النص المفهرس
صفحات 1-20
زوجُ النَّعـ في تَفِي القُرآن العَظِيْ والسُّنْع المثَانِمُ تأليف شِهَابُ الدِّينُ أبُ الثّعاء ◌َحْمُود ◌َيْن عَبْدَ اللَّه الألوسيْ الْبُعْدَادِيِّ (١٢١٧ - ١٢٧٠هـ) حقّقَة هَذَا الجزء مَاهِرْ جَ بُوشٌ سَاهُمْ في تحقيقه أحْمُُ الجبري الكائِه الفرآجي الَجَلّ الخائِسِنُ مؤسسة الرسالة -3 تُفَيُ المَعَانِى في تَفِ القُرآن العَظِيمُ والسَّنْع المُتَانِ (٥) جَمِيعُ الحقوق محفوظَة للناشر الطّبعة الأولىْ ١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م ـة ـللـ مؤسسها للطبَاعَة وَالنَّشْرِ وَالتّوزيع بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460 Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com Al-Resalah Publishing House سُورَةُ الْ عُقْرَانَ VIT ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أي: مضت ﴿مِن قَبْلِكُمْ سُنَّنٌ﴾ أي: وقائعُ في الأمم المكذِّبة أجراها الله تعالی حَسْبَ عادته. وقال المفضَّل: إنَّ المراد بها الأمم، وقد جاءت السُّنَّة بمعنى الأمة في كلامهم، ومنه قولُه: ما عاينَ الناسُ من فضلٍ كفَضْلِكُمُ ولا رَأَوْا مِثْلَكم في سالف السُّنَنِ(١) وقال عطاء: المراد بها الشرائع والأديان، فالمعنى: قد مضت من قبلكم سننٌ وأديانٌ نُسخت. ولا يخفى أنَّ الأول أنسبُ بالمقام؛ لأنَّ هذا إما مُساقٌ لحمل المكلَّفين وآكلي(٢) الربا على فعل الطاعة، أو على التوبة من المعصية، أو على كليهما بنوع غيرِ ما سبق كما قيل، وإما عَودٌ إلى تفصيل بقية القصة بعد تمهيد مبادي الرشد والصلاح، وترتيب مقدِّمات الفوز والفلاح على رأي، وذِكْرُ مُضِيٍّ الأديان ليس له كثيرُ ارتباط بذلك، وإن زعم بعضُهم أنَّ فيه تثبيتاً للمؤمنين على دين النبيِّ وَّ لئلا يَهِنوا بقول اليهود: إنَّ دينَ موسى عليه السلام لا يُنسخ، ولا يجوز النسخ على الله تعالى لأنه بَداء. وتحريضاً لليهود وحثًّا على قبول دين الإسلام، وإنذاراً لهم من أن يقع عليهم مثل ما وقع على المكذِّبين، وتقويةً لقلوب المؤمنين بأنه سينصرهم على المكذِّبين. نعم إطلاق السُّنة على الشريعة أقربُ من إطلاقها على الوقعة؛ لأنها في الأصل الطريقةُ والعادة، ومنه قولهم: سنةُ النبيِّ ◌َّ. (١) تفسير البغوي ٣٥٤/١، وتفسير القرطبي ٣٣٣/٥، والبحر ٥٦/٣. (٢) في (م): أو آكلي. سُورَةُ العَمَانَ ٦ الآية : ١٣٨ والجارُّ والمجرور إما متعلِّقٌ بـ ((خلت))، أو بمحذوفٍ وقع حالاً من ((سنن))، أي: سنن كائنة من قبلكم. ﴿فَسِيرُواْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ أي: بأقدامكم أو بأفهامكم ﴿فَأَنْظُرُوا﴾ أي: تأمَّلوا ﴿كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ اٌلْمُكَذِّبِينَ ﴾﴾ أي: آخرُ أمرهم الذي أدَّى إليه تكذيبُهم لأنبيائهم، والفاءُ للإيذان بسببية الخلوِّ للسير والنظر، أو الأمرِ بهما. وقيل: المعنى على الشرط، أي: إن شكَكْتُم فسيروا إلخ. والخطاب على كلِّ تقديرٍ مُساقٌ للمؤمنين، وقال النقاش: للكفار. وفيه بُعْد. و (كيف)) خبرٌ مقدَّم لـ ((كان)) معلِّق لفعل النظر، والجملة في محلِّ النصب بعد نزع الخافض؛ لأنَّ الأصلَ استعمالهُ بالجارِّ، وتجريدُ الفعل عن تاء التأنيث؛ لأنَّ المرفوع مجازيُّ التأنيث. ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلِنَّاسِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٣٨)﴾ الإشارةُ إما إلى القرآن، وهو المرويُّ عن الحسن وقتادة (١)، وخُدش بأنه بعيدٌ عن السياق. وإما إلى ما لُخّص من أمر الكفار والمتقين والتائبين. وقولُه سبحانه: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ الآية اعتراضٌ للحثِّ على الإيمان والتقوى والتوبة كما قيل، ووَجْهُ الاعتراض - لدفع الاعتراض بأنَّ المعترِضة مؤكِّدةٌ للمعتَرَض فيه، وهنا ليس كذلك - بأنَّ تلك الآيات واردةٌ على سبيل الترغيب والترهيب لآكلي الربا، وهذه الآيةُ دلَّتْ على الترهيب، ومعناه راجعٌ إلى الترغيب بحَسَبِ التضادٌّ، كما أنَّ بعض الآيات الواردة في الرحمن للوعيد تُعَدُّ من الآلاء بحسب الزجر عن المعاصي، فيتأتَّى التوكيد دون نقص. واعتُرض عليه بأنه تعسُّف. وإما إلى ما سلف من قوله سبحانه: ﴿قَدْ خَلَثْ﴾ إلخ، وهو المرويُّ عن ابن إسحاق(٢)، واختاره الطبريُّ والبلخيُّ وكثيرٌ من المتأخرين. (١) تفسير الطبري ٦/ ٧٤. (٢) في الأصل و(م): أبي إسحاق، والمثبت هو الصواب، ينظر تفسير الطبري ٦/ ٧٤-٧٥، والبحر ٣/ ٦١. الآية : ١٣٨ ٧ سُورَةُ الَ ◌ّعْرَانَ و ((أل)) في الناس للعهد، والمراد بهم المكذِّبون، والظرف إما متعلِّقٌ بـ ((بيان))، أو بمحذوفٍ وقع صفة له (١)، أي: إيضاحٌ لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب، فإنَّ الأمر السابقَ وإن كان خاصًّا بالمؤمنين على المختار، لكنَّ العمل بموجبه غیرُ مختصّ بهم، ففيه حملٌ للمكذِّبين أيضاً على أن ينظروا في عاقبة أسلافهم ليعتبروا بذلك. والموعظة: ما يُلين القلبَ ويدعو إلى التمسُّك بما فيه طاعةٌ. والهدى: بيانٌ طريق الرشد ليُسْلَكَ دون طريق الغيّ، والفرق بينه وبين البيان أنَّ الثاني إظهارُ المعنى كائناً ما كان، ولكون المراد به هنا ما كان عارياً عن الهدى والعِظَة خصَّه بالناس، مع أنَّ ظاهره شاملٌ للمتقين، والمراد بهم مقابل المكذِّبين، وكأنه وُضع موضعَ الضمير بناءً على أنَّ المعنى: وزيادةُ بصيرةٍ وموعظةٍ لكم؛ للإيذان بعِلَّة الحكم، فإنَّ مدار(٢) كونِه هدّى وموعظةً لهم. إنما هو تقواهم وعدمُ تكذيبهم. وقُدِّم بیانُ کونه بیاناً للمکذِّبین مع أنه غیرُ مسوقٍ له، علی بیان کونه ھدی للمتقين مع أنه المقصود بالسياق؛ لأنَّ أولَ ما يترتَّب على مشاهدة آثار هلاك أسلافهم ظهورُ حال أخلافهم، وأما الهدى فأمرٌ مترتّبٌ عليه، والاقتصارُ على الأمرين في جانب المتقين، مع ترتُّبهما على البيان؛ لِمَا أنهما المقصدُ الأصلي. وقيل: ((أل)) في ((الناس)) للجنس. والمراد: بيانٌ لجميع الناس، لكنَّ المنتفِعَ به المتقون؛ لأنهم يهتدون به وینتجعون بوعظه، وليس بالبعيد. وجَوَّز بعضُهم أن يُراد من ((المتقين)»: الصائرون إلى التقوى، فيبقى الهدى والموعظة بلا زيادة، وأن يُراد بهم ما يعمُّهم وغيرهم من المتقين بالفعل، فیحتاج الهدى وما عُطف عليه إلى اعتبار ما يعمُّ الابتداءَ والزيادة فيه. ولا يخفى ما في الثاني من زيادة البُعْد؛ لارتكاب خلافِ الظاهر في موضعين، وأما الأول ففيه بُعدٌ من جهة الارتكاب في موضع واحد، وهو وإن شارك ما قلناه (١) في الأصل و(م): لهم، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في الدر المصون ٤٠١/٣، وتفسير أبي السعود ٨٨/٢. (٢) بعدها في الأصل و(م): ذلك، وهي زيادة لا تستقيم بها العبارة، والمثبت موافق لما في تفسير أبي السعود ٨٨/٢، والكلام منه. سُورَةُ العَزَانَ ٨ الآية : ١٣٩ من هذه الحيثية، إلا أنَّ ما ارتكبناه يهدي إليه في الجملة التنوينُ الذي في الكلمةِ، ولا كذلك ما ارتكبوه، بل اعتبارُ الكمالِ المُشْعِرِ به الإطلاق ربَّما یأباه، ولعلَّه المجموع الأمرين هانَ أمرُ نزعِ الخف. ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ﴾ أَخرِج الواحديُّ عن ابن عباس أنه قال: انهزم أصحاب رسول الله وَل﴿ يومَ أحد، فبينما هم كذلك إذ أقبلَ خالد بن الوليد بخيل المشركين يريدون أن يَعْلُوا عليهم الجبلَ، فقال النبيُّ وَّهِ: ((اللهمَّ لا قوةَ لنا إلا بك، اللهمَّ ليس يَعبدُكَ بهذه البلدة غيرُ هؤلاء النفر)). فأنزل الله تعالى هذه الآية، وثاب نفرٌ من المسلمين فصَعِدوا الجبل، وَرَمَوا خيلَ المشركين حتى هزموهم(١). وعن الزهريِّ وقتادةً أنها نزلت تسليةً للمسلمين، لِمَا نالهم يوم أحد من القتل والجراح(٢). وعن الكلبيِّ أنها نزلت بعد يوم أحد، حين أمر رسول الله وَ ﴾ أصحابه بطلب القوم، وقد أصابهم من الجراح ما أصابهم، وقال ◌َله: ((لا يخرج إلا مَنْ شهد معنا بالأمس)) فاشتدَّ ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى هذه الآية(٣). وأيّ ما كان فهي معطوفةٌ على قوله تعالى: ﴿سِبُرُواْ فِ اُلْأَرْضِ﴾ بِحَسَبِ اللَّفظ ومرتبطةٌ به بحسب المعنى إن قلنا: إنه عَودٌ إلى التفصيل، وبما تقدم من قصة أحد إن لم نقل ذلك، وبه قال جمعٌ، وجَعَلوا توسيطَ حديث الربا استطراداً أو إشارةً إلى نوعٍ آخَرَ من عداوة الدين ومحاربة المسلمين، وبه يظهر الربط، وقد مرَّ توجيهه بغير ذلك أيضاً . ومن الناس مَن جَعَل ارتباط هذه الآية لفظاً بمحذوفٍ، أي: كونوا مجدِّين ولا تَهِنوا، ومعنّى(٤) على الخلاف، وهو تكلُّفٌ مستغنّى عنه. (١) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ١٢٠ عن ابن عباس دون إسناد، وأخرجه الطبري ٦/ ٧٨ عن ابن جريج مرسلاً، وأخرج نحوه عن ابن عباس مختصراً، وإسناده ضعيف جدًّا. (٢) تفسير الطبري ٦/ ٧٧ . (٣) ذكره أبو حيان في البحر ٣/ ٦١، وهو بنحوه في سيرة ابن هشام ٢/ ١٠١ عن ابن إسحاق، دون ذكر الآية. (٤) في (م): ومضى. الآية : ١٣٩ ٩ سُورَةُ آلِّعُقْرَانَ والوَهْن: الضعف، أي: لا تضعفوا عن قتال أعدائكم والجهاد في سبيل الله تعالى بما نالكم من الجراح، ولا تحزنوا على ما أصبتم من قتل الأعزَّة. وقد قتل في تلك الغزوة خمسة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير صاحب راية رسول الله ﴿، وعبد الله بن جحش ابن عمة النبيِّ وَّر، وعثمان بن شمَّاس(١)، وسعدٌ مولى عتبة(٢)، ﴿م، وسبعون من الأنصار. وقيل: لا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة. ولا يخفى بُعدُه. والظاهر أنَّ حقيقة النهي غيرُ مرادة هنا، بل المرادُ التسلية والتشجيع، وإن أُريدت الحقيقة فلعلَّ ذلك بالنسبة إلى ما يترتَّب على الوَهْن والحزن من الآثار الاختيارية، أي: لا تفعلوا ما يترتَّب على ذلك. ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ جملةٌ حاليةٌ من فاعل الفعلين، أي: والحال أنكم الأَعْلَوْن الغالبون دون أعدائكم، فإنَّ مصيرَهم مصيرُ أسلافهم المكذِّبین، فهو تصريحٌ بعد الإشعار بالغلبة والنصر. وحكى القرطبيُّ(٣) أنهم لم يخرجوا بعد ذلك إلا ظفروا في كلِّ عسكرٍ كان في عهده عليه الصلاة والسلام، وكذا في كلِّ عسكر كان بعدُ، ولو لم يكن فيه إلا واحدٌ من الصحابة أو المراد: والحال أنكم أعلى منهم شأناً، فإنكم على الحق، وقتالُكم لإعلاء كلمة الله تعالى، وقتلاكم في الجنة، وأنهم على الباطل وقتالُهم لنصرة كلمة (١) كذا نقل المصنف اسمه عن أبي السعود ٨٨/٢، وقد انقلب عليه، فاسمه شماس بن عثمان، كما في مغازي الواقدي ١/ ٣٠٠، وسيرة ابن هشام ٢/ ١٢٢، والتجريد للذهبي ص ٢٥٩، والإصابة ٨٤/٥. وكان اسمه عثمان بن عثمان كما ذكر ابن إسحاق في المغازي والسير ص٢٢٥، وابن هشام في السيرة ٣٢٦/١، وذكر ابن هشام قصة في سبب تسميته شماساً. (٢) كذا نقل المصنف عن أبي السعود، والذي في كتب السيرة أن الذي استشهد يوم أحد هو سعد بن خَوْليّ مولى حاطب بن أبي بلتعة. ينظر مغازي الواقدي ٣٠٠/١، والتجريد ص٢١٣، والاستيعاب على هامش الإصابة ١٣٨/٤، والإصابة ١٣٩/٤. أما ابن إسحاق فلم يذكره فيمن استشهد بأحد من المهاجرين، ولم يذكر سوى الأربعة الذين قبله. ينظر سيرة ابن هشام ٢/ ١٢٢. (٣) في تفسيره ٣٣٤/٥ نقلاً عن أبي الليث السمرقندي في تفسيره ٣٠١/١. سُورَةُ الَّعْرَانَ ١٠ الآية : ١٤٠ الشيطان، وقتلاهم في النار، واشتراكُهم على هذا في العلوِّ بناءً على الظاهر وزَعْمِهم، وإذا أُخذ العلوُّ بمعنى الغلبة لا يحتاج إلى هذا، لِمَا أنَّ الحرب سجال، وأنَّ العاقبة للمتقين. وقيل: المراد: وأنتم الأعلون حالاً منهم، حيث أصبتم منهم يوم بدر أكبر مما أصابوا منكم اليوم. ومن الناس مَن جوَّز كونَ الجملة لا محلَّ لها من الإعراب، وجَعَلَها معترِضةً بين النهي المذكور وقولِه سبحانه: ﴿إِن كُثُم مُؤْمِنِينَ ﴾ لأنه متعلِّقٌ به معنَى، وإن كان الجواب محذوفاً، أي: إن كنتم مؤمنين فلا تَهِنوا ولا تحزنوا، فإنَّ الإيمان يوجب قوةً القلب ومزيدَ الثقة بالله تعالى، وعدمَ المبالاة بأعدائه. ولا يخفى أنَّ دعوى التعلُّق مما لا بأس بها، لكنَّ الحكم بكون تلك الجملة معترضةً، مُعتَرَضٌ بالبعد. ويحتمل أن يكون هذا الشرط متعلِّقاً بـ ((الأعلون))، والجواب محذوفٌ أيضاً، أي: إن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلون، فإنَّ الإيمان بالله تعالى يقتضي العلوَّ لا محالة. ويحتمل أن يراد بالإيمان: التصديقُ بوعد الله تعالى بالنصرة والّفَر على أعداء الله تعالى، ولا اختصاصَ لهذا الاحتمال بالاحتمال الأخير من احتمالَي التعلُّق کما یوهمه صنیع بعضهم. وعلى كلِّ تقديرِ المقصودُ من الشرط هنا تحقيقُ المعلَّق به كما في قول الأجير: إن كنتُ عملتُ لك فأعطني أجري. أو من قبيل قولك لولدك: إن كنتَ ابني فلا تَعْصِني. وحَمَلَ بعضُهم الشرطَ على التعليل، أي: لا تَهِنوا ولا تحزنوا لأَجْلٍ كونكم مؤمنين، أو: وأنتم الأعلون لأجل ذلك. والقول بأنَّ المراد: إن بقيتم على الإيمان، ليس له كمالُ ملاءمةٍ للمقام. ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرٌْ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ تَرْعٌ مِّثْلُهُ﴾ قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم بضم القاف، والباقون بالفتح(١)، وهما لغتان كالدَّف والدُّفّ، (١) التيسير ص ٩٠، والنشر ٢٤٢/٢. الآية : ١٤٠ ١١ سُورَةُ الَ ◌ّعْرَانَ والضَّعْف والضُّعْف. وقال الفراء(١): القَرْح بالفتح: الجِراحةُ، وبالضم أَلَمُها. ويُقرأ بضم القاف والراء على الإتباع(٢)، كاليُسْر واليُسُر، والُّنْب والظُنُب. وقرأ أبو السَّمَّال بفتحهما(٣). وهو مصدر قَرِحَ يَقْرح: إذا صار له قُرْحةٌ. والمعنى: إن نالوا منكم يومَ أُحدٍ فقد نلتُم منهم قبله يومَ بدر، ثم لم يُضْعِفْ ذلك قلوبَهم، ولم يثبِّطهم عن معاودتكم بالقتال، وأنتم أحقُّ بأن لا تَضْعُفوا، فإنكم تَرْجُون من الله تعالى ما لا يرجون. والمضارع على ما ذهب إليه العلّامة التفتازاني لحكاية الحال؛ لأنَّ المساس مضى، وأما استعمال ((إنْ)) فبتقدير: ((كان))، أي: إن كان مَسَّكم قَرْحٌ، و((إنْ)) لا تتصرَّف في ((كان)) لقوة دلالته على المضيّ، أو على ما قيل: إنَّ ((إنْ)) قد تجيءُ لمجرَّد التعليق من غير نَقْلِ فِعْلِه من الماضي إلى المستقبل. وما وقع في موضع جواب الشرط ليس بجوابٍ حقيقةً؛ لتحقُّقه قبل هذا الشرط، بل دليلُ الجواب، والمراد: إن كان مَسَّكم قَرٌْ فذلك لا يصحِّحُ عُذْرَكم وتقاعُدَكم عن الجهاد بعدُ (٤)؛ لأنه قد مسَّ أعداءكم مثلُه وهم على ما هم عليه، أو يقال: إن مسَّكم قَرْحٌ فَتَسَلَّوا، فقد مسَّ القومَ قَرْحٌ مثلُه. والمِثليةُ باعتبارِ كثرةِ القتلى في الجملة، فلا يَرِدُ أنَّ المسلمين قتلوا من المشركين يومَ بدرٍ سبعين وأسروا سبعين، وقتل المشركون من المسلمين يوم أحد خمسةً وسبعين وجرحوا سبعين. والتزم بعضُهم تفسيرَ القَرْح بمجرد الانهزام دون تكثير القتلى فراراً من هذا الإيراد. وأَبعَدَ بعضٌ في توجيه الآية، وحَمَلَها على ما لا ينبغي أن يُحمل عليه كلام الله تعالى، فقال: الأوجَهُ أن يقال: إنَّ المراد: إن يمسسكم قَرْحٌ فلا تَهِنوا؛ لأنه مَسَّ القومَ، أي: الرجالَ، فَرْحٌ مثله، والقرح للرجال لا للنساء، فمَن هو مِن زمرة الرجال ينبغي أن لا يُعرِضَ عما هو سِمَته، بل ينبغي أن يسعى له. وبهذا يظهر بقاء (١) في معاني القرآن ٢٣٤/١. (٢) ذكرها السمين في الدر المصون ٢/ ٤٠٢ . (٣) القراءات الشاذة ص٢٢ . (٤) قوله: بعد، من (م)، وليس في الأصل. سُورَةُ الَّهُمْرَانَ ١٢ الآية : ١٤٠ وجه التعبير بالمضارع وأنه على ظاهره، وكذا يندفع ما قيل: إنَّ قَرْحَ القوم لم يكن مثلَ قرحهم، ولا يحتاج إلى ما تقدَّم من الجواب. وقيل: إنَّ كِلَا المسَّين كان في أُحد، فإنَّ المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله وَّته، فإنهم قتلوا منهم نيِّفاً وعشرين رجلاً أحدُهم صاحبُ لوائهم، وجرحوا عدداً كثيراً، وَعَقَروا عامَّةً خيلهم بالنَّبْلِ. وقيل: إنَّ ذلك القرح الذي مسَّهم أنهم رجعوا خائبين، مع كثرتهم وغلبتهم، بحفظ الله تعالى للمؤمنين. ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ﴾ اسمُ الإشارة مُشار به إلى ما بعده كما في الضمائر المبهمة التي يفسِّرها ما بعدها نحو: رُبَّه رجلاً (١)، ومثله يفيد التفخيم والتعظيم. والأيام: بمعنى الأوقات لا الأيام العُرْفيَّةُ، وتعريفها للعهد إشارة إلى أوقات الظّفَر والغلبة الجارية فيما بين الأمم الماضية والآتية، ويوما بدرٍ وأُحدٍ داخلان فيها دخولاً أوليًّا. ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ نصرِّفها بينهم، فنُدِيلُ لهؤلاء مرةً ولهؤلاء أخرى، كما وقع ذلك يوم بدر ويوم أحد، والمداولةُ نقلُ الشيء من واحد إلى آخر، يقال: تَدَاوَلَتْه الأيدي: إذا انتقل من واحد إلى واحد. و((الناس)) عامٌّ، وفسَّره ابن سيرين بالأمراء. واسم الإشارة مبتدأ، و((الأيام)) خبره، و(نُداولها)) في موضع الحال، والعامل فيها معنى الإشارة، أو خبرٌ بعد خبر، ويجوز أن تكون ((الأيام)) صفةً أو بدلاً أو عطفَ بيان، و((نداولها)) هو الخبر. و((بين الناس)) ظرفٌ لـ (نُداولها))، وجُوِّز أن يكون حالاً من الهاء، وصيغةُ المضارع الدالّةُ على التجدُّد والاستمرار للإعلام بأنَّ تلك المداولةَ سُنَّةٌ مسلوكةٌ (١) قال المالقي في رصف المباني ص ١٩٠: إن دخلت ((رُبَّ)) على مضمرٍ فلا يكون إلا مفسَّراً بنكرة منصوبة نحو: رُبَّه رجلاً. وهذا الضمير نكرةٌ أبداً بدليل تفسيره بالنكرة، ولا التفات فيه لكونه مضمراً، إذ من المضمرات ما يعود على نكرة ومنها ما يعود على معرفة. الآية : ١٤٠ ١٣ سُورَةُ العَتْرَانَ فيما بين الأمم قاطبةً إلى أن يأتي أمر الله تعالى. ومن كلامهم: الأيام دُوَلٌ، والحربُ سِجَالٌ. وفي هذا ضربٌ من التسلية للمؤمنين. وقرئ: ((يداولها))(١). ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ تعليلٌ لما هو فردٌ من أفرادِ مطلق المداولة المشار إليها فيما قَبْلُ، وهي المداولةُ المعهودةُ الجاريةُ بين فريقي المؤمنين والكافرين، واللامُ متعلِّقةٌ بما دلَّ عليه المطلق من الفعل المقيَّد بالوقوع بين الفريقين المذكورين، أو بنفس الفعل المطلق باعتبار وقوعه بينهما، والجملة معطوفةٌ على علةٍ أخرى لها معتبرةٍ: إما على الخصوص والتعيين لدلالة(٢) المذكورة عليها؛ كأنه قيل: نُداوِلُها بينكم وبين عدوِّكم ليَظْهَرَ أمرُكم وليَعْلَم إلخ، وإما على العموم والإبهام، للتنبيه على أنَّ العلل غيرُ منحصرة فيما عَدَّ من الأمور، وأنَّ العبد يسوؤه ما يجري عليه، ولا يشعر بما لله في طيِّه من الألطاف، كأنه قيل: نجعلها دولاً بينكم لتكون حِكماً وفوائد جمَّة، وليعلم، إلخ، وفيه من تأكيد التسلية ما لا يخفى. وتخصيصُ البيان بعلَّة هذا الفرد من مطلق المداولة دون سائر أفرادها الجارية بين بقية الأمم تعييناً أو إبهاماً؛ لعدم تعلَّق الغرض العلمي ببيانها، ولك أن تجعل المحذوف المبهمَ عبارةً عن عللٍ سائرٍ أفرادِها، للإشارة إجمالاً إلى أنَّ كلَّ فردٍ من أفرادها له علةٌ داعيةٌ في الظاهر إليه، كأنه قيل: نداولها بين الناس كافة ليكون كيت وكيت من الحِكَم الداعية إلى تلك الأفراد، وليعلم .. إلخ، فاللام الأولى متعلقةٌ بالفعل المطلق باعتبار تقييده بتلك الأفراد، والثانية باعتبار تقييده بالفرد المعهود. قاله مولانا شيخ الإسلام(٣). وجوَّزوا أن يكون الفعل معطوفاً على ما قبله باعتبار المعنى، كأنه قيل: داولتُ بينكم الأيام لأنَّ هذه عادتنا، وليعلم إلخ. وقيل: إنَّ الفعل المعلَّل به محذوفٌ، ويقدَّرُ مؤخّراً، والتقدير: وليعلم الله الذين آمنوا، فَعَلَ ذلك. ومنهم مَن زعم زيادةَ الواو، وهو من ضيق المجال. (١) البحر المحيط ٦٣/٣، والدر المصون ٤٠٦/٣. (٢) في الأصل و(م): للدلالة، والمثبت من تفسير أبي السعود ٨٩/٢، والكلام منه. (٣) تفسير أبي السعود ٢/ ٩٠. ٠ سُورَةُ العَزَانَ ١٤ الآية : ١٤٠ والكلام من باب التمثيل، أي: ليعاملكم معاملةَ مَن يريد أن يعلم المخلصين الثابتين على الإيمان من غيرهم، أو العلمُ (١) فيه مجازٌ عن التمييز، من باب إطلاق اسم السبب على المسبَّب، أي: ليميز الثابتين على الإيمان من غيرهم. وحَمْلُ العلم على التمييز في حال التمثيل تطويلٌ من غير طائل، واختار غير واحد حملَ العلم على التعلُّق التنجيزي المترتِّب عليه الجزاء. وقد تقدم بعض الكلام على ذلك في ((البقرة)). وبالجملة لا يَرِدُ لزومُ حدوثِ العلم الذي هو صفةٌ قائمةٌ بذاته تعالى. وإطلاق الإيمان مع أنَّ المراد هو الرسوخ والإخلاص فيه؛ للإشعار بأنَّ اسمَ الإيمان لا ينطلق على غيره. وزعم بعضُهم أنَّ التقدير: ليعلم اللهُ المؤمنَ من المنافق، إلا أنه استغنى بذكر أحدهما عن الآخر. ولا حاجة إليه، ومثله: القول بحذف المضاف، أي: صَبْرَ الذين. والالتفاتُ إلى الغيبة بإسناده إلى الاسم الجليل؛ لتربية المهابة والإشعارِ بأنَّ صدور كلٍّ واحدٍ مما ذُكر بصَدَدِ التعليل من أفعاله تعالى باعتبار منشأ معيَّنٍ من صفاته التي استجمعها هذا الاسم الأعظم، مغايرٍ لمنشأ الآخر. ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءٌ﴾ جمع شهيد وهو قتيل المعركة، وأراد بهم شهداء أُحد، كما قاله الحسن وقتادة وابن إسحاق. و((من)) ابتدائية أو تبعيضية متعلِّقة بـ ((يتخذ) أو بمحذوفٍ وقع حالاً من «شهداء)). وقيل: جمع شاهد، أي: ويتخذ منكم شهوداً معدّلين بما ظهر من الثبات على الحق، والصبرِ على الشدائد، وغير ذلك من شواهد الصدق، وليشهدوا على الأمم يوم القيامة، و((مِن)) على هذا بيانيةٌ؛ لأنَّ تلك الشهادةَ وظيفةُ الكلِّ كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٣]. ويؤيِّد الأولَ ما أخرجه ابن أبي حاتم (٢) عن عكرمة قال: لمَّا أبطأ على النساء الخبرُ خرجْنَ يستخبرنَ، فإذا رجلان مقتولان على دابة، أو على بعير، فقالت امرأةٌ من الأنصار: مَن هذان؟ قالوا: فلانٌ وفلانٌ، أخوها وزوجها، أو زوجها وابنها، (١) في (م): والعلم، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٨٩/٢، والكلام منه. (٢) في تفسيره ٣/ ٧٧٤. الآية : ١٤١ ١٥ سُورَةُ الْ عَنْرَانَ فقالت: ما فَعَلَ رسول الله بَّهِ؟ قالوا: حيٍّ. قالت: فلا أبالي، يتّخذ الله تعالى من عباده الشهداء. ونزل القرآن على ما قالت ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءُ﴾ . وكنى بالاتخاذ عن الإكرام؛ لأنَّ مَن اتّخذ شيئاً لنفسه فقد اختاره وارتضاه. فالمعنى: ليُكْرِم أناساً منكم بالشهادة. ﴿وَلَّهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ (٢٥)﴾ أي: يبغضهم، والمراد من ((الظالمين)): إما المنافقون كابن أبيٍّ وأتباعِه الذين فارقوا جيش الإسلام، على ما نقلناه فيما قبلُ، فهُم في مقابلة المؤمنين فيما تقدم، المفسَّرِ بالثابتين على الإيمان الراسخين فيه، الذين تُوافِقُ ظواهرُهم بواطنَهم، وإما بمعنى الكافرين المجاهرين بالكفر. وأيّاً ما كان، فالجملة معترضةٌ لتقرير مضمون ما قبلها، وفيها تنبيهٌ على أنه تعالى لا ينصر الكافر على الحقيقة، وإنما يُغلِّبه أحياناً استدراجاً له وابتلاءً للمؤمن، وأيضاً لو كانت النصرة دائماً للمؤمنين لكان الناس يدخلون في الإيمان على سبيل اليمن والفأل، والمقصود غير ذلك. ﴿وَلِيُمَحِّصَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: ليُطهّرهم من الذنوب ويُصفِّيَهم من السيئات. وأصل التمحيص كما قال الخليل: تخليصُ الشيء من كلِّ عيب. يقال: مَحَصْتُ الذهبَ: إذا أَزَلْتَ خبثه. والجملة معطوفةٌ على ((يَتَّخذ))، وتكريرُ اللام للاعتناء بهذه العلة، ولذلك أَظهرَ الاسمَ الجليل في موضع الإضمار، أو لتذكير التعليل؛ لوقوع الفصل بينهما بالاعتراض. وهذه الأمور الثلاثة - كما قال مولانا شيخ الإسلام(١) - عِلَلٌ للمداولة المعهودة باعتبار كونها على المؤمنين، قُدِّمت في الذكر لأنها المحتاجة إلى البيان، ولعل تأخير العلة الأخيرة عن الاعتراض لئلّا يُتوقَّم اندارجُ المذنبين في الظالمين، أو لتقترن بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ ﴾﴾ لِمَا بينهما من المناسبة، حيثُ إنَّ في كلِّ من التمحيص والمَحْقِ إزالةً، إلا أنَّ في الأول إزالةُ الآثار وإزاحةٌ الأوضار (٢)، وفي الثاني إزالةُ العين وإهلاكُ النفس. (١) هو أبو السعود في تفسيره ٢/ ٩١. (٢) الوَضَر: وسخُ الدَّسم واللبن، أو غُسالة السِّقاء والقصعة ونحوهما. القاموس المحيط (وضر). سُورَةُ الْعَنْرَان ١٦ الآية : ١٤٢ وأصل المحق: تنقيصُ الشيء قليلاً قليلاً، ومنه المحاق(١). والمعنى: ويهلك الكافرين، ولا يُبقي منهم أحداً ينفخ النار. وهذا علةٌ للمداولة باعتبار كونها عليهم. والمراد منهم هنا طائفةٌ مخصوصةٌ، وهم الذين حاربوا رسول الله وَ ل﴿ يوم أحد، وأَصرُّوا على الكفر، فإنَّ الله تعالى مَحَقَهم جميعاً . وقيل: يجوز أن يكون هذا علةً للمداولة باعتبار كونها على المؤمنين أيضاً، فإنَّ الكفار إذا غَلبوا أحياناً اغترُوا، وأوقعهم الشيطان في أوحال الأمل، ووسوسَ لهم فبقُوا مصرِّين على الكفر، فأهلكهم الله تعالى بذنوبهم وخلَّدهم في النار. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ خطابٌ للمنهزمين يومَ أحد، وهو كلامٌ مستأنَفٌ لبيان ما هي الغاية القصوى من المداولة، والنتيجةُ لِمَا ذُكر من العلل الثلاث الأُوَل، و((أم)) منقطعةٌ مقدَّرة بـ ((بل)) وهمزة الاستفهام الإنكاري، وكونُها متَّصلة وعديلُها مقدَّرٌ، تكلُّفٌ، والإضرابِ(٢) عن التسلية ببيان العلل فيما لقوا من الشدة إلى تحقيق أنها من مبادي الفوز بالمطلب الأسنى والمقام الأعلى. والمعنى: بل لا ينبغي منكم أن تظنُّوا أنكم تدخلون الجنة، وتفوزون بنعيمها وما أعَدَّ الله تعالى لعباده فيها ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ﴾ حالٌ من ضمير ((تدخلوا)) مؤكّدةٌ للإنكار، فإنَّ رجاء الأجر من غير عملٍ ممن يَعلم أنه منوطٌ به مُسْتَبْعَدٌ عند العقول، ولهذا قيل: تَرْجُو النجاةَ ولم تَسْلُكْ مَسَالِكَها إِنَّ السفينةَ لا تَجْرِي على اليَبَسِ (٣) وورد عن شهر بن حوشب: طَلَبُ الجنة من غير عمل ذنبٌ من الذنوب، وانتظارُ الشفاعة بلا سببٍ نوعٌ من الغرور، وارتجاءُ الرحمة ممن لا يُطاع حمقٌ وجهالة. (١) المحاق: آخر الشهر، أو ثلاث ليال من آخره، أو أن يستسرَّ القمرُ فلا يُرى غُدوةً ولا عشيةٌ، سُمِّي بذلك لأنه طلع مع الشمس فمحقته. القاموس المحيط (محق). (٢) قولهُ: والإضراب، معطوف على قوله: لبيان ما هي ... (٣) البيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه ص ١٩٤، وهو في الشعر المنسوب للإمام علي ظه ص٥٧ . الآية : ١٤٢ ١٧ سُورَةُ الْ عَشْرَانَ ونفيُ العلم باعتبار تعلُّقه التنجيزيِّ كما مرَّ في الإثبات على رأي. ويجوز أن يكون الكلام كنايةً عن نفي تحقّق ذلك؛ لأنَّ نفي العلم من لوازم نفي التحقُّق؛ إذ التحقُّق ملزومُ علم الله تعالى، ونفيُ اللازم لازمُ نفي الملزوم، وكثيراً ما يقال: ما علم الله تعالى في فلانٍ خيراً، ويراد: ما فيه خيرٌ حتى يعلمه. وهل يجري ذلك في نفي عِلْمِنا أم لا؟ فيه تردُّد، والذي قطع به صاحب ((الانتصاف)) الثاني(١). وإيثارُ الكناية على التصريح للمبالغة في تحقيق المعنى المراد، وهو عدمُ تحقّق الجهاد الذي هو سببٌ للفوز الأعظم منهم، لِمَا أنَّ الكلام عليها كدَغْوَى الشيء بيِّنة، وفي ذلك رمزٌ أيضاً إلى ترك الرياء، وأنَّ المقصود علم الله تعالى لا الناس، وإنما وُجِّه النفيُ إلى الموصوفين مع أنَّ المنفيَّ هو الوصف الذي هو الجهاد؛ للمبالغة في بيان انتفاء ذلك وعدم تحقُّقه أصلاً، وكيف تُحَقَّقُ صفةٌ بدون موصوف؟ وفي اختيار (لمّا)) على (لم)) إشارةٌ إلى أنَّ الجهاد متوقَّعٌ منهم فَيما يُستقبل، بناءً على ما يُفهَم من كلام سيبويه، أنَّ (لمّا)) تدلُّ على توقّع الفعل المنفيِّ بها. وقد ذكر الزَجَّاج (٢) أنه إذا قيل: قد فعل فلانٌ، فجوابه: لمَّا يفعل، وإذا قيل: فعل، فجوابه: لم يفعل، فإذا قيل: لقد فعل، فجوابه: ما فعل؛ كأنه قال: والله لقد فعل. فقال المجيب: والله ما فعل، وإذا قيل: هو يفعل، يريد ما يستقبل، فجوابه: لا يفعل، وإذا قيل: سيفعل، فجوابه: لن يفعل. فقول أبي حيان: إنَّ القول بأنَّ ((لمَّا)) تدلُّ على توقُّع الفعل المنفيِّ بها فيما يستقبل، لا أعلم أحداً من النحويين ذكره(٣) = غير معتدٍّ به، نعم هذا التوقُّع هنا غيرُ معتَبر في تأكيد الإنكار. وقرئ: ((يعلمَ)) بفتح الميم(٤)، على أنَّ أصلَه: يعلَمَنْ، بنونٍ خفيفة، فحذفت (١) الانتصاف ٤٦٦/١ -٤٦٧. (٢) في معاني القرآن له ١/ ٤٧٢-٤٧٣، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣/ ٦٧. (٣) البحر المحيط ٦٦/٣. (٤) هي قراءة يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي. المحرر الوجيز ٥١٥/١. سُوْدَةُ الَ ◌ّعْرَانَ ١٨ الآية : ١٤٢ في الدَّرْج، وقد أجازوا حَذْفَهَا إما بشرطِ ملاقاةٍ ساكنٍ بعدها أو مطلقاً، ومن ذلك قولهُ : إذا قلتُ قَدْني قال بالله حَلْفَةً لَتُغنِيَ عنِّي ذا إنائِكَ أَجمعا(١) على رواية فتح اللام. وقيل: إنَّ فتح الميم لإتباع اللام، ليبقى تفخيم اسم الله عزَّ اسمه. و((منكم)) حالٌ من ((الذين)) و((مِن)) فيه للتبعيض، فيُؤْذِنُ بأنَّ الجهاد فرضُ كفاية. ١٤٢ نصب بإضمار ((أنْ))، وقيل: بـ ((واو)) الصرف(٢)، ﴿وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ والكلام على طرز: لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبن، أي: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة والحالُ أنه لم يتحقَّق منكم الجهاد والصبر، أي: الجمع بينهما، وإيثارُ ((الصابرين)) على الذين صبروا؛ للإيذان بأنَّ المعتَبر هو الاستمرارُ على الصبر، وللمحافظة على رؤوس الآي. وقيل: الفعل مجزومٌ بالعطف على المجزوم قبله، وحُرِّك لالتقاء الساكنين بالفتحة؛ للخِفَّة والإتباع، ويؤيد ذلك قراءة الحسن: ((ويعلم الصابرين) بكسر الميم(٣). وقرىء: ((ويعلمُ)) بالرفع(٤) على أنَّ الواو للاستئناف أو للحالُ بتقدير: وهو يعلم، وصاحبُ الحال الموصولُ؛ كأنه قيل: ولمَّا تجاهدوا وأنتم صابرون. (١) البيت لحريث بن عنَّاب الطائي، وهو في مجالس ثعلب ص ٥٣٨، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ٥٥٩/٢، وشرح المفصل لابن يعيش ٨/٣، والخزانة ٤٣٤/١١. وقوله: لَتُغنِيَ، روي أيضاً بكسر اللام، وفيه رواية أخرى وهي: لَتُغْنِنَّ، ولا شاهد فيه على هاتين الروايتين. ومعنى البيت: أن الضيف يقول للمضيف: قدني، أي: حسبي ما أكلت أو شربت، فيقول له المضيف: لَتغنينَّ عني جميع ما في الإناء ولا ترده، يصف رجلاً مضيافاً. والعرب تقول: أغن وجهك عني، أي: اجعله بحيث يكون غنيًّا عني لا يحتاج إلى رؤيتي. قاله ابن یعیش. (٢) يعني أنه كان من حقِّ هذا الفعل أن يعرب بإعراب ما قبله، فلما جاءت الواو صرفته إلى وجهٍ آخر من الإعراب، وهذا مذهب الكوفيين، والنصب بأن المضمرة هو مذهب البصريين. الدر المصون ٤١١/٣. (٣) القراءات الشاذة ص ٢٢. (٤) المصدر السابق. الآية : ١٤٣ ١٩ سُورَةُ العَقْرَانَ ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ﴾ خطابٌ لطائفةٍ من المؤمنين لم يشهدوا غزوة بدر، لعدم ظنِّهم الحربَ حين خرج رسول الله وَلَه إليها، فلما وقع ما وقع ندموا، فكانوا يقولون: ليتنا نُقتل كما قُتل أصحاب بدر، ونُسْتَشْهَدُ كما استُشْهِدوا. فلمَّا أَشهدهم الله تعالى أحداً لم يلبث إلا مَن شاء الله تعالى منهم(١) . فالمراد بالموت هنا: الموتُ في سبيل الله تعالى، وهي الشهادة، ولا بأس بتمنِّيها، ولا يَرِدُ أنَّ في تمنِّي ذلك تمنِّي غلبةِ الكفار؛ لأنَّ قَصْدَ المتمنِّ الوصولُ إلى نيل كرامة الشهداء لا غير، ولا يذهب إلى ذلك وهمُّهُ، كما أنَّ مَنْ يشرب دواءً النصرانيّ مثلاً يقصد(٢) الشفاءَ لا نَفْعَه ولا ترويجَ صناعته، وقد وقع هذا التمنِّي من عبد الله بن رواحة من كبار الصحابة، ولم يُنكّر عليه(٣). ويجوز أن يُراد بالموت الحربُ، فإنها من أسبابه، وبه يُشعر كلام الربيع وقتادة، فحينئذ المتمَّى الحربُ لا الموت. ﴿مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ﴾ متعلِّقٌ بـ ((تمنَّون)) مبيِّنٌ لسبب إقدامهم على التمنِّي، أي: من قبل أن تشاهدوا وتعرفوا هَوْله، وقرئ بضم اللام على حذف المضاف إليه ونیةٍ معناه(٤)، و((أن تلقوه)) حينئذ بدلٌ من ((الموت)) بدلَ اشتمال، أي: كنتم تَمنَّون الموت أن تلقوه من قبل ذلك. وقرئ: ((تلاقوه))(٥) من المفاعلة التي تكون بين اثنين، وما لَقِيَك فقد لقيتَه، ويجوز أن يكون من باب: سافَرت. (١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٧٧٦ بنحوه عن ابن عباس، والطبري في تفسيره ٦/ ٩٣-٩٤ بنحوه عن مجاهد. (٢) في الأصل: بقصد. (٣) أخرجه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٣٧٣/٢، وأبو نعيم في الحلية ١١٩/١ عن عروة بن الزبير، أنه لما تجهز الناس وتهيؤوا للخروج إلى مؤتة قال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة أبياتاً أولها : لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربةً ذات فَرْغ تقذف الزبدا (٤) أي: ((من قبلُ)) وهي قراءة مجاهد. القراءات الشاذة ص ٢٢. (٥) القراءات الشاذة ص ٢٢، والمحتسب ١٦٧/١ . سُورَةُ الْ عَنْرَانَ ٢٠ الآية : ١٤٤ والضمير عائد إلى الموت. وقيل: إلى العدو المفهوم من الكلام، وليس بشيء. ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ أي: ما تمتَيْتُموه من الموت بمشاهدة أسبابِه، أو أسبابَه، والفاء فصيحةٌ، كأنه قيل: إن كنتم صادقين في تمنِّيكم ذلك فقد رأيتموه، وإيثار الرؤية على الملاقاة؛ إما للإشارة إلى انهزامهم، أو للمبالغة في مشاهدتهم له؛ كتقييد ذلك بقوله سبحانه: ﴿وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ ﴾ لأنه في موضع الحال من ضمير المخاطَبين، أي: رأيتموه معاينين له. وهذا على حدٍّ قولك: رأيتُهُ وليس في عيني عِلَّة، أي: رأيته رؤيةً حقيقيةً لا خفاء فيها ولا شبهة. وقيل: ((تنظرون)) بمعنى: تتأمَّلون وتتفكرون، أي: وأنتم تتأملون الحال كيف هي. وقيل: معناه: وأنتم تنظرون إلى محمد بَله. وعلى كل حال فالمقصود من هذا الكلام عتابُ المنهزمين على تمنِيهم الشهادة، وهم لم يَثْبُتوا حتى يُسْتَشْهَدوا، أَو على تمنِيهم الحرب وتسبُِّهم لها، ثم جُبْنِهم وانهزامهم، لا على تمنّي الشهادة نفسها؛ لأنَّ ذلك مما لا عتاب عليه كما وُهِم. ﴿وَمَا تُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلْ﴾ روي أنه لمَّا التقى الفئتان يوم أحد وحميت الحرب، قال رسول الله وَله: ((مَن يأخذُ هذا السيف بحقِّه، ويضرب به العدو حتى ينحني))؟ فأخذه أبو دجانة سماك بن خَرَشة الأنصاري، ثم تعمَّم بعمامة حمراء وجعل يتبختر ويقول: ونحن بالسَّفْح لدى النخيل أنا الذي عاهدني خليلي أضربْ بسيف الله والرسول أن لا أقومَ الدهرَ في الكَيُّول فقال رسول الله وَله: ((إنها لَمَشيةٌ يبغضُها الله تعالى ورسولُه إلَّا في هذا الموضع)) فجَعَل لا يَلْقَى أحداً إلا قتله(١). وقاتل عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قتالاً شديداً حتى التوى سيفُه، وأنزل الله تعالى (١) الخبر ذكره ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٦٦/٢-٦٩، وأصله في مسند أحمد (١٢٢٣٥) وصحيح مسلم (٢٤٧٠) من حديث أنس . قوله: الكيُّول بالتشديد والتخفيف: آخر الصفوف في الحرب. الإملاء المختصر ١٠٥/٢ وقال ابن هشام: ویروی: في الگبول: وهي القیود.