النص المفهرس
صفحات 161-180
الآية : ١٧٩ ١٦١ سُورَةُ الْعَمْرَانَ للمخلصين تشريفاً لهم، والاستدراك إشارة إلى كيفية وقوعه على سبيل الإجمال، وأنَّ المعنى: ما كان الله ليتركَ المخلصين على الاختلاط بالمنافقين، بل يرتِّب المبادئ حتى يُخرج المنافقين من بينهم، وما يفعل ذلك بإطلاعكم على ما في قلوبهم من الكفر والنفاق، ولكنه تعالى يوحي إلى رسوله وَل في فيخبره بذلك، وبما ظهر منهم من الأقوال والأفعال حَسْبما حَكَى عنهم بعضَه فيما سلف، فیفضحهم على رؤوس الأشهاد، ويخلِّصكم مما تكرهون. وذَكَر أنه قد جُوِّز أن يكون المعنى: لا يترككم مختلطين حتى يميز الخبيث من الطيب، بأنْ يكلِّفكم التكاليفَ الصعبة التي لا يصبر عليها إلا الخُلَّص الذين امتحن الله تعالى قلوبهم؛ كبذل الأرواح في الجهاد، وإنفاقِ الأموال في سبيل الله تعالى، فيجعل ذلك عياراً على عقائدكم وشاهداً بضمائركم، حتى يعلم بعضكم بما في قلب بعض بطريق الاستدلال، لا من جهة الوقوف على ذات الصدور، فإنَّ ذلك مما استأثر الله تعالی به. وتعقَّبه بأنَّ الاستدراك باجتباء الرسل المُنْبىءَ عن مزيد مزيَّتهم وفَضْلٍ معرفتهم على الخلق، إثر بيان قصور رتبتهم عن الوقوف على خفايا السرائر، صريحٌ في أنَّ المراد إظهارُ تلك السرائر بطريق الوحي، لا بطريق التكليف بما يؤدِّي إلى خروج أسرارهم عن رتبة الخفاء(١). وأنت تعلم أنَّ دعوى أنَّ الاستدراك صريحٌ فيما اذَّعاه من المراد، مما لا يكاد يُثبته الدليل، ولهذا قيل: إنَّ حاصل المعنى: ليس لكم رتبةُ الاطّلاع على الغيب، وإنما لكم رتبةُ العلم الاستدلاليِّ الحاصل من نَصْبِ العلامات والأدلة، والله تعالى سيمنحكم بذلك، فلا تطمعوا في غيره، فإنَّ رتبةَ الاطّلاع على الغيب لمن شاء من رسله، وأين أنتم من أولئك المصطفين الأخيار؟ نعم ما ذكره هذا المولى أَظْهَرُ وأَوْلَى، وقد سبقه إليه أبو حيان(٢). والمراد من قوله سبحانه: ﴿لِطْلِمَكُمْ﴾ إما: ليؤتي أحدَكَم علمَ الغيب، فيطّلع (١) تفسير أبي السعود ١١٩/٢ -١٢٠. (٢) في البحر ١٢٦/٣ . سُؤَدَةُ آل عمران ١٦٢ الآية : ١٧٩ على ما في القلوب، أو: ليُطلع جميعكم، أي أنه تعالى لا يُظْلِعُ جميعَكم على ذلك، بل يختصُّ به من أراد. وأُيِّد الأول بأنَّ سببَ النزول أكثرُ ملاءمةً له، فقد أخرج ابن جرير(١) عن السُّدِّي أنَّ الكَفَرة قالوا: إن كان محمدٌ صادقاً، فليخبرنا مَن يؤمن منَّا ومَن يكفر، فنزلت. ونقل الواحديُّ(٢) عن السُّدِّيِّ أنَّ رسول الله وَّيِ قال: ((عُرضتْ عليَّ أمتي في صُورها، كما عُرضتْ على آدم، وأُعلِمتُ مَنْ يؤمنُ بي ومن يكفر)). فبلغ ذلك المنافقين فاستهزؤوا وقالوا: يزعمُ محمدٌ أنه يعلمُ مَنْ يؤمن به ومَنْ يكفر، ونحن معه ولا يعرفنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال الكلبيُّ: قالت قريش: تزعم يا محمد أنَّ مَنْ خالفَكَ فهو في النار، والله تعالى عليه غضبان، وأنَّ من اتَّبعك على دينك فهو من أهل الجنة، والله تعالى عنه راضٍ، فأخبرنا بمن يؤمن بك ومَن لا يؤمن، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأُيِّد الثاني: بأنَّ ظاهرَ السَّوقِ يقتضيه، قيل: والحقُّ اتِّباع السَّوق، ويكفي أدنى مناسبةٍ بالقصَّة في كونها سبباً للنزول، على أنَّ في سند هذه الآثار مقالاً، حتى قال بعض الحفّاظ في بعضها: إنِّي لم أقف عليه(٣). وقد روي عن أبي العالية ما يخالفها، وهو أنَّ المؤمنين سألوا(٤) أن يُعطَوا علامةً يُفرِّقون بها بين المؤمن والمنافق. فنزلت. والاجتباء: الاستخلاص كما روي عن أبي مالك، ويَؤُولُ إلى الاصطفاء والاختيار، وهو المشهور في تفسيره، ويقال: جَبَوْتُ المال وجَبَيْتُه، بالواو والياء، فياءُ يجتبي هنا؛ إما على أصلها، أو منقلبة عن(٥) واوٍ لانكسار ما قبلها، وعبَّر به (١) في تفسيره ٦/ ٢٦٤ . (٢) في أسباب النزول ص ١٢٧ . (٣) هو السيوطي كما في حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي ٨٥/٣. (٤) في الأصل و(م): سئلوا، والمثبت من أسباب النزول للواحدي ص ١٢٧، وتفسير القرطبي ٤٣٤/٥. (٥) في (م): من. الآية : ١٧٩ ١٦٣ سُؤَدَّةُ العَقْرَانَ للإيذان بأنَّ الوقوف على الأسرار الغيبية لا يتأتّى إلا ممن رشَّحه الله تعالى لمنصبٍ جليلٍ تقاصَرَتْ عنه همم الأمم، واصطفاه على الجماهير لإرشادهم. و ((من)) لابتداء الغاية، وتعميمُ الاجتباء لسائر الرسل عليهم السلام للدلالة على أنَّ شأنه عليه الصلاة والسلام في هذا الباب أَمْرٌ مبيَّن(١) له أصلٌ جارٍ على سنَّة الله تعالى المسلوكة فيما بين الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم. وقيل: إنها للتبعيض، فإنَّ الاطلاع على المغيَّيات مختصٍّ ببعض الرسل، وفي بعض الأوقات، حَسْبَما تقتضيه مشيئته تعالى، ولا يخفى أنَّ كونَ ذلك في بعض الأوقات مُسَلَّمٌ، وأما كونه مختصًّا ببعض الرسل ففي القلب منه شيء، ولعلَّ الصوابَ خلافُهُ. ولا يُشْكِلُ على هذا أنَّ الله تعالى قد يُطْلِعُ على الغيب بعضَ أهل الكشف ذوي الأنفس القدسية؛ لأنَّ ذلك بطريق الوراثة، لا استقلالاً، وهم يقولون: إنَّ المختصَّ بالرسل عليهم السلام هو الثاني، على أنه إذا كان المراد ما أَيَّده السَّوق بَعُدَ هذا الاستشكال. وإظهار الاسم الجليل في الموضعين لتربية المهابة، ومثلُه على ما قيل ما في قوله تعالى: ﴿فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلٍِ﴾ والمراد: آمنوا بصفة الإخلاص، فلا يضرُّ كونُ الخطاب عامًّا للمنافقين، وهم مؤمنون ظاهراً. وتعميم الأمر مع أنَّ سَوْقَ النَّظم الكريم للإيمان بالنبيِّ وَّ؛ لإيجاب الإيمان به بالطريق البرهاني، والإشعارِ بأنَّ ذلك مستلزمٌ للإيمان بالكلِّ؛ لأنه وَّةِ مصدِّقٌ لما بين يديه من الرسل، وهم شهداءُ بصحّة نبؤَّته، والمأمور به الإيمان بكلِّ ما جاء به عليه الصلاة والسلام، فيدخل فيه تصديقُه فيما أَخبر به من أحوال المنافقين دخولاً أوليًّا . وقد يقال: إنَّ المراد من الإيمان بالله تعالى أن يعلَموه وحده مُطَلِعاً على الغيب، ومن الإيمان برسله أن يَعلَموهم عباداً مُجْتَبِيْنَ، لا يعلمون إلا ما علَّمهم الله تعالى، ولا يقولون إلا ما يوحى إليهم في أمر الشرائع. (١) في تفسير أبي السعود ١١٩/٢ (والكلام منه): متين. سُورَةُ العمران ١٦٤ الآية : ١٨٠ وكونُ المرادِ من الإيمان بالله تعالى: الإيمانَ بأنه سبحانه وتعالى لا يترك المخلصين على الاختلاط حتى يَميز الخبيث من الطيب بنصب العلامات وتحصيل العلم الاستدلالي بمعرفة المؤمن والمنافق، ومن الإيمان برسله: الإيمان بأنهم المترشِّحون للاطلاع على الغيب لا غيرهم، بعيدٌ كما لا يخفى. ﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ﴾ أي: بالله تعالى ورسله حقَّ الإيمان ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ المخالفةَ في قَلَكُمْ﴾ بمقابلة ذلك فضلاً من الله تعالى ﴿أَثْرُ الأمر والنهي، أو تتقوا النفاق ﴿ عَظِيمٌ ﴾﴾ لا يُكْتَنَهُ ولا يُحَدُّ في الدنيا والآخرة. ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَئُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرَاً لَّمْ﴾ بيانٌ لحال البخل وسوء عاقبته، وتخطئةٌ لأهله في دعواهم خيريَّته حَسْبَ بيان حال الإملاء، وبهذا ترتبط الآية بما قبلها . وقيل: وجهُ الارتباط، أنه تعالى لمَّا بالغ في التحريض على بذل الأرواح في الجهاد وغيره، شَرَعَ هاهنا في التحريض على بذل المال، وبيَّن الوعيد الشديد لمن يبخل . وإيرادُ ما بخلوا به بعنوان إيتاء الله تعالى إياه من فضله، للمبالغة في بيان سوء صنيعهم، فإنَّ ذلك من موجبات بذله في سبيله سبحانه. وفِعْلُ الحسبان مُسْنَدٌ إلى الموصول، والمفعول الأول محذوف لدلالة الصلة عليه . واعتُرض بأنَّ المفعول في هذا الباب مطلوبٌ من جهتين: من جهة العامل فيه، ومن جهة كونه أحدَ جزأَي الجملة، فلما تكرّر طلبُهُ، امتنع حذفه. ونُقض ذلك بخبر ((كان)) فإنه مطلوبٌ من جهتين أيضاً، ولا خلاف في جواز حذفه إذا دلَّ عليه دليل. ونقل الطيبيُّ عن صاحب ((الكشاف)) أنَّ حذف أحد مفعولي ((حسب)) إنما يجوز إذا كان فاعلُ ((حسب)) ومفعولاه شيئاً واحداً في المعنى(١)؛ كقوله تعالى: (ولا يحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً)) على القراءة بالياء التحتية، ثم قال: وهذه الآية ليست كذلك، فلابدَّ من التأويل بأن يقال: إن ((الذين يبخلون)) الفاعل (١) الكشاف ٣/ ٧٤، عند تفسير الآية (٥٧) من سورة النور. الآية : ١٨٠ ١٦٥ سُورَةُ آلِ ◌ّعَنْرَانَ لمَّا اشتمل على البخل كان في حكم اتحاد الفاعل والمفعول، ولذلك حذف(١). وقيل: إنَّ الزمخشريَّ كنى عن قوة القرينة بالاتحاد الذي ذكره. وكلا القولين ليسا بشيء، والصحيح أنَّ مدار صحة الحذف القرينةُ، فمتى وجدت جاز الحذف، ومتی لم توجد لم يجز. والقول بأنَّ ((هو)) ضميرُ رفع استُعير في مكان المنصوب، وهو راجعٌ إلى البخل أو الإيتاء على أنه مفعولٌ أولَ، تعسُّفٌ جدًّا لا يليق بالنَّظْم الكريم، وإن جوَّزه المولى عصام الدين تبعاً لأبي البقاء، حتى قال في ((الدر المصون)): إنه غلط(٢). والصحيح أنه ضمير فصلٍ بين مفعولي (حَسِبَ)) لا توكيدٌ للمُظْهَر كما توهّم. وقيل: الفعل مسندٌ إلى ضمير النبيِّ وَّ، أو ضميرٍ مَن ((يحسب))، والمفعول الأول هو الموصول بتقدير مضاف، أي: بُخْلَ الذين، والثاني: خيراً، كما في الوجه الأول. وهو خلاف الظاهر، نعم إنه متعيِّنٌ على قراءة الخطاب. وعلى كلِّ تقدير يُقدَّر بين الباء ومجرورها مضافٌ، أي: لا يحسبنَّ - أو: لا تحسبنَّ - الذين يبخلون بإنفاقِ أو زكاةٍ ما آتاهم الله من فضله هو صفةً حسنة، أو خيراً لهم من الإنفاق ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ﴾ عظيم ﴿لَهُمْ﴾ والتنصيصُ على ذلك مع علمه مما تقدم للمبالغة. وَسَبُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ اُلْقِيَّمَةُ﴾ بيانٌ لكيفية شَرِّيَّته لهم، والسين مَزيدةٌ للتأكيد، والكلام عند الأكثرين محمول(٣) على ظاهره، فقد أخرج البخاريُّ عن أبي هريرة ﴿به قال: قال رسول اللهِ وَله: ((مَن آتاهُ اللهُ تعالى مالاً فَلَم يؤدِّ زكاته، مُثِّلَ له شجاعٌ أقرعُ له زبيبتان، يُطوِّقه يومَ القيامة، فيأخذ بِلهْزِمَتَيْه يقول: أنا مالُكَ، أنا كَنْزُكَ)) ثم تلا هذه الآية(٤). (١) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٢) الدر المصون ٥١١/٣، وقول أبي البقاء في الإملاء ١٦٠/٢-١٦١. (٣) في (م): إما محمول. (٤) صحيح البخاري (١٤٠٣)، وهو عند أحمد (٨٦٦١). قال ابن حجر في فتح الباري ٣/ ٢٧٠ : الشجاع: الحية الذكر، والأقرع: الذي تقرَّع رأسه أي تمغَّط لكثرة السم. وبلهزمتيه، أي: بشدقیه . سُورَةُ العُمرَانَ ١٦٦ الآية : ١٨٠ وأخرج غير واحد عن النبيِّ وَ # أنه قال: ((ما من ذي رَحِم يأتي ذا رَحِمه، فيسأله من فَضْل ما أعطاه الله تعالى إياه، فيبخلُ عليه، إلا خَرج له يوم القيامة من جهنم شجاعٌ يتلمَّظ حتى يطوّقه)) ثم قرأ الآية(١). وأخرج عبد الرزاق وغيره عن إبراهيم النخعي أنه قال: يُجعل ما بخلوا به طَوْقاً من نارٍ في أعناقهم(٢). وذهب بعضهم إلى أنَّ الظاهر غيرُ مراد، والمعنى كما قال مجاهد: سيُكلَّفون أن يأتوا بمثل بما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة، عقوبةً لهم، فلا يأتون. وقال أبو مسلم: سيُلزمون وَبالَ ما بخلوا به إلزامَ الطّوق، على أنه حُذفَ المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه؛ للإيذان بكمال المناسبة بينهما، ومن أمثالهم: تقلَّدها طوق الحمامة(٣). وكيفما كان فالآية نزلت في مانعي الزكاة كما روي ذلك عن الصادق وابن مسعود والشعبيِّ والسُّدِّيِّ وخلقٍ آخرين، وهو الظاهر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس: أنها نزلت في أهل الكتاب الذين كتموا صفةً رسول الله وَله ونبوَّته التي نطقت بها التوراة(٤). فالمراد بالبخل: كتمانُ العلم، وبالفضل: التوراة التي أُوتوها، ومعنى ((سيطوَّقون)) ما قاله أبو مسلم، أو المراد أنهم يطوَّقون طوقاً من النار جزاءً هذا الكتمان، فالآية حينئذٍ نظيرُ (١) أخرجه الطبري ٦/ ٢٧١ من طريق أبي قزعة - واسمه سويد بن حجير - عن رجل عن النبي ◌َله. وأخرجه أيضاً من وجه آخر عن أبي قزعة عن أبي مالك العبدي موقوفاً، ثم أخرجه من وجه آخر عن أبي قزعة مرسلاً. قوله: يتلمظ، أي: يخرج لسانه، في القاموس (لمظ): تلمظت الحية: أخرجت لسانها . (٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤١، وتفسير الطبري ٢٧٥/٦. (٣) جمهرة الأمثال ٢٧٥/١، والمستقصى ٣٠/٢، ومجمع الأمثال ١٤٥/١- ١٤٦. قال العسكري: يقال ذلك للرذيلة يأتيها الإنسان فيلزمه عارها. اهـ وجعل الزمخشري الهاء كناية عن النعمة، فقال: أي تقلَّد النعمة تقلُّداً لازماً باقياً. (٤) تفسير الطبري ٦/ ٢٧٠، وتفسير ابن أبي حاتم ٨٢٦/٣. الآية : ١٨١ ١٦٧ سُورَةُ الَ ◌ّعَنْرَانَ قوله وَله: (مَن سُئِلَ عن عِلْمِ فَكَتَمِه، أُلْجِمَ بلجام من نار))(١) وعليه يكون هذا عوداً إلى ما انجرَّ منه الكلام إلى قصة أُحد، وذلك هوّ شرح أحوال أهل الكتاب، قيل: ويعضده أنَّ كثيراً من آياتٍ بقية السورة فيهم. ﴿وَلِلِّ مِيَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: لله تعالى وحده لا لأحدٍ غيرِه، استقلالاً أو اشتراكاً، ما في السماوات والأرض مما يُتَوارث من مالٍ وغيره؛ كالأحوال التي تنتقل من واحد إلى آخر؛ كالرسالات التي يتوارثها أهل السماء مثلاً، فما لهؤلاء القوم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله وابتغاء مرضاته، فالميراث مصدرٌ كالميعاد، وأصله: مِؤْراث، فقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، والمراد به ما يُتوارث، والكلام جارٍ على حقيقته ولا مجاز فيه. ويجوز أنه تعالى يَرِثُ من هؤلاء ما في أيديهم مما بخلوا به، وينتقل منهم إليه حين يهلكهم ويفنيهم، وتبقى الحسرةُ والندامة عليهم، ففي الكلام على هذا مجازٌ، قال الزجَّاج(٢): أي: أنَّ الله تعالى يفني أهلهما، فيبقيان(٣) بما فيهما، ليس لأحدٍ فيهما ملك، فخوطبوا بما يعلمون؛ لأنهم يجعلون ما يرجع إلى الإنسان ميراثاً ملكاً له. فيجازيكم على ذلك، ١٨٠ ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من المنع والبخل ﴿خِيْرٌ وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة، والالتفاتُ إلى الخطاب للمبالغة في الوعيد؛ لأنَّ تهديدَ العظيم بالمواجهة أَشدُّ، وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، وقرأ الباقون بالياء على الغيبة(٤). ﴿لَقَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم(٥) من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر (١) أخرجه أحمد (٧٥٧١)، وأبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩) من حديث أبي هريرة ﴿ه. قال الترمذي: حديث حسن. (٢) في معاني القرآن له ٤٩٣/١، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣/ ٨٥. (٣) في حاشية الشهاب: فيفنيان، وتحرفت العبارة في مطبوع معاني القرآن إلى: يغني أهلهما فيغنيان ... (٤) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب. التيسير ص ٩٢، والنشر ٢٤٥/٢. (٥) سيرة ابن هشام ٥٥٨/١-٥٥٩، وتفسير الطبري ٢٧٨/٦-٢٧٩، وتفسير ابن أبي حاتم ٨٢٨/٣-٨٢٩. وأخرجه - أيضاً - الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٨٣٠). سُورَةُ الْعَنْرَانَ ١٦٨ الآية : ١٨١ بيت المِدراس (١)، فوجد يهودَ قد اجتمعوا إلى رجلٍ منهم يقال له فِنْحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، فقال أبو بكر: ويحك يا فِنْحاص، اتِّق الله تعالى وأسلم، فوالله إنك لتَعلَمُ أنَّ محمداً رسولُ الله، تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة. فقال فِنْحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله تعالى من فَقْر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرَّع إليه كما تضرَّع إلينا، وإنَّا عنه لأغنياء، ولو كان غنيًّا عنَّا ما استقرض منَّا كما يزعم صاحبكم، وإنه ينهاكم عن الربا ويعطينا (٢)، ولو كان غنيًّا عنَّا ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر ﴿به، فضرب وجه فِنْحاص ضربةً شديدةً وقال: والذي نفسي بيده، لولا العهدُ الذي بيننا وبينك لضربتُ عنقك يا عدوَّ الله تعالى. فذهب فِنْحاص إلى رسول الله صل فقال: يا محمد، انظر ما صنع صاحبك بي. فقال رسول الله وَلحوم لأبي بكر له: ((ما حملك على ما صنعتَ؟)) قال: يا رسول الله، قال قولاً عظيماً، يزعم أنَّ الله تعالى شأنُه فقير وهم عنه أغنياء! فلما قال ذلك غضبتُ لله تعالى مما قال، فضربتُ وجهه. فجحد فنْحاص فقال: ما قلتُ ذلك. فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص تصديقاً لأبي بكر ﴿ه هذه الآية، وأنزل في أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب: ﴿وَلَتَتْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرَاً﴾ الآية [آل عمران: ١٨٦]. وأخرج ابن المنذر(٣) عن قتادة أنه قال: ذُكر لنا أنها نزلت في حُيّيّ بن أَخطب، لمَّا أنزل الله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ، لَهُ: أَضْعَانًا كَثِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال: يستقرضنا ربُّنا، إنما يستقرضُ الفقيرُ الغنيَّ. وأخرج الضياء وغيره من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتت اليهود رسولَ اللهِ وَ﴿ حين أنزل الله تعالى: ﴿مَنِ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَضًا حَسَنًا﴾ فقالوا: يا محمد، فقيرٌ ربُّك يسأل عباده القَرْضَ؟ فأنزل الله تعالى الآية (٤). والجمع على الراويتين الأوليين مع كون القائل واحداً؛ لرضا الباقين بذلك، (١) المِدْراس: هو البيت الذي يدرس اليهود فيه. النهاية ١١٣/٢. (٢) في سيرة ابن هشام وتفسير الطبري وشرح مشكل الآثار: يعطيناه. (٣) كما في الدر المنثور ١٠٦/٢، وأخرجه أيضاً الطبري ٦/ ٢٨٠. (٤) الأحاديث المختارة ١١٢/١٠-١١٣، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٤٦٠/٢ و٨٢٨/٣. الآية : ١٨١ ١٦٩ سُورَةُ العَمَانَ وتخصيصُ هذا القول بالسماع مع أنه تعالى سميعٌ لجميع المسموعات كنايةٌ تلويحية عن الوعيد؛ لأنَّ السماعَ لازمُ العلم بالمسموع، وهو لازمُ الوعيد في هذا المقام، فهو سماعُ ظهورٍ وتهديدٍ لا سماع قبول ورضى كما في: سمع الله لمن حمده، وإنما عَبَّر عن ذلك بالسماع للإيذان بأنه من الشناعة والسماجة بحيثُ لا يرضى قائله بأن يسمعه سامعٌ، ولهذا أنكروه، ولكون إنكارهم القولَ بمنزلة إنكار السمع، أَّده تعالى بالتأكيد القَسَمِيِّ، وفيه أيضاً من التشديد في التهديد والمبالغة في الوعيد ما لا يخفى. والعاملُ في موضع ((إنَّ) وما عملتْ فيه ((قالوا)»، فهي المحكيةُ به، وجُوِّز أن يكون ذلك معمولاً لـ ((قول)) المضاف؛ لأنه مصدر، قال أبو البقاء: وهذا يُخرَّج على قول الكوفيين في إعمال الأول، وهو أصلٌ ضعيفٌ، ويزداد هنا ضَعْفاً بأنَّ الثاني فِعْل والأول مصدرٌ، وإعمالُ الفعل لكونه أقوى أولى(١). ﴿سَتَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ أي: سنكتبه في صحائف الكَتَبة، فالإسناد مجازيٌّ والكتابةُ حقيقة، أو: سنحفظه في عِلْمنا ولا نهمله، فالإسناد حقيقةٌ والكتابةُ مجاز، والسين للتأكيد، أي: لن يفوتنا أبداً تدوينُه وإثباتُه؛ لكونه في غاية العِظَم والهول، كيف لا وهو كُفْرٌ بالله تعالى، سواءٌ كان عن اعتقاد أو استهزاء بالقرآن؟ وهو الظاهر، ولذلك عطف عليه قوله تعالى: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍ﴾ إيذاناً بأنهما في العِظَم أَخَوان، وتنبيهاً على أنه ليس بأول جريمة ارتكبوها ومعصيةٍ استباحوها، وأنَّ مَن اجترأ على قتل الأنبياء بغير حقِّ في اعتقاده أيضاً كما هو في نفس الأمر، لم يُستبعد منه أمثال هذا القول. ونسبةُ القتل إلى هؤلاء القائلين، باعتبار الرضا بفعل القاتلين من أسلافهم. وقيل: المعنى: سنجمع ما قالوا وقَتْلَهم الأنبياء في مقام العذاب، ونجزيهما جزاءً مماثلاً، لَتَشَارُكِهما في أنَّ في كلٍّ منهما إبطالاً لما جاء به المرسلون. ولا يخفى أنه مما لا ينبغي تخريجُ كلام الله تعالى عليه. ١٨١) ، أي: وننتقم منهم بواسطة هذا القول الذي ﴿وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ اُلْحَرِيقِ لا يقال إلا وقد وُجد العذاب. (١) الإملاء ٢/ ١٦٢. سُورَةُ الْعُقْرَانَ ١٧٠ الآية : ١٨٢ والحريق بمعنى المُحْرِق، وإضافةُ العذاب إليه من الإضافة البيانية، أي: العذاب الذي هو المُحْرِق؛ لأنَّ المعذِّب هو الله تعالى لا الحريق، أو الإضافة للسبب لتنزيله منزلةً الفاعل، كما قاله بعض المحققين. والذَّوْق - كما قال الراغب(١) - وجود الطّعم في الفم؛ وأَصله فيما يَقِلُّ تناوله دون ما يكثر، فإنه يقال له: أَكْل، ثم انُّسع فيه فاستُعمل لإدراك سائر المحسوسات والحالات. وذَكَره هنا - كما قال ناصر الدِّين - لأنَّ العذاب مرتَّبٌ على قولهم الناشئ عن البخل والتهالُكِ على المال، وغالبُ حاجة الإنسان إليه لتحصيل المطاعم، ومعظمُ بخله للخوف من فقدانه، ولذلك كَثُرَ ذِكْرُ الأكل مع المال(٢). ولك أن تقول: إنَّ اليهود لمَّا قالوا ما قالوا، وقتلوا مَنْ قتلوا، فقد أذاقوا المسلمين وأَتباعَ الأنبياء غُصَصاً، وشبُّوا في أفئدتهم نارَ الغيرة والأسف، وأَحرقوا قلوبَهم بلهبِ الإيذاء والكَرْب، فعوِّضوا هذا العذاب الشديد، وقيل لهم: ذوقوا عذاب الحريق كما أذقتم أولياء الله تعالى في الدنيا ما يكرهون. والقائل لهم ذلك - كما قال الضحاك ــ خَزَنَةُ جهنم، فالإسنادُ حينئذٍ مجازيٌّ. وفي هذه الآية مبالغاتٌ في الوعيد، حيث ذُكِرَ فيها العذابُ والحريقُ والذوقُ المنبئُ عن اليأس، فقد قال الزجَّاج: ذُقْ: كلمةٌ تقال لمن أَيسَ عن العفو، أي: ذُقْ ما أنت فيه، فلست بمتخلِّصٍ منه(٣). والمؤذِنُ بأنَّ ما هم فيه من العذاب والهوان يعقبه ما هو أشدُّ منه وأدهى، والقول للتشفِّي المنبئ عن كمال الغيظ والغضب، وفيما قبلها ما لا يخفى أيضاً من المبالغات. وقرأ حمزة: ((سيُكتَب)) بالياء والبناء للمفعول ((وقتلُهم)) بالرفع ((ويقول)) بصيغة الغيبة (٤). ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى العذاب المحقَّقِ المنزَّل منزلةَ المحسوس المشاهَد، وللإشارة إلى عِظَم شأنه وبُعْدِ منزلته في الهَوْل والفظاعة أتى باسم الإشارة مقروناً (١) في مفردات ألفاظ القرآن (ذوق). (٢) تفسير البيضاوي ٢/ ٥٧. (٣) معاني القرآن للزجاج ١/ ٤٩٤. (٤) التيسير ص ٩٢، والنشر ٢٤٥/٢. الآية : ١٨٢ ١٧١ سُورَةُ آلِ عَقْرَانَ باللام والكاف، وهو مبتدأُ خبرُه قوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: بسبب أعمالكم التي قدَّمتموها، كقتل الأنبياء، وهذا القول الذي تكاد السماوات يتفطّرن منه . والمراد من الأيدي: الأنفس، والتعبير بها عنها من قبيل التعبير عن الكلِّ بالجزء الذي مدارُ جُلِّ العمل عليه. ويجوز ألا يُتَجَوَّزَ في الأيدي، بل يُجعلَ تقديمُها الذي هو عملُها عبارةً عن جميع الأعمال التي أكثرُها أو الكثيرُ منها يُزاوَلُ باليد على طريق التغليب. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾﴾ عطفٌ على ((ما قَدَّمَتْ))، فهو داخلٌ تحت حكم باء السببية، وسببيته للعذاب من حيث إنَّ نفيَ الظّلم يستلزمُ العدلَ المقتضي إثابةَ المحسن ومعاقبةَ المسيء، وإليه ذهب الفحول من المفسرين، وتعقَّبه مولانا شيخ الإسلام بقوله: وفساده ظاهرٌ، فإنَّ تَرْكَ التعذيب من مستحقٌّه ليس بظلمٍ شرعاً ولا عقلاً حتى ينتهض نفيُ الظلم سبباً للتعذيب(١). وخلاصته المعارضةُ بطريق القياس الاستثنائي، بأنه لو كان تَرْكُ التعذيب ظلماً، لكان نفيُ الظلم سبباً للتعذيب، لكنَّ تَرْكَ التعذيب ليس بظلم، فنفيُ الظّلم لا یکون سبباً له. وأُجيب بأنَّ منشأَ هذا الاعتراض عدمُ الفرق بين السبب والعلة الموجبة، والفرق مثل الصبح ظاهر، فإنَّ السبب وسيلةٌ محضةٌ لا يوجب حصولَ المسبّب، كما أنَّ القلمَ سببُ الكتابة غيرُ موجبٍ إياها، والعدل اللازم من نفي الظلم سببٌ لعذاب المستحقِّ، وإن لم يوجبه، فالاستدلال بعدم الإيجاب على عدم السببية فاسدٌ جداً. وأما قولهم في العدل المقتضي إلخ، فهو بيانٌ لمقتضاه إذا خُلَِّ وَطَيْعَه، وتقريرٌ لكونه وسيلةً، ولا يلزمُ منه إيجابُ الإثابة والمعاقبة على ما ينبئ عنه قوله سبحانه في الحديث القدسي: ((سبقت رحمتي غضبي)) (٢). (١) تفسير أبي السعود ١٢٢/٢ . (٢) أخرجه أحمد (٧٥٠٠)، والبخاري (٣١٩٤)، ومسلم (٢٧٥١) وسلف ١١٤/١. سُورَةُ العمران ١٧٢ الآية : ١٨٢ وخلاصة هذا: أنَّ الملازمةَ بين المقدَّم والتالي في القياس الاستثنائي ممنوعةٌ بأنه لِمَ لا يجوز أن لا يكون تَرْكُ التعذيب ظلماً، ويكون نفيُ الظلم سبباً بأن يكون السببُ سبباً غيرَ موجبٍ ولا محذورٍ حينئذ. لا يقال: يحتمل أن يكون مبنى ذلك الاعتراض على المفهوم المعتبر عند الشافعي، لا على كون السبب موجباً . لأَنَّا نقول: إن أُريد بالمفهوم مفهومُ قوله سبحانه ﴿وَأَنَّ اللََّ﴾ إلخ، فنقول: حاصله أنَّ العَدْل سببٌ لعذاب المستحقِّين، والمفهومُ منه أنَّ العدلَ لا يكون سبباً لعذاب غير المستحقين، وهو معنّى متَّفقٌ عليه لانزاع فيه. وإن أُريد أنَّ المفهومَ من قولنا سببُ تعذيبهم كونه تعالى غير ظالم: أنه تعالى لو لم يعذِّبهم لكان ظالماً، فنقول: هو مع بُعْده عن سياق كلام المعترض من قبيل الاستدلال بانتفاء السبب على انتفاء المسبَّب، فيكون مبنيًّا على كون المراد بالسبب السبب الموجب كما قلنا، ويَرِدُ عليه ما أوردناه، ولا يكون من باب المفهوم في شيء، وإن أُريد غير هذا وذاك، فليُبيَّنْ حتى نتكلّم عليه. ومن الناس مَن دفع الاعتراض بأنَّ حاصلَ معنى الآية: وَقَعَ العذاب عليكم ولم يُتْرَكْ بسبب أنَّ الله تعالى ليس بظلام للعبيد، وهو بمنطوقه يدلُّ على أنَّ نفي الظلم لا يكون سبباً لترك التعذيب من مستحقٌّه، ولا يدلُّ على كون الظلم سبباً لترك التعذيب، بل له سببٌ آخر، وهو لُطْفه تعالى، فلا يَرِدُ الاعتراض. وأنت تعلم بأنَّ هذا ذهولٌ عن مقصود المعترض أيضاً، فإنَّ دلالةَ الكلام على كون الظلم سبباً لترك التعذيب وعدمه(١)، خارجٌ عن مَظْمَحِ نظره على ما عرفتَ من تقرير كلامهِ، على أنه إذا كان المراد بالسبب السببُ الموجَبُ على ما هو مبنى كلام ذلك المولى، فدلالتُه عليه ظاهرةٌ، فإنَّ وجودَ السبب الموجب كما يكون سبباً لوجود المسبَّب، يكون عدمُه سبباً لعدمه، كما في طلوع الشمس ووجود النهار، فالعدل - أعني: نفيَ الظلم - إذا كان سبباً لتعذيب المستحقِّ، يكون عدمُهُ - أعني الظلم - سبباً لعدم التعذيب. (١) في (م): وعدمها. الآية : ١٨٢ ١٧٣ سُورَةُ العمران وقيل: إنه عَطْفٌ على ((ما قدَّمتْ)) للدلالة على أنَّ سببيةَ ذنوبهم لعذابهم مقيَّدةٌ بانتفاء ظلمه تعالى، إذ لولاه لأمكن أن يعذِّبهم بغير ذنوبهم، لا أنْ لا يعذبهم بذنوبهم. وتعقَّبه أيضاً مولانا شيخ الإسلام بقوله: وأنت خبيرٌ بأنَّ إمكانَ تعذيبه تعالى لعبيده بغير ذنب، بل وقوعه، لا ينافي كونَ تعذيب هؤلاء الكَفَرة بسبب ذنوبهم، حتى يحتاج إلى اعتبار عَدَمه معه، وإنما يحتاج إلى ذلك إن كان المدَّعَى أنَّ جميع تعذيباته تعالى بسبب ذنوب المعذَّبين. انتهى(١). ولا يخفى عليك أنَّ: أنْ(٢) لا يعذِبهم بذنوبهم، في كلام القيل معطوفٌ على قوله: أن يعذِّبهم، والمعنى: أنَّ ذِكْرَ هذا القيد رَفَعَ احتمال أن يعذُّبَهم بغير ذنوبھم، لا احتمالَ(٣) أن لا يعذهم بذنوبهم، فإنه أمرٌ حسنٌ شرعاً وعقلاً، وقوله: للدلالة على أن سببية ذنوبهم لعذابهم مقيّدة إلخ، أراد به أنَّ تعيُّنه للسببية إنما يحصل بهذا القيد؛ إذ بإمكان تعذيبه بغير ذنب يحتملُ أن يكون سببُ التعذيب إرادةَ العذاب بلا ذنب، فيكون حاصل معنى الآية: إنَّ عذابكم هذا إنما نشأ من ذنوبكم، لا من شيءٍ آخر. فإذا علمتَ هذا، ظهرَ لك أنَّ تزييفَ المولى كلامَ صاحب القيل بأنَّ إمكان تعذيبه تعالى إلخ، ناشىءٌ عن الغفلة عن مراده، فإنَّ كلامَهُ ليس في منافاة هذين الأمرين بحسب ذاتهما، بل في منافاة احتمال التعذيب بلا ذنب، لتعيُّن سببية الذنوب له. وكذا قولُه عقيب ذلك: وإنما يحتاج إلى ذلك إن كان المدَّعى إلخ، ناشىءٌ عن الغفلة أيضاً؛ لأنَّ الاحتياج إلى ذلك القيد في كلِّ من الصورتين إنما هو لتقريع المخاطَبين وتبكيتهم في الاعتراف بتقصيراتهم بأنه لا سببَ للعذاب إلا من قِبَلِهِمْ. فالقول بالاحتياج في صورةٍ وعدمِهِ في صورة رکیكٌ جدًّا. (١) تفسير أبي السعود ٢/ ١٢٢. (٢) في الأصل: أنَّ لا أنْ. (٣) في (م): لاحتمال، بدل: لا احتمال. سُورَةُ الْعَنْزَانَ ١٧٤ الآية : ١٨٢ ثم إنه لا تَدافُعَ بين هذا القيل وبين ما نُقل أولاً عن فحول المفسِّرين، حيث جعل المعطوفُ هناك سبباً وهاهنا قيداً للسبب؛ لأن المراد بالسبب الوسيلةُ المحضةُ كما أشرنا إليه فيما سبق، فهو وسيلةٌ سواء اعتُبر سبباً مستقلًا أو قيداً للسبب، نعم بينهما على ما سيأتي إن شاء الله تعالى تدافعٌ يتراءى من وجهٍ آخر، لكنه أيضاً غيرُ واردٍ كما سنحقٌّقه بحوله تعالى. والحاصل أنَّ العَظْفَ هنا مما لا بأس به، وهو الظاهر، وإليه ذهب مَنْ ذهب. ويجوز أن يُجعل - وإليه ذهب شيخ الإسلام(١) - ((أنَّ) وما بعدها في محل الرفع على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف، والجملة اعتراضٌ تذييليٍّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها، أي: والأمرُ أنه تعالى ليس بمعذِّبٍ لعبيده بغير ذنب من قِبَلهِم، والتعبير عن ذلك بنفي الظلم مع أنَّ تعذيبَهم بغير ذنبٍ ليس بظلم على ما تقرَّر من قاعدة أهل السنة، فضلاً عن كونه ظلماً (٢) بالغاً، لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورةٍ ما يستحيل صدورُه عنه تعالى من الظلم، كما يُعبَّر عن تَرْك الإثابة على الأعمال بإضاعتها، مع أنَّ الأعمال غيرُ موجبةٍ للثواب حتى يَلزمَ من تخلُّفه عنها إضاعتُها، وصيغةُ المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذُكر من التعذيب بغير ذنبٍ في صورة المبالغة في الظلم. ومن هنا يُعلَم الجواب عما قيل: إنَّ نفيَ نفس الظّلم أبلغُ من نفي كثرته، ونفيُّ الكثرة لا ينفي أَصلَه، بل ربَّما يُشعر بوجوده. وأُجيب عن ذلك أيضاً بأنه نفيّ لأصلِ الظلم وكثرته باعتبار آحاد مَن ظلم، فالمبالغة في ((ظلَّام)) باعتبار الكمية لا الكيفية، وبأنه إذا انتفى الظلم الكثير انتفى القليل؛ لأنَّ مَن يَظْلم يَظلِمْ للانتفاع بالظلم، فإذا تَرَك كثيره مع زيادة(٣) نفْعِه في حقٌّ مَن يجوز عليه النفع والضر، كان لقليله مع قلَّة نفعه أكثرَ تركاً، وبأنَّ ((ظلَّام)) للنَّسَب كعظّار، أي: لا يُنسَبُ إليه الظلم أصلاً، وبأنَّ كلَّ صفةٍ له تعالى في أكمل المراتب، فلو كان تعالى ظالماً سبحانه لكان ظلَّاماً، فنفي اللازم لنفي الملزوم. (١) أبو السعود في تفسيره ١٢١/٢-١٢٢. (٢) في الأصل و(م): ظالماً، والمثبت من تفسير أبي السعود. (٣) في (م): زیادته. الآية : ١٨٣ ١٧٥ سُورَةُ العَقْران واعترض بأنه لا يلزم من كون صفاته تعالى في أقصى مراتب الكمال كونُ المفروضِ ثبوتُه كذلك، بل الأصل في صفات النقص على تقدير ثبوتها أن تكون ناقصة . وأجيب بأنه إذا فُرض ثبوتُ صفةٍ له تعالى تُفْرَضُ بما يلزمها من الكمال، والقول بأنَّ هذا في صفات الكمال دون صفات النقص إنما يوجب عدم ثبوتها، لا ثبوتَها ناقصة، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمَّةُ الكلام في هذا المقام. ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾ نَصْبٌ أو رَفْعٌ على الذَّمِّ، وجُوِّز أن يكون في موضع جرِّ على البدلية من نظيره المتقدِّم. والمراد من الموصول جماعةٌ من اليهود، منهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصَّيْف ووهب بن يهوذا وزيد بن التابوه وفِنْحاص بن عازوراء وحُيَيّ بن أخطب، أتوا النبيَّ وَّ فقالوا هذا القول(١). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ أي: أَمرَنا في التوراة وأوصانا ﴿أَلَّا تُؤْمِنَ﴾ أي: بأنْ لا نصدِّقَ ونعترفَ ﴿لِرَسُولٍ﴾ يدَّعي الرسالة إلينا من قِبَلِ الله تعالى ﴿حَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ﴾ وهو ما يُتقرَّب به إلى الله تعالى من نَعَم وغيرها، كما قاله غير واحد. وقرئ: ((بقُرُبان)) بضمتين(٢). ﴿تَأْكُلُ النَّارُ﴾ أُريد به نارٌ بيضاء تنزلُ من السماء ولها دويٌّ، والمراد من أكل النار للقربان: إحالتُها له إلى طَبْعها بالإحراق، واستعماله في ذلك إما من باب الاستعارة أو المجاز المرسل، وقد كان أَمْرُ إحراق النار للقربان إذاً قبلُ شائعاً في زمن الأنبياء السالفين، إلا أنَّ دعوى أولئك اليهود هذا العهدَ من مفترياتهم وأباطيلهم؛ لأنَّ أَكْلَ النار القُربانَ لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزةً، فهو وسائرُ المعجزات شرعٌ في ذلك. ولمَّا كان مَرامُهم من هذا الكلام الباطل عدم الإيمان برسول الله يَّر لعدم إتيانه (١) أسباب النزول للواحدي ص ١٢٩ عن الكلبي. (٢) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٣، وابن جني في المحتسب ١٧٧/١ لعيسى بن عمر. سُورَةُ الِ غَيْرَانَ ١٧٦ الآية : ١٨٤ بما قالوا، ولو تحقَّق الإتيان به لتحقَّق الإيمانُ بزعمهم، ردَّ الله تعالى عليهم بقوله سبحانه: ﴿قُلٌ﴾ يا محمد لهؤلاء القائلين تبكيتاً لهم وإظهاراً لكذبهم ﴿قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ﴾ كثيرةُ العدد كبيرةُ المقدار، مثل زكريا ويحيى وغيرهم ﴿مِن قَبْلِ بِالْبَيِّنَتِ﴾ أي: المعجزات الواضحة، والحجج الدالّة على صدقهم وصحة رسالتهم، وحَقِّيَّة قولهم، كما كنتم تقترحون عليهم وتطلبون منهم ﴿وَبِأَلَّذِى قُلْتُمْ﴾ بعينه، وهو القربان الذي تأكله النار ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ أي: فمالكم لم تؤمنوا بهم حتى اجترأتم على قَتْلهم، مع أنهم جاؤوا بما قلتم مع معجزاتٍ أُخَر؟ ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ أي: فيما يدلُّ عليه كلامكم من أنكم تؤمنون لرسولٍ يأتيكم بما اقترحتموه. والخطاب لمن في زمن نبيِّنا وَ لريـ وإن كان الفعل لأسلافهم - لرضاهم به، على ما مرَّ غيرَ مرَّة، وإنما لم يَقطع سبحانه عُذْرَهم بما سألوه من القربان المذكور، لعلمه سبحانه بأنَّ في الإتيان به مفسدةٌ لهم، والمعجزات تابعةٌ للمصالح. ونُقل عن السُّدِّيِّ أنَّ هذا الشرط جاء في التوراة هكذا: مَن جاء يزعم أنه رسول الله تعالى، فلا تصدِّقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار، إلا المسيح ومحمداً عليهما الصلاة والسلام، فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان. والظاهر عدم ثبوت هذا الشرط أصلاً. ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ﴾ فيما جئتهم به ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ جاؤوا بمثل ما جئت به، والجملة جوابٌ للشرط باعتبارٍ لازِمِها الذي دلَّ عليه المقام، فإنه لتسليته وَله من تكذيب قومه واليهود له، واقتصر مجاهدٌ على الثاني. كأنه قيل: فإن كذَّبوك فلا تحزن، وتَسَلَّ. وجَعَل بعضُهم الجوابَ محذوفاً، وهذا تعليلاً له، ومثله كثيرٌ في الكلام. وقال عصام الملَّة: لا حاجة إلى التأويل والقولِ بالحذف؛ إذ المعنى: إن يكذِّبوك فتكذيبُكَ تكذيبُ رُسُلٍ من قبلك، حيث أَخبروا ببعثتك. وفي ذلك كمالُ توبيخهم وتوضيحُ صدقه وََّ، وتسليةٌ له ليس فوقها تسلية. ونُظِرَ فيه بأنَّ التسلية على ما ذهب إليه الجمهور أَتمُّ؛ إذ عليه تكون المشاركة بينه * وبين إخوانه المرسلين عليهم الصلاة والسلام في تكذيب المكذِّبين شفاهاً الآية : ١٨٤ ١٧٧ سُؤَةُ الْ عُقْرَانَ وصريحاً، وعلى الثاني لا شِرْكَةً إلا في التكذيب، لكنه بالنسبة إليه وَّرِ شفا هيّ وصريح، وبالنسبة إلى المرسلين ليس كذلك، ولا شكَّ لذي ذَوْقٍ أنَّ الأول أبلغُ في التسلية، وعليه يجوز في ((مِنْ)) أن تتعلَّق بـ ((كُذِّب)) وأن تتعلَّق بمحذوفٍ وقع صفة لـ ((رسل))، أي: كائنة من قبلك، وعلى الثاني يتعيَّن الثاني. ويُشعر بالأول الذي عليه الجمهور وصفُ الرسل بقوله سبحانه: ﴿جَُّو بِلْبَيِّتَتِ﴾ أي: المعجزات الواضحات الباهرات ﴿وَالزُّبُرِ﴾ جمع زَبور؛ كالرسول والرُّسل، وهو الكتاب المقصورُ على الحِكَم، من زَبَرْتُّهُ بمعنى حسَّنته. قاله الزجَّاجِ (١). وقيل: الزُّبُر: المواعظُ والزواجر من زَبَرْته إذا زَجَرته. ﴾ أي: الموضِّح، أو الواضح المستنير. أخرج ابن ﴿وَالْكِتَبِ الْمُنِيرِ أبي حاتم (٢) عن السُّدِّيِّ: أنه القرآن، ومعنى مجيء الرسل به: مجيثُهم بما اشتمل عليه من أصول الدين، على ما يشير إليه قوله تعالى فيه: ﴿وَإِنَّهُ لَفِى زُيُرِ اَلْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] على وجه. وعن قتادة: أنَّ المراد به الزُّبُر، والشيءُ يضاعَف بالاعتبار وهو واحد. وقيل: المراد به التوراة والإنجيل والزبور، وهو في عُرْف القرآن: ما يتضمَّن الشرائعَ والأحكامَ، ولذلك جاء هو والحكمة متعاطفين في عامة المواقع. ووجهُ إفراد الكتاب بناءً على القول الأول ظاهر، ولعلَّ وجهَ إفراده بناءً على القول الثاني والثالث - وإن أُريد منه الجنسُ الصادقُ بالواحد والمتعدِّدِ - الرمزُ إلى أنَّ الكتب السماوية، وإن تعدَّدت فهي من بعض الحيثيات كشيءٍ واحد. وقرأ ابن عامر: ((وبالزُّبُر)) بإعادة الجارّ(٣)؛ للدلالة على أنها مُغايرةٌ للبينات بالذات، بأنْ يراد بها المعجزاتُ غير الكتب؛ لأنَّ إعادةَ العامل تقتضي المغايرة، ولولاها لجاز أن يكون من عَظْفِ الخاصِّ على العام. (١) في معاني القرآن للزجاج ٤٩٥/١: الزبر جمع زبور، والزبور كل كتاب ذو حكمة، ويقال: زبرت: إذا كتبت، وزبرت: إذا قرأت. (٢) كما في الدر المنثور ١٠٧/٢. (٣) التيسير ص ٩٢، والنشر ٢٤٥/٢. سُورَةُ الَ ◌ّعُقْرَانَ ١٧٨ الآية : ١٨٥ ومن الغريب القولُ بأنَّ المراد بالبينات: الحروفُ باعتبار أسمائها؛ كألفٍ ولام، وبالزُّبر الحروفُ باعتبار مسمَّياتها ورَسْمها؛ كـ : أب، وبالكتاب الحروفُ المجتمعةُ المتلفَّظُ بها كلمةً وكلاماً. وادَّعى أهلُ هذا القول أنَّ لكلٍّ من ذلك معانيَ وأسراراً لا يعقلها إلا العالمون، فهم يبحثون عن الكلمة باعتبار لفظها، وباعتبار كلِّ حرفٍ من حروفها المرسومة، وباعتبار اسمٍ كلِّ حرفٍ منها، الذي هو عبارةٌ عن ثلاثة حروف، ولا يخفى أنَّ هذا اصطلاحٌ لا ينبغي تخريجُ كلام الله تعالى عليه. والظاهرُ مِن تتبُّع الآثار الصحيحة أنه لم يثبت فيه عن الشارع الأعظم وَيقول شيءٌ، ودون إثبات ذلك الموتُ الأحمر. ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ الْوَّتُ﴾ أي: نازلٌ بها لا محالةَ، فكأنها ذائقتُه، وهو وعدٌ ووعيدٌ للمصدِّق والمكذِّب، وفيه تأكيدٌ للتسلية له وَ﴿؛ لأنَّ تَذَكُّرَ الموتِ واستحضارَهُ مما يزيل الهموم والأشجان الدنيوية. وفي الخبر: ((أَكثِروا ذكرَ هاذم اللذات، فإنه ما ذُكر في كثير إلا وقلَّله، ولا في قليلٍ إلّ وكَثَّره))(١). وكذا العلم بأنَّ وراء هذه الدار داراً أخرى يتميَّز فيها المحسن عن المسيء، ويرى كلٌّ منهما جزاءً عمله، وهذه القضية الكلِّيّةُ لا يمكن إجراؤها على عمومها لظاهر قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ اُلْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ اللّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] وإذا أُريد بالنفس الذات، كثرت المستثنيات جدًّا. (١) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في الأوسط (٥٧٧٦)، والقضاعي في مسند الشهاب (٦٧١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٥٥٨) من حديث ابن عمر ثًا. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٠٩/١٠: إسناده حسن. وأخرجه أحمد (٧٩٢٥)، والترمذي (٢٣٠٧) من حديث أبي هريرة له دون قوله: فإنه ما ذكر في كثير ... إلخ. قال الترمذي: حسن غريب. قوله: هاذم، أي: قاطع، وقال السندي في شرح سنن ابن ماجه ٢/ ٥٦٥: ويحتمل أن يكون بالدال المهملة، والمراد على التقديرين الموت، فإنه يقطع لذات الدنيا قطعاً. الآية : ١٨٥ ١٧٩ سُورَةُ الْعَنْرَان وهل تدخل الملائكة في هذا العموم؟ قولان، والجمهور على دخولهم، فعن ﴾ [الرحمن: ٢٦] قالت ٢٦) ابن عباس أنه قال: لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ الملائكة: مات أهلُ الأرض، فلمَّا نزل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ الْوَتُ﴾ قالت الملائكة: مُتنا(١). ووقوع الموت للأنفس في هذه النشأة الحيوانية الجسمانية مما لا ريب فيه، إلا أنَّ الحكماء بَنَوا ذلك على أنَّ هذه الحياة لا تحصل إلا بالرطوبة والحرارة الغريزيَّتين. ثم إنَّ الحرارةَ تؤثِّرُ في تحليل الرطوبة، فإذا قلَّتِ الرطوبةُ ضَعُفَتِ الحرارة، ولا تزال هذه الحال مستمرَّةٌ إلى أن تَفْنَى الرطوبة الأصلية، فتنطفىء الحرارةُ الغريزيةُ ويحصل الموت، ومن هنا قالوا: إنَّ الأرواحَ المجرَّدَةَ لا تموت ولا يُتصوَّر موتها؛ إذ لا حرارة هناك ولا رطوبة. وقد ناقشهم المسلمون في ذلك، والمدارُ عندهم على حرارة الكاف ورطوبة النون، ولعلَّهم يفرِّقون بين موت وموت. وقد استدلَّ بالآية على أنَّ المقتول ميِّتٌ، وعلى أنَّ النفس باقيةٌ بعد البدن؛ لأنَّ الذائقَ لابدَّ أن يكون باقياً حالَ حصول المذوق(٢)، فتدَّبر. وقرأ اليزيديُّ: ((ذائقةٌ الموتَ)) بالتنوين ونَصْبِ الموت على الأصل، وقرأ الأعمش: ((ذائقةُ الموتَ)) بطرح التنوين مع النصب(٣) كما في قوله: ولا ذاكرَ اللهَ إلا قليلاً(٤) فألفيتُه غيرَ مُسْتَعتبٍ وعلى القراءات الثلاث: ((كلُّ نفسٍ)) مبتدأٌ، وجاز ذلك وإن كان نكرةً لِمَا فيه من العموم، و((ذائقة)) الخبر، وأَنِّثَ على معنى ((كلّ))؛ لأنَّ ((كلّ نفسٍ)): نفوسٌ، ولو ذكِّر في غير القرآن على لفظ ((كلّ)) جاز. (١) ذكره الرازي في تفسيره ٩/ ١٢٥ . (٢) تفسير الرازي ١٢٥/٩، وغرائب القرآن النيسابوري ٤/ ١٤١ - وعنه نقل المصنف - وفيهما: الذوق، بدل: المذوق. (٣) القراءتان في القراءات الشاذة ص ٢٣، والكشاف ٤٨٥/١. (٤) البيت لأبي الأسود الدؤلي، وهو في ديوانه ص ٥٤. سُورَةُ العَقْرَانَ ١٨٠ الآية : ١٨٥ ﴿وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ أي: تُعْطُون أَجْزِيةَ أعمالكم وافيةً تامة ﴿يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ﴾ أي: وقتَ قيامكم من القبور، فالقيامة مصدرٌ، والوحدة لقيامهم دفعةً واحدة. وفي لفظ التوفية إشارةٌ إلى أنَّ بعضَ أُجورهم من خيرٍ أو شرِّ تصلُ إليهم قبل ذلك اليوم، ويؤيِّده ما أخرجه الترمذيُّ عن أبي سعيد الخدريِّ، والطبرانيُّ في ((الأوسط)) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((القبر روضةٌ من رياض الجنة، أو حفرةٌ من حُفَرٍ النيران))(١). وقيل: النكتةُ في ذلك أنه قد يقع الجزاء ببعض الأعمال في الدنيا، ولعلَّ مَن يُنكر عذاب القبر تتعيَّن عنده هذه النكتة. ﴿فَمَنْ زُحْرِجَ عَنِ الثَّارِ﴾ أي: بعِّد يومئذٍ عن نار جهنّم، وأصلُ الزحزحة: تكرير الزَّحِّ، وهو الجَذْبُ بعَجَلة، وقد أُريد هنا المعنى اللازم. ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازُّ﴾ أي: سَعِدَ ونجا، قاله ابن عباس. وأصل الفوز: الَّفَرُ بالبُغية، وبعض الناس قدَّر له هنا متعلِّقاً، أي: فاز بالنجاة ونَيْلِ المراد، ويحتمل أنه حُذف للعموم، أي: بكلِّ ما يريد، وفي الخبر: ((لَموضعُ سَوْطِ أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها)) ثم قرأ رسول الله وَلجر هذه الآية (٢). وأخرج أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمرو (٣) قال: قال رسول الله وَال﴾: ((مَن أَحبَّ أن يُزخْزَح عن النار ويُدْخَلَ الجنة، فَلْتُدْرِكُه منيَّتُهُ وهو يؤمنُ بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحبُّ أن يُؤْتَى إليه)) (٤). وذَكَرَ دخولَ الجنة بَعْدَ الْبُعْدِ عن النار؛ لأنه لا يلزم من البُعْدِ عنها دخولُ الجنة كما هو ظاهر. (١) سنن الترمذي (٢٤٦٠)، والمعجم الأوسط (٨٦٠٨)، والحديثان ضعيفان كما قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص ٣٥. (٢) أخرجه أحمد (٩٦٥١)، والترمذي (٣٠١٣) من حديث أبي هريرة ظه، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه أحمد (١٥٥٦٤)، والبخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد ، دون قوله: ثم قرأ ... (٣) في الأصل و(م): عمر. والمثبت من مصادر التخريج. (٤) مسند أحمد (٦٧٩٣)، وصحيح مسلم (١٨٤٤) مطولاً.