النص المفهرس

صفحات 21-40

الآية : ١٤٤
٢١
سُورَةُ الْ عَنْرَانَ
النصر على المسلمين، وأدبر المشركون، فلمَّا نظر الرماةُ إلى القوم قد انكشفوا
والمسلمون ينتهبون الغنيمة، خالفوا أَمْرَ رسول الله وٍَّ إلا قليلاً منهم، فانطلقوا إلى
العسكر، فلمَّا رأى خالد بن الوليد قِلَّة الرماة واشتغالَ الناس بالغنيمة، ورأى
ظهورَهم خالية، صاح في خيله من المشركين، وحمل على أصحاب رسول الله واليهود
من خلفهم في مئتين وخمسين فارساً، ففرَّقوهم وقتلوا نحواً من ثلاثين رجلاً، ورمی
عبد الله بن قَميئة الحارثيُّ رسولَ الله ◌َّ بحجر فكسر رباعيته وشجَّ وجهه الكريم،
وأقبل يريد قتله فذبَّ عنه مصعب بن عمير صاحب الراية رُه حتى قتله ابن
قميئة - وقيل: إنَّ الرامي عتبة بن أبي وقاص - فرجع وهو يرى أنه قتل رسول الله اليهود
فقال: إني قتلت محمداً، وصرخ صارٌ ۔ لا يُدرَی مَن هو حتی قیل: إنه إبليس -:
ألا إنَّ محمداً قد قتل. فانكفأ الناسُ وجعل رسول الله وَّيه يدعو: ((إليَّ عباد الله))
فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً فَحَمَوهُ حتى كَشَفوا عنه المشركين.
ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقَّت سِيَةُ قوسه، ونَّثَل له رسول الله وَّ كنانته
وكان يقول له: ((ارمٍ فداك أبي وأمي))(١).
وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست، وعينُ قتادة(٢) حتى وقعت على وَجْنَته،
فأعادها رسول الله وَّهِ، فعادت كأَحْسَنِ ما كانت.
فلما انصرف رسول الله ◌َ﴿ أَدْركَهُ أبيُّ بن خلف الجُمَحِيُّ وهو يقول: لا نجوتُ
إن نجوتَ. فقال القوم: يا رسول الله، ألا يَعْطفُ عليه رجلٌ منَّا؟ فقال: ((دعوه))
حتى إذا دنا منه تناول رسولُ اللهِ وَّ الحربة من الحارث بن الصِّمَّة، ثم استقبله
فطعنه في عنقه، وخدشه خدشةً فتداداً(٣) من فرسه وهو يخور كما يخور الثور، وهو
(١) أخرجه البخاري (٤٠٥٥)، ومسلم (٢٤١٢) من حديث سعد ه. قوله: نثل ... ، قال
صاحب القاموس: نثل الكنانة: استخرج نبلها فنثرها. وسية القوس: ما عطف من طرفيه.
القاموس (سيا).
(٢) هو قتادة بن النعمان بن زيد أخو أبي سعيد الخدري لأمه، وجاء في بعض الروايات أن
الغزوة التي أصيبت بها عينه هي غزوة بدر. ينظر الإصابة ١٣٨/٨.
(٣) في الأصل: فتدهدأ، وفي (م): فتدهدى، والمثبت من السيرة ٨٤/٢، والدلائل للبيهقي
٢٣٨/٣، ومعناها كما قال ابن هشام: تقلب عن فرسه فجعل يتدحرج. وقال صاحب
النهاية (دادأ): ويجوز أن يكون دهده، فقلبت الهمزة هاء.

سُورَةُ الْعُقْرَانَ
٢٢
الآية : ١٤٤
يقول: قتلني محمد. وكان أَبيِّ قبل ذلك يلقى رسول الله رَ له فيقول: عندي رَمَكة(١)
أعلفها كلَّ يوم فَرْقَ ذُرة أقتلك عليها. ورسول الله وَيه يقول له: ((بل أنا أقتلك إن
شاء الله تعالى)) فاحتمله أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس. قال: بلى، لو كانت
هذه الطعنة بربيعة ومُضَر لقتلتهم، أليس قال لي: أقتلك؟ فلو بَزَقَ عليَّ بعد تلك
المقالة قتلني. فلم يلبث إلا يوماً حتى مات بموضعٍ يقال له سَرِف(٢).
ولما فشا في الناس أنَّ رسول الله وَ لّ قد قتل، قال بعض المسلمين: ليت لنا
رسولاً إلى عبد الله بن أبيٍّ فيأخذ أماناً من أبي سفيان، وبعضهم جلسوا وأَلْقَوا
بأيديهم. وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمدٌ قد قُتل فالْحَقُوا بدينكم الأول،
فقال أنس بن النضر عمُّ أنس بن مالك: إن كان محمدٌ قد قُتل فإنَّ ربَّ محمدٍ لم
يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله وَله؟! فقاتِلوا على ما قاتَلَ عليه، وموتوا
على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما قال هؤلاء - يعني
المسلمين - وأبرأ إليك مما (٣) قال هؤلاء - يعني المنافقين - ثم شدَّ بسيفه فقاتل حتى
قتل ﴿(٤).
وروي أنَّ أولَ من عَرف رسولَ الله وَّهِ كعبُ بن مالك قال: عرفتُ عينيه تحت
المِغْفَر تَزْهَرَان(٥)، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا
رسول الله ◌َّله. فأشار إليَّ: أن اسكت، فانحازت إليه طائفةٌ من أصحابه
فلامهم النبيُّ ◌َّر على الفرار، فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأبنائنا، أتانا
الخبرُ بأنك قتلتَ، فرعبت قلوبنا، فولَّينا مُدبرين. فأنزل الله تعالى هذه الآية (٦).
(١) أي: فرس. القاموس (رمك).
(٢) موضع على ستة أميال من مكة. معجم البلدان ٢١٢/٣.
(٣) في (م): عما.
(٤) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٢٨٠٥) عن أنس بن مالك ه بلفظ: اللهم إني أعتذر
إليك مما صنع هؤلاء، يعني أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين ...
(٥) أي: تضيئان، ومن رواه: تَزْرَّان، فمعناه: تتوقدان. الإملاء المختصر ٢/ ١١٢ .
(٦) ينظر ما سلف من أخبار عن غزوة أحد في سيرة ابن هشام ٦٦/٢، وتاريخ الطبري ٥١٠/٢،
ودلائل النبوة للبيهقي ٢٠٦/٣، والبداية والنهاية ٣٩٩/٥.

الآية : ١٤٤
٢٣
سُورَةُ الْ عَنْزَانَ
و(محمد)) عَلَمٌ لنبيِّنا نَّهِ، منقولٌ من اسم المفعول، من ((حَمَّدَ)) المضاعف لغة،
سمّاه به جدُّه عبد المطلب لسابع ولادته لموت أبيه قبلها، ولما سئل عن ذلك قال
الرؤية رآها: رجوتُ أن يُحمد في السماء والأرض(١).
ومعناه قبل النقل: مَنْ يُحمد كثيراً، وضدُّه المذمَّم، وفي الخبر أنه لنَِّ قال:
((أَلَمْ تَرَوْا كيف صرف الله تعالى عني لَعْنَ قريش وشَتْمَهُم، يشتمون مُذمَّماً وأنا
محمد))(٢).
وقد جمع هذا الاسم الكريم من الأسرار ما لا يحصى، حتى قيل: إنه يشير
إلى عِدةً الأنبياء؛ كإشارته إلى المرسلين منهم عليهم الصلاة والسلام، وعبَّر عنه وَهل
بهذا الاسم هنا؛ لأنه أول أسمائه وأشهرُها، وبه صرخ الصارخ، وهو مرفوعٌ على
الابتداء، وخبرُه ما بعد ((إلا))، ولا عمل لـ ((ما)) بالاتفاق لانتقاض نفيه بـ ((إلا)).
واختلفوا في القَصْرِ، هل هو قصرُ قَلْبٍ أم قصرُ إفراد؟ فذهب العلّامة الطيبيُّ
وجماعةٌ إلى أنه قَصْرُ قلب؛ لأنه جعل المخاطبين - بسبب ما صدر عنهم من
النكوص على أعقابهم عند الإرجاف بقتل النبيِّ وَّهِ - كأنهم اعتقدوا أنَّ محمداً وَه
ليس حُكْمُه حكمَ سائر الرسل المتقدِّمة، في وجوب اتّباع دينهم بعد موتهم، بل
حُكْمُه على خلاف حكمهم، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك، وبيَّن أنَّ حكمَ النبيِّ وَلِهِ
حكمُ مَنْ سبق من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين، في أنهم ماتوا
وبقي أتباعُهم متمسِّكين بدينهم ثابتين عليه(٣)، فتكون جملة ((قد خلت)) إلخ صفةً
لـ ((رسول)) منبئةً عن كونه بَّهَ في شرف الخلوِّ، فإنَّ خلوَّ مُشارِكيه في منصب الرسالة
من شواهد خلوِّه لا محالة؛ كأنه قيل: قد خلتْ من قبله أمثالُه، فسَيَخْلو كما خَلَوْا،
والقصر منصبٌّ على هذه الصفة، فلا يَرِدُ أنه يلزم من قصر القلب أن يكون
المخاطَبون منكِرين للرسالة؛ لأنَّ ذلك ناشىءٌ من الذهول عن الوصف.
وقيل: الجملة في موضع الحال من الضمير في ((رسول)) والانصباب هو
الانصباب.
(١) الروض الأنف ١/ ١٨٢.
(٢) أخرجه أحمد (٧٣٣١)، والبخاري (٣٥٣٣) من حديث أبي هريرة
(٣) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية.

سُورَةُ الْعَنْرَانَ
٢٤
الآية : ١٤٤
وذهب صاحب ((المفتاح))(١) إلى أنه قصرُ إفراد إخراجاً للكلام على خلاف
مقتضى الظاهر، بتنزيل استعظامهم عدمَ بقائه وَلّ منزلةَ استبعادهم إياه وإنکارهم له،
حتى كأنهم اعتقدوا فيه وصفَين؛ الرسالة والبعد عن الهلاك، فَقُصِرَ على الرسالة
نفياً للبعد عن الهلاك.
واعتُرض بأنه يتعيَّن على هذا جَعْلُ جملة ((قد خَلَتْ)) مستأنفةً لبيان أنه وَّ ليس
بعيداً عن عدم البقاء كسائر الرسل؛ إذ على اعتبار الوصف لا يكون إلا قَصْرَ قَلْبٍ؛
لانصباب القصر عليه. وكونُ الجملة مستأنفةً بعيدٌ لمخالفته القاعدة في الجمل بعد
النكرات(٢). وأجيب بأنَّ ذلك ليس بمتعيِّن؛ لجواز أن تكون صفةً أيضاً مؤكّدةً
لمعنى القصر، متأخِّرة عنه في التقدير. وقرأ ابن عباس: ((رُسُلٌ)) بالتنكير(٣).
﴿أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَلِكُمْ﴾ الهمزة للإنكار، والفاء استئنافيةٌ أو
لمجرَّد التعقيب، والانقلابُ على الأعقاب في الأصل: الرجوعُ القَهقَرَى، وأُريد به
الارتدادُ والرجوعُ إلى ما كانوا عليه من الكفر في المشهور، والغرضُ إنكارُ
ارتدادِهم عن الدِّين بخلوِّه وَّ بموتٍ أو قتلٍ بعد عِلْمِهم بخلوِّ الرسل قبله وبقاءِ
دينهم متمسَّكاً به.
واستشكل بأنَّ القوم لم يرتدُّوا، فكيف عبَّر بالانقلاب على الأعقاب المتبادِرِ
منه ذلك؟
وأجيب بأنه ليس المرادُ ارتداداً حقيقة، وإنما هو تغليظُ عليهم فيما كان منهم
من الفرار والانكشاف عن رسول الله وَلقر، وإسلامهم إياه للهلك.
وقيل: الإنكار هنا بمعنى أنه لم يكن ذلك ولا ينبغي، لا إنكارٌ لِمَا وقع.
وقيل: هو إخبارٌ عمَّا وقع لأهل الردة بعد موته وَّه، وتعريضُ بما وقع من
الهزيمة، لشَبَهِه به.
(١) مفتاح العلوم للسكاكي ص ٢٨٩ .
(٢) قال ابن هشام في مغني اللبيب ص ٥٦٠: يقول المعربون على سبيل التقريب: الجمل بعد
النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال.
(٣) المحتسب ١٦٨/١.

الآية : ١٤٤
٢٥
سُورَةُ الَّعْرَانَ
وحَمَلَ بعضُهم الانقلابَ هنا على نقص الإيمان لا الكفر بعده؛ احتجاجاً
بما أخرجه ابن المنذر(١) عن الزهري قال: لمَّا نزلت هذه الآية: ﴿لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَا مَعَ
إِيمَنِهِمْ﴾ قالوا: يا رسول الله، قد علمنا أنَّ الإيمان يزداد، فهل ينقص؟ قال: ((إي
والذي بعثني بالحق، إنه لينقص)) قالوا: فهل لذلك دلالةٌ في كتاب الله؟ قال: ((نعم))
ثم تلا رسول الله وَّهِ: ﴿أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ﴾ والانقلابُ نقصانٌ
لا كفر.
ولا يخفى أنَّ هذا الخبر ليس من القوة إلى حيث يُحتَجُّ به، وإنِّي لا أجد عليه
طلاوةَ الأحاديث الصحيحة.
وذهب بعضهم إلى أنَّ الفاء معلّقةٌ للجملة الشرطية بالجملة التي قبلها على معنى
التسبُّب، والهمزة لإنكار ذلك، أي: لا ينبغي أن تجعلوا خُلُوَّ الرسل قبله سبباً
لانقلابكم على أعقابكم بعد موته أو قَتْلِه، بل اجعلوه سبباً للتمسُّك بدينه كما هو
حكمُ سائرِ الأنبياء عليهم السلام، ففي انقلابكم على أعقابكم تعكيسٌ لموجب
القضية المحقَّقة، التي هي كونُه رسولاً يخلو كما خلت الرسل.
وإيراد الموت بكلمة ((إنْ)) مع العِلْمِ البتّة؛ لتنزيل المخاطَبين منزلة المتردِّدين
فيه، لِمَا ذكر من استعظامهم إياه، قال المولى(٢): وهكذا الحال في سائر الموارد،
فإن كلمة ((إنْ)) في كلام الله تعالى لا تجري على ظاهرها أصلاً، ضرورةً علمه تعالى
بالوقوع أو اللاوقوع، بل تُحمَل على اعتبار حالِ السامع، أو أَمْرٍ آخرَ يناسب
المقام.
والمراد من ((الموت)): الموتُ على الفراش، وبـ ((القتل)): الموتُ بواسطة
نقض البنية، وقدَّم تقدير الموت مع أنَّ تقدير القتل هو الذي كاد يجرُّ الموت
الأحمر؛ لِمَا أنَّ الموتَ في شرف الوقوع، فَزَجْرُ الناس عن الانقلاب عنده،
وحَمْلُهم على الثبات هناك أهم، ولأنَّ الوصفَ الجامع في نفس الأمر بينه وَّر وبين
الرسل عليهم الصلاة والسلام هو الموت دون القتل، خلافاً لمن زعمه مستدلا
(١) كما في الدر المنثور ٢/ ٨٢.
(٢) هو أبو السعود، والكلام في تفسيره ٢/ ٩٢-٩٣ وما قبله منه.

سُورَةُ العَقْرَانَ
٢٦
الآية : ١٤٤
بما ورد من أَكْلة خيبر(١)، وإن كان قد وقع فيهم قتل وموت. وإنما ذكر القتل مع
علمه سبحانه أنه لا يُقتل؛ لتجويز المخاطَبين له، وآية ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسُِ﴾
[المائدة: ٦٧] على تقدير نزولها قبل أُحُد يحتمل أنها لم تَصِلْ هؤلاء المنهزمين،
وبتقدير وصولها احتمالُ أنْ لا تَحْضُرَهم قائمٌ في مثل ذلك المقام الهائم.
وقد غفل عمر ربه عن هذه الآية يومَ توفِّي رسول الله وَله، فقد روى أبو هريرة
أنه ظُه قام يومئذ فقال: إنَّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنَّ رسول الله وَلي تونِّي،
وإنَّ رسول اللهِ وَل﴿ والله ما مات، ولكن ذهب إلى ربِّه كما ذهب موسى بن عمران،
فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات، والله ليرجعنَّ
رسول الله وَّ كما رجع موسى، فليقطعنَّ أيديَ رجالٍ وأَرْجُلَهم زعموا أنَّ
رسول الله ێے مات.
فخرج أبو بكر فقال: على رِسْلك يا عمر، أَنْصِتْ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه
ثم قال: أيها الناس مَن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومَن كان يعبد الله
تعالى فإنَّ الله تعالى حيٌّ لا يموت، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ﴾ إلى
آخرها. فوالله لكأنَّ الناس لم يعلموا أنَّ هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ،
فَأَخذها الناس من أبي بكر.
وقال عمر: فوالله ما هو إلا أن سمعتُ أبا بكر تلاها، فعَقِرْتُ(٢) حتى وقعتُ
إلى الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفتُ أنَّ رسول الله وَّةِ قد مات(٣).
(١) يشير إلى ما رواه البخاري (٤٤٢٨) معلقاً عن يونس الأَيلي، عن الزهري، قال عروة: قالت
عائشة: كان النبي ◌َّ# يقول في مرضه الذي مات فيه: ((يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام
الذي أكلت بخيبر، فهذا أوانُ وجدتُ انقطاعَ أبهري من ذلك السم)). وينظر في قصة الشاة
المسمومة التي أهديت له في حديث امرأة كعب بن مالك عند أحمد (٢٣٩٣٣)، وحديث
أبي هريرة عند أحمد (٩٨٢٧)، والبخاري (٣١٦٩)، وينظر كذلك فتح الباري ١٣١/٧.
(٢) العَقَر بفتحتين: أن تُسْلِم الرجلَ قوائمُه من الخوف. وقيل: هو أن يَفْجأه الرَّوعُ فيدهشَ
ولا يستطيع أن يتقدم أو يتأخر. النهاية (عقر).
(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ ابن المنذر كما في الدر المنثور ٢/ ٨١، وبنحوه ابن
سعد ٢٦٨/٢، وهو بنحوه في صحيح البخاري (٣٦٦٧) و(٣٦٦٨) و(٤٤٥٤) من حديث
عائشة وابن عباس

الآية : ١٤٥
٢٧
سُورَةُ الْ عَشْرَانَ
والاعتذار باختصاص فَهْم آية العصمة بالعلماء من الصحابة وذوي البصيرة
منهم، مع ظهور معنى اللفظ، كما اعتذر به الزمخشريُّ(١)، لا يخفى ما فيه.
وكونُ المراد منها العصمةً من فتنة الناس وإضلالِهم لا يخفى بُعدُه؛ لأنَّ
النبيَّ وَّهُ لا يُظَنُّ به ذلك، وإنما يَرِدُ مثله في معرض الإلهاب والتعريض.
﴿وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ﴾ بما فَعَلَ من الانقلاب؛ لأنه تعالى
لا تجوز عليه المضارُّ ﴿شَيْئًا﴾ من الضرر وإن قلَّ، وإنما يضرُّ نفسَه بتعريضها
للسخط والعذاب، أو بحرمانها مزيدَ الثواب، ويشير إلى ذلك توجّهُ النفي إلى
المفعول، فإنه يفيد أنه يضرُّ غير الله تعالى، وليس إلا نفسه.
؛ أي: سيُئِيبُ الثابتين على دين الإسلام، ووضع
﴿وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ ◌َ)
الشاكرين موضعَ الثابتين لأنَّ الثباتَ عن ذلك ناشئٌ عن تيقُّن حقِّيَّتِهِ، وذلك شكرٌ
له، وفيه إيماءٌ إلى كفران المنقلبين.
وإلی تفسیر الشاکرین بالثابتین، ذهب عليٍّ كرم الله وجهه، وقد رواه عنه ابن
جرير (٢)، وكان يقول: الثابتون هم أبو بكر وأصحابه، وأبو بكر ظُله أمير
الشاکرین.
وعن ابن عباس أنَّ المراد بهم: الطائعون من المهاجرين والأنصار.
وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار؛ للإعلان بمزيد الاعتناء بشأن
جزائهم، واتصال هذا بما قبله اتصال الوعد بالوعيد.
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ استئنافٌ سِيق للحضِّ على الجهاد،
واللَّوم على تَرْكِه خشيةً القتل، مع قَطْعِ عذر المنهزمين خشيةَ ذلك بالكلية. ويجوز
أن يكون تسليةً عمَّا لحق الناس بموت النبيِّ وَّةِ، وإشارةً إلى أنه عليه الصلاة
والسلام كغيره لا يموت إلا بإذن الله تعالى، فلا عُذْرَ لأحدٍ بتركِ دينه بعد موته.
والمراد بالنفس: الجنسُ، وتخصيصُها بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام كما روي
(١) في الكشاف ٤٦٨/١.
(٢) في تفسيره ٦/ ٩٧ -٩٨.

سُورَةُ الْ عَنْزَانَ
٢٨
الآية : ١٤٥
عن ابن إسحاق(١)، ليس بشيء. والموت هنا أعمُّ من الموت حَتْفَ الأنف والموتِ
بالقتل كما سنحقٌّقه.
و(كان)) ناقصةٌ، اسمُها ((أن تموت)) و((لنفسِ)) متعلِّقٌ بمحذوف وقع خبراً لها،
والاستثناء مفرٌَّ من أعمِّ الأسباب.
وذهب أبو البقاء إلى أنَّ ((بإذن الله)) خبرُ ((كان)) و((لنفس)) متعلّقٌ بها، واللام للتبيين،
ونَقَلَ عن بعضهم أنَّ الجارَّ متعلِّقٌ بمحذوف تقديره: ((الموتُ لنفس)) و((أن تموت)) تبيينٌ
للمحذوف، وحَكَى عن الزجَّاج - وبعضٌ عن الأخفش - أنَّ التقدير: وما كان نفسٌ
لتموت، ثم قُدِّمت اللام(٢). وكلُّ هذه الأقوال أَوهنُ من الوهن، لا سيَّما الأخير.
والمعنى: ما كان الموتُ حاصلاً لنفسٍ من النفوس مطلقاً، بسببٍ من
الأسباب، إلا بمشيئة الله تعالى وتيسيره، والإذَنُ مجازٌ عن ذلك لكونه من لوازمه.
وظاهرُ التركيب يدلُّ على أنَّ الموت من الأفعال التي يُقدَمُ عليها اختياراً، فقد شاع
استعمال: ما كان لزيد أن يفعل كذا، فيما إذا كان الفعل اختياريًّا، لكنَّ الظاهر هنا
متروٌ بأنْ يُجعل ذلك من باب التمثيل، بأنْ صُوِّر الموتُ بالنسبة إلى النفوس
بصورة الفعل الاختياريِّ الذي لا يُقدَمُ عليه إلا بالإذن، والمراد عدمُ القدرة عليه،
أو بتنزيل إقدام النفوس على مَباديه - كالقتال مثلاً - منزلةَ الإقدام عليه نفسِه؛
للمبالغة في تحقيق المرام، فإنَّ موتَها لمَّا استحال وقوعُهُ عند إقدامها عليه أو على
مباديه، وسَعْيِها في إيقاعه، فَلأَنْ يستحيل عند عدم ذلك أولى وأظهر، ويجوز على
هذا أن يبقى الإذن على حقيقته، ومفعولُهُ مقدَّرٌ للعلم به، والمراد بإذنه تعالى: إذنُهُ
لمَلَكِ الموت، فإنه الذي يقبض روح كلّ ذي روح؛ بشراً كان أوْ لا، شهيداً كان أو
غيرَ شهيد، بَرًّا أو بحراً، حتى قيل: إنه يقبض روح نفسه، واستثنى بعضُهم أرواحَ
شهداء البحر، فإنَّ الله تعالى هو الذي یقبضها بلا واسطة، واستدلَّ بحدیث جوییر،
وهو ضعيف جدًّا، وفيه من طريق الضحاك انقطاعٌ (٣).
(١) كما في سيرة ابن هشام ٢/ ١١١ .
(٢) الإملاء ١٢٧/٢-١٢٨، وقول الأخفش ذكره البغوي ٣٥٩/١.
(٣) وأخرجه ابن ماجه (٢٧٧٨) من حديث أبي أمامة حظه، وإسناده ضعيف كما ذكر البوصيري
في مصباح الزجاجة ٢/ ١١٢ .

الآية : ١٤٥
٢٩
سُورَةُ آلِ غَيْرَانَ
وذهب المعتزلة إلى أنَّ ملك الموت إنما يقبض أرواح الثَّقَلَيْن دون غيرهم.
وقال بعض المبتدعة: إنه يقبض الجميع سوى أرواح البهائم، فإنَّ أعوانه هم الذين
يقبضونها .
ولا تَعارُضَ بين: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] و﴿ يَنَوَقَّكُمْ مَّلَكُ
اُلْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] و﴿تَوَنَّتْهُ رُسُلْنَا﴾ [الأنعام: ٦١] لأنَّ إسناد ذلك له تعالى بطريق
الخَلْقِ والإيجاد الحقيقي، وإلى الملك لأنه المباشِرُ له، وإلى الرسل لأنهم أعوانُهُ
المعالِجون للتَّزع من العَصَب والعَظْمِ واللحم والعروق.
﴿كِتَبًا﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ لعامله المستفادِ من الجملة السابقة، والمعنى: كُتب
ذلك الموتُ المأذونُ فيه كتاباً ﴿مُؤَجَّلًا﴾ أي: موقَّتاً بوقتٍ معلوم لا يتقدم
ولا يتأخر. وقيل: حُكْماً لازماً مبرماً. وهو صفةُ ((كتاباً))، ولا يضرُّ التوصيف بكون
المصدر مؤكّداً، بناءً على أنه معلومٌ مما سبق، وليس كلُّ وصف يُخرج عن التأكید.
ولك - لِمَا في ذلك من الخفاء - أن تجعل المصدر - لوصفه - مبيّناً للنوع، وهو
أولى من جَعْلِه مؤكّداً، وجَعْلِ ((مُوجَّلاً)) حالاً من الموت لا صفةً له، لبُعد ذلك غايةً
البعد، فتدبّر.
وقرئ: ((مُؤَجَّلاً)) بالواو بدلَ الهمزة(١) على قياس التخفيف.
وظاهر الآية يؤيِّدُ مذهب أهل السنة والجماعة(٢) القائلين: إنَّ المقتول ميِّتُ
بأَجَله، أي: بوقته المقدَّر له، وأنه لو لم يُقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت وأن
لا يموت، من غير قَطْع بامتداد العمر ولا بالموت بدل القتل، إذ على تقدير عدم
القتل لا قَطْعَ بوجود الأَجل وعدمه، فلا قَطْعَ بالموت ولا بالحياة.
وخالفَ في ذلك المعتزلة، فذهب الكعبيُّ(٣) منهم إلى أنَّ المقتول ليس بميّت؛
لأنَّ القتل فعلُ العبد، والموتَ فعلُ الله سبحانه، أي: مفعوله وأثر صُنْعِه (٤)، وأنَّ
(١) هي قراءة ورش وأبي جعفر، وقرأ بها حمزة وقفاً. التيسير ص ٣٤ و٤٠، والنشر ٣٩٥/١.
(٢) قوله: والجماعة، ليس في (م).
(٣) هو عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي من متكلمي المعتزلة، صنف في الكلام كتباً كثيرة،
توفي سنة (٣١٩هـ). تاريخ بغداد ٩/ ٣٨٤.
(٤) في الأصل و(م): صفته، والمثبت من شرح المقاصد ٣١٥/٤، والكلام منه.

سُورَةُ العَمَانَ
٣٠
الآية : ١٤٥
للمقتول أجلين: أحدهما القتل، والآخر الموت، وأنه لو لم يُقتَل لعاش إلى أجله
الذي هو الموت.
وذهب أبو الهذيل(١) إلى أنَّ المقتول لو لم يقتل لمات البنَّة في ذلك الوقت.
وذهب الجمهور منهم إلى أنَّ القاتل قد قَطَعَ على المقتول أجله، وأنه لو لم
يُقتل لعاش إلى أمدٍ هو أجلُه الذي عَلِمَ الله تعالى موتَه فيه لولا القتل.
وليس النزاع بين الأصحاب والجمهور لفظيًّا كما رآه الأستاذ وكثيرٌ من
المحقّقين حيث قالوا: إنه إذا كان الأجل زمانَ بطلان الحياة في علم الله تعالی،
لكان المقتول ميتاً بأجله بلا خلافٍ من المعتزلة في ذلك؛ إذ هم لا ينكرون كونَ
المقتول ميتاً بالأجَلِ الذي عَلِمَه الله تعالى، وهو الأجل بسبب القتل، وإنْ قيِّد
بطلان الحياة بأنْ لا يترتَّب على فعلٍ من العبد، لم يكن كذلك بلا خلاف من
الأصحاب فيه؛ إذ هم يقولون بعدم كون المقتول ميتاً بالأجل غير المرتَّب على فعل
العبد = لأنَّا نقول: حاصل النزاع أنَّ المراد بأجل المقتول المضاف إليه زمان
بطلان حياته بحيث لا محيصَ عنه ولا تقدُّمَ ولا تأخّرَ، على ما يشير إليه قوله
تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] ويرجع
الخلاف إلى أنه: هل يتحقق(٢) ذلك في حقِّ المقتول، أم المعلومُ في حقٌّه أنه إن
قُتل مات وإن لم يقتل يَعِشْ؟ كذا في ((شرح المقاصد))(٣).
ولعله جوابٌ باختيار الشق الأول؛ وهو أنَّ المراد زمانُ بطلان الحياة في
علم الله تعالى، لكنه لا مطلقاً، بل على ما عَلِمَهُ تعالى وقدَّره بطريق القَطْع، وحينئذ
يصلح محلًّا للخلاف؛ لأنه لا يلزم من عدم تحقّق ذلك في المقتول - كما يقوله
المعتزلة - تخلّف العلم عن المعلوم، لجواز أن يعلم تقدُّم موته بالقتل مع تأخُر
الأجل الذي لا يمكن تخلُّفه عنه.
(١) محمد بن الهذيل البصري العلاف، رأس المعتزلة، صاحب التصانيف، من ضلالاته إنكار
الصفات المقدسة لله تعالى حتى العلم والقدرة، مات سنة (٢٢٧هـ). سير أعلام النبلاء
١٠ / ٥٤٣.
(٢) في (م): تحقق. والمثبت من الأصل والمصدر.
(٣) ٣١٥/٤-٣١٧.
ے

الآية : ١٤٥
٣١
سُورَةُ الْعَنْرَانَ
وقد يقال: إنه يمكن أن يكون جواباً باختيار شقِّ ثالث، وهو المقدَّر بطريق
القطع؛ إذ لا تَعرُّضَ في تقرير الجواب للعلم، والمقدَّر أَخصُّ من الأجل المعلوم
مطلقاً، والفرق بينه وبين كونه جواباً باختيار الأول - لكن لا مطلقاً - اعتبارُ قيد
العلم في الأجل الذي هو محلُّ النزاع على تقدير اختيار الأول، وعَدَمُ اعتباره (١)
فيه على اختيار الثالث، وإن كان معلوماً في الواقع أيضاً، فافهم.
ثم إنَّ أبا الحسين ومَن تابعه يدَّعون الضرورة في هذه المسألة، وكذا الجمهور
في رأي البعض، وعند البعض الآخر هي عندهم استدلاليةٌ.
واحتجُّوا على مذهبهم بالأحاديث الواردة في أنَّ بعض الطاعات تزيد في
العمر (٢)، وبأنه لو كان المقتول ميتاً بأجله لم يستحقَّ القاتلُ ذماً ولا عقاباً، ولم
يتوجَّه عليه قصاصٌ ولا غُرْمُ دية، ولا قيمة في ذبح شاة الغير؛ لأنه لم يقطع أجلاً،
ولم يُحدِثْ بفعله موتاً، وبأنه ربما يُقتل في الملحمة والحرب ألوفٌ تقضي العادة
بامتناع(٣) اتفاق موتهم في ذلك الوقت بآجالهم.
وتمسّك أبو الهذيل بأنه لو لم يمت المقتول لكان القاتل قاطعاً لأجلٍ قَدَّره الله
تعالى ومغيِّراً لأمرٍ عَلِمَهُ وهو محال، والكعبيُّ بقوله تعالى: ﴿أَفَإِيْن ◌َاتَ أَوْ قُتِلَ﴾
حيث جعل القتل قسيماً للموت بناءً على أنَّ المراد بالقتل المقتولية، وأنها نفسُ
بطلان الحياة، وأنَّ الموت خاصٌّ بما لا يكون على وجه القتل، ومتى كان الموت
غير القتل كان للمقتول أجلان: أحدهما القتل، والآخر الموت.
وأجيب عن متمسَّك الأوَّلَيْنِ الأوَّلِ: بأنَّ تلك الأحاديثَ أخبار آحادٍ فلا تُعارِضُ
الآيات القطعيةَ؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَّةَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
[الأعراف: ٣٤].
(١) في الأصل: اختياره.
(٢) منها حديث أنس به الذي أخرجه أحمد (١٣٥٨٣)، والبخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧)
أن النبي ◌َّ قال: ((من أحبَّ أن يوسِّع الله عليه في رزقه، وينسأ له في أثره، فليَصِلْ
رحمه)»، ومنها حديث سلمان عند الترمذي (٢١٣٩) ولفظه: ((لا يردُّ القضاء إلا الدعاء،
ولا يزيد في العمر إلا البر»، ومثله من حديث ثوبان عند ابن ماجه (٩٠).
(٣) في الأصل: امتناع.

سُورَةُ الْعِنْرَانَ
٣٢
الآية : ١٤٥
أو بأنَّ المراد من أنَّ الطاعة تزيد في العمر أنها تزيد فيما هو المقصود الأهمُّ
منه، وهو اكتساب الكمالات والخيرات والبركات التي بها تستكمل النفوس
الإنسانية، وتفوز بالسعادة الأبدية.
أو بأنَّ العمر غيرُ الأجل؛ لأنه لغةُ الوقت، وأجلُ الشيء يقال لجميع مُدَّته
ولآخرها، كما يقال: أَجلُ الدَّين شهران، أو آخرُ شهر كذا، ثم شاع استعماله في
آخر مدَّة الحياة، ومن هنا يُفسَّر بالوقت الذي عَلِمَ الله تعالى بطلانَ حياة الحيوان
عنده على ما قرَّرناه.
والعمر لغة: مدة الحياة؛ كـ : عمرُ زيدٍ كذا، ومدَّة البقاء؛ كعمر الدنيا، وكثيراً
ما يُتُجوَّز به عن مدَّة بقاءِ ذِكْرِ الناسِ الشخصَ بالخير(١) بعد موته، ومنه قولهم: ذِكْرُ
الفتى عمرُه الثاني؛ ومن هنا يقال لمن مات وأَعقب ذِكْراً حسناً وأثراً جميلاً:
ما مات، فلعلَّه أراد ◌َلهوأنَّ تلك الطاعات تزيد في هذا العمر، لمَا أنها تكون سبباً
للذكر الجميل، وأكثر ما ورد ذلك في الصدقة وصلة الرحم، وكونُهُما مما يترتَّب
عليهما ثناءُ الناس مما لا شبهة فيه، قيل: ولهذا لم يقل وَّر في ذلك: إنه يزيد في
الأجل.
أو بأنَّ الله تعالى كان يعلم أنَّ هذا المطيع لو لم يفعل هذه الطاعة لكان عمره
أربعين مثلاً، لكنه علم أنه يفعلها ويكون عمره سبعين سنة، فنِسْبةُ هذه الزيادة إلى
تلك الطاعة(٢) بناءً على علم الله تعالى أنه لولاها لَمَا كانت هذه الزيادة، ومُحَصِّل
هذا أنه سبحانه قدَّر عمره سبعين، بحيث لا يُتصوَّر التقدُّمُ والتأخُرُ عنه، لعِلْمِه بأنَّ
طاعته تصير سبباً لثلاثين، فتصير مع أربعين من غير الطاعة سبعين، وليس محصِّلُ
ذلك أنه تعالى قدَّره سبعين على تقدير، وأربعين على تقدير، حتى يلزم تعدُّد
الأجل، والأصحاب لا يقولون به.
والثاني: بأنَّ استحقاق الذم والعقاب، وتوجُّهَ القصاص أو غُرْم الدية مثلاً على
القاتل، ليس بما يثبت في المحل من الموت، بل هو بما اكتسبه وارتكبه من الإقدام
(١) في (م): للخير.
(٢) في الأصل: الطاعات.

الآية : ١٤٥
٣٣
سُورَةُ العَنَّان
على الفعل المنهيّ عنه الذي يخلق الله تعالى به الموت، كما في سائر الأسباب
والمسبَّبات، لا سيَّما عند ظهور أمارات البقاء وعُدْم ما يُظنُّ معه حضورُ الأجل،
حتى لو علم موتَ شاة بإخبارٍ صادقٍ معصوم، أو ظهرت الأمارات المفيدةُ لليقين،
لم يُضمن عند بعض الفقهاء.
والثالث: بأنَّ العادة منقوضةٌ أيضاً بحصول موت ألوفٍ في وقتٍ واحد من غير
قتال ولا محاربة، كما في أيام الوباء مثلاً، على أنَّ التمسُّك بمثل هذا الدليل في
مثل هذا المطلب في غاية السقوط.
وأُجيب عن متمسّك أبي الهذيل بأنَّ عدم القتل إنما يُتُصوَّر على تقدير علم الله
تعالى بأنه لا يُقتل، وحينئذ لا نُسلِّم لزومَ المحال، وبأنه لا استحالة في قَطْع الأجل
المقدَّر الثابت لولا القتل؛ لأنه تقريرٌ للمعلوم لا تغييرٌ له.
وعن متمسّك الكعبيِّ المخالف للمعتزلة والأشاعرة في إثبات الأجلين، بأنَّ
القتل قائمٌ بالقاتل وحالٌ له لا للمقتول، وإنما حالُهُ الموتُ وانزهاقُ الروح الذي
هو بإيجاد الله تعالى وإذنه ومشيئته، وإرادةُ المقتوليةِ المتولِّدة عن قتل القاتل بالقتل،
وهي حال المقتول(١) إذ هي بطلان الحياة، والتخصيصُ بما لا يكون على وجه
القتل على ما يُشعر به ﴿أَفَإِيْن ◌َاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ خلافُ مذهبه من إنكار القضاء والقدر
في أفعال العباد؛ إذ بطلانُ الحياة المتولِّدُ من قتل القاتل أجَلٌ قَدَّره الله تعالى وعيَّنه
وحدَّده، ومعنى الآية كما أشرنا إليه: أفئن مات حَتْفَ أنفه بلا سبب، أو مات
بسبب القتل. فتدلُّ على أنَّ مجرد بطلان الحياة موتٌ، ومن هنا قيل: إنَّ في
المقتول معنيين: قتلاً هو مِن فِعْلِ الفاعل، وموتاً هو من الله تعالى وحده.
وذهبت الفلاسفة إلى مثل ما ذهب إليه الكعبيُّ من تعدُّد الأجل فقالوا: إنَّ
للحيوان أجلاً طبيعيًّا بتحلَّل رطوبته، وانطفاء حرارته الغريزيتين، وآجالاً اخترامية
تتعدَّدُ بتعدُّدِ أسبابٍ لا تُحصى من الأمراض والآفات، وبيانه أنَّ الجواهر التي
غلبت عليها الأجزاء الرطبة رُكُبت مع الحرارة الغريزية، فصارت لها بمنزلة الدُّهن
للفتيلة المشعلة، وكلما انتقصت تلك الرطوبات، تبعتها الحرارة الغريزية في ذلك،
(١) في الأصل: للمقتول.

سُورَةُ العَقْرَانَ
٣٤
الآية : ١٤٥
حتى إذا انتهت في الانتقاص وتزايد الجفاف، انطفأت الحرارة كانطفاء السراج عند
نفاد دُهنه، فحصل الموت الطبيعيُّ، وهو مختلِفٌ بحسب اختلاف الأمزجة، وهو
في الإنسان في الأغلب تمامُ مئة وعشرين سنة وقد يَعْرِضُ من الآفات، مثلُ البرد
المجمِّد، والحرِّ(١) المذوِّب، وأنواع السموم، وأنواع تفرُّق الاتِّصال وسوء
المزاج، ما يفسد البدن ويخرجُه عن صلاحه لقبول الحياة - إذ شرطُها اعتدالُ
المزاج - فيهلك بسببه، وهذا هو الأجل الاخترامي.
ويردُّ ذلك أنه مبنيٌّ على قواعدهم من تأثير الطبيعة والمزاج، وهو باطلٌ عندنا؛
إذ لا تأثير إلَّا له سبحانه، وتلك الأمور عندنا أسبابٌ عادية لا عقلية كما زعموا.
وادَّعى بعضُ المحققين أنَّ النزاع بيننا وبين الفلاسفة كالنزاع بيننا وبين
المعتزلة - على رأي الأستاذ - لفظيٍّ، إذ هم لا ينكرون القضاء والقدر، فالوقت
الذي علم الله تعالى بطلان الحياة فيه بأيِّ سبب كان واحدٌ عندهم أيضاً، وما ذكروه
من الأجل الطبيعي نحن لا ننكره أيضاً، لكنهم يجعلون اعتدال المزاج واستقامة
الحرارة والرطوبة ونحو ذلك شروطاً حقيقيةً عقليةً لبقاء الحياة، ونحن نجعلها أسباباً
عادية، وذلك بحثٌ آخر، وسيأتي تتمةُ الكلام على هذه المسألة؛ إذ الأمور مرهونة
لأوقاتها، ولکلِّ أجلٍ کتاب.
﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾ أي: بعمله كالجهاد ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ كالغنيمة ﴿نُؤْتِهِ﴾ بنون العظمة
على طريق الالتفات ﴿مِنْهَا﴾ أي: شيئاً من ثوابها إن شئنا، فهو على حدٍّ قوله تعالى:
﴿مِّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَّلْنَا لَهُ، فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ ذُرِيدٌ﴾ [الإسراء: ١٨] وهذا تعريضُ بمن
شغلتهم الغنائم يومَ أَحدٍ عن مصلحة رسول الله وَله، وقد تقدَّم تفصيل ذلك.
﴿وَمَن يُرِدِ﴾ أي: بعمله كالجهاد أيضاً، والذبِّ عن رسول الله وَلهٍ ﴿ثَوَابَ
الْآَخِرَةِ﴾ مما أَعدَّ الله تعالى لعباده فيها من النعيم ﴿نُؤْتِهِ، مِنْهَا﴾ أي: من ثوابها
ما نشاء حَسْبَما جرى به قلم الوعد الكريم. وهذا إشارةٌ إلى مَدْحِ الثابتين يومئذ مع
رسول الله .
والآية وإن نزلت في الجهاد خاصة، لكنها عامةٌ في جميع الأعمال.
(١) في (م): والحرب، وهو تصحيف.

التفسير الإشاري (١٣٠-١٤٥)
٣٥
سُورَةُ الْعَنْرَانَ
﴾ يحتمل أنه أُريد بهم: المريدون للآخرة، ويحتمل أنه
﴿وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ
١٤٥
أُريد بهم جنسُ الشاكرين، وهم داخلون فيه دخولاً أوليًّا .
والجملة تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، ووعدٌ بالمزيد عليه، وفي تصديرها
بالسين وإبهام الجزاء من التأكيد والدلالة على فخامة شأن الجزاء، وكونِه بحيث
يضيقُ عنه نطَاق البيان، ما لا يخفى، وبذلك جبر اتحاد العبارتين(١) في شأن
الفريقين، واتَّضح الفرقُ لذي عينين. وقُرئت الأفعال الثلاثة بالياء(٢).
هذا ومن باب الإشارة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الْرَّبَوَاْ أَضْعَلِفًا مُضَعَفَةٌ﴾
إما إشارةٌ إلى الأمر بالتوكّل على الله تعالى في طلب الرزق والانقطاع إليه، أو رمزٌ
إلى الأمر بالإحسان إلى عباد الله المحتاجين من غير طلبٍ نفع منهم، فقد ورد في
بعض الآثار أنَّ القَرْض أفضلُ من الصدقة(٣)، أو إيماءٌ إلى عدم طلب الأجر على
الأعمال بأن يفعلها محضاً لإظهار العبودية.
﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ مِن أَكْلِ الربا ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: تفوزون بالحقّ ﴿وَأَنَّقُوا
النَّارَ الَّ أُعِدَّثْ لِلْكَفِرِينَ﴾ أي: اتَّقوني في النار؛ لأنَّ إحراقَها وعذابَها مِنِّي، وهذا
سرُّ عين الجمع، قالوا: ويرجع في الحقيقة إلى تجلِّ القهر، وهو بظاهره تخويف
للعوامٌّ، والتخويفُ الأول للخواصِّ، وقليلٌ ما هم.
﴿وَسَارِعُوّاْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ وهي سترُ أفعالكم التي هي حجابُكم الأعظمُ
عن رؤية الحقِّ ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَاَلْأَرْضُ﴾ وهي جنةُ توحيد الأفعال، وهو
(١) في (م): العبادتين.
(٢) القراءات الشاذة ص ٢٢.
(٣) أخرجه الطيالسي (١١٤١) من حديث أبي أمامة ﴿ه، وفي إسناده جعفر بن الزبير، كذبه
شعبة، وقال البخاري: تركوه، وقال ابن معين: ليس بثقة. الميزان ٤٠٦/١ .
وأخرجه ابن ماجه (٢٤٣١) من حديث أنس ﴿ه، وفي إسناده خالد بن يزيد، ضعفه أحمد
وابن معين والنسائي والدارقطني. ينظر الميزان ٦٤٥/١. وأخرجه البيهقي ٣٥٤/٥ بإسناد
آخر من طريق ثابت عن أنس رفعه قال: ((قرض الشيء خير من صدقته)) ونقل البيهقي عن
الإمام أحمد قوله: وجدته في المسند مرفوعاً فهِيْتُه، فقلت: رفعه.

سُورَةُ الْعَنْرَانَ
٣٦
التفسير الإشاري (١٣٠-١٤٥)
توحيد عالم الملك، ولذا ذكر سبحانه السماوات والأرض، وذكر العَرْض دون
الطول؛ لأنَّ الأفعال باعتبار السلسلة العَرْضية - وهي توقُّفُ كلِّ فعلٍ على
آخر - تنحصر في عالم الملك الذي تصل إليه أفهام الناس ويقدِّرونه، وأما باعتبار
الطُول فلا تنحصر فيه، ولا يُقْدَر قَدْرُها؛ إذ الفعل مظهرُ الوصف، والوصفُ مظهرُ
الذات، والذاتُ لا نهاية لها ولا حدّ ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾ [الأنعام: ٩١]
فالمحجوبون عن الذات والصفات لا يرون إلا هذه الجنة، وأما البارزون لله الواحد
القهار، فَعَرْضُ جَّتهم عينُ طولها، ولا حدَّ لطولها، فلا يُقْدَرُ قَدْرُها طولاً وعرضاً
﴿أُعِدَّتْ لِلْمُثَّقِينَ﴾ حَجْبَ أفعالِهِم وشِرْكَ(١) نسبة الأفعال إلى غير الحق جلَّ جلاله.
ويحتمل أنه سبحانه دعا خَلْقَه على اختلاف مراتبهم إلى فِعْلِ ما يؤدِّي إلى
المغفرة على اختلاف مراتبها، فإنَّ الذنب مختلفٌ، وذنبُ المعصوم قِلَّةُ معرفته بربِّه
بالنظر إلى عَظَمَة جماله وجلاله في نفس الأمر، وفي الخبر عن سيد العارفين وقلت:
((سبحانك ما عرفناك حقَّ معرفتك))(٢). فما عَرَفه العارفون من حيث هو،
وإنما عرفوه من حيث هم، وفَرْقٌ بين المعرفتين، ولهذا قيل: ما عَرَفَ اللهَ تعالى
إلا الله تعالی.
ودعاهم أيضاً إلى ما يجرُّهم إلى الجنة. والخطابُ بذلك إن كان للعارفين، فهو
دعاءٌ إلى عين الجمع ليتجلّى لهم بالوسائط، لبقائهم في المعرفة، وفي الحقيقة
معرفتُه قُربتُه وجنَّتُه مشاهدتُه، وفي حقيقة الحقيقة هي الذات الجامع التي لا يصل
إليها الأغيار، ومن هنا قيل: ليس في الجنة إلا الله تعالى.
وإن كان الخطاب بالنظر إلى آحاد المؤمنين، فالمراد بها أنواع التجلِّيات
الجمالية، أو ظاهرُها الذي أَفصحَ به لسان الشريعة، ودعاؤهم إليها(٣) من باب
التربية وجَلْبِ النفوس البشرية التي لم تُفْظَم بَعْدُ من رَضْع ثدي اللذائذِ إلى ما يرغِّبها
في كسب الكمالات الإنسانية، والترقّ إلى ذروة المعارج الإلهية، الذين ينفقون
نفائسَ نفوسهم لمولاهم في السراء والضراء، في حالتي الجمال والجلال.
(١) في (م): وترك، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل، وتفسير ابن عربي ١٤٦/١، والكلام منه.
(٢) لم نقف عليه.
(٣) في (م): إليه.

التفسير الإشاري (١٣٠-١٤٥)
٣٧
سُورَةُ العَرَانَ
ويحتمل أن يراد الذين لا تمنعهم الأحوال المتضادَّةُ عن الإنفاق فيما يرضي الله
تعالی، لصحة توگُلهم عليه سبحانه برؤية جميع الأفعال منه.
﴿وَالْكَظِمِنَ الْغَيْظَ﴾ الذي يَعرِضُ للإنسان بحسب الطبيعة البشرية، وكظمُهم
له قد يكون بالشدِّ عليه بوِكاءٍ(١) التسليم والرضا، وذلك بالنظر لمن هو في مقام جنة
الصفات، وأما مَنْ دونَهم فكَظُمُهم دون هذا الكَظْم، وسببُ الكظم أنهم يرون
الجناية عليهم فِعْلَ الله تعالى، وليس للخَلْقِ مَدْخَلٌ فيها .
﴿ وَأَلْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾ إما لأنهم في مقام توحيد الأفعال، أو لأنهم في مقام
توحيد الصفات ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ حَسْبَ مراتبهم في الإحسان.
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةٌ﴾ أي: كبيرةً من الكبائر، وهي رؤيةُ أفعالهم المحرَّمةِ
عليهم تحريمَ رؤية الأجنبيات بشهوة ﴿أَوْ ظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ﴾ بنَقْصِهم حقوقَها والتثبُّطِ
عن تكميلها ﴿ذَكَرُواْ اللَّهَ﴾ أي: تذكَّروا عظمتَهُ، وعلموا أنه لا فاعل في الحقيقة
سواه ﴿فَأَسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: طلبوا سَتْرَ أفعالهم عنهم بالتَّبرِّي عن الحول والقوة
إلا بالله ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ وهي رؤية الأفعال، أو النظرُ إلى سائر الأغيار ﴿إِلَّا
اللَّهَ﴾ وهو الملك العظيم الذي لا يتعاظمه شيء ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ في
غفلتهم ونَقْصٍ حقِّ نفوسهم ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ حقيقة الأمر، وأنْ لا فِعْلَ لغيره.
﴿أُوْلَكَ جَزَاؤُهُ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّيِّهِمْ﴾ وهو سترُه لوجودهم بوجوده، وترقِّيهم من
مقام توحيد الأفعال إلى ما فوقه ﴿وَجَنٌَّ﴾ أي: أشياءُ خفيَّةٌ، وهي جناتُ الغيب
وبساتينُ المشاهَدةِ والمُدَاناةِ التي هي عيونُ صفات الذات ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾
أي: تجري منها أنهارُ الأوصاف الأزلية ﴿خَلِينَ فِهَا﴾ بلا مُكثٍ ولا قَطْع،
ولا خطرِ الزمان ولا حُجُبِ المكان ولا تغيُّرٍ ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ ومنهم الواقفون
بشرط الوفاء في العشق على الحضرة القديمة، بلا نقضٍ للعهود ولا سهوٍ في
الشهود.
﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌّ﴾ بطشاتٌ ووقائع في الذين كذَّبوا الأنبياء في دعائهم
إلى التوحيد ﴿فَسِيرُواْ﴾ بأفكاركم ﴿فِي الْأَرْضِ فَأَنْظُرُوا﴾ وتأملوا في آثارها لتَعْلَموا
(١) الوكاء: الخيط الذي تُشَدُّ به الصرة أو الكيس وغيرهما.

سُورَةُ العُمْرَانَ
٣٨
التفسير الإشاري (١٣٠-١٤٥)
﴿كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: آخِرُ أمرهم ونهايتُه التي استدعاها التكذيب،
ويحتمل أن يكون هذا أمراً للنفوس بأن تنظر إلى آثار القوى النفسانية التي في أرض
الطبيعة، لتَعْلَم ماذا عَرَاها، وكيف انتهى حالها، فلعلَّها تَرْقَى بسبب ذلك عن
حضيض اللحوق بها .
﴿هَذَا﴾ أي: كلام الله تعالى ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ يبين لهم حقائق أمور الكونين
﴿وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ﴾ يُتوصَّل به (١) إلى الحضرة الإلهية ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهم أهل الله
تعالی وخاصّتُه.
واختلف الحال لاختلاف استعداد المستمعين للكلام؛ إذ منهم قومٌ يسمعونه
بأسماع العقول، ومنهم قوم يسمعونه بأسماع الأسرار، وحظّ الأولين منه الامتثال
والاعتبار، وحظّ الآخِرِين مع ذلك الكشفُ وملاحظةُ الأنوار، وقد تَجلَّى الحق فيه
لخواصِّ عباده ومقرَّبي أهل اصطفائه، فشاهدوا أنواراً تَجَلَّى، وصفةً قديمة وراء
عالم الحروف تُتْلَی.
﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعفوا في الجهاد ﴿وَلَا تَحْزَنُواْ﴾ على ما فاتكم من الفتح
ونالكم من قتل الإخوان ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَونَ﴾ في الرتبة ﴿إِن گُثُم مُؤْمِينَ﴾ أي: موحّدین،
حيثُ إنَّ الموحِّدَ يرى الكلَّ من مولاه، فأَقلُّ درجاته الصبر.
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ فَرٌْ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ فَرْعُ مِّثْلُهُ﴾ ولم يبالوا مع أنهم دونكم
﴿وَِلْكَ الْأَيَّامُ﴾ أي: الوقائع ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ فيومٌ لطائفة وآخَرُ لأخرى
﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: لَيَظْهَر علمُه التفصيليُّ التابعُ لوقوع المعلوم
﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءُ﴾ وهم الذين يشهدون الحقَّ فيذهلون عن أنفسهم ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ
اٌلَِّينَ﴾ أي: الذين ظلموا أنفسَهم وأضاعوا حقَّها، ولم يكملوا نشأتها.
﴿وَلِيُمَحِصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: ليخلِّصهم من الذنوب والغواشي التي تُبعدهم
من الله تعالى بالعقوبة والبلية ﴿وَيَمْحَقَ﴾ أي: يهلك ﴿الْكَفِرِينَ﴾ بنار أنانيتهم.
أَمْ حَيِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ أي: تَلِجُوا عالَمَ القدس ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ
جَهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ﴾ أي: ولم يَظْهَر منكم مجاهَداتٌ تُؤْرِثُ المشاهَدات،
(١) في الأصل: بها.

التفسير الإشاري (١٣٠-١٤٥)
٣٩
سُورَةُ العَقْرَانَ
وصبرٌ على تزكية النفوس وتصفية القلوب على وفق الشريعة وقانون الطريقة، ليتجلَّى
للأرواح أنوار الحقيقة.
﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوَّنَ الْمَوْتَ﴾ أي: موتَ النفوس عن صفاتها ﴿مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوَهُ﴾
بالمجاهدات والرياضات ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ برؤية أسبابه، وهي الحربُ مع أعداء الله
تعالى ﴿وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ﴾ أي: تعلمون أنَّ ذلك الجهاد أحد أسباب موت النفس عن
صفاتها .
ويحتمل أن يقال: إنَّ الموقِنَ إذا لم يكن يقينُه مَلَكَةً تَمنَّى أموراً، واذَّعى
أحوالاً، حتى إذا امتُحن ظهر منه ما يخالف دعواه وينافي تمنِّيه، ومن هنا قيل:
طلب الطَّعن وحده والنزالا(١)
وإذا ما خلا الجبان بأرضٍ
ومتى رسخ ذلك اليقين وتمكّن، وصار مَلَكَةً ومقاماً ولم يَبْقَ حالاً، لم يختلف
الأمر عليه عند الامتحان، والآيةُ تشير إلى توبيخ المنهزمين بأنَّ يقينَهم كان حالاً
ولم يكن مقاماً.
﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِ الرُّسُلُ﴾ أي: أنه بشرٌ كسائر إخوانه من
المرسلين، فكما خَلَوا من قبله، سيخلو هو من بعدهم ﴿أَفَإِئْن ◌َاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَبْتُمْ
عَّ أَعْقَلِكُمْ﴾ ورجعتم القَهقَرى، والإشارةُ في ذلك إلى أنه تعالى عاتَب مَنْ تَزلزل
الذهاب الواسطة العظمى عن البين، وهو منافٍ لمشاهدة الحق ومعاينته، ولهذا قال
الصدِّيق الأكبر ظله: مَن كان يعبد محمداً فإنَّ محمداً قد مات، ومِن كان يعبد الله
تعالى فإنَّ الله تعالى حيٍّ لا يموت(٢).
﴿وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا﴾ لفنائه الذاتي ﴿وَسَيَجْزِى اَللَّهُ﴾
بالإيمان الحقيقي ﴿الشَّلْكِينَ﴾ بالإيمان التقليدي، بأداء حقوقه من الائتمار بأوامر
الشرع والانتهاء عن نواهيه.
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ﴾ هذا الموتَ المعلوم، أو الموت عن أوصافها
الدنيَّة وأخلاقِها الرَّدِيَّة ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ومشيئته، أو جَذْبِه بإشراق نوره.
(١) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٢٦٢/٣.
(٢) سلف تخريجه ص ٢٦ من هذا الجزء.

سُورَةُ الِ غْرَانَ
٤٠
الآية : ١٤٦
﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾ بمقتضى استعداده ﴿ثَوَابَ الذُّنْيَا﴾ جزاءً لعمله ﴿نُؤْتِهِ، مِنْهَا﴾
حَسْبَما تقتضيه الحكمة ﴿وَمَن يُرِدِّ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ﴾ جزاءً لعمله ﴿نُؤْتِهِ، مِنْهَاْ وَسَنَجْزِى
الشَّكِرِينَ﴾ ولعلَّهم الذين لم يريدوا الثَّوَابَيْنِ، ولم يكن لهم غرضٌ سوى العبودية،
وأبهم جزاءَهم للإشارة إلى أنه أَمْرٌ وراء العبارة، ولعله تجلِّي الحقِّ لهم، وهذا غاية
مُتَمنَى المحبِّين، ونهايةُ مطلبِ السالكين، نسأل الله تعالى رضاه وتوفيقه.
﴿وَكَيْنِ﴾ كلامٌ مبتدأٌ سِيق توبيخاً للمنهزمين أيضاً، حيث لم يستنُّوا بسَنَن
الربانيين المجاهدين مع الرسل عليهم الصلاة والسلام، مع أنهم أولى بذلك حيث
كانوا خير أمة أخرجت للناس.
وقد اختلف في هذه الكلمة؛ فقيل: إنها بسيطةٌ وُضعت كذلك ابتداءً، والنون
أصلية، وإليه ذهب أبو حيان(١) وغيرُه، وعليه فالأمر ظاهرٌ موافقٌ للرسم.
وقيل - وهو المشهور - إنها مركبةٌ من ((أيٍّ)) المنوَّنةِ، وكافِ التشبيه. واختلف
في ((أيٍّ)) هذه؛ فقيل: هي ((أي)) التي في قولهم: أيُّ الرجال، وقال ابن جنِّي: إنها
مصدرُ أَوَى يأوي: إذا انْضَمَّ واجتمع، وأصله ((أَوْيٌ)) فاجتمعت الواو والياء وسُبقت
إحداهما بالسكون، فقُلبت وأدغمت، مثل: طَيٍّ وشَيٍّ، وحدث فيها بعدَ التركيب
معنى التكثير المفهوم من ((كَمْ))، كما حدث في ((كذا)) بعد التركيب معنًی آخَرُ،
فـ ((كم) و((کایِّن)) بمعنّی واحد.
قالوا: وتشاركها في خمسة أمور: الإبهام، والافتقار إلى التمييز، والبناء،
ولزوم التصدير، وإفادة التكثير [تارةً] وهو الغالب، والاستفهام [أخرى] وهو نادر،
ولم يُثْبِتْه إلا ابن قتيبة وابن عصفور وابن مالك، واستُدِلَّ عليه بقول أُبيِّ بن كعب
: كأَيِّن تقرأ سورةَ الأحزاب آيةً؟ فقال: ثلاثاً وسبعين.
لابن مسعود(٢)
(١) في البحر ٦٥/٣.
(٢) كذا نقل المصنف عن ابن هشام في المغني ص ٢٤٦، وما سلف بين حاصرتين منه،
وصاحب القاموس (كان)، والصواب: لزر بن حبيش، كما ذكر صاحب التاج، وكذا
أخرجه أحمد (٢١٢٠٧) عن زر بن حبيش أن أبيًّا قال له ...