النص المفهرس
صفحات 381-400
الآية : ١٠٩ ٣٨١ سُورَةُ آلِ ◌ّعْرَانَ ﴾ بأن يُحمِّلهم(١) من العقاب ما لا يستحقُّونه ﴿وَمَا اَللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ عدلاً، أو ينقصهم من الثواب عمَّا استحقُّوه فضلاً. والجملة مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلها على أتمٍّ وجه، حيث نَكَّر (ظلماً)) ووجَّهَ النفي إلى إرادته بصيغة المضارع المفيد - بمعونة المقام - دوامَ الانتفاء، وعَلَّق الحكم بآحاد الجمع المعرَّف، والتفتَ إلى الاسم الجليل. والظلم: وضعُ الشيء في غير موضعه اللائق به، أو تركُ الواجب، وهو مستحيل(٢) عليه تعالى، للأدلة القائمة على ذلك، ونفيُ الشيء لا يقتضي إمكانَه، فقد يُنُفى المستحيلُ كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِّدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣]. وقيل: الظاهر أنَّ المراد أنَّ الله لا يريد ما هو ظُلمٌ من العباد فيما بينهم، لا أنَّ(٣) كلَّ ما يفعل ليس ظلماً منه؛ لأنَّ المقام مقامُ بيانٍ أنه لا يُضيع أجر المحسنين، ولا يهمل الكافر ويجازيه بكفره، ولو كان المراد أنَّ كلَّ ما يفعل لیس ظلماً، لا يستفاد هذا. وفيه ما لا يخفى. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ﴾ أي: له سبحانه وحده ما فيهما من المخلوقات مُلكاً وخَلقاً وتصرُّفاً. والتعبير: بـ ((ما)) للتغليب، أو للإيذان بأنَّ العقلاء(٤) بالنسبة إلى عظمته كغيرهم. ﴿وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ ﴾﴾ أي أمورُهم، فيجازي كلَّا بما تقتضيه الحكمة من الثواب والعقاب، وتقديم الجارِّ للحصر، أي: إلى حكم الله تعالى وقضائه، لا إلى غيره شِرْكةً أو استقلالاً. والجملةُ مقرِّرةٌ لمضمون ما ورد في جزاء الفريقين، وقيل : معطوفةٌ على ما قبلها مقرِّرةٌ لمضمونه، والإظهار في مقام الإضمار لتربية المهابة. وقرأ يحيى بن وثاب: (تَرجِع)) بفتح التاء وكسر الجيم في جميع القرآن(٥). (١) في (م): يحلهم. (٢) في (م): يستحيل. (٣) في الأصل: أنه. (٤) في (م): غير العقلاء، والمثبت من الأصل، وهو الصواب. (٥) وهي قراءة متواترة، فقد قرأ بها في جميع القرآن أيضاً ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب. النشر ٢٠٨/٢ - ٢٠٩. سُورَةُ العَقْرَانَ ٣٨٢ الآية : ١١٠ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ كلامٌ مستأنفٌ سِيق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق والدعوة إلى الخير، کذا قيل. وقيل: هو من تتمَّة الخطاب الأول في قوله سبحانه: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ،﴾ [آل عمران: ١٤٢] وتوالتْ بعد هذا خطاباتُ المؤمنين من أوامر ونواهٍ، واستطرد بين ذلك مَن يَبْيَضُّ وجهه ومَن يَسْوةُ، وشيءٌ من أحوالهم في الآخرة، ثم عاد إلى الخطاب الأول تحريضاً على الانقياد والطواعية. و ((كان)) ناقصة، ولا دلالة لها في الأصل على غير الوجود في الماضي، من غير دلالة على انقطاع أو دوام، وقد تستعمل للأزلية كما في صفاته تعالى نحو: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] وقد تستعمل للزوم الشيء وعدم انفكاكه نحو: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] وذهب بعض النحاة إلى أنها تدلُّ بحسب الوضع على الانقطاع، كغيرها من الأفعال الناقصة، والمصحَّح هو الأول، وعليه لا تُشعر الآيةُ بكون المخاطبين ليسوا خيرَ أمة الآن. وقيل: المراد: كنتم في علم الله تعالى، أو في اللوح المحفوظ، أو فيما بين الأمم - أي: في علمهم - كذلك. وقال الحسن: معناه: أنتم خير أمة. واعتُرض بأنه يستدعي زيادة ((كان)) وهي لا تزاد في أول الجملة . ﴿أُخْرِجَتْ﴾ أي: أُظهرت، وحُذف الفاعل للعلم به ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلُّقٌ بما عنده، وقيل: بـ ((خير أمة))، وجملة ((أخرجت)) صفةٌ لـ((أمة)) وقيل: لـ ((خير))، والأول أولى. والخطاب قيل: لأصحاب رسول الله وَّله خاصةً، وإليه ذهب الضحاك. وقيل: للمهاجرين من بينهم، وهو أحدُ خبرين عن ابن عباس(١)، وفي آخرَ أنه عامّ لأمة محمد ◌َّلة، ويؤيِّده ما أخرجه الإمام أحمد بسند حسنٍ عن أبي الحسن كرَّم الله تعالى وجهه قال: قال رسول الله وَله: ((أُعطيتُ ما لم يُعْطّ أحدٌ من الأنبياء: نُصِرْتُ بالرُّعب، وأُعطِيْتُ مفاتيحَ الأرض، وسُمِّيتُ أحمد، وجُعل التراب لي طهوراً، وجُعلت أمَّتي خيرَ الأُمم))(٢). (١) أخرجه أحمد (٢٤٦٣). (٢) مسند أحمد (٧٦٣). الآية : ١١٠ ٣٨٣ سُورَةُ الْغَيْرَانَ وأخرج ابن أبي حاتم(١) عن أبي جعفر ﴿به، أنَّ الآية في أهل بيت النبيِّ وَّل ـ وأخرج ابن جرير عن عكرمة: أنها نزلت في ابن مسعود وعمار بن ياسر وسالم مولى أبي حذيفة وأبيٍّ بن كعب ومعاذ بن جبل(٢). والظاهر أنَّ الخطاب وإن كان خاصًّا بمَنْ شاهدَ الوحي من المؤمنين، أو ببعضهم، لكنَّ حُكْمَهُ يصلح أن يكون عامَّاً للكلِّ، كما يشير إليه قول عمر رقُّه فيما حكاه قتادة: يا أيها الناس: مَنْ سرَّه أن يكون من تِلْكُم الأمة، فليؤدِّ شَرطَ الله تعالى منها(٣). وأشار بذلك إلى قوله سبحانه: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ فإنه وإن كان استئنافاً مبيِّناً لكونهم خيرَ أمة، أو صفةً ثانية لـ ((أمة)) على ما قيل، إلا أنه يُفْهِم الشرطية. والمتبادِرُ من المعروف الطاعاتُ، ومن المنكر المعاصي التي أنكرها الشرع، وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس في الآية أنَّ المعنى: تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويُقِرُّوا بما أنزل الله تعالى، وتقاتلونهم عليه، ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف، وتنهونهم عن المنكر، والمنكر هو التكذيب، وهو أَنكر المنكر (٤). وكأنه رُهُ حَمَلَ المطلَقَ على الفرد الكامل، وإلا فلا قرينة على هذا التخصيص. ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِلّهِ﴾ أُريد بالإيمان به سبحانه الإيمانُ بجميع ما يجب الإيمان به؛ لأنَّ الإيمان إنما يُعتدُّ به ويَستأهِلُ أن يقال له إيمان، إذا آمن بالله تعالى على الحقيقة، وحقيقة الإيمان بالله تعالى أن يستوعب جميعَ ما يجب الإيمان به فلو أَخَلَّ بشيء منه، لم يكن من الإيمان بالله تعالى في شيء، والمقام يقتضيه لكونه تعريضاً بأهل الكتاب، وأنهم لا يؤمنون بجميع ما يجب الإيمان به، كما يشعر بذلك التعقيب بنفي الإيمان عنهم مع العلم بأنهم مؤمنون في الجملة، وأيضاً المقامُ مقامُ مدحٍ للمؤمنين بكونهم ((خير أمة أخرجت للناس)). (١) في تفسيره ٧٣٣/٣. (٢) تفسير الطبري ٥/ ٦٧٢، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٦٣/٢. (٣) أخرجه الطبري ٦٧٢/٥ - ٦٧٣، وقتادة لم يسمع من عمر. (٤) الدر المنثور ٢/ ٦٤، وأخرجه أيضاً الطبري في تفسيره ٦٧٦/٥. سُورَةُ الْ عُقْرَانَ ٣٨٤ الآية : ١١٠ وهذه الجملة معطوفةٌ على ما قبلها المعلِّل للخَيْرية، فلو لم يُرِدِ الإيمانَ بجميع ما يجب الإيمان به لم يكن مدحاً، فلا يصلح للتعليل، والعطفُ يقتضيه. وإنما أُخِّر الإيمان عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع تقدُّمه عليهما وجوداً ورتبة كما هو الظاهر؛ لأنَّ الإيمان مشتركٌ بين جميع الأمم، دون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهما أَظْهَرُ في الدلالة على الخيرية. ويجوز أن يقال: قدَّمهما عليه للاهتمام، وكونٍ سَوق الكلام لأجلهما، وأما ذكره فكالتَّتَيم(١). ويجوز أيضاً أن يكون ذلك للتنبيه، على أنَّ جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدين أَظْهَرُ مما اشتمل عليه الإيمان بالله تعالى؛ لأنه من وظيفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ولو قيل: قُدِّما، وأُخِّر للاهتمام، وليرتبط بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ اُلْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ لم يَبْعُد، أي: لو آمنوا إيماناً كما ينبغي لكان ذلك الإيمان خيراً لهم مما هم عليه من الرياسة: في الدنيا لدفع القتل والذل عنهم، والآخرةِ لدفع العذاب المقيم. وقيل: لو آمن أهل الكتاب بمحمد ◌ّيّل لكان خيراً لهم من الإيمان بموسى وعيسى فقط عليهما السلام. وقيل: المفضَّلُ عليه ما هم فيه من الكفر، فالخيرية إنما هي باعتبار زَعْمِهم، وفيه ضربُ تھگم بهم. وهذه الجملة معطوفةٌ على ((كنتم خير أمة)) مرتبطةٌ بها على معنى: ولو آمن أهل الكتاب كما آمنتُم، وأَمَروا بالمعروف كما أَمَرْتُم، ونَهَوا عن المنكر كما نَهيتُم، لكان خيراً لهم. ﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ كعبد الله بن سلام، وأخيه، وثعلبة بن سعية(٢). (١) هو أن يؤتَى في كلام لا يوهِمُ غير المراد بفضِلةٍ تفيد نكتة. الإتقان ٨٧١/٢. (٢) في (م): شعبة، وهو تصحيف، وينظر الإصابة ٤٨/١. الآية : ١١١ ٣٨٥ سُورَةُ الِ غْرَانَ ﴿وَأَكْتَرُهُمُ اُلْفَسِقُونَ ﴾ أي: الخارجون عن طاعة الله تعالى، وعَبَّر عن الكفر بالفسق؛ إيذاناً بأنهم خرجوا عما أوجبه كتابهم، وقيل: للإشارة إلى أنهم في الكفار بمنزلة الكفار في العصاة؛ لخروجهم إلى الحال الفاحشة التي هي منهم أشنع وأفظع. ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّ أَذْىّ﴾ استثناءٌ منَّصل؛ لأنَّ الأذى بمعنى الضرر اليسير كما يشهد به مواقع الاستعمال، فكأنه قيل: لن يضرُّوكم ضرراً ما إلا ضرراً يسيراً. وقيل: إنه منقطعٌ؛ لأنَّ الأذى ليس بضررٍ. وفيه نظر. والآية كما قال مقاتل: نزلت لمَّا عَمَدَ رؤساء اليهود مثل كعب وأبي رافع وأبي ياسر وكنانة وابن صوريا إلى مؤمنيهم؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه، فآذوهم لإسلامهم(١). وكان إيذاءً قوليًّا على ما يُفهمه كلام قتادة وغيرِه، وكان ذلك الافتراءَ على الله تعالى، كما قاله الحسن. ﴿وَإِن يُقَتِلُوكُمْ يُوَلُوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ أي: ينهزموا من غير أن يظفروا منكم بشيء، وتوليةُ الأدبار كناية عن الانهزام معروفٌ. ﴿ثُمَّ لَا يُصَرُونَ ﴾ عطفٌ على جملة الشرط والجزاء، و((ثم)) للترتيب والتراخي الإخباري، أي: لا يكن لهم نصرٌ من أحد، ثم عاقِبَتُهُم العجزُ والخذلان إن قاتلوكم أو لم يقاتلوكم. وفيه تثبيتٌ للمؤمنين على أتمِّ وجه. وقرىء: ((ثم لا ينصرو))(٢) والجملة حينئذٍ معطوفةٌ على جزاء الشرط، و(ثم)) للتراخي في الرتبة بين الخبرين، لا في الزمان؛ لمقارنته. وجوَّز بعضُهم كونَها للتراخي في الزمان على القراءتين بناءً على اعتباره بين المعطوف عليه وآخِر(٣) أجزاء المعطوف، وقراءةُ الرفع أبلغُ لخلوِّها عن القيد. وفي هذه الآية دلالةٌ واضحةٌ على نبوّة نبيِّنا وله لكونها(٤) من الإخبار بالغيب (١) أسباب النزول للواحدي ص١١٤ . (٢) تفسير البيضاوي ٣٧/٢. (٣) قوله: آخر، ليس في الأصل. (٤) في (م): ولكونها . سُورَةُ الْعَنْرَانَ ٣٨٦ الآية : ١١٢ الذي وافقه الواقع؛ لأنَّ يهود بني قينقاع وبني قريظة والنضير ويهود خيبر حاربوا المسلمين ولم يثبتوا، ولم ينالوا شيئاً منهم، ولم تَخْفُقْ لهم بعد ذلك رايةٌ، ولم يستقم لهم(١) أمر، ولم ينهضوا بجناح. ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ أي: ذلةُ هَدْرِ النفس والمال والأهل، وقيل: ذلَّةُ التمسُّك بالباطل وإعطاء الجزية. قال الحسن: أَذَلَّهم الله تعالى فلا مَنَعة لهم، وجعلهم تحت أقدام المسلمين. وهذا من ضَرْبِ الخيام والقباب كما قاله أبو مسلم، قيل: ففيه استعارةٌ مكنيةٌ تخييليةٌ، وقد يُشبَّه إحاطةُ الذلَّة واشتمالُها عليهم بذلك على وجه الاستعارة التبعية . وقيل: هو من قولهم: ضَرَبَ فلانٌ الضريبة على عبده، أي: ألزمها إياه، فالمعنى: أُلزموا الذِّلَّة وثبتت فيهم، فلا خلاصَ لهم منها. ﴿أَيْنَ مَا تُقِفُواْ﴾ أي: وُجدوا، وقيل: أُخذوا وُفر بهم، و((أينما)) شرط، و((ما)) زائدة، و ((ثُقفوا)) في موضع جزم، وجوابُ الشرط محذوفٌ يدلُّ عليه ما قبله، أو هو بنفسه على رأي. ﴿إِلَّا بِحَّلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ استثناءٌ مُفرٌَّ من أَعمِّ الأحوال، والمعنى على النفي، أي: لا يَسْلَمون من الذلة في حالٍ من الأحوال، إلا في حالٍ أن يكونوا مُعْتَصِمين بذمة الله تعالى، أو كتابِه الذي آتاهم وذمةِ المسلمين، فإنهم بذلك يَسْلَمون من القتل والأسر وسبي الذراري واستئصال الأموال. وقيل: أي: إلا في حالٍ أن يكونوا متلبِّسين بالإسلام واتِّباع سبيل المؤمنين، فإنهم حينئذٍ يرتفع عنهم ذلُّ التمسُّك والإعطاء. ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِنَ اَللَّهِ﴾ أي: رجعوا به، وهو كنايةٌ عن استحقاقهم له واستيجابهم إياه، من قولهم: باء فلانٌ بفلان، إذا صار حقيقاً أن يُقتل به، فالمراد: صاروا أَحِقَّاء بغضبه سبحانه، والتنوين للتفخيم، والوصفُ مؤكِّدٌ لذلك. ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ فهم في الغالب مساكين، وقلَّما يوجد يهوديٌّ يُظْهِرُ الغنى. (١) قوله: لهم. ساقط من ((م)). الآية : ١١٢ ٣٨٧ سُورَةُ الِ غَيْرَانَ ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكور من المذكورات ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ﴾ الدالَّةِ على نبوَّة محمد بَّهد . ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ﴾ أصلاً، ونسبةُ القتل إليهم مع أنه فِعْلُ أسلافهم على نحو ما مرَّ غير مرَّة. ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ (١٧)﴾ إشارةٌ إلى كُفْرهم وَقَتْلهم الأنبياءَ عليهم السلام على ما يقتضيه القُرْبُ، فلا تكرار. وقيل: معناه أنَّ ضَرْبَ الذلة وما يليه، كما هو معلَّلٌ بكُفْرهم وقَتْلهم، فهو معلَّلٌ بعصيانهم واعتدائهم، والتعبير بصيغة الماضي والمضارع لِمَا مرَّ. ثم إنَّ جملة ((منهم المؤمنون) وكذا جملة (لن يضروكم)) وما عُطف عليها، واردتان على سبيل الاستطراد، ولذا لم يُعطفا على الجملة الشرطية قبلهما، وإنما لم يُعطف الاستطرادُ الثاني على الأول؛ لتباعُدِهما وكونِ كلٍّ منهما نوعاً من الكلام. وقال بعض المحقّقين: إنَّ هاتين الجملتين مع ما بعدهما مرتبطً بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ ءَامَنَ﴾ مبيِّنٌ له، فقوله سبحانه: ﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ اُلْفَسِقُونَ﴾ مبيِّنٌ لذلك باعتبار أنَّ المفروضَ إيمانُ الجميع، وإلا فبعضُهم مؤمنون؛ رَفْعاً لسوء الظنِّ بالبعض، وقوله عزَّ شأنه: ﴿لَنْ يَضُّوكُمْ﴾ بيانٌ لما هو خيرٌ لهم، وهو أنهم لعدم إيمانهم مُبْتَلَوَن بمشقّة التدبير الإضراركم، وبالحُزن على الخيبة وتدبير الغلبة عليكم بالمقابلة والغلبة لكم، وفي طلب الرياسة بمخالفتكم، وضَرَبَ الله تعالى عليهم الذلة لتلك المخالفة، وفي طلب المال بأخذ الرشوة بتحريف كتابهم وضَرَبَ الله عليهم المسكنة، ولو آمنوا لنجوا من جميع ذلك. انتھی. ولا يخفى أنَّ هذا - على تقديرِ قبوله وتَحمُّل بُعْدِه - لا يأبى القولَ بالاستطراد؛ لأنه: أنْ يُذكر في أثناء الكلام ما يناسبه وليس السياق له، وإنما يأبى الاعتراضَ ولا نقول به فتأمل. سُورَةُ العُمْمَانَ ٣٨٨ التفسير الإشاري (٩٢-١١٢) هذا، ومن باب الإشارة: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ﴾ الذي هو القُرْبُ من الله تعالى ﴿حَتَّ تُنفِقُواْ مِنَا تُحِبُّونَ﴾ أي: بعضه، والإشارة به إلى النفس، فإنها إذا أنفقت في سبيل الله زال الحجاب الأعظم، وهان إنفاق كلِّ بعدها ﴿وَمَا نُفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِه عليمٌ﴾ فينبغي تحرِّي ما يرضيه. ويحكى عن بعضهم أنه قال: المنفقون على أقسام: فمنهم مَن ينفق على ملاحظة الجزاء والعِوَض ومنهم مَن ينفق على مراقبة رفع البلاء والمحن. ومنهم مَن ينفق اكتفاءً بعلمه. ولله تعالی درُّ مَنْ قال: ويهتزُّ للمعروف في طلب العُلا لِتُذْكَرَ يوماً عند سلمى شمائلُه(١) ﴿كُلُّ الطّعَامِ كَانَ عِلَّ ◌ِبَنِىَ إِسْرَّهِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَِّيلُ عَلَى نَفْسِهِ،﴾ قيل: فائدةُ الإخبار بذلك، تعليمُ أهل المحبة أن يتركوا ما حُبِّب إليهم من الأطعمة الشهية واللذائذ الدنيوية، رغبةً فيما عند الله تعالى. ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ﴾ وهو الكعبة التي هي من أعظم المظاهر له تعالى، حتى قالوا: إنها المحمديين كالشجرة لموسى عليه السلام ﴿مُبَارَكًا﴾ بما كساه من أنوار ذاته ﴿وَهُدَّى﴾ بما (٢) كساه من أنوار صفاته ﴿لِّلْعَلَمِينَ﴾ على حَسَب استعدادهم. ﴿فِيهِ ءَايَتُ بَيْنَكٌ مَّقَامُ إِزَهِيمٌ﴾ المشتملُ على الرضا والتسليم والانبساط واليقين، أو المكاشفة(٣) والمشاهَدَة والخلَّة والفُتَوَّة، أو المعرفة والتوحيد والفناء والبقاء والسُّكْر والصَّحو، أو جميع ذلك ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ من غوائل نفسه؛ لأنه مقام التمکین. وتطبيق ذلك على ما في الأنفُسِ، أنَّ البيت إشارةٌ إلى القلب الحقيقي، ويُحمل ما ورد أنَّ البيت أول ما ظهر على وجه الماء عند خَلْقِ السماء والأرض، وخُلِقَ قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدةً بيضاء على وجه الماء فدُحيت الأرضُ تحته (١) البيت للأحوص الأنصاري وهو في ديوانه ص ٢٢٣. وفيه: لِتُحمد بدل: لتذكر. (٢) في الأصل: لما. (٣) في (م): والمكاشفة. التفسير الإشاري (٩٢-١١٢) ٣٨٩ سُوَّةُ الِ غَنْرَانَ على ذلك، وظهورُهُ على الماء حينئذٍ تعلُّقه بالنطفة عند خَلْقِ سماء الروح الحيوان(١) وأرض البدن، وخَلْقُهُ قبل الأرض إشارةٌ إلى قِدَمه وحدوث البدن، وتقييدُ ذلك بألفي عام إشارةٌ إلى تقدُّمه على البدن بطورين؛ طَوْر النفس وطَوْر القلب، تقدُّماً بالرتبة؛ إذ الألف رتبةٌ تامةٌ، وكونهُ زبدةً بيضاء إشارةٌ إلى صفاء جوهره، ودَحْوُ الأرض تحته إشارةٌ إلى تكوُّن البدن من تأثيره وكون أشكاله وصور أعضائه تابعة لهیئاته . ولا يخفى أنَّ محلّ تعلَّق الروح بالبدن واتصال القلب الحقيقي به أولاً هو القلب الصنوبري، وهو أول ما يتكوَّن من الأعضاء، وأولُ عضوٍ يتحرَّك، وآخرُ عضوٍ يسكن، فيكون ﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَّكَّةَ﴾ للصدر صورة. أو أول متعبَّد وُضع لهم للقلب الحقيقي الذي هو ببكة الصدر المعنوي الذي هو أشرفُ مقام في النفس وموضعُ ازدحام القوى إليه(٢). ومعنى كونه مباركاً: أنه ذو بركةٍ إلهيةٍ بسبب فيض الخير عليه، وكونه هدى أنه يُهتدى به إلى الله تعالى، والآيات التي فيه هي العلوم والمعارف والحِكَم والحقائق. و﴿مَّقَامُ إِزَهِيمٌ﴾ إشارةٌ إلى العقل الذي هو مقام قَدَم إبراهيم الروح، يعني: محل اتصال نوره من القلب، ولا شكَّ أنَّ مَنْ دَخَلَ ذلك ﴿كَانَ ءَامِنًا﴾ من إغواء سِعالَى(٣) المتخيلة، وعفاريت أحاديث النفس، واختطاف شياطين الوهم وجنٍّ الخيالات، واغتيال سِباع القوى النفسانية وصفاتها . ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وهم أهل معرفته عزَّ شأنه، وأما الجاهلون به فلا قاموا ولا قعدوا. يحكى عن بعضهم أنه قال: قلت للشّبلي: إني حجَجْتُ. فقال: كيف فعلتَ؟ فقلت: اغتسلتُ وأَحرمْتُ وصلَّيْتُ ركعتين ولَّيت. فقال لي: عَقَدْتَ به الحج؟ فقلت: نعم. قال: فَسَخْتَ بعقدك كلَّ عقدٍ عقدتَ (١) كذا في الأصل و(م)، وفي تفسير ابن عربي ١٣٧/١ (والكلام منه): الحيواني. (٢) في تفسير ابن عربي: المتوجهة إليه. (٣) السِّعالَى: جمع سعلاة وسعلاء وهي الغول أو ساحرة الجن. القاموس المحيط (سعل). ووقع في (م): أعداء سعالى، والمثبت من الأصل وتفسير ابن عربي. سُورَةُ الَّعمران ٣٩٠ التفسير الإشاري (٩٢ -١١٢) منذ خُلقت، مما يضادُّ هذا العقد؟ قلت: لا. قال: فما عَقَدْتَ. ثم قال: نزعتَ ثيابك؟ قلت: نعم. قال: تجرَّدتَ عن كلِّ فِعْلٍ فَعَلْتَ؟ قلت: لا. قال: ما نزعت. فقال: تَطَّرْتَ؟ قلت(١): نعم. قال: أَزَلْتَ عنك كلَّ عِلَّة؟ فقلت: لا. قال: فما تطهّرت. قال: لَبَّيت؟ قلت: نعم. قال: وَجَدتَ جواب التلبية مِثْلاً بمثل؟ قلت: لا. قال: ما لَبَّيت. قال: دخلتَ الحرم؟ قلت: نعم. قال: اعتقدتَ بدخولك تَرْك كلِّ محرَّم؟ قلت: لا. قال: ما دخلت. قال: أَشْرَفْتَ على مكة؟ قلت: نعم. قال: أشرفَ عليك حالٌ من الله تعالى؟ قلت: لا. قال: ما أشرفت. قال: دخلتَ المسجد الحرام؟ قلت: نعم. قال: دخلت الحضرة؟ قلت: لا. قال: ما دخلت المسجد الحرام. قال: رأيت الكعبة؟ قلت: نعم. قال: رأيتَ ما قصدتَ له؟ قلت: لا. قال: ما رأيتَ الكعبة. قال: رَمَلْتَ وسعيت؟ قلت: نعم. قال: هربتَ من الدنيا ووجدت أمناً مما هربت؟ قلت: لا. قال: ما فعلت شيئاً. قال: صافحتَ الحجر؟ قلت: نعم. قال: مَن صافح الحجر فقد صافح الحقَّ، ومَن صافح الحقَّ ظهر عليه أثرُ الأمن، أَفَظَهَرَ عليك ذلك؟ قلت: لا. قال: ما صافحت. قال: أصلَّيت ركعيتن بعدُ؟ قلت: نعم. قال: أَوَجَدْتَ نفسَك بين يدي الله تعالى؟ قلت: لا. قال: ما صلَّيت. قال: خرجت إلى الصفا؟ قلت: نعم. قال: أكَبَّرت؟ قلت: نعم. فقال: أصفا (١) في (م): قال. التفسير الإشاري (٩٢-١١٢) ٣٩١ سُورَةُ العمران سِرُّك وصَغُّرت في عينك الأكوان؟ قلت: لا. قال: ما خرجتَ ولا كَبَّرتَ. قال هَرْوَلْتَ في سعيك؟ قلت: نعم. قال: هربتَ منه إليه؟ قلت لا. قال: ما هرولت. قال: وقفتَ على المروة؟ قلت: نعم. قال: رأيتَ نزول السكينة عليك وأنت عليها؟ قلت: لا. قال: ما وقفتَ على المروة. قال: خرجتَ إلى مِنى. قلت: نعم. قال: أُعطيت ما تمَّيت؟ قلت: لا. قال: ما خرجت. قال: دخلتَ مسجد الخيف؟ قلت: نعم. قال: تجدَّد لك خوف؟ قلت: لا. قال: ما دخلت. قال: مضيت إلى عرفات؟ قلت: نعم. قال: عرفت الحال الذي خُلقت له، والحالَ الذي تصيرُ إليه؟ وهل عرفتَ مِن ربِّك ما كنت منكراً له؟ وهل تعرَّف الحقُّ إليك بشيء؟ قلت: لا. قال: ما مَضَيْتَ. قال: نفرتَ إلى المشعر الحرام؟ قلت: نعم. قال: ذكرتَ الله تعالى فيه ذكراً أنساك ذِكْرَ ما سواه؟ قلت: لا. قال: ما نَفَرْت. قال: ذبحت؟ قلت: نعم. قال: أَفنيتَ شهواتك وإرادتك في رضاء الحق؟ قلت: لا. قال: ما ذبحت. قال: رميت؟ قلت: نعم. قال: رميتَ جهلك منك بزيادة علم ظهر عليك؟ قلت: لا. قال: ما رميت. قال: زُرْتَ؟ قلت: نعم. قال: كُوشِفْتَ عن الحقائق؟ قلت: لا. قال: ما زرت. قال: أَحْلَلْتَ؟ قلت: نعم. قال: عزمتَ على الأكل من الحلال قَدْرَ ما تحفظ به نفسك؟ قلت: لا. قال: ما أَحْلَلْتَ. قال: ودَّعت؟ قلت: نعم. قال: خرجت من نفسك وروحك بالكلِّية؟ قلت: لا. قال: ما ودَّعت ولا حَجَجْتَ، وعليك العَوْدُ إن أحببت، وإذا حججت فاجتهد أن تكونَ کما وصفتُ لك. انتھی. سُورَةُ العَمْرَانَ ٣٩٢ التفسير الإشاري (٩٢-١١٢) فهذا الذي ذكره الشِّبليُّ هو الحجُّ الذي يستأهل أن يقال له حجّ، ولله تعالى عبادٌ أَهَّلهمْ لذلك، وأَقْدَرَهم على السلوك في هاتيك المسالك، فحجُّهم في الحقيقة منه إليه، وله فيه، فمطافُهم حظائرُ القربة على بساط الحشمة، وموقفُهم عرفةُ العرفان على ساق الخدمة، ليس لهم غرضٌ في الجدران والأحجار، وهيهات هيهات، ما غَرَضُ المجنون من الديار إلا الديار، ومَنْ كَفَرَ وأَعْرَضَ عن المولى بهوى النفس فإنَّ الله غنيٌّ عن العالمين، فهو سبحانه غنيٌّ عنه، لا يلتفت إليه. ﴿قُلْ يَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ﴾ الدالّة على توحيده ﴿وَلَّهُ شَهِيدُ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ إذ هو أقرب من حبل الوريد. ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بالإنكار على المؤمنين ﴿مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا ◌ِوَجًا﴾ بإيراد الشُّبَه الباطلة ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ عالمون بأنها حقٌّ لا اعوجاج فيها ﴿وَمَا اَللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فیجازیکم به. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ الإيمان الحقيقيَّ ﴿إِن تُطِيعُواْ فَرِيِّقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ﴾ خوفاً من إنكارهم ما أنتم عليه من الحقيقة والطريق الموصل إليه سبحانه ﴿يُرُدُوكُمْ بَعْدَ إِيَتِكُمْ﴾ الراسخ فيكم ﴿كَفِرِينَ﴾ لأنَّ إنكار الحقيقة كفرٌ كإنكار الشريعة . ﴿وَمَنْ يَعْنَصِمِ بِلَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْنَقِيمٍ﴾ أي: مَن يعتصم به منه فقد اهتدى إليه به، قال الواسطيُّ: ومَن زعم أنه يعتصم به من غيره، فقد جهل عظمة الربوبية. وحقيقةُ الاعتصام عند بعضهم: انجذابُ القلب عن الأسباب التي هي الأصنام المعنوية، والتبرِّي إلى الله تعالى من الحَوْل والقوة. وقيل: الاعتصام للمحبِين هو اللجأ بطَرْح السِّوى، ولأهل الحقائق رفع الاعتصام لمشاهدتهم أنهم في القبضة. ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ بصَوْنِ العهود، وحِفْظِ الحدود، والخمودِ تحت جريان القضاء بنعت الرضا. وقيل: حقُّ التقوى عدم رؤية التقوى. ﴿وَلَا تَمُثُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: لا تموتن إلا على حالِ إسلام الوجود له، أي: ليكن موتكم هو الفناء في التوحيد. ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ وهو عهده الذي أخذه على العباد يوم ﴿أَلَسْتُ التفسير الإشاري (٩٢ - ١١٢) ٣٩٣ سُورَةُ آلعمران [الأعراف: ١٧٢] ﴿وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ باختلاف الأهواء ﴿ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ بِرَبَّكُمْ﴾ عَلَيْكُمْ﴾ بالهداية إلى معالم التوحيد المفيد للمحبة في القلوب ﴿إِذْ كُنُمْ أَعْدَاءُ﴾ الاحتجابكم بالحُجُب النفسانية والغواشي الطبيعية ﴿فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ بالتَّحابِّ في الله تعالى لتنوُّرها(١) بنوره ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ=﴾ عليكم ﴿إِخْوَنًا﴾ في الدين. ﴿وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ وهي مهوى الطبيعة الفاسقة، وجهنم الحرمان ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهًا﴾ بالتواصل الحقيقي بينكم إلى سدرة مقام الروح، وروحٍ جنة الذات. ﴿وَلْتَكُنْ مِّنكُمْ أُمَّةٌ﴾ كالعلماء العارفين أرباب الاستقامة في الدين ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ أي: يُرشدون الناس إلى الكمال المطلق من معرفة الحقِّ تعالى والوصول إليه ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ المقرِّب إلى الله تعالى ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ المبعِد عنه تعالى ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الذين لم يبقَ لهم حجابٌ، وهم خلفاء الله تعالى في أرضه. ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَذِينَ تَفَرَّقُواْ﴾ واتَّبعوا الأهواء والفتن(٢) والبدع ﴿وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ◌َهُمُ الْبَيِنَةُ﴾ الحججُ العقليةُ والشرعيةُ الموجبةُ للاتحاد واتفاقِ الكلمة ﴿وَأُوْلَكَ لَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عذاب الحرمان من الحضرة. ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوَةٌ﴾ قالوا: ابيضاضُ الوجه عبارةٌ عن تنوُّر وجه القلب بنور الحق المتوجِّه إليه، والإعراض عن الجهة السفلية النفسانية المظلمة، ولا يكون ذلك إلا بالتوحيد، واسودادُهُ ظلمةُ وجه القلب بالإقبال على النفس الطالبة لحظوظها، والإعراض عن الجهة العلوية النورانية. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ فيقال لهم ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ أي: احتجبتم عن الحق بصفات النفس ﴿بَعْدَ إِيمَنِكُمْ﴾ أي تنوُّرِكم (٣) بنور الاستعداد وصفاء الفطرة وهداية العقل ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ وهو عذاب الاحتجاب عن الحق ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ به . ﴿وَمَّا الَّذِينَ أَبْيَّضَتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اَللَّهِ﴾ الخاصة التي هي شهودُ الجمال فِهَا خَالِدُونَ﴾ باقون بعد الفناء. (١) في تفسير ابن عربي: لتتنور. (٢) قوله: والفتن، ليس في (م). (٣) في الأصل: تنور قلوبكم، والمثبت من (م) وتفسير ابن عربي. سُورَةُ الْعَنْران ٣٩٤ الآية : ١١٣ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ من مكامن الأزل ﴿لِلنَّاسِ﴾ أي: لنَفْعِهم ﴿تَأْمُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الموصِل إلى مقام التوحيد ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ وهو القول بتحقُّق الكثرة على الحقيقة. ﴿وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ﴾ كإيمانكم ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَمْ﴾ مما هم عليه. ﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ كإيمانكم ﴿وَأَكْثَرُهُمُ اُلْفَاسِقُونَ﴾ الخارجون عن حرم الحق. ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذَىّ﴾ وهو الإنكارُ عليكم بالقول ﴿وَإِن يُقَتِلُوكُمْ﴾ ولم يكتفوا بذلك الإيذاء ﴿يُوَلُوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ ولا ينالون منكم شيئاً لقوة بَوَاطِنِكِم وضَعْفِهم ﴿ِثُمَّ لَا يُصَرُونَ﴾ لا ينصرهم أحدٌ أصلاً، بل يبقون مخذولين لعدم ظهور أنوار الحق عليهم، والله تعالى الموفق. ﴿لَيْسُواْ سَآءٌ﴾ أخرج ابن إسحاق والطبرانيُّ والبيهقيُّ وغيرهم عن ابن عباس قال: لمَّا أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية وأَسِيد بن سعية(١) وأسد (٢) بن عبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدَّقوا ورغبوا في الإسلام، قالت أحبار يهود وأهلُ الكفر منهم: ما آمن بمحمدٍ وتَبِعَهُ إلا أشرارنا، ولو كانوا مِن خِیارِنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره. فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿لَيْسُواْ سَآءٌ﴾ إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَِّحِينَ﴾(٣). والجملة - على ما قاله مولانا شيخ الإسلام - تمهيدٌ لِتَعْدادِ مَحاسِن مؤمني أهل الكتاب، وضميرُ الجمع لأهل الكتاب جميعاً، لا للفاسقين خاصة، وهو اسمُ (ليس) و((سواءً)) خبرُه، وإنما أُفْرِدَ لكونه في الأصل مصدراً، والوقف هنا تامٌّ على (١) في (م): شعبة، في الموضعين وهو تصحيف، وقد ترجمه الحافظ ابن حجر في الإصابة ٤٨/١ باسم: أسد بن سَعْية، ثم ترجمه ٧٤/١ باسم: أَسيد بن سَعْية وقال: حكى ابن ماكولا [الإكمال ٥٣/١] الخلاف فيه، هل هو بالفتح أو بالضم؟ وصحح أنه بالفتح تبعاً للدار قطني [المؤتلف والمختلف ١٣٨٥/٣] وقد اختلف في ذلك عن ابن إسحاق. واختلف أيضاً في اسم أبيه فقيل: سعنة. وقيل بالياء التحتانية. وانظر الاستيعاب ١٨١/١-١٨٢، وتوضیح المشتبه ٣٣٤/٥. (٢) في (م): أسيد، والمثبت من الأصل والإصابة ٤٨/١ ومصادر التخريج على ما يأتي. (٣) سيرة ابن هشام ٥٥٧/١، والمعجم الكبير (١٣٨٨)، ودلائل النبوة للبيهقي ٥٣٣/٢ - ٥٣٤، وأخرجه أيضاً الطبري ٦٩١/٥. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٢٧/٦: رجاله ثقات. الآية : ١١٣ ٣٩٥ سُورَةُ آلِ عَبْرَانَ الصحيح، والمراد بنفي المساواة نفيُ المشاركة في أصل الاتِّصاف بالقبائح، لا نفيُّ المساواة في الاتِّصاف بمراتبها مع تحقَّقِ المشاركة في أصل الاتِّصاف(١). ومثله كثيرٌ في الكلام. ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّهُ قَبِمَةٌ﴾ استئنافٌ مبيِّنٌ لكيفية عدم التساوي، ومزيلٌ لما فيه من الإبهام، وقال أبو عبيدة: إنه مع الأول كلامٌ واحد، وجَعَل ((أمةٌ)) اسمَ ((ليس)) والخبر ((سواء)) فهو على حدّ: أكلوني البراغيث(٢). وقيل: ((أمة)) مرفوع بـ ((سواء)). وضَعْفُ كلا القولين ظاهر(٣) . ووَضَع ((أهل الكتاب)) موضعَ الضمير زيادةً في تشريفهم والاعتناء بهم. و ((القائمة)) مِن قام اللازِمِ بمعنى: استقام، أي: أمةٌ مستقيمةٌ على طاعة الله تعالى، ثابتةٌ على أمره، لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيَّعوه، وحُكي عن ابن عباس وغيره. وزعم الزَّجَّاج أنَّ الكلامَ على حذف مضاف، والتقدير: ذو أمة قائمة، أي: ذو طريقة مستقيمة (٤). وفيه أنه عدولٌ عن الظاهر من غير دليل. والمراد من هذه الأمة: مَنْ تقدَّم في سبب النزول، وجَعَلَ بعضُهم أهل الكتاب عامًّا لليهود والنصارى، وعَدَّ من الأمة المذكورة نحوَ النجاشيِّ وأصحابه ممن أسلم من النصارى. ﴿يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ صفةٌ لـ ((أمة)) بعد وصفها بـ ((قائمة))، وجُوِّز أن تكون حالاً من الضمير في ((قائمة)) أو من الأمة؛ لأنها قد وُصفت، أو من الضمير في الجارِّ الواقع خبراً عنها . والمراد: يقرؤون القرآن ﴿ءَانَّءَ الَيَّلِ﴾ أي: ساعاته، وواحده أَنّى بوزن عصا (٥)، (١) تفسير أبي السعود ٢/ ٧٢ - ٧٣. (٢) الكلام بنحوه في مجاز القرآن ١/ ١٠١. (٣) ينظر القولان والرد عليهما في إعراب القرآن للنحاس ٤٠١/١، وقد ذكر النحاس القول الثاني عن الفراء. (٤) معاني القرآن للزجاج ٤٥٨/١ . (٥) في (م): كعصا، بدل: بوزن عصا. سُورَةُ الْعِنْرَانَ ٣٩٦ الآية : ١١٣ وقيل: إنّى كمِعَى، وقيل: أَنْيّ بفتح فسكون، أو كسرٍ فسكون، وحكى الأخفش(١): إِنْوٌ كجِرو؛ فالهمزة منقلبةٌ عن ياء أو واو. وهو متعلقٌ بـ ((يتلون)) أَو بـ ((قائمة))، ومنع أبو البقاء تعلُّقه بالثاني بناءً على أنه قد وُصف، فلا يعمل فيما بعد الصفة(٢). حالٌ من ضمير ((يتلون)) على ما هو الظاهر، والمراد: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ وهم يصلُّون؛ إذ من المعلوم أنْ لا قراءةً في السجود، وكذا الركوع، بل وقع النهيُ عنها فيهما كما في الخبر(٣). والمراد بصلاتهم هذه: التهجّد، على ما ذهب إليه البعض، وعُلِّل بأنه أَدْخَلُ في المدح، وفيه تتيسَّر لهم التلاوة؛ لأنها في المكتوبة وظيفة الإمام، واعتبار حالهم عند الصلاة على الانفراد يأباه مقام المدح، وهو الأنسب بالعدول عن إيرادها باسم الجنس المُتبادر منه الصلوات المكتوبة، وبالتعبير عن وقتها بالآناء المبهمة، وإنما لم يعبِّر على هذا بالتهجُّد؛ دفعاً لاحتمال المعنى اللغويِّ الذي لا مَذْح فیه. والذي عليه بعض السلف أنها صلاة العتمة، واستدلَّ عليه بما أخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن جرير والطبرانيُّ بسند حسن، واللفظ للأخيرين، عن ابن مسعود ◌ّ به قال: أخّر رسول الله وَّوَ ليلةً صلاةَ العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: ((أمَا إنَّه لا يصلِّي هذه الصلاةَ أحدٌ من أهل الكتاب)) قال: وأنزلت هذه الآية ﴿لَيْسُواْ سَوَاءٌ﴾ حتى بلغ ﴿وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾(٤). وعليه تكون الجملة معطوفةً على جملة ((يَتْلُون)). وقيل: مستأنفةٌ، ويكون المدح لهم بذلك لتميُّزهم واختصاصهم بتلك الصلاة الجليلة الشأن، التي لم يتشرَّف بأدائها أهل الكتاب كما نطق به الحديث، بل (١) في معاني القرآن ١/ ٤١٨. (٢) إملاء ما منَّ به الرحمن ٢/ ١١١ . (٣) أخرجه أحمد (١٩٠٠)، ومسلم (٤٧٩) من حديث ابن عباس ﴿ًا، وفيه: ((ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً ... )). (٤) مسند أحمد (٣٧٦٠)، وسنن النسائي الكبرى (١١٠٠٧)، وتفسير الطبري ٥/ ٦٩٧، والمعجم الكبير للطبراني (١٠٢٠٩)، أو لفظ أحمد والنسائي: ((أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله الساعة غيركم)). الآية : ١١٤ ٣٩٧ سُورَةُ الْ عُقْرَانَ ولا سائر الأمم، فقد روى الطبرانيُّ بسند حسن أيضاً عن المنكدر أنه قال: خرج رسول الله ﴿ ﴿ ذات ليلة، وأنه أخَّر صلاة العشاء حتى ذهب من الليل هُنَيهَةٌ أو ساعة، والناس ينتظرون في المسجد فقال: ((أما إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها)) ثم قال: ((أمَا إنَّها صلاةٌ لم يُصَلِّها أحدٌ مِمَّن كان قبلكم من الأمم)) (١). ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في تقديم هذا الحكم على الحكم بالإيمان. ولا يَرِدُ عليه أنَّ التلاوة لا تتيسَّر لهم إلا بصلاتهم منفردين، ولا تملُّحَ في الإنفراد مع أنه خلافُ الواقع من حال القوم على ما يشير إليه الخبران؛ لأنه لم تُقْيَّد التلاوة فيه بالصلاة، وإنما يلزم التقييد لو كانت الجملة حالاً من الضمير كما سبق، ولیس فلیس. والتعبير عن الصلاة بالسجود؛ لأنه أدلُّ على كمال الخضوع، وهو سِرُّ التعبير به عنها في قوله وَ﴿ لمن طلب أن يدعو له بأن يكون رفيقه في الجنة لفَرْطِ حبِّه له، وخوفٍ حيلولة الفراق يوم القيامة: ((أَعِنِّي بكثرة السجود)»(٢) وكذا في كثير من المواضع. وقيل: المراد بها الصلاة ما بين المغرب والعشاء الآخرة، وهي المسماة بصلاة الغفلة. وقيل: المراد بالسجود سجودُ التلاوة. وقيل: الخضوع كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٥]. واختيرت الجملة الاسمية للدلالة على الاستمرار، وكَرَّر الإسنادَ تقويةً للحكم وتأكيداً له، واختيار صيغة المضارع للدلالة على التجدُّد. ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾ صفةٌ أخرى لـ ((أمة))، وجُوِّز أن تكون حالاً على طرز ما قبلها، وإن شئت - كما قال أبو البقاء(٣) - استأنفتها. (١) المعجم الكبير ٢٠/ (٨٤٦)، والمعجم الأوسط (٧٤٦٧)، والمنكدر هو ابن عبد الله بن الهُدير التميمي. الإصابة ٩/ ٢٩٢. (٢) أخرجه مسلم (٤٨٩)، وأبو داود (١٣٢٠) من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي ظُه. (٣) في إملاء ما منَّ به الرحمن ٢/ ١١٢ . سُورَةُ العَمْرَانَ ٣٩٨ الآية : ١١٤ والمراد بهذا الإيمانِ: الإيمانُ بجميع ما يجب الإيمان به على الوجه المقبول، وخصَّ الله تعالى اليوم الآخر بالذكر؛ إظهاراً لمخالفتهم لسائر اليهود فيما عسى أن يتوهّم متوهّمٌ مشاركتَهم لهم فيه؛ لأنهم يدَّعون أيضاً الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، لكنْ لمَّا كان ذلك مع قولهم: ﴿عُزَيْرُّ أَبْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وكفرهم ببعض الكتب والرسل، ووَصْفِهم اليومَ الآخِرَ بخلافٍ ما نطقت به الشريعة المصطفوية، جُعل هو والعدم سواء. ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ إشارةٌ إلى وُفور نصيبهم من فضيلة تكميل الغير، إثر الإشارة إلى وفوره من فضيلة تكميل النفس، وفيه تعريضٌ بالمداهنين الصادِّين عن سبيل الله تعالی. ﴿وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ﴾ أي يبادرون إلى فعل الخيرات والطاعات خوفَ الفَوَات بالموت مثلاً، أو يعملون الأعمال الصالحة راغبين فيها غيرَ متثاقلين؛ لِعِلمهم بجلالة موقعها وحُسْنٍ عاقبتها، وهذه صفةٌ جامعةٌ لفنون الفضائل والفواضل، وفي ذكرها تعريضٌ بتباطؤ اليهود وتثاقُلِهم عن ذلك. وأصل المسارعة: المبادرةُ. وتستعمل بمعنى الرغبة، واختيارُ صيغة المفاعلة للمبالغة، قيل: ولم يعبِّر بالعجلة للفرق بينها وبين السرعة، فإنَّ السرعةَ: التقدُّمُ فيما يجوز أن يُتقدَّم فيه، وهي محمودةٌ، وضدُّها الإبطاء وهو مذمومٌ. والعجلة: التقدُّم فيما لا ينبغي أن يتقدَّم فيه، وهي مذمومة، وضدُّها الأناة، وهي محمودة. وإيثارُ (في)) على (إلى)) وكثيراً ما تتعدّى المسارعة بها؛ للإيذان كما قال شيخ الإسلام: بأنهم مستقرُّون في أصل الخير، متقلِّبون في فنونه، لا أنهم خارجون مُنْتَهون إليها (١). وصيغةُ جمع القلّة هنا تُغني عن جمع الكثرة كما لا يخفى. ﴿وَأُوْلَّبِكَ﴾ أي: الموصوفون بتلك الصفات الجليلةِ الشأنِ، بسبب انِّصافهم بها - كما يشعر به العدول عن الضمير - ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ أي: من عداد الذين صلحت عند الله تعالى حالُهم، وهذا ردٌّ لقول اليهود: ما آمن به إلا شرارُنا. وقد ذهب الجُلُّ إلى أنَّ في الآية استغناءٌ بذكر أحد الفريقين عن الآخر، على (١) تفسير أبي السعود ٧٤/٢. الآية : ١١٥- ١١٦ ٣٩٩ سُورَةُ العَتْرَانَ عادة العرب من الاكتفاء بذكر أحد الضِّدَّين عن الآخر، والمراد: ومنهم مَن ليسوا کذلك. ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: طاعةٍ متعدِّيةٍ أو ساريةٍ ﴿فَلَنْ تُكْفَرُوهُ﴾(١) أي: لن تُحْرَموا ثوابَه البتّة. وأصل الكفر: الستر، ولتفسيره بما ذكرنا تعدَّى إلى مفعولين، والخطاب قيل: لهذه الأمة، وهو مرتبطٌ بقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ وجميع ما بينهما استطراد، وقيل: لأولئك الموصوفين بالصفات المذكورة، وفيه التفات، ونكتتُه الخاصة هنا الإشارةُ إلى أنهم لاتِّصافهم بهذه المزايا أهلٌ لِأنْ يُخاطبوا. وقرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر بالياء في الفعلين(٢)، والباقون بالتاء فيهما غيرَ أبي عمرو؛ فإنه روي عنه أنه كان يخيِّر بهما(٣). وعلى قراءة الغيبة يجوز أن يُراد من الضمير ما أُريدَ من نظائره فيما قبل، ويكون الكلام حينئذ على وتيرة واحدة، ويحتمل أن يعود للأمة ويكون العدول إلى الغيبة مراعاةً للأمة، كما روعيت أولاً في التعبير بـ ((أُخْرِجَتْ)) دون أُخْرِجْتُم، وهذه طريقةٌ مشهورةٌ للعرب في مثل ذلك. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّفِينَ ﴾ أي: بأحوالهم فيجازيهم، وهذا تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله. والمراد بـ ((المتقين)) إما عامٌّ، ويدخل المخاطَبون دخولاً أوَّلِيًّا، وإمّا خاصٌّ بالمتقدِّمين، وفي وضع الظاهر موضع المضمَر إيذانٌ بالعلة، وأنه لا يفوز عنده إلا أهلُ التقوى، وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَاَ أَوْلَدُهُم مِّنَ الَّهِ شَيْئًا﴾ مؤكِّداً لذلك، ولهذا فُصل. والمراد من الموصول: إمَّا سائرُ الكفار، فإنهم فاخَروا بالأموال والأولاد حيث قالوا: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَنْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥] فردَّ الله تعالى عليهم (١) بالتاء في الفعلين، وقرأ حفص وحمزة والكسائي وخلف بالياء فيهما كما سيرد. (٢) التيسير ص ٩٠، والنشر ٢٤١/٢، وهي قراءة حفص وحمزة والكسائي وخلف. (٣) قال مكي في الكشف ٣٥٤/١: والمشهور عن أبي عمرو بالتاء. وقال ابن الجزري في النشر ٢٤١/٢: الوجهان صحيحان ... إلا أن الخطاب أكثر وأشهر، وعليه الجمهور من أهل الأداء. سُورَةُ الِّعْرَانَ ٤٠٠ الآية : ١١٧ بما ترى. وإما بنو قريظة وبنو النضير، حيث كانت معاندتهم(١) بالأموال والأولاد. وروي هذا عن ابن عباس ﴿ًا. وقيل: مشركو قريش. وقيل وقيل، ولعلَّ مَن ادَّعى العموم - وهو الظاهر - قال بدخول المذكورين دخولاً أوَّلياً . والمراد من الإغناء: الدفع، ويقال: أغنى عنه، إذا دفع عنه ضرراً لولاه لنزل به، أي: لن تدفع عنهم يوم القيامة أموالُهم التي عوَّلوا عليها في المُهِمَّات، ولا مَنْ هو أرجى من ذلك وأعظمُ عندهم، وهم أولادهم، من عذاب الله تعالى لهم شيئاً يسيراً منه. وقال بعضهم: المراد بالإغناء: الإجزاء، ويقال: ما يغني عنك هذا، أي: ما يُجْزِئُّ عنك وما ينفعك، و(من)) للبدل أو الابتداء، و((شيئاً) مفعولٌ مطلقٌ، أي: لن يُجزىء عنهم ذلك من عذاب الله تعالى شيئاً من الإجزاء. وعلى التفسير الأول للإغناء، وجَعْلِ هذا معنَى حقيقيًّا له دونه، يقال بالتضمين، وأَمْرُ المفعولية عليه ظاهرٌ لتعدِیه حينئذ. ﴿وَأُوْلَئِكَ﴾ - أي: الموصوفون بالكفر - بسبب كفرهم ﴿أَضْحَبُ النَّارِ﴾ أي: مُلازِموها، وهو معنى الأصحاب عرفاً . ﴿هُمْ فِهَا خَلِدُونَ ﴾ تأكيدٌ لما يراد من الجملة الأولى، واختيارُ الجملة الاسمية للإيذان بالدوام والاستمرار وتقديمُ الظرف محافظةٌ على رؤوس الآي. ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هَذِهِ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ كالدليل لعدم إغناء الأموال، ولعلَّ عدمَ بيان إغناءِ الأولاد ظاهرٌ؛ لأنهم إن كانوا كفاراً - وهو الظاهر - كان حُكْمُهم حُكْمَهم، وإن كانوا مسلمين، كانوا عليهم لا لهم في الدنيا، وبُغْضُهم لهم في الآخرة يومَ تُبْلَى السرائر ويُكْشَفُ عن ساق، وتَبرِّيهم منهم حين يفرُّ المرء من أمه وأبيه، أَظْهَرُ من أن يَخْفَى. و((ما)) موصولةٌ والعائد محذوف، أي: ينفقونه، والإشارة للتحقير، والمراد تمثيلُ جميع صدقات الكفار ونفقاتهم كيف كانت، وهو المرويُّ عن مجاهد. (١) في (م): معالجتهم، والمثبت من الأصل وهو الصواب، وينظر تفسير أبي السعود ٢/ ٧٥، واللباب ٥/ ٤٨٢ .