النص المفهرس
صفحات 201-220
الآية : ١٩٠ ٢٠١ سُورَةُ الْعَنْران الجديد من أنَّ الشمس ساكنةٌ لا تتحرَّك أصلاً، وأنها مركزُ العالم، وأنَّ الأرض وكذا سائر السيارات والثوابت تتحرَّك عليها، وأقاموا على ذلك الأدلة والبراهين بزعمهم، وبنوا عليه الكسوف والخسوف ونحوهما، ولم يتخلَّف شيءٌ من ذلك، فهذا يُشعرُ بأنه لا قَطْعَ فيما ذهب إليه أصحاب الهيئة. ويحتمل أن يُراد باختلاف الليل والنهار: تفاوتُهما بازدياد كلٍّ منهما بانتقاص الآخر، وانتقاصه بازدياده، باختلاف حال الشمس بالنسبة إلينا قرباً وبُعْداً بحسب الأزمنة. أو في اختلافهما وتفاوتهما بحسب الأمكنة: إما في الطُول والقِصَر، فإنَّ البلاد القريبة من ◌ُطْب الشمال أيامُها الصيفيةُ أطول، ولياليها الصيفية أقصر من أيام البلاد البعيدة منه ولياليها، وإما في أنفسهما فإنَّ كُرَيةَ الأرض تقتضي أن يكون بعض الأوقات في بعض الأماكن ليلاً، وفي مقابله نهاراً، وفي بعضها صباحاً، وفي بعضها ظهراً أو عصراً أو غير ذلك. وهذا مما لا شبهةً فيه عند كثير من الناس، وذكره شيخ الإسلام(١) أيضاً، وليس بالبعيد، بل اختلاف الأوقات في الأماكن مشاهَدٌ محسوسٌ لا يختلف فيه اثنان، إلا أنَّ في كُرية الأرض اختلافاً، فقد ذكر مولانا الشيخ الأكبر قُدِّس ◌ِرُّه أنَّ الله تعالى بعد أن خلق الفلك المُكوكَبَ في جوف الفلك الأطلس، خلق الأرض سَبْعَ طبقات، وجعل كلَّ أرضٍ أصغرَ من الأخرى، ليكون على كلِّ أرض قِّبَّةُ سماء، فلما تمَّ خَلْقُها وقَدَّر فيها أقواتها، واكتسى الهواءُ صورةَ البخار الذي هو الدخان، فَتَقَ ذلك الدخانَ سبع سماوات طباقاً، وأجساماً شفافةً، وجعلها على الأرضين كالقِباب، على كلِّ أرضٍ سماءٌ أطرافُها عليها نصفُ كرة، وكرةُ الأرض لها كالبساط، فهي مَدْحيةٌ دحاها من أجل السماء أن تكون عليها، وجعل في كلِّ سماءٍ من هذه واحدة من الجواري على الترتيب المعروف. انتهى. والقلب يميل إلى الكرية، والله لا يستحيي من الحق؛ وما ذهب إليه الشيخ الأكبر قُدِّس ◌ِرُّه أمرٌ شهوديٌّ، وفيه الموافق والمخالف لما ذهب إليه معظم المحدِّثين وأكثر علماء الدين. (١) في تفسيره ٢/ ١٢٧ . سُورَةُ الِ عُقْرَانَ ٢٠٢ الآية : ١٩٠ والذي قطع به بعض المحققين أنه لم يَجىء في الأحاديث الصحيحة المرفوعة ما يُفَصِّلِ أَمْرَ السماوات والأرض أتمَّ تفصيل؛ إذ ليست المسألةُ من المهمَّات في نظر الشارع وَّة، والمهمُّ في نظره منها واضحٌ لا مِرْية فيه، وسبحان مَن لا يتعاصى قدرته شيءٌ . والليل واحدٌ بمعنى جَمْع، وواحده ليلة، مثل تمرةٍ وتمرٍ، وقد جُمع على ليالٍ، فزادوا فيها الياء على غير قياس، ونظيره أَهلٌ وأَهالٍ. ويقال: كان الأصل فيها ليلاةٌ، فحذفت؛ لأنَّ تصغيرها لُيلية. كذا في الصحاح(١). وصحّح غيرُ واحدٍ أنه مفرَدٌ، ولا يُحفَظُ له جمع، وأنَّ القول بأنه جمعٌ، والليالي جمعُ جمعٍ، غيرُ مرضيٍّ. فافهم. وقد تقدَّم الكلامُ مستوفّى في الليل والنهار، ووجه تقديم الأول على الثاني(٢). ﴿لَيَتٍ﴾ أي: دلالات على وحدة الله تعالى وکمالٍ علمه وقدرته، وهو اسمُ (إنَّ) وقد دخله اللامُ لتأخّره عن خبرها، والتنوين فيه للتفخيم كمَّا وكيفاً، أي: آياتٍ كثيرةٍ عظيمة، وجَمْعُ القِلَّةِ هنا قائمٌ مقام جَمْع الكثرة، قيل: وفي ذلك رمزٌ إلى أنَّ الآيات الظاهرة وإن كانت كثيرةً في نفسها، إلا أنها قليلةٌ في جنب ما خفي منها في خزائن العلم ومكامن الغيب، ولم يظهر بعد. ﴿لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ﴾﴾ أي: لأصحاب العقول الخالصة عن شوائب الحسِّ والوَهْم، ومنه خبر: ((إنَّ الله تعالى منع منِّي بني مُدْلج، لِصِلَتِهِم الرَّحِمَ، وَطَعْنِهم في ألباب الإبل))(٣) أي: خالص إبلهم وكرائمها، ويقال: لَبَّ يَلَبُّ، كَعَضَّ يَعَضُّ، إذا صار لبيباً، وهي لغة أهل الحجاز، وأهل نجدٍ يقولون: لَبَّ يَلِبُّ كَفَرَّ يفِرُّ. ويقال: لَبِبَ الرجل بالكسر، يَلْبَبُ (٤) بالفتح، إذا صار ذا لُبِّ، وحُكي: لَبُبَ بالضم، وهو نادرٌ لا نظير له في المضاعَف. (١) مادة (ليل). (٢) عند تفسير الآية (١٦٤) من سورة البقرة. (٣) ذكره أبو عبيد في غريب الحديث ٢٩/٣- ٣٠، والزمخشري في الفائق ٣٠/١، وابن الأثير في النهاية ٤/ ٢٢٢. (٤) في (م): يلب. الآية : ١٩٠ ٢٠٣ سُورَةُ آل عمران ووجهُ دلالةِ المذكورات على وحدته تعالى: أنها تدلُّ على وجود الصانع التغيُّرها المستلزم لحدوثها واستنادِها إلى مؤثِّرٍ قديم، ومتى دَلَّتْ على ذلك لَزِمَ منه الوحدة. ووجه دلالتها على ما بعدُ: أنها في غاية الإتقان ونهاية الإحكام لمَن تأمَّل فيها، وتفكّر في ظاهرها وخافيها، وذلك يستدعي كمالَ العلم والقدرة كما لا يخفى. وللمتكلِّمين في الاستدلال على وجود الصانع بمثل هذه المذكورات طريقان: أحدهما طريق التغيُّر، والثاني طريق الإمكان، والأكثرون على ترجيح الثاني، والبحث مفصّلٌ في موضعه. وإنما اقتصر سبحانه هنا على هذه الثلاثة بعد ما زاده في ((البقرة)) (١)؛ لأنَّ الآيات على كثرتها منحصرةٌ في السماوية والأرضية والمركّبة منهما، فأشار إلى الأوَّلَيْنِ بخلق السماوات والأرض، وإلى الثالثة باختلاف الليل والنهار؛ لأنهما من دَوَران الشمس على الأرض، أو لأنهما بواسطة مُفيضٍ بحسب الظاهر وهو الجِرْمُ العلويُّ، وقابلٍ للإفاضة وهو الجِرْمُ السفليُّ القابلُ للظّلْمة والضياء. قاله بعضهم. وقال ناصرُ الدين(٢): لعلَّ ذلك لأنَّ مناطَ الاستدلال هو التغيُّر، وهذه الثلاثةُ متعرِّضةٌ لجملة أنواعه، فإنه إنما يكون في ذات الشيء كتغيُّر الليل والنهار، أو جزئه كتغير العناصر بتبدُّل صُوَرها، أو الخارج عنه كتغيُّر الأفلاك بتبدُّل أوضاعها . واعتُرض بأنه مبنيٌّ على مذهب الحكماء في إثبات الهَيُولَى(٣) والصورة والأوضاع الفلكية، فلا يناسب تخريج كتاب الله تعالى عليه. ولعلَّ الأولى من هذا وذاك، ما قاله شيخ الإسلام في عدم التعرُّض لما ذُكر في تلك السورة، من أنَّ المقصود هاهنا بيانُ استبداده تعالى بما ذكر من المُلْك (١) الآية (١٦٤). (٢) هو البيضاوي، والكلام في تفسيره مع حاشية الشهاب ٨٩/٣. (٣) الهَيُولَى: لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة، وفي الاصطلاح: هو جوهر في الجسم قابل لمَا يَعْرِضُ لذلك الجسم من الاتصال والانفصال، أو هو موجود بلا كمية ولا كيفية، ولم يقترن به شيء من سمات الحدث، ثم حلت به الصنعة واعترضت به الأعراض فحدث منه العالم. ينظر التعريفات للجرجاني ص٣٢١، والقاموس (مال). سُورَةُ الْعُمان ٢٠٤ الآية : ١٩٠ والقدرة، والثلاثةُ المذكورةُ معظمُ الشواهد الدالَّةِ على ذلك، فاكتفى بها، وأما هناك فقد قَصَدَ في ضمن بيان اختصاصه تعالى بالألوهية بيانَ اتِّصافه تعالى بالرحمة الواسعة، فنُظمت دلائل الفضل والرحمة في سلك دلائل التوحيد، فإنَّ ما فُصِّل هناك من آيات رحمته تعالى كما أنه من آيات ألوهيَّته ووحدته(١). ومما يؤيِّد كونَ المذكورات معظمُ الشواهد الدالَّةِ على التوحيد، ما أخرجه الطبرانيُّ وابن مردويه وغيرُهما عن ابن عباس أنه قال: أَتتْ قريشٌ اليهودَ فقالوا: ما جاءكم به موسى من الآيات؟ قالوا: عصاهُ، ويدهُ بيضاءُ للناظرين. وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يبرئُ الأَكْمَه والأبرصَ ويُحيي الموتى. فأتوا النبيَّ وَّه فقالوا: ادعُ لنا ربك يجعل لنا الصَّفا ذهباً. فدعا ربَّه فنزلت: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِأُوْلِ (٢). الأَلْبَبِ ١٩٠ وأخرج ابن حبان في صحيحه وابن عساكر وغيرهما عن عطاء قال: قلت لعائشة ﴿يا: أخبريني بأعجبٍ ما رأيت من رسول الله وَّ، قالت: وأيُّ شأنِه لم يكن عجباً؟ إنه أتاني ليلةً فدخل معي في لحافي ثم قال: ((ذَريني أتعبَّد لربِّي))، فقام فتوضأ ثم قام یصلِّي، فبکی حتی سالت دموعُه على صدره، ثم ركع فبكى، ثم سجد فبکی، ثم رفع رأسه فبكى، فلم يَزَلْ كذلك حتى جاء بلال فآذَنه بالصلاة، فقلت: يا رسول الله، ما يبكيك وقد غفر الله تعالى لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: ((أفلا أكونُ عبداً شكوراً؟ ولِمَ لا أفعل وقد أنزل الله تعالى عليَّ في هذه الليلة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمََّتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾)) ثم قال: ((ويلٌ لمن قرأها ولم یتفگّر فيها)»(٣). (١) تفسير أبي السعود ١٢٨/٢. (٢) المعجم الكبير (١٢٣٢٢)، وأخرجه أحمد (٢١٦٦) بنحوه. (٣) صحيح ابن حبان (٦٢٠)، وأخرج أحمد (٢٤٨٤٤)، والبخاري (٤٨٣٧)، ومسلم (٢٨٢٠) عن عائشة أن نبيَّ الله ◌َ ﴿ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً». الآية : ١٩١ ٢٠٥ سُورَةُ العَقْرَانَ وكان ◌َّ﴿ ـ على ما روي عن عليٍّ كرَّم الله وجهه - إذا قام من الليل تسوَّك، ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمََتِ﴾ الآية (١). وأخرج الشيخان وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عباس قال: بتُّ عند خالتي ميمونة، فنام رسول الله وَ ﴿ حتى انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بَعْدَهُ بقليل، ثم استيقظ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيديه، ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران حتى ختم (٢). ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ في موضع جرٍّ على أنه نعتٌ لـ («أولي))، ويجوز أن يكون في موضع رفعٍ أو نصبٍ على المدح، وجَعْلُه مبتدأ والخبر محذوف تقديره: يقولون: ربَّا آمنًا، بعيدٌ؛ لِمَا فيه من تفكيك النَّظْم، ويزيده بُعْداً ما أخرجه الأصبهانيُّ في (الترغيب))(٣) عن أبي هريرة نظراته قال: قال رسول الله وَّ: ((ينادي منادٍ يومَ القيامة: أين أولو الألباب؟ قالوا: أيَّ أولي الألباب تريدُ؟ قال: ﴿اُلَِّينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا﴾ إلخ عُقد لهم لواءٌ، فاتَّبع القوم لواءهم، وقال لهم: ادخلوها خالدين)). والظاهر أنَّ المراد من الذكر الذكرُ باللسان، لكنْ مع حضور القلب؛ إذ لا تمڈُّح بالذکر بدونه، بل أجمعوا على أنه لا ثوابَ لذاکرٍ غافل، وإليه ذهب کثیر، وعدَّ ابن جُريج قراءة القرآن ذِكراً، فلا تُكره للمُضَطَجِع القادر، نعم نصَّ بعضُ الشافعية على كراهتها له إذا غطّى رأسه للنوم. وقال بعض المحققین: المراد به ذکره تعالی مطلقاً، سواءٌ کان ذلك من حیث الذات أو من حيث الصفات والأفعال، وسواء قارَنَه ذكرُ اللسان أوْ لا، والمعنى (١) أخرجه الثعلبي كما ذكر ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ٣٦، وقال: وأصله في المتفق عليه من حديث ابن عباس. اهـ. وينظر التعليق الذي بعده. (٢) صحيح البخاري (١٨٣)، وصحيح مسلم (٧٦٣): (١٨٢)، وسنن أبي داود (١٣٦٧)، وسنن النسائي ٢١٠/٢-٢١١. وهو عند أحمد (٢١٦٤). (٣) كما في الدر المنثور ٢/ ١١٠، والأصبهاني هو إسماعيل بن محمد الملقب بـ ((قوام السنة))، سمع بمكة وجاور سنةً، وأملى وصنَّف، وجرح وعدَّل، وكان من أئمة العربية أيضاً، صنف: الترغيب والترهيب وغيره. توفي سنة (٥٣٥هـ). سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٨٠. سُورَةُ الَ ◌ّعَنْمَانَ ٢٠٦ الآية : ١٩١ عليه: الذين لا يغفلون عنه تعالى في عامَّة أوقاتهم، باطمئنانِ قلوبهم بذكره، واستغراقٍ سرائرهم في مراقبته، وعليه فيُحمل ما حكي عن ابن عمر ﴿ًا وعروة بن الزبير، وجماعة ﴿ من أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلَّى، فجعلوا يذكرون الله تعالى، فقال بعضهم: أما قال الله تعالى: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا﴾ فقاموا يذكرون الله تعالى على أقدامهم(١). على أنَّ مرادَهم بذلك التبرُّكُ بنوعٍ موافقةٍ للآية في ضمن فَردٍ من أفراد مدلولها، وليس مرادُهم به تفسيرها وتحقيقَ مصداقها على التعيين، وإلا لاضطجعوا وذكروا أيضاً، ليتمَّ التفسيرُ وتحقيق المصداق. وأخرج ابن أبي حاتم والطَّبَرانيُّ من طريق جُوَيْبٍ عن الضَّحاك عن ابن مسعودٍ في الآية أنه قال: إنَّما هذا في الصلاة: إذا لم تستَطِعْ قائماً فقاعداً، وإنْ لم تستطع قاعداً فعلى جَنْبٍ (٢). وكذلك أَمر ◌َِّ عمرانَ بنَ حُصين، وكانت به بواسير، كما أخرجه البخاريُّ عنه (٣). وبهذا الخبر احتجَّ الإمامُ الشافعيُّ ◌ُبه على أنَّ المريض يصلِّي مضطجعاً على جنبه الأيمن، مستقبلاً بَمقادٍم بدنه، ولا يجوز له أن يستلقي على ظهره على ۵﴾ . ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة وجَعْلُ الآية حجةً على ذلك بناءً على أنه لمَّا حُصِرَ أَمْرُ الذاكر في الهيئات المذكورة، دلَّ على أنَّ غيرها ليس من هيئته، والصلاةُ مشتملةٌ على الذكر، فلا ينبغي أن تكون على غير هيئته، محلٌّ تأمُّل، وتخصيصُ ابن مسعود الذكرَ بالصلاة لا ينتهض حجةً، على أنه بعيدٌ من سياق النَّظم الجليل وسباقه. والقيام والقعود جمع قائمٍ وقاعد، كنيام ورقودٍ، جَمْعُ نائم وراقد، وانتصابُهما على الحالية من ضمير الفاعل في ((يذكرون))، ويحتمل أن يكونا مصدرين مُؤَوَّلين بـ : قائمينَ وقاعدين، لتتأَتَّى الحالية. (١) ذكره الزمخشري في الكشاف ٤٨٨/١. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٨٤١/٣، والمعجم الكبير للطبراني (٩٠٣٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٢٩/٦-٣٣٠: إسناده منقطع، وفيه جويبر وهو متروك. (٣) صحيح البخاري (١١١٧)، وهو عند أحمد (١٩٨١٩). الآية : ١٩١ ٢٠٧ سُوَرَةُ الَّعْرَانَ وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ متعلّقٌ بمحذوفٍ معطوفٍ عل الحال، أي: وكائنين على جنوبهم، أي: مضطجعين، وجُوِّز أن يُقدَّر المتعلِّقُ المعطوف خاصًّا، أي: ومضطجعين على جنوبهم. والمراد من ذكر هذه الأحوال الإشارةُ إلى الدوام، وانفهامُه منها عُرْفاً مما لا شبهةَ فيه، وليس المراد الدوامَ الحقيقيَّ لاستحالته، بل في غالب أحوالهم، وبعضُهم يأخذ الدوامَ من المضارع الدالِّ على الاستمرار، وكيفما كان فالمراد: يذكرون الله تعالى كثيراً . ﴿وَيَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ عطفٌ على ((يذكرون))، وعَظْفُهُ على الأحوال السابقة غيرُ ظاهر، وتقديمُ الذِّكر في تلك الحالات على التفكّر لِمَا أنَّ فيهما الاعترافَ بالعبودية، والعبد مركّبٌ من النفس الباطنة والبدن الظاهر، وفي الأول إشارةٌ إلى عبودية الثاني، وفي الثاني إشارةٌ إلى عبودية الأول؛ لأنَّ التفكّر إنما يكون بالقلب والروح، وفي بيان العبودية بعد الفراغ من آيات الربوبية ما لا يخفى من اللُّطف. وقيل: قَدَّم الأول لأنه إشارةٌ إلى النظر في الأنفس، وأَخَّر الثاني لأنه إشارةٌ إلى النظر في الآفاق، ولا شبهة في تقدُّم الأول على الثاني. وصرَّح مولانا شيخ الإسلام بأنَّ هذا بيانٌ للتفكّر في أفعاله تعالى، وما تقدَّم بيانٌ للتفكّر في ذاته تعالى على الإطلاق(١). والذي عليه أئمةُ التفسير أنه سبحانه إنما خصَّص التفكّر بالخلق للنهي عن التفكّر في الخالق، لعدم الوصول إلى كُنْهِ ذاته وصفاته جلَّ شأنه وعزَّ سلطانه، وقد ورد هذا النهيُ في غير ما حديث، فقد أخرج أبو الشيخ والأصبهانيُّ عن عبد الله بن سلام قال: خرج رسول الله وَلجر على أصحابه وهم يتفكّرون، فقال: ((لا تَفَّروا في الله تعالى، ولكن تفكّروا فيما خَلَقٍ))(٢). (١) تفسير أبي السعود ١٢٩/٢. (٢) العظمة (٢١)، والترغيب والترهيب للأصبهاني كما في الدر المنثور ١١٠/٢، وأخرجه - أيضاً - ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٤٢، وفي إسناده عبد الجليل بن عطية، وهو صدوق يهم، وشهر بن حوشب، وهو صدوق كثير الإرسال والأوهام. سُورَةُ الغَزَانَ ٢٠٨ الآية : ١٩١ وعن عمرو بن مرَّة قال: مرَّ رسول الله وَّر على قوم يتفكّرون فقال: ((تفكّروا في الخَلْقِ، ولا تفكّروا في الخالق))(١). وعن ابن عمر: قال رسول الله وَلي: ((تفكّروا في آلاء الله تعالى، ولا تفكّروا في الله تعالی)»(٢). وعن ابن عباس: تفكّروا في كلِّ شيءٍ ولا تفكّروا في ذات الله تعالى(٣). إلى غير ذلك. ففي كون الأول بياناً للتفكّر في ذاته سبحانه على الإطلاق نظرٌ، على أنَّ بعضَ الفضلاء ذكر في تفسيره أنَّ التفكّر في الله سبحانه محالٌ، لِمَا أنه يستدعي الإحاطة بمن هو بكلِّ شيءٍ محيط. فتدبّر. وقيل: قَدَّم الذِّكر على الدوام على التفكّر؛ للتنبيه على أنَّ العقل لا يفي بالهداية ما لم يتنوَّر بنور ذِكر الله تعالى وهدايته، فلابدَّ للمتفكِّر من الرجوع إلى الله تعالى ورعايةٍ ما شَرَعَ له، وأنَّ العقل المخالفَ للشرع لَبِسَ الضلال، ولا نتيجة لِفِكْره إلا الضلال. والخلق: إما بمعنى المخلوق، على أنَّ الإضافة بمعنى ((في))، أي: یتفگّرون فيما خُلق في السماوات والأرض أعمّ من أن يكون بطريق الجزئية منهما، أو بطريق الحلولِ فيهما. أو على أنها بيانية، أي: في المخلوق الذي هو السماوات والأرض. وإما باقٍ على مصدريته، أي: يتفكّرون في إنشائهما وإبداعهما بما فيهما من عجائب المصنوعات، ودقائق الأسرار، ولطائف الحِكَم، ويستدلُّون بذلك على (١) أخرجه هناد في كتاب الزهد (٩٤٥) وهو مرسل. وأخرجه أبو الشيخ في كتاب العظمة (٥) من طريق عمرو بن مرة عن رجل عن ابن عباس ﴿ مرفوعاً، وفي إسناده مبهم. وأخرج المرفوع منه أبو الشيخ أيضاً (٤) من حديث أبي ذر له، وفي إسناده سيف بن محمد الكوفي، قال عنه الحافظ في التقريب: كذبوه. (٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٣١٥)، وأبو الشيخ في العظمة (١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٢٠). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨١/١: فيه الوازع بن نافع وهو متروك. وقد ذكر صاحب كشف الخفاء ١/ ٣٧٢ طرقاً أخرى ضعيفة للحديث وقال: لكن اجتماعها يكسبه قوة، ومعناه صحيح. وينظر حديث أبي هريرة عند مسلم (١٣٤). (٣) أخرجه أبو الشيخ (٢). الآية : ١٩١ ٢٠٩ سُورَةُ العَمْرَانَ الصانع ووحدته الذاتية، وأنه الملك القاهر، والعالم القادر، والحكيم المتقِنُ، إلى غير ذلك من صفات الكمال، ويجرُّهم ذلك إلى معرفة صدق الرسل، وحَقِّيَّة الكتب الناطقة بتفاصيل الأحكام الشرعية، وتحقيق المعاد، وثبوت الجزاء. ولشرافة هذه الثمرة الحاصلة من التفكّر مع كونه من الأعمال المخصوصة بالقلب، البعيدة عن مظانِّ الرياء، كانَ من أفضل العبادات. وقد أخرج أبو الشيخ في ((العظمة)) عن ابن عباس قال: تفكّرُ ساعة خيرٌ من قيام ليلة (١). وأخرج ابن سعد (٢) عن أبي الدرداء مثلَه. وأخرج الديلميُّ عن أنس مرفوعاً مثله(٣). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((فِكْرةُ ساعةٍ خيرٌ من عبادة ستين سنة))(٤). وعنه أيضاً مرفوعاً: ((بينما رجلٌ مُسْتَلْقٍ ينظر إلى النجوم وإلى السماء، فقال: والله إنِّي لأعْلَمُ أنَّ لكِ ربًّا وخالقاً، اللهم اغفر لي، فنظر الله تعالى له، فغَفَرَ له))(٥). وأخرج ابن المنذر(٦) عن عون قال: سألت أمَّ الدرداء، ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت: التفكُّر والاعتبار. (١) العظمة (٤٣). (٢) في الطبقات ٣٩٢/٧. (٣) الفردوس بمأثور الخطاب ٢/ ٧٠، قال ملا علي القاري في المصنوع (٩٤): ليس بحديث، وإنما هو من كلام السري السقطي رحمه الله. وكذا قال الفاكهاني كما في كشف الخفاء ١/ ٣٧٠. وسيأتي لفظه في الصفحة التالية. (٤) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤٤)، وضعفه السيوطي في الجامع الصغير ١٧٩/٢ . وفي إسناده عثمان بن عبد الله القرشي، قال عنه ابن حبان في المجروحين ٢/ ١٠٢ : يضع الحديث، كتب عنه أصحاب الرأي، لا يحل كتابة حديثه إلا على سبيل الاعتبار. (٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله (١٠٦)، وفي إسناده عبد الله بن جعفر أبو علي بن المديني، قال عنه ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: منكر الحديث جدًّا. تهذيب التھذیب ٣١٥/٢. (٦) كما في الدر المنثور ١١١/٢، وأخرجه - أيضاً - ابن أبي شيبة ٣٠٧/١٣، وأبو نعيم في الحلية ٢٠٨/١. سُورَةُ العَزَانَ ٢١٠ الآية : ١٩١ وأخرج ابن أبي الدنيا(١) عن عامر بن قيس قال: سمعتُ غيرَ واحدٍ - لا اثنين ولا ثلاثة - من أصحاب محمد وَ له يقولون: إنَّ ضياء الإيمان - أو نور الإيمان - التفكُّر. واقتصر سبحانه على ذِكْر التفكّر في خَلْق السماوات والأرض، ولم يتعرَّض جلَّ شأنه لإدراج اختلاف الليل والنهار في ذلك السِّلك - مع ذكره فيما سلف، وشرفِ التفكّر فيه أيضاً كما يقتضيه التعليلُ وظاهرُ ما أخرجه الديلميّ(٣) عن أنسٍ مرفوعاً: ((تفكّر ساعةٍ في اختلاف الليل والنهار، خيرٌ من عبادة ثمانين سنة)) - إما للإيذان بظهور اندراج ذلك فيما ذُكر؛ لِمَا أنَّ الاختلاف من الأحوال التابعة لأحوال السماوات والأرض على ما أُشيرَ إليه، وإما للإشعار بمسارعة المذكورين إلى الحكم بالنتيجة، لمجرَّد تفكّرهم في بعض الآيات من غير حاجة إلى بعضٍ آخرَ منها في إثبات المطلوب. ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾ الإشارةُ إلى السماوات والأرض لِمَا أنهما باعتبارٍ تعلّق الخلق بهما في معنى المخلوق، أو إلى الخلق على تقدير كونه بمعنى المخلوق، وقيل: إليهما باعتبار المتفكّر فيه. وعلى كلٍّ فَأَمْرُ الإفراد والتذكير واضحٌ. والعدولُ عن الضمير إلى اسم الإشارة؛ للإشارة إلى أنها مخلوقاتٌ عجيبة، يجب أن يُعتنَى بكمال تمييزها استعظاماً لها، ونظيرُ ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا اَلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَتِىِ هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. والباطل: العبث، وهو ما لا فائدة فيه مطلقاً، أو: ما لا فائدة فيه يُعتدُّ بها، أو: ما لا يُقصد به فائدة. وقيل: الذاهبُ الزائلُ الذي لا يكون له قوةٌ وصلابة، ولا يخفى أنه قولٌ لا قوةً له ولا صلابة. وهو إما صفةٌ لمصدرٍ محذوف، أي: خَلْقاً باطلاً، أو حالٌ من المفعول، والمعنى: ربنا ما خلقتَ هذا المخلوقَ، أو المتفكّر فيه العظيمَ الشأن، عارياً عن الحكمة، خالياً عن المصلحة، كما ينبئ عنه أَوضاع الغافلين عن ذلك، المعرِضينَ (١) كما في الدر المنثور ١١١/٢. (٢) في الفردوس ٧٠/٢، وسلف الكلام عليه في الصحيفة السابقة. الآية : ١٩١ ٢١١ سُورَةُ الْعُقْرَانَ عن التفكّر فيه، العادِمين من جناح النظر قُدَاماه وخَوَافيه، بل خَلَقْتَهُ مشتملاً على حِكْم جليلةٍ، منتظماً لمصالحَ عظيمةٍ، تقف الأفكار حَسْرى دون الإحاطة بها، وتَكِلُّ أَقدام الأذهان دون الوقوف عليها بأسرها، ومن جملتها أن يكون مداراً لمعايش العباد، ومناراً يُرشدهم إلى معرفة أحوال المبدأ والمعاد، حَسْبَما نطقتْ به كُتبك وجاءت به رسلك. والجملة بتمامها في حيِّز النصب بقولٍ مقدَّرٍ، أي: يقولون ربنا إلخ. وجملةُ القول حال من المستکنّ في ((یتفگّرون))، أي: یتفگّرون في ذلك قائلين: ربَّنا ما خلقتَ هذا باطلاً، وإلى هذا ذهب عامة المفسرين. واعتُرض بأنَّ النَّظْمَ الكريم لا يساعده، لما أنَّ ما في حيِّز الصِّلة، وما هو قيدٌ له، حقُّه أن يكون من مبادي الحُكم الذي أُجريَّ على الموصول، ودواعي ثبوته له، كذكرهم الله تعالى في عامة أوقاتهم، وتفكّرهم في خلق السماوات والأرض، فإنهما مما يؤدِّي إلى اجتلاء تلك الآيات والاستدلال بها على المطلوب، ولا ريب في (١) أنَّ قولهم ذلك ليس من مبادي الاستدلال المذكور، بل من نتائجها المترتّبة عليه، فاعتبارُه قيداً لما في حيِّز الصِّلة مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل، فاللائق أن تكون جملةُ القول استئنافاً مبيِّناً لنتيجة التفكّر، ومدلولِ الآيات، ناشئاً مما سبق، فإنَّ النفس عند سماع تخصيص الآيات المنصوبة في خلق العالم بأولي الألباب، ثم وَصْفِهم بذكر الله تعالى والتفكّر في مجال تلك الآيات، تبقى مترقِّبة لما يظهر منهم من آثارها وأحكامها، كأنه قيل: فماذا يكون عند تفكّرهم في ذلك، وما يترتَّب عليه من النتيجة؟ فقيل: يقولون كَيْتَ وكَيْت، مما يُنبئ عن وقوفهم على سرِّ الخلق المؤذِّي إلى معرفة صدق الرسل وحَقِّيةِ الكتب الناطقة بتفاصيل الأحكام الشرعية. وهذا على تقدير كون الموصول موصولاً نعتاً لـ ((أولي))، وأما على تقدير كونه مفصولاً منصوباً أو مرفوعاً على المدح مثلاً، فتأتي الحالية من ذلك؛ إذ لا اشتباه في أنَّ قولهم هذا من مبادي مَذْحهم ومحاسن مناقبهم، ويكون في إبراز هذا القول في مَعرِض الحال إشعارٌ بمقارنته لتفكّرهم من غير تردُّدٍ وتلعثُم في ذلك. انتهى. (١) قوله: في، ليس في (م)، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٣١/٢، والكلام منه. سُورَةُ الْعِنْرَانَ ٢١٢ الآية : ١٩١ وهو كلامٌ تلوحُ عليه أماراتُ التحقيق ومخايلُ التدقيق، والقولُ بأنَّ الحاليةَ تجتمع مع كون القول المذكور من النتائج، لا يخفى ما فيه. ثم کونُ هذا القول من نتائج التفكّر ما لا يكاد ينكره ذو فكر. وتوضيح ذلك - على رأي - أنَّ القوم لمَّا تفكّروا في مخلوقاته سبحانه، ولا سيما السماوات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم والأرض، وما عليها من البحار والجبال والمعادن، عرفوا أنَّ لها ربًّا وصانعاً، فقالوا: ((ربَّنَا)). ثم لمَّا اعترفوا بأنَّ(١) في كلٍّ من ذلك حِكَماً ومقاصدَ وفوائدَ لا تحيط بتفاصيلها الأفكار قالوا: ((ما خلقتَ هذا باطلاً)). ثم لمَّا تأمَّلوا وقاسُوا أحوالَ هذه المصنوعات إلى صانعها، رأوا أنه لابدَّ وأن يكون الصانع منزَّهاً عن مشابهة شيءٍ منها، فإذن هو ليس بِجِسْمٍ ولا عَرَضٍ ولا في حيِّزٍ ولا بمفتقرٍ، ولا، ولا، فقالوا: ﴿سُبْحَنَكَ﴾ أي: تنزيهاً لك مما لا يليق بك. ثم لمَّا استغرقوا في بحار العَظَمة والجلال، وبلغوا هذا المبلغ الأعظم، وتحقَّقوا أنَّ مَنْ قَدَرَ على ما ذُكر من الإنشاء بلا مثال يحتذیه أو قانون ینتحیه، واتَّصف بالقدرة الشاملة والحكمة الكاملة، كان على إعادة مَنْ نطقتِ الكتب السماوية بإعادته أَقدر، وأنَّ ذلك ليس إلا لحكمةٍ باهرةٍ هي جزاء المكلفين بحسب استحقاقهم المنوط بأعمالهم القلبية والقالبية، طلبوا النجاةَ مما يحيق بالمقصِّرين ويليق بالمُخِلِّين، فقالوا: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾﴾ أي: فوقِّقنا للعمل بما فهمنا من الدلالة، ومن هنا قيل: إنَّ الفاء لِتَرتُّب الدعاء بالاستعاذة من النار، على ما دلَّ عليه (ربنا ما خلقت هذا باطلاً)) من وجوب الطاعة واجتناب المعصية، كأنه قيل: فنحن نطيعك، فقِنا عذابَ النار التي هي جزاءُ مَن عصاك. و((سبحانك)) مصدرٌ منصوبٌ بفعل محذوف، والجملةُ معترضةٌ لتقوية الكلام وتأكيده، ولا ينافي ذلك كونَها مؤكّدةً لنفي العبث عن خَلْقِهِ. وبعضهم قال بهذا التأكيد ولم يقل بالاعتراض، وجَعَل ما بعد الفاء مترتِّباً على التنزيه المدلول عليه بـ ((سبحانك))، وادَّعى أنه الأظهر؛ لاندراج تنزُّهه تعالى عن ردِّ (١) في (م): في أن. الآية : ١٩١ ٢١٣ سُورَةُ العَقْرَانَ سؤال الخاضعين الملتجئين إليه فيه، ولا يخفى تفرُّع المسألة على التنزيه عن خيبة رجاء الراجين. وقيل: إنه جوابُ شرطٍ مقدَّر، وإنَّ التقدير: إذا نزَّهناك أو وحَّدناك، فقنا عذاب النار الذي هو جزاء الذين لم ينزِّهوا أو لم يوخِّدوا. واستدل الطبرسيُّ بالآية على أنَّ الكفر والضلال والقبائح ليست خَلْقاً للهِ تعالى؛ لأن هذه الأشياء كلّها باطلةٌ بالإجماع، وقد نفى الله سبحانه ذلك حكايةً عن أولي الألباب الذين رضي قولَهم بأنه لا باطل فيما خلقه سبحانه، فيجب بذلك القَطْعُ بأنَّ القبائحَ كلَّها ليست مضافةً إليه عزَّ شأنه، ومنفيةٌ عنه خلقاً وإيجاداً (١). وفيه نظر؛ لأنَّ الأشياء كلَّها سواءٌ من حيث إنها خَلْقُ الله تعالى ومشتملةٌ على المصالح والحِكَم كما ينبئ عن ذلك قوله تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ, ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، وتفاوتُها إنما هو باعتبار نسبة بعضها إلى بعض، وكون بعضِها متعلِّقَ الأمر والبعض الآخر متعلِّق النهي مثلاً، لا باعتبار كون البعض مشتملاً على الحِكمة والبعض الآخر عارياً عنها، فالقبائح من حيث إنها خَلْقُ الله تعالى ليست باطلة؛ لأنَّ الباطلَ كما علمتَ هو ما لا فائدةَ فيه مطلقاً، أو ما لا فائدة فيه يُعتدُّ بها، أو ما لا يُقصد به فائدة، وهي ليست كذلك؛ لاشتمالها في أنفسها على الحِكم والفوائد الجمَّة التي لا يَبْعدُ قَصْدُ اللهِ تعالى لها، مع غناه الذاتيِّ عنها، ولا يشترط كونُ تلك الفوائد لمن صدرت على يده، وإلا لزم خلوُّ كثيرٍ من مخلوقاته تعالى عن الفوائد. وتسميتها قبائح إنما هو (٢) باعتبار كونها متعلِّق النهي لحكمةٍ أيضاً، وهو لا يستدعي كونها خاليةً عن الحكمة، بل قصارى ذلك أنه يستلزم عدم رضاه سبحانه بها شرعاً، المستدعي ذلك للعقاب عليها بسبب أنَّ إفاضتَها كانت حَسْبَ الاستعداد الأزلي، فدعوى أنَّ هذه الأشياء كلُّها باطلةٌ، باطلةٌ كدعوى الإجماع على ذلك، وكأنَّ القائل لم يفهم معنى الباطل فقال ما قال. (١) مجمع البيان ٣٠١/٤-٣٠٢. (٢) في (م)): هي. سُورَةُ الَّعَمْرَانَ ٢١٤ الآية : ١٩١ واستدلَّ بها بعضُهم أيضاً على أنَّ أفعال الله تعالى معلَّلةٌ بالأغراض، وهو مبنيٌّ ظاهراً على أنَّ الباطل: العبث بالمعنى الثالث، وقد علمتَ أنَّ معنى العبث ليس محصوراً فيه، وبفرض الحصر لا بأس بهذا القول على ما ذهب إليه(١) كثيرٌ من المحققين، لكن مع القول بالغنى الذاتي وعدم الاستكمال بالغير، كما أشرنا إليه في ((البقرة))(٢). واحتجَّ حكماء الإسلام بها على أنه سبحانه وتعالى خلق الأفلاك والكواكب، وأَودَع فيها قوّى مخصوصةً، وجعلها بحيث يحصل من حركاتها واتصالٍ بعضها ببعض مصالحُ في هذا العالم؛ لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة، ولا يمكن أن تُقْصَرَ منافعُها على الاستدلال بها على الصانع فقط؛ لأنَّ كلَّ ذَرَّةٍ من ذرَّات الماء والهواء يشاركها في ذلك، فلا تبقى لخصوصياتها فائدة، وهو خلاف النص. وناقشهم المتكلِّمون في ذلك بأنه يجوز أن تكون الفَلَكِيَّاتُ أسباباً عاديةً للأرضيات، لا حقيقيةً، وأنَّ التأثيرَ عندها لا بها، ويكفي ذلك فائدةً لخَلْقها. وأنت تعلم أنَّ القول بإيداع القوى في الفَلَكِيَّات، بل وفي جميع الأسباب، مع القولِ بأنها مؤثِّرةٌ بإذن الله تعالى، مما لا بأس به، بل هو المذهبُ المنصور الذي دَرَجَ عليه سلفُ الأمة، وحقَّقناه فيما قبلُ، وهو لا ينافي استناد الكلِّ إلى مسبِّب الأسباب، ولا يُزاحِم جريان الأمور كلُّها بقضائه وقَدَره تعالى شأنه. نَعَمْ القولُ بأنَّ الفَلَكِيَّات ونحوها مؤثّرةٌ بنفسها ولو لم يأذن الله تعالى ضلالٌ، واعتقادُهُ كُفْر، وعلى ذلك يخرَّج ما وقع في الخبر: ((مَن قال: أُمطِرنا بنَوْءِ كذا فهو كافرٌ بالله تعالى مؤمنٌ بالكوكب، ومَن قال: أُمِطِرنا بفضل الله تعالى، فهو مؤمنٌ بالله تعالى كافرٌ بالكوكب))(٣). فليُحفظ. (١) قوله: إليه، ساقط من (م). (٢) ١٧/٢. (٣) أخرجه أحمد (١٧٠٦١)، والبخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١) من حديث زيد بن خالد الجهني ه. ومعنى النَّوء سقوط نجم في المغرب من النجوم الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر وطلوع آخر يقابله من ساعته في المشرق، وكانوا إذا سقط نجم منها وطلع آخر، وكان عند ذلك مطر أو ربح أو بَرْد أو حرّ نسبوه إلى الساقط إلى أن يسقط الذي بعده. ینظر أدب الکاتب ص٨٧، وفتح الباري ٥٢٣/٢-٥٢٤. الآية : ١٩٢ ٢١٥ سُورَةُ الْعَنْزَانَ ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَةٌ﴾ مبالغةٌ في استدعاء الوقاية من النار، وبيانٌ لسببه، وصُدِّرت الجملة بالنداء مبالغةً في التضرُّع إلى معوِّدِ الإحسان، كما يُشعر به لفظُ الربِّ، وعن ابن عباس أنه كان يقول: اسم الله تعالى الأكبر: ربّ ربّ(١). والتأكيد بـ ((إنَّ) لإظهار كمال اليقين بمضمون الجملة، والإيذانِ بشدَّة الخوف، وَوَضْعُ الظاهر موضعَ الضمير (٢) للتهويل، وذِكْرُ الإدخال في مورد العذاب؛ لتعيين کیفیته، وتبیین غاية فظاعته. والإخزاء - كما قال الواحديُّ - جاء لمعانٍ متقاربة، فعن الزّجَّاج: يقال: أخزى الله تعالى العدوَّ، أي: أبعده وقيل: أهانه، وقيل: فَضَحه، وقيل: أهلكه، ونُقل هذا عن المفضَّل، وقيل: أَحَلَّه محلًا وأوقفه موقفاً يستحي منه. وقال ابن الأنباري: الخزي في اللغة: الهلاك بتلفٍ أو بانقطاع حَُّةٍ أو بوقوعٍ في بلاء(٣). والمراد: فقد أخزيته خزياً لا غاية وراءه. ومن القواعد المقرَّرة أنه إذا جُعل الجزاءُ أمراً ظاهرَ اللزوم للشرط، سواء كان اللزومُ بالعموم والخصوص، كما في قولهم: مَنْ أدرك مرعى الضَّمَّان(٤) فقد أدرك، أو بالاستلزام كما في هذه الآية، يُحمَل على أعظم أفراده وأَخَصِّها لتربية الفائدة، ولهذا قُيِّد الخزيُ بما قُيِّد. واحتجَّ حكماء الإسلام بهذه الآية على أنَّ العذابَ الروحانيَّ أقوى من العذاب الجسماني، وذلك لأنه رتَّب فيها العذابَ الروحاني وهو الإخزاء بناءً على أنه الإهانةُ والتخجيل على الجسماني الذي هو إدخال النار، وجَعَلَ الثاني شرطاً والأولَ جزاءً، والمراد من الجملة الشرطية الجزاءُ، والشرطُ قيدٌ له، فيُشعر بأنه أقوى وأفظع، وإلا لَعَكَسَ كما قال الإمام الرازيُّ(٥) . (١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٢٧٣ . (٢) يعني ضمير النار. والكلام من تفسير أبي السعود ١٣١/٢. (٣) ذكر هذه الأقوال الرازي في التفسير ٩/ ١٤١، وأبو السعود ١٣١/٢. (٤) الصمان اسم موضع، وهي أرض فيها غلظ وارتفاع، وفيها قيعان واسعة ورياض معشبة، وإذا أخصبت رتعت العرب جميعها، وكانت الصمان في قديم الدهر لبني حنظلة. اللسان (صمم). (٥) التفسير الكبير ٩/ ١٤٣. سُورَةُ العَنْرَانَ ٢١٦ الآية : ١٩٢ وأيضاً المفهوم من قوله تعالى: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ طلبُ الوقاية منه، وقوله سبحانه: ﴿رَبَّآ﴾ إلخ دليلٌ عليه، فكأنه طلب الوقاية من المذكور، لتَرَتُّب الخزي عليه، فيدلُّ على أنه غاية ما(١) يُخاف منه، كما قاله بعض المحققين. واحتجَّ بها المعتزلة على أنَّ صاحب الكبيرة ليس بمؤمن؛ لأنه إذا أدخله الله تعالى النار فقد أخزاه، والمؤمنُ لا يُخزَى لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىَ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَدٌ﴾ [التحريم: ٨]. وأُجيب: بأنه لا يلزم من أن لا يكون مَنْ آمن مع النبيِّ وَّ مخزيًّا أن لا يكون غيرُه وهو مؤمنٌ كذلك، وأيضاً الآية ليست عامةً؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (* ثُمَّ ◌ُنَجِّىِ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِنَ فِيهَا ◌ِيًّا﴾ [مريم: ٧١-٧٢] فتُحمل على مَنْ أُدخل النار للخلود، وهم الكفَّار، وهو المرويُّ عن أنسٍ وسعيد بن المسيب وقتادة وابن جريج. وأيضاً يمكن أن يقال: إنَّ كلَّ من يدخلها مخزيٌّ حالَ دخوله، وإن كانت عاقبةٌ أهل الكبائر منهم الخروج، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى﴾ إلخ نُفي الخزيُ فيه على الإطلاق، والمطلق يكفي في صِدقه صورةٌ واحدةٌ، وهو نفيُ الخزي المخلِّد. وأيضاً يحتمل أن يقال: الإخزاء مشتركٌ بين التخجيل والإهلاك، والمثبتُ هو الأول، والمنفيُّ هو الثاني، وحينئذ لا يلزم التنافي. واحتجَّت المرجئة بها على أنَّ صاحب الكبيرة لا يدخل النار؛ لأنه مؤمنٌ لقوله تعالى: ﴿بَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ اَلْقَدْلِ﴾ [البقرة: ١٧٨] وقوله سبحانه: ﴿وَإِن ◌َآَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ﴾ [الحجرات: ٩] والمؤمن لا يُخزَى لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىِّ﴾ [التحريم: ٨] إلخ، والمُدْخَلُ في النار مَخزِيٌّ لهذه الآية. وأجيب بمنع المقدِّمات بأسرها: أما الأولى فباحتمال أن لا يسمَّى بعد القتل مؤمناً، وإن كان قبلُ مؤمناً، وأما الأُخريان فبخصوص المحمول وجزئية الموضوع كما تقرَّر آنفاً، والمبحثُ مفصّلٌ في موضعه(٢). (١) قوله: ما، ليس في (م)، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣/ ٩٠، والكلام منه. (٢) قوله: والمبحث مفصل في موضعه، ليس في (م). الآية : ١٩٣ ٢١٧ سُؤَدَقُ العَمَانَ ﴿وَمَا لِلِّلِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢)﴾ أي: ليس لكلِّ منهم ناصرٌ ينصره ويخلِّصه مما هو فيه، والجملة تذييلٌ لإظهار فظاعة حالهم، وفيه تأكيدٌ للاستدعاء، ووضع الظالمين موضعَ ضمير المدخَلين لذمِّهم والإشعار بتعليل دخولهم النار بظلمهم. وتمسَّكت المعتزلةُ بنفي الأنصار على نفي الشفاعة لسائر المدخّلين. وأُجيب: بأنَّ الظالم على الإطلاق هو الكافر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاَلْكَفِرُونَ هُمُ اُلََّلِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. وقيل: نفيُّ الناصر لا يمنع نفيَ الشفيع؛ لأنَّ النصر دفعٌ بقوةٍ، والشفاعة تخليصٌ بخضوع وتضرُّع. وله وجهٌ، والقولُ بأنَّ العرف لا يساعده غيرُ متَّجوٍ. وقال في ((الكشف)): الظاهر من الآية أنَّ مَن دخل النار لا ناصر له من دخولها، أمَّا أنه لا ناصر له من الخروج بعد الدخول فلا، وذلك لأنه عامٌّ في نفي الأفراد، مُهمَلٌ بحسب الأوقات، والظاهر التقييد بما يُظْلَبُ النصرُ أوَّلاً لأجله، كَمَنْ أُخِذ يعاقَبُ فقلتَ: ماله من ناصرٍ. لم يُفْهَم منه أنَّ العقاب لا ينتهي بنفسه، وأنه بعد العقاب لم يُشْفَعْ [له]، بل فُهم منه: لم يَمنعه أحدٌ مما حلَّ به، ثم إنْ سَلِمَ التساوي لم يدلّ على النفي(١). وأجاب غيرُ واحدٍ على تقدير عموم الظالم وعدم الفرق بين النصر والشفاعة، بأنَّ الأدلة الدالةَ على الشفاعة - وهي أكثرُ من أن تُحصى - مخصِّصٌ للعموم، وقد تقدَّم ما ينفعك هنا(٢). ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ﴾ على معنى القول أيضاً، وهو كما قال شيخ الإسلام: حكايةٌ لدعاءٍ آخر مبنيٌّ على تأمُّلهم في الدليل السمعيّ، بعد حكاية دعائهم السابق المبنيِّ على تَفَكُّرهم في الأدلة القطعية (٣). ولا يخفى أنَّ ذلك التفكّر مستدع في الجملة لهذا القول. وفي تصدير مقدِّمة الدعاء بالنداء إشارةٌ إلى كمال توجُّههم إلى مولاهم، وعدم (١) حاشية الشهاب ٣/ ٩٠، وما بين حاصرتين منه. (٢) عند تفسير الآية (٢٧٠) من سورة البقرة. (٣) تفسير أبي السعود ١٣١/٢. سُورَةُ العَقْرَانَ ٢١٨ الآية : ١٩٣ غفلتهم عنه، مع إظهار كمال الضَّراعة والابتهال إلى معوِّد الإحسان والإفضال، وفي التأكيد إيذانٌ بصدور ذلك عنهم بوفور الرغبة ومزيد العناية وكمال النشاط. والمراد بالمنادي رسولُ اللهِ وَّر، وهو المرويُّ عن ابن مسعود وابن عباس وابن جريج، واختاره الجُبَّائيُّ وغيره. وقيل: المراد به القرآن، وهو المحكيُّ عن محمد بن كعب القرظي وقتادة، واختاره الطبريُّ(١) معلِّلاً ذلك بأنه ليس يسمعُ كلُّ واحدٍ النبيَّ وَّر ولا يراه، والقرآن ظاهرٌ باقٍ على ممرِّ الأيام والدهور، يسمعه مَن أَدرك عصرَ نزوله ومَن لم يدرك. ولأهل القول الأول أن يقولوا: مَنْ بَلَغه بعثةُ الرسولِ وَّ﴿ ودعوتُه جاز له أن يقول: سمعنا منادياً. وإن كان فيه ضَرْبٌ من التجوُّز. وأيضاً المرادُ بالنداء الدعاء، ونسبتُه إليه وَلَ﴿ أَشهَرُ وأظهَرُ، فقد قال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] ﴿أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٤٦] وهي إليه عليه الصلاة والسلام حقيقة، وإلى القرآن على حدٍّ قوله : تناديك أحداثٌ وهنَّ صموتُ وسَّانها تحت التراب سكوت(٢) والتنوينُ في ((المنادي)) للتفخيم، وإيثارُه على ((الداعي)) للإشارة إلى كمال اعتنائه بشأنِ الدعوة وتبليغِها إلى القريب والبعيد، لما فيه من الإيذان برفع الصوت، وقد كان شأنه الرفيعُ وَّهَ في الخُطَب ذلك الرَّفْعَ حقيقةً، ففي الخبر: كان ◌َّ إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه، كأنه منذرُ جيشٍ يقول: صبّحكم ومسَّاكم(٣). ولما كان النداء مخصوصاً بما يؤدِّي له ومنتهياً إليه، تعدَّى باللام و((إلى)) تارةً (١) في تفسيره ٣١٥/٦. (٢) البيت لأبي العتاهية وهو في ديوانه ص ٨١ بلفظ: تناجيك أمواتٌ وهنَّ سكوتُ وسَّانها تحت التراب خفوتُ (٣) أخرجه أحمد (١٤٩٨٤)، ومسلم (٨٦٧) من حديث جابر بن عبد الله صوته، ولفظ أحمد: وكان إذا ذكر الساعة احمرَّت ... الآية : ١٩٣ ٢١٩ سُورَةُ الْ عُقْرَانَ وتارةً، فاللام في ((للإيمان)) على ظاهرها، ولا حاجة إلى جَعْلها بمعنى ((إلى)) أو الباء، ولا إلى جَعْلها بمعنى العلة، كما ذهب إليه البعض. وجملة ((ينادي)) في موضع المفعول الثاني لـ ((سمع)) على ما ذهب إليه الأخفش وكثيرٌ من النحاة مِن تعدِّي ((سمع)) هذه إلى مفعولين، ولا حَذْفَ في الكلام. وذهب الجمهور إلى أنها لا تتعدّى إلَّا إلى واحد، واختاره ابن الحاجب؛ قال في أماليه: وقد يُتَوهَّم أنَّ السماع متعدٍّ إلى مفعولين من جهة المعنى والاستعمال، أما المعنى فِلِتَوَقُّفِه على مسموع، وأما الاستعمال فلقولهم: سمعتُ زيداً يقول ذلك، وسمعتُه قائلاً، وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] ولا وجه له؛ لأنه يكفي في تعلُّقه المسموعُ دون المسموعِ منه، وإنما المسموعُ منه كالمشموم منه، فكما أنَّ الشَّمَّ لا يتعدَّى إلا إلى واحد، فكذلك السماع، فهو مما حُذفَ فيه المضافُ وأُقيم المضاف إليه مُقامه للعلم به، ويُذْكَرُ بعده حالٌ تبيِّنه، ويُقدَّر في (يسمعونکم إذ تدعون)): يسمعون أصواتکم. انتهى. والزمخشريُّ جعل المسموع صفةً بعد النكرة، وحالاً بعد المعرفة(١). وهو الظاهر، وادَّعى بعض المحققين أنَّ الأوْفَقَ بالمعنى فيما جَعَلَه حالاً أو وصفاً أنْ يُجعل بدلاً بتأويل الفعل بالمصدر على ما يراه بعض النحاة، لكنه قليلٌ في الاستعمال، فلذا أُؤْثِرَتِ الوصفيةُ أو الحالية. وزعم بعضُهم أنَّ السماع إذا وقع على غير الصوت، فلابدَّ أن يُذكر بعده فعلٌ مضارع يدلُّ على الصوت، ولا يجوز غيره. وهو غير صحيح؛ لوقوع الظرف واسم الفاعل كما سمعته. وفي تعليق السماع بالذات مبالغةٌ في تحقيقه والإيذانِ بوقوعه بلا واسطةٍ عند صدور المسموع عن المتكلم. وفي إطلاق المنادي أولاً حيث قال سبحانه: ﴿مُنَادِيًا﴾، ولم يذكر ما دَعَی له، ثم قوله عزَّ شأنه بعدُ: ﴿يُنَادِى لِلْإِيمَنِ﴾ ما لا يخفى من التعظيم لشأن المنادي والمنادَى له، ولو قيل من أول الأمر: ((منادياً للإيمان)) لم يكن بهذه المثابة. (١) الكشاف ٤٨٩/١. سُورَةُ العَزَانَ ٢٢٠ الآية : ١٩٣ وحَذْفُ المفعول الصريح لـ ((ينادي)) إيذاناً بالعموم، أي: ينادي كلَّ واحد. ﴿أَنْ ءَامِنُواْ بِرَيَّكُمْ﴾ أي: أن آمنوا به، على أنَّ (أَنْ)) تفسيرية، أو: بأنْ آمنوا، على أنها مصدرية. وعلى الأول: فـ ((آمِنوا)) تفسيرٌ لـ ((ينادي))؛ لأن نداءَه عينُ قوله: (آمنوا))، والتقدير: ينادي للإيمان أي يقول آمنوا، وليس تفسيراً للإيمان كما تُوهُّم. وعلى الثاني: يكون ((بأن آمنوا)) متعلِّقاً بـ ((ينادي)) لأنه المنادى به، وليس بدلاً من الإيمان كما زعمه البعض. ومن المحققين مَن اقتصر على احتمال المصدرية؛ لما أنَّ كثيراً من النحاة يأبى التفسيرية، لما فيها من التكلُّف. ومَن اختارها قال: إنَّ المصدرية تستدعي التأويل بالمصدر، وهو مفوِّتٌ لمعنى الطلب المقصود من الكلام. وأجيب بأنه يُقدَّر الطلب في التأويل إذا كانت داخلةً على الأمر، وكذا يُقدَّر ما يناسب الماضي والمستقبل إذا كانت داخلةً عليهما، ولا ينبغي أن يُجعل الحاصل من الكلِّ بمجرَّد(١) معنى المصدر، لئلا يفوت المقصود من الأمر وأَخَويه. وفي التعرُّض لعنوان الربوبية إشارةٌ إلى بعض الأدلة عليه سبحانه وتعالى، ورَمْزٌ إلى نعمته جلَّ وعلا على المخاطَبين ليذكروها فيسارعوا إلى امتثال الأمر، وفي إطلاق الإيمان ثم تقييدِه تفخيمٌ لشأنه. ﴿فَامَنَّا﴾ عطفٌ على ((سمعنا))، والعطفُ بالفاء مؤذِنٌ بتعجيل القَبول وتسبُّبٍ الإيمان عن السماع من غير مُهْلة، والمعنى: فآمنًا بربِّنا لمَّا دُعينا إلى ذلك. قال أبو منصور (٢): فيه دليلٌ على بطلان الاستثناء في الإيمان. ولا يخفى بُعْدُهُ. ﴿رَبَّنَا﴾ تكريرٌ - كما قيل - للتضرُّع، وإظهارٌ لكمال الخضوع، وعَرْضٌ للاعتراف بربوبيته تعالى مع الإيمان به. ﴿فَأَغْفِرْ لَنَا﴾ مرتَّبٌ على الإيمان به تعالى والإقرارِ بربوبيته، كما تدلُّ عليه الفاء، أي: فاستُرْ لنا ﴿ذُنُوبَنَا﴾ أي: كبائرنا ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ أي: صغائرنا. وقيل: المراد من الذنوب ما تقدَّم من المعاصي، ومن السيئات ما تأخّر منها. (١) في الأصل: لمجرد. (٢) هو الماتريدي، وكلامه في تأويلات أهل السنة ٣٤٦/١.