النص المفهرس

صفحات 341-360

الآية : ١١
٣٤١
سُورَةُ النَّسَاءِ
والجواب أنَّ هذا الخبرَ قد رواه أيضاً حذيفةُ بن اليمان والزبير بن العوام
وأبو الدرداء وأبو هريرة والعباسُ وعليٍّ وعثمانُ وعبدُ الرحمن بن عوف وسعدُ بن
أبي وقاص، وقد أخرج البخاريُّ(١) عن مالك بن أوس بن الحَدَثان أنَّ عمر بن
الخطاب رُّه قال بمحضرٍ من الصحابة، فيهم عليٍّ والعباس وعثمان
وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص: أَنْشُدُكُمْ بالله الذي
بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أنَّ رسولَ الله وَّهِ قال: ((لا نُورَث، ما تركناه
صدقة))؟ قالوا: اللهم نعم. ثم أقبل على عليٍّ والعباس فقال: أَنْشُدُكما بالله تعالى،
هل تعلمان أنَّ رسول الله وَّه قد قال ذلك؟ قالا: اللهم نعم.
فالقولُ بأنَّ الخبر لم يَرْوِهِ إلَّا أبو بكر تَظُبه لا يُلتفت إليه، وفي كتب الشيعة
ما يؤيِّده، فقد روى الكُلينيُّ في ((الكافي)) عن أبي البَخْتَري(٢) عن أبي عبد الله جعفر
الصادق ﴿به أنه قال: إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياء، وذلك أنَّ الأنبياء لم يُورِّثوا درهماً
ولا ديناراً، وإنما ورَّثوا أحاديثَ، فمن أخَذَ بشيءٍ منها فقد أَخَذَ بحظٌّ وافر(٣).
وكلمة ((إنما)) مفيدةٌ للحَصْر قطعاً باعتراف الشيعة، فيُعلَم أنَّ الأنبياءَ لا يُورِّثون غيرَ
العلم والأحاديث.
وقد ثبت أيضاً بإجماع أهل السِّيرَ والتواريخ وعلماء الحديث أنَّ جماعةً من
المعصومين عند الشيعة(٤)، والمحفوظين عند أهل السنَّة، عملوا بموجبه، فإنَّ تَرِكَةً
النبيِّ وَلَّ لمَّا وقعت في أيديهم لم يُعطوا منها العباس ولا بَنِيه، ولا الأزواجَ
المطهّرات شيئاً، ولو كان الميراثُ جارياً في تلك الشَّرِكَة لشاركوهم فيها قطعاً.
فإذا ثبت من مجموع ما ذكرنا التواترُ، فحبَّذا ذلك؛ لأنَّ تخصيصَ القرآن بالخبر
المتواتر جائزٌ اتِّفاقاً، وإن لم يثبت وبقي الخبر من الآحاد فنقول: إنَّ تخصيص
(١) برقم (٥٣٥٨)، وهو عند أحمد (١٧٨١)، ومسلم (١٧٥٧): (٤٩).
(٢) بعدها في (م): في الكافي.
(٣) كذا ذكره عن جعفر الصادق، وأخرجه أحمد (٢١٧١٥)، وأبو داود (٣٦٤١) والترمذي
(٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣) من حديث أبي الدرداء څ﴾.
(٤) في هامش الأصل و(م): كعلي كرم الله تعالى وجهه، والحسن والحسين وعلي بن الحسين
والحسن بن الحسن پ. اهـ منه.

سُورَةُ الشَّلة
٣٤٢
الآية : ١١
القرآن بخبر الآحاد جائزٌ على الصحيح، وبجوازه قال الأئمة الأربعة، ويدلُّ على
خصَّصوا به من غير نكير، فكان إجماعاً، ومنه قوله تعالى:
جوازه أنَّ الصحابةَ
﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ويدخل فيه نكاحُ المرأة على عمَّتها
وخالتها، فَخُصَّ بقوله بَّهِ: ((لا تنكحوا المرأة على عمَّتها ولا على خالتها))(١).
والشيعةُ أيضاً قد خصَّصوا عموماتٍ كثيرةً من القرآن بخبر الآحاد، فإنهم
لا يُورِّثون الزوجةَ من العقار، ويَخصُّون أكبرَ أبناء الميِّت من تَرِكَته بالسيف
والمصحف والخاتم واللباس بدون بدلٍ كما أشرنا إليه فما مرَّ (٢)، ويستندون في
ذلك إلى آحادٍ تفرَّدوا بروايتها، مع أنَّ عمومَ الآيات على خلاف ذلك.
والاحتجاجُ على عدم جواز التخصيص بخبر عمر ظ ◌ُه مجابٌ عنه بأنَّ عمرَ
إنما ردَّ خبر ابنة قيس لتردُّده في صِدْقها وكذِبها، ولذلك قال: بقولِ امرأةٍ لا ندري
أصدقت أم كذبت(٣). فعلَّل الرَّدَّ بالتردُّد في صِدْقها وكذِبها، لا بكونه خبرَ واحد.
وكونُ التخصيص يلزم منه تركُ القطعيِّ بالظَّنِّيِّ مردودٌ بأنَّ التخصيصَ وقع في
الدلالة، لأنه دفْعٌ للدلالة في بعض الموارد، فلم يلزم تَرْكُ القطعيِّ بالِّنِّيِّ، بل هو
تَرْكٌ للَّنِّيِّ بالظني، وما زعموه من دلالة الآيتين اللتين ذكروهما على كذب الخبر،
في غاية الوهن؛ لأنَّ الوراثة فيهما وراثةُ العلم والنبوة والكمالات النفسانية،
لا وراثةُ العروض والأموال، ومما يدلُّ على أنَّ الوراثة في الآية الأولى منهما كذلك
ما رواه الكُليني عن أبي عبد الله: أنَّ سليمانَ وَرِثَ داودَ، وأنَّ محمداً وَرِثَ
سليمان. فإنَّ وراثة المال بين نبينا وَّهِ وسليمان عليه السلام غير متصوَّرةٍ بوجه،
وأيضاً إنَّ داود عليه السلام - على ما ذكره أهل التاريخ - كان له تسعةً عَشَرَ ابناً،
(١) أخرجه أحمد (٧٤٦٣)، والبخاري (٥١١٠)، ومسلم (١٤٠٨) من حديث أبي هريرة
وأخرجه أحمد (١٤٦٣٣)، والبخاري (٥١٠٨) من حديث جابر لحظاته.
(٢) ص٣٢٦ من هذا الجزء.
(٣) أخرج هذه الرواية الطحاوي في شرح معاني الآثار ٦٧/٣ بلفظ :... لا ندري لعلها كذبت.
ولفظه عند مسلم (١٤٨٠): (٤٦) :... لا ندري لعلها حفظت أو نسيت. قال ابن القيم في
حاشيته على سنن أبي داود ١٩٤/٣: وما يرويه بعض الأصوليين: لا ندع كتاب ربنا وسنة
نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، غلط ليس في الحديث، وإنما الذي في
الحديث: حفظت أم نسيت.

الآية : ١١
٣٤٣
سُوَدَّةُ الْنِسَاءِ
وكلُّهم كانوا ورثةً بالمعنى الذي يزعمه الخَصْم، فلا معنى لتخصيص بعضِهم بالذكر
دون بعضٍ في وراثة المال؛ لاشتراكهم فيها من غير خصوصيةٍ لسليمان عليه السلام
بها، بخلاف وراثة العلم والنبوة.
وأيضاً توصيفُ سليمان عليه السلام بتلك الوراثة مما لا يُوجب كمالاً
ولا يستدعي امتيازاً؛ لأنَّ البَرَّ والفاجرَ يرثُ أباه، فأيُّ داع لذكر هذه الوراثة العامة
في بيان فضائل هذا النبيِّ ومناقبه عليه السلام.
ومما يدلُّ على أنَّ الوراثةَ في الآية الثانية كذلك أيضاً، أنه لو كان المرادُ
بالوراثة فيها وراثةَ المال، كان الكلامُ أشبه شيءٍ بالسَّفْسَطة؛ لأنَّ المراد بآل يعقوب
حينئذٍ: إن كان نفسَهُ الشريفةَ، يلزم أنَّ مالَ يعقوبَ عليه السلام كان باقياً غيرَ مقسومٍ
إلى عهد زكريا، وبينهما نحوٌ من ألفَي سنة، هو كما ترى. وإن كان المرادُ جميعٌ
أولاده، يلزمُ أن يكون يحيى وارثاً جميعَ بني إسرائيل أحياءً وأمواتاً، وهذا أفحشُ
من الأول. وإن كان المراد بعضَ الأولاد، أو أُريدَ من يعقوب غيرُ المتبادر، وهو
ابنُ إسحاق عليهما السلام يقال: أيُّ فائدةِ في وَصْفِ هذا الوليِّ عند طلبه من الله
تعالى بأنه يَرِثُ أباه ويَرِثُ بعضَ ذوي قرابته، والابن وارثُ الأب ومَن يَقرُبُ منه
في جميع الشرائع؟ مع أنَّ هذه الوراثةَ تُفهم من لفظ الوليِّ بلا تكلَّفٍ، وليس المقام
مقامَ تأكید.
وأيضاً ليس في الأنظار العالية، وهِمَم النفوس القدسية، التي انقطعت من
تعلُّقات هذا العالَم الفاني، واتَّصلت بحضائر القدس الحقَّانِيِّ، مَيْلٌ للمتاع
الدنيويِّ قَدْرَ جناح بعوضةٍ حتى يَسأل حضرةُ زكريا عليه السلام ولداً ينتهي إليه
مالُهُ ويَصِلُ إلى يده متاعُه، ويُظهِرَ لفوات ذلك الحزنَ والخوفَ، فإنَّ ذلك يقتضي
صريحاً كمالَ المحبَّة وتعلَّق القلب بالدنيا وما فيها، وذلك بعيدٌ عن ساحته العَليَّة
وهِمَّته القدسية.
وأيضاً لا معنى لخوف زكريا عليه السلام من صَرْف بني أعمامه مالَه بعد موته،
أمَّا إنْ كان الصَّرفُ في طاعةٍ فظاهر، وأمَّا إن كان في معصيةٍ فلأنَّ الرجلَ إذا مات
وانتقل المالُ إلى الوارث وصَرَفه في المعاصي، لا مُؤاخذةَ على الميت ولا عتاب،
على أنَّ دَفْعَ هذا الخوف كان مُتيسِّراً له بأن يصرفه ويتصدَّق به في سبيل الله تعالى

سُورَةُ النَّسَاءِ
٣٤٤
الآية : ١١
قبل وفاته، ويتركَ ورثته على أنقى من الراحة، واحتمالُ موت الفجأة وعدم التمكُّن
من ذلك لا ينتهض عند الشيعة؛ لأنَّ الأنبياءَ عندهم يعلمون وقتَ موتهم.
فما مُراد ذلك النبيِّ عليه السلام بالوراثة إلا وراثةُ الكمالات النفسانية والعلم
والنبوة المرشّحة لمنصب الحبورة، فإنه عليه السلام خشيَ من أشرار بني إسرائيل
أن يُحرِّفوا الأحكامَ الإلهية والشرائعَ الربّانية، ولا يحفظوا عِلْمَهُ ولا يعملوا به،
ويكون ذلك سبباً للفساد العظيم، فَطَلَبَ الولدَ ليُجري أحكامَ الله تعالى بعده،
ويُرُوِّجَ الشريعةَ، ويكونَ مَحَظّ رحال النبوة، وذلك موجِبٌ لتضاعيف الأجر واتصالٍ
الثواب، والرغبةُ في مثله من شأن ذوي النفوس القدسية والقلوب الطاهرة الزكية.
فإن قيل: الوراثةُ في وراثة العلم مجازٌ، وفي وراثة المال حقيقةٌ، وصَرْفُ
اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز بلا ضرورة، فما الضرورة هنا؟
أجيب: بأنَّ الضرورةَ هنا حِفْظُ كلام المعصوم من التكذيب، وأيضاً لا نُسلِّم
كونَ الوراثة حقيقةً في المال فقط، بل صار لغلبة الاستعمال في العرف مختصًا
بالمال، وفي أصل الوضع إطلاقه على وراثة العلم والمال والمنصب صحيح، وهذا
الإطلاق هو حقيقته اللغوية، سلَّمنا أنه مجازٌ ولكنَّ هذا المجاز متعارَفٌ ومشهورٌ
بحيث يساوي الحقيقةَ خصوصاً في استعمال القرآن المجيد، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿ُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِنَبَ﴾ [فاطر: ٣٢] و﴿أُوْرِثُواْ الْكِتَبَ﴾ [الشورى: ١٤] إلى غير ما آية.
ومن الشيعة مَن أورد هنا بحثاً، وهو أنَّ النبيَّ وَّهَ إذا لم يُورِّثْ أحداً، فَلِمَ
أعطيتْ أزواجُهُ الطاهراتُ حُجُراتهنَّ؟
والجواب: أنَّ ذلك مَغْلَطَةُ (١)؛ لأنَّ إفرازَ الحُجُرات للأزواج إنما كان لأجل
كونها مملوكةً لهنَّ لا من جهة الميراث، بل لأنَّ النبيَّ نَّهِ بنى كلَّ حجرةٍ لواحدةٍ
منهنَّ، فصارت الهبةُ مع القبض متحقِّقةً، وهي موجبةٌ للملك، وقد بنى النبيُّ وَّ
مِثْلَ ذلك لفاطمة ﴿َّا وأسامةَ، وسلَّمه إليهما؛ وكان كلُّ مَنْ بيده شيءٌ مما بناه له
رسول الله وٌَّ يتصرَّف فيه تَصرُّفَ المالك على عهده عليه الصلاة والسلام، ويدلُّ
طُوبُه لما حضرته
على ما ذُكر ما ثبتَ بإجماع أهل السنّة والشيعة: أنَّ الإمامَ الحسنَ .
(١) المغلطة: هي الكلام يُغْلَط فيه ويُغالَط به. القاموس (غلط).

الآية : ١١
٣٤٥
سُورَةُ السَّةِ
الوفاة استأذنَ من عائشةَ الصِّدِّيقة ◌ِؤُهَا، وسألها أن تُعطِيَهُ موضعاً للدَّفنِ جوارَ جدِّه
المصطفى وَ﴾(١). فإنه إن لم تكنِ الحجرة ملك أمِّ المؤمنين، لم يكن للاستئذان
والسؤال معنى، وفي القرآن نوعُ إشارةٍ إلى كون الأزواج المطهّرات مالكاتٍ لتلك
الحُجَرِ، حيث قال سبحانه: ﴿وَقَرْنَ فِ بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] فأضاف البيوت
إليهنَّ، ولم يقل: في بيوت الرسول.
ومن أهل السنَّة مَن أجاب عن أصل البحث، بأنَّ المال بعد وفاة النبيِّ وَِّ صار
في حكم الوقف على جميع المسلمين، فيجوز لخليفة الوقت أن يخصَّ مَنْ شاء
بما شاء، كما خَصَّ الصِّدِّيْقُ جنابَ الأمير ﴿ا بسيفٍ ودِرْعٍ وبَغْلةٍ شهباء تُسمَّى
الدُّلْدُل، مع(٢) أنَّ الأمير كرَّم الله تعالى وجهه لم يَرَثِ النبيَّ ◌َلُ﴾ بوجه، وقد صحّ
أيضاً أنَّ الصِّدِّيقَ أعطى الزبيرَ بينَ العَّام ومحمد بن مَسْلَمة بعضاً من متروكاته وَاتِ،
وإنما لم يُعطِ رَله فاطمةَ صلَّى الله تعالى على أبيها وعليها وسَلَّم فَدَكَاً مع أنها
طلبتها إرثاً(٣)، وانحرفَ مزاجُ رضاها ﴿ُّ بالمنع إجماعاً، وعَدَلَتْ عن ذلك إلى
دعوى الهبة، وأتت بعليٍّ والحسنين وأمِّ أيمنَ للشهادة، فلم تَقُمْ على ساقٍ بزعم
الشيعة. ولم تُمكَّن لمصلحةٍ دينيةٍ ودنيوية رآهما الخليفة إذ ذاك كما ذكره الأسلميُّ
في ((الترجمة العبقرية والصولة الحيدرية)) وأطال فيه.
وتحقيق الكلام في هذا المقام: أنَّ أبا بكر عظَبه خصَّ آيةَ المواريث بما سمعه
من رسول الله وَّه، وخبرُهُ عليه الصلاة والسلام في حقِّ مَنْ سَمِعَهُ منه بلا واسطةٍ
مفيدٌ للعلم اليقينيِّ بلا شبهة، والعملُ بسماعه واجبٌ عليه، سواءٌ سَمِعَهُ غيرُهُ أو لم
يسمع، وقد أجمع أهل الأصول من أهل السُّنة والشيعة على أنَّ تقسيم الخبر إلى
المتواتر وغيره بالنسبة إلى مَنْ لم يشاهدوا النبيَّ وَّرَ، وسمعوا خبرَهُ بواسطة الرواة،
لا في حقِّ مَنْ شاهَدَ النبيَّ ◌َّهِ وسمع منه بلا واسطةٍ، فخبرُ («نحن معاشر الأنبياء
لا نُورَث)) عند أبي بكر قطعيٌّ؛ لأنه في حقِّه كالمتواتر، بل أعلى كَعباً منه،
(١) ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب على هامش الإصابة ١١٢/٣.
(٢) قوله: مع، ساقط من (م).
(٣) الحديث أخرجه أحمد (٢٥)، والبخاري (٣٠٩٢) (٣٠٩٣)، ومسلم (١٧٥٩) من حديث
عائشة رؤيا. وفدك: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، أفاءها الله على رسوله وَي في
سنة سبع صلحاً، وفيها عين فوارة ونخيل كثيرة. معجم البلدان ٢٣٨/٤ .

سُورَةُ السَّكَاةِ
٣٤٦
الآية : ١١
والقطعيُّ يُخصِّصُ القطعيَّ اتفاقاً، ولا تَعارُضَ بين هذا الخبر والآيات التي فيها
نسبةُ الوراثة إلى الأنبياء عليهم السلام؛ لِمَا علمتَ.
ودعوى الزهراءِ ﴿ّ فَدَكاً بحسب الوراثة لا تدلُّ على كذِبِ الخبر، بل على
عدم سماعه، وهو غيرُ مُخِلِّ بقَدْرها ورِفْعةِ شأنها ومزيد عِلْمها، وكذا أَخْذُ الأزواج
المطهَّرات حُجُراتهنَّ لا يدلُّ على ذلك لما مرَّ وحَلَا.
وعدولُها إلى دعوى الهبة غيرُ متحقِّقٍ عندنا، بل المتحقِّقُ دعوى الإرث،
ولئن سلَّمنا أنه وَقَعَ منها دعوى الهبة، فلا نُسلِّم أنها أتتْ بأولئك الأطهار
شهوداً، وذلك لأنَّ المُجمَعَ عليه أنَّ الهبةَ لا تتمُّ إلا بالقبض، ولم تكن فَدٌَّ في
قبضة الزهراء ﴿ّا في وقتٍ، فلم تكن الحاجةُ ماسَّةً لطلب الشهود، ولئن سلَّمنا
أنَّ أولئك الأطهار شهدوا، فلا نُسلِّم أنَّ الصِّدِّيق ردَّ شهادتهم، بل لم يقضٍ
بها، وفَرْقٌ بين عدم القضاء هنا والردِّ، فإنَّ الثاني عبارةٌ عن عدم القبول لتهمة
كَذِبٍ مثلاً، والأولُ عبارةٌ عن عدم الإمضاء لفقد بعض الشروط المعتبر بعد
العدالة.
وانحرافُ مزاج رضا الزهراء كان من مقتضيات البشرية، وقد غضب موسى
عليه السلام على أخيه الأكبر هارون حتى أخذ بلحيته ورأسه، ولم ينقص ذلك من
قَدْريهما شيئاً، على أنَّ أبا بكرٍ استرضاها ﴿ّا مستشفعاً إليها بعليٍّ كرَّم الله تعالى
وجهه، فرضيتْ عنه، كما في ((مدارج النبوة)) وكتاب ((الوفاء)) و((شرح المشكاة))
للدهلويٌّ(١)، وغيرها .
وفي ((محاجِّ السالكين)) وغيره من كتب الإمامية المعتَبرة ما يؤيِّدُ هذا الفصل،
حيث رووا أنَّ أبا بكرٍ لمَّا رأى فاطمة ظنَّ انقبضتْ عنه وهجرته، ولم تتكلم بعد
ذلك في أمر فَدَك، كَبُرَ ذلك عنده فأراد استرضاءها، فأتاها فقال: صدقتٍ يا بنتَ
رسول الله ◌َّ فيما ادَّعيتٍ، ولكن رأيتُ رسول الله ◌َّه يقسمها فيُعطي الفقراء
(١) هو عبد الحق بن سيف الدين أبو محمد الدهلوي المحدث الحنفي، بلغت تصانيفه مئة
مجلد، منها: أشعة اللمعات في شرح المشكاة، ومدارج النبوة، وزبدة الآثار في أخبار
قطب الأخيار، توفي سنة (١٠٥٢هـ). أبجد العلوم ٢٢٨/٣، وهدية العارفين ٥٠٣/١،
وإيضاح المكنون ٢/ ٤٥٣ .

الآية : ١١
٣٤٧
سُورَةُ الْقِسَكَاءِ
والمساكين وابن السبيل، بعد أن يؤتي منها قُؤْتكم، فما أنتم صانعون بها؟ فقالت:
أَفعل فيها كما كان أبي ◌َّه يفعل فيها، فقال: لكِ الله تعالى أن أفعل فيها ما كان
يفعل أبوك، فقالت: والله لَتَفعلنَّ؟ فقال: والله لأَفعلنَّ ذلك. فقالت: اللهم اشهد.
ورضيتْ بذلك وأَخذتِ العهد عليه، فكان أبو بكرٍ يُعطيهم منها قُوتَهم، ويقسم
الباقي بين الفقراء والمساكين وابن السبيل.
وبقي الكلامُ في سبب عدم تمكينها ﴿ّا من التصرُّف فيها، وقد كان دَفْعَ
الالتباس وسَّّ باب الطلب المُنْجَرِّ إلى كَسْرِ كثيرٍ من القلوب، أو تضييقِ الأمر على
المسلمين، وقد ورد: المؤمن إذا ابتلى ببليَّتين، اختار أهونهما.
على أنَّ رضا الزهراء ◌ُّ بَعْدُ على الصِّدِّيقِ سدَّ بابَ الطَّعن عليه، أصاب في
المنع أم لم يُصِبْ، وسبحان الموفِّق للصواب، والعاصم أنبياءَه عن الخطأ في فَصْل
الخطاب.
﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءُ﴾ الضميرُ للأولاد مطلقاً، والخبر مفيدٌ بلا تأويل، ولزومُ تغليب
الإناث على الذكور لا يضرُّ؛ لأنَّ ذلك مما صرَّحوا بجوازه مراعاةً للخبر ومشاكلةً
له، ويجوز أن يعود إلى المولودات أو البنات التي في ضمن مطلق الأولاد،
والمعنى: فإن كانت المولوداتُ أو البنات نساءً خُلَّصاً ليس معهنَّ ذَكَر. وبهذا يفيد
الحملُ، وإلا لاتَّحد الاسمُ والخبر فلا يفيد، على أنَّ قوله تعالى: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾
إذا جُعل صفةً لـ ((نساء)) فهو محلُّ الفائدة، وأوجب ذلك أبو حيان(١) فلم يُجز
ما أجازه غيرُ واحدٍ من كونه خبراً ثانياً، ظنًّا منه عدمَ إفادة الحمل حينئذٍ، وهو من
بعض الظّنِّ كما علمتَ.
وجوَّز الزمخشري(٢) أن تكون ((كان)) تامةً، والضميرُ مُبْهَمٌ مُفسَّرٌ بالمنصوب
على أنه تمييز. ولم يرتضهِ النحاة؛ لأنَّ ((كان)) ليست من الأفعال التي يكون
فاعلُها مُضمَراً يفسِّره ما بعده؛ لاختصاصه بباب نِعْمَ والتنازع، كما قاله
الشهاب(٣).
(١) في البحر ٣/ ١٨٢.
(٢) في الكشاف ٥٠٦/١.
(٣) في حاشيته على تفسير البيضاوي ١١١/٣.

سُورَةُ النَّسَكَاةِ
٣٤٨
الآية : ١١
والمراد من الفوقية زيادةُ العدد لا الفوقيةُ الحقيقية، وفائدةُ ذِكْرٍ ذلك التصريحُ
بعدم اختصاص المراد بعددٍ دون عدد، أي: فإن كُنَّ نساءً زائداتٍ على اثنتين
بالغاتٍ ما بَلَغْنَ.
﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَةٌ﴾ أي: المتوفَّى منكم، وأُضمر لدلالة الكلام عليه، ومثله
شائعٌ سائغ .
﴿وَإِن كَانَتْ﴾ أي: المولودةُ المفهومةُ من الكلام ﴿وَحِدَةٌ﴾ أي: امرأةً واحدةً،
ليس معها أخٌ ولا أخت.
وقرأ نافعٌ وأهل المدينة: ((واحدةٌ)) بالرفع(١) على أنَّ ((كان)) تامةٌ، والمرفوعُ
فاعلٌ لها، ورُجِّحتْ قراءة النصب بأنها أوفقُ بما قبلُ.
وقال ابن تمجيد: القراءةُ بالرفع أولى وأنسبُ للنَّظْم؛ لتفكُّك النَّظْم في قراءة
النصب بحسب الظاهر، فإنه إن كان ضميرُ ((كان)) راجعاً إلى الأولاد، فَسَدَ المعنى
كما هو ظاهر، وإن كان راجعاً إلى المولودة كما قالوه، يلزم الإضمارُ قبل الذِّكر،
وكلا الأمرين مرتفعٌ على قراءة الرفع؛ إذ المعنى: وإن وُجدتْ بنتٌ واحدةٌ من تلك
الأولاد. والمحقِّقون لا ينكرون مِثْلَ هذا الإضمار كما علمتَ آنفاً .
﴿فَلَهَا النِّصْفُّ﴾ أي: مما تَرَكَ، وتُرِكَ اكتفاءً بالأول، و((النِّصف)) مُثَلَّثٌ كما في
((القاموس))(٢): أحد شقَّي الشيء، وقرأ زيد بن ثابت: ((النُّصف)) بضمِّ النون(٣)،
وهي لغةُ أهل الحجاز، وذُكر أنها أَقيسُ؛ لأنك تقول: الثُّلث والرُّبع والخُمس،
وهكذا، وكلُّها مضمومةُ الأوائل.
وأخذ ابن عباس ﴿ّ بظاهر الآية، فجعل الثُّلُثين لِما زاد على البنتين؛ كالثلاث
فأكثر، وجعل نصيبَ الاثنتين النِّصف؛ كنصيب الواحدة(٤).
(١) التيسير ص ٩٤، والنشر ٢٤٧/٢.
(٢) مادة (نصف).
(٣) الكشاف ٥٠٦/١، والمحرر الوجيز ١٦/٢ .
(٤) ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ٣٨٩/١٥-٣٩٠ وقال: وهذه الرواية منكرة عند أهل العلم
قاطبة، كلهم ينكرها، ويدفعها ما رواه ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله عتبة بن مسعود
عن ابن عباس أنه جعل للبنتين الثلثين.

الآية : ١١
٣٤٩
سُورَةُ النَّسَاءِ
وجمهورُ الصحابة والأئمةُ والإماميةُ على خلافه، حيث حكموا بأنَّ للاثنتين
وما فوقَهما الثُّلُثين، وأنَّ النّصفَ إنما هو للواحدة فقط، ووَجْهُ ذلك - على ما قاله
القطب - أنه لمَّا تبيَّن أنَّ للذَّكَر مع الأنثى ثُلُثين - إذ للذكر مثلُ حَظّ الأنثيين - فلابدَّ
أن يكون للبنتين الثُّلُثان في صورة، وإلا لم يكن للذَّكر مثلُ حَظّ الأُنثيين؛ لأنَّ
الثُّلثين ليس بحَظّ لهما أصلاً، لكن تلك الصورة ليست صورةَ الاجتماع، إذ ما من
صورةٍ يجتمع فيها الاثنتان مع الذَّكَر ويكون لهما الثُلثان، فتعيَّن أن تكونَ صورة
الانفراد.
وإلى هذا أشار السيد السند في ((شرح السراجية)) وأورد أنَّ الاستدلال دوريٌّ؛
لأنَّ معرفةَ أنَّ للذَّكَر الثلثين في الصورة المذكورة موقوفةٌ على معرفة حَظّ الأُنثيين؛
لأنه ما عُلم من الآية إلا أنَّ للذَّكَر مثلُ حَظّ الأُنثيين، فلو كانت معرفةُ حَظّ الأُنثيين
مستخرجةً من حَظّ الذَّكَر لَزِمَ الدَّور.
وأُجيب بأنَّ المستخرَجَ هو الحَظُ المعيَّن للأُنثيين، وهو الثُّلْثَان، والذي يتوقَّفُ
عليه معرفةُ حَظٌّ الذَّكَر هو معرفةُ حَظّ الأُنثبين مطلقاً، فلا دَوْر.
ولمَا في هذا الوجه من التكلُّف عَدَلَ عنه بعضُ المحقّقين، وذكر أنَّ حُكْمَ
البنتين مفهومٌ من النَّصِّ بطريق الدلالة أو الإشارة، وذلك لِمَا رواه أحمد والترمذيُّ
وأبو داود وابن ماجه عن جابرٍ رَظُه قال: جاءت امرأةُ سعد بن الربيع إلى
رسول الله ﴿ فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعدٍ قُتل أبوهما يومَ أحد، وإنَّ
عمَّهما أخذ مالهما ولم يدعْ لهما مالاً، ولا يُنكَحان إلا ولَهما مال؟ فقال ◌َّه:
(يقضي الله تعالى في ذلك)) فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله وصله إلى
عمِّهما فقال: ((أَعطِ لابنتي سعدٍ الثلثين، وأَعطِ أمهما الثُّمن، وما بقي فهو لك))(١).
فدلَّ ذلك على أنَّ انفهام الحكم من النصِّ بأحد الطريقين؛ لأنه حُكِمَ به بعد
نزول الآية، ووَجْهُه أنَّ البنتين لمَّا استحقَّتا مع الذَّكَر النصفَ، عُلم أنهما إذا انفردا
عنه استحقَّتا أكثرَ من ذلك؛ لأنَّ الواحدةَ إذا انفردتْ أخذتِ النصفَ بعد ما كانت
(١) مسند أحمد (١٤٧٩٨)، وسنن الترمذي (٢٠٩٢)، وسنن أبي داود (٢٨٩٢)، وسنن ابن
ماجه (٢٧٢٠).

سُورَةُ القَسَحَّةِ
٣٥٠
الآية : ١١
معه تأخذ الثلث، ولا بدَّ أن يكون نصيبهما كما يأخذه الذَّكَرُ في الجملة، وهو
الثلثان؛ لأنه يأخذه مع البنت(١)، فيكون قوله سبحانه: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءُ﴾ إلخ بياناً
لحظٌّ الواحدة وما فوق الثنتين بعدَ ما بَيَّن حظّهما، ولذا فرَّعه عليه؛ إذ لو لم يكن
فيما قبله ما يدلُّ على سهم الإناث، لم تقع الفاء موقعَها، وهذا مما لا غبار عليه.
وقيل: إنَّ حُكْمَ البنتين ثبتَ بالقياسِ على البنت مع أخيها، أو على الأختين:
أما الأول: فلأنها لمَّا استحقَّت البنتُ الثُّلثَ مع الأخ، فمع البنت بالطريق
الأولى.
وأما الثاني: فلأنه ذَكَرَ حُكْمَ الواحدة والثلاث فما فوقها من البنات، ولم يذكر
حُكم البنتين، وذكر في ميراث الأخوات حُكْمَ الأخت الواحدة والأختين، ولم
يذكر حُكْمَ الأخوات الكثيرة، فيُعلم حُكْمُ البنتين من ميراث الأخوات، وحُكْمُ
الأخوات من ميراث البنات؛ لأنه لمَّا كان نصيبُ الأختين الثلثين، كانت البنتان
أولى بهما، ولما كان نصيب البنات الكثيرة لا يزيد على الثلثين، فبالأولى أن
لا يزداد نصيبُ الأخوات على ذلك. وقد ذهب إلى هذا غيرُ واحدٍ من المتأخِّرين،
وجعله العلّامة ناصر الدين(٢) مؤيِّداً ولم يجعله دليلاً، للاستغناء عنه بما تقدَّم،
ولأنه قيل: إنَّ القياس لا يجري في الفرائض والمقادير.
ونظر بعضُهم في الأول بأنَّ البنتَ الواحدةَ لم تستحقَّ الثلث مع الأخ، بل
تستحقُّ نصفَ حَظُّه، وكونُه ثُلثاً على سبيل الاتفاق. ولا يخفى ضعفه.
وقيل: يمكن أن يقال: أُلحقَ البنتان بالجماعة؛ لأنَّ وَصْفَ النساء بـ ((فوق
اثنتين)) للتنبيه على عدم التفاوت بين عددٍ وعدد، والبنتان تشارك الجماعةَ في
التعدُّد، وقد عُلم عدمُ تأثير القِلَّة والكثرة، فالظاهر إلحاقهما بالجماعة بجامع
التعدُّد، وعدم اعتبار القِلَّة والكَثْرة دون الواحدة لعدم الجامع بينهما .
وقيل: إنَّ معنى الآية: فإنْ كنَّ نساءً اثنتين فما فوقهما. إلا أنه قدَّم ذِكْرَ الفَوْق
على الاثنتين، كما روي عن رسول الله وَ لهم أنه قال: ((لا تسافر المرأة سفراً فوق
(١) في هامش الأصل و(م): وليس هذا بطريق القياس بل بطريق الدلالة أو الإشارة. أهـ منه.
(٢) هو البيضاوي في تفسيره ٢/ ٧١.

الآية : ١١
٣٥١
سورة النساءِ
ثلاثة أيام، إلا ومعها زوجها أو ذو محرم لها)) (١) فإنَّ معناه: لا تسافر سَفَراً ثلاثةً
أيام فما فوقها، وإلى ذلك ذهب مَن قال: إنَّ أقلَّ الجمع اثنان.
واعتُرض على ابن عباس ﴿ًا بأنه لو استفيد من قوله سبحانه: ﴿فَوْقَ اُثْنَتَيْنِ﴾
أنَّ حالَ الاثنتين ليس حال الجماعة، بناءً على مفهوم الصفة، فهو معارَضٌ بأنه
يُستفاد من ((واحدة)) أنَّ حالهما ليسَ حال الواحدة لمفهوم العدد، وقد قيل به.
وأجيب بالفَرْق بينهما، فإنَّ النساءَ ظاهرٌ فيما فوقَهما، فلمَّا أُكِّد به صارَ مُحكماً
في التخصیص، بخلاف ((وإن كانت واحدة)).
وأُورد عليه بأنَّ هذا إنما يتمُّ على تقدير كون الّرْف صفةٌ مؤكِّدةً، لا خبراً بعد
خبر.
وأُجيب بأنَّ قوله سبحانه: ﴿نِسَآءُ﴾ ظاهرٌ في كونها ((فوقَ اثنتين)) فعدم الاكتفاء
به، والإتيانُ بخبرٍ بعده، يدلُّ دلالةً صريحةً على أنَّ الحُكْم مقيَّدٌ به لا يتجاوزه.
وأيضاً مما يَنصُرُ الحَبْرَ أنَّ الدليلين لمَّا تعارَضا، دارَ أمْرُ البنتين بين الثلثين
والنصف، والمتيقّن هو النصف، والزائدُ مشكوٌ غيرُ ثابت، فتعيَّن المصیرُ إليه.
ولا يخفى أنَّ الحديث الصحيح الذي سلف(٢) يهدمُ أَمْرَ التمسُّك بمثل هذه
العُرَى، ولعله لم يبلغه رظُه ذلك - كما قيل - فقال ما قال.
وفي ((شرح الينبوع)) نقلاً عن الشريف شمس الدين الأرموي(٣) أنه قال في
(شرح فرائض الوسيط)): صحَّ رجوعُ ابن عباس ◌َّته عن ذلك(٤)، فصار إجماعاً.
(١) أخرجه أحمد (١١٤١٧)، والبخاري (١١٩٧)، ومسلم (١٣٣٨): (٤١٨) من حديث
أبي سعيد الخدري ظه. ولفظ البخاري ((لا تسافر المرأة يومين إلا معها زوجها ... )).
(٢) وهو حديث امرأة سعد بن الربيع.
(٣) في الأصل و(م): الأرموني، والمثبت هو الصواب، وهو محمد بن الحسين بن محمد،
أبو عبد الله العلوي الحسني الأرموي المصري المعروف بقاضي العسكر، شرح المحصول
وفرائض الوسيط، وولي نقابة الأشراف وقضاء العسكر، توفي سنة (٥٦٠هـ). الوافي
بالوفيات ٣/ ١٧ .
(٤) ذكر الرواية عنه بذلك ابن عبد البر في الاستذكار ٣٩٠/١٥، وينظر ما سلف ص٣٤٨ من
هذا الجزء.

سُورَةُ الشَّةِ
٣٥٢
الآية : ١١
وعليه فيحتمل أنه بَلَغَهُ الحديث، أو أنه أمعنَ النظرَ في الآية، فَفَهِمَ منها ما عليه
الجمهور، فرجع إلى وفاقهم.
وحكايةُ النَّظَّام عنه رَظَبه في كتاب ((النكت)) أنه قال: للبنتين نصفٌ وقيراط؛
لأنَّ للواحدة النصف، ولِمَا فوق الاثنتين الثلثين، فينبغي أن يكون للبنتين ما بينهما،
مما لا تكاد تصحّ، فافهم.
﴿وَلِأَبَوَيّهِ﴾ أي: الميت ذكراً كان أو أنثى. غَيَّر النَّظم الكريم لعدم
اختصاص حُكمه بما قبله من الصُّور، بل هو في الحقيقة شروعٌ في إرث
الأصول بعد ذِكْر إرث الفروع، والمراد من الأبوين الأب والأم تغليباً لِلَفْظِ
الأب، ولا يجوز أن يقال في ابنٍ وبنتٍ ابنان، للإيهام، فإن لم يُوهم جاز ذلك
كما قاله الزجَّاج(١).
﴿لِكُلِّ وَحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ بدلٌ من ((لأبويه)) بتكرير العامل، وُسِّطَ بين المبتدأ، وهو
قوله تعالى: ﴿السُّدُسُ﴾، والخبر وهو ((لأبويه))، وزعم ابنُ المنير أنَّ في إعرابه بدلاً
نظراً، وذلك أنه يكون على هذا التقدير من بَدَلِ الشيء من الشيء وهما لِعَينٍ
واحدة، ويكون أصل الكلام: والسُّدس لأبويه لكلِّ واحدٍ منهما. ومقتضى
الاقتصار على المبدَل منه التشريكُ بينهما في السدس كما قال سبحانه: ﴿فَإِن كُنَّ
نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ تُلُثَا مَا تَرَكٌ﴾ فاقتضى اشتراكهنَّ فيه، ومقتضى البدل - لو قُدِّر
إهدارُ الأول - إفرادُ كلِّ واحدٍ منهما بالسُّدس وعدمُ التشريك، وهذا يناقض حقيقةً
هذا النوع من البدل؛ إذ يلزم فيه أن يكون مؤدَّى المبدَلِ منه والبدلِ واحداً،
وإنما فائدتُه التأكيدُ بمجموع الاسمين لا غير، بلا زيادةٍ معنًى، فإذا تحقَّق
ما بينهما من التباين تعذّرتِ البدليةُ المذكورةُ، وليس من بدل التقسيم أيضاً على هذا
الاعراب، وإلا لزم زيادةٌ معنّى في البدل، فالوجهُ أن يقدَّر مبتدأٌ محذوفٌ، كأنه
قيل: ولأبويه الثلثُ. ثم لمَّا ذَكَر نصيبهما مجملاً، فصَّله بقوله: ﴿لِكُلِّ وَجِدٍ مِنْهُمَا
السُّدُسُ﴾ وساغ حذفُ المبتدأ لدلالة التفصيل عليه ضرورةً؛ إذ يلزمُ من استحقاق
كلِّ واحدٍ منهما السدس استحقاقُهما معاً للثلث(٢).
(١) في معاني القرآن ٢٣/٢.
(٢) الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ١/ ٥٠٧.

الآية : ١١
٣٥٣
سُورَةُ السَّةِ
وردَّه أبو حيان(١) بأنَّ هذا بدلُ بعضٍ من كلّ، ولذلك أتى بالضمير، ولا يُتُوهَّمُ
أنه بدلُ شيءٍ من شيء وهما لِعَينٍ واحدة؛ لجواز: أَبواك يصنعان كذا، وامتناع:
أبواك كلُّ واحدٍ منهما يصنعان كذا، بل تقول: يصنعُ كذا. إلَّا أنه اغْتَرَضَ على
جَعْلِ ((لأبويه)) خبرَ المبتدأ بأنَّ البدل هو الذي يكونُ خبر المبتدأ في أمثال ذلك،
دون المبدل منه كما في المثال.
وتعقّبه الحلبيُّ(٢) بأنَّ في هذه المناقشة نظراً؛ لأنه إذا قيل لك: ما محلٌّ
(لأبويه)) من الإعراب؟ تضطر إلى أن تقول: إنه في محلِّ رَفْع على أنه خبرٌ مقدّم،
ولكنه نقل نسبة الخبرية إلى ((لكلِّ(٣) واحد منهما)) دون ((لأبويه)).
واختير هذا التركيبُ دون أن يقال: ولكلٍّ واحد من أبويه السدس؛ لِمَا في الأول
من الإجمال والتفصيل الذي هو أوقع في الذهن دون الثاني. ودون أن يقال: لأبويه
السُّدُسان؛ للتنصيص على تساوي الأبوين في الأول، وعدم التنصيص على ذلك في
الثاني لاحتماله التفاضل، وكونُه خلافَ الظاهر لا يضرُّ لأنه يَكفي نكتة للعدول.
وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة: ((السُّدْس)) بالتخفيف، وكذلك: ((الثُّلْث))
و (الرُّبْع)) و((الثُّمْن)) (٤).
﴿مِنَّا تَرَكَ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من الضمير المستكنِّ في الظرف الراجع
إلى المبتدأ، والعاملُ الاستقرار، أي: كائناً مما ترك المتوفَّى.
﴿إِن كَانَ لَهُ, وَلَدٌ﴾ ذكراً كان أو أنثى، واحداً كان أو أكثر، وولدُ الابن كذلك،
ثم إن كان الولدُ ذكراً كان الباقي له، وإن كانوا ذكوراً فالباقي لهم بالسَّويَّة، وإن
كانوا ذكوراً وإناثاً فللذَّكَر مثلُ حَظّ الأنثيين، وإن كانت بنتاً فلها النصف ولأحد
الأبوين السدس، أوْ لهما السُّدُسان والباقي يعود للأب إن كان، لكن بطريق
العصوبة. وتعدُّدُ الجهات مُنزَّلٌ منزلةَ تعدُّد الذوات، وإن كان هناك أُمّ وبنتٌ فقط،
فالباقي بعد فَرْض الأم والبنت يُردُّ عليهما .
(١) في البحر ١٨٣/٣.
(٢) في الدر المصون ٣/ ٦٠٠ .
(٣) في (م): كل. والمثبت من الأصل والدر المصون.
(٤) القراءات الشاذة ص ٢٥، والكشاف ١/ ٥٠٧.

سُورَةُ السَّةِ
٣٥٤
الآية : ١١
وزعمت الإمامية في صورة أبوين أو أبٍ أو أمُّ وبنت، أنَّ الباقي بعد أخذ كلِّ
فرضَه يُردُّ على البنت وعلى أحد الأبوين أو عليهما بقَدْر سهامهم.
﴿فَإِنِ لَّمْ يَكُنُ لَّهُ, وَلَدٌ﴾ ولا ولدُ ابنِ ﴿وَوَرِئَهُ: أَبَوَاهُ﴾ فقط، وهو مأخوذٌ من
التخصيص الذِّكْري كما تدلُّ عليه الفحوى ﴿فَلِأُمِّهِ اُلُّلُثُ﴾ مما ترك، والباقي للأب،
وإنما لم يُذكَّر لعدم الحاجة إليه؛ لأنه لمَّا فَرَضَ انحصارَ الوارث في أبويه، وعيّن
نصيبَ الأُمّ، عُلِمَ أنَّ الباقي للأب، وهو مما أجمع عليه المسلمون.
وقيل: إنما لم يُذكر لأنَّ المقصودَ تغييرُ السهم، وفي هذه الصورة لم يتغيَّر
إلا سهمُ الأمِّ، وسهمُ الأب بحاله، وإنما يأخذ الباقي بعد سَهْمه وسَهْمِ الأم
بالعُصوبة، فليس المقام مقامَ حِصَّة الأب. وفيه تأمُّلٌ؛ لأنَّ الظاهر أنَّ أخْذَ الأبِ
الباقِيَ بعد فَرْضِ الأُمِّ بطريق العصوبة، وبه صرَّح الفَرَضُّون، وتخصيصُ جانب الأم
بالذِّكْر، وإحالةُ جانب الأب على دلالة الحال مع حصول البيان بالعكس أيضاً
لذلك، ولِمَا أنَّ حَّها أَخْصَرُ، واستحقاقه أتمُّ وأوفر.
هذا إذا لم يكن معهما أحدُ الزوجين، أما إذا كان معهما ذلك - وتسمَّى
المسألتان بالغرَّاوين وبالغريبتين وبالعُمَرِيَّتَينِ - فللأمِّ ثُلثُ ما بقي بعد فَرْض
أحدهما عند جمهور الصحابة والفقهاء، لا ثلث الكلِّ، خلافاً لابن عباس .
)’
مستدلا بأنه تعالى جعل لها أولاً سُدُسَ الشّركة مع الولد بقوله سبحانه: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ
لِكُلِّ وَحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مَِّّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ, وَلَدٌ﴾ ثم ذَكَرَ أنَّ لها مع عَدَمه الثُّلثَ بقوله
عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ، وَلَدٌ وَوَرِتَهُ، أَبَوَهُ فَلِأُقِهِ الثُّلُثُ﴾ فيُفهم منه أنَّ المرادَ ثلثُ
أَصْل التَّرِكة أيضاً.
ويؤيِّده أنَّ السِّهام المقدَّرة كلها بالنسبة إلى أَصْلها بعد الوصية والدَّين، وإلى
ذلك ذهبت الإمامية.
وكان أبو بكرٍ الأصمُّ يقول بأنَّ لها مع الزوج ثُلثَ ما يبقى من فَرْضه، ومع
الزوجة ثلثَ الأصل، ونُسب إلى ابن سيرين؛ لأنه لو جُعل لها مع الزوج ثلثُ
(١) أخرجه عنه الدارمي (٢٨٧٦) بلفظ: للزوج النصف، وللأم ثلث جميع المال، وما بقي
فللأب. وينظر التهذيب في الفرائض للكلوذاني ص ١٩٨ .

الآية : ١١
٣٥٥
سورة النساءِ
جميع المال لَزمَ زيادةُ نصيبها على نصيب الأب؛ لأنَّ المسألةَ حينئذٍ من ستّة؛
الاجتماع النِّصف والثُّلث، فللزَّوج ثلاثةٌ وللأمِّ اثنان على ذلك التقدير، فيبقى للأب
واحد، وفي ذلك تفضيلُ الأنثى على الذكر، وإذا جُعل لها ثلثُ ما بقي من فَرْض
الزوج، كان لها واحدٌ وللأب اثنان، ولو جُعل لها مع الزوجة ثلثُ الأصل لم يلزم
ذلك التفضيل؛ لأنَّ المسألةَ من اثني عشر، لاجتماع الثلث والربع، فإذا أَخذتِ
الأمُّ أربعةً بقي للأب خمسة، فلا تفضيل لها عليه.
ورُجِّحَ مذهبُ الجمهور على مذهب ابن عباس ﴿ها بخلوِّه عن الإفضاء إلى
تفضيل الأنثى على الذكر المساوي لها في الجهة والقُرْب، بل الأقوى منها في
الإرثِ بدليلٍ إضعافه عليها عند انفرادهما عن أحد الزوجين، وكونِهِ صاحبَ فرضٍ
وعَصَبة، وذلك خلافُ وَضْعِ الشرع، وهذا الإفضاء ظاهرٌ في المسألة الأولى،
وبذلك علَّل زيدُ بن ثابت حُكَمَهُ فيها مخالفاً لابن عباس، فقد أَخرج عبد الرزاق
والبيهقيُّ عن عكرمة قال: أرسلني ابنُ عبَّاسٍ إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوجٍ
وأبوين، فقال زيد: للزوج النصف، وللأم ثُلث ما بقي، وللأب بقية المال، فأرسلً
إليه ابن عباس: أفي كتاب الله تعالى تجد هذا؟ قال: لا، ولكن أَكرهُ أن أُفضّل أُمَّا
على أب(١).
ولا يخفى أنَّ هذا لا ينتهضُ مُرجِّحاً لمذهب الجمهور على مذهب الأصم،
ومن هنا قال السيِّد السَّنَد وغيره في نُصْرة مذهبهم عادلين عن المسلك الذي
سلكناه: إنَّ معنى قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُنُ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَّهُ: أَبَوَاهُ فَلِأُمِهِ الثُّلُثُ﴾ هو أنَّ
لها ثلثَ ما وَرثاه، سواءٌ كان جميعَ المال أو بعضَه، وذلك لأنه لو أُريد ثلثُ
الأصل لكفى في البيان: فإن لم يكن له ولدٌ فلأمه الثلث، كما قال تعالى في حقِّ
البنات: ﴿وَإِن كَانَتْ وَحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ بعد قوله سبحانه: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءٍ فَوْقَ
أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ﴾ فيلزم أن يكون قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ، أَبَوَهُ﴾ خالياً عن
الفائدة .
فإن قيل: نحملهُ على أنَّ الوراثة لهما فقط.
(١) مصنف عبد الرزاق (١٩٠٢٠)، وسنن البيهقي الكبرى ٢٢٨/٦.

سُورَةُ الشَحَّةِ
٣٥٦
الآية : ١١
قلنا: ليس في العبارة دلالةٌ على حَصْر الإرث فيهما، وإن سَلِمَ فلا دلالة في
الآية حينئذٍ على صورة النزاع، لا نفياً ولا إثباتاً، فيُرجَعُ فيهما إلى أنَّ الأبوين في
الأصول كالابن والبنت في الفروع؛ لأنَّ السبب في وراثة الذكر والأنثى واحدٌ،
وكلٌّ منهما يتّصلُ بالميت بلا واسطة، فيُجعل ما بقي من فرضِ أحدِ الزوجين
بينهما أثلاثاً، كما في حقِّ الابن والبنت، وكما في حقِّ الأبوين إذا انفردا بالإرث،
فلا يزيدُ نصيبُ الأمّ على نصف نصيب الأب، كما يقتضيه القياس، فلا مجال
لما ذهب إليه الأصمُّ أيضاً على هذا، وليته سمع ذلك. فليفُهم.
وقد اختلفوا أيضاً في حَظّ الأُمِّ فيما إذا كان مكانَ الأب جدٌّ، وباقي المسألة
على حالها. فمذهب ابن عباس وإحدى الروايتين عن الصِّدِّيق، ورَوَى ذلك أهلُ
الكوفة عن ابن مسعود في صورة الزوج وحده: أنَّ للأمِّ ثُلثَ جميع المال.
وقولُ أبي يوسف، وهو الروايةُ الأخرى عن الصِّدِّيق ◌َُّه: أنَّ لها ثلثَ الباقي
كما مع الأب، فعلى هذه الرواية جُعل الجدُّ كالأب، فيُعصِّب الأمَّ كما يُعصِّبها الأب.
والوجهُ على الرواية الأولى - على ما ذكره الفَرَضيون - هو أنه ترك ظاهر قوله
تعالى: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ في حقِّ الأب، وأوِّل بما مرَّ لئلا يلزمَ تفضيلُها عليه مع
تساويهما في القُرْب في الرتبة، وأيِّد التأويلُ بقول أكثر الصحابة. وأما في حقِّ
الجدِّ فأُجري على ظاهره لعدم التساوي في القرب، وقوةٍ الاختلاف فيما بين
الصحابة، ولا استحالة في تفضيل الأنثى على الذكر مع التفاوت في الدرجة،
كما إذا ترك امرأةً وأختاً لأم وأَبٍ وأخاً لأب (١)، فإنَّ للمرأة الربع، وللأخت
النصف وللأخ لأب الباقي، فَقد فُضِّلت هاهنا الأنثى لزيادة قُرْبها على الذكر.
وأيضاً للأُمِّ حقيقةُ الولاد كما للأب فيُعصِّبها، والجدُّ له حكم الولاد لا حقيقته
فلا يعصِّبها؛ إذ لا تعصيبَ مع الاختلاف في السبب، بل مع الاتفاق فيه.
﴿فَإِن كَانَ لَهُو إِخْوَةٌ فَلِأُمِِّ اُلتُّدُسُ﴾ الجمهور على أنَّ المرادَ بالإخوة عددٌ ممن له
أخوةٌ من غير اعتبارِ التثليث، سواءٌ كانوا من الإخوة أو الأخوات، وسواء كانوا من
جهة الأبوين، أو من جهة أحدهما .
(١) في (م): للأب.

الآية : ١١
٣٥٧
سُورَةُ الْنِسَاءِ
وخالف ابن عباس في ذلك، فإنه جعل الثلاثة من الأخوة والأخوات حاجبةً
للأم دون الاثنين، فلها معهما الثلثُ عنده بناءً على أنَّ الإخوة صيغةُ الجمع،
فلا يتناول المثنَّى، وبهذا حاجَّ عثمانَ ابنُ عباسٍ ﴾(١)، فقد أخرج ابن جرير
والحاكم والبيهقيُّ في ((سننه)) عن ابن عباسٍ أنه دخل على عثمان فقال: إنَّ الأخوين
لا يَردَّان الأمَّ عن الثلث، وتلا الآية، ثم قال: والأَخَوَان ليسا بلسان قومِك إخوةً،
فقال عثمان: لا أستطيع أن أَرُدَّ ما كان قبلي، ومضى في الأمصار وتَوارَثَ به
(٢)
الناس
.
وقال الجمهور: إنَّ حُكْمَ الاثنين في باب الميراث حُكمُ الجماعة، ألا يُرى أنَّ
البنتين كالبنات والأختين كالأخوات في استحقاق الثلثين، فكذا في الحَجْب.
وأيضاً معنى الجمع المطلق مشتركٌ بين الاثنين وما فوقهما، وهذا المقام يناسب
الدلالة على الجمع المطلق، فدلَّ بلفظ الإخوة عليه. بل قال جَمْعٌ: إنَّ صيغةً
الجمع حقيقةٌ في الاثنين كما فيما فوقهما في كلام العرب، فقد أخرج الحاكمُ
والبيهقيُّ في ((سننه)) عن زيد بن ثابت أنه كان يَحجُبُ الأمَّ بالأخوين، فقالوا له:
يا أبا سعيد، إنَّ الله تعالى يقول: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ: إِخْوَةٌ﴾ وأنت تحجُبها بأخوين،
فقال: إنَّ العرب تُسمِّ الأخَوَين إخوة(٣).
وهذا يُعارض الخبرَ السابقَ عن ابن عباس، فإنه صريحٌ في أنَّ صيغةَ الجمع
لا تقال على اثنين في لغة العرب، وعثمانُ رَّهِ سَلَّم ذلك، إلا أنه احتجَّ بأنَّ
إطلاقَ الإخوة على الأعمِّ كان إجماعاً.
ومن هنا اختلف الناس في مدلول صيغة الجمع حقيقة، وصرَّح بعضُ
الأصوليين أنها في الاثنين في المواريث والوصايا ملحقةٌ بالحقيقة، والنحاةُ على
خلاف ذلك.
وخالف ابن عباس أيضاً في توريث الأم السدسَ مع الإناث الخُلَّص؛ لأنَّ
(١) قوله: ابن عباس. زيادة من (م).
(٢) تفسير الطبري ٤٦٥/٦، والمستدرك ٣٣٥/٤، وسنن البيهقي الكبرى ٢٢٧/٦.
(٣) المستدرك ٣٣٥/٤، وسنن البيهقي ٢٢٧/٦.

سُورَةُ المشكلة
٣٥٨
الآية : ١١
الإخوة جمعُ أخ فلا يشملُ الأخت إلا بطريق التغليب، والخُلَّصُ لا ذكورَ معهم
فيُغَلِّبون. وهو كَلامٌ متينٌ، إلا أنَّ العمل على خلافه(١) اعتباراً لوصف الإخوة في
الآية؛ للإجماع على ذلك قبل ظهور خلاف ابن عباس، وخَرْقُ الإجماع إنما يَحرُمُ
على مَن لم يكن موجوداً عنده.
وذهب الزيدية والإمامية إلى أنَّ الإخوة لأمّ لا يحجبونها؛ بخلاف غيرهم، فإنَّ
الحَجْبَ هاهنا بمعنّى معقولٍ كما يشير إليه كلامُ قتادة (٢)، وهو أنه إن كان هناك
إخوةٌ لأبٍ وأمّ، أو لأبٍ، فقد كَثُرَ عيالُ الأب، فيحتاج إلى زيادة مالٍ للإنفاق،
وهذا المعنى لا يُوجَدُ فيما إذا كان الإخوة لأمّ؛ إذ ليس نفقتُهم على الأب.
والجمهور ذهبوا إلى عدم الفرق؛ لأنَّ الاسمَ حقيقةٌ في الأصناف الثلاثة، وهذا
حكمٌ غيرُ معقولِ المعنى ثبتَ بالنص، ألا يُرى أنهم يَحجبون الأمَّ بعد موت الأب،
ولا نفقةً عليه بعد موته، ويَحجبونها كباراً أيضاً، وليس عليه نفقتهم.
ثم الشائعُ المعلومُ من خارجٍ - أو من الآية في رأي - أنَّ الإخوة يَحجُبون الأمَّ
حَجْبَ نقصان، وإن كانوا محجوبين بالأب حَجْبَ حرمان، ويعود السُّدُس الذي
حجبوها عنه للأب، وهو مذهب جمهور الصحابة أيضاً، ويُروى عن ابن عباسٍ أنه
للإخوة (٣)؛ لأنهم إنما حجبوها عنه ليأخذوه، فإنَّ غيرَ الوارث لا يحجب، كما إذا
كانت الإخوة كفَّاراً أو أَرقَّاء، وقد يُستدلُّ عليه بما رواه [ابن] طاوس مرسلاً أنه
عليه الصلاة والسلام أعطى الإخوة السُّدُس مع الأبوين(٤).
وللجمهور - كما قال الشريف - أنَّ صَدْرَ الكلام يدلُّ على أنَّ لأُمِّه الثلث،
والباقي للأب، فكذا الحالُ في آخره، كأنه قيل: فإن كان له إخوةٌ ووَرِثَه أبواه فلُمِّه
السدس ولأبيه الباقي.
ثم إنَّ شَرْطَ الحاجب أن يكون وارثاً في حقِّ مَن يَحجُبه، والأخُ المسلمُ وارثٌ
في حقِّ الأُمّ، بخلاف الرقيق والكافر، فالإخوة يحجبونها، وهم يُحجَبون بالأب،
(١) في (م): اختلافه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٩٠٢٨).
(٣) سيأتي تخريجه والكلام عليه.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٩٠٢٧)، والبيهقي ٢٢٧/٦، وما بين حاصرتين منهما .

الآية : ١١
٣٥٩
سُورَةُ السَكلمة
ألا يُرى أنهم لا يَرثون مع الأب شيئاً عند عدم الأم لأنهم كلالةٌ، فلا ميراثَ لهم
مع الوالد، وليس حالُ الإخوة مع الأمّ بأقوى من حالهم مع عدمها، وقد روي عن
[ابن] طاوس أنه قال: لقيتُ ابنَ رجلٍ من الأخوةِ الذين أعطاهم رسول الله وَلقه
السدس مع الأبوین، وسألته عن ذلك فقال: کان ذلك وصية(١). وحينئذٍ صار
الحديث دليلاً للجمهور؛ إذ لا وصية لوارث، والظاهر أنه لا صحّة لهذه الرواية عن
ابن عباس؛ لأنه يوافق الصِّدِّيق ◌َظُبه في حَجْبِ الجدِّ للإخوة، فكيف يقول بإرثهم
مع الأب؟ كذا في شرح الإمام السرخسي (٢)، وفي ((الدر المنثور))(٣) أنَّ ابنَ جرير
وعبد الرزاق والبيهقي رووها عنه (٤).
وقرأ حمزة والكسائي: ((فلإِمِّه)) بكسر الهمزة إتباعاً لكسرة اللام(٥)، وقيل: إنه
إتباعٌ لكسرة الميم، وضُعِّف بأنَّ فيه إتْباعَ حركةٍ أصلية لحركةٍ عارضة، وهي
الإعرابية، وقيل: إنه لغةٌ في الأم، وأنكرها الشهاب(٦)، وفي ((القاموس))(٧): الأمّ،
وقد تُكسَر: الوالدة، ويقال: أُمَّةٌ وأُمَّهةٌ، وتُجمع على أمَّاتٍ وأمهات، وهذه لمن
يعقل، وأُمَّاتٌ لما لا يعقل. وحكى ذلك في ((الصِّحاح)»(٨) عن بعضهم.
﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ﴾ متعلِّقٌ بـ ((يوصيكم))، والكلامُ على حَذْفِ مضافٍ بناءً على
أنَّ المراد من الوصية المالُ الموصى به، والمعنى: إنَّ هذه الأنصباءَ للوَرَثة من بعد
إخراج وصية.
وجُوِّز أن يكون حالاً من السُّدُسِ، والتقدير: مستحَقًّا من بعد ذلك، والعامل
فيه الجارُّ والمجرور الواقعُ خبراً لاعتماده، ويُقدَّر لمَا قبلَه مثلُه كالتنازع.
(١) المصدران السابقان، وما بين حاصرتين منهما .
(٢) المبسوط ١٤٦/٢٩.
(٣) ١٢٦/٢.
(٤) قوله: رووها، ساقط من (م)، والخبر في مصنف عبد الرزاق (١٩٠٢٧)، وتفسير الطبري
٤٦٨/٦، وسنن البيهقي ٢٢٧/٦. قال ابن عبد البر في الاستذكار ٤١٠/١٥: والإسناد عن
ابن عباس بذلك غير ثابت.
(٥) التيسير ص ٩٤، والنشر ٢٤٨/٢.
(٦) في حاشيته ١١٣/٣ .
(٧) مادة (أمم).
(٨) مادة (أمم).

سُورَةُ المشكلة
٣٦٠
الآية : ١١
وقيل: إنه متعلّقٌ بكونٍ عامٍّ محذوفٍ، أي: استقرَّ ذلك لهؤلاء من بعد وصية
﴿يُوصِى بِهَآ﴾ الميت.
وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو بكر عن عاصم: ((يُوصَى)) مبنيًّا للمفعول
مخفّفاً (١)، وقرىء: (يُوصِّي)) مبنيًّا للفاعل مشدّداً(٢).
والجملةُ صفةُ ((وصية))، وفائدةُ الوصف الترغيبُ في الوصية والندبُ إليها .
وقيل: التعميم؛ لأنَّ الوصيةَ لا تكون إلا موصى بها.
﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ عَظْفٌ على ((وصية))، إلا أنه غيرُ مقيَّدٍ بما قُيِّدت به من الوصف
السابق، فلا يتوقَّف إخراجُ الدَّين على الإيصاء به، بل هو مطلقٌ يتناول ما ثبت
بالبيِّنة والإقرار في الصحة، وإيثارُ ((أو)) على الواو للإيذان بتساويهما في الوجوب،
وتقدُّمِهما على القسمة مجموعَين أو مفردَين.
وتقديمُ الوصية على الدَّين ذِكْراً مع أنَّ الدَّين مقدَّمٌ عليها حُكماً كما قضى به
رسول الله وَر فيما رواه عليٌّ كرَّم الله تعالى وجهه، وأخرجه عنه جماعة(٣)؛ لإظهار
كمال العناية بتنفيذها، لكونها مَظِنَّةً للتفريط في أدائها، حيث إنها تؤخَذ كالميراث
بلا عِوَض، فكانت تَشُقُّ عليهم، ولأنَّ الجميع مندوبٌ إليها حيثُ لا عارض،
بخلاف الدَّين في المشهور، مع نُدْرته أو نُدْرة تأخيره إلى الموت.
وقال ابن المنير: إنَّ الآية لم يُخالَف فيها الترتيبُ الواقع شرعاً؛ لأنَّ أولَ
ما يُبدأ به إخراجُ الدَّين، ثم الوصية، ثم اقتسام ذوي الميراث، فانظر كيف جاء
إخراج الميراث آخراً تلو إخراج الوصية، والوصيةُ تلوَ الدَّين، فوافَقَ قولُنا: قِسْمةُ
المواريث بعد الوصية والدَّين، صورةَ الواقع شرعاً، ولو سقط ذِكْرُ ((بعد)) وكان
(١) التيسير ص ٩٤، والنشر ٢٤٨/٢.
(٢) ذكرها أبو السعود في تفسيره ٢/ ١٥٠، وذكر ابن عطية في المحرر الوجيز ١٧/٢، والسمين
في الدر المصون ٦٠٣/٣: ((يوصَّى)) مبنيًّا للمفعول، وينظر القراءات الشاذة ص ٢٥.
(٣) أخرجه أحمد (٥٩٥)، والترمذي (٢٠٩٤) (٢٠٩٥) (٢١٢٢) وقال: هذا حديث لا نعرفه
إلا من حديث أبي إسحاق عن الحارث عن علي، وقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث،
والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم.