النص المفهرس
صفحات 81-100
الآية : ١٥٦ ٨١ سُورَةُ الِ عُقْرَانَ وقيل: اكتفى بذكر الأرض مراداً عن ذكر البحر. وقيل: المراد من الأرض ما يشمل البرَّ والبحر. وليس بالبعيد. وجيء بـ ((إذا)) وحقُّ الكلام ((إذ)) - كما قالوا ــ لـ ((قالوا)) الدالِّ بهيئته على الزمان المنافي للزمان الدالة عليه ((إذا))، مراعاةً لحكاية الحال الماضية، ومعنى ذلك: أن تُقدِّر نفسَك كأنك موجودٌ في ذلك الزمان الماضي، أو تُقدِّر ذلك الزمان كأنه موجودٌ الآن، وهذا كقولك: قالوا ذلك حين يضربون، والمعنى: حين ضربوا، إلا أنك جئتَ بلفظ المضارع استحضاراً لصورة ضَرْبِهم في الأرض. واعترض بوجهين: الأول: أنَّ حكاية الحال إنما تكون حيث يُؤتَى بصيغة الحال، وهذه صيغةُ استقبال؛ لأنَّ معنى ((إذا ضربوا)): حين يضربون فيما يستقبل. الثاني: أنَّ قولهم: لو كانوا عندنا، إنما هو بعد موتهم، فكيف يتقيَّد بالضرب في الأرض. وأجيب عن الأول: بأنَّ (إذا ضربوا)) في معنى الاستمرار، كما في: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [البقرة: ١٤] فيفيد(١) الاستحضار نظراً للحال. وعن الثاني بأنَّ ((قالوا لإخوانهم)) في موقع جزاء الشرط من جهة المعنى، فيكون المعنى: لا تكونوا كالذين كفروا، وإذا ضرب إخوانُهم فماتوا، أو كانوا غُزَّا فقُتِلوا، قالوا: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا. فالضرب والقتل كلاهما في معنى الاستقبال، وتقييدُ القول بالضرب إنما هو باعتبار الجزء الأخير وهو الموت والقتل، فإنه وإن لم يُذكر لفظاً لدلالة ما في القول عليه، فهو مرادٌ معنَى، والمعتبرُ المقارنةُ عرفاً كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَّاءِ﴾ [البقرة: ١٩٨] وكقولك: إذا طلع هلال المحرَّم، أتيتك في منتصفه . وقال الزجَّاج: ((إذا)) هنا تنوبُ عمَّا مضى من الزمان وما يُستَقبل، يعني أنها لمجرَّد الوقت، أو لقَصْدِ الاستمرار(٢). (١) في (م): فيفسد، وهو تصحيف. (٢) تفسير أبي السعود ٢/ ١٠٣. سُورَةُ العَقْرَانَ ٨٢ الآية : ١٥٦ والذي يقتضيه النظر الصائب أن لا يجعل ((إذا ضربوا)) ظرفاً لـ ((قالوا))، بل ظرفٌ لِمَا يحصل للإخوان حين يقال لأَجْلِهم وفي حقٌّهم ذلك، كأنه قيل: قالوا لأَجْل الأحوال العارضة للإخوان إذا ضربوا، بمعنى: حين كانوا يضربون. قاله العلامة الثاني. وأنت تعلم أنَّ تجريد ((إذا)) عن معنى الاستقبال، وجَعْلَها بمعنى الوقت مطلقاً كافٍ في توجيه الآية مزيلٌ لإشكالها، وقَصْدُ الاستمرار منها لا يدفع الاعتراض عن ذلك التوجيه؛ لأنها إذا كانت للاستمرار تشمل الماضي، فلا تكون لحكاية الحال، وكذا إذا كان ((قالوا)) جواباً؛ إذ يصير مستقبلاً، فلا تتأتَّى فيه الحكاية المذكورة أيضاً. ويَرِدُ على ما اقتضاه النظر الصائب أنَّ دونَ إثباتِ صحةٍ مثله في العربية خَرْطُ القتاد. وأَقعدُ منه - وإن كان بعيداً - ما قاله أبو حيان من أنه يمكن إقرار ((إذا)) على الاستقبال بأن يُقدَّر العامل فيها مضافاً مستقبلاً على أنَّ ضميرَ ((لو كانوا)) عائدٌ على ((إخوانهم)) لفظاً لا معنّى، على حدٍّ: عندي درهمٌ ونصفه، والتقدير: وقالوا مخافةً هلاك إخوانهم إذا ضربوا أو كانوا غُزَّا: لو كانوا - أي: إخواننا الآخرون الذين تقدَّم موتُهم وقتلُهم - عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فتكون هذه المقالة تثبيطاً لإخوانهم الباقين عن السفر والغزو، لئلا يصيبهم ما أصاب الأوَّلين(١). وإنما لم يحملوا ((إذا)) هنا على الحال كما قيل بحملها عليه بعد القسم نحو: ﴿وَّلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] لتصفوَ لهم دعوى حكايةِ الحال عن الكَدَر؛ لأنَّ ذلك غيرُ مسلّم عند المحققين هناك، فقد صحّحوا فيه بقاءها على الاستقبال من غير محذور. وجُوِّز في الآية كون ((قالوا)) بمعنى يقولون، وقد جاء في كلامهم استعمالُ الماضي بمعنى المستقبل، ومنه قولُه: وإِنِّي لآتيكم تَشَكُّرَ ما مضى من الأمر واستيجابَ ما كان في غَدِ (٢) وكذا جُوِّز بقاؤه على معناه، وحملُ ((إذا)) على الماضي، فإنها تجيء له (١) البحر ٩٢/٣-٩٣، ونقله عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٧٥/٣. وقال أبو حيان: ويكون العامل في ((إذا)): هلاك، وهو مضارع ينحلُّ: إلى ((أنْ)) والمضارع، أي: مخافة أن يهلك إخوانهم إذا ضربوا ... إلخ. (٢) البيت للطرماح، وهو في ديوانه ص ٥٧٢ . الآية : ١٥٦ ٨٣ سُورَةُ الْ عَمْرَانَ كما جاءت ((إذ)) للمستقبل في قول البعض، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ نِجَرَةً أَوْ لَوَّا أَنْفَضُّواْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، وقوله: سَقَبْتُ إذا تغوَّرتِ النجوم(١) وندمانٍ يزيدُ الكأسَ طِيباً وحينئذ لا منافاة بين زمانَي القيد والمقيَّد، فتدبّر ذلك كلَّه. والجملة المعيِّنة لوَجْهِ الشَّبَهِ والمماثلةِ التي نُهوا عنها، هي الجملة المعطوفة على جملة الصلة، والمعنى: لا تتشبَّهوا بالكفار في قولهم لإخوانهم إذا سافروا. ﴿أَوْ كَانُواْ غُزَّى﴾ جمع غازٍ، كعافٍ وعُفَّى، وهو من نوادر الجمع في المعتلِّ، واستشهد عليه بعضهم بقول امرئ القيس: ومُغبرَّةِ الآفاق خاشعةِ الصُّوَى لها قُلُبٌ عُفَّى الحياض أُجُونٌ (٢) ويُجمَع على غُزاة، كقاضٍ وقُضاة، وعلى غَزِيٌّ مثل حاجٌّ وحَجيج، وقاطِنٍ وقَطِين، وعلى غُزَّاء مثل فاسق وفُسَّاق، وأنشدوا له قول تأبَّط شرًّا: ويوماً بخشخاشٍ من الرَّجل ◌َيْضَلٍ(٣) فيوماً بغُزَّاءٍ ويوماً بسُرْيةٍ وعلى غازون، مثل ضارب وضاربون. وهو منصوبٌ بفتحةٍ مقدَّرة على الألف المنقلبة عن الواو المحذوفة لالتقاء الساكنين؛ إذ أصله غُزَّواً، تحرَّكت الواو وانفتح ما قبلها، فقُلبت ألفاً ثم حذفتْ. وقرئ بتخفيف الزاي(٤)، قال أبو البقاء: وفيه وجهان؛ الأول: أنَّ أصله غزاة، (١) البيت لعمرو بن شأس، كما في منتهى الطلب من أشعار العرب ٧٦/٨. ونسبه صاحب الأغاني ١١/١٤ للبُرْج بن الجُلاس الطائي، وفيه: وقد، بدل: إذا. (٢) ديوان امرئ القيس ص ٢٨٣، وحاشية الشهاب ٧٥/٣، ووقع في الديوان: عفُّ الحياض. وقال الشهاب في شرح البيت: يصف مفازة بأنها لم تسلك قبله، والصُّوى جمع صُوَّة، وهي الحجارة تُنصب عَلَماً للمفازة، والقُلُب جمع قَليب: وهي البئر القديمة. وعُفّى: دارسات. وفي شرح الديوان: الأجون المياه المتغيرة. والمغبرَّة: الأرض. وخاشعة: مستوية ملساء لاصقة بالأرض. (٣) ديوان تأبط شرًّا ص١٧٧، واللسان (غزا). الخشخاش: الجماعة في سلاح ودروع. والرَّجْل: الراجلون. والهيضل: الجيش الكثير. القاموس (خشخش) و(هضل). (٤) هي قراءة الحسن والزهري. القراءات الشاذة ص ٢٣، والمحتسب ١٧٥/١. سُوَرَةُ آلِ عُقْرَانَ ٨٤ الآية : ١٥٦ فحذفت الهاء تخفيفاً؛ لأنَّ التاء دليلُ الجمع، وقد حصل من نفس الصيغة. والثاني: أنه أُريد قراءة الجمهور، فحذفت إحدى الزايين كراهية التضعيف (١). وذكر هذا الشِّقَّ مع دخوله فيما قبله؛ لأنه المقصود في المقام، وما قبله توطئةٌ له. على أنه قيل: قد يوجد بدون الضرب في الأرض، بناءً على أنَّ المراد به السفرُ البعيد، فبين الضرب على هذا وكونهم غزاةً عمومٌ من وجه. وإنما لم يقل: أو غَزَوْا، للإيذان باستمرار اتِّصافهم بعنوان كونهم غزاة، أو لانقضاء ذلك، أي: كانوا غزاةً فيما مضى. ﴿لَوْ كَانُوا﴾ مقيمين ﴿عِندَنَا﴾ بأن لم يسافروا أو يغزوا ﴿مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾ بل كانوا يبقَوْنَ زيادةً على ما بقُوا، والجملة الامتناعية في محلِّ النصب مفعولٌ لـ (قالوا))، ودليلٌ على أنَّ في الكلام السابق مُضْمَراً قد حُذف، أي: إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزَّى فقُتلوا، وتقدير: فماتوا أو قتلوا، في كلٍّ من الشِّقَّين خلافُ الظاهر. ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِ قُلُوبِهِمْ﴾ متعلِّقٌ بـ ((قالوا)) داخلٌ في حيِّز الصلة، ومن جملة المشبَّه به، والإشارةُ إلى القول لكن باعتبار ما فيه من الاعتقاد، واللام لامُ العاقبة، والمعنى: لا تكونوا مثلهم في القول الباطل والمعتَقَدِ الفاسد، المؤَدِّيَين إلى الحسرة والندامة والدمار في العاقبة، وإلى هذا يشير كلام الزجَّاج (٢) وأبي علي. وقيل(٣): متعلِّقٌ بـ ((لا تكونوا)) على أنه علةٌ للنهي، فهو خارجٌ عن جملة المشبّه به، لكنَّ القول والمعتقدَ داخلان فيه، أي: لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده، ليجعل انتفاءَ كونكم معهم في ذلك القول والاعتقاد حسرةً في قلوبهم خاصة. واعترضه أبو حيان بأنه قولٌ لا تحقيقَ فيه؛ لأنَّ جَعْلَ الحسرة لا يكون سبباً للنهي، إنما يكون سبباً لحصول امتثال النهي، وهو انتفاءُ المماثلة، فحصولُ ذلك (١) الإملاء ١٤١/٢- ١٤٢. (٢) في معاني القرآن ١/ ٤٨٢. (٣) هو قول الزمخشري في الكشاف ٤٧٤/١، وينظر الدر المصون ٤٥٤/٣ -٤٥٥. الآية : ١٥٦ ٨٥ سُورَةُ الِ عُقْرَانَ الانتفاءِ والمخالفة فيما يقولون ويعتقدون يحصل عنه ما يغيظهم ويغمُّهم إذ لم يوافقوهم فيما قالوه واعتقدوه، فيتركوا(١) الضربَ في الأرض والغزوَ، وكأنَّ القائل التّبَسَ عليه استدعاءُ انتفاءِ المماثلة بحصول الانتفاء، وفَهْمُ هذا فيه خفاءٌ ودقة(٢). وتعقَّبه السفاقسيُّ بأنه يلزمُ على هذا الاعتراضِ أنْ لا يجوزَ نحوُ: لا تعصٍ لتدخلَ الجنة؛ لأنَّ النهيَ ليس سبباً لدخول الجنة، وكذا لا يجوز: أَطع اللهَ تعالى لتدخَل الجنة؛ لأنَّ الأمرَ ليس سبباً لدخولها، ثم قال: والحقُّ أنَّ اللام تتعلَّقُ بالفعل المنهيِّ عنه والمأمور به، على معنى أنَّ الكَفَّ عن الفعل، أو الفعل(٣) المأمور به، سبب لدخول الجنة ونحوه، وهذا لا إشكال فيه. وقيل: متعلِّقٌ بـ ((لا تكونوا)) والإشارة إلى ما دلَّ عليه النهيُ، والكلُّ خارجٌ عن المشبَّه به، والمعنى: لا تكونوا مِثْلَهم ليجعل الله انتفاءَ كونكم مثلهم حسرةً في قلوبهم(٤). وعلى هذا يكون ((وقالوا)) ابتداء كلام معطوفاً على مقدَّراتٍ شتّى، كما يقتضيه أقوالُ المنافقين وأحوالهم وأفعالُهم، ووَّجْهُ اتصاله بما قبله أنه لمَّا وقع التنبيه على عدم الكون مثلهم، عمَّ جميع ما يتصلُ بهم من الرذائل، وخصَّ المذكورَ لكونه أشنعَ وأبينَ لنفاقهم، أي: أنهم أعداءُ الدين لم يُقصِّروا في المضارَّة والمضادَّة، بل فعلوا كيت وكيت، وقالوا كذا وكذا، ومن هذا يُعلم ما في تلك المقدَّرات. وعلى كلٍّ من الأوجه الثلاثة يكون الضمير المجرور في ((قلوبهم)) عائداً إلى الكافرين. وذَكَرَ القلوبَ مع أنَّ الحسرةَ لا تكون إلا فيها؛ لإرادة التمكّن والإيذان بعدم الزوال. (١) في (م): فيترك. (٢) البحر: ٩٢/٣. (٣) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: أو فعل. (٤) ذكر هذا القول الزمخشري أيضاً في الكشاف ٤٧٤/١، وهو مماثل لما ردّ به أبو حيان القول السابق كما نبه على ذلك السمين في الدر المصون ٣/ ٤٥٥، وتعقب اعتراض أبي حيان على ذلك القول بقوله: ولا أدري ما وجه تنبيج كلام أبي القاسم (يعني الزمخشري)، وكيف رد علیه - علی زعمه - بكلامه. سُورَةُ الَّغْرَانَ ٨٦ التفسير الإشاري (١٤٦ - ١٥٦) وجوَّز ابنُ تمجيدٍ رجوعَ الضمير إلى المؤمنين، واللامُ متعلِّقةٌ بـ ((قالوا)) حينئذٍ لا غير. ووجَّه الآية بما يقضي منه العجب. ﴿وَاللَّهُ يُحِ، وَيُمِيتُ﴾ ردٌّ لقولهم الباطل إثر بيانٍ غائلته، أي: والله هو المؤثِّرُ الحقيقيُّ في الحياة والممات وحده، لا الإقامة أو السفر، فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي مع اقتحامهما موارد الحتوف، ویمیتُ المقیم والقاعد وإن كانا تحت ظلال النعيم. وليس المراد أنه تعالى يوجِدُ الحياةَ والممات، وإن كان هو الظاهر؛ لأنَّ الكلامَ ليس فيه، ولا يَحصُلُ به الردُّ، وإنما الكلام في إحداث ما يؤثرهما. وقيل: المراد أنه تعالى يحيى ويميت في السفر والحضر عند حضور الأجل، ولا مؤخِّرَ لِمَا قَدَّمَ ولا مقدِّمَ لِمَا أَخَرَ، ولا رادَّ لِمَا قضى، ولا محيصَ عمَّا قدَّر، وفيه منعُ المؤمنين عن التخلّف في الجهاد لخشية القتل. والواو للحال، فلا يَرِدُ أنه لا يصحُّ عطفُ الإخبار على الإنشاء. ﴿وَلَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ترغيبٌ في الطاعة وترهيبٌ عن المعصية، أو تهديدٌ(١) للمؤمنين على أن يماثلوا الكفار؛ لأنَّ رؤيةَ الله تعالى كعِلْمِه تُستَعمل في القرآن للمجازاة على المرئيّ كالمعلوم، والمؤمنون وإن لم يماثلوهم فيما ذُكر، لكنَّ ندمهم على الخروج من المدينة يقتضيه. وقرأ ابن كثير، وأهلُ الكوفة - غيرَ عاصم -: ((يعملون)) بالياء(٢)، وضميرُ الجمع حينئذ للكفار، والعمل عامّ متناولٌ للقول المذكور، ولمنشئه الذي هو الاعتقاد الفاسد، ولِمَا ترتَّب على ذلك من الأعمال، ولذلك تعرَّض لعنوان البصر، لا لعنوان السمع، وإظهار الاسم الجليل لما مرَّ غيرَ مرة، وكذا تقديم الظرف. هذا ومن باب الإشارة: ﴿وَكَيِّن﴾ وكم ﴿مِّن نَّبٍِ﴾ مرتفعِ القَدْرِ جليلِ الشأن، وهو في الأنفس الروحُ القدسية ﴿قَتَلَ مَعَهُ﴾ عدوَّ الله تعالى، أعني النفسَ الأمَّارة (١) في الأصل: وتهديد. (٢) التيسير ص ٩١، والنشر ٢٤٢/٢. التفسير الإشاري (١٤٦ -١٥٦) ٨٧ سُورَةُ العَقْرَانَ ﴿رِبُّونَ﴾ متخلِّقون بأخلاق الرَّبِّ، وهم القُوى الروحانية ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وطريقِ الوصول إليه من تعبِ المُجاهَدات ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ في طلب الحقِّ ﴿وَمَا أَسْتَكَانُواْ﴾، وما خضعوا للسِّوى ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ﴾ على مقاساة الشدائد في جهاد النفس. ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ استُرْ لنا وُجُوداتِنا بإفاضة أنوار الوجود الحقيقيِّ علينا ﴿وَإِسْرَافَنَا فِىّ أَمْرِنَا﴾ أي: تجاوُزَنا حدودَ ظاهر الشريعة عند صدمات التجلِّيات ﴿وَتَيِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ في مواطن حروب أنفسنا ﴿وَأَنْصُرْنَا﴾ بتأييدك وإمدادك ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِنَ﴾ الساترين لربوبيتك. ﴿فَنَهُمُ اللَّهُ﴾ بسبب دعائهم بألسنة الاستعدادات والانقطاع إليه تعالى ﴿ثَوَابَ الذُّنْيَا﴾ وهو مرتبةُ توحيد الأفعال وتوحيدِ الصفات ﴿وَحُسْنَ ثَوَابٍ الْآَخِرَةُ﴾ وهو مقَامُ توحيد الذات ﴿وَلَّهُ يُحِبُّ الْخْسِنِينَ﴾ في الطلب، الذين لا يلتفتون إلى الأغيار. ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الإيمانَ الحقيقيَّ ﴿إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم النفوسُ الكافرة وصفاتها ﴿يَرُذُّوكُمْ عَلَىَ أَعْقَبِكُمْ﴾ إلى أسفل سافلين، وهو سجِّينُ البهيمية ﴿فَتَنْقَلِبُواْ﴾ ترجعوا القَهْقَرى ﴿خَسِرِينَ﴾ أنفسكم. ﴿بَلِ اَللَّهُ مَوْلَئِكُمْ﴾ ناصركم ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ﴾ لمن عوَّل عليه وقَطَعَ نظره عمَّن سواه. ﴿سَنُلْقِى فِىِ قُلُوبٍ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ أي: الخوفَ ﴿بِمَآ أَشْرَكُواْ﴾ أي: بسبب إشراكهم ﴿يَاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ أي: بوجوده ﴿سُلْطَانًا﴾ أي: حُجَّة؛ إذ لا حُجَّةَ على وجوده حتى ينزلها، لتحقُّق عَدَمه بحسَبٍ ذاته. وجعل سبحانه إلقاءَ الرعب في قلوبهم مسبَّباً عن شِرْكهم؛ لأنَّ الشجاعةَ وسائرَ الفضائل اعتدالاتٌ في قوى النفس عند تنوُّرها بنور القلب المنوَّر بنور التوحيد، فلا تكونُ تامةً حقيقيةً إلا للموحِّد الموقن، وأما المشركُ فمحجوبٌ عن منبع القوة بما أشرك ما لا وجودَ ولا ذاتَ في الحقيقة له، فهو ضعيفٌ عاذَ بِقَرْمَلة (١). (١) ضعيف عاذ بِقَرْملة: هو مثل يُضرب لذليل لجأ إلى مثله. والقَرْمَلة: شجرة لا ذرى لها ولا ملجأ. المستقصى في أمثال العرب ١٣٥/١ و٨٦/٢، وانظر لسان العرب (قرمل). سُورَةُ العَمْرَانَ ٨٨ التفسير الإشاري (١٤٦ - ١٥٦) ﴿وَمَأْوَنُهُمُ النَّارِ﴾ وهي نارُ الحرمان ﴿وَبِئْسَ مَثْوَىَ الظَّالِمِينَ﴾ الذي وضعوا الشيءَ في غير موضعه، وعبدوا أسماءً سمَّوها، ما أنزل الله تعالى بها من كتاب. ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ المشروطَ بالصبر والتقوى ﴿إِذْ تَحُشُّونَهُم﴾ أي: تقتلون جنود الصفات البشرية قتلاً ذريعاً ﴿إِذْنِهِ﴾ وأمرِه، لا على وَفق الطّبع ﴿حَتَّىَ إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ جَبُنتم عند تجلِّي الجلال ﴿وَتَنَزَعْتُمْ فِ الْأَمْرِ﴾ وخالفتُم في أمر الطلب ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ المرشدَ المربِّي ﴿مِّنُ بَعْدِ مَا أَرَنَكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾ من الفوز بأنوار الحضرة ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا﴾ لقصور هِمَّته وضَعْفٍ رأيه ﴿وَمِنكُم مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ لطول باعه وقوة عقله. ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَهُمْ﴾ أي: عن أعداء نفوسكم وجنودها ﴿لِتَلِكُمْ﴾ أي: يمتحنكم بالستر بعد التجلِّي بأنوار المشاهدات، والصَّحْوِ بعد السُّكْر بأقداح الواردات، والفِطام بعد إرضاع ألبان الملاطفات، كما يقتضي ذلك الجلال. ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ بعد ذلك، فانقطعتم إليه كما هو مقتضى الجمال ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ على المؤمنين في طوري التقريب والإبعاد، وما ألطفَ قولَ مَن قال: فَقَسا لِيَزدجروا ومَنْ يُ حازماً فَلْيَفْسُ أحياناً على مَن يَرْحَمُ(١) ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ في جبل التوجُّه إلى الحق ﴿وَلَا تَلْوُنَ﴾ أي: لا تلتفتون ﴿عَلَىَّ أَحَدٍ﴾ من الأمرين؛ الدنيا والآخرة ﴿وَالرَّسُولُ﴾ أي رسول الواردات ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ إليَّ عبادَ الله إليَّ عباد الله. ﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِفَرٍ﴾ فجازاكم بدلَ غمِّ الدنيا والآخرة بغمِّ طلب الحق ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من زخارف الدنيا ﴿وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ﴾ من صدمات تجلِّي القهر ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لأنه سبحانه أقربُ إليكم منكم. ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُم مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً تُّعَاسًا﴾ أي: وارداً من ألطافه ظهر في صورة النعاس، وهو السكينة الرحمانية ﴿يَغْشَى طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ﴾ وهم الصادقون في الطلب (١) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه ٣/ ٢٠٠ بشرح الخطيب التبريزي. التفسير الإشاري (١٤٦-١٥٦) ٨٩ سُورَةُ الْعَنْران ﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ وهم أربابٌ النفوس، فإنهم لا هَمَّ لهم سوى حظّ نفوسهم واستيفاء لذَّاتها ﴿يَظُنُونَ بِاللَّهِ غَيّرَ آلْحَقِّ﴾ بمقتضى سوء استعدادهم ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ أي: إنَّ الخلق حالوا بيننا وبين التدبير، ولو لم يحولوا لفعلنا ما به صلاحُنا. ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَُّ لِهِ﴾ فهو المتصرِّف وحده حَسْبَما يقتضيه الاستعداد، فلا تدبير مع تدبيره، ولا وجود لأحدٍ سواه. ﴿يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم﴾ الخبيئةِ ﴿مَّا لَا يُبْدُونَ﴾ بزعمهم لك أيها المرشد الكامل ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ اُلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا﴾ بسيف الشهوات ﴿هَهُنَا﴾ أي: في هذه النشأة ﴿قُل لَّوْ كُمْ فِ بُيُوتِكُمْ﴾ وهي منازل العدم الأصلي قبل ظهور هذه التعيُّنات ﴿لَبَرَزَ﴾ على حَسَب العلم ﴿الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ في لوح الأزل ﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمّ﴾ وهي بيداءُ الشهوات، فقد قال سبحانه: ﴿مَّ أَصَابَ مِن ◌ُصِيبَةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نََّهَاْ﴾ [الحديد: ٢٢] أي: نُظْهِرَها بهذا التعيُّن. وإنما فعل سبحانه ما فعل لِحِكَمِ شتَّى ﴿وَلِيَبْتَلِىَ اَللَّهُ﴾ تعالى ﴿مَا فِي صُدُرِكُمْ﴾ أي: ليمتحن ما في استعدادكم من الصدق والإخلاص والتوكُّلِ، ونحو ذلك من الأخلاق، ويخرجها من القوة إلى الفعل ﴿ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِ قُلُوبِكُمْ﴾ أي: يخلّص ما برز من مكمن الصدر إلى مخزن القلب من غشِّ الوساوسِ وخواطر النفس، فإنَّ البلاء سوطٌ يسوق الله تعالى به عباده إليه، ولهذا ورد: ((أشدُّ الناس بلاءً، الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل))(١) ولله تعالی درُّ مَن قال: صَدأ اللئام وصيقلُ الأحرار لله درُّ النائبات فإنها سيفاً وأَطلَعَ صرفهنَّ غراري(٢) ما كنتُ إلا زُبرة فطَبَعْنَني وذلك لأنهم حينئذ ينقطعون إلى الحقِّ، ولا يظهر على كلٌّ منهم إلا ما في مكمن استعداده، كما قيل: عند الامتحان يُكرم الرجل أو يهان. (١) أخرجه أحمد (١٤٨١) من حديث سعد بن أبي وقاص ، وفيه: الصالحون، بدل: الأولياء. (٢) البيتان ينسبان للأمير قرواش بن المقلد العقيلي، وهما في وفيات الأعيان ٢٦٤/٥. سُورَةُ الِ غَيْرَانَ ٩٠ التفسير الإشاري (١٤٦ -١٥٦) والخطاب في كلا الموضعين للمؤمنين، وقيل: إنَّ الخطابَ الأول للمنافقين، والثاني للمؤمنين، وإنه سبحانه إنما خصَّ الصدورَ بالأوَّلينَ؛ لأنَّ الصَّدْر معدِنُ الغِلِّ والوسوسة، فهو أَوفقُ بحال المنافقين، وخَصَّ القلوب بالآخِرِين؛ لأنَّ القلبَ مقرُّ الإيمان والاطمئنان، وهو أَوفقُ بحال المؤمنين، وأنَّ نسبةَ الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصَّدر إلى القلب، قيل: ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ القُدُورِ﴾ بناءً على أنَّ المراد به الترهيبُ والتحذير عن الاتصال بما لا يرضَى من تلك الصفات التي يكون الصدر مكمناً لها . ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَ الْجَمْعَانِ﴾ جمعُ الروح وقواها، وجمعُ النفس وقواها ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ من الذنوب؛ لأنها تُورِثُ الظلمة، والشيطانُ لا مجالَ له على ابن آدم بالتزيين والوسوسة إلا إذا وَجَدَ ظُلمةً في القلب. ولك أن تُبقي الجمعين على ظاهرهما، وباقي الإشارة بحاله ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمُّ﴾ حين استنارت قلوبهم بنور الندم والتوبة ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ وبمقتضى ذلك ظهرت المخالفات، وأردفت بالتوبة، ليكون ذلك مرآةً لظهور صفات الله تعالى، ومن هنا جاء: ((لو لم تذنبوا، لأتى الله تعالى بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم»(١) . وحُكي أنَّ إبراهيم بن أدهم ◌َّهِ أَكْثَرَ ليلةً في الطواف من قوله: اللهمَّ اعْصِمْني من الذنوب. فسمع هاتفاً من قلبه يقول: يا إبراهيم، أنت تسأله العصمة، وكلّ عباده يسألونه العصمة، فإذا عَصَمَكم على مَن يتفضَّل، وعلى مَن يتكرَّم؟. ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُوا كَذِينَ كَفَرُواْ﴾ برؤية الأغيار واعتقادِ تأثير السِّوى ﴿وَقَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ﴾ لأَجْلِ إخوانهم ﴿إِذَا ضَرَبُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ إذا فارقوهم بتَرْك ما هم عليه، وسافروا في أرض نفوسهم، وسَلَكوا سبيل الرشاد ﴿أَوْ كَانُواْ غُزَّى﴾ أي: مجاهدين مع أعدى أعدائهم، وهي نفوسُهم التي بين جنوبهم، وقواها وجنودُها من الهوى والشيطان ﴿لَوْ كَانُوا﴾ مقيمين ﴿عِندَنَا﴾ موافِقينَ لنا ﴿مَا مَاتُوا﴾ بمقاساة الرياضة ﴿وَمَا قُتِلُواْ﴾ بسيف المجاهدة، ولاستراحوا من هذا النَّصَب. (١) أخرجه أحمد (٨٠٨٢)، ومسلم (٢٧٤٩) من حديث أبي هريرة څه. الآية : ١٥٧ ٩١ سُؤَادَةُ الِعُقْرَانَ لِيَجْعَلَ اَللَّهُ ذَلِكَ﴾ أي: عدمَ الكون مثلَهم ﴿حَسْرَةٌ﴾ يومَ القيامة ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ حين يَرَوْن ما أَعدَّ الله تعالى لكم ﴿وَاللَّهُ يُحِىء) مَن يشاء بالحياة الأبدية ﴿وَيُيتٌ﴾ مَن : يشاء بموت الجهل والبُعْدِ عن الحضرة. ﴿وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تحذيرٌ عن المیل إلى قول المنكرين واعتقادهم. ﴿وَلَيْنِ قُتِلْتُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الجهاد ﴿أَوْ مُتُمْ﴾ُ حَتْفَ الأنف، وأنتم متلبِّسون به فعلاً أو نيةً ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا يَحْمَعُونَ ١٥٧ أي: الكفارُ من منافع الدنيا ولذَّاتها مدَّةَ أعمارهم، وهذا ترغيبٌ للمؤمنين في الجهاد، وأنه مما يجب أن يتنافس فيه المتنافسون، وفيه تعزيةٌ لهم وتسليةٌ مما أصابهم في سبيل الله تعالى إثر إبطال ما عسى أن يثبّطهم عن إعلاء كلمة الله تعالى. واللام الأولى هي الموطّئة للقسم، والثانية واقعة في جواب القسم، وجوابُ الشرط محذوفٌ لدلالة جواب القسم عليه ووفائه بمعناه، و((مغفرة)) مبتدأ و(من)) متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لها، ووُصفت بذلك إظهاراً للاعتناء بها، ورمزاً إلى تحقّق وقوعها، وذهب غيرُ واحدٍ إلى تقدير صفةٍ أخرى، أي: لمغفرةٌ لكم من الله، وحذفت صفة ((رحمة)) لدلالة المذكور عليها، والتنوين فيهما للتقليل، ولا ينافي ذلك ما يشير إليه الوصف. وثبوتُ أصلِ الخيريَّةِ لِمَا يجمعه الكفار كما يقتضيه أفعل التفضيل، إما بناءً على أنَّ الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من الحلال الذي يُعَدُّ خيراً في نفس الأمر، وإما أنَّ ذلك واردٌ على حَسَبٍ قولهم ومعتَقَدِهم أنَّ تلك الأموال خير. وجُوِّز في ((ما)) أن تكونَ موصولة، أو نكرةً موصوفة، والعائد محذوف، أو مصدريةً ويكون المفعول حينئذ محذوفاً، أي: من جَمْعِهم المالَ. وقرأ نافع وأهلُ الكوفة غيرَ عاصم: ((مِثُم)» بالكسر، ووافقهم حفصٌّ في سائر المواضع إلا هاهنا (١)، وقرأ الباقون بضم الميم، وهو على الأول من مات يَمات، (١) يعني في موضعي هذه السورة، فقد قرأ حفص فيهما بالضم. التيسير ص ٩١، والنشر ٢٤٣/٢. سُورَةُ العَقْرَانَ ٩٢ الآية : ١٥٨ مثل: خِفْتُم، من خاف يَخاف، وعلى الثاني من مات يموت، مثل: كنتم، من كان یکون. وقرأ حفصٌ عن عاصم: ((يجمعون)) بالياء على صيغة الغيبة، وقرأ الباقون: (تجمعون)) بالتاء على صيغة الخطاب، والضمير للمؤمنين(١). وقُدِّم القتل على الموت لأنه أكثرُ ثواباً وأعظمُ عند الله تعالى، فترتُّبُ المغفرة والرحمة عليه أقوى، وعُكِس في قوله سبحانه: ﴿وَلَيِن ◌ُتُمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ لأنَّ الموتَ أكثرُ من القتل، وهما مُستوِيان في الحشر، والمعنى: ١٥٨ تُحْشَرُونَ أنكم بأيِّ سببٍ اتَّفقَ هلاكُكم تُحشرون إلى الله تعالى، لا إلى غيره، فيجزِي كلًّا منكم كما يستحقُّ، فيجازي المحسنَ على إحسانه، والمسيءَ على إساءته، وليس غيرُهُ يُرجى منه ثواب، أو يُتَوقَّعُ منه دَفْعُ عقابٍ، فَآئِروا ما يقرِّبكم إليه ويجرُّ لكم رضاه، من العمل بطاعته والجهادِ في سبيله، ولا تَرْكَنوا إلى الدنيا، ومما يُنسب للحسین فإن تكنِ الأبدانُ للموت أُنشِئَتْ فَقَتْلُ امرئٍ بالسيف والله أفضلٌ(٢) والكلام في اللامين كالكلام في أختيهما بلا مَين(٣)، وإدخالُ لام القسم على المعمول المقدَّم مُشعِرٌ بتأكيد الحصر والاختصاصِ بأنَّ ألوهيَّته تعالى هي التي تقتضي ذلك. وادَّعى بعضُهم أنَّ تقديم هذا المعمول لمجرَّد الاهتمام، ويزيده حُسْناً وقوعُ ما بعده فاصلة، وما أشرنا إليه أولاً أولى. قالوا: ولولا هذا التقديم لوجبَ توكيدُ الفعل بالنون؛ لأنَّ المضارعَ المثبَتَ إذا كان مستقبلاً، وجب توكيدُهُ مع اللام، خلافاً للكوفيين، حيث يُجوِّزون التعاقبَ بينهما . وظاهر صنيع بعض المحققين يُشعر بأنَّ في هذه الجملة مقدَّراً بقرينةٍ ما قبله، أي: ولئن مُثُّمْ أو قتلتم في سبيل الله. ولعلَّ الحمل على العموم أولى. (١) التيسير ص ٩١، والنشر ٢٤٢/٢-٢٤٣. (٢) البيت في الديوان المنسوب لعلي ظالله ص ١٠٦. (٣) أي: بلا كذب. لسان العرب (مين). الآية : ١٥٩ ٩٣ سُورَةُ أَلَ عَثْرَانَ وزعم بعضٌ أنَّ في الآية تقسيمُ مقامات العبودية إلى ثلاثة أقسام: فَمَنْ عَبَدَ الله تعالى خوفاً من ناره آمَنَهُ مما يخاف، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الَهِ﴾ ومَنْ عَبَدَ الله تعالى شوقاً إلى جنَّته أَناله ما يرجو، وإليه الإشارة بقوله سبحانه: ﴿وَرَحْمَةُ﴾ لأنَّ الرحمة من أسماء الجنة، ومَن عَبَدَ الله تعالى شوقاً إلى وجهه الكريم لا يريد غيره، فهو العبد المخلص الذي یتجلَّی علیه الحقُّ جلَّ جلاله في دار كرامته، وإليه الإشارة بقوله عزَّ اسمه: ﴿لَإِلَى اللَّهِ مُحْشَرُونَ﴾. ولا يخفى أنه من باب التأويل لا من قَبيل التفسير. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ خطابٌ للنبيِّ وَّهِ، والفاءُ لترتيب مضمون الكلام على ما يُنْبِئ عنه السياق من استحقاق الفارِّين الملامةَ والتعنيفَ منه ◌َّه بمقتضى الجٍِلَّة البشرية، حَيث صَدَروا عنه وحياضُ الأهوال مُتْرَعةٌ، وشمَّروا للهزيمة والحربُ قائمةٌ على ساق، أو من سَعَة فضاء مغفرته ورحمته. والباء متعلِّقة بـ (النت))، والتقديم للقصر. و((ما)) مزيدةٌ للتأكيد، وعليه أَجِلَّةُ المفسرين، وهو المأثور عن قتادة، وحكى الزجَّاجُ الإجماعَ عليه (١). وفيه نظر، فقد قال الأخفش وغيره: يجوز أن تكون نكرة بمعنى شيء، و((رحمة)) بدلٌ منها(٢). وجُوِّز أن تكون صفة لها. وقيل: إنها استفهاميةٌ للتعجُّب، والتقدير: فبأيِّ رحمة لِنْتَ لهم؟ والتنوين في ((رحمة)) على كلِّ تقدير للتفخيم، و((من)) متعلقةٌ بمحذوف وقع صفة لها، أي: فبما رحمةٍ عظيمةٍ كائنةٍ من الله تعالى كنتَ لَيِّنَ الجانب لهم، ولم تُعنِّفهم. ولعلَّ المراد بهذه الرحمة ربطُهُ سبحانه وتعالى على جأشه وَِّ، وتخصيصُهُ له بمكارم الأخلاق. وجُعِلَ الرفق ولين الجانب مسيَّباً عن ربط الجأش؛ لأنَّ مَنْ مَلَكَ نفسَهُ عند الغضب كان كاملَ الشجاعة. قيل: وأفاد الكلام في هذا المقام فائدتين: إحداهما ما يدلُّ على شجاعته وَِّهِ، والثانية ما يدلُّ على رِفْقه، فهو من باب التكميل، وقد اجتمعت فيه # هاتان (١) معاني القرآن للزجاج ١/ ٤٨٢. (٢) ذكرَه عن الأخفش العكبري في الإملاء ١٤٣/٢، والذي في معاني القرآن للأخفش ٤٢٧/١ أن ((ما)) زائدة. سُورَةُ العمران ٩٤ الآية : ١٥٩ الصفتان يوم أُحد، حيث ثبتَ حتى كرَّ عليه أصحابه، مع أنه عراه ما عراه، ثم ما زجرهم ولا عنَّفهم على الفرار، بل آساهم في الغمِّ. ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ أي: خَشِنَ الجانب، شَرِسَ الأخلاق، جافياً في المعاشرة قولاً وفعلاً ﴿غَلِظَ الْقَلْبِ﴾ أي: قاسِیَه. وقال الكلبيُّ: فظّاً في الأقوال، غليظَ القلب في الأفعال. وذكر بعضُهم أنَّ الفَّ: سيءُ الخُلُق في الأمور الظاهرة من الأقوال والأفعال، وغليظ القلب: السيئ في الأمور الباطنة، والثاني سببٌ للأول، وقُدِّم المسبّب لظهوره؛ إذ هو الذي يُطلع عليه. ويمكن أن يقال: المراد: لو كنتَ على خلاف تينك الصفتين المعبَّرِ عنهما بالرحمة، وهو التهوُّر المشارُ إليه بالفظاظة، وسوءُ الأخلاق المرموزُ إليه بغِلَظِ القلب، فإنَّ قساوةَ القلب وعدمَ تأثُّره يتبعُها كلُّ صفة ذميمة، ولهذا ورد: أبعدُ القلوب عن الله تعالى القلوبُ القاسية. وكأنه لِيُعْده صُدِّر بـ ((يمكن)). وعلى كلِّ تقديرٍ، في الكلام حَذْفٌ، أي: ولو كنتَ فًا غليظَ القلب، فلم تَلِنْ لهم وأغلظتَ عليهم ﴿لَأَ نَفَضُّواْ مِنْ حَوِّكٌ﴾ أي: لتفرَّقوا عنك ونفروا منك ولم يسكنوا إليك، وتَرَدَّوا في مهاوي الرَّدى، ولم ينتظم أَمرُ ما بُعثت به من هدايتهم وإرشادهم إلى الصراط. ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ مترتِّبٌ على ما قبله، أي: إذا كان الأمر كذلك، فاعفُ عنهم فيما يتعلَّق بحقوقك ﴿ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الله تعالى فيما يتعلَّق بحقوقه سبحانه وتعالى؛ إتماماً للشفقة وإكمالاً للتربية. ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَنَِّ﴾ أي: في الحرب؛ أخرجه ابن أبي حاتم(١) من طريق ابن سيرين عن عبيدة، وهو المناسب للمقام. أو: فيه وفي أمثاله مما تجري فيه المشاورة عادةً، وإليه ذهب جماعة. واختلف في مشاورته ◌َ له لأصحابه به في أمر الدين إذا لم يكن هناك وحيٍّ، فمَن أَبَى الاجتهادَ له ◌َّ ذهبَ إلى عدم جوازها، ومَن لا يأباه - وهو الأصح - ذهب (١) في تفسيره ٨٠٢/٣. الآية : ١٥٩ ٩٥ سُورَةُ العَقْرَانَ إلى جوازها. وفائدتُها: الاستظهارُ برأيهم، ويؤيِّدُ ذلك ما أخرجه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غُنْم أنَّ رسول الله وَّر قال لأبي بكر وعمر: ((لو اجتمعتما في مشورةٍ ما خالفتُكُما))(١). أو التطبيب لأنفسهم، وإليه ذهب قتادة، فقد أخرج ابن جرير(٢) عنه أنه قال: أَمَرَ الله تعالى نبيّه وَلير أن يشاور أصحابه في الأمور، وهو يأتيه وحيُّ السماء؛ لأنه أَطِيبُ لأنفُسِ القوم. أو أن تكون سُنَّةً بعده لأمَّته، وإليه ذهب الحسن، فقد أخرج البيهقيُّ(٣) عنه أنه قال في الآية: قد علم الله تعالى ما به إليهم حاجةٌ، ولكن أراد أن يَسْتَنَّ به مَن بعده. ويؤيِّدُه ما أخرجه ابن عديٍّ والبيهقيُّ في ((الشُّعَب)) بسندٍ حسنٍ عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمِ﴾ قال رسول الله وَّهِ: ((أمَا إنَّ الله ورسولَه لَغَنَّان عنها، ولكنْ جعلها الله تعالى رحمةً لأُمتي، فمن استشار منهم لم يُعْدَم رشداً، ومَن تَرَكَها لم يُعدَمْ غيَّا))(٤). وقيل: فائدةُ ذلك أن يمتحنَهم فيتميَّز الناصحُ من الغاشِّ. وليس بشيء. وادَّعى الجصَّاص(٥): أنَّ كونَ الأمر بالمشاورة على جهة تطييب النفوس مثلاً غيرُ جائز؛ لأنه لو كان معلوماً عندهم أنهم إذا استفرغوا مجهودهم في استنباط الصواب عما سُئلوا عنه، ثم لم یکن معمولاً، لم یکن في ذلك تطبیبُ نفوسهم، بل (١) مسند أحمد (١٩٥٩٤) من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم به، وحديث عبد الرحمن بن غنم عن النبي ( 98 مرسل، وشهر بن حوشب ضعيف. (٢) في تفسيره ١٨٨/٦ . (٣) في سننه ١٠٩/١٠. (٤) الكامل ١٦٤٤/٤، وشعب الإيمان (٧٥٤٢)، وفيه: لم يعدم عناءً. ونقله المصنف عن الدر المنثور ٢ /٩٠. قال البيهقي: بعض هذا المتن يروى عن الحسن البصري من قوله، وهو مرفوعاً غريب، والحديث ذكره المناوي في فيض القدير ٥/ ٤٤٣ وعزاه للبيهقي وقال: قال ابن حجر: غریب. (٥) في أحكام القرآن ٢/ ٤١، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٧٦/٣. سُورَةُ الْعِنْرَانَ ٩٦ الآية : ١٥٩ فيه إيحاشهم بأنَّ آراءهم (١) غيرُ مقبولة ولا معوَّل عليها؛ وجزم بأنه لا بدَّ أن يكون لمشاورته * إياهم فائدةٌ هي الاستظهارُ بما عندهم، وأن يكون للنبيِّ وَّرِ معهم ضَرْبٌ من الاجتهاد، فما وافَقَ رأيه عَمِلَ به، وما خالفه تَرَكَ من غير لوم. وفيه إرشادٌ للاجتهاد وجوازه بحضرته وَّ﴿، وإشعارٌ بمنزلة الصحابة وأنهم كلّهم أهلُ اجتهادٍ، وأنَّ باطنَهم مرضيٍّ عند الله تعالى. انتهى. وفيه نظرٌ؛ إذ لاخفاء على مَنْ راجعَ وجدانه أنَّ في قول الكبير للصغير: ماذا ترى في أمر كذا؟ وماذا عندك، فيه؟ تطبيباً لنفسه، وتنشيطاً لها لاكتساب الآراءِ وإعمالِ الفكر، لا سيَّما إذا صادف رأيُهُ رأيَ الكبير أحياناً، وإن لم يكن العمل برأيه الموافق، بل العمل بالرأي الموافَق. وما ادَّعاه من أنَّ الرأي إذا لم يكن معمولاً به كان فيه إيحاشٌ، غيرُ مُسَلَّم لا سيما فيما نحن فيه؛ لِعِلم الصحابة ﴿ه بعلوِ شأن رسول الله ◌َّه، وأنَّ عقولَهم بالنسبة إلى عقله الشريف كالسُّها(٢) بالنسبة إلى شمس الضحى. على أنَّ مَنْ قال: إنَّ فائدة المشاورة تطييبُ النفس أشارَ إلى أنَّ الوحيّ يأتيه، فهو غنيٌّ عنها، وحينئذٍ يكون قَصْدُ التطبيب أتمَّ وأظهر، لِمَا في المشاورة إذ ذاك من تعريضهم لِمَا يمكن أن يوافق الوحي، والإيحاش بعدم العمل هنا أبعد؛ لأنَّ مستَنَدَه اتباعُ الوحي، ومعلومٌ لديهم أنه أولى بالاتِّباع لأنه من قِيَلِ الله تعالى اللطيف الخبير، كما لا يخفى. ثم ما ذكر من أنَّ في ذلك إشعاراً بأنَّ الصحابة كلَّهم أهلُ اجتهادٍ، في حيِّز المنع؛ لأنَّ أَمْرَ السلطان مثلاً لعامله أن يشاور أهل بلده في أموره لا يستدعي أن يشاور كلَّ واحدٍ واحدٍ منهم في ذلك، بل لا يكاد أن يكون ذلك مراداً أصلاً، بل المراد أن يشاور أهلَ الآراء منهم والمتدرِّبين فيهم، وكونُ الصحابةِ كلِّهم كذلك أوَّلُ المدَّعى، ودون إثباته وقعةُ الجمل وحربُ صِفِین. (١) في أحكام القرآن: إيحاشهم وإعلامهم بأن آراءهم، وفي حاشية الشهاب: إيحاشهم لأن آراءهم. (٢) السُّها: كوكبٌ خفيٍّ في نجوم بنات نعشٍ الكبرى، والناس يمتحنون به أبصارهم. الصحاح (سھا). الآية : ١٥٩ ٩٧ سُؤَدَقُ العَتْرَانَ ويُؤْيَّد كونُ المراد من الصحابة المأمورِ وَ﴿ بمشاورتهم أهلَ الرأي والتدبير لا مطلقاً، بما أخرجه الحاكم وصححه، والبيهقيُّ في ((سننه)) عن ابن عباس أنه قال في ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ آلْأَتْرِ﴾: أبو بكر وعمر(١). ومن طريق الكلبيِّ عن أبي صالح عن الحبر أنَّ الآية نزلت فيهما(٢). نعم لو كانت المشاورة لمجرَّد تطييب النفوس دون الاستظهار، كان لمشاورة أيِّ واحد منهم وإن لم يكن من أرباب الرأي وجهٌ، لكنَّ الجصَّاص لم يَبْنِ كلامه على ذلك. بقي أنَّ بينَ ما أخرجه الإمام أحمد من قولِهِ وَّ للعُمَرِين ◌َّ: ((لو اجتمعتما على مشورةٍ ما خالفتُكُما)) وما أخرجه ابن عديٍّ والبيهقيُّ من قوله عليه الصلاة والسلام عند نزول الآية: ((أمَا إنَّ الله ورسولَه لَغنيَّان عنها، ولكنْ جَعَلَها الله تعالى رحمةً لأُمَّتي)) تنافياً، إلَّا أنْ يُحمل خبرُ عدم مخالفتهما لو اجتمعا على الإشارة إلى رفعة قَدْرِهما وعلوٍّ شأنهما، وأنَّ اجتماعَهُما على أمر لا يكون إلا موافقاً لِمَا عند الله تعالى، وهو الذي عليه المعوَّل وبه العمل، وكأنَّ في قوله وَله: ((ما خالفتُكُما)) دون: لَعَمِلْتُ بقولكما مثلاً، نوعُ إشعار بما قلنا، فتدبر . وقرأ ابن عباس كما أخرج البخاريُّ في ((الأدب المفرد)» عنه: ((وشاورهم في بعض الأمر))(٣). ﴿فَإِذَا عَهْتَ﴾ أي: إذا عَقَدْتَ قلبكَ على الفعل وإمضائه بعد المشاورة، كما تؤذِنُ به الفاء ﴿فَتَوَكَلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: فاعتَمِدْ عليه وثِقْ به وفوِّضْ أَمْرَك إليه، فإنه الأعلم بما هو الأصلح. وأصل التوّل: إظهارُ العجز، والاعتمادُ على الغير، والاكتفاءُ به في فِعْل ما يحتاج إليه. وهو عندنا على الله سبحانه لا ينافي مراعاةَ الأسباب، بل يكون (١) المستدرك ٧٠/٣، والسنن الكبرى للبيهقي ١٠٨/١٠-١٠٩. (٢) الدر المنثور ٢ /٩٠. (٣) الأدب المفرد (٢٥٧). سُورَقُ العَقْرَانَ ٩٨ الآية : ١٦٠ بمراعاتها مع تفويض الأمر إليه تعالى شأنه، و(اعقلها وتوكّل))(١) يرشدُ إلى ذلك. وعند ساداتنا الصوفية: هو إهمالُ التدبير بالكلية. وعن جابر (٢) بن زيد أنه قرأ: ((فإذا عزمتُ)) بصيغة المتكلِّم، والمعنى: فإذا قطعتُ لك بشيء، وعِيَّتُ لك، فتوثَّل عليَّ ولا تشاوِرْ به أحداً. والالتفاتُ لتربية المهابة وتعليلِ التوُّل والأمرِ به، فإنَّ عنوان الألوهية الجامعةِ لجميع صفات الكمال مستدع(٣) للتوكُّل عليه سبحانه والأمرِ به. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِلِينَ (٣)﴾ عليه الواثقين به، المنقطعين إليه، فينصرُهم ويُرشدُهم إلى ما هو خيرٌ لهم، كما تقتضيه المحبة، والجملة تعليلٌ للتوكُّل عليه سبحانه . وقدِ رُوعيَ في الآية حُسْنُ الترتيب، وذلك لأنه وَلّ أُمر أولاً بالعفو عنهم فيما يتعلَّق بخاصَّة نفسه، فإذا انتهَوا إلى هذا المقام أمر أن يستغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى، لتنزاح عنهم التَّبعتان(٤)، فلما صاروا إلى هنا أُمر بأن يُشاورهم في الأمر؛ إذ صاروا خالصين من التبعتين، مُصَفَّيْنَ منهما، ثم أُمر ◌َله بعد ذلك بالتوكُّل على الله تعالى والانقطاع إليه؛ لأنه سبحانه السَّند الأقوم والملجأ الأعظم، الذي لا تؤثِّر الأسباب إلا به، ولا تنقضي الحاجُ(٥) إلا عند بابه. ﴿إِن يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ سِيقت بطريق تلوين الخطاب تشريفاً للمؤمنين؛ لإيجاب التوكّل عليه، والترغيبٍ في طاعته التي تُسْتَحَقُّ بها (١) أخرجه الترمذي (٢٥١٧) من حديث أنس بن مالك ﴿ه. وقال: غريب من حديث أنس، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. اهـ. وأخرجه ابن حبان (٧٣١) من حديث عمرو بن أمية الضمري څ. (٢) في الأصل و(م): خالد، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٤١٦/١، والقراءات الشاذة ص ٢٣، والمحتسب ١٧٦/١، والمحرر الوجيز ٥٣٤/١، والبحر ٩٩/٣. (٣) في (م): لجميع صفات الكلام مستدعى، وهو تصحيف للعبارة، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٠٥/٢ والكلام منه. (٤) في الأصل: التبعات. (٥) جمع حاجة. الصحاح (حوج). الآية : ١٦٠ ٩٩ سُورَةُ العَقْرَانَ النُّصرةُ، والتحذيرِ عن معصيته التي يُستحقُّ بها الخذلان، أي: إنْ يُرِدْ نَصْرَكم كما أراده يومَ بدر فلا أحد يغلبكم، على طريق نفي الجنس المنتظم لجميع أفراد الغالب ذاتاً وصفة، فهو أبلغُ من: لا يغلبكم أحد؛ لدلالته على نفي الصفة فقط. ثم المفهوم من ظاهر النظم الكريم - كما قال شيخ الإسلام(١) - وإن كان نفيَ مغلوبيّتهم من غير تعرُّضٍ لنفي المساواة أيضاً، وهو الذي يقتضيه المقام، لكنَّ المفهوم منه فهماً قطعيًّا هو نفيُ المساواة، وإثباتُ الغالبية للمخاطَبين، فإذا قلت: لا أَكْرَمَ من فلان، ولا أَفْضَلَ منه، فالمفهوم منه حتماً أنه أُکرمُ من كلِّ کریم، وأَفضلُ من كلِّ فاضل، وهذا أَمْرٌ مُطَرَدٌ في جميع اللغات، ولا اختصاصَ [له] بالنفي الصريح، بل هو مُطّردٌ فيما ورد على طريق الاستفهام الإنكاري، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ١٤٤] في مواقع كثيرة من التنزيل. وقد أشرنا إلى هذا المبحث فيما تقدم. ﴿وَإِن يَخْذُلَكُمْ﴾ أي: وإن يُرِدْ خذلانكم ويَمنعْكم معونتَه كما فَعَلَ يومَ أحد. وقرئ: ((يُخْذِلْكُم))(٢) من أَخْذَلَهُ إذا جعله مخذولاً. ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنصُرُّكُمْ﴾ استفهامٌ إنكاريٌّ مفيدٌ لانتفاءِ الناصر على نحو انتفاء الغالب، قيل(٣): وجاء جواب الشرط في الأول صريحَ النفي، ولم يَجِئ في الثاني كذلك تلطّفاً بالمؤمنين، حيث صرَّح لهم بعدم الغَلَبة ولم يصرِّح بأنه لا ناصر لهم، وإن كان الكلام مفيداً له. ﴿مِنْ بَعْدِيدٌ﴾ أي: من بعد خذلانه، أو من بعد الله تعالى، على معنى: إذا جاوزتموه، فعلى الأول: ((بعد)) ظرف زمان، وهو الأصل فيها، وعلى الثاني: مستعارٌ للمكان. ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ لا على غيره، كما يُؤْذِنُ بذلك تقديمُ المعمول ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ اٌلْمُؤْمِنُونَ ﴿٣)﴾ المراد بهم إما جنسُ المؤمنين، والمخاطبون داخلون فيه دخولاً (١) في تفسيره ٢/ ١٠٥- ١٠٦، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٢) الكشاف ٤٧٥/١، والبحر ١٠٠/٣ عن عبيد بن عمير. (٣) في (م): وقيل. سُودَةُ العَقْرَانَ ١٠٠ الآية : ١٦١ أوليًّا، وإما المخاطَبون خاصَّةً بطريق الالتفات، وعلى التقديرين لا يخفى ما في ذلك من تشريف المخاطَبين، مع الإيماء إلى تعليل تحتُّم التوكّل عليه تعالى. والفاء كما قالوا: لترتيب ما بعدها، أو الأمرِ به على ما مرَّ من غَلَبة المؤمنين ومغلوبيَّتهم، على تقدير نَصْرِ اللهِ تعالى لهم وخذلانه إياهم(١)، فإنَّ العلم بذلك مما يستدعي قَصْرَ التوكّلِ عليه سبحانه لا محالة. ﴿وَمَا كَانَ لِّ أَنْ يَغُلُّ﴾ أي: ما صحَّ ولا استقام لنبيٍّ من الأنبياء أن يخون في المغنم، لأنَّ الخيانة تنافي النبوة. وأصل الغلِّ: الأخذُ بخفْيَةٍ، ولذا استعمل في السرقة، ثم خُصَّ في اللغة بالسرقة من المغنم قبل القِسْمة، وتسمَّى غُلولاً أيضاً، قيل: وسُمِّيت بذلك لأنَّ الأيدي فيها مغلولة، أي: ممنوعةٌ مجعولٌ فيها غُلٌّ، وهي الحديدة التي تجمع يَدَ الأسير إلى عنقه، ويقال لها: جامعةٌ أيضاً. وقال الرُّمَّاني وغيره: أصل الغُلول من الغَلَل: وهو دخول الماء في خَلَل الشجر، وسُمِّيت الخيانة غُلولاً لأنها تجري في الملك على خفاءٍ من غير الوجه الذي يحلّ، ومن ذلك الغِلُّ للحقد، والغَليل لحرارة العطش، والغِلالة للشِّعار (٢). والمراد: تنزيهُ ساحة النبيِّ وَِّ على أبلغ وجهٍ عمَّا ظَنَّ به الرماةُ يوم أحد، فقد حكى الواحديُّ(٣) عن الكلبيِّ ومقاتل: أنَّ الرماةَ حين تركوا المركز يومئذ طلباً للغنيمة قالوا: نخشى أن يقول النبيُّ ◌َّهِ: مَنْ أخذ شيئاً فهو له، وأن لا يقسم الغنائم كما لمْ يَقْسِمْ يومَ بدر، فقال النبيُّ وَّهِ: ((ظننتُم أنَّا نَغُلُّ ولا نَقْسِمُ لكم)) ولهذا نزلت الآية. أو تنزيهُهُ وَّل﴿ عمَّا اتَّهمه به بعضُ المنافقين يومَ بدر، فقد أخرج أبو داود والترمذيُّ وابن جرير وحَسَّنَاه عن ابن عباس ظيمًا أنه قال: نزلت هذه الآية في قَطيفة حمراء فُقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعلَّ رسول الله وَّ أخذها (٤). (١) يعني: على ما مر من غلبة المؤمنين على تقدير نصرته تعالى لهم، ومغلوبيتهم على تقدير خذلانه تعالى إياهم. تفسير أبي السعود ١٠٦/٢ . (٢) الشِّعار ككتاب: ما تحت الدِّثار من اللباس، وهو يلي شعر الجسد. القاموس (شعر) و(غلل). (٣) في أسباب النزول ص ١٢٣ . (٤) سنن أبي داود (٣٩٧١)، وسنن الترمذي (٣٠٠٩)، وتفسير الطبري ١٩٤/٦ وهو من طريق