النص المفهرس
صفحات 341-360
الآية : ٩٧ ٣٤١ سُورَةُ الَ ◌ّعْرَانَ عباس ﴿ّ أنه قال: السبيل أن يصحَّ بدنُ العبد، ويكون له ثمنُ زادٍ وراحلة، من غیر أن یجحف به. واستدلَّ الإمام الشافعيُّ ◌ُه بما أخرجه الدار قطنيّ عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلَتْ هذه الآية ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قام رجل فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: ((الزاد والراحلة))(١). وروي هذا من طرقٍ شتَّى(٢)، وهو ظاهرٌ فيما ذهب إليه الشافعي، حيث قَصَرَ الاستطاعة على المالية دون البدنية، وهو مخالفٌ لما ذهب إليه الإمام مالك مخالفةً ظاهرة. وأما إمامنا فيؤوِّل ما وقع فيه بأنه بيانٌ لبعض شروط الاستطاعة، بدليل أنه لو فَقَدَ أَمْنَ الطريق - مثلاً - لم يجب عليه، والظاهر أنه وَل ◌ّ لم يتعرض لصحّة البدن؛ لظهور الأمر، كيف لا والمفسّر في الحقيقة هو السبيل الموصل لنفس المستطيع إلى البيت، وذا لا يتصوَّر بدون الصحة. وممَّا يؤيِّد أنَّ ما في الحديث بيانٌ لبعض الشروط، أنه ورد في بعض الروايات الاقتصار على واحد مما فيه، فقد أخرج الدارقطنيُّ أيضاً عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنَّ النبي وَّل سئل عن السبيل فقال: ((أن تجد ظهر بعير))(٣) ولم يذكر الزاد. هذا، واستُدلَّ بالآية على أنَّ الاستطاعة قبل الفعل، وفسادِ القول بأنها معه، ووجهُ الاستدلال ظاهر. وأُجيب: بأنَّ الاستطاعة التي ندّعي أنها مع الفعل هي حقيقةُ القدرة التي يكون بها الفعل، وتطلق الاستطاعة على معنى آخر: هو سلامة الأسباب والآلات والجوارح، أي: كون المكلف بحيث سَلِمتْ أسبابه وآلاته وجوارحه، ولا نزاع لنا (١) سنن الدار قطني (٢٤١٣)، وفي إسناده محمد بن عبد الله بن عبيد الليثي، قال الزيلعي في نصب الراية ١٠/٣: تركوه وأجمعوا على ضعفه، وينظر التعليق الذي بعده. (٢). وليس فيها إسناد يحتج به، كما في نصب الراية ٣/ ١٠، وقال الحافظ في التلخيص الحبير ٢٢١/٢: قال عبد الحق: إن طرقه كلها ضعيفة، وقال أبو بكر ابن المنذر: لا يثبت الحديث في ذلك مسنداً، والصحيح من الروايات رواية الحسن المرسلة. اهـ. قلنا: أخرج رواية الحسن المرسلة البيهقي في السنن الكبرى ٣٣٠/٤، وقال: هذا هو المحفوظ: عن قتادة عن الحسن عن النبي ◌َّو مرسلاً . (٣) سنن الدارقطني (٢٤٢٨). سُورَةُ آلِّعْمَانَ ٣٤٢ الآية : ٩٧ في أنَّ هذه الاستطاعة قبل الفعل، وهي مناط صحة التكليف، وما في الآية بهذا المعنى. كذا قالوا. وتحقيق الكلام في هذا المقام على ما قالوا: أنَّ المشهور عن الأشعريِّ أنَّ القدرة مع الفعل بمعنى أنها توجَدُ حال حدوثه، وتتعلق به في هذه الحال، ولا توجد قبله فضلاً عن تعلُّقها به، ووافقه على ذلك كثيرٌ من المعتزلة كالنجار، ومحمد بن عيسى، وابن الراوندي(١)، وأبي عيسى الورَّاق(٢)، وغيرهم. وقال أكثر المعتزلة: القدرة قبل الفعل، وتتعلق به حينئذ، ويستحيل تعلُّقها به قبل حدوثه(٣). ثم اختلفوا في بقاء القدرة؛ فمنهم من قال ببقائها حال وجود الفعل وإن لم تكن القدرة الباقية قدرةً عليه، ومنهم مَن نفاه، ودليلهم على ذلك وجوه: الأول: أنَّ تعلُّق القدرة بالفعل معناه الإيجاد، وإيجاد الموجود محال لأنه تحصيل الحاصل، بل يجب أن يكون الإيجاد قبل الوجود، ولهذا صحَّ أن يقال: أَوْجده فوُجد. وأجيب بأنَّ هذا مبنيٌّ على أنَّ القدرة الحادثة مؤثِّرةٌ، وهو ممنوع، وعلى تقدير تسليمه يقال: إيجادُ الموجود بذلك الوجود الذي هو أثر ذلك الإيجاد جائزٌ، بمعنى أن يكون ذلك الوجود الذي هو به موجودٌ في زمان الإيجاد، مستنداً إلى الموجِد، ومتفرِّعاً على إيجاده، والمستحيل هو إيجاد الموجود بوجود آخر، وتحقيقه أنَّ التأثير مع حصول الأثر بحسب الزمان، وإن كان متقدِّماً عليه بحسب الذات، وهذا التقدُّم هو المصحّح لاستعمال الفاء بينهما . الثاني: إن جاز تعلَّق القدرة حال الحدوث، يلزم القدرة على الباقي حالَ (١) أحمد بن يحيى بن الراوندي الملحد، قال ابن عقيل: عجبي كيف لم يقتل وقد صنف (الدامغ)) يدمغ به القرآن، و(الزمردة)) يزري بها على النبوات، توفي سنة (٣٠١هـ). شذرات الذهب ٤/ ٧. (٢) هو محمد بن هارون، له تصانيف على مذهب المعتزلة، مات سنة (٢٤٧هـ). لسان الميزان ٤١٢/٥. (٣) كذا في الأصل و(م)، والذي في شرح المواقف لعلي بن محمد الجرجاني ٩٣/٦ (والكلام منه): حال حدوثه، وهو الصواب. الآية : ٩٧ ٣٤٣ سُورَةُ العَزَانَ بقائه، والتالي باطل. بيان الملازمة أنَّ المانع من تعلُّق القدرة به(١) ليس إلا كونه متحقِّق الوجود، والحادثُ حال حدوثه متحقِّق الوجود أيضاً. وأجيب: بأنَّا نلتزمه لدوام وجوده بدوام تعلُّق القدرة به، أو نفرِّق(٢) بما تبطل به الملازمة، من احتياج الموجود عن عدمه إلى المقتضي دون الباقي(٣)، فلو لم تتعلَّق القدرة بالأول لبقي على عدمه وقد فُرض وجوده، هذا خُلْفٌ، ولو لم تتعلَّق بالثاني لبقي على الوجود، وهو المطابق للواقع. أو ننقض الدليل؛ أولاً: بتأثير العلم أو العالِمِيّة بالإتقان(٤)، فإنَّ ذلك مشروط حالَ حدوث الفعل دون بقائه. وثانياً: بتأثير الفعل في كون الفاعل فاعلاً، فإنَّ الفعل مؤثِّرٌ في ذلك حالَ الحدوث، وبتقدير كون الفعل باقياً لا يؤثِّر حالَ البقاء. وثالثاً: بمقارنة الإرادة؛ إذ يوجبونها حال الحدوث دون البقاءٍ، فكذا الحال في القدرة. الثالث: أنَّ كون القدرة مع الفعل يوجب حدوث قدرة الله تعالى، أو قِدَم مقدوره، وكلاهما باطلان، بل قدرته أزليّةٌ، وتعلُّقُها في الأزل بمقدوراته، فقد ثبت تعلّقُ القدرة بمقدوراتها قبل الحدوث، ولو كان ممتنعاً في القدرة الحادثة لكان ممتنعاً في القدرة القديمة، ولیس فلیس. وأجيب: بأنَّ القدرة القديمة الباقية مخالفةٌ في الماهية للقدرة الحادثة التي لا يجوز بقاؤها عندنا، فلا يلزم من جواز تقدُّمها على الفعل جوازُ تقدُّم الحادثة عليه، ثم إنَّ القديمة متعلّقةٌ في الأزل بالفعل تعلُّقاً معنويًّاً لا يترتب عليه وجود الفعل، ولها تعلُّقٌ آخرُ به حال حدوثه موجبٌ لوجوده، فلا يلزم من قِدَمها مع تعلُّقها المعنويِّ قِدَمُ آثارها . (١) يعني بالباقي. كما في شرح المواقف. (٢) يعني بين الحادث والباقي كما في شرح المواقف. (٣) في شرح المواقف: احتياج الموجود عن عدم إلى المقتضي لوجوده دون الباقي. (٤) في (م): بالإتفاق، وهو تصحيف، وفي شرح المواقف: بتأثير العلم في الإتقان فإن المؤثر في إتقان الفعل وإحكامه هو العلم أو العالمية عندهم ... سُورَةُ آلِ عُقْرَانَ ٣٤٤ الآية : ٩٧ الرابع: أنه يلزم على ذلك التقدير(١) أن لا يكون الكافر في زمان كفره مكلَّفاً بالإيمان؛ لأنه غير مقدور له في تلك الحالة المتقدِّمة عليه، بل نقول: يلزم أن لا يُتصوَّر عصيانٌ من أحدٍ؛ إذ مع الفعل لا عصيان، وبدونه لا قدرة، فلا تكليف، فلا عصيان، وأيضاً أقوى أعذار المكلّف التي يجب قبولها لدفع المؤاخذة عنه هو كون ما كُلِّف به غيرَ مقدور له، فإذا لم يكن قادراً على الفعل قبله، وجب رفع المؤاخذة عنه بعدم الفعل المكلف به، وهو باطل بإجماع الأمة. وأيضاً لو جاز تكليف الكافر بالإيمان مع كونه غيرَ مقدور له، فليُجَز تكليفُهُ بخَلْق الجواهر والأعراض. وأجيب: بأنه يجوز تكليف المحال عندنا، فيلتزم جواز التكليف بالخلق المذكور، ولنا أن نفرِّق بأنَّ ترك الإيمان إنما هو بقدرته، بخلاف عدم الجواهر والأعراض، فإنه ليس مقدوراً له أصلاً، فلا يلزم من جواز التكليف بالإيمان جواز التكليف بخَلْقها . وبالجملة فكونُ الشيء مقدوراً - الذي هو شرط التكليف عندنا - أن يكون الشيء أو ضدُّه متعلّقاً للقدرة، وهذا حاصلٌ في الإيمان؛ لأنَّ تركه لتلبُّسه بضدِه مقدورٌ له حال كفره، بخلاف إحداث الجواهر والأعراض، فإنه غير مقدور له أصلاً، لا فعلاً ولا تركاً، فلا يجوز التكليف به، وأمّا ما ذُكر من قضية الأعذار ووجوب قبولها، فمبنيٌّ على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وقد أُقيمت الأدلة على بطلانهما في محلّه كذا في ((المواقف)) و((شرحه))(٢). ودليل ما شاع عن الأشعري قيل: هو أنَّ القدرة عَرَضٌ يخلقه الله تعالى في الحيوان، يفعل به الأفعال الاختيارية، فيجب أن تكون مقارنةً للفعل بالزمان، لا سابقةً عليه، وإلا لزم وقوعُ الفعل بلا قدرة، لِمَا بُرْهِنَ عليه من امتناع بقاء الأعراض. واعتُرض عليه بما في أدلة امتناع بقاء الأعراض من النظر القوي، وأنه قد يقال (١) أي: على تقدير كون القدرة على الفعل معه لا قبله. شرح المواقف ٩٦/٦. (٢) المواقف ص ١٥١ - ١٥٢، وشرح المواقف ٩٣/٦ - ٩٨. الآية : ٩٧ ٣٤٥ سُورَةُ آلِ عَتْرَانَ - على تقدير تسليم الامتناع المذكور -: لا نزاع في إمكان تجدُّد الأمثال عقيب الزوال، فمن أين يلزم وقوع الفعل بدون القدرة؟ وأجيب: بأنّا إنما ندّعي لزوم ذلك إذا كانت القدرة التي بها الفعل هي القدرة السابقة، وأما إذا جعلتموها المِثْلَ المتجدِّد المقارن، فقد اعترفتم بأنَّ القدرة التي بها الفعل لا تكون إلا مقارنة، ثم إن ادَّعيتم أنه لابدَّ لها من أمثال تقع حتى لا يمكن الفعل بأول ما يحدث من القدرة، فعليكم البيان. وفيه أنَّ هذا قولٌ بأنَّ نفي وجود المثل السابق ليس داخلاً في دعوى الأشعري، وهو خلافُ ما علم مما تقدم في تقرير مذهبه، وذكر في ((المواقف)) دليلاً آخر للأشعري على ما ادَّعاه ونَظَر فيه أيضاً. هذا كلامهم. والحق عندي في هذه المسألة أنَّ شرط التكليف هو القوة التي تصير مؤثّرة بإذن الله تعالى عند انضمام الإرادة التابعة لإرادة الله تعالى، لقوله سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وإيضاحُه أنه تعالى كما أنه غنيٌّ بالذات عن العالمين، كذلك حكيمٌ جواد، وكما أنَّ غناه الذاتيَّ أن يفعل ما يشاء، ويحكمَ ما يريد، كذلك مقتضى جوده ورحمته مراعاة ما اقتضته حكمته سبحانه، كما أشار إليه العضد في ((عيون الجواهر))، وأطال الكلام فيه أبو عبد الله الدمشقي في ((شفاء العليل))(١). ومن المعلوم أنَّ الحكمة لا تقتضي أن يُؤمر بالفعل مَن لا يَقْدِرُ على الامتثال، ويُنهى عنه مَن لا يقدر على الاجتناب، فلابدَّ بمقتضى الحكمة التي رعاها(٢) سبحانه فيما خَلَق وأمر فضلاً ورحمة، أن يكون التكليف بحسب الوسع، وإذا كان كذلك كان شَرْطُ التكليف هو القوة التي تَصيرُ مؤثِّرةً إذا انضم إليها الإرادة، وهذه قبل الفعل، والقدرةُ التي هي مع الفعل هي القدرة المستَجْمِعةُ لشرائط التأثير التي (٣) (١) هو كتاب: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية. (٢) في الأصل: راعاها. (٣) في الأصل: التي هي. سُورَةُ العَقْرَانَ ٣٤٦ الآية : ٩٧ من جملتها انضمامُ الإرادة إليها، وبهذا جمع الإمام الرازي - كما في المواقف(١) - بين مذهب الأشعريِّ القائل بأنَّ القدرة مع الفعل، والمعتزلةِ القائلين بأنها قبله، وقال: لعلَّ الأشعريَّ أراد بالقدرة القوةَ المستَجْمِعةَ لشرائط التأثير، فلذلك حكم بأنها مع الفعل وأنها لا تتعلَّق بالضِّدَّين، والمعتزلة أرادوا بالقدرة مجرَّدَ القوة العضلية، فلذلك قالوا بوجودها قبل الفعل، وتعلُّقها بالأمور المتضادّة. وهو جمعٌ صحيح، وقولُ السيد قُدِّس سرُّه - في توجيه البحث الذي ذكره صاحبُ ((المواقف» فيه - بأنَّ القدرة الحادثة ليست مؤثرةً عند الشيخ، فكيف يصحُّ أن يقال: إنه أراد بالقدرة القوةً المستجمعةَ لشرائط التأثير؟ مدفوعٌ بما تبيَّن في ((الإبانة))(٢) التي هي آخر مصنفاته، والمعتمدُ من كتبه. كما صرَّح به ابن عساكر(٣) والمجد بن تيمية وغيرهما، أنَّ الشيخ قائلٌ بالتأثير للقدرة المستَجْمِعةِ للشرائط، لكن لا استقلالاً، كما يقوله المعتزلة، بل بإذن الله تعالى، وهو معنى الكَسْبِ عنده. وأما قوله في ((شرح المواقف)): إنَّ أفعال العباد الاختيارية واقعةٌ بقدرة الله تعالى وحدها، ليس لقدرتهم تأثيرٌ فيها، بل الله تعالى أجرى عادته بأنْ يوجد في العبد قدرةً واختياراً، فإذا لم يكن هناك مانعٌ أَوْجَدَ فيه فِعْلَه المقدور مقارِناً لهما، فيكون فعلُ العبد مخلوقاً لله تعالى إبداعاً وإحداثاً، ومكسوباً للعبد، والمراد بكسبه إياه مقارنتُه لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثيرٌ ومدخلٌ في وجوده سوى كونه محلًّا له، وهو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري (٤) = ففيه بحثٌ من وجوه: أما أولاً : فَلأَنَّ هذا ليس مذهبَ الشيخ المذكورَ في آخر تصانيفه التي استقرَّ عليها الاعتماد؛ وذِكْرُه في غيره - إنْ سلِّم - لا يعوَّل عليه، لكونه مرجوحاً مرجوعاً عنه. وأما ثانياً: فَلأِنَّ التكليف في صرائح الكتاب والسنَّة إنما تَعلَّق أمراً أو نهياً بالأفعال الاختيارية أنفُسِها، لا بمقارنة القدرة والإرادة لها، فمكسوبُ العبد نفسُ الفعل الاختياري، والمراد بكسبه إياه تحصيلُه إياه بتأثير قدرته بإذن الله تعالى (١) ينظر المواقف ص ١٥٤، وشرح المواقف ١٠٥/٦، والكلام منه. (٢) ينظر الإبانة عن أصول الديانة ص ٩ و٤٤ وما بعدها. (٣) ينظر تبيين كذب المفتري ص ٢٨ و١٦٣. (٤) شرح المواقف ١٤٥/٨ - ١٤٦. الآية : ٩٧ ٣٤٧ سُورَةُ آلِّعْرَانَ لا مستقلًّا. فالقول بأن المراد بكسب العبد للفعل هو مقارنةُ الفعل لقدرته وإرادته من غير تأثير، لا يوافق ما اقتضاه صرائح الكتاب والسنة ونصوص ((الإبانة)). ويزيدُه وضوحاً حديث أبي هريرة: أنه لمَّا نزل: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىٌّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] اشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله وَّهِ، فأتوا رسول الله وَّهِ، ثم جَثَوا على الرُّكَب فقالوا: يا رسول الله، كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق؛ الصلاةَ والصيامَ والجهادَ والصدقة، وقد أُنزل عليك هذه الآيةُ ولا نطيقها، الحديث(١)، فإنه صريحٌ بأنَّ الذي كُلِّفوا به ما يطيقونه من نفس الأعمال، وهو نفسُ الصلاة وأخواتها، لا مقارنتها لقدرتهم وإرادتهم، وأقرَّهم بَّ على ذلك. وأما ثالثاً: فلأنَّ مقارنة الفعل لقدرة العبد وإرادته لو كانت هي الكسب، لكانت هي المكلّف بها، ولو كانت كذلك لكان التكليف بما لا يطاق واقعاً؛ لأنَّ المقارنة أمرٌ يترتَّب على فعل الله تعالى، أي: على إيجاد الله تعالى الفعلَ الاختياريَّ مقارناً لهما، وما يترتَّب على فعل الله تعالى ليس مقدوراً للعبد أصلاً؛ لأنَّ معنى كون الشيء مقدوراً له: أن يكون ممكنَ الإيقاع بقدرته عند تعلُّق مشيئته به الموافقةِ لمشيئة الله تعالى، كما هو واضحٌ من حديث: ((مَن كظم غيظه وهو قادرٌ على أنْ يُنْفِذَه))(٢) وما يترتَّب على فعل الله تعالى لا يكون مقدوراً للعبد بهذا المعنى، إذ لو كان مقدوراً له ابتداءً لزم أن لا يكون مترتِّباً على فعل الله تعالى، أو بواسطةٍ لزم أن يكون فعلُ الله تعالى المترتِّبُ عليه هذا مقدوراً للعبد، واللازم باطلٌ بشِقَّيه بعد القول بنفي التأثير أصلاً، فكذا الملزوم. وأما رابعاً: فلأنَّ المقارنة لكونها مترتِّبةً على فعل الله تعالى، لا تختلف بالنسبة إلى العبد صعوبةً وسهولة، فلو كانت هي المكلَّف بها لاستوى بالنسبة إلى العبد التكليفُ بأشقِّ الأعمال والتكليف بأسهلها، مع أنَّ نصَّ الكتابِ التكليفَ بحسب الوُسْع، ونصَّ السنة أنَّ المملوك لا يكلّف إلا ما يُطيق، شاهدان على التفاوت، كما أنَّ البديهة تشهد بذلك. واعترض هذا من وجوه: (١) أخرجه أحمد (٩٣٤٤)، ومسلم (١٢٥). (٢) أخرجه أحمد (١٥٦١٩)، وأبو داود (٤٧٧٧)، والترمذي (٢٠٢١)، وابن ماجه (٤١٨٦) من حديث معاذ بن أنس الجهني رظُه. قال الترمذي: حسن غريب. سُوَةُ الِغْرَانَ ٣٤٨ الآية : ٩٧ الأول: أنَّ القول بأنَّ من المعلوم أنَّ الحكمة لا تقتضي أن يُؤمر بالفعل مَن لا يقدر على الامتثال، يقتضي أنَّ أفعال الله تعالى وأحكامه لابدَّ فيها من حكمة ومصلحة، وهو مُسلَّم، لكن لا نسلِّم أنه لابدَّ أن تظهر هذه المصلحة لنا؛ إذ الحكيم لا يلزمه إطْلاعُ مَنْ دونه على وجه الحقيقة، كما قاله القفَّال في ((محاسن الشريعة))(١)، وحينئذ فما المانع من أن يقال: هناك مصلحةٌ لم نطَّلع عليها. ويجاب: بأنَّا لم ندَّع سوى أنَّ الله تعالى قد راعى الحكمة فيما أَمَر وخَلَقَ تفضُّلاً ورحمةً لا وجوباً، وهذا ثابتٌ بقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وقوله سبحانه: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ﴾ [السجدة: ٧]، وبالإجماع المعصوم عن الخطأ بفضل الله تعالى، وأنَّ مقتضى الحكمة أن لا يطلب حصول شيء إلا ممن يتمكَّن منه ويقدر عليه، كما تشهد له النصوص. ولم ندَّع وجوبَ ظهور وجه الحكمة في جميع أفعاله وأحكامه، ولا ما يستلزم ذلك، وبيانُ الحكمة لحُكم واحد لا يستلزم دعوى الكلِّية، ويَؤُولُ هذا إلى أنَّ الله تعالى أطلعنا على الحكمة في هذا، مع عدم وجوب الإطلاع عليه. والثاني: أنَّ القول بأنَّ التكليف في صرائح الكتاب والسنَّة إنما تعلَّق إلخ، فيه أنه ليس المراد مُطْلَقَ المقارنة، بل المقارنة على جهة التعلُّق، فالكسب عبارةٌ عن تعلُّق القدرة الحادثة بالمقدور من غير تأثير، كما في عبارةٍ غيرِ واحدٍ، فالأوامر والنواهي متعلِّقةٌ بالأفعال التي هي اختياريةٌ في الظاهر، باعتبار هذا التعلُّق الذي لا تأثير معه، وادِّعاءُ أنها صرائحُ في التعلُّق مع التأثير ممنوعٌ، بل هي محتملٌ، ولو سُلِّم أنها ظاهرةٌ في التأثير، فالظاهر قد يُعدَل عنه لدليلِ خلافه. والقول بأنَّا لا نفهم من تعلُّق القدرة إلا تأثيرها، وإلا فليست بقدرة، فكيف يثبت للقدرة تعلُّقٌ بلا تأثير؟ سؤالٌ مشهور، وجوابه: ما في ((شرح المواقف)) وغيره: من أنَّ التأثير من توابع القدرة، وقد ينفك عنها(٢). (١) محاسن الشريعة في فروع الشافعية، للإمام أبي بكر محمد بن علي المعروف بالقفال الشاشي، مشتملة على مسائل غريبة، لكنها قليلة الوجود، منها نسخة موقوفة بالمدرسة الفاضلية في القاهرة. كشف الظنون ١٦٠٨/٢ . (٢) شرح المواقف ٨٤/٦. الآية : ٩٧ ٣٤٩ سُؤَدَةُ الِّعْرَانَ ويجاب: بأنَّ تفسير الكسب بالتعلُّق الذي لا تأثير معه مراداً به التحصيلُ بحسب ظاهر الأمر فقط، مصادٌ للنصوص الناطقة بأنَّ العبد متمكِّنٌ من إيجاد أفعاله الاختيارية بإذن الله تعالى، ولا دليل على خلافه يوجب العدول، والله خالقُ كلِّ شيء لا ينافي التأثير بالإذن، على أنَّ تعلَّق القدرة تابعٌ للإرادة، وتعلُّقها على القول بنفي التأثير بالكلية غير صحيح، كما يشير إليه كلام الجلال الدَّوَاني في بيان مَبادي الأفعال الاختيارية، ويوضِّحه كلام حجة الإسلام الغزالي في كتاب التوحيد والتوُّل من ((الإحياء))(١). وأما ما في ((شرح المواقف)) وغيره من أنَّ التأثير قد ينفُكُّ عن القدرة، فنحن نقول به؛ إذ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وإنما الإنكارُ على نفي التأثير بالكلِّية عن القدرة الحادثة. والاستدلال بما ذكره حجة الإسلام في ((الاقتصاد))(٢) من أنَّ القدرة الأزلية متعلِّقةٌ في الأزل بالحادث ولا تؤثِّر إلا على وفق الإرادة، والإرادةُ تعلَّقت أزلاً بإيجاد الأشياء بالقدرة في أوقاتها اللائقة بها في الحكمة، فعدمُ تأثيرها قبل الوقت لكونها مؤثّرةً على وفق الإرادة لا مطلقاً، فلا يجب تأثيرها قبل الوقت، ويجب تأثيرها فيه، والقدرة الحادثة على القول بنفي تأثيرها بالكلية لا يَصْدُق عليها أنها تؤثر وفق الإرادة، فلا يصحُّ قياسها على القديمة. والحاصل: أنَّ كلَّ تعلُّق للقديمة على وفق الإرادة، لا ينفكُّ عنه التأثير في وقته، بخلاف الحادثة، فإنه لا تأثير لها أصلاً على القول بنفي التأثير عنها كلِّيًّا، فلا تعلُّق لها بالتأثير على وفق الإرادة. والثالث: أنَّ القول في الاعتراض الثالث، أنه لو كانت كذلك لكان التكليف بما لا يطاق واقعاً إلخ. يقال عليه: نلتزم وقوعه عند الأشعريِّ، ولا محذور فيه، ويجاب: بأنه قد حُقِّق في موضعه أنَّ الإمام الأشعريَّ لم ينصَّ على ذلك، ولا يصحُ أَخْذُه من كلامهِ فالتزامُ وقوعِه عنده التزامُ ما لم يَقُلْ به، لا صريحاً ولا التزاماً. والقول بأنه لا محذور فيه، إنما يصحُّ بالنظر إلى الغِنَى الذاتيّ، وأما بالنظر إلى أنه تعالى جواد حكيم، فالتزامه مُصادَمةٌ للنص، وأيُّ محذور أشنع من هذا؟! (١) ٤ / ٢٤٣. (٢) الاقتصاد في الاعتقاد ص١٣٦ . سُوَّةُ الْ عَنْزَانَ ٣٥٠ الآية : ٩٧ والرابع: أنَّ القول هناك أيضاً: إنَّ المقارنةَ لو كانت هي الكسب لكانت هي المكلَّف بها. غيرُ لازم، فإنَّ الكسب يطلق على المعنى المصدري، ويطلق على المفعول، أي: المكسوب، وهو نفس الأمر، لا الكسب بمعنى المقارنة، أو تعلق القدرة الحادثة بالفعل، فمعنى ((كسب)): تعلَّقتْ قدرتُه بالفعل، وإن شئت قلت: قارنَتْ قدرتُه الفعل، فكان الفعل مكسوباً، وهو المكلف به. ويجاب: بأنَّ الكسب الحقيقيَّ الوارد في الكتاب والسُّنة معناه: تحصيل العبد ما تعلقت به إرادته التابعة لإرادة الله تعالى بقدرته المؤثّرة بإذنه، وإنَّ مكسوبه ما حصّله بقدرته المذكورة، فمعنى كون الفعل المكسوب مكلَّفاً به، هو أنَّ العبد المكلّف مطلوبٌ منه تحصيله بالكسب بالمعنى المصدري؛ لأنَّ المكسوب هو الحاصل بالمصدر، فإذا كان المكسوب مكلَّفاً به، كان الكسب بالمعنى المصدري مكلّفاً به قطعاً؛ لامتناع حصول المكسوب من غير قيام المعنى المصدري بالمكلَّف، ضرورةً انتفاء الحاصل بالمصدر عند انتفاء قيام المصدر بالمكلَّف، فظهرت الملازمة في الشرطية. والخامس: أنَّ القول في الاعتراض أنَّ المقارنة لكونها أمراً مترتباً على فعل الله تعالى لا تختلف إلخ، فيه أمران: الأول: أنَّا لا نسلِّم التلازُمَ بين كون المقارنة هي المكلّف بها، وبين عدم الاختلاف، وأيُّ مانع من أن تكون مختلفةً باعتبار أحوال الشخص عندها، فتارةً يخلق الله تعالى فيه صبراً وعزماً، وتارة جزعاً وفتوراً، إلى غير ذلك مما يرجع إلى سلامة البنية ومقابله أو غيرهما من الأعراض والأحوال التي يخلقها الله تعالى، ويصرِّف عبده فيها كيف شاء، مما يوجب ألماً أو لذة. الثاني: أنَّ ما ذكر تموه مشتركُ الإلزام؛ إذ يقال: إذا كانت قدرة العبد مؤثِّرةً بإذن الله تعالى، فبأيِّ وجهٍ وقع الاختلاف حتى كان هذا سهلاً وهذا صعباً، وكلاهما مقدور، وهما متساويان في الإمكان؟ ويجاب: أما عن الأول: بأنَّ التلازم بين كونها مترتِّبةً على فعل الله تعالى وبين عدم اختلافها متحقِّقٌ؛ لأنها إذا كانت الكسبَ بالمعنى الصدري، كانت تحصيلاً للمكسوب، والتحصيلُ لكونه قائماً بالمكلَّف تتفاوت درجاته صعوبةً الآية : ٩٧ ٣٥١ سُورَةُ آلِ ◌ّغْرَانَ وسهولةً قطعاً، ولهذا قال النبي ◌ِّر: ((صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإنَّ لم تستطع فعلى جَنْب))(١) والمقارنةُ لكونها أمراً مرتَّباً على فعل الله تعالى، ليست قائمة بالعبد، فلا تتفاوت بالنسبة إليه أصلاً، والإيراد بتجويز اختلافها بكون بعضِها بِخَلْقِ الله تعالى عنده صبراً في العبد إلخ، خارجٌ عن المقصود؛ لأنَّ العبارة صريحةٌ في أنَّ المقصود عدمُ اختلافها بالنسبة إلى العبد صعوبةً وسهولة، لا مطلق الاختلاف. وأما عن الثاني: فبأنه قد دلَّت النصوص على تفاوت درجات القوة والبطش؛ كقوله تعالى: ﴿كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ [غافر: ٨٢] وقوله سبحانه: ﴿كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا﴾ [غافر: ٢١] وقوله عز شأنه: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ [الزخرف: ٨] وباختلاف درجات ذلك في الأقوياء، التابع لاستعداداتهم الذاتية الغير المجعولة، وقع الاختلاف في الأعمال صعوبةً وسهولة. هذا ما ظفرنا به من تحقيق الحقِّ من كتب ساداتنا قَدَّس الله تعالى أسرارهم، وجَعَل أعلى الفردوسِ قرارَهم، وإنما استطردت هذا المبحث هنا، مع تقدُّم إشاراتٍ جزئية إلى بعضٍ منه؛ لأنه أمرٌ مهمٌّ جدًّا لا تنبغي الغَفْلةُ عنه، فاحفظه فإنه من بنات الحقاق، لا من حوانيت الأسواق، والله تعالى الموفق لا ربَّ غيره. ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ ﴾ يحتمل أن يراد بـ ((من كفر)): مَن لم ٩٧ يحجَّ، وعبَّر عن ترك الحج بالكفر تغليظاً وتشديداً على تاركه، كما وقع مثل ذلك فيما أخرجه سعيد بن منصور وأحمد وغيرهما عن أبي أمامة من قوله وَله: ((مَن مات ولم يحجَّ حجَّة الإسلام، لم يمنعه مرضٌ حابِسٌ، أو سلطانٌ جائر، أو حاجةٌ ظاهرة، فليمتْ على أيِّ حالةٍ شاء، يهوديّاً أو نصرانيًّا))(٢). (١) أخرجه أحمد (١٩٨١٩)، والبخاري (١١١٧) من حديث عمران بن حصين صـ (٢) الحديث في سنن سعيد بن منصور والإيمان لأحمد، كما في التلخيص الحبير ٢٢٢/٢، والدر المنثور ٥٦/٢ وعنه نقل المصنف، وأخرجه أيضاً الدارمي (١٧٨٥)، والبيهقي ٣٣٤/٤، وابن الجوزي في الموضوعات (٩٧٦) و(٩٨٧)، جميعهم من طريق شريك عن ليث بن أبي سليم، عن ابن سابط، عن أبي أمامة به. قال ابن حجر: ليث ضعيف وشريك سيئ الحفظ، وقد خالفه سفيان فأرسله. اهـ. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح. وينظر التعليق الذي بعده. سُوَدَةُ العَقْرَان ٣٥٢ الآية : ٩٧ ومثله ما روي بسندٍ صحيح عن عمر بن الخطاب ◌َبه أنه قال: لقد هممتُ أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فلينظروا كلَّ مَن كان له جِدَةٌ فلم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين(١). ويحتمل إبقاء الكفر على ظاهره بناءً على ما أخرج ابن جرير وعبد بن حميد وغيرهما عن عكرمة: أنه لمَّا نزلت ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ الآية [آل عمران: ٥٨] قال اليهود: فنحن مسلمون. فقال لهم النبيُّ وَلقال: ((إنَّ الله تعالى فرض على المسلمين حجَّ البيت)) فقالوا: لم يكتب علينا، وأبوا أن يحُّوا فنزل ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ الآية(٢). ومن طريق الضحاك: أنه لم نزلت آية الحج، جمع رسول الله و لر أهل الملل؛ مشركي العرب والنصارى واليهود والمجوس والصابئين فقال: ((إن الله تعالى قد فرض عليكم الحجَّ فحجُّوا البيت)) فلم يقبله إلا المسلمون. وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نصلّي إليه ولا نستقبله. فأنزل الله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ إلخ(٣). وإلى إبقائه على ظاهره ذهب ابن عباس، فقد أخرج البيهقيُّ عنه أنه قال في الآية: ومن كفر بالحجِّ، فلم يرَ حَجَّه برًّا ولا تركه ماثماً (٤). وروى ابن جرير أنَّ الآية لما نزلت قام رجل من هذيل فقال: يا رسول الله، مَن تَرَكه كفر؟ قال: ((مَن تَرَكَه لا يخاف عقوبته، ومَن حجَّ لا يرجو ثوابه، فهو ذاك))(٥). وعلى كلا الاحتمالين لا تصلح الآية دليلاً لمن زعم أنَّ مرتكب الكبيرة كافر. (١) أخرجه بهذا اللفظ ابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف (١٢١٣)، وبنحوه ابن أبي شيبة ص ٣٣٧ (نشرة العمروي) والبيهقي ٣٣٤/٤، وهو شاهد لحديث أبي أمامة كما ذكر البيهقي، وقال ابن حجر: وإذا انضم هذا الموقوف إلى مرسل ابن سابط علم أن لهذا الحديث أصلاً، ومحمله على مَن استحل الترك، وتَبيَّنَ بذلك خطأُ مَن ادَّعى أنه موضوع. وينظر نصب الراية ٤ / ٤١٠ - ٤١٢. (٢) تفسير الطبري ٥٥٦/٥. وأخرجه - أيضاً - الشافعي في الأم ٩٣/٢. ونقله المصنف عن الدر المنثور ٢ / ٥٧. (٣) تفسير الطبري ٦٢٢/٥. (٤) السنن الكبرى للبيهقي ٣٢٤/٤. (٥) تفسير الطبري ٦٢٠/٥ - ٦٢١ عن نفيع بن الحارث مرسلاً، ونفيع متروك، كما ذكر الحافظ في التقريب. الآية : ٩٧ ٣٥٣ سُورَةُ العمران و(مَن)) تَحْتَمِلُ أن تكون شرطية، وهو الظاهر، وأن تكون موصولة، وعلى الاحتمالين استغني فيما بعد الفاء عن الرابط بإقامة الظاهر مقام المضمر؛ إذ الأصل: فإنَّ الله غنيٌّ عنهم. ويجوز أن يبقى الجمع على عمومه، ويُكتَفَى عن الضمير الرابط بدخول المذكورين فيه دخولاً أوليًّا. والاستغناء في هذا المقام كناية عن السخط على ما قيل، ولهذا صحَّ جَعْلُه جزاءً، وإن أبيتَ فهو دليله. وفي الآية - كما قالوا - فنونٌ من الاعتبارات المعربة عن كمال الاعتناء بأمر الحج، والتشديدٍ على تاركه، ما لا مَزيدَ عليه، وعدُّوا من ذلك إيثارَ صيغة الخبر وإبرازَها في صورة الجملة الاسمية الدالة على الثبات والدوام، على وجه يفيد أنه حقٌّ واجبٌ لله تعالى في ذمم الناس، وتعميمُ الحكم أولاً وتخصيصُه ثانياً، وتسميةُ تَرْكِ الحج كفراً من حيث إنه فعلُ الكفرة، وذكر الاستغناء والعالمين. وذكر الطيبيُّ أنَّ في تخصيص اسم الذات الجامع، وتقديم الخبر، الدلالةُ على أنَّ ذلك عبادةٌ لا ينبغي أن تختصَّ إلا بمعبودٍ جامع للكمالاتِ بأسرها، وأنَّ في إقامة المُظْهَر - وهو البيت - مقام المُضْمَر بعد سَبَّقِه منكَّراً المبالغةُ في وصفه أقصى الغاية، كأنه رتَّب الحكم على الوصف المناسب، وكذا في ذكر الناس بعد ذكره معرَّفاً الإشعارُ بعِلٌيَّة الوجوب، وهو كونهم ناساً، وفي تذييل (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ) لأنها في المعنى تأكيدُ الإيذان بأنَّ ذلك هو الإيمان على الحقيقة، وهو النعمة العظيمة، وأنَّ مُباشِرَه مستأهِلٌ لأنَّ الله تعالى بجلالته وعظمته يرضى عنه رضاً كاملاً، كما كان ساخطاً على تاركه سخطاً عظيماً. وفي تخصيص هذه العبادة وكونها مبيّنة لمِلَّة إبراهيم عليه السلام بعد الردِّ على أهل الكتاب فيما سبق من الآيات، والعَودِ إلى ذكرهم بعدُ، خَطْبٌ جليلٌ وشأنٌ خطير لتلك العبادة العظيمة (١). واستأنس بعضهم لكونه عبادة عظيمة بأنه من الشرائع القديمة بناءً على ما روي (١) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. سُورَةُ الَّعَنْرَانَ ٣٥٤ الآية : ٩٨ أنَّ آدم عليه السلام حجَّ أربعين سنة من الهند ماشياً(١)، وأنَّ جبريل قال له: إنَّ الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة. وادَّعى ابن إسحاق أنه لم يبعث الله تعالى نبيًّا بعد إبراهيم إلا حجّ، والذي صرَّح به غيره أنه ما من نبيٍّ إلا حجَّ، خلافاً لمن استثنى هوداً وصالحاً عليهما الصلاة والسلام. وفي وجوبه على مَنْ قَبْلَنا وجهان، قيل: الصحيح أنه لم يجب إلا علينا، واستُغرب. وادّعى جَمعٌ أنه أفضل العبادات؛ لاشتماله على المال والبدن. وفي وقت وجوبه خلاف، فقيل: قبل الهجرة. وقيل: أول سِنِّها، وهكذا إلى العاشرة، وصُحِّح أنه في السادسة، نعم حجّ ◌َّه قبل النبوة وبعدها، وقبل الهجرة، حججاً لا يُدرَى عددها، والتسمية مجازيةٌ باعتبار الصورة، بل قيل: ذلك في حجَّة الصدِّيق وظلبه أيضاً في التاسعة، لكِنَّ الوجه خلافه؛ لأنه ◌َّهِ لا يؤمر إلا بحجِّ شرعيٍّ، وكذا يقال في الثامنة التي أمر فيها عتَّاب بن أسيد أمير مكة، وبعد ذلك حجة الوداع لا غير. ﴿قُلْ بَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِعَايَتِ اَللَّهِ﴾ خاطَبَهم بعنوان أهلية الكتاب الموجبة للإيمان به وبما يصدِّقه، مبالغةً في تقبيح حالهم في تكذيبهم بذلك، والاستفهامُ للتوبيخ والإشارة إلى تعجيزهم عن إقامة العذر في كفرهم، كأنه قيل: هاتوا عذركم إن أمكنكم. والمراد من الآيات مطلق الدلائل الدالة على نبوة رسوله وَ له، وصِدْقٍ مدَّعاه الذي من جملته الحج وأمرُهُ به، وبه تظهر مناسبة الآية لما قبلها . وسبب نزولها ما أخرجه ابن إسحاق وجماعة عن زيد ابن أسلم قال: مرَّ شاس(٢) بن قيس - وكان شيخاً قد عسا(٣) في الجاهلية، عظيمَ الكفر شديدَ الضِّغن على المسلمين، شديدَ الحسد لهم - على نَفَرٍ من أصحاب النبيِّ وَّر من الأوس (١) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١/ ٣٥ من قول ابن عباس مطولاً، وأخرجه البيهقي في الشعب (٣٩٨٧) عن عطاء. (٢) في الأصل و((م)): شماس. وهو تصحيف، وكذا فيما سيأتي. (٣) أي: كبر. القاموس (عسا). الآية : ٩٨ ٣٥٥ سُورَةُ آلعمران والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدَّثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتِهم وجماعتهم وصلاحِ ذاتِ بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية. فقال: قد اجتمع ملأ بني قَيلَة بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملَؤُهم بها من قرار. فأمر فتىّ شابًّا معه من يهود فقال: اعْمِدْ إليهم فاجلس معهم، ثم ذكِّرهم يوم بُعاث وما كان قبله، وأَنشِدْهم بعض ما كانوا تقاوَلُوا فيه من الأشعار. وكان يومُ بُعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظّفَر فيه للأوس على الخزرج، ففعل، فتكلَّم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثَبَ رجلان من الحيَّين على الرُّكَب: أوس بن قيظي أحدُ بني حارثة من الأوس، وجبَّار(١) بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاوَلا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن. وغضب الفريقان جميعاً، وقالوا: قد فعلنا، السلاحَ السلاحَ، موعدكم الظاهرة - والظاهرة: الحرة - فخرجوا إليها، وانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسولَ الله وَّ، فخرج إليهم فيمَن معه من المهاجرين من أصحابه، حتى جاءهم فقال: ((يا معشر المسلمين اللهَ اللهَ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهُرِكم بعد إذ هداكم الله تعالى إلى الإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألّف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً)) فعرف القوم أنها نزعةٌ من الشيطان وكيدٌ لهم من عدوهم، فأَلقَوا السلاح من أيديهم، وبكوا، وعانق الرجال بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله وَّر سامعين مطيعين، قد أطفأ الله تعالى عنهم كيد عدوِ الله تعالى شاس، وأنزل الله تعالى في شأن شاس وما صنع: ﴿قُلْ يَكَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَمَا الَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وأنزل في أوس بن قيظي وجبار(٢) ومَن كان معهما من قومهما، الذين صنعوا ما صنعوا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُوا﴾ الآية(٣) . (١) في الأصل و(م): هبار. وهو تصحيف. (٢) في الأصل و(م): هبار. وهو تصحيف. (٣) سيرة ابن هشام ٥٥٥/١ - ٥٥٧، وتفسير الطبري ٦٢٧/٥ - ٦٢٩، وأسباب النزول للواحدي ص ١١١ - ١١٢. سُورَةُ الَّعَمْرَانَ ٣٥٦ الآية : ٩٩ وعلى هذا يكون المراد من أهل الكتاب ظاهراً اليهود. وقيل: المراد منه ما يشمل اليهود والنصارى. ﴿وَاللَّهُ شَهِيدُ عَ مَا تَعْمَلُونَ (﴾﴾ جملةٌ حاليةٌ، العامل فيها ((تكفرون))، وهي مفيدةٌ لتشديد التوبيخ، والإظهارُ في موضع الإضمار لما مرَّ غيرَ مرَّة. والشهيد: العالم المطّلع، وصيغة المبالغة للمبالغة في الوعيد، وجَعْلُ الشهيد بمعنى الشاهد تكلُّفٌ لا داعي إليه. و ((ما)) إما عبارة عن كفرهم، وإما على عمومها، وهو داخلٌ فيها دخولاً أوَّليًّا، والمعنى: لأيِّ سببٍ تكفرون، والحال أنه لا يَخْفَى عليه بوجهٍ من الوجوه جمیعُ أعمالكم، وهو مجازيكم عليها على أتمٍّ وجه، ولا مرية في أنَّ هذا مما يسدُّ عليكم طرق الكفر والمعاصي، ويقطع أسباب ذلك أصلاً . ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ لِمَ تَصُدُّونَ﴾ أي: تصرفون ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: طريقه الموصلة إليه، وهي مِلَّة الإسلام ﴿مَّنْ ءَامَنَ﴾ أي: بالله وبما جاء من عنده، أو: مَن صدَّق بتلك السبيل وآمَنَ بذلك الدين بالفعل، أو بالقوة (١) القريبة منه، بأنْ أراد ذلك وصمَّم عليه، وهو مفعولٌ لـ ((تصدون)) قُدِّم عليه الجارُّ للاهتمام به. ﴿َتَبْغُونَهَا﴾ أي: السبيل ﴿عِوَجًا﴾ أي: اعوجاجاً وميلاً عن الاستواء، ويستعمل مكسورُ العين في الدِّين والقول والأرض، ومنه ﴿لَّا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتَا﴾ [طه: ١٠٧] ويُستعمل المفتوح في مَيل كلِّ شيء منتصب؛ كالقناة والحائط مثلاً. وهو أحد مفعولي (تبغون))؛ فإنَّ(بغى)) يتعدَّى لمفعولين؛ أحدهما بنفسه والآخر باللام، كما صرَّح به اللغويون. وتعديته للهاء من باب الحذف والإيصال، أي: تبغون لها، كما في قوله: أَظَلِيماً أَصِيدُكم أم حمارا(٢) فتولَّى غلامهم ثم نادى أراد: أصيدُ لكم. وقال ابن المنير: الأحسن جَعْلُ الهاء مفعولاً من غير حاجة إلى تقدير الجار، (١) القوة: التهيُّؤْ الموجود في الشيء، وضده الفعل: وهو بروز ذلك الشيء. معجم متن اللغة (قوي). (٢) ذكره ابن هشام في المغني ص ٢٩١. الآية : ٩٩ ٣٥٧ سُورَةُ العَقْرَانَ و((عوجاً)) حالٌ وقع موقع الاسم مبالغة؛ كأنهم طلبوا أن تكون الطريقة القويمة نفسَ المعوجِّ(١). وادَّعى الطيبيُّ أنَّ فيه نظراً؛ إذ لا يستقيم المعنى إلا على أن يكون ((عوجاً)) هو المفعول به؛ لأنه مطلوبُهم، فلا بدَّ من تقدير الجارّ. وفيه تأمل. وقيل: ((عوجاً)) حالٌ من فاعل ((تبغون)) والكلام فيه كالكلام في سابقه. وجملة (تبغون)) على كلِّ حالٍ؛ إما حالٌ من ضمير ((تصدُّون))، أو من ((السبيل))، وإما مستأنفةٌ جيء بها كالبيان لذلك الصدِّ. والأكثرون على أنه كان بالتحريش والإغراء بين المؤمنين، لتختلف كلمتُهم ويختلَّ أمرُ دينهم، كما دلَّ عليه ما أوردناه في بيان سبب النزول، فعلى هذا يكون المراد بأهل الكتاب هم اليهود أيضاً، والتعبير عنهم بهذا العنوان لِمَا تقدم، وإعادة الخطاب والاستفهام مبالغةٌ في التقريع والتوبيخ لهم على قبائحهم وتفصيلها، ولو قيل: لِمَ تكفرون بآيات الله وتصدُّون عن سبيل الله، لربَّما تُوهِّم أنَّ التوبيخ على مجموع الأمرین. وقيل: الخطاب لأهل الكتاب مطلقاً، وكان صدُّهم عن السبيل بُهْتُهم وتغييرُهم صفةً النبي ◌َّ، وإلى هذا ذهب الحسن وقتادة. وعن السُّدِّي: كانوا إذا سألهم أحدٌ: هل تجدون محمداً في كتبكم؟ قالوا: لا. فيصدُّونه عن الإيمان به، وهذا ذِّ لهم بالإضلال إثرَ ذمِّهم بالضلال. وقرىء: ((تُصِدُّون))(٢) من أَصدّ. ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ حالٌ إما من فاعل ((تصدون)) أو من فاعل ((تبغون))، والاستئناف خلاف الظاهر. أي: كيف تفعلون هذا وأنتم علماء عارفون بتقدُّم البشارة به بَّه، مطّلعون على صحة نبوته، أو: وأنتم عدولٌ عند أهل مِلَّتكم، يثقون بأقوالكم ويشتهدونكم في القضايا، وصفتكم هذه تقتضي خلافَ ما أنتم عليه. ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾﴾ تهديدٌ لهم على ما صنعوا، قيل: لمَّا كان كفرهم ظاهراً، ناسبَ ذكر الشهادة معه في الآية السابقة؛ لأنها تكون لِمَا يَظْهَر (١) الانتصاف ٤/ ٤٤٩، ونقله المصنف عنه بواسطة الطيبي في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية، وما سيأتي منه. (٢) القراءات الشاذة ص ٢٢ . سُورَةُ الْعَنْرَانَ ٣٥٨ الآية : ١٠٠ ويُعْلَم، أو ما هو بمنزلته، وصدُّهم عن سبيل الله، وما معه، لمّا كان بالمكر والحيلة الخفيَّة التي تَرُوجُ على الغافل، ناسَبَ ذكرَ الغفلة معه في هذه الآية، فلهذا ختم كلًّا من الآيتين بما ختم. ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِقًّا مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيَتِكُمْ كَفِينَ ١٠٠ خطابٌ للأوس والخزرج، على ما يقتضيه سبب النزول، ويدخل غيرُهم من المؤمنين في عموم اللفظ. وخاطبهم الله تعالى بنفسه بعد ما أمرَ رسوله وَله بخطاب أهل الكتاب؛ إظهاراً لجلالة قَدْرهم، وإشعاراً بأنهم هم الأَحِقَّاء بأنْ يخاطبهم الله تعالى ويكلِّمهم، فلا حاجة إلى أن يقال: المخاطَب الرسول وَّه بتقدير: قل لهم. والمراد من الفريق: بعضٌ غيرُ معيَّن، أو هو شاس(١) بن قيس اليهوديُّ، وفي الاقتصار عليه مبالغةٌ في التحذير، ولهذا على ما قيل حُذِفَ متعلِّقُ الفعل. وقال بعضهم: هو على معنى: إن تطيعوهم في قبول قولهم بإحياء الضغائن التي كانت بينكم في الجاهلية. و ((كافرين) إما مفعولٌ ثان لـ ((يردوكم)) على تضمين الردِّ معنى التصيير، كما في قوله : بمقدارٍ سَمَدْنَ له سُمُودا رمى الحَدَثان نسوة آل سعد وردًّ وجوهَهن البيضَ سُودا(٢) فردَّ شُعورَهنَّ السُّودَ بيضاً أو حالٌ من مفعوله، قالوا: والأول أَدْخَلُ في تنزيه المؤمنين عن نسبتهم إلى الكفر، لِمَا فيه من التصريح بكون الكفر المفروض بطريق القَسْر. و ((بعد)) يجوز أن يكون ظرفاً لـ ((يردُّوكم)) وأن يكون ظرفاً لـ ((كافرين))، وإيرادُه مع عدم الحاجة إليه - لإغناء ما في الخطاب عنه، واستحالة الردِّ إلى الكفر بدون (١) في الأصل و(م): شماس وهو تصحيف. (٢) البيتان لعبد الله بن الزبير الأسدي، كما في الحلل للبطليوسي ص ٧٠، والوافي بالوفيات ١٧/ ١٨٠، وخزانة الأدب ٢٦٤/٢. قال البطليوسي: ويقال: إنه للكميت بن معروف الأسدي. والسُّمود كما في الخزانة: تغير الوجه من الحزن. والحَدَثان بالتحريك: الحادثة ونائبة الدهر. والمقدار: ما قدَّره الله تعالى. وفيه قلب، أي: رمى تقدير الله تعالى نسوة آل حرب بحدثان. الآية : ١٠١ ٣٥٩ سُورَةُ الْعَشْرَانَ سَبْقِ الإيمان - وتوسيطه بين المنصوبين؛ لإظهار كمال شناعة الكفر، وغاية بُعْدِه من الوقوع، إما لزيادة قُبحْه أو لممانعة الإيمان له، كأنه قيل: بعد إيمانكم الراسخ، وفي ذلك من تثبيتٍ المؤمنين ما لا يخفى. وقَدَّم توبيخ الكفار على هذا الخطاب؛ لأنَّ الكفار كانوا كالعِلَّة الداعية إليه. ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ أي: على أيٍّ حالٍ يقع منكم الكفر ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اللَّهِ﴾ الدالَّةُ على توحيده ونبوَّة نبيِّهِ وَّه . ﴿وَفِيكُمْ رَسُولٌ﴾ يعني: محمداً قَلِّ، يعلِّمكم الكتاب والحكمة، ویزگیکم بتحقيق الحقِّ وإزاحة الشُّبَه. والجملة وقعت حالاً من ضمير المخاطبين في (تكفرون))، والمراد استبعادُ أن يقع منهم الكفر، وعندهم ما يأباه. وقيل: المراد التعجيب، أي: لا ينبغي لكم أن تكفروا في سائر الأحوال، لا سيما في هذه الحال التي فيها الكفر أفظعُ منه في غيرها، وليس المراد إنكار الواقع كما في ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾ الآية [البقرة: ٢٨]. وقيل: المراد بكفرهم: فعلُهم أفعال الكفرة؛ كدعوى الجاهلية، فلا مانع من أن يكون الاستفهام لإنكار الواقع. والأول أولى، وفي الآية تأييسٌ لليهود ممَّا رامُوه. والأكثرون على تخصيص هذا الخطاب بأصحاب رسول الله وي لتر، أو الأوس والخزرج منهم، ومنهم مَن جعله عامًّا لسائر المؤمنين وجميع الأمة، وعليه: معنى كونه وال﴿ فيهم، أنَّ آثاره وشواهدَ نبوته فيهم؛ لأنها باقيةٌ حتى يأتي أمر الله. ولم يُسْنِدْ سبحانه التلاوة إلى رسوله عليه الصلاة والسلام إشارة إلى استقلال كلٌّ من الأمرين في الباب، وإيذاناً بأنَّ التلاوة كافيةٌ في الغرض من أيٍّ تالٍ كانت. ﴿وَمَن يَعْنَصِ بِاللَّهِ﴾ إما أن يُقدَّر مضاف، أي: ومَن يعتصم بدين الله. والاعتصامُ بمعنى التمسُّك، استعارة تبعية، وإما أن لا يقدَّر، فيجعل الاعتصام بالله استعارةً للالتجاء إليه سبحانه. قال الطيبيُّ: وعلى الأول تكون الجملة معطوفة على ((وأنتم تتلى عليكم)) أي: كيف تكفرون والحالُ(١) أنَّ القرآن يتلى عليكم وأنتم عالمون بحال المعتصم به جلّ (١) في (م): أي والحال، والمثبت من الأصل وحاشية الطيبي على الكشاف. سُورَةُ الِّعْرَانَ ٣٦٠ الآية : ١٠١ شأنه. وعلى الثاني تكون تذييلاً لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُوا﴾ إلخ؛ لأنَّ مضمونه أنكم إنما تطيعونهم لِمَا تخافون من شرورهم ومكايدهم، فلا تخافوهم، والتجئوا إلى الله تعالى في دفع شرورهم، ولا تطيعوهم، أما علمتم أنَّ مَن التجأ إلى الله تعالى كفاه شرَّ مايخافه، فعلى الأول جيء بهذه الجملة لإنكار الكفر مع هذا الصارف القوي المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ تُثْلَ عَلَيْكُمْ﴾ إلخ، وعلى الثاني للحثُّ على الالتجاء، ويحتمل على الأول التذييل، وعلى الثاني الحال أيضاً. فافهم. و((مَن)) شرطية، وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَطٍ تُسْنَقِيمٍ (﴾ جواب الشرط، ولكونه ماضياً مع ((قد)» أفاد الكلامُ تحقّقَ الهدى حتى كأنه قد حصل. قيل: والتنوين للتفخيم، ووصفُ الصراط بالاستقامة للتصريح بالردِّ على الذين يبغون له عوجاً. والصراط المستقيم وإن كان هو الدِّين الحقّ في الحقيقة، والاهتداءُ إليه هو الاعتصام به بعينه، لكنْ لمَّا اختلف الاعتباران وكان العنوان الأخير مما يتنافس فيه المتنافسون أُبرز في معرض الجواب للحثِّ والترغيب، على طريقةٍ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِجَ عَنِ الثَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازٌ﴾ [آل عمران: ١٨٥] انتهى. وأنت تعلم أنَّ هذا على ما فيه، إنما يُحتاج إليه على تقدير أنْ يكون المراد من الاعتصام بالله: الإيمان به سبحانه والتمسُّكُ بدينه، كما قاله ابن جريج، وأما إذا كان المراد منه الثقةَ بالله تعالى والتوُّلَ عليه والالتجاءَ إليه كما روي عن أبي العالية، فَيَبْعد الاحتياج إليه(١)، وعلى هذا يكون المراد من الاهتداء إلى الصراط المستقيم: النجاةُ والظفر بالمَخْرَج، فقد أخرج الحكيم الترمذيُّ عن الزهري قال: أوحى الله تعالى إلى (٢) داود عليه السلام: ما مِن عبدٍ يعتصم بي مِن دون خَلْقي، وتَكيدُه السماوات والأرض، إلا جعلتُ له من ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتصم بمخلوقٍ من دوني إلا قطعتُ أسباب السماء بين يديه وأَسَخْتُ الأرض من تحت قدميه(٣). (١) قوله: إليه. ساقط من (م). (٢) قوله: إلى، ساقط من (م). (٣) نوادر الأصول في الأصل السابع والثمانين والمئة، ونقله المصنف عن الدر المنثور ٥٩/٢.