النص المفهرس

صفحات 181-200

الآية : ١٨٦
١٨١
سُورَةُ الَ ◌ّعَقْرَانَ
﴿وَمَا الْحَيَّوَةُ الذُّنْيَا﴾ أي: لذَّاتها وشهواتُها وزينتها ﴿إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ
١٨٥
المتاع: ما يُتَمتَّع به ويُنْتَفعُ به، مما يباع ويُشْتَرى، وقد شبَّهها سبحانه بذلك المتاع
الذي يُدَلَّس به على المُسْتام ويُغَرُّ(١) حتى يشتريه، إشارةً إلى غايةِ رداءتها عند مَن
أَمْعَنَ النظر فيها:
إذا امتحنَ الدنيا لبيبٌ تكشّفتْ له عن عدوٍّ في ثيابٍ صديقِ(٢)
وعن قتادة: هي متاٌ متروكٌ أَوشَكَتْ والله أن تَضمحِلَّ عن أهلها، فخذوا من
هذا المتاع طاعةَ الله تعالى إن استطعتُم، ولا قوةَ إلا بالله.
وعن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: هي لَيِّنٌ مَسُّها قاتلٌ سُمُّها .
وقيل: الدنيا ظاهرُها مَظِنَّةُ السرور وباطنُها مَطِيَّةُ الشرور.
وذكر بعضهم أنَّ هذا التشبيه بالنسبة لمن آثرَهَا على الآخرة، وأما مَن طلب بها
الآخرة فهي له متاعُ بلاغ (٣)، وفي الخبر: ((نِعْمَ المال الصالحُ للرجل الصالح)) (٤)،
والغرور مصدرٌ، أو جمعُ غارٍّ.
﴿لَتُبْلُونَ﴾ جوابُ قسم محذوفٍ، أي: واللهِ لَتُخْتَبَرُنَّ، والمراد: لَتُعامَلُنَّ
معاملةَ المختَبَرِ، لِيَظهَرَ ما عندكم من الثبات على الحق والأفعالِ الحسنةِ، ولا يصح
حملُ الابتلاء على حقيقته؛ لأنه مُحالٌ على علَّام الغيوب كما مرّ.
والخطابُ للمؤمنين، أو: لهم معه وَّهِ، وإنما أَخبرهم سبحانه بما سيقع ليُوَّنوا
أنفسهم على احتماله عند وقوعه، ويستعدُّوا للقائه، ويقابلوه بحُسْن الصبر والثبات،
فإنَّ هجوم البلاء مما يزيد في اللأَّواء، والاستعدادَ للكرب مما يُهوِّن الخَطْب،
ولتحقيق معنى الابتلاء لهذا التهوين، أتى بالتأكيد. وقد يقال: أتى به لتحقيق وقوع
المبتلى به، مبالغةً في الحثِّ على ما أُريدَ منهم من التهيُّؤُ والاستعداد.
(١) في (م): يغير. والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢/ ١٢٣، والكشاف ٤٨٦/١.
(٢) البيت لأبي نواس، وهو في ديوانه ص ٤٦٥.
(٣) أي: تبليغ وإيصال إلى الآخرة، كما ذكر الشهاب في الحاشية ٨٧/٣، وهذا الكلام ذكره
الزمخشري ٤٨٦/١ عن سعيد بن جبير.
(٤) أخرجه أحمد (١٧٧٦٣) مطولاً من حديث عمرو بن العاص

سُورَةُ الْعَمْرَانَ
١٨٢
الآية : ١٨٦
وعلى أيٍّ وجهٍ فالجملةُ مسوقةٌ لتسلية أولياء الله تعالى عمَّا سيَلْقَونه من جهة
أعدائه سبحانه إثرَ تسليتهم عمَّا وقع منهم.
وقيل: إنما سِيقَتْ لبيان أنَّ الدنيا دارُ محنةٍ وابتلاء، وأنها إنما زُويتْ عن
المؤمنين ليصبروا فيُؤجَروا، إثر بيان أنها متاع الغرور، ولعل الأول أولى
كما لا يخفى.
والواو المضمومة ضميرُ الرفع، ولام الكلمة محذوفةٌ لِعِلَّةٍ تصريفية،
وإنما حُرِّكت هذه الواو دَفْعاً للثِّقَل الحاصل من التقاء الساكنين، وكان ذلك بالضَّمِّ
ليدلَّ على المحذوف في الجملة، ولم تُقْلب الواو أَلِفاً مع تحرُّكها وانفتاحِ ما قَبلَها؛
لعروض ذلك.
﴿فِيَّ أَمْوَلِكُمْ﴾ بالفرائض فيها والجوائح، واقتَصر بعضٌ على الثاني مدَّعياً أنَّ
الأولَ - الممثَّلَ في كلامهم بالإنفاق المأمور به في سبيل الله تعالى والزكاةِ - لا يليقُ
نَظْمُهُ في سلك الابتلاء، لِمَا أنه من باب الإضعاف لا من قبيل الإتلاف، وفيه نظرٌ
تقدَّم في ((البقرة)) الإشارةُ إليه(١).
وعن الحسن الاقتصارُ على الأول. والأولى القول بالعموم.
﴿و﴾ في ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ بالقتل والجراح والأَسْر والأمراض وفَقْد الأقارب، وسائر
ما يَرِدُ عليها من أصناف المتاعب والمخاوف والشدائد.
وقَدَّمَ الأموال على الأنفس للترقِّي إلى الأشرف، أو لأنَّ الرزايا في الأموال
أكثرُ من الرزايا في الأنفس.
﴿وَلَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: من قَبْلِ إيتائكم القرآن،
وهم اليهود والنصارى، والتعبير عنهم بذلك؛ إما للإشعار بمدار الشِّقاق، والإيذانِ
بأنَّ ما يسمعونه منهم مستِدٌ على زعمهم إلى الكتاب، وإما للإشارة إلى عِظَم صدور
ذلك المسموع منهم، وشدَّة وَفْعِهِ على الأسماع، حيث إنه كلامٌ صَدَرَ ممَّن لَا يُتَوقَّع
صدوره منه لوجود زاجرٍ عنه معه، وهو إيتاؤه الكتاب كما قيل.
(١) عند تفسير الآية (١٥٥) منها.

الآية : ١٨٦
١٨٣
سُورَةُ العَقْرَانَ
والتصريح بالقَبْليَّةِ إما لتأكيد الإشعار وتقويةِ المدار، وإمَّا للمبالغة في أَمْر
الزاجر عن صدور ذلك المسموع من أولئك المُسْمِعين.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ وهم كفَّار العرب ﴿أَذَى كَثِيرًا﴾ كالطَّعْن في الدين،
وتخطئةٍ مَن آمن، والافتراءِ على الله تعالى ورسوله وَّه، والتشبيب بنساء المؤمنين.
﴿وَإِن تَصْبِرُوا﴾ على تلك الشدائد عند ورودها ﴿وَتَتَّقُوا﴾ أي: تتمسَّكوا
بتقوى الله تعالى وطاعته والتبتُّل إليه بالكلية، والإعراض عمَّا سواه بالمرَّة، بحيث
يستوي عندكم وصولُ المحبوب ولقاءُ المكروه.
﴿فَإِنَّ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى المذكور ضِمناً من الصبر والتقوى. وما فيه من معنى
البعد؛ إما لكونه غيرَ مذكورٍ صريحاً على ما قيل، أو للإيذان بعلوٍّ درجة هذين
الأمرين وبُعْدِ منزلتهما .
وتوحيدُ حَرْف الخطاب؛ إما باعتبارِ كلِّ واحدٍ من المخاطَبين اعتناءً بشأن
المخاطَب به، وإما لأنَّ المراد بالخطاب مجرَّدُ التنبيه من غير خصوصيةِ أحوالٍ
المخاطبين.
﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ أي: من (١) الأمور التي ينبغي أن يعزمها كلُّ أحدٍ،
لِمَا فيه من كمال المزيَّة والشَّرف والعِزّ، أو مما عَزَمه الله تعالى وأَوجبه على عباده،
وعلى كلا التقديرين فالعزمُ مصدرٌ بمعنى المعزوم، وهو مأخوذٌ من قولهم: عَزَمْتُ
الأمرَ، كما نقله الراغب(٢)، والأشهر: عزمتُ على الأمر، ودَغْوَى أنه لم يُسْمَعْ
سواه، غيرُ مسموعة، كدعوى عدم صحَّة نسبة العزم إليه تعالى؛ لأنه توطينُ النفس
وعقدُ القلب على ما يرى فعله، وهو مُحَالٌ عليه تعالی.
ومما يؤيِّد صحة النسبة أنه قرئ: ((فإذا عزمتُ)) بضم التاء (٣)، وهو حينئذ
بمعنى الإرادة والإيجاب. ومنه قولُ أُمّ عطيةَ عَوْثُّ: نُهينا عن اتِّباع الجنائز، ولم
(١) قوله: من، ليس في (م).
(٢) مفردات ألفاظ القرآن (عزم).
(٣) القراءات الشاذة ص ٢٣، والمحتسب ١٧٦/١ عن جابر بن زيد وأبي نهيك وعكرمة
وجعفر بن محمد.

سُورَةُ العَقْرَانَ
١٨٤
الآية : ١٨٦
يُعْزَمْ علينا(١). وما في حديثٍ آخر: يُرغِّبنا في قيام رمضان من غير عزيمة(٢).
وقولهم: عَزَمات الله تعالى، كما نقله الأزهريُّ(٣).
ومن هذا الباب قولُ الفقهاء: تَرْكُ الصلاة زمنَ الحيض عزيمةٌ.
والجملة تعليلٌ لجوابٍ واقع موقعه، كأنه قيل: وإن تصبروا وتثَّقوا فهو خيرٌ
لكم، أو: فقد أحسنتم - أو نحوهما - فإنَّ ذلك .. إلخ.
وجُوِّز أن يكون ((ذلك)) إشارةً إلى صبر المخاطبين وتقواهم، فحينئذٍ تكون
الجملةُ بنفسها جواب الشرط. وفي إبراز الأمر بالصَّبر والتقوى في صورة الشرطية
من إظهار كمال اللطف بالعباد ما لا يخفى.
وزعم بعضُهم أنَّ هذا الأمرَ الذي أشارتْ إليه الآيةُ كان قبلَ نزول آية القتال،
وبنزولها نُسخ ذلك. وصُحِّحَ عدمُ النسخ، وأنَّ الأمر بما ذُكر كان من باب المداراة
التي لا تنافي الأمر بالقتال.
وسبب نزول هذه الآية في قولٍ، ما تقدَّمتِ الإشارة إليه.
وأخرج الواحديُّ عن عروة بن الزبير أنَّ أسامة بن زيد أخبره أنَّ رسول الله وَله
ركب على حمارٍ على قطيفة فَدَكيَّة(٤)، وأردف أسامة بن زيد وسار يعود سعد بن
عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، حتى مرَّ بمجلسٍ فيه عبد الله بن
أبيٍّ - وذلك قبل أن يُسلم عبد الله - فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين
والمشركين عَبَدةِ الأوثان واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشي
المجلسَ عَجاجةُ الدابة خمَّر عبد الله بنُ أبيٍّ أنفه بردائه، ثم قال: لا تُغيِّروا علينا.
فسلّم رسول الله وَ ل﴿ ثم وقف، فنزل ودعاهم إلى الله تعالى، وقرأ عليهم القرآن،
فقال عبد الله بن أبيٍّ: أَيُّها المرءُ، إنه لا أَحْسَنَ مما تقول إن كان حقًّا، فلا تُؤْذِنَا به
(١) أخرجه أحمد (٢٧٣٠٣)، والبخاري (١٢٧٨)، ومسلم (٩٣٨).
(٢) أخرجه النسائي في المجتبى ١٢٩/٤ من قول أبي هريرة ﴿ه.
(٣) في تهذيب اللغة ١٥٤/٢.
(٤) أي: كساء غليظ، منسوب إلى فدك بفتح الفاء والدال، وهي بلد مشهور على مرحلتين من
المدينة. الفتح ٢٣١/٨.

الآية : ١٨٦
١٨٥
سُورَةُ الِغَزْرَانَ
في مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصُصْ عليه. فقال عبد الله بن رواحة:
بلى يا رسول الله، فاغْشَنا به في مجالسنا، فإنَّا نُحبُّ ذلك. واستبَّ المسلمون
والمشركون واليهود، حتى كادوا يتشاورون(١)، فلم يَزَلِ النبيُّ وَّلْ يُخَفِّضُهم حتى
سكنوا. ثم ركب رسول الله ◌َفي دابته، فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال
له: ((يا سعد، ألم تسمع ما قال أبو حُباب - يريد عبد الله بنَ أبيٍّ - قال كذا وكذا))
فقال سعد: يا رسول الله، اعفُ عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب، لقد
جاء الله تعالى بالحق الذي نزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة(٢) على أن
يتوِّجوه ويُعصِّبوه بالعِصابة، فلما ردَّ الله تعالى ذلك بالحقِّ الذي أعطاكه، شَرِقَ
فغصَّ بذلك، فعفا عنه رسول الله وَ له، فأنزل الله تعالى الآية(٣).
وروى الزهريُّ عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، أنَّ
كعب بن الأشرف اليهوديَّ كان شاعراً، وكان يهجو النبيَّ نَّهِ، ويحرِّض عليه كفَّار
قريش في شعره، وكان النبي وَ ل﴿ قَدِمَ المدينةَ وأهلُها أَخلاطٌ، منهم المسلمون،
ومنهم المشركون، ومنهم اليهود، فأراد النبيُّ ◌َ ﴿ أن يستَصْلِحَهم كلَّهم، فكان
المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أَشدَّ الأذى، فأمر الله تعالى نبيَّهِ وَه
بالصَّبر على ذلك، وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾ الآية(٤).
وفي رواية أخرى عن الزهري أنَّ كعباً هذا كان يهجو النبيَّ وَلّهِ ويشبِّب بنساء
المؤمنين، فقال ◌َ: ((مَن لي بابن الأشرف؟)) فقال محمد بن مسلمة: أنا
يا رسول الله، فخرج هو ورضيعه أبو نائلة مع جماعة، فقتلوه غِيلةً وأتوا برأسه إلى
النبيِّ وَّر آخر الليل وهو قائم يصلي (٥).
(١) أي: يتواثبون، أي: قاربوا أن يثب بعضهم على بعض فيقتتلوا. الفتح ٢٣٢/٨.
(٢) البحيرة: مدينة رسول الله وَله وهو تصغير البحرة، والعرب تسمي المدن والقرى البحار.
النهاية (بحر).
(٣) أسباب النزول ص ١٣٠- ١٣١. وأخرجه أحمد (٢١٧٦٧)، والبخاري (٤٥٦٦)، ومسلم
(١٧٩٨) دون قوله: فأنزل الله هذه الآية.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٠٠٠)، والواحدي في أسباب النزول ص١٢٩ -١٣٠.
(٥) أخرجه مطولاً البخاري (٤٠٣٧)، ومسلم (١٨٠١) من حديث جابر ظل دون ذكر هجاء
كعب للنبي 8* وتشبيبه بنساء المسلمين.

سُورَةُ العَقْرَانَ
١٨٦
الآية : ١٨٧
ثم إنه سبحانه بيَّن بعضَ أَذِيَّات أهل الكتاب بقوله عزَّ قائلاً: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ
مِثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ والمراد بهم: إما أحبار اليهود خاصةً، وإليه ذهب ابن
جبير، وهو المرويُّ عن ابن عباس من طريق عكرمة(١)، وإمَّا ما يشملهم وأحبارَ
النصارى، وهو المرويُّ عنه من طريق علقمة(٢).
وإنما ذُكروا بعنوان إيتاء الكتاب مبالغةً في تقبيح حالهم. وقيل: رمزاً إلى أنَّ
أَخْذَ الميثاق كان في كتابهم الذي أُوتوه.
وروى سعيد بن جبير أنَّ أصحاب عبد الله يقرؤون: ((وإذ أخذ ربُّك من الذين
أُوتوا الكتابَ ميثاقهم)»(٣) .
﴿لَتُّبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ جوابُ ((ميثاق)) لتضمُّنه معنى القَسَم، والضمير للكتاب، أي:
بالله لتُظهِرُنَّ جميعَ ما فيه من الأحكام والأخبار التي من جملتها أُمْرُ نبوّة محمد ◌ِ،
وهو المقصود بالحكاية، وظاهر كلام السُّدِّيِّ وابن جبير أنَّ الضمير لمحمد ◌َِّ(٤)،
وإن لم يصرَّح باسمه الشريف عليه الصلاة والسلام.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية ابن عياش: (لَيُبَيِّنَنَّه)) بياء الغيبة(٥)،
وقد قرَّر علماء العربية أنك إذا أخبرتَ عن يمينٍ حُلف بها، فلك في ذلك ثلاثة
أوجه:
أحدها: أن يكون بلفظ الغائب كأنك تُخْبِرُ عن شيءٍ، كأن تقول: استحلفتُه
ليقُومنَّ.
الثاني: أن تأتي بلفظ الحاضر تريد اللفظَ الذي قيل له، فتقول: استحلفته
لتقومنَّ، كأنك قلتَ: قلتُ له: لتقومنَّ.
(١) تفسير الطبري ٢٩٤/٦.
(٢) هو ابن وقاص الليثي، والخبر عن ابن عباس من طريق علقمة أخرجه ابن أبي حاتم
٨٣٦/٣، وأخرجه عنه البخاري (٤٥٦٨) من طريق علقمة أيضاً إلا أنه لم يذكر فيه
سوی الیهود.
(٣) تفسير الطبري ٦/ ٢٩٧.
(٤) أخرج قولهما الطبري ٦/ ٢٩٥ .
(٥) التيسير ص ٩٣، والنشر ٢٤٦/٢.

الآية : ١٨٧
١٨٧
سُورَةُ الِغْرَانَ
الثالث: أن تأتي بلفظ المتكلِّم فتقول: استحلفتُه لأقومنَّ، ومنه قوله تعالى:
﴿تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَيِّنَنَّهُ، وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] بالنون والياء والتاء (١)؛ ولو كان:
تقاسموا أمراً، لم يجىء فيه الياء الحتية؛ لأنه ليس بغائب؛ قاله بعض المحققين.
﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ عَطْفٌ على الجواب، وإنما لم يؤَّد بالنون لكونه منفيًّا، وقال
أبو البقاء(٢): اكتفاءً بالتوكيد في الفعل الأول.
وجُوِّز أن يكون حالاً من ضمير المخاطبين؛ إما على إضمار مبتدأ بعد الواو،
أي: وأنتم لا تكتمونه، وإما على رأي مَن يُجوِّز دخول الواو على المضارع المنفي
عند وقوعه حالاً، أي: لَتُظْهِرَنَّه غير كاتمين.
والنهيُ عن الكتمان بعد الأمر بالبيان للمبالغة في إيجاب المأمور به، كما ذهب
إليه غير واحد، أو لأنَّ المراد بالبيان المأمورٍ به ذِكْرُ الآيات الناطقة بنبوَّته وَّآ،
وبالكتمان المنهي عنه إلقاء(٣) التأويلات الزائغة والشبهات الباطلة كما قيل.
وأخرج ابن جرير (٤) عن الحسن أنه كان يفسِّر ((لتبيِّنُنَّه للناس ولا تكتمونه))
بقوله: لَتتكلَّمُنَّ بالحقِّ ولَتُصَدِّقْنَّه بالعمل. وأَمْرُ النهي بعد الأمر على هذا ظاهرٌ
أيضاً، ولعلَّ الكلام عليه أَفْيَدُ.
وقرأ ابن كثير ومن معه: ((ولا يكتمونه)) بالياء(٥) كما في سابقه.
﴿فَتَبَذُوهُ﴾ أي: طرحوا ما أُخذ منهم من الميثاق ﴿وَرَآءَ تُهُورِهِمْ﴾ ولم يراعوه
ولم يلتفتوا إليه أصلاً، فإنَّ النَّبْذ وراء الظهرِ تمثيلٌ واستعارةٌ لترك الاعتداد وعدم
الالتفات، وعَكْسُه جَعْلُ الشيء نصبَ العين ومقابلها .
﴿وَأَشْتَرَّا بِهِ﴾ أي: بالكتاب الذي أُمروا ببيانه ونُهوا عن كتمانه، وقيل:
الضمير للعهد. والأولُ أولى.
(١) القراءة بالتاء قراءة حمزة والكسائي وخلف، وبالنون قرأ باقي العشرة. التيسير ص ١٦٨،
والنشر ٣٣٨/٢ والقراءة بالياء نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١١٠ لمجاهد.
(٢) الإملاء ١٦٨/٢.
(٣) في (م): إلغاء. والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٢٥/٢ والكلام منه.
(٤) في تفسيره ٦/ ٢٩٧.
(٥) التيسير ص ٩٣، والنشر ٢٤٦/٢.

سُورَةُ العَمَانَ
١٨٨
الآية : ١٨٧
والمعنى: أَخذوا بدله ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ من حطام الدنيا الفانية وأغراضها الفاسدة.
﴿فَبْسَ مَا يَشْتَرُونَ (٨٧)﴾ أي: بئس شيئاً يشترونه ذلك الثمن، فـ ((ما)) نكرةٌ
منصوبةٌ مفسِّرةٌ لفاعل ((بئس)) وجملة ((يشترونه)) صفته، والمخصوص بالذم محذوف.
وقيل: ((ما)) مصدرية فاعل ((بئس))، والمخصوص محذوف، أي: بئس شراؤهم
هذا الشراء؛ لاستحقاقهم به العذاب الأليم.
واستدلَّ بالآية على وجوب إظهار العلم وحرمة كتمان شيءٍ من أمور الدين
الغرضٍ فاسد؛ من تسهيلٍ على الظّلَمة، وتطييبٍ لنفوسهم، واستجلابٍ لمسارِّهم،
واستجذابٍ لمبارِّهم، ونحو ذلك، وفي الخبر: (مَن سُئل عن علمٍ فكتمه، أُلجم
بلجام من نار)»(١).
وروى الثعلبيُّ بإسناده عن الحسن بن عمارة قال: أتيتُ الزهريَّ بعد أن ترك
الحديث، فألفيتُه على بابه، فقلت: إن رأيتَ أن تحدِّثني؟ فقال: أما علمتَ أنِّي
تركتُ الحديث؟ فقلت: إمَّا أن تحدِّثني، وإمَّا أن أُحدِّثك؟ فقال: حدِّثني. فقلت:
حَدَّثَنِي الحَكَمُ ابن ◌ُتيبةٍ (٢) عن يحيى بن الجزَّار(٣) قال: سمعتُ عليَّ بنِ أبي طالب
كرَّم الله تعالى وجهه يقول: ما أَخذ الله تعالى على أهل الجهل أن يتعلَّموا، حتى
أَخذ على أهل العلم أن يُعلِّموا، قال: فحدَّثني أربعين حديثاً (٤).
وأخرج عبد بن حميد(٥) عن أبي هريرة: لولا ما أَخَذَ الله تعالى على أهل
الكتاب ما حدَّثتكم. وتلا هذه الآية.
(١) أخرجه أحمد (٧٥٧١)، وأبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩) من حديث أبي هريرة
وسلف تخريجه ص١٦٧ من هذا الجزء.
(٢) في الأصل و(م): عيينة، والمثبت هو الصواب.
(٣) في الأصل و(م): عن نجم الخراز، والمثبت هو الصواب، ينظر تهذيب الكمال ٢٥٢/٣١.
(٤) تفسير الثعلبي ٢٢٨/٣، وتفسير البغوي ٣٨٣/١، وتفسير القرطبي ٤٥٨/٥، وذكر ابن
ـه دون
الجوزي في زاد المسير ٥٢١/١، والزمخشري في الكشاف ٤٨٦/١ قول علي ـ
القصة .
(٥) كما في الدر المنثور ١٠٨/٢، وأخرجه - أيضاً - ابن حبان (٥٦٨٤)، والحاكم ١٠٨/١
وصححه .

الآية : ١٨٨
١٨٩
سُورَةُ العَقْرَان
وأخرج ابن سعد(١) عن الحسن: لولا الميثاق الذي أخذه الله تعالى على أهل
العلم، ما حدَّثتکم بکثیرٍ مما تسألون عنه.
ويؤيد الاستدلال بالآية - على ما ذُكر - ما أخرجه ابن جرير عن أبي عبيدة
قال: جاء رجلٌ إلى قومٍ في المسجد وفيهم عبد الله بن مسعود، فقال: إنَّ كعباً
يُقرئكم السلام، ويبشِّركم أنَّ هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ إلخ
ليست فيكم، فقال له عبد الله: وأنت فَأقَرِئه السلام [وأخبره] أنها نزلت وهو
يهوديٌّ(٢). وأراد ابن مسعود ظ له، أنَّ كعباً لم يعرف ما أشارت إليه، وإن نزلت
في أهل الكتاب.
﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ خطابٌ لرسول اللهِ وَّه أو لكلِّ أحدٍ ممن يصلح للخطاب، أي:
لا تَظُنَّنَّ ﴿الَّذِينَ يَفْرَعُونَ بِمَآ أَنَا﴾ أي: بما فعلوا، وبه قرأ أبيّ. وقرئ: ((بما آتَوْا))،
و: ((بما أُوتُوا))، وروي الثاني عن عليٍّ كرَّم الله وجهه(٣).
﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ﴾ أي: أن يَحمَدهم الناس، وقيل: المسلمون. وقيل:
رسول الله يلغى .
﴿ِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ قال ابن عباس فيما أخرجه عنه ابن أبي حاتم(٤) من طريق
العوفي: هم أهل الكتاب، أُنزل عليهم الكتاب فحكموا بغير الحق، وحرَّفوا الكلام
عن مواضعه، وفرحوا بذلك، وأَحبُّوا أن يُحمَدوا بما لم يفعلوا من الصلاة
والصيام.
وفي رواية البخاريِّ وغيره عنه أنَّ رسول الله وَّه سألهم عن شيءٍ فكتموه إياه،
وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أَرَوْهُ أنْ قد أَخبروه بما سألهم عنه، واستَحْمَدوا بذلك
إليه، وفرحوا بما أتَوا من كتمان ما سألهم عنه(٥) .
(١) في الطبقات ١٥٨/٧ .
(٢) تفسير الطبري ٢٩٦/٦، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٣) ذكر هذه القراءات ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٣-٢٤.
(٤) في تفسيره ٨٣٨/٣، وأخرجه أيضاً الطبري ٣٠٣/٦ واللفظ له.
(٥) صحيح البخاري (٤٥٦٨)، وصحيح مسلم (٢٧٧٨)، وهو عند أحمد (٢٧١٢).

سُورَةُ الِغَيْرَانَ
١٩٠
الآية : ١٨٨
وأخرج ابن جرير(١) عن سعيد بن جبير: أنهم يفرحون بكتمانهم صفةً
رسولِ الله وَّهِ التي نطق بها كتابهم، ويُحبُّون أن يُحمَدوا بأنهم متَّبِعون دينَ إبراهيم
عليه السلام.
فعلى هذا يكون الموصول عبارةً عن المذكورينَ سابقاً، الذين أُخذ ميثاقهم(٢)،
وقد وُضع موضعَ ضميرهم، وسِيقت الجملةُ لبيان ما يَستتبعُ أعمالَهم المحكيةَ من
العذاب إثر بيان قباحتها، وفي ذلك من التسلية أيضاً ما لا يخفى، وقد أُدمج فيها
بيانُ بعضٍ آخرَ من شنائِعهم وفضائحهم، وهو إصرارُهم على القبيح وفرحُهم بذلك،
ومحبّتُهم لأِنْ يُوصَفوا بما ليس فيهم من الأوصاف الجميلة، وأخرج سبحانه ذلك
مخرجَ المعلوم إيذاناً بشهرة انِّصافهم به.
وقيل: إنَّ الموصولَ عبارةٌ عن أناسٍ منافقين، وهم طائفةٌ معهودونَ من
المذكورين وغيرهم، وأَيِّد ذلك بما أخرجه الشيخان، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان))
عن أبي سعيد الخدري به: أنَّ رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله وَيه
إلى الغزو تخلَّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلافَ رسول اللهِوَ﴿ِ، فإذا قَدِمَ
رسول الله وَ﴿ من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأَحبُّوا أن يُحمَدوا بما لم يفعلوا.
فنزلت هذه الآية (٣).
وروي مثل ذلك عن رافع بن خديج وزيد بن ثابت(٤) وغيرهما .
وقيل: المراد بهؤلاء: المنافقون كافَّة، وقد كان أكثرُهم من اليهود. وادَّعى
بعضهم أنه الأنسبُ بما في حيِّز الصلة، لشهرة أنهم كانوا يفرحون بما فعلوا من
إظهار الإيمان وقلوبُهم مطمئنَّة بالكفر، ويستحمدون إلى المسلمين بالإيمان وهم
عن فعله بألفٍ منزل، وكانوا يُظهرون محبَّةَ المؤمنين وهم في الغاية القاصية من
العداوة.
(١) في تفسيره ٦/ ٣٠٣.
(٢) في (م): ميثاقكم.
(٣) صحيح البخاري (٤٥٦٧)، وصحيح مسلم (٢٧٧٧)، وشعب الإيمان (٤٧٨٢).
(٤) أخرجه عنهما عبد بن حميد كما في الدر المنثور ١٠٨/٢ .

الآية : ١٨٨
١٩١
سُورَةُ العمران
ولا يخفى عليك أنه وإن سلِّم كونُه أنسب، إلا أنه لم يوجَد فيما نعلم من
الآثار الصحيحة ما يؤيده، ومن هنا يُعلم بُعْدُ القول بأنَّ الأَوْلى إجراءُ الموصول
على عمومه، شاملاً لكلِّ مَن يأتي بشيءٍ من الحسنات فيفرحُ به فرحَ إعجاب، ويودٌّ
أن يمدحه الناسُ بما هو عارٍ منه من الفضائل، منتظماً للمعهودين انتظاماً أوَّلياً،
على أنه قد اعتُرض بأنَّ انتظام المعهودين مطلقاً، فضلاً عن كونه أوَّليًّا غيرُ مُسلَّم
إلا إذا عُمِّم ما في ((بما أَتوا) بحيث يشمل الحسنات الحقيقية وغيرها، أما إذا خُصَّ
بالحسنات كما يوهمه ظاهرُ هذا القول، فلا يسلم الانتظام؛ لأنَّ أولئك الفرحين لم
يأتوا بحسنةٍ في نفس الأمر ليفرحوا بها فرحَ إعجاب كما لا يخفى، ولعلَّ الأمر في
هذا سهلٌ، نعم يزيده بُعداً ما أخرجه الإمام أحمد والبخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ
والنسائيُّ والبيهقيُّ في ((الشعب))(١) من طريق حُميد بن عبد الرحمن، أنَّ مروان قال
لبوَّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقلٍ: لئن كان كلُّ امرئٍ منَّا فَرحَ بما أُوتِي
وأَحَبَّ أن يُحمَد بما لم يفعل مُعَذَّباً، لَتُعَذَّبَنَّ أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم
ولهذه الآية؟ إنما أُنزلت هذه الآية في أهل الكتاب. ثم تلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِثَقَ
اٌلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ إلى آخر الآيتين.
فإنه لو كان الأَولى إجراءُ الموصول على عمومه، لأجراه حَبْرُ الأمة وترجمان
القرآن، وأَزالَ الإشكال بتقييد الفرح بفرح الإعجاب، كما فعل صاحب هذا القول.
ولا يلزم من كلام الحبر على هذا عدمُ حُرمةِ الفرحِ فرحَ إعجاب، وحبِّ الحمد
بما لم يفعل بالمرة، بل قصارى ما يلزم منه عدمُ كون ذلك مفادَ الآية كما قيل،
وهو لا يستلزم عدمَ كونه مفاد شيءٍ أصلاً ليكون ذلك قولاً بعدم الحرمة، كيف
وكثيرٌ من النصوص ناطقٌ بحرمة ذلك، حتى عدَّه البعض من الكبائر، فليُفهم.
وأيًّا ما كان، فالموصولُ مفعولٌ أولُ لـ ((تحسبنَّ)»، وقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَهُمْ﴾
تأكيدٌ له، والعربُ - كما قال الزجَّاج(٢) - إذا طالت(٣) القصة تُعيد ((حسبت))
(١) مسند أحمد (٢٧١٢)، وصحيح البخاري (٤٥٦٨)، وصحيح مسلم (٢٧٧٨)، وسنن
الترمذي (٣٠١٤)، وسنن النسائي الكبرى (١١٠٢٠)، وشعب الإيمان (٧٠١٩).
(٢) في معاني القرآن ١/ ٤٩٨ .
(٣) في (م): أطالت، والمثبت من الأصل ومعاني القرآن.

سُورَةُ العَزَانَ
١٩٢
الآية : ١٨٨
وما أشبهها؛ إعلاماً بأنَّ الذي جرى متَّصلٌ بالأول، وتوكيدٌ له، فتقول: لا تَظُنَّنَّ
زيداً إذا جاءك وكلَّمك بكذا وكذا، فلا تظنَّنه صادقاً، فتعيد (١) ((لا تظننَّ)) توكيداً
وتوضيحاً. والفاء زائدةٌ كما في قوله:
فإذا هلكتُ فعند ذلك فاجزعي(٢)
والمفعول الثاني في قوله سبحانه: ﴿بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ أي: متلبِّسين بنجاةٍ
منه، على أنَّ المفازة مصدرٌ ميميٌّ بمعنى الفَوز، والتاء ليست للوَحدة لبناء المصدر
عليه، و((من العذاب» متعلّقٌ به.
وجُوِّز أن تكون المفازة اسمَ مكان، أي: محلّ فوزٍ ونجاة، وأن يُستعار من
المفازة للقَفْر، وحينئذٍ يكون ((من العذاب)) صفةً له؛ لأنَّ اسمَ المكان لا يعمل،
ولا بدَّ من تقدير المتعلَّق خاصًّا، أي: منجيةٍ من العذاب. وتقديره عامًا - أي:
بمفازةٍ كائنةٍ من العذاب - غيرُ صحيح؛ لأنَّ المفازةَ ليست من العذاب. واعتُرض
بأنَّ تقديرَه خاصًّا مع كونه خلافَ الأصل، تعسُّفٌ مستغنّى عنه.
وقُرئ بضمِّ الباء الموحّدة في الفعلين (٣)، على أنَّ الخطاب شاملٌ للمؤمنين
أيضاً، وبياء الغيبة وفتح الباء فيهما(٤)، على أنَّ الفعل له عليه الصلاة والسلام، أو
لكلِّ مَن يتأتَى منه الحسبان، ومفعولاه في القراءتين كما ذُكر من قبل.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالياء وفتح الباء في الفعل الأول، وبالياء وضمِّ الباء
في الفعل الثاني(٥)، على أنَّ فاعلَ ((لا يَحْسِبَن)): ((الذينَ)) بعده، ومفعولاه
محذوفان، يدلُّ عليهما مفعولا مؤكِّده، وفاعلٌ مؤكِّده ضميرُ الموصول، ومفعولاه
ضميرُ ((هم)) و((بمفازة))، أي: لا يَحْسِبَنَّ الذي يفرحون بما أَتوا، فلا يَحْسِبُنَّ أنفسَهم
بمفازة.
(١) في (م): فلا تظنه صادقاً فيفيد، والمثبت من الأصل ومعاني القرآن.
(٢) هذا عجز بيت للنمر بن تولب، وهو في الكتاب ١٣٤/١، والكامل للمبرد ١٢٢٩/٣،
والخزانة ٣١٤/١، وصدره: لا تجزعي إن مُنْفِساً أهلكتُه
(٣) نسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٥٣/١ للضحاك.
(٤) الكشاف ٤٨٦/١.
(٥) مع كسر السين فيهما. التيسير ص ٩٢-٩٣، والنشر ٢٤٦/٢.

الآية : ١٨٨
١٩٣
سُورَةُ الْعَنْمَان
ويجوز أن يكون المفعولُ الأولُ لـ ((لا يَحْسِبَنَّ)) محذوفاً، والمفعول الثاني
مذكوراً، أعني(١) ((بمفازة))، أي(٢): لا يَحْسِبَنَّ الذين يفرحون أنفسَهم فائزين،
وقوله تعالى: ﴿فلا يَحْسِبُّهم﴾ مؤكِّدٌ، والفاء زائدةٌ كما مرَّ.
وأنْ يكون كلا مفعولي ((لا يَحسِبَنَّ) مذكوراً؛ الأول ضميرُهم المتصلُ بالفعل
الثاني، والثاني ((بمفازة))، وهو مبنيٌّ على جَعْلِ التأكيد هو الفعلُ والفاعلُ فقط على
ما هو الأنسب؛ إذ ليس المذكور سابقاً سواهما.
ورُدَّ بأنَّ فيه اتِّصالَ ضميرٍ المفعول بغير عامله، أو فاعلِه المتصل بعامله، ولم
يقل به أحدٌ من النحاة، وإن كان فيه تحاشٍ عن الحذف في هذا الباب.
وفيه نظر؛ إذ قد صرَّح كثيرٌ بجواز ذلك، وقد أُفردتْ هذه المسألةُ بالتدوين.
وجُوِّزَ أيضاً أن يكون الفعل الأول مسنداً إلى ضمير النبيِّ وَِّ، أو كلِّ حاسِبٍ،
والمفعول الأول الموصول، والمفعول الثاني محذوفاً لدلالة مفعول الفعل الثاني
عليه، والفعل الثاني مسنداً إلى ضمير الموصولِ، والفاء للعطف؛ لظهور تفرُّع عدم
حسبانهم على عَدَم حسبانِه عليه الصلاة والسلام، أو عَدَمِ حسبان كلِّ حاسب،
ومفعولاه الضميرُ المنصوب و((بمفازة)).
وتصديرُ الوعيد بنهيهم عن الحسبان المذكور - على ما قال شيخ
الإسلام(٣) - للتنبيه على بطلان آرائهم الركيكة، وقطع أطماعهم الفارغة، حيث
كانوا يزعمون أنهم ينجون بما صنعوا من عذاب الآخرة كما نَجَوْا به من المؤاخذة
الدنيوية، وعليه كان مَبْنَى فرحِهم، وأما نهيه ◌َّ فللتعريض بحسبانهم المذكور،
لا لاحتمال وقوع الحسبان من جهته ێ.
وأنت تعلم أنَّ تعليل التصدير بما ذُكر على تقدير إجراء الموصول على
عمومه - على ما مرَّ - غيرُ ظاهر، إلا أن يقال بالتغليب.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ بيانٌ لثبوت فرْدٍ من العذاب لا غايةَ له في المدة
(١) قبلها في (م): أي، والمثبت من الأصل، وهو الصواب.
(٢) في (م): أن، والمثبت من الأصل، وهو الصواب.
(٣) أبو السعود في تفسيره ١٢٦/٢، وما قبله منه.

سُورَةُ العَمْرَانَ
١٩٤
التفسير الإشاري (١٧٦-١٨٩)
والشدة، إثر ما أُشير إليه من عدم نجاتهم من مطلق العذاب، ويلوِّح بذلك الجملةُ
الاسميةُ، والتنكيرُ التفخيميُّ، والوصف.
وجُوِّز أن يكون هذا إشارةً إلى العذاب الأخرويِّ، ويُحمل نفيُ النجاة من
العذاب فيما تقدَّم على نفي العذاب العاجل، وهو كونُهم مذمومينَ مردودينَ فيما بين
الناس؛ لأنَّ لباس الزُّور لا يبقى، وینکشفُ حالُ صاحبه ويفتضح.
﴿وَلِلَِّ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ تقريرٌ لِمَا قبله، حيث أفاد أنَّ لله وحده السلطانُ
القاهرُ في جميع العالم يتصرَّفُ فيه كيفما يشاء ويختار، إيجاداً وإعداماً، إحياءً
وإماتةً، تعذيباً وإثابةً، ومَن هو كذلك فهو مالكُ أَمرِهم، لا رادَّ له عمَّا أراد بهم.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿٨﴾﴾ تقريرٌ إثرَ تقرير، والإظهارُ في مقام الإضمار
لتربية المهابة مع الإشعار بمناطِ الحكم، فإنَّ شمول القدرة لجميع الأشياء من
أحكام الألوهية، والرمزِ إلى استقلال كلٍّ من الجملتين بالتقرير.
وقيل: مجموعُ الجملتين مسوقٌ لردِّ قول اليهود السابق: إنَّ الله فقيرٌ ونحن
أغنياء. وضُعِّف بالبُعد، ولو قيل: وفيه ردٌّ، لهانَ الأمر.
هذا، ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ﴾ لتوقُّع الضرر، أو لشدَّة
الغيرة ﴿الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ﴾ لحجابهم الأصلي وظلمتهم الذاتية ﴿إِنَّهُمْ لَن
يَضُرُوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ فإنَّ ساحة الكبرياء مقدَّسةٌ عن هجوم ظِلال الضَّلال، أو المراد: لن
يضرُّوك أيُّها المَظْهَرُ الأعظم، إلا أنه تعالى أَقام نفسَه مُقام نفسِهِ بَّهِ، وفي الآية
إشارةٌ إلى الفَرْق والجمع(١) .
﴿يُرِيدُ اللّهُ﴾ إظهاراً لصفة قهره ﴿أَلَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَقَِّا فِىِ الْآَخِرَةِّ وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
لِعِظَم حجابهم ونَظَرهم إلى الأغيار.
(١) الفرق ما نسب إليك، والجمع ما سلب منك، ومعناه أن ما يكون كسباً للعبد من إقامة
وظائف العبودية وما يليق بأحوال البشرية فهو فرق، وما يكون من قبل الحق من إبداء معان
وابتداء لطف وإحسان فهو جمع، ولابد للعبد منهما، فإن مَن لا تفرقة له لا عبودية له، ومَن
لا جمع له لا معرفة له. التعريفات للجرجاني ص ١٠٥ .

التفسير الإشاري (١٧٦-١٨٩)
١٩٥
سُوَّةُ العَقْرَانَ
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَشْتَرَوَأْ الْكُفْرَ﴾ وأخذوه ﴿بِآلْإِيمَنِ﴾ بدله؛ لقُبْح استعدادهم وسوء
اختيارهم الغير المجعول ﴿لَنْ يَضُّواْ اللَّهَ شَيْئًا﴾ ولكنْ يضرُّون أنفسَهم لحرمانها تجلِّي
الجمال ﴿وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لكونهم غَدَوا بذلك مَظْهَرَ الجلال.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنَّمَا تُعْلِى لَمْ﴾ ونزيدُ في مَدَدهم ﴿خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمْ﴾ ينتفعون
به في القُرْب إلينا ﴿إِنََّا نُعْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوَاْ إِثْمًا﴾ بسبب ذلك، لازديادهم حجاباً على
حجاب، ويُعْداً على بُعْد ﴿وَلَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ لفرط بُعْدِهم عن منبع العزِّ.
﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ من ظاهر الإسلام وتصديق اللسان
﴿حَّ يَمِيزَ الْخِيثَ﴾ من صفات النفس وحظوظِ الشيطان ودواعي الهوى ﴿مِنَ
اَلَّيِّبِ﴾ وهو صفات القلب كالإخلاص، واليقين، والمكاشفة، ومشاهدة الروح،
ومناغاة السِّرِّ ومُسامَراته، وذلك بوقوع الفتن والمصائب بينكم.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُظْلِمَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ أي: غيبٍ وجودكم من الحقائق الكامنة فيكم،
بلا واسطةِ الرسولِ؛ للبعد وعدم المناسبة، وانتفاءِ استعداد التلقِّي منه سبحانه
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِ مِن ◌ُسُلِهِ، مَنْ يَاءٌ﴾ فيطلعه على ذلك ويهديكم إلى ما غاب عنكم
من كنوز وجودكم وأسراره، للجنسية التي بينكم وبينه ﴿فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّهِ﴾
بالتصديق والتمسُّك بالشريعة ليُمكنكم التلقِّي منهم ﴿وَإِن تُؤْمِنُوا﴾ بعد ذلك الإيمانَ
الحقيقيَّ الحاصلَ بالسلوك والمتابعة في الطريقة ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ الحُجُبَ والموانع ﴿فَلَكُمْ
أَخْرٌ عَظِيمٌ﴾ من كَشْف الحقيقة.
وقد يقال: إنَّ اللهِ تعالى غيوباً: غيبَ الظاهر، وغيبَ الباطن، وغيبَ الغيب،
وسرَّ الغيب، وغيبَ السِّرِّ.
فغيبُ الظاهر: هو ما أخبر به سبحانه عن(١) أَمْر الآخرة. وغيبُ الباطن: هو
غيبُ المقدرات المكنونة عن قلوب الأغيار. وغيبُ الغيب: هو سرُّ الصفات في
الأفعال. وسِرُّ الغيب: هو نور الذات في الصفة. وغيبُ السِّرِّ: هو غيبُ القِدَم وسرُّ
الحقيقة .
(١) في الأصل: من.

سُورَةُ العَقْرَان
١٩٦
التفسير الإشاري (١٧٦ -١٨٩)
والاطّلاع بالواسطة - على ما عدا الأخير - واقعٌ للسالكين على حَسَبٍ مراتبهم،
وأما الاطلاع على الأخير فغير واقع لأحدٍ أصلاً، فإنَّ الأزليةَ منزَّهةٌ عن الإدراك
وخاصة بنبينا بَّة، من ذلك المعنى رؤيته بنعت الكَشْف له، وابتسامُ صباح الأزل
في وجهه، لا بنعت الإحاطة والإدراك.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَلُهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ.﴾ من المال، أو العلم، أو
القدرة، أو النفس، فلا ينفقونه في سبيل الله على المستحقِّين، أو المستعدِّين، أو
الأنبياء والصِّدِّيقين في الذَّبِّ عنهم، أو في الفناء في الله تعالى ﴿هُوَ خَيّْاً لَّ بَلْ هُوَ
شَرٌّ لَمُمْ﴾ لاحتجابهم به ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَعِلُواْ بِهِ، يَوْمَ اُلْقِيَّمَةُ﴾ ويُلزَمون وَباله، ويبقى
ذلك حسرةً في قلوبهم عند هلاكهم على ما يشير إليه(١) قوله تعالى: ﴿وَلَِّ مِيَرَّتُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وقد ذكر بعض العارفين أنَّ من أعظم أنواع البخل كَتْمَ الأسرار عن أهلها،
وعدمَ إظهار مواهب الله تعالى على المريدين، وإبقاءهم في مهامِهِ الطريق مع
التمگُّن من إرشادِهم.
ويقال: إنَّ مبنى الطريق على السخاء، وإنَّ السخاء بالمال وصفُ المريدين،
والسخاء بالنفس وصفُ المحبِّين، وبالروح وصفُ العارفين.
وقال ابن عطاء: السخاءُ: بذلُ النفس والسِّرِّ والروح والكلّ، ومَن بَخِلَ في
طريق الحقِّ بماله، حُجب وبقي معه، ومَن نظر إلى الغير حُرم فوائدَ الحقِّ وسواطعَ
أنوار القرب.
﴿لَقَدْ سَبِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ وهم اليهود حيث
سمعوا الاستقراض ولم يفهموا سرَّه، فوقعوا فيما وقعوا، وقالوا ما قالوا. وهذا
القول إنما يجرُّ إليه الطغيان وغلبةُ الصفات الذميمة، واستيلاءُ سلطان الهوى على
النفس الأَمَّارة، فتطلب حينئذٍ الارتداءَ برداء الربوبية، ومن هنا تقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ
الْأَعْلَ﴾ [النازعات: ٢٤] أحياناً، مع حجابها وبُعدها عن الحضرة.
(١) قوله: إليه، ليس في (م).

التفسير الإشاري (١٧٦-١٨٩)
١٩٧
سُورَةُ العَقْرَانَ
﴿الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبٍَ تَأْكُلُ
النَّارُ﴾ قيل: إنه روي أنَّ أنبياءَ بني إسرائيل كانت معجزتهم أن يأتوا بقُربان
فيدعوا الله تعالى، فتأتي نارٌ من السماء فتأكله، وتأويله أن يأتوا بنفوسهم يتقرَّبون
بها إلى الله تعالى، ويدعون بالزهد والعبادة، فتأتي نارُ العشق من سماء الروح،
فتأكله وتفنيه في الوحدة، وبعد ذلك تصحُّ نبوَّتهم وتظهر، فلما سمع بذلك عوامُ بني
إسرائيل اعتقدوا ظاهره الممكنَ في عالم القدرة، فاقترحوا على كلِّ نبيِّ تلك الآية،
إلى أن جاء نبيُّنَا وَّهِ، فاقترحوا عليه، ونَقَلَ الله تعالى ذلك لنا، وردَّه عليهم.
وأَوْلى من هذا في باب التأويل: أنَّ يهودَ صفاتِ النفس البهيمية والشيطانية
قالوا لرسول الخاطر الرحمانيّ والإلهام الرباني: لانَنقَادُ لك ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَارٍ﴾ هو
الدنيا وما فيها، تجعلها نسيكةً لله عزَّ وجلَّ، فتأكلها نارُ المحبة.
- ب
﴿قُلْ﴾ يا وارد الحق ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى﴾ أي: واردات الحق
﴿بِالْبَيِّنَتِ﴾ بالحجج الباهرة ﴿وَبِأَلَّذِى قُلْتُمْ﴾ وهو جَعْلُ الدنيا وما فيها قرباناً ﴿فَلِمَ
قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ أي: غلبتموهم ومحوتموهم حتى لم تُبُقوا أثراً لتلك الواردات ﴿إِن كُمْ
مَدِقِينَ﴾ في آنکم تؤمنون لمن یأتیکم بذلك.
﴿فَإِن كَذَّبُوكَ﴾ خطابٌ للرسول الأعظمَِه ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُو
بِالْبَيْنَتِ﴾ للعوام ﴿وَالزُّبُرِ﴾ للمتوسِّطين ﴿وَالْكِتَبِ الْمُنِيرِ﴾ للخواصِّ.
ويحتمل أن يكون الأول إشارةً إلى توحيد الأفعال، والثاني إلى توحيد
الصفات، والثالث إلى توحيد الذات المشار إليه بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِّ﴾ [النور: ٣٥] ولهذا أتى بالكتاب مفرداً، ووصفه بالمنير.
وجُوِّز أن يكون الخطابُ للوارد الرحماني، والرسلُ إشارةٌ إلى الواردات
المختلفة المتنوِّعة.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْوِّثُ﴾ حكمٌ شاملٌ لجميع الأنفس، مجرَّدً كانت أو بسيطة،
بحَمْل الموت على ما يشمل الموت الطبيعي والفناء في الله سبحانه وتعالى ﴿وَإِنَّمَا
تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ على اختلافها يوم القيامة ﴿فَمَن زُحْرِجَ عَنِ الثَّارِ﴾ أي: نار
الحجاب، أو ما يعمُّها والنار المعروفة ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ المتنوّعةَ إلى ما قدَّمناه

سُورَةُ العَمَانَ
١٩٨
التفسير الإشاري (١٧٦-١٨٩)
إلَّا
غيرَ مرَّة، أو الجنة بالمعنى الأعم ﴿فَقَدْ فَازَّ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾ ولذاتها الفانية
مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ لأنها الحجاب الأعظم لمن نظر إليها من حيث هي.
﴿لَتُبْلَوُنَ﴾ أي: لَتُختبرُنَّ ﴿فِى أَمْوَلِكُمْ﴾ بإيجاب إنفاقها مع ميلكم إليها
﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ بتعريضها لما(١) يكاد يجرُّ إلى إتلافها مع حبِّكم لها.
وقال بعض العارفين: إنَّ الله تعالى أظهرَ النفسَ وزيَّنها بكسوة الربوبية، ومَلأَها
باللُّطف والقهر، وكساها زينةَ الملك من الأموال ابتلاءً وامتحاناً.
فمن نظر إلى نفسه بعين زينة الربوبية فَنِيَتْ نفسُه فيها، ونطق لسانُ الربوبية منه،
وصار كشجرة موسى عليه السلام حيث نطق الحقُّ منها، وذلك مثل الحلاج
القائل: أنا الحقُّ(٢).
ومَن نظر إلى زينة الأموال التي هي زينةُ الملك، صار حالُهُ كحال سليمان عليه
السلام حيث كان ينظر إلى عِظَم جلال المولى من خلال تلك الزينة.
ومَن نظر إلى نفسه من حيث إنها نفسه واغترَّ بالسَّراب، ولم يحقق بالذوق
ما عنده، صار حاله كحال فرعون إذ نادى ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤].
ومَن نظر إلى خضرة الدنيا، وحسا كأسَ شهواتها، وسَكِرَ بها، صار كبلعام
﴿فَثَلُهُ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأع راف: ١٧٦]
وهذا وجهُ الابتلاء بالأموال والأنفس، وأيُّ ابتلاءٍ أعظمُ من رؤية الملك، ورؤية
الربوبية في الكون الذي هو محلُّ الالتباس.
﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وهم أهل مقام الجمع ﴿وَمِنَ
الَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ وهم أهل الكثرة ﴿أَذَى كَثِيرًا﴾ لنطقهم بما يخالف مشربكم.
(١) في الأصل: إلى ما.
(٢) الحلاج هو الحسين بن منصور بن محمي الفارسي، وكان جده محمي مجوسيًّا، وقد تبرأ
منه سائر الصوفية والمشايخ والعلماء بسبب سوء سيرته ومروقه، ومنهم مَن نسبه إلى
الحلول، ومنهم مَن نسبه إلى الزندقة. سير أعلام النبلاء ٣١٣/١٤. وقال ابن تيمية في
مجموع الفتاوى ٢/ ٤٨٠: مَن اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قتل الحلاج عليها
فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين؛ فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد ونحو ذلك
من مقالات أهل الزندقة والإلحاد، كقوله: أنا الله، وقوله: إله في السماء وإله في الأرض.

الآية : ١٩٠
١٩٩
سُورَةُ العَقْرَانَ
والخطاب للمتوسِّطين من السالكين، فإنهم ينكرون على أهل مقام الجمع وعلى
أهل الكثرة جميعاً، ما داموا غير واصلين إلى توحيد الذات، وغير كارعين من بحار
الفرق بعد الجمع.
﴿وَأَنْ تَصْبِرُواْ﴾ على مجاهدة أنفسكم ﴿وَتَتَّقُوا﴾ النظر إلى الأغيار ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ
مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: من الأمور المطلوبة التي تجرُّ إلى المقصود والفوزِ
بالمطلوب.
﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ، لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ الظاهر هنا
عدمُ صحة إرادة المعنى الذي أُريد من الذين أوتوا الكتاب آنفاً، ومَن حَمَلَه عليه
تكلّف جدًّا، فلعلَّه باقٍ على ظاهره، أو أنه إشارةٌ إلى العلماء مطلقاً، وضمير
﴿فَتَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ إلخ راجعٌ إليهم باعتبار البعض، فتدبّر.
إِلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَعُونَ بِمَا أَنَا﴾ أي: يُعجَبون بما فعلوا من طاعة، ويُحجبون
برؤيته ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ﴾ أي: يحمدهم الناس، فهم محجوبون بغرض الحمد
والثناء من الناس، أو أن يكونوا محمودين عند الله ﴿ِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ بل فَعَلَه الله
تعالى على أيديهم؛ إذ لا فِعْلَ حقيقةً إلا لله تعالى ﴿فَلَا تَحْسَبَّهُم بِمَفَاذَةٍ مِّنَ الْعَذَابِّ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وهو عذابُ الحرمان والحجاب.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِ﴾ ليس لأحدٍ فيهما شيء، وهو المتصرِّف فيها
وفيما اشتملتا عليه، فكيف يعجب مَنْ ظَهَرَ على يده فِعْلٌ بما ظهر ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يقدر سواه على فعل ما حتى يُحجَب برؤيته.
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ تأكيدٌ لِمَا قبله، وإقامةُ دليلٍ عليه، ولذا لم
يُعطَف، وأتى بكلمة ((إنَّ) اعتناءً بتحقُّق مضمون الجملة، أي: إنَّ في
إيجادهما وإنشاءهما على ما هما عليه من العجائب والبدائع.
﴿وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: تَعَاقُبهما، ومجيءٍ كلِّ مهما خلفَ الآخر،
بحسب طلوع الشمس وغروبها التابعَيْنِ لسباحتها في بحر قدرته سبحانه حَسبَ

سُورَةُ الْعَنْران
٢٠٠
الآية : ١٩٠
إرادته، وخبرُ الخرزتين(١) خارجٌ عن سِلْك القبول، وبفرض نَظْمه فيه مؤوَّلٌ، وثقبُ
التأويل واسعٌ.
وكونُ ذلك تابعاً لحركة السماوات وسكون الأرض - كما قاله مولانا شيخ
الإسلام(٢) - مخالفٌ لما ذهب إليه جمهور أهل السنَّة من المحدِّثين وغيرهم، من
سكون السماوات وتحرُّك النجوم أنفسِها بتقدير الله تعالى العليم، وما ذهب إليه هو
مذهب الحكماء المشهورُ بين الناس.
وقد ذكر مولانا الشيخ الأكبر قُدِّس سِرُّه ما يخالفه أيضاً، حيث قال: إنَّ الله
سبحانه جعل هذه السماوات ساكنةً، وخَلَق فيها نجوماً تَسْبَحُ بها، وجَعَلَ لها في
سباحتها حركاتٍ مقدَّرةً لا تزيد ولا تنقص، وجعلها تسيرُ في جِرْم السماء الذي هو
مساحتها، فتخرق الهواء المماسَّ لها، فيحدث بسيرها أصواتٌ ونغماتٌ مُطربةٌ
لكون سيرها على وزنٍ معلوم، فتلك نغماتُ الأفلاك الحادثةُ من قَطْع الكواكب
المسافات السماوية، وجعل أصحاب علم الهيئة للأفلاك ترتيباً ممكناً في حكم
العقل، وجعلوا الكواكب في الأفلاك كالشَّامات على سطح الجسم، وكلُّ ما قالوه
يعطيه ميزانُ حركاتها، وإنَّ الله تعالى لو فعل ذلك كما ذكروه لكان السيرُ السيرَ
بعينه، ولذلك يصيبون في علم الكسوفات ونحوه، وقالوا: إنَّ السماوات كالأُكَرِ (٣)
وإن الأرض في جوفها، وذلك كلُّه ترتيبٌ وضعيٍّ يجوز في الإمكان غيره، وهم
مصيبون في الأوزان، مخطئون في أنَّ الأمر كما رتَّبوه، فليس الأمر إلا على
ما ذكرناه شهوداً. انتهى.
ويؤيد دعوى أنه يجوز في الإمكان غيره، ما ذهب إليه أصحاب الزِّيج(٤)
(١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٩١٢) عن سلمان قال: الليل موكل به ملك يقال له شراهيل،
فإذا جاء وقت الليل أخذ خرزة سوداء فدلاها من قبل المغرب، فإذا نظرت إليها الشمس
وجبت في أسرع من طرفة عين ... فلا تزال الخرزة معلقة حتى يجيء ملك آخر يقال له
هراهيل بخرزة بيضاء فيعلقها من قبل المطلع ... إلخ.
(٢) أبو السعود في تفسيره ٢/ ١٢٧ .
(٣) الأُكَر: الحُفَرُ في الأرض، والأُكْرَة: الحفرة في الأرض يجتمع فيها الماء فيُعرف صافياً.
لسان العرب (أكر).
(٤) الزِّيج: كتاب يحسب فيه سير الكواكب، وتستخرج التقويمات. التاج (زيج).