكاد يُستَبعدُ فيحتاج إلى توکیده، بخلاف الرَّضعَات العديدة، وقد رأيتُ في بعض نسخ ((شرح صحيح مسلم)) للإمام النووي بعد ذكر استدلال الإمام مالك ◌ُبه على دعوى ثبوت الحرمة برَضْعةٍ واحدة بقوله تعالى: ﴿وَأُمَهَنُكُمُ الَّتِىِّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ حيث لم يذكر عدداً ما نصُّه: واعترض أصحابُ الشافعيِّ على المالكية فقالوا: إنما كانت تحصلُ الدلالةُ لكم لو كانت الآيةُ: واللاتي أرضعنكم أمهاتكم(٢). انتهى. ولم يصرح رحمه الله تعالى بأن الآية التي استدل بها المالكية مشعرةٌ بالخَمس، بل اقتصر على أنَّ الدلالةَ على الواحدة لا تحصل بها، وأراد أنَّ ما أشرنا إليه من الإشعار القويِّ إلى التعدُّد يأبى حَمْلَ الماهية على أقلِّ ما تتحقَّق فيه، وفي بعض نسخ ذلك الشرح: واعترض أصحاب الشافعيّ على المالكية فقالوا: إنما كانت (١) ينظر ما سلف ٢٩٤/٣. (٢) شرح صحيح مسلم للنووي ٣٠/١٠. سُورَةُ الشّاةِ ٤٢٦ الآية : ٢٣ تحصلُ لكم الدلالةُ لو كانت الآيةُ: واللاتي أرضعنكم وأمهاتكم، بواوٍ بين (أرضعنكم)) وبين ((أمهاتكم)). والظاهر أنها غلطٌ من الناسخ، والتزامُ توجيهها تعسُّفٌ رأينا تَرْكه ربحاً. هذا ما ظهر لنظري القاصر وفكري الفاتر، ولقد سألتُ بالرِّفق عن هذا الفَرْق جمعاً من علماء عصري، وراجعتُ لشرح ذلك المتن جميعَ الفضلاء الذين تضمَّنتهم حواشي مِصْري، فلم أرَ مَنْ نَطَقَ ببنتِ شفة، ولا مَن ادَّعى في حَلِّ ذلك الإشكال معرفة، مع أنَّ منهم مَنْ خَضَعَتْ له الأعناق، وطبقت فضائلُه الآفاق، وما رأيتُ من المروءة أن أُمهلهم حتى يُنقَرَ في الناقور، أو أنتظرَ بناتِ أفكارهم إلى أن يلد البغلُ العاقورُ الباقور(١)؛ فكتبتُ ما ترى، ولستُ على يقينٍ أنه الأَولى والأَحرى، فتأمل، فَلِمَسْلَكِ الدِّهْنِ اتِّساعٌ، والحقُّ أَحَقُّ بالاتِّبَاعِ. ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَآَيِكُمْ﴾ شروعٌ في بيان المحرَّمات من جهة المصاهرة، إثرَ بيان المحرَّمات من جهة الرضاعة التي لها لُحمّةٌ كلُحْمة النَّسَب. والمراد بالنساء: المنكوجاتُ على الإطلاق، سواءٌ كُنَّ مدخولاً بهنَّ أوْ لا، وهو مُجْمَعٌ عليه عند الأئمة الأربعة، لكن يُشترط أن يكون النكاحُ صحيحاً، أما إذا كان فاسداً فلا تَحْرُمُ الأم إلا إذا وَطِئَ بنتَها، أخرج البيهقيُّ في ((سننه)) وغيرُه من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ وَّ قال: ((إذا نكح الرجلُ المرأةَ فلا يَحلُّ له أن يتزوَّج أُمَّها دَخَلَ بالابنةِ أو لم يدخل، وإذا تزوَّج الأَمَّ ولم يدخلْ بها، ثم طلَّقها، فإن شاءَ تزوَّجَ الابنة))(٢). وإلى ذلك ذهب جماعةٌ من الصحابة والتابعين. وعن ابن عباس روايتان، فقد أخرج ابن المنذر(٣) عنه أنه قال: ((النساء)) مُبهمة، إذا طلَّق الرجلُ امرأته قبل أن يدخل بها، أو ماتت، لم تَحِلُّ له أُمُّها . (١) الباقور: البقر اللسان (بقر). (٢) سنن البيهقي ٧/ ١٦٠، وأخرجه أيضاً الترمذي (١١١٧)، والطبري ٥٥٧/٦-٥٥٨. قال الترمذي: هذا حديث لا يصح من قبل إسناده، وإنما رواه ابن لهيعة والمثنى بن الصَّبَّاح عن عمرو بن شعيب، والمثنى بن الصباح وابن لهيعة يضعفان في الحديث، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم. (٣) كما في الدر المنثور ١٣٥/٢ . الآية : ٢٣ ٤٢٧ سُورَةُ الشَّحَّةِ وأخرج هو (١) أيضاً عن مسلم بن عويمر أنه قال: نكحتُ امرأةً، فلم أدخل بها حتى تُوفِّي عمِّي عن أُمِّها، فسألتُ ابنَ عباسٍ فقال: انكح أُمَّها . وعن زيد بن ثابت أيضاً روايتان، فقد أخرج مالك(٢) عنه أنه سئل عن رجلٍ تزوَّجَ امرأةً ففارَقَها قبل أن يمسَّها، هل تَحِلُّ له أُمُّها؟ فقال: لا، الأُمُّ مُبهَمَةٌ، ليسَ فيها شَرْطٌ، إنما الشرط في الربائب. وأخرج ابنُ جرير (٣) وجماعةٌ عنه أنه كان يقول: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها، كُرِهَ أن يَخْلُفَ على أُمِّها، وإذا طلَّقها قبل أن يدخلَ بها، فلا بأس أن يتزوَّج أُمَّها. وحُكي عن ابن مسعود كان يُفتي بِحِلِّ أُمِّ الامرأة إذا لم يكن دخل بينتها، ثم رجع عن ذلك، فقد أخرج مالك عنه(٤) أنه استُفْتيَ بالكوفة عن نكاح الأُمّ بعد البنت إذا لم تكن البنتُ مُسَّتْ، فَأَرْخَصَ في ذلك، ثم إنه قَدِمَ المدينةَ فسأل(٥) عن ذلك، فأُخبر أنه ليس كما قال، وأنَّ الشرط في الربائب، فرجع إلى الكوفة، فلم يصلْ إلى بيته حتى أتى الرجلَ الذي أفتاه بذلك، فأمره أن يفارقها . وأخرج ابن أبي حاتم(٦) عن عليٍّ كرَّم الله وجهه أنه سئل في الرجل يتزوج المرأة، ثم يطلقها أو تموتُ قبلَ أن يدخل بها، هل تحِلُّ له أمُّها؟ فقال: هي بمنزلة الربيبة. وإلی ذلك ذهب ابن الزبير ومجاهد. ويدخل في لفظ الأُمَّهاتِ الجدَّاتُ من قِبَلِ الأب والأم وإن عَلَوْنَ. وإن كانت امرأةُ الرجل أمةً فلا تَحْرُمُ أُمُّها إلا بالوطء أو دواعيه؛ لأنَّ لفظَ النساء إذا أُضيف إلى الأزواج كان المراد منه الحرائر كما في الظهار والإيلاء. وقرئ: ((وأُمَّهاتُ نسائكم اللاتي دخلتم بهنَّ»(٧). (١) أي: ابن المنذر كما في الدر المنثور ١٣٦/٢. (٢) في الموطأ ٥٣٣/٢. (٣) في التفسير ٦/ ٥٥٧ . (٤) في الموطأ ٥٣٣/٢. (٥) في (م): فسئل. والمثبت من الأصل والموطأ . (٦) في تفسيره ٣/ ٩١١. (٧) نسبها الزمخشري في الكشاف ٥١٧/١، وأبو السعود ١٦١/٢ لعليٍّ وزيد وابن عمر وابن عباس وابن الزبير. سُورَةُ الشَكَّاء ٤٢٨ الآية : ٢٣ ﴿وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِى فِ حُجُورِكُمْ﴾ الربائب جمع ربيبة، ورَبَّ ورَبَّى بمعنى، والرَّبيبُ فعيلٌ بمعنَى مفعول، ولمَّا أُلحق بالأسماء الجامدة جاز لحوقُ التاء له، وإلا ففعيلٌ بمعنى مفعول يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، وهذا معنى قولهم: إنَّ التاءَ للنقل إلى الاسمية، والرَّبيبُ: ولدُ المرأة من آخرَ، سُمِّي به لأنه يَرُبُّه غالباً كما يَرُبُّ ولده. والحُجُور: جَمْعُ حِجْر بالفتح والكسر، وهو في اللغة: حِضْنُ الإنسان، أعني ما دون إبطه إلى الكَشْح(١)، وقالوا: فلانٌ في حجر فلانٍ، أي: في كَنَفهِ ومَنَعتِهِ، وهو المراد في الآية. وَوَصْفُ الربائب بكونهنَّ في الحُجُورَ مُخرجٌ مخرجَ الغالب والعادة؛ إذ الغالبُ كونُ البنت مع الأُمِّ عند الزوج، وفائدتُه تقويةُ عِلَّة الحُرْمة، كما أنها النكتة في إيرادهنَّ باسم الربائب دون بنات النساء. وقيل: ذكر ذلك للتشنيع عليهم نحو: (أضعافاً مضاعفة)) في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوَأْ أَضْعَلِفًا مُضَعَفَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣٠] ولولا ما ذُكر لثبتت الإباحةُ عند انتفائه بدلالة اللفظ في غير محلِّ النطق عند مَن يعتبر مفهوم المخالفة، وبالرجوع إلى الأصل وهو الإباحةُ عند مَن لا يعتبر المفهوم؛ لأنَّ الخروجَ عنه إلى التحريم مقيَّدٌ بقيدٍ، فإذا انتفى القيدُ رجع إلى الأصل، لا بدلالة اللفظ. وروي عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنه يقول بحِلِّ الربيبة إذا لم تكن في الحِجْر، فقد أخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم بسندٍ صحيح عن مالك بن أوس قال: كانت عندي امرأةٌ، فَتُوفِّيتْ، وقد ولدت لي، فَوَجَدْتُ عليها، فلقيني عليُّ بن أبي طالبٍ كرَّم الله تعالى وجهه فقال: ما لكَ؟ فقلت: تُوفِّيتِ المرأةُ، فقال: لها بنت؟ قلت: نعم، وهي بالطائف. قال: كانت في حِجْركَ؟ قلت: لا. قال: انكحها. قلت: فأين قولُه تعالى: ﴿وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِى فِىِ حُجُورِكُمْ﴾؟ قال: إنها لم تكن في حِجْرك، إنما ذلك إذا كانت في حِجْرك(٢). (١) الكَشْح: ما بين الخاصرة إلى الضُّلَع الخَلْف. القاموس المحيط (كشح). (٢) مصنف عبد الرزاق (١٠٨٣٤) وتفسير ابن أبي حاتم ٩١٢/٣. الآية : ٢٣ ٤٢٩ سُورَةُ الشَكَاءِ وإلى هذا ذهب داود، والأول مذهبُ الجمهور، وإليه رَجَعَ ابنُ مسعودٍ ويدخل في الحرمة بناتُ الربيبة والربيب وإن سَفُلْنَ لأنَّ الاسمَ يشملهنَّ، بخلاف الأبناء والآباء لأنه اسمٌ خاصٌّ بهنَّ، فلذا جاز التزوُّج بأُمِّ زوجة الابن وبنتها، وجاز للابن التزوُّج بأُمّ زوجة الأب وبنتها . وقال بعض المحققين: إنَّ ثبوتَ حُرْمة المذكورات بالإجماع. ﴿مِّن نِسَائِكُمُ الَّتِىِ دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ الجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بمحذوفٍ وَقَعَ حالاً من ((ربائبكم))، أو من ضميرها المستكنِّ في الظرف، أي: اللاتي استقررنَ في حُجُوركم كائناتٍ من نسائكم إلخ. و((اللاتي)) صفةٌ للنساء المذكور قبله، وهي للتقييد؛ إذ ربيبةُ الزوجة الغيرِ المدخولِ بها ليست بحرام. ولا يجوز كونُ الجارِّ حالاً من ((أمهات)) أيضاً، أو مما أُضيفت هي إليه، ضرورةَ أنَّ الحاليةَ من ((ربائبكم)) أو من ضميره يقتضي كون ((من)) ابتدائية، وحاليته من ((أمهات)) أو من ((نسائكم)) يستدعي كونها بيانية. وادِّعاءُ كونها اتِّصاليةً كما في قوله ◌َّى: ((أنتَ منِّي بمنزلة هارون من موسى))(١)، وقولِه: إذا حاوَلْتَ في أَسدٍ فُجوراً فإِنِّي لستُ منك ولستَ منِّي(٢) وهو معنّى ينتظمُ الابتداء والبيان، فيتناول اتصال الأُمهات بالنساء لأنهنَّ والدات، وبالربائب لأنهنَّ مولودات، أو جَعْلُ الموصول صفةً للنساءَين مع اختلاف عامليهما؛ لأنَّ النساء المضاف إليه ((أمهات)) مخفوضٌ بالإضافة، والمجرور بـ ((من)) بها = بعيدٌ جدًّا، بل ينبغي أن يُنزَّه ساحةُ التنزيل عنه، وأما القراءة فضعيفةُ الرواية، وعلى تقدير الصحة محمولةٌ على النَّسْخ كما قاله شيخ الإسلام(٣). (١) أخرجه أحمد (١٤٦٣)، والبخاري (٣٧٠٦)، ومسلم (٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي وقاص وأخرجه أحمد (١١٢٧٢) و(٢٧٠٨١) من حديث أبي سعيد الخدري به، وأسماء بنت عمیس ا. (٢) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص ١٢٣، وجاء الشطر الثاني في الأصل و(م): فلست منك ولست مني. (٣) تفسير أبي السعود ٢/ ١٦٢ . سُورَةُ الشَكَاءِ ٤٣٠ الآية : ٢٣ والباء من ((بهنَّ)) للتعدية وفيها معنى المصاحبة، أو بمعنى ((مع))، أي: دخلتم معهنَّ الستر، وهو كنايةٌ عن الجماع؛ كـ : بنى عليها، وضربَ عليها الحجاب، وكثيرٌ من الناس يقول: بنى بها، وَوَهَّمَهُمْ الحريريُّ(١)، وهو وَهْمٌ. واللمسُ ونظائره في حكم الجماع عند الإمام الأعظم څته. قال بعض الفضلاء(٢): واعتُرض بأنَّ ما ذهب إليه لا مجال له؛ لأنَّ صريحَ الآية غيرُ مرادٍ قطعاً، بل ما اشْتَهَرَ من معناها الكِنائيّ، فما قاله إن أُثبت بالقياس فهو مخالفٌ لصريح معنى الشرط، وإذا جاء نهرُ الله تعالى بَطَلَ نهرٌ مَعْقِل(٣)، وإن أُثبت بالحديث وهو غيرُ مشهور لم يوافقْ أصوله، ويُدفَعُ بأنه من صريح النص؛ لأنَّ باء الإلصاق صريحةٌ فيه؛ لأنه يقال: دخل بها، إذا أمسكها وأدخلها البيت. فإن قلت: هَبْ أنَّ الكنايةَ لا يُشتَرطُ فيها القرينةُ المانعةُ عن إرادة الحقيقة، لكن تلزمُ إرادته كما حُقِّقَ في المعاني، فلا دلالة للآية عليه. أجيب بأنه وإن لم يلزم إرادتُه، لكنْ لا مانعَ منه عند قيام قرينةٍ على إرادته، وكفى بالآثار قرينةً، ومنها ما روي من طريق ابن وهبٍ عن أبي أيوب عن ابن جُريج أنَّ النبيَّ وَّرِ قال في الذي يتزوَّجُ المرأةَ فيغمزُ لا يزيد على ذلك: ((لا يتزوَّجُ ابنتها)»(٤) وهو مرسلٌ ومنقطعٌ، إلا أنَّ هذا لا يقدحُ عندنا إذا كانت الرجال ثقات، فلذا أَدرجوه في مدلول النَّظُم، وروي عن ابن عمر أنه قال: إذا جامع الرجلُ المرأةَ، أو قَبَّلها، أو لمسها بشهوةٍ، أو نظر إلى فَرْجها بشهوةٍ، حرُمَتْ على أبيه وابنه، وحَرُمَتْ عليه أُمُّها وبنتُها . فإن قلتَ: هَبْ أنه يدخل اللَّمسُ في صريحه، فكيف يدخل نظيره فيه؟ أجيب: بأنه داخلٌ بدلالةِ النَّصِّ، وما ذُكر من مخالفةٍ صريحِ الشَّرط مبنيٌّ على اعتبار مفهوم الشَّرْط، ونحن لا نقول به، مع أنه غيرُ عامٌّ، وبتقدير عمومه لا يَبْعُدُ القولُ بالتخصيص، فتدبّر. (١) في درة الغواص ص ٢٢٩. (٢) هو الشهاب في الحاشية ٢/ ١٢١. (٣) نهر بالبصرة ينسب لمعقل بن يسار حظه، والمثل في مجمع الأمثال ٨٨/١. (٤) ذكره ابن حزم في المحلى ٩/ ٥٣٠-٥٣١. الآية : ٢٣ ٤٣١ سُورَةُ السَّةِ والزنى في الفرج مُحرِّم عندنا، فمن زنى بامرأةٍ حَرُمَت عليه بنتُها، خلافاً للشافعي، حيث ذهب إلى أنَّ الزنى لا يُوجبُ حُرْمةَ المصاهرة؛ لأنها نعمةٌ فلا تُنال بمحظور، ولقوله ◌َله: ((لا يُحرِّمُ الحرامُ الحلالَ))(١). ولنا أنَّ الوطءَ سببٌ للولد، فيتعلَّقُ به التحريم قياساً على الوطء الحلال، ووصفُ الحلِّ لا دخلَ له في المناط، فإنَّ وَظْءَ الأَمة المشتَرَكة، وجاريةِ الابن، والمكاتَبةِ، والمظاهَرِ منها، وأَمَتِهِ المجوسية، والحائض والنفساءِ، وَوَظْءَ المُحْرِمِ والصائم، كلُّه حرام، وتثبتُ به الحُرْمة المذكورة، ويدلُّ ذلك على أنَّ المعتَبَر في الأصل هو ذاتُ الوطءِ من غير نَظَرٍ لكونه حلالاً أو حراماً. وروي أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله إني زَنيتُ بامرأةٍ في الجاهلية، أَفَأَنكِحُ ابنتَها؟ فقال ◌َّهِ: ((لا أرى ذلك، ولا يَصْلُحُ أن تَنكِحَ امرأةٌ تَطَّلِعُ من ابنتها على ما تَطَّلِعُ عليه منها))(٢). وهذا وإن كان فيه إرسالٌ وانقطاعٌ، لكن جئنا به في مقابلة خبرهم، وقد طَعَنَ فيه(٣) المحدِّثون، وذكره عبد الحق عن ابن عمر ثم قال: في إسناده إسحاق بن أبي فروة، وهو متروك(٤). على أنه غيرُ مُجرّى على ظاهره، أرأيتَ لو بالَ أو صَبَّ خمراً في ماءٍ قليلٍ [مملوك له] لم(٥) يكن حراماً مع أنه يَحرُم استعماله، فيجب كونُ المراد منه أنَّ الحرامَ لا يُحرِّم باعتبار كونه حراماً، وحينئذٍ نقول بموجبه؛ إذ لم نَقُلْ بإثبات الزنى حُرْمةً المصاهرةِ باعتبار كونه زنى، بل باعتبار كونه وَظْءاً. وأجاب صاحب ((الهداية)) (٦) عن قولهم في تعليل كون الزنى لا يوجب حُرْمةً (١) أخرجه ابن ماجه (٢٠١٥)، والدارقطني ٣٦٧٩، والبيهقي ١٦٨/٧ من حديث ابن عمر . قال البوصيري في مصباح الزجاجة ١/ ٣٥٠: هذا إسناد ضعيف. (٢) أخرجه عبد الرزاق (١٢٧٨٤)، عن ابن جريج قال: أُخبرت عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن أم الحكم أنه قال: قال رجل، وذكره. (٣) يعني حديث ((لا يحرم الحرام الحلال)). (٤) الأحكام الوسطى لعبد الحق الإشبيلي ١٣٧/٣. (٥) في الأصل و(م): ألم، والمثبت من فتح القدير لابن الهمام ٣٦٦/٢، والكلام وما بين حاصرتین منه. (٦) ٣٦٦/٢ مع فتح القدير. سُورَةُ التَسَّةِ ٤٣٢ الآية : ٢٣ المصاهرةِ بأنها نعمةٌ فلا تُنال بمحظورٍ، بأنَّ الوطءَ مُحرِّم(١) من حيث إنه سببٌ للولد، لا من حیث ذاته ولا من حيث إنه زنی. وفي ((فتح القدير))(٢): أنَّ هذا القول مَغْلَطَةٌ، فإنَّ النعمةَ ليست التحريمَ من حيث هو تحريم؛ لأنه تضييقٌ، ولذا اتَّسع الحِلُّ لرسول الله وَّهِ نعمةً من الله سبحانه وتعالى، بل من حيثُ هو يترتَّب على المصاهرة، فحقيقةُ النعمة هي المصاهرة، لأنها التي تُصَيِّرُ الأجنبيَّ قريباً عَضُداً (٣) وساعداً، يُهمُّه ما أَهَمَّكَ، ولا مصاهرةً بالزنا، فالصِّهرُ زوجُ البنت مثلاً، لا مَنْ زنا ببنت الإنسان، فانتفتِ الصَّهريةُ وفائدتُها أيضاً؛ إذ الإنسانُ يَنْفِرُ من الزاني بينته، فلا يتعرَّفُ به بل يُعاديه، فأَّى ينتفعُ به، والمنقولاتُ متكافئةٌ، فالمرجعُ القياس، وقد بيَّنَّا فيه إلغاءَ وَصْفٍ زائدٍ على كونه وَظْئاً(٤)، وتمامُ الكلام في المبسوطات من كتب أئمتنا. ﴿فَإِن لَّمْ تَكُونُوا﴾ أي: فيما قبلُ ﴿دَخَلْتُم بِهِنَ﴾ أي: بأولئك النساء أُمَّهاتِ الربائب ﴿فَلَ جُنَاحَ﴾ أي: فلا إثم ﴿عَيْكُمْ﴾ أصلاً في نكاح بناتهنَّ إذا طلقتموهنَّ، أو مِثْنَ، وهذا تصريحٌ بما أَشعر به ما قبله، وفيه دَفْعُ توهُّمِ أنَّ قيدَ الدخول كقيد الكَوْنِ في الحجور، والفاءُ الأولى لترتيب ما بعدها على ما قبلها على طرز ما مرَّ. وفي الاقتصار في بيان نفي الحُرْمة على نفي الدخول إشارةٌ إلى أنَّ المعتبَر في الحرمة إنما هو الدخول، دون كَوْنِ الربائب في الحجور، وإلا لقيل: فإن لم تكونوا دخلتمْ بهنَّ وَلَسْنَ في حُجُوركم، أو: فإن لم تكونوا دخلتمْ بهِنَّ أو لَسْنَ في حُجُوركم، جَرْياً على العادة في إضافةٍ نفي الحكم إلى نفي تمام العِلَّة المركّبة، أو أحد جُزأيها الدائر، وإن صحَّ إضافتُهُ إلى نفي جزئها المعيَّن، لكنه خلافُ المستمرِّ من الاستعمال. ﴿وَحَلَبِّلُ أَبْنَآَيِكُمُ﴾ أي: زوجاتهم، جمعُ حَليلة، سُمِّيتِ الزوجةُ بذلك لأنها (١) في (م): يحرم. والمثبت من الأصل والهداية. (٢) ٣٦٦/٢. (٣) في فتح القدير: وعضداً. (٤) في الأصل و(م): وصفا. والمثبت من فتح القدير. الآية : ٢٣ ٤٣٣ ـرَةُ السَّاءِ تَحِلُّ مع زوجها في فراشٍ واحد، أو لأنها تَحِلُّ معه حيثُ كان، فهي فَعيلٌ بمعنى فاعلة، وكذا يقال للزوج حَليلٌ. وقيل: اشتقاقهما من الحَلِّ لِحَلِّ كلٍّ منهما إزارَ صاحبه. وقيل: من الحِلِّ؛ إذ كلٌّ منهما حلالٌ لصاحبه، ففعيلٌ بمعنى مفعول، والتاء في ((حليلة)) لإجرائها مجرى الجوامد، ولو جُعل ((فعيلٌ)) في جانب الزوج بمعنى فاعل، وفي جانب الزوجة بمعنى مفعول، كان فيه نوعُ لطافةٍ لا تخفى، والآيةُ ظاهرةٌ في تحريم الزوجة فقط، وأما حُرْمَةُ مَنْ وَطِئَها الابنُ ممن ليس بزوجةٍ، فبدلیل آخر. وقال ابنُ الهمام(١): إن اعتبروا الحليلةَ من حُلول الفراش، أو حَلِّ الإزار، تناول الموطوءةَ بمِلْكِ اليمين أو شبهةٍ أو زنا، فَيَحرُمُ الكُلُّ على الآباء، وهو الحُكم الثابت عندنا، ولا يتناولُ المعقودَ عليها للابن أو بنيه وإن سفلوا قبل الوطء، والفرضُ أنها بمجرَّد العقد تَحرُمُ على الآباء، وذلك باعتباره من الحِلِّ بالكسر، وقد قام الدليل على حُرْمة المَزنيِّ بها للابن على الأب، فيجبُ اعتبارُه في أعمّ من الحَلِّ والحِلِّ، ثم يُراد بالأبناء الفروعُ، فَتَحرُمُ حليلةُ الابن السافل على الجدِّ الأعلى، وكذا ابنُ البنت وإن سَفُلَ. والظاهر من كلام اللُّغويين أنَّ الحليلةَ الزوجةُ كما أشرنا إليه، واختار بعضُهم إرادةَ المعنى الأعمِّ الشامل لِمِلْكِ اليمين، ليكونَ السِّرُّ في التعبير بها هنا دون الأزواج أو النساء أنَّ الرجلَ ربَّما يَظُنُّ أنَّ مملوكةَ ابنه مملوكةٌ له، بناءً على أنَّ الولدَ ومالُهُ لأبيه(٢)، فلا يبالي بوطِئها وإن وَطِئَها الابنُ، فَنُبِّهوا على تحريمها بعنوانٍ صادقٍ عليها وعلى الزوجة صِدْقَ العامٌّ على أفراده؛ للإشارة إلى أنه لا فَرْقَ بینهما، فتدبر. وحُكْمُ الممسوسات ونحوِهنَّ حُكُمُ اللاتِي وَطِتَّهُنَّ الأبناء. ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾ صفةٌ للأبناء، وذُكر لإسقاط حليلة المتَبَّى، وعن عطاء أنها نزلت حين تزوَّج النبيُّ ◌َ﴿ امرأةَ زيد بن حارثة ظُه، فقال المشركون في (١) في فتح القدير ٢/ ٣٦٠. (٢) أخرج أحمد (٦٩٠٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله وَ ل* قال لرجل يخاصم أباه: ((أنت ومالك لأبيك)). سُورَةُ السَّةِ ٤٣٤ الآية : ٢٣ ذلك(١). وليس المقصودُ من ذلك إسقاطَ حليلةِ الابن من الرَّضاع، فإنها حرامٌ أيضاً كحليلة الابن من النسب، وذكر بعضُهم فيه خلافاً للشافعيِّ ظله، والمشهور عنه الوفاق في ذلك. ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ اٌلْأُخْتَيْنِ﴾ في حَيِّز الرَّفع عطف على ما قبله من المحرَّمات، والمراد جَمْعهما في النكاح لا في مِلْك اليمين، ولا فَرْقَ بين كونهما أَختين من النَّسَب أو الرضاعة، حتى قالوا: لو كان له زوجتان رضيعتان، أَرْضَعَتْهُما أجنبيةٌ، فَسَدَ نِكاحُهُما، وحُكي عن الشافعيِّ أنه يَفسدُ نكاحُ الثانية فقط. ولا يَحرُمُ الجمعُ بين الأختين في مِلْكِ اليمين، نعم جَمْعُهُما في الوَطء بملك اليمين مُلحَقٌ به بطريق الدلالة لاتِّحادهما في المدار، فيحرُمُ عند الجمهور، وعليه ابن مسعود وابن عمر وعمَّارُ بن یاسر واختلفتِ الروايةُ عن عَليٍّ كرَّمِ الله تعالى وجهه، فأخرج البيهقيُّ وابن أبي شيبة عنه: أنه سُئل عن رجلٍ له أَمَتان أُختانَ وَطِىءَ إحداهما ثم أراد أن يَطَأَ الأُخرى، قال: لا، حتى يُخرجها من مِلْكه(٢). وأخرجا من طريق أبي صالح عنه أنه قال في الأُختين المملوكتين: أَحَلَّتْهُما آيةٌ وَحَرَّمَتْهُما آية، ولا آمُرُ ولا أَنْهَى، ولا أُحَلِّلُ ولا أُحَرِّمُ، ولا أفعله أنا ولا أهلُ بيتي(٣). وروى عبد بن حميد(٤) عن ابن عباسٍ أنَّ الجمعَ مما لا بأس به، وحكي مثله عن عثمان وعن عمر حظّه أنه قال: ما أُحِبُّ أن أُجيز الجمعَ، ونَهَى السائلَ عنه. وزعم بعضُهم أنَّ الظاهرَ أنَّ القائلَ بالحِلِّ من الصحابة ﴿ه رَجَعَ إلى قول الجمهور، وإن قلنا بعدم الرجوع فالإجماع اللاحقُ يرفعُ الخلاف السابق، وإنما يتمُّ (١) أخرجه عبد الرزاق (١٠٨٣٧)، والطبري ٦/ ٥٦١، وابن أبي حاتم ٩١٣/٣. (٢) سنن البيهقي ٧/ ١٦٤، ومصنف ابن أبي شيبة ١٦٨/٤. (٣) سنن البيهقي ١٦٤/٧، ومصنف ابن أبي شيبة ١٦٩/٤. (٤) كما في الدر المنثور ١٣٦/٢ . الآية : ٢٣ ٤٣٥ سُورَةُ السَّةِ إذا لم يُعتَدَّ بخلافِ أهل الظاهر، وبتقدير عدمه فالمرجَّحُ التحريمُ عند المعارضة. وإذا تزوَّج أُختَ أمته الموطوءةِ صحَّ النكاح وحَرُمَ وطءُ واحدةٍ منهما حتى يُحرِّمَ الموطوءةَ على نفسه بسببٍ من الأسباب، فحينئذٍ يَطَأُ المنكوحةَ لعدم الجمع، كالبيع كُلَّا أو بعضاً، والتزويج(١) الصحيح، والهبة مع التسليم، والإعتاق كُلَّا أو بعضاً، والكتابة. ولو تزوَّج الأُختَ نكاحاً فاسداً لم تحرُمْ عليه أَمَتُهُ الموطوءة، إلا إذا دخل بالمنكوحة، فحينئذٍ تحرُمُ الموطوءة لوجود الجمع بينهما حقيقة. ولا يؤثِّر الإحرامُ والحيضُ والنفاسُ والصومُ، وكذا الرهنُ والإجارةُ والتدبيرُ؛ لأنَّ فَرْجها لا يَحْرُمُ بهذه الأسباب. وإذا عادت الموطوءة إلى مِلْكه بعد الإخراج، سواءٌ كان بفَسْخِ أو شراءٍ جديد، لم يَحِلَّ وطءُ واحدةٍ منهما حتى يُحرِّمَ الأمةَ على نفسه بسببٍ كما كان أوَّلاً . وظاهرُ قولهم: لا يَحلُّ الوطءُ حتى يُحرِّم، أنَّ النكاحَ صحيحٌ، وقد نصُّوا على ذلك وعلَّلوه بصدوره عن أهله مُضافاً إلى محله. وأُورد عليه أنَّ المنكوحةَ موطوءةٌ حُكْماً باعترافهم، فيصيرُ بالنكاح جامعاً وَظْءاً حُكماً وهو باطل، ومن هنا ذهب بعض المالكية إلى عدم الصحة. وأجيب بأن لزوم الجمع بينهما وظءاً حُكماً ليس بلازم؛ لأنَّ بيده إزالتُهُ، فلا يضرُّ بالصِّحَّة، ويمنع من الوطء بعدها لقيامه إذا ذاك. وإسناد الحرمة إلى الجمع لا إلى الثانية بأن يقال: وأخوات نسائكم؛ للاحتراز عن إفادة الحرمة المؤبَّدة كما في المحرَّمات السابقة، ولكونه بمعزلٍ عن إفادة حُرْمة الجمع على سبيل المعيّة. ويشتركُ في هذا الجمعُ بين المرأة وعمَّتها أو خالتها، ونظائرُ ذلك، فإنَّ مدارَ حُرْمة الجمع بين الأختين إنضاؤه - خلافاً لما في ((المبسوط))(٢) - إلى قَطْع ما أَمَرَ الله (١) في الأصل و(م): والتزوج، والمثبت من البحر الرائق ١٠٢/٣، وحاشية ابن عابدين ٤٠/٣، وتبيين الحقائق ١٠٤/٢. (٢) ٤ / ٢٠١ . سُورَةُ السَّةِ ٤٣٦ الآية : ٢٣ تعالى بوصله، كما يدلُّ عليه ما أخرجه الطبرانيُ(١) من قوله ◌َله: ((فإنَّكم إنْ فعلتمْ ذلك قطعتمْ أرحامكم)). وما رواه أبو داود في ((مراسيله)) عن عيسى بن طلحة قال: نهى النبيُّ ◌َّهِ أن تُنكَحَ المرأةُ على قرابتها مخافةَ القطيعةِ(٢). وذلك متحقِّقٌ في الجمع بين مَنْ ذكرنا، بل أَوْلى، فإنَّ العَمَّةَ والخالةَ بمنزلة الأُم، فقوله وَلِّ مبالغاً في بيان التحريم: ((لا تُنكَحُ المرأة على عمَّتها ولا على خالتها، ولا على ابنة أختها ولا على ابنة أخيها)» من قبيل بيان التفسير، لا بيان التعبير عند بعض المحققين. وقال آخرون: إنَّ الحدیثَ مشهورٌ، فقد ثبت في صحیحي مسلم وابن حبان، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي، وتلقَّاه الصَّدْر الأولُ بالقبول من الصحابة والتابعين، ورواه الجمُّ الغفيرُ منهم أبو هريرةُ وجابرٌ وابنُ عباس وابنُ عمر وابنُ مسعود وأبو سعيد الخدري(٣)، فيجوز تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] [به](٤)، بل لو كان من أخبار الآحاد جاز التخصيصُ به غيرَ متوقّفٍ على كونه مشهوراً، وقال ابن الهمام: الظاهر أنه لابدَّ من ادِّعاء الشُّهرة؛ لأنَّ الحديثَ موقعُه النسخ لا التخصيص، وبيَّنه في ((فتح القدير))(٥) فارجع إليه. ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ استثناءٌ منقطع، وقَصْدُ المبالغة والتأكيدِ هنا غیرُ مناسب للتذييل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾﴾ لأنَّ الغفرانَ والرحمةَ (١) في المعجم الكبير (١١٩٣١). (٢) المراسيل (٢٠٨). (٣) أخرجه من حديث أبي هريرة، أحمد (٩٥٨٦)، والبخاري (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨)، وأبو داود (٢٠٦٥)، والترمذي (١١٢٦)، والنسائي ٩٦/٦-٩٧، وابن حبان (٤١١٧). ومن حديث جابر، أخرجه أحمد (١٤٦٣٣)، والبخاري (٥١٠٨)، والنسائي ٩٨/٦، وابن حبان (٤١١٤). ومن حديث ابن عباس، أخرجه أحمد (٣٥٣٠). ومن حديث ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٤٧، وابن حبان (٥٩٩٦). ومن حديث ابن مسعود، أخرجه ابن أبي شيبة ٢٤٦/٤، والطبراني (٩٨٠١). ومن حديث أبي سعيد الخدري، أخرجه ابن ماجه (١٩٣٠)، وابن أبي شيبة ٢٤٦/٤. (٤) زيادة يقتضيها السياق، وينظر فتح القدير لابن الهمام ٣٦٣/٢. (٥) ٣٦٣/٢. الآية : ٢٤ ٤٣٧ سُورَةُ السَّلة لا يناسب تأكيدَ التحريم والمراد من ((ما سلف)»: ما مضى قبل النهي، فإنهم كانوا يجمعون به الأختين، أخرج أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ وحسنه وابن ماجه عن فيروز الديلميِّ أنه أدركه الإسلامُ وتحتَهُ أختان، فقال له النبيُّ وَلِ: ((طَلِّقْ أيَّتهما شئت))(١). وقال عطاء والسُّدِّي: معناه: إلا ما كان من يعقوب عليه السلام؛ إذ جمع بين الأختين، ليًّا أمِّ يهوذا، وراحيل أمِّ يوسف عليه السلام، ولا يساعده التذييلُ، لِمَا أنَّ ما فعله یعقوب علیه السلام إن صحَّ کان حلالاً في شریعته. وعن ابن عباس ه: كان أهل الجاهلية يُحرِّمون ما حرَّم الله تعالى، إلا امرأةً الأب، والجمعَ بين الأختين. وروي مثله عن محمد بن الحسن وأنه قال: ألا يُرى أنه قد عقَّب النهيَ عن كلٍّ منهما بقوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وهذا - كما قال شيخُ الإسلام - يشير إلى كون الاستثناء فيهما على سَنَنٍ واحدٍ، ويأباه اختلافُ ما بعدهما (٢). ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمّ﴾ عطفٌ على ما قبله من المحرَّمات. والمرادُ بهنَّ على المشهور ذواتُ الأزواج، أحصنَهنَّ التزوُّج، أو الأزواج، أو الأولياء، أي: مَنعَهُنَّ عن الوقوع في الإثم. وأجمع القرَّاء - كما قال أبو عبيدة - على فتح الصاد هنا(٣). ورواية الفتح عن الكِسائيِّ لا تصح(٤)، والمشهور روايةُ ذلك عن طلحة بنِ مصرِّف ويحيى بن وثاب(٥)، (١) مسند أحمد (١٨٠٤٠)، وسنن أبي داود (٢٢٤٣)، وسنن الترمذي (١١٢٩) و(١١٣٠)، وسنن ابن ماجه (٩٥١). (٢) تفسير أبي السعود ١٦٣/٢، وفيه :... ويأباه اختلاف التعليلين والمعنى واحد. (٣) حاشية الشهاب ١٢٢/٣، وذكره الأزهري في تهذيب اللغة ٢٤٥/٤، وصاحب اللسان (حصن) عن أبي عبيد. (٤) كذا ذكر المصنف رحمه الله، وهو وهم منه، فقد قرأ الكسائي بكسر الصاد في جميع القرآن إلا في هذا الموضع فإنه قرأ فيه بالفتح مثل باقي القراء، وقراءة الكسر عن الكسائي وردت في بعض نسخ البيضاوي، وهو خطأ نبّه عليه الشهاب في الحاشية ١٢٢/٣. وينظر التيسير ص٩٥، والنشر ٢٤٩/٢. (٥) الكشاف ٥١٨/١ عن طلحة، وأخرجها عن يحيى بن وثاب عبد بن حميد كما في الدر المنثور ١٣٩/٢. سُورَةُ الشَّةِ ٤٣٨ الآية : ٢٤ وعليه يكون اسمَ فاعل؛ لأنهنَّ أَحصَنَّ فروجهنَّ عن غير أزواجهنَّ، أو أَحصَنَّ أزواجهنَّ. وقيل: الصيغةُ للفاعل على القراءة الأُولى أيضاً، فقد قال ابن الأعرابي: كلُّ (أَفْعلَ)) اسمُ فاعله بالكسر إلَّا ثلاثةَ أحرف: أَحْصَنَ، وأَلْفَجَ: إذا ذهب ماله، وَأَسْهَبَ: إذا كثر كلامه. وحكي عن الأزهريِّ مثلُه(١). وقال ثعلب: كلُّ امرأةٍ عفيفةٍ مُحْصَنةٌ ومُحصِنةٌ، وكلُّ امرأةٍ مُتزوجةٍ مُحصَنَةٌ، بالفتح(٢) لا غير. ويقال: حصُنت المرأة - بالضمِّ - حصْناً(٣)، أي: عفَّتْ، فهي حاصلٌ، وحَصَان(٤) بالفتح، وحَصْناءُ أيضاً بيَّةُ الحَصَانة. وفرسٌ حِصان - بالكسر - بِّنُ التحصين والتحصُّن، ويقال: إنه سمِّي حِصاناً لأنه ضنَّ بمائه فلم يَنْزُ إلا على كريمة، ثم كثر ذلك حتى سمَّوا كلَّ ذَكَرٍ من الخيل حِصاناً. والإحصان في المرأة ورد في اللغة واستعمل في القرآن بأربعة معانٍ: الإسلام، والحرية، والتزوُّج، والعِفّة. وزاد الرافعيّ(٥) العقلَ؛ لمنعه من الفواحش. والجارُّ والمجرور متعلّقٌ بمحذوف وقع حالاً من المحصنات، أي: حُرِّمت عليكم المحصنات كائناتٍ من النساء، وفائدتُه تأكيدُ عمومها، وقيل: دَفْعُ توهُّم شمولها للرجال بناءً على كونها صفةً للأنفس، وهي شاملةٌ للذكور والإناث. ولیس بشيء كما لا يخفى. وفي المراد بالآية غموضٌ، حتى قال مجاهد: لو كنت أعلمُ مَن يفسِّرها لي لضربت إليه أكباد الإبل. أخرجه عنه ابن جرير(٦). (١) تهذيب اللغة ٢٤٥/٤، حكاه الأزهري عن ثعلب، وذكره عن ابن الأعرابي الشهاب في الحاشية ١٢٢/٣. (٢) قوله: بالفتح، ليس في الأصل، والمثبت من (م) والصحاح (حصن)، والكلام منه. (٣) مثلثة. القاموس (حصن). (٤) في الأصل و(م): حصنان، والمثبت من الصحاح وهو الصواب. وينظر الحجة للفارسي ١٤٧/٣، وتهذيب اللغة ٢٤٥/٤. (٥) في العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ١٣١/١١، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٢٢/٣ . (٦) في تفسيره ٦/ ٥٧٤ . الآية : ٢٤ ٤٣٩ سُورَةُ الشَّحَّةِ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي السوداء قال: سألت عكرمة عن هذه الآية: ((والمحصنات)) إلخ، فقال: لا أدري(١). وللعلماء المتقدِّمين فيها أقوال: أحدها: أنَّ المراد بها المزوَّجات كما قدمنا، والمراد بالمِلْك: المِلْكُ بالسَّنْي خاصةً، فإنه المقتضي لفسخ النكاح وحِلِّها للسابي دون غيره، وهو قول عمر وعثمان وجمهورِ الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، لكن وقع الخلاف: هل مجرد السبي مُحِلٌّ لذلك أو سبيُها وحدها؟ فعند الشافعي رحمه الله تعالى: مجرَّدُ السبي موجبٌ للفرقة ومُحِلٌّ للنكاح. وعند أبي حنيفة رَُّه: سَبْيُها وحدها، حتى لو سُبَيَتْ معه لم تَحِلَّ للسابي. واحتج أهل هذا القول بما أخرجه مسلم(٢) عن أبي سعيد ﴿به أنه قال: أَصَبْنا سبياً يوم أوطاس ولهنَّ أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن، فسألنا النبيَّ وَّ، فنزلت الآية، فاستحللناهن. وهذه الروايةُ عنه أصُ من الرواية الأخرى أنها نزلت في المهاجرات(٣) . واعتُرض بأنَّ هذا من قَصْر العام على سببه، وهو مخالفٌ لِمَا تقرَّر في الأصول مِنْ أنه لا يُعتَبر خصوصُ السبب. وأجيبَ بأنه ليس من ذلك القَصْر في شيء، وإنما خصَّ لمعارضة دليلٍ آخر، وهو الحديث المشهورُ عن عائشة ﴿ّ أنها لمَّا اشترتْ بریرةَ وكانت مزوَّجة أعتقتها وخيَّرها وَّةِ(٤)؛ فلو كان بيعُ الأمة طلاقاً ما خيَّرها. فاقتصر بالعامِّ حينئذٍ على سببه الوارد عليه، لمَّا كان غير البيع من أنواع الانتقالات كالبيع في أنه ملكٌ اختياريٌ مُترتّبٌ على ملك متقدِّم، بخلاف السِّباء، فإنه ملكٌ جدید قهري، فلا يُلحق به غیرُه، کذا قيل. (١) في المصنف ٢٦٨/٤. (٢) في صحيحه (١٤٥٦)، وهو عند أحمد (١١٦٩١). (٣) أخرجها الطبري ٦/ ٥٧٤ . (٤) أخرجه أحمد (٢٤١٥٠)، والبخاري (٦٧٥٨)، ومسلم (١٥٠٤). وجاء في حاشية (م): اختلفوا هل كان الزوج عبداً أو حرًّا؟ فذهب الحنفيون إلى أنه كان حرًّا، والأئمة الثلاث إلى أنه کان عبداً. اهـ منه. سُورَةُ الْقِسَاءِ ٤٤٠ الآية : ٢٤ واعتَرضَ أصحابُ الشافعيِّ بإطلاق الآية والخبرِ على الإمام الأعظم عنْه : وجعلوا ذلك حُجَّةً علیه فیما ذهب إليه. وأجاب الشهاب(١) بأنَّ الإطلاق غيرُ مسلَّم، ففي ((الأحكام))(٢): المرويُّ أنه لمَّا كان يومُ أوطاس لحقَتِ الرجالُ بالجبال وأُخذتِ النساء، فقال المسلمون: كيف نصنع ولهنَّ أزواج؟ فأنزل الله تعالى الآية، وكذا في حُنين كما ذكره أهلُ المغازي، فثبتَ أنه لم يكن معهنَّ أزواجٌ، فإن احتجُّوا بعموم اللفظ، قيل لهم: قد اتَّفقنا على أنه ليس بعامٌّ، وأنه لا تجب الفُرقة بتجدُّد الملك، فإذا لم يكن كَذلك علمنا أنَّ الفرقة لمعنًى آخرَ، وهو اختلاف الدارَين، فلزم تخصيصها بالمسبيَّات وحدَهنَّ، وليس السبيُّ سببَ الفرقة بدليلٍ أنها لو خرجت [إلينا] مسلمةً أو ذمِّيةً ولم يَلْحَقْ بها زوجُها، وقعت الفُرقةُ بلا خلاف. وقد حكم الله تعالى به في المهاجرات في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فلا يَرِدُ ماَ أُوْرِد. وثانيها: أنَّ المراد بالمحصنات ما قدَّمنا، وبالملك مطلقُ ملكِ اليمين، فكلُّ مَن انتقل إليه ملكُ أمةٍ ببيع أو هبةٍ أو سبَاءٍ أو غير ذلك، وكانت مزوَّجةً، كان ذلك الانتقالُ مقتضياً لطلاقها وَحِلُّها لمن انتقلت إليه. وهو قول ابن مسعود وجماعةٍ من الصحابة، وإليه ذهب جمهور الإمامية. وثالثها: أنَّ المحصناتِ أعمُّ من العفائف والحرائر وذواتِ الأزواج، والملكَ أعمُّ من ملك الیمین وملك الاستمتاع بالنكاح، فیرجع معنى الآية إلى تحريم الزنا وحُرمةِ كلِّ أجنبيةٍ إلا بعقدٍ أو ملك يمينٍ. وإلى ذلك ذهب ابن جبير وعطاء والسدِّي، وحكي عن بعض الصحابة، واختاره مالك في ((الموطأ))(٣). ورابعها : كونُ المرادِ من المحصناتِ الحرائرُ، ومن الملك المطلقُ، والمقصود تحريم الحرائر بعد الأربع؛ أخرج عبد الرزاق(٤) وغيرهُ عن عَبيدة أنه قال في هذه (١) في حاشيته على تفسير البيضاوي ٣/ ١٢٣، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٢) أحكام القرآن للجصاص ١٣٧/٢ . (٣) ٥٤١/٢ . (٤) في تفسيره ١/ ١٥٣، وأخرجه أيضاً الطبري ٦/ ٥٦٩.