النص المفهرس
صفحات 321-340
التفسير الإشاري (٦٤ -٩١) ٣٢١ سُورَةُ العَمْرَانَ هذا وقد أخرج الشيخان وابنُ جرير - واللفظ له - عن أنسٍ، عن النبي ◌َّ قال: (يُجاء بالكافر يومَ القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك ملُ الأرضِ ذَهَباً، أكنتَ مفتدياً به؟ فيقول: نعم. فيقال: لقد سُئلتَ ما هو أَيْسَرُ من ذلك فلم تفعل، فذلك قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ أَقْتَدَى بِ=﴾))(١). ﴿أُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ اسم الإشارة مبتدأ والظرفُ خبرٌ، ولاعتماده على المبتدأ رَفَع الفاعلَ(٢)، ويجوز أن يكون (لهم)) خبراً مقدماً، و((عذاب)) مبتدأ مؤخّراً، والجملة خبر عن اسم الإشارة، والأول أحسن، وفي تعقيب ما ذكر بهذه الجملة مبالغةٌ في التحذير والإقناط، لأنَّ مَن لا يُقبل منه الفداء ربَّما يُعفى عنه تكوُّماً. ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّضِينَ ﴾﴾ في رفع العذاب أو تخفيفه، و((من)) مزيدةٌ بعد النفي للاستغراق، وتزاد بعده سواءٌ دخلت على مفردٍ أو جمع، خلافاً لِمَن زعم أنَّ ذلك مخصوصٌ بالمفرد. وصيغةُ الجمع لمراعاة الضمير، وفيّها تَوافُقُ الفواصل، والمراد لیس لواحدٍ منهم ناصرٌ واحدٌ. ومن باب الإشارة: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةِ سَوَلْمٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ وهي كلمة التوحيد، وتركُ اِّباع الهوى والميلِ إلى السِّوى، فإنَّ ذلك لم يختلف فيه نبيٌّ ولا كتاب قٌَّ . ﴿مَا كَانَ إَِهِيمُ﴾ الخليلُ ﴿يَهُودِيًّا﴾ متعلِّقاً بالتشبيه ﴿وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ قائلاً بالتثليث ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾ مائلاً عن الكون برؤية المكوِّن ﴿مُسْلِمًا﴾ منقاداً عند جريان قضائه وقَدَره، أو ذاهِباً إلى ما ذهب إليه المسلمون المصطفَوْن، القائلون: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ﴿إِنّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَبَعُوهُ﴾ بشرط التجرُّد عن الكونَيْن، ومنعِ االنفوس عن الالتفات إلى العالمين، فإنَّ الخليل لمَّا بلغ حضرةَ القُدس زاغ بصرُه عن (١) صحيح البخاري (٦٥٣٨)، وصحيح مسلم (٢٨٠٥)، وتفسير الطبري ٥٧١/٥، وهو عند أحمد (١٣٢٨٨)، ولفظ الطبري موافق للفظ البخاري وأحمد. (٢) والتقدير: أولئك استقر لهم عذابٌ أليم. الدر المصون ٣٠٩/٣. سُورَةُ الْعَمْرَانَ ٣٢٢ التفسير الإشاري (٦٤-٩١) إِ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى ٧٨ عرائس المُلك والملكوت، فقال: ﴿إِّ بَرِىّ ◌ٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ فَطَرَ الشَمَّوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٨-٧٩]. ﴿وَهَذَا النَُِّّ﴾ العظيمُ، يعني محمَّداً عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأكملُ التسليم، أولى أيضاً بمتابعة أبيه الخليلٍ، وسلوكٍ منهجه الجليل؛ لأنه زُبدة مَخِيضٍ محبَّتِه، وخلاصةُ حقيقة فِطرته ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ بِهِ وََّ، وأشرقت عليهم أنوارُه، وأينَعَت في رياض قلوبهم أسرارُه ﴿وَاللَّهُ وَبِىُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كافَّةً، يحفظهم من آفات القهر، ويُدخلهم في قِباب العِصمة، ويُبيعُ لهم ديارَ الكَرَامة. ﴿وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ جعلَه أهلُ اللهِ سبحانه خِطاباً للمؤمنين، كما قال بذلك بعضُ أهل الظاهر، أي: لا تُفشوا أسرارَ الحقِّ إلَّا إلى أهله، ولا تُقِرُّوا بمعاني الحقيقة للمحجوبين من الناس، فيقعون فيكم ويَقصِدون سفكَ دمائكم. ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى﴾ أعني ﴿هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْقَ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ مِن علْم الباطن، ﴿أَوْ﴾ مثل ما ﴿بُمَكْتُ﴾ به في زعمهم ﴿عِندَ رَيَّكُمْ﴾، وهو علْمُ الظاهر. وحاصل المعنى: أنَّ ((الهدى)): الجمعُ بين الظاهر والباطن، وأمَّا الاقتصارُ على عِلْمِ الظاهر وإنکارُ الباطن فلیس بهدی. ﴿قُلُّ إِنَّ اٌلْفَضْلَ بِيَدِ الَّهِ﴾ فيتصرَّف به حَسْبَ مشيئته التابعةِ لعِلْمِه التابع للمعلوم في أزل الآزال ﴿وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ فكيف يتقيَّد بالقيود؟ بل يتجلّى حَسْبَما تقتضيه الحكمةُ في المظاهر لأهل الشُّهود. ﴿يَخْنَصُ بِرَحْمَتِهِ﴾ الخاصَّةِ ﴿مَن يَشَدُ﴾ من عباده، وهي المَعْرِفَةُ به، وهي فوقَ مكاشفةِ غيبِ الملكوت، ومشاهدة سرِّ الجبروت ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ الذي لا يُكْتَنَه. ﴿بَلَ مَنْ أَوْنَ بِعَهْدِهِ،﴾ وهو عهدُ الروح بنعت الكشْف، وعهدُ القلب بتلقِّي الخطاب، وعهدُ العقل بامتثال الأوامر والنواهي ﴿وَنََّ﴾ من خَطَرَات النفوس وطَوَارق الشهوات ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: فهو بالغٌ مقامَ حقيقةِ المحبَّة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَّرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَئِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ الآية إشارةٌ إلى مَن مال إلى خُضرة الدنيا، وآثرَها على مشاهدة حضرة المولى، وزيَّن ظاهرَه بعبادة المقرَّبين، التفسير الإشاري (٦٤-٩١) ٣٢٣ سُورَةُ آلِّعْرَانَ ومزجها بحبِّ الرِّياسة، فذلك الذي سَقَط عن رؤية اللقاء، ومخاطبةِ الحقِّ في الدنيا والآخرة. ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَّهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّهُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِى مِن دُونِ الَّهِ﴾ لأنَّ الاستنباء لا يكون إلا بعد الفناء في التوحيد، فمَن مَحَا اللهُ تعالى بشريّتَه بإفنائه عن نفسه، وأثابه وجوداً نورانيًّا حقيًّا قابلاً للكتاب والحكمة العقلية، لا يمكن أن يَدعوَ إلى نفْسه؛ إذ الدَّاعي إليها لا يكون إلا مَحجوباً بها، وبيْن الأمرين تناقضٌ ﴿وَلَكِنْ﴾ يقول: ﴿كُنُواْ رَبَّكِينَ﴾ أي: منسوبين إلى الرَّبِّ، والمراد: عابدينَ مُرْتَاضِينَ بالعلم والعمل، والمواظبة على الطاعات؛ لتَغْلبَ على أسراركم أنوارُ الربِّ. ولهم في الرَّبانيِّ عباراتٌ كثيرة؛ فقال الشبليُّ (١): الربّانيُّ الذي لا يأخذ العلوم إلا من الربِّ، ولا يرجع في شيء إلا إليه. وقال سهل: الربانيُّ الذي لا يَختار على ربِّه حالاً. وقال القاسم: هو المتخلِّق بأخلاق الربِّ عِلْماً وحُكماً. وقيل: هو الذي مُحِقَ في وجوده ومُحِق عن شهوده. وقيل: هو الذي لا تؤثِّر فيه تصاريف الأقدار على اختلافها. وقيل وقيل، وكلُّ الأقوال ترِدُ من منْهَلٍ واحد. ﴿وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْ الْكَتَكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَأَبْ﴾ فإنها بعضُ مظاهره، وهو سبحانه المطلَق حتى عن قيد الإطلاق ﴿أَيَأْمُؤُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ أي: أيأمركم بالاحتجاب برؤية الأشكال، والنظرِ إلى الأمثال، بعد أنْ لاح في أسراركم أنوارُ التوحيد، وطلعتْ في قلوبكم شُموسُ التفريد. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبِّئِنَ﴾ الآية، فيه إشارةٌ إلى أنه سبحانه أخَذ العهدَ من نُوَّابِ الحقيقة المحمَّدية في الأزل بالانقياد والطاعة والإيمان بها، وخصّهم بالذِّكر لكونهم أهلُ الصفّ الأول، ورجالُ الحضرة. وقيل: إنَّ الله تعالى أخذ عليهم ميثاقَ التعارُفِ بينهم، وإقامةِ الدِّين، وعدم التفرُّق، وتصديقِ بعضِهم بعضاً، ودعوة الخلق إلى التوحيد، وتخصيصٍ العبادة بالله تعالى وطاعةِ النبيِّ، وتعريفِ بعضهم بعضاً لأممهم، وهذا غير الميثاق العامِّ المشارِ (١) أبو بكر البغدادي، قيل: اسمه دُلَف بن جحدر، وقيل: جعفر بن يونس، وقيل: جعفر بن دلف، كان حاجباً للموفق، فتاب وصحب الجنيد وغيره، وكان فقيهاً عارفاً بمذهب مالك، توفي سنة (٣٨٤هـ) السير ٣٦٧/١٥. سُورَةُ العَقْرَانَ ٣٢٤ الآية : ٩٢ إليه بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيِّ ءَدَمَ﴾ إلخ [الأعراف: ١٧٢]. ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعد ما علِمَ عهْدَ الله تعالى مع النبيين، وتبليغ الأنبياء إليه ما عُهِد إليهم ﴿فَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن دين الله تعالى، ولا دينَ غيره معتدًّا به في الحقيقة إلا توقُّماً. ﴿أَفَغَيّرَ دِينِ اَللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مَن في عالَم الأرواح وعالَم النفوس، أو مَن في عالم الملكوت وعالم الملك ﴿طَوْعًا﴾ باختياره وشعوره ﴿وَكرهًا﴾ من حيث لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، بسبب احتجابه برؤية الأغيار، ولهذا سقط عن درجة القَبول ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في العاقبة حین یُكْشَف عن ساق. ﴿وَمَنْ يَبْتَعْ غَيْرَ اْإِسْلَاِ﴾ وهو التوحيد ﴿دِينًا﴾ له ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ لعَدَم وصوله إلى الحقِّ، لمكان الحجاب ﴿وَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ﴾ ويوم القيامة الكبرى ﴿مِنَ اْخَسِنَ﴾ الذين خسِروا أنفسَهم. ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا﴾ الآية، استبعادٌ لهداية مَن فطَرَه اللهُ على غير استعدادٍ المعرفة، وحكم عليه بالكفر في سابق الأَزل؛ فإنَّ مَن لم يكن له استعدادٌ لم يقع في أنوار التجلِّي، ومَن خاض في بحر القهر، ولَزِم قعرَ بُعْدِ البُعْدِ، لم يكن له سبيلٌ إلى ساحل قُرْبِ القرب ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرٍِ﴾ [يوسف: ٢١] ولله درُّ مَن قال: ظنونُ (١) مربِّيه وخاب المؤمِّلُ إذا المرءُ لَم يُخلَق سعيداً تَحَيَّرتْ وموسى الَّذي رَبَّاهُ فرعونُ مُرْسلُ فمُوسى(٢) الَّذِي رَبَّاهُ جبريلُ گافرٌ هذا، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ كلام مستأنفٌ لبيان ما ينفع المؤمنين ويُقبل منهم إثرَ بيان ما لا يَنفع الكفارَ ولا يُقبل منهم. و((تنال)) مِن نال نَيْلاً: إذا أصاب ووَجَد. ويقال: نال العلمَ: إذا وصَل إليه واتَّصف به. (١) في الأصل: فنون. (٢) هو السامري كما سيأتي عند تفسير الآية (٨٥) من سورة طه. الآية : ٩٢ ٣٢٥ سُورَةُ الِغَزَانَ و ((البر)» الإحسانُ وكمالُ الخير. وبعضُهم يفرِّق بينه وبين الخير: بأنَّ البرَّ هو النفعُ الواصلُ إلى الغير مع القصدِ إلى ذلك، والخير هو النفع مطلقاً وإن وقع سهواً. وضدُّ البرِّ العقوقُ، وضدُّ الخير الشرُّ. و((أل)) فيه إمَّا للجنس والحقيقةِ، والمراد: لن تكونوا أبراراً حتى تنفقوا، وهو المرويُّ عن الحسن. وإمَّا لتعريف العهد، والمراد: لن تصيبوا برَّ اللهِ تعالى يا أهل طاعته حتى تنفقوا؛ وإلى ذلك ذهب مقاتل وعطاء. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود عظُله تفسيرَ البرِّ بالجنة(١). وروي مثله عن مسروق والسدي وعمرو بنٍ میمون. وذهب بعضهم إلى أنَّ الكلام على حذف مضاف، أي: لن تنالوا ثوابَ البِّ. و((حتى)) بمعنى ((إلى))، و((من)) تبعيضية؛ ويؤيِّده قراءة عبد الله: ((بعضَ ما تحبون))(٢). وقيل: بيانية، وعليه أيضاً لا تخالُفَ بين القراءتين معنى. و((ما)) موصولة أو موصوفة، وجَعْلُها مصدريةً والمصدرُ بمعنى المفعولِ جائزٌ على رأي أبي علي(٣). وفي المراد من قوله سبحانه: (مَا تُحِبُّونَ)) أقوال: فقيل: المال وكَنى بذلك عنه لأنَّ جميع الناس يُحبُّونه. وقيل: نفائس الأموال وكرائمها. وقيل: ما يعمُّ ذلك وغيره من سائر الأشياء التي يحبُّها الإنسان ويَهواها، والإنفاق على هذا مجازٌ، وعلى الأوَّلَين حقيقةٌ. إذا أَحبُّوا شيئاً جَعَلوه لله تعالى؛ فقد أخرج الشيخان وكان السلف ﴿ والترمذيُّ والنسائيُّ، عن أنس ◌َُّبه قال: كان أبو طلحة أكثرَ الأنصار نخلاً بالمدينة، وكان أحبَّ أمواله إليه بَيْرُحَاءَ، وكانت مستقبلةَ المسجدِ، وكان النبيُّ وَهِ يَدخُلُها ويَشْرَبُ مِن ماءٍ فيها طيِّبٍ، فلمَّا نزلت: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبَرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَّا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو طلحة: يا رسولَ الله إنَّ الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى (١) لم نقف عليه عند الطبري، وعزاه السيوطي في الدر ٤٩/٢ لابن المنذر وابن أبي حاتم، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٧٠١/٣. وأخرجه الطبري ٥/ ٥٧٣ عن السدي وعمرو بن ميمون. (٢) الكشاف ٤٤٥/١، قال السمين في الدر المصون ٣١٠/٣: وهذه عندي ليست قراءة، بل تفسير معنى . (٣) ذكر قوله العكبري في الإملاء ٩٩/٢. سُورَةُ الَّعَمْرَانَ ٣٢٦ الآية : ٩٢ تُنفِقُواْ مِنَا تُحِبُّونَ﴾ وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحاءَ، وإنَّها صدقةٌ لله تعالى أرجو بِرَّها وذُخْرَها عند الله تعالى، فضَعْها يا رسول الله حيثُ أراك الله تعالى. فقال رسولُ اللهِ وَلَّ: ((بخْ بخْ، ذلك مالٌ رابح، وقد سمعت ما قلتَ، وإنِّي أرى أن تجعلَها في الأقرَبين)) فقال أبو طلحة: أفعلُ يا رسول الله. فقَسَمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمِّه(١) . وفي روايةٍ لمسلم وأبي داود: فجعلها بين حسان بن ثابت، وأبيٍّ بن كعب(٢). وأخرج ابن أبي حاتم وغيرُه عن محمد بن المنكدر قال: لمَّا نزلَت هذه الآية جاء زيد بن حارثة بفرسٍ يقال لها سبلٌ، لم يكن له مالٌ أحبَّ إليه منها، فقال: هي صدقةٌ، فقبِلَها رسولُ اللهِ وَّهِ وحمل عليها ابنَه أسامة، فرأى رسولُ اللهِ وَّ ذلك في وجهِ زيد فقال: ((إن الله تعالى قد قَبِلها منك))(٣). وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر قال: حَضَرتْني هذه الآيةُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الّ﴾ إلخ، فذكرتُ ما أعطاني اللهُ تعالى فلم أجد أحبَّ إليَّ من مرجانة - جارية لي رومية - فقلت: هي حرَّةٌ لوجهِ الله تعالى، فلو أنِّ أعود في شيء جَعَلْتُه لله تعالى لنكحتها، فأنكحتُها نافعاً (٤). وأخرج ابن المنذر عن نافع قال: كان ابن عمر ﴿ ما يشتري السُّكَّر يتصدَّقُ به، فنقول له: لو اشتريتَ لهم بثمنه طعاماً كان أنفعَ لهم من هذا. فيقول: أنا أعرِفُ الذي تقولون، ولكن سمعتُ اللهَ تعالى يقول: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَا تُحِبُّونَ﴾ وإن ابن عمر يحبُّ السُّكَّر (٥). (١) صحيح البخاري (٤٥٥٤)، وصحيح مسلم (٩٩٨): (٤٢)، وسنن الترمذي (٢٩٩٧)، وسنن النسائي ٢٣١/٦، وهو عند الترمذي والنسائي بنحوه. (٢) صحيح مسلم (٩٩٨): (٤٣)، وسنن أبي داود (١٦٨٩)، وهذه الرواية عند أحمد (٤٠٣٦). (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٧٠٤، وأخرجه أيضاً سعيد بن منصور (٥٠٧ - تفسير). وأخرجه عبد الرزاق ١٢٦/١، والطبري ٥٧٧/٥ عن أيوب، وأخرجه الطبري أيضاً عن عمرو بن دينار. وجميعها مرسلة. (٤) الدر المنثور ٥٠/٢، وفيه: فأنكحها نافعاً. وأخرجه دون هذه العبارة البزار (٢١٩٤ - کشف). (٥) الدر المنثور ٥١/٢. الآية : ٩٢ ٣٢٧ سُورَةُ الْعَنْان وظاهرُ هذه الأخبار يدلُّ على أنَّ الإنفاق في الآية یعمُّ المستحبَّ، وروي عن ابن عباس أنَّ المراد به إخراجُ الزكاة الواجبة وما فرضه اللهُ تعالى في الأموال، فكأنه قيل: لن تنالوا البرَّ حتى تُخرجوا زكاةَ أموالِكم، وهو مبنيٌّ على أنَّ المراد مِن ((ما تحبون)): المالُ لا كَرَائمُه، فقول النيسابوريِّ: إنه يَرِدُ عليه أنه لا يجب على المزكِّي أن يُخرج أشرف أمواله وأكرمها(١)، ناشئٌ من قلَّةِ التأمُّل، ولو تأمَّل ما اعترَض على ترجمان القرآن وحبرِ الأمة. ونقل الواحديُّ(٢) عن مجاهد والكلبي أنَّ الآية منسوخة بآية الزكاة، وضعِّف بأن إيجاب الزكاة لا ينافي الترغيب في بذل المحبوب في سبيل الله تعالى. واستشكلت هذه الآية بأنَّ ظاهرها يستدعي أنَّ الفقير الذي لم ينفق طولَ عمره ممَّا يحبُّه لعدم إمكانه لا يكون بارًّا، أو لا يناله برُّ الله تعالى بأهل طاعته، مع أنه لیس کذلك. وأجيب: بأنَّ الكلام خارجٌ مخرجَ الحثِّ على الإنفاق وهو مقيَّدٌ بالإمكان، وإنَّما أطلق على سبيل المبالغة في الترغيب. وقيل: الأَوْلَى أن يكون المراد: لن تنالوا البر الكامل الواقع على أشرف الوجوه حتى تنفقوا مما تحبون، والفقيرُ الذي لم ينفق طولَ عمره لا يَبْعُد القولُ بأنه لا يكون بارًّاً كاملاً، ولا يناله برُّ الله تعالى الكامل بأهل طاعته. وقيل: الأَوْلَى من هذا الأَوْلَى أن يقال: إنَّ المراد: لن تنالوا البر على الإنفاق حتى تنفقوا مما تحبون. وحاصلُه: أن الإنفاق من المحبوب يترتَّب عليه نيل البرِّ، وأنَّ الإنفاق ممَّا عداه لا يترتَّب عليه نيلُ البرِّ، وليس في الآية ما يدلُّ على حَصْرِ ترتّبِ البرِّ على الإنفاق من المحبوب، ونَفْىٍ ترتُّبِ البرِّ على فعلٍ آخرَ من الأفعال المأمورِ بها، وحينئذٍ لا يبعد أن يكون الفقيرَ الغيرُ المنفِقِ بارًّا أو نائلاً برَّ الله تعالى بأهل طاعته من جهة أخرى، وربما تستدعي أفعالُه الخاليةُ عن إنفاق المال من البرِّ ما هو أكمل وأوفر ممَّا يستدعيه الإنفاق المجرَّد منه؛ وينجرُّ الكلام إلى مسألة (١) غرائب القرآن ٦/٤. (٢) كما في تفسير الرازي ١٤٤/٨، وغرائب القرآن ٦/٤، وعنه نقل المصنف. سُورَةُ العَقْرَانَ ٣٢٨ الآية : ٩٣ تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر، وهي مسألة طويلةُ الذيل قد ألِّفت فيها الرسائل. ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ﴾ أي: أيَّ شيء تنفقوا من الأشياء، أو: أيَّ شيء تنفقوا طيِّب تحبُّونه، أو خبيث تكرهونه، و(من)) على الأول متعلِّقة بمحذوف وقع صفةً لاسم الشرط، وعلى الثاني في محلٌ نصبٍ على التمييز. ﴿فَإِنَ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ ﴾﴾ تعليلٌ لجواب الشرط واقعٌ مَوْقِعَه، أي: فيجازيكم بِحَسَبِهِ، فإنه تعالى عليم بكلِّ ما تتفقونه. وقيل: إنَّه جواب الشرط، والمراد: أن الله تعالى يعلمه موجوداً على الحدِّ الذي تفعلونه من حُسنِ النية وقُبحها، وتقديم الظرف لرعاية الفواصل. وفي الآية ترغيبٌ وترهيبٌ، قيل: وفيها إشارةٌ إلى الحثِّ على إخفاء الصدقة. ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىَ إِسْرَِّيلَ﴾ روى الواحديُّ(١) عن الكلبيِّ أنه حين قال النبيِ وَلجر: ((أنا على ملَّة إبراهيم)) قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟ فقال النبي وَلفقر: ((كان ذلك حلالاً لإبراهيم عليه السلام فنحن نُحِلُّه)) فقالَتْ اليهود: كلُّ شيءٍ أصبحنا اليوم نُحرِّمه فإنه كان محرَّماً على نوح وإبراهيم، حتى انتهى إلينا. فأنزل الله تعالى هذه الآية تكذيباً لهم. والطعام بمعنى المطعوم، ويراد به هنا المطعومات مطلقاً أو المأكولات، وهو لكونه مصدراً منعوتاً به معنًى يستوي فيه الواحد المذكَّر وغيرُهُ، وهو الأصل المطّرد، فلا ينافيه قول الرضي: إنه يقال: رجل عدلٌ ورجلان عدلان؛ لأنه رعايةٌ الجانب المعنى. وذكر بعضهم أنَّ هذا التأويل(٢) يجعل ((كلَّ)) للتأكيد؛ لأنَّ الاستغراق شأنُ الجمع المعرَّف باللام. والحِلُّ مصدرٌ أيضاً أُريد منه: حلالاً، والمراد الإخبار عن أَكْل الطعام بكونه حلالاً، لا نفس الطعام؛ لأنَّ الحِلَّ كالحُرمة مما لا يتعلَّق بالذوات، ولا يُقدَّر نحو (١) في أسباب النزول ص ١١٠. (٢) أي: جَعْل الطعام بمعنى المطعومات. ينظر حاشية الشهاب ٤٦/٣. الآية : ٩٣ ٣٢٩ سُورَةُ العَقْرَانَ الإنفاق، وإن صحَّ أن يكون متعلِّق الحِلِّ، وربما توهِّم بقرينةٍ ما قبله؛ لأنه خلافُ الغرض المسوق له الكلام. وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وعن أبي مِجْلَز: أنَّ ملكاً سمَّاه بذلك بعد أن صَرَعه وضرب على فخذه. ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَوِيلُ عَلَى نَفْسِهِ.﴾ قال مجاهد: حرَّم لحوم الأنعام، وروى عكرمة عن ابن عباس: أنه حرَّم زائدتي الكبد والكليتين والشحم إلا ما كان على الظهر . وعن عطاء: أنه حرَّم لحومَ الإبل وألبانَها. وسببُ تحريم ذلك كما في الحديث الذي أخرجه الحاكم وغيره بسند صحيح عن ابن عباس، أنه عليه الصلاة والسلام كان به عِرْقُ النَّسَا، فنذر إن شُفي لم يأكل أحبَّ الطعام إليه، وكان ذلك أحبَّه إليه(١) . وفي رواية سعيد بن جبير عنه، أنه كان به ذلك الداءُ، فأكل من لحوم الإبل غبات بليلةٍ يزقو، فحلف أن لا يأكله أبداً (٢). وقيل: حرَّمه على نفسه تعبُّداً، وسأل الله تعالى أن يجيز له، فحرَّم سبحانه على ولده ذلك. ونُسب هذا إلى الحسن. وقيل: إنه حرَّمه وكفَّ نفسه عنه، كما يحرِّم المستظهر في دينه من الزُّهَّاد اللذائذَ على نفسه. (١) في (م): أحب إليه، والمثبت من الأصل وتفسير البيضاوي ٣١/٢ وعنه نقل المصنف الخبر، أما عزوه للحاكم فقد تبع فيه الشهاب في الحاشية ٤٦/٣، وليس هذا لفظ الحاكم. والذي في المستدرك ٢/ ٢٩٢ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إسرائيل أخذه عرق النسا، فجعل إنْ شفاه الله أنْ لا يأكل لحماً فيه عروق ... ، وهذا غير القول بأن الذي حرَّمه على نفسه هو لحوم الإبل وألبانها، وكلاهما مروي عن ابن عباس، وينظر التعليق الذي بعده. ولفظ المصنف أخرجه الطبري ٥٨٤/٥ عن عبد الله بن كثير قوله. (٢) أخرج هذه الرواية الطبري ٥٨٥/٥، من طريق سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد به. ثم أخرج من طريق الأعمش، عن حبيب، عن سعيد، عن ابن عباس قال: حرم العروق ولحم الإبل ... ، قال الطبري: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول ابن عباس الذي رواه الأعمش؛ لأن اليهود مجمعة إلى اليوم على ذلك من تحريمهما. اهـ. قوله: يزقو، أي: يصبح. اللسان (زقا). سُورَةُ الّغْرَانَ ٣٣٠ الآية : ٩٣ وذهب كثيرٌ إلى أنَّ التحريم كان بنصٍّ ورد عليه. وقال بعضُ: كان ذلك عن اجتهاد. ويؤيِّده ظاهر النظم، وبه استُدلَّ على جوازه للأنبياء عليهم الصلاة والسلام. والاستثناء متصلٌ؛ لأنَّ المراد على كلِّ تقدير: أنه حرَّمه على نفسه وعلى أولاده، وقيل: منقطع، والتقدير: ولكن حرَّم إسرائيلُ على نفسه خاصة ولم يحرِّمه عليهم. وصُحِّح الأول. ﴿مِن ◌َّلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوَّرَنَّةُ﴾ الظاهر أنه متعلِّقٌ بقوله تعالى: (كَانَ حِلَّا) ولا يضرُّ الفصل بالاستثناء؛ إذ هو فَصْلٌ جائز، وذلك على مذهب الكسائيِّ وأبي الحسن في جواز أن يعمل ما قبل ((إلا)) فيما بعدها إذا كان ظرفاً أو جارًّا ومجروراً أو حالاً . وقيل: متعلّقٌ بـ ((حرَّم)). وتعقّبه أبو حيان بأنه بعيدٌ؛ إذ هو من الإخبار بالواضح المعلوم ضرورة، ولا فائدة فيه (١). واعتُذر عنه بأنَّ فائدة ذلك بيانُ أنَّ التحريم مقدَّمٌ عليها، وأنَّ التوراةَ مشتملةٌ على محرَّماتٍ أُخَر حدثت عليهم حَرَجاً وتضييقاً (٢). واختار بعضُهم أنه متعلِّقٌ بمحذوف، والتقدير: كان حلَّ من قبل أن تُنَزَّل التوراة. في جواب سؤالٍ نشأ من سابق المستثنَى، كأنه قيل: متى كان حِلًّا؟ فأُجيب به، والذي دعاه إلى ذلك عدمُ ظهور فائدةِ تقييد التحريم، ولزومُ قَصْرِ الصفة قبل تمامها على تقدير جَعْله قيداً للحِلِّ. ولا يخفى ما فيه. والمعنى على الظاهر: أنَّ كلَّ الطعام ما عدا المستثنى كان حلالاً لبني إسرائيل قبل نزول التوراة مشتملةً على تحريم ما حُرِّم عليهم لظلمهم، وفي ذلك رةٌّ لليهود في دعواهم البراءةَ مما(٣) نُعي عليهم [في] قوله تعالى: ﴿فَيُظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ﴾ [النساء: ١٦٠] وقوله سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا﴾ الآيتين [الأنعام: ١٤٦] وتبكيتٌ لهم في منع النسخ، ضرورةً أنَّ تحريم (١) البحر ٤/٣. (٢) حاشية الشهاب ٣/ ٤٧ . (٣) في الأصل و(م): فيما، والمثبت من تفسير البيضاوي ٣١/٢، والكلام وما سيأتي بين حاصرتین منه. الآية : ٩٤ ٣٣١ سُورَةُ العَقْرَانَ ما كان حلالاً لا يكون إلا به، ودَفْعُ الطّعن في دعوى الرسولِ وَلّهِ موافقته لأبيه إبراهيم عليه السلام، على ما دلَّ عليه سبب النزول. وذهب السُّدِّيُّ إلى أنه لم يُحرَّمْ علیھم عند نزول التوراة إلا ما كان يحرِّمونه قبل نزولها اقتداءً بأبيهم يعقوب عليه السلام. وقال الكلبي: لم يحرِّم سبحانه عليهم ما حرَّم في التوراة، وإنما حرَّمه بعدها بظلمهم وكفرهم، فقد كانت بنو إسرائيل إذا أصابت ذنباً عظيماً حرَّم الله تعالى عليهم طعاماً طيباً، وصبَّ عليهم رجزاً. وعن الضحاك: أنه لم يحرِّم الله تعالى عليهم شيئاً من ذلك في التوراة ولا بعدها، وإنما هو شيءٌ حرَّموه على أنفسهم؛ اتِّباعاً لأبيهم، وإضافةُ تحريمه إلى الله تعالى مجاز، وهذا في غاية البعد. ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَنَةِ فَتْلُوهَا﴾ أَمرٌ له ◌َّر بأن يحاجَّهم بكتابهم الناطق بصحة ما يقول في أمر التحليل والتحريم، وإظهارُ اسم التوراة لكون الجملة كلاماً مع اليهود منقطعاً عما قبله. وقوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (٣)﴾ أي: في دعواكم، شَرْطٌ حُذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، أي: إن كنتم صادقين فَأُتُوا بالتوراة فاتلوها. روي أنهم لم يجسروا على الإتيان بها، فبُهتوا وأُلقموا حجراً. وفي ذلك دليلٌ ظاهرٌ على صحة نبوة نبيِّنَا وََّ؛ إذ عَلِمَ بأنَّ ما في التوراة يدلُّ على كذبهم وهو لم يقرأها ولا غيرَها من زُبُر الأولين، ومثلُهُ لا يكون إلا عن وحي. ﴿فَمَنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ﴾ أي: اخترع ذلك بزعمه أنَّ التحريم كان على الأنبياء وأممهم قبل نزول التوراة. فـ ((مَن) عبارةٌ عن أولئك اليهود، ويحتمل أن تكون عامة، ويدخلون حينئذ دخولاً أوَّلياً. وأصل الافتراء: قطعُ الأديم، يقال: فَرَى الأديمَ يفْرِيه فَرْياً: إذا قطعه، واستُعمل في الابتداع والاختلاق. والجملة يحتمل أن تكون مستأنفة، وأن تكون منصوبةً المحلِّ معطوفةً على جملة ((فأتوا)) فتدخل تحت القول. و((مَن)) يجوز أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة، وقد روعي لفظُها ومعناها. ﴿مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: أَمْرِهم بما ذُكر، وما يترتَّبُ عليه من قيام الحجة وظهورِ سُورَةُ الِ غْرَانَ ٣٣٢ الآية : ٩٥ و ٩٦ البيِّنة. ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ أي: المفترون المبعَدون عن عزّ القُرْب ﴿هُمُ الَّلِمُونَ ٩٤ لأنفسهم بفعل ما أَوجب العقابَ عليهم. وقيل: هم الظالمون لأنفسهم بذلك، ولأشياعهم بإضلالهم لهم، بسبب إصرارهم على الباطل وعدم تصديقهم رسولَ الله ێ﴾. وإنما قيّد بالبعدية - مع أنه يستحقُّ الوعيد بالكذب على الله تعالى في كلِّ وقتٍ وفي كلِّ حال - للدلالة على كمال القبح. وقيل: لبيان أنه إنما يؤاخذ به بعد إقامة الحجة عليه، ومَنْ كذب فيما ليس بمحجوج فيه، فهو بمنزلة الصبي الذي لا يستحقُّ الوعيدَ بكذبه، وفيه تأمُّل. ثم مناسَبةُ هذه الآية لِمَا قبلها أنَّ الأكل إنفاقٌ مما يحبُّ، لكن على نفسه، وإلى ذلك أشار عليٍّ بن عيسى. وقيل: إنه لمَّا تقدَّم محاجَّتهم في ملَّة إبراهيم عليه السلام، وكان مما أنكروا على نبيِّنا وَ﴿ أكل لحوم الإبل، وادَّعوا أنه خلاف ملَّة إبراهيم، ناسبَ أن يُذكر ردُّ دعواهم ذلك عقيب تلك المحاجَّة. ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي: ظهر وثبت صدقه في أنَّ كلَّ الطعام كان حِلَّ لبني إسرائيل إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه. وقيل: في أنَّ محمداً وَّر على دين إبراهيم عليه السلام، وأنَّ دينه الإسلام. وقيل: في كلِّ ما أَخبر به، ويدخل ما ذكر دخولاً أوَّلِيًّا. وفيه - كما قيل - تعريضٌ بكذبهم الصريح. ﴿فَتَّبِعُواْ مِلََّ إَِّهِيمَ﴾ وهي دين الإسلام، فإنكم غيرُ متَّبعين مِلَّته كما تزعمون. وقيل: اتّبعوا ملَّته حتى تخلصوا عن اليهودية التي اضطرَّتكم إلى الكذب على الله، والتشديد على أنفسكم. وقيل: اتَّبعوا ملَّته في استباحة أكل لحوم الإبل وشرب ألبانها، مما كان حِلًّا له. ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مائلاً عن سائر الأديان الباطلة إلى دين الحق، أو مستقيماً على ما شرعه الله تعالى من الدين الحق في حجِّه ونسکه ومأكله وغير ذلك. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾﴾ أي: في أمرٍ من أمور دينهم أصلاً، وفيه تعريض بشرك أولئك المخاطَبين، والجملة تذييل لما قبلها . ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن جريج قال: بلغنا أنَّ اليهود قالت: بيت المقدس أعظم من الكعبة؛ لأنه مُهاجَرُ الأنبياء، ولأنه في الآية : ٩٦ ٣٣٣ سُورَةُ العُمْمَانَ الأرض المقدَّسة. فقال المسلمون: بل الكعبة أعظم. فبلغ ذلك رسولَ الله وَله فنزلت إلى (مَّقَامُ إِزَهِيمٌ) (١). وروي مثل ذلك عن مجاهد. ووجهُ رَبْطِها بما قبلها: أنَّ الله تعالى أمر الكفرة بإتِّباع ملَّة إبراهيم، ومن ملَّته تعظيمُ بيت الله تعالى الحرام، فناسَبَ ذكر البيت وفضله وحرمته لذلك. وقيل: وجه المناسبة أنَّ هذه شبهة ثانية ادَّعوها، فأكذبهم الله تعالى فيها كما أكذبهم في سابقتها . والمعنى: إنَّ أول بيت وُضع لعبادة الناس ربَّهم، أي: هُيٌّء وجُعل متعبَّداً. والواضع هو الله تعالى كما يدلُّ عليه قراءةُ مَن قرأ: ((وَضَع)) بالبناء للفاعل(٢)؛ لأنَّ الظاهر حينئذٍ أن يكون الضمير راجعاً إلى الله تعالى، وإنْ لم يتقدَّم ذكرهُ سبحانه صريحاً في الآية بناءً على أنها مستأنفة. واحتمالُ عَوْدِه إلى إبراهيم عليه السلام لاشتهاره ببناء البيت، خلافُ الظاهر. وجملة ((وضع)) في موضع جرِّ على أنها صفة ((بيت))، و((للناس)) متعلِّقٌ به، واللام فيه للعلة. وقوله تعالى: ﴿لَلَّذِى بِبَّكَّةَ﴾ خبر ((إنَّ)) واللام مزحْلَقة، وأخبر بالمعرفة عن النكرة لتخصيصها، وهذا في باب ((إنَّ». وبكة: لغة في مكة عند الأكثرين، والباء والميم تُعْقِبُ إحداهما الأخرى كثيراً، ومنه: نميطٌ ونبيط، ولازمٌ ولازب، وراتب وراتم (٣). وقيل: هما متغايران؛ فبكَّة: موضعُ المسجد، ومكة: البلد بأسرها. وأصلها من البَكِّ بمعنى الزَّحْم، يقال: بَأَّه يبكُه بكّاً، إذا زَحَمهُ، وتبالً الناس: إذا ازدحموا، وكأنها إنما سُمِّيت بذلك لازدحام الحجيج فيها . وقيل: بمعنى الدَّقِّ، وسُمِّيت بذلك لِدقِّ أعناق الجبابرة إذا أرادوها بسوء، وإذلالِهم فيها، ولذا تراهم في الطواف كآحاد الناس، ولو أمكنهم الله تعالى من تخلية المطاف لفعلوا . (١) الدر المنثور ٢/ ٥٢، وأخرجه الأزرقي في تاريخ مكة ٧٥/١. (٢) هي قراءة عكرمة وابن السميفع. الكشاف ٤٤٦/١، والبحر المحيط ٦/٣. (٣) النبيط: أول ما يظهر من ماء البئر. واللازب: اللازم الثابت. والراتب: الثابت لم يتحرك. القاموس (نمط) و(لزب) و(رتب). سُورَةُ الْعِنْرَانَ ٣٣٤ الآية : ٩٦ وقيل: إنها مأخوذة من بكَأَت الناقة أو الشاة: إذا قلَّ لبنها، وكأنها إنما سُمِّيت بذلك لِقِلَّة مائها وخصبها، وقيل: ومن هنا سُمِّت البلد مكة أيضاً، أَخْذاً لها من: أَمْتَكَ الفَصيل ما في الضَّرع، إذا امتصَّه ولم يُبْقِ فيه من اللبن شيئاً. وقيل: هي من مَكَّهُ الله تعالى: إذا استقصاه بالهلاك. ثم المراد بالأوليةِ: الأوليةُ بحسب الزمان. وقيل: بحسب الشرف. ويؤيِّد الأولَ ما أخرجه الشيخان عن أبي ذرِّ رَُّه قال: سئل رسول الله وَّل عن أول بيتٍ وُضع للناس، فقال: ((المسجد الحرام، ثم بيت المقدس)) فقيل: كم بينهما؟ فقال: ((أربعون سنة))(١). واستشكل ذلك بأنَّ باني المسجد الحرام إبراهيم عليه السلام، وباني الأقصى داود ثم ابنه سليمان عليهما السلام، ورَفَع قبَّته ثمانية عشر ميلاً، وبين بناء إبراهيم وبنائهما مدة تزيد على الأربعين بأمثالها . وأجيب: بأنَّ الوضع غيرُ البناء، والسؤال عن مدَّةٍ ما بين وَضْعَيهما، لا عن مدَّة ما بين بنائهما، فيحتمل أنَّ واضع الأقصى بعضُ الأنبياء قبل داود وابنه عليهما السلام، ثم بنياه بعد ذلك، ولابدَّ من هذا التأويل. قاله الطحاويّ(٢). وأجاب بعضهم على تقدير أن يُراد من الوضع البناء، بأنَّ باني المسجد الحرام والمسجد الأقصى هو إبراهيم عليه السلام، وأنه بنى الأقصى بعد أربعين سنةً من بنائه المسجد الحرام، وادَّعى فَهْمَ ذلك من الحديث، فتدبر. وورد في بعض الآثار أنَّ أولَ مَن بنى البيت الملائكة، وقد بنوه قبل آدم عليه السلام بألفي عام، وعن مجاهد وقتادة والسُّدِّي ما يؤيد ذلك. وحُكي أنَّ بناء الملائكة له كان من ياقوتةٍ حمراء، ثم بناه آدم، ثم شيث، ثم إبراهيم، ثم العمالقة، ثم جُرْهم، ثم قُصي، ثم قريش، ثم عبد الله بن الزبير، ثم الحجَّاج، واستمرَّ بناءُ الحجاج إلى الآن، إلا في الميزاب والباب والعَتَبة، ووقع الترميم في الجدار والسقف غيرَ مرَّةٍ، وجُدِّد فيه الرخام. (١) صحيح البخاري (٣٣٦٦)، وصحيح مسلم (٥٢٠)، وهو عند أحمد (٢١٣٣٣). (٢) في شرح مشكل الآثار ١١٠/١. الآية : ٩٦ ٣٣٥ سُورَةُ العَزَانَ وقيل: إنه نزل مع آدم من الجنة، ثم رُفع بعد موته إلى السماء. وقيل: بني قبله ورُفع في الطوفان إلى السماء السابعة، وقيل: الرابعة. وذهب أكثر(١) أهل الأخبار أنَّ الأرض دُحيت من تحته، وقد أسلفنا لك ما ينفعك هنا فتذكَّر. ◌ِمُبَارَكًا﴾ أي: كثير الخير، لما أنه يضاعَف فيه ثوابُ العبادة، قاله ابن عباس. وقيل: لأنه يُغفر فيه الذنوب لمن حجّه وطاف به واعتكف عنده. وقال القفَّال: يجوز أن تكون بركته ما ذكره في قوله تعالى: ﴿يُحْىَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] وقيل: بركته دوامُ العبادة فيه ولزومُها. وقد(٢) جاءت البركة بمعنيين: النمو، وهو الشائع. والثبوت ومنه البِرْكَة؛ لثبوت الماء فيها، والبَرْك: الصَّدْر؛ لثبوت الحفظ فيه، وتبارك الله سبحانه بمعنى: ثبت ولم يزل. ووجَّه الكرمانيُّ كونَه مباركاً بأن الكعبة كالنقطة، وصفوف المتوجهين إليها في الصلوات كالدوائر المحيطة بالمركز، ولا شكَّ أنَّ فيهم أشخاصاً أرواحُهم علويَّة، وقلوبهم قُدسية، وأسرارُهم نورانية، وضمائرهم ربانيَّة، ومن كان في المسجد الحرام يتصل أنوار تلك الأرواح الصافية المقدسة بنور روحه، فتزداد الأنوار الإلهية في قلبه، وهذا غاية البركة. ثم إنَّ الأرض كُرَيَّة، وكلُّ آنٍ يُفرَض فهو صبحٌ لقوم ◌ُظُهْرٌ لثانٍ عَصرٌ لثالث، وهَلُمَّ جرًّا، فليست الكعبة منفكّةً قطُ عن توجُّه قومٍ إليها لأداء الفرائض، فهو دائماً كذلك. والمنصوب حالٌ من الضمير المستتر في الظرف الواقع صلة، وجوَّز أبو البقاء(٣) جَعْلَه حالاً من الضمير في ((وضع)). ﴿وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ ﴾ أي: هادٍ لهم إلى الجهة(٤) التي أرادها سبحانه، أو هادٍ إليه جلَّ شأنه بما فيه من الآيات العجيبة، كما قال تعالى: ﴿فِيهِ ءَايَتُ بَيْنَكٌ﴾ كإهلاك (١) قوله: أكثر، ليس في الأصل. (٢) في الأصل: وقيل. (٣) في الإملاء ٢/ ١٠١ . (٤) في (م): الجنة. والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٤٨/٣ والكلام منه. سُورَةُ آلِ عُقْرَانَ ٣٣٦ الآية : ٩٧ مَن قصده من الجبابرة بسوءٍ؛ كأصحاب الفيل وغيرهم، وعدم تعرُّض ضواري السباع للصُّيود فيه، وعدم نَفْرة الطير من الناس هناك، وأنَّ أيَّ رُكنٍ من البيت وقع الغيث في مقابلته كان الخِصْب فيما يليه من البلاد، فإذا وقع في مقابلة الركن اليماني، كان الخصب باليمن، وإذا كان في مقابلة الركن الشامي، كان الخصب بالشام، وإذا عمَّ البيت كان في جميع البلدان، وكقلَّة (١) الجمرات على كثرة الرماة، إلى غير ذلك. وعَدُّوا منه انحرافَ الطير عن موازاته على مدى الأعصار، وفيه كلامٌ المحدِّثين؛ لأنَّ منها ما يعلوه. وقيل: لا يعلوه إلا ما به عِلَّةٌ للاستشفاء. واعترض بأنَّ العُقاب علْه لأخذ الحية (٢). وقيل: إنَّ الطير المُهدرَ دمُها تعلوه، والحمام مع كثرته لا يعلوه. وبه جَمَعَ بعضُهم بين الكلامين، ومع هذا في القلب منه شيء، فقد نقل بعض الناس أنه شاهد أنَّ الطير مطلقاً تعلوه في بعض الأحايين. والضمير المجرور عائدٌ على البيت، والظرفيةُ مجازيةٌ، وإلَّا لَمَا صحَّ عدُّ هذه الآيات، والجملة إما مستأنفةٌ جيء بها بياناً وتفسيراً للهدى، وإما حالٌ أخرى، ولا بأس في ترك الواو في الجملة الاسميّة الحاليّة، على ما أشار إليه عبد القاهر وغيره، وجوِّز أن تكون حالاً من الضمير في ((العالمين)) والعامل فيه ((هدى))، أو من الضمير في مباركاً وهو العامل فيها، أو يكون صفة لـ((هدى)) كما أنَّ ((العالمين)) كذلك. وقوله تعالى: ﴿مَّقَامُ إِزَهِيدٌ﴾ مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر محذوف المبتدأ، أي: منها أو أحدها مقامُ إبراهيم، واختار الحلبي الأخير(٣). وقيل: بدل البعض من الكل، وإليه ذهب أبو مسلم. وجوَّز بعضهم أن يكون عطفَ بيان، وصحَّ بيانُ الجمع بالمفرد بناءً على اشتمال المقام على آياتٍ متعدِّدة؛ لأنَّ أثر القدمين في الصخرة الصَّمَّاء آية، وغوصهما فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض هذا النوع دون بعض آية، وإبقاؤه على ممرِّ الزمان آية، وحفظه من الأعداء آية. (١) في الأصل: وقلة. (٢) تنظر قصة العقاب الذي اختطف الحية التي كانت تخرج من بئر الكعبة في سيرة ابن هشام ١٩٣/١، والروض الأنف ٢٢٥/١، وينظر كذلك البحر ٧/٣. (٣) الدر المصون ٣٢٠/٣. الآية : ٩٧ ٣٣٧ سُورَةُ آلِ عُقْرَانَ أو على أن هذه الآية الواحدة - لظهور شأنها وقوةٍ دلالتها على قدرة الله تعالى ونبوة إبراهيم عليه السلام - مُنزَّلةٌ منزلةَ آيات كثيرة، وأُيِّد ذلك بما أخرجه ابن الأنباريِّ عن مجاهد أنه كان يقرأ: ((فيه آيةٌ بينة)) بالتوحيد(١). وفيه أنَّ هذا وإن ساغ معنًى، إلا أنه يَرِدُ عليه أن ((آيات)) نكرة، و((مقام إبراهيم)) معرفة، وقد صرح أبو حيان(٢) أنه لا يجوز التخالُف في عطف البيان بإجماع البصريين والکوفیین. ثم إن سبب هذا الأثر في هذا المقام ما ورد في الأثر عن سعيد بن جبير أنه لمَّا ارتفع بنيان الكعبة قام على هذا الحجر ليتمكّن من رفع الحجارة، فغاصت فيه قدماه. وقد تقدَّم غير ذلك في ذلك أيضاً . ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَا﴾ الضمير المنصوب عائدٌ إلى مقام إبراهيم بمعنى الحرم كلِّه على ما قاله ابن عباس، لا موضع القدمين فقط، ويمكن أن يكون هناك استخدام (٣). وقال الجصاص: أورد الآيات المذكورات في الحرم، ثم قال: ((ومَن دخله)) إلخ فيجب أن يكون المراد جميع الحرم(٤). والجملة إما ابتدائية وليست بشرطية، وإما شرطية عطفت - كما قال غير واحد - من حيث المعنى على ((مقام))؛ لأنه في المعنى: أمْنُ مَنْ دخله، أي: ومنها - أو: ثانيها - أمْنُ مَن دخله، أَو: فيه آيات مقام إبراهيم، وأَمْنُ مَن دخله. وعلى هذا لا حاجة إلى ما تُكُلِّف في توجيه الجمعيَّة؛ لأنَّ الآيتين نوعٌ من الجملة؛ كالثلاثة والأربعة. ويجوز أن يُذكر هاتان الآيتان ويطوى ذِكْر غيرهما؛ دلالةً على تكاثر الآيات، ومثل هذا الطيِّ واقعٌ في الأحاديث النبوية والأشعار العربية؛ فالأول كرواية: ((حُبِّب إليَّ من دنياكم ثلاث: الطّيب، والنساء، وجُعلت قرَّة عيني في الصلاة))(٥) على ما هو الشائع؛ وإن (١) القراءات الشاذة ص٢٢ عن مجاهد وأبيّ. (٢) في البحر المحيط ٩/٣. (٣) هو أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً أحد معانيه، ثم يؤتى بضميره مراداً المعنى الآخر. الإتقان ٢/ ٩٠١. (٤) أحكام القرآن للجصاص ٢٠/٢. (٥) أخرجه أحمد (١٢٢٩٣) و(١٢٢٩٤) من حديث أنس ◌َُّته، دون لفظ ((ثلاث)). وينظر التعليق الذي بعده. سُورَةُ العَقْرَانَ ٣٣٨ الآية : ٩٧ صحّحوا عدم ذكر ثلاث(١)، وأما الثاني فمنه قول جرير: كانت حنيفة أثلاثاً فثُلْتُهُمْ من العبيد وثلثٌ من مواليها(٢) و(من)) إما للعقلاء، أَوْ لهم ولغيرهم على سبيل التغليب؛ لأنه يأمن فيه الوحش والطير، بل والنبات، فحينئذ يراد بالأمن ما يصحُّ نسبته إلى الجميع بضَرْبٍ من التأويل، وعلى التقدير الأول يحتمل أن يراد بالأمن الأمنُ في الدنيا من نحو القتل والقطع وسائر العقوبات، فقد أخرج ابن أبي حاتم(٣) عن الحسن في الآية أنه قال: كان الرجل في الجاهلية يقتل الرجل ثم يدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول أو أبوه فلا يحركه. وأخرج ابن المنذر(٤) عن عمر بن الخطاب أنه قال: لو وَجَدْتُ فيه قاتِلَ الخطاب، ما مَسَسْتُه حتى يخرج منه. وأخرج ابن جرير عن ابنه أنه قال: لو وجدت قاتل عمر في الحرم ماهِجْتُه. وعن ابن عباس: لو وجدت قاتل أبي في الحرم لم أتعرَّض له(٥). ومذهبه في ذلك أنَّ مَن قَتَلَ أو سرق في الحِلِّ ثم دخل الحرم، فإنه لا يجالَس ولا يُكلَّم ولا يؤوى(٦)، ولكنه يُناشَد حتى يخرج، فيُؤخذ فيُقام عليه ما جرَّ، فإن قَتَل أو سَرَقَ في الحرم أقيم عليه في الحرم، والروايات عنه في ذلك كثيرة (٧). وقد تقدم تفصيل الأقوال في المسألة. (١) قال المناوي في فيض القدير ٣/ ٣٧٠: زاد الزمخشري والقاضي لفظ ((ثلاث)) وهذا وهم. قال الحافظ العراقي في أماليه: لفظ ((ثلاث)) ليست في شيء من كتب الحديث وهي تفسد المعنى. وقال الزركشي: لم يرد فيه لفظ ((ثلاثة)). وينظر الكشاف ١/ ٤٤٧، وتفسير البيضاوي ٣٢/٢. (٢) البيت في ديوانه ٥٤٥/٢. وفيه: صارت. بدل: كانت. (٣) كما في الدر المنثور ٢/ ٥٥. (٤) كما في الدر المنثور ٥٤/٢. (٥) تفسير الطبري ٦٠٣/٥ - ٦٠٤، والأول أخرجه أيضاً عبد الرزاق في مصنفه (٩٢٢٩) وفيه: ندهته. بدل: هجته. (٦) في (م): يؤذى. والمثبت من الأصل، وهو موافق لما أخرجه الطبري في تفسيره ٦٠٤/٥ عن ابن عباس (٧) تفسير الطبري ٥/ ٦٠٣ -٦٠٤. الآية : ٩٧ ٣٣٩ سُورَةُ الْعَمْرَانَ وإما أن يراد به كما ذهب إليه الصادق به: الأمنُ في الآخرة من العذاب، فقد أخرج عبد بن حميد (١) وغيره عن يحيى بن جعدة أنَّ مَنْ دخله كان آمناً من النار. وأخرج البيهقيُّ عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَّهِ: (مَن دَخَلَ البيتَ دخل في حسنة، وخرج من سيئة مغفوراً له (٢). وروي من غير طريق عنه ◌َ ﴿ أنه قال: ((مَن مات في أحد الحرمين، بُعث من الآمنين يوم القيامة))(٣). وفي روايةٍ عن ابن عمر قال: مَن قُبِر بمكة مسلماً بُعث آمناً يوم القيامة(٤). ويجوز إرادةُ العموم بأن يُفسَّر بالأمن في الدنيا والآخرة، ولعله الظاهر من إطلاق اللفظ . ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾ جملةٌ ابتدائية، المبتدأ فيها ((حِجُّ)) والخبر (الله))، و((على الناس)) متعلُّقٌ بما تعلَّق به الخبر، أو بمحذوفٍ وقع حالاً من المستتر في الجار والمجرور، والعامل فيه الاستقرار. وجُوِّز أن يكون ((على الناس)) خبراً، و(لله)) متعلَّقٌ بما تعلَّق به، ولا يجوز أن يكون حالاً من المستكنِّ في ((الناس))؛ لأنَّ العامل في الحال حينئذ يكون معنَى، والحال لا يتقدم على العامل المعنويِّ عند الجمهور، وجوَّزه ابن مالك إذا كان الحال ظرفاً أو حرفَ جرِّ، وعامِلُه كذلك(٥)، بخلاف الظرف وحرف الجرِّ فإنهما لا يتقدمان على عاملهما المعنوي. وجُوِّز أن يرتفع ((الحِجُّ)) بالجارِّ الأول أو الثاني. (١) كما في الدر المنثور ٢/ ٥٥. وأخرجه أيضاً الطبري في التفسير ٦٠٦/٥. (٢) السنن الكبرى ١٥٨/٥، وقال البيهقي: تفرد به عبد الله بن المؤمل وليس بالقوي. (٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٦١٠٤) من حديث سلمان ظه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣١٩/٢: فيه عبد الغفور بن سعيد، وهو متروك. اهـ. وأخرجه أبو داود الطيالسي ص ١٢-١٣، والبيهقي ٢٤٥/٥ من طريق رجل من آل عمر عن عمر. قال البيهقي: هذا إسناد مجهول. (٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٥٥، وعزاه للجندي. (٥) ينظر التسهيل لابن مالك ص ١١١، والدر المصون ٣٢٣/٣. عدة العنان ٣٤٠ الآية : ٩٧ وهو في اللغة: مُطْلَقُ القصد، أو كَثْرَتُهُ، إلى مَن يُعّم، والمراد به هنا: قصدٌ مخصوصٌ غلب فيه حتى صار حقيقةً شرعية، وأل في ((البيت)) للعهد، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: ((حِج)) بالكسر (١)؛ كعِلْم، وهو لغةُ نجد. ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ بدل من ((الناس)) بدلَ البعض من الكل، والضمير في البدل مقدَّر، أي: منهم. وقيل: بدلُ الكل من الكلِّ، والمراد من ((الناس)) خاصٌّ، ولا يحتاج إلى ضمير. وقيل: خبرٌ لمحذوف، أي: هم مَن استطاع، أو: الواجب عليه مَن استطاع. وجُوِّز أن يكون منصوباً بإضمار فعل، أعني: أعني. وأن يكون فاعلَ المصدر، وهو مضافٌ إلى مفعوله، أي: ولله على الناس أن يحجَّ مَن استطاع منهم البيت، وفيه مناقشةٌ مشهورة. و((مَنْ)) على هذه الأوجه موصولة. وجُوِّز أن تكون شرطيةً، والجزاء محذوفٌ يدلُّ عليه ما تقدم، أو هو نفسه على الخلاف المقرَّر بين البصريين والكوفيين، ولا بدَّ من ضميرٍ يعود من جملة الشرط على ((الناس))، والتقدير: مَن استطاع منهم إليه سبيلاً فلِلّهِ عليه أن يحجّ، ويترجَّح هذا بمقابلته بالشرط بعده، والضميرُ المجرور للبيت أو للحج؛ لأنه المحدَّث عنه، وهو متعلِّقٌ بالسبيل لِمَا فيه من معنى الإفضاء، وقُدِّم عليه للاهتمام بشأنه. والاستطاعة في الأصل: استدعاءُ طواعية الفعل وتَأتِّيه، والمراد بالاستدعاء: الإرادة، وهي تقتضي القدرة، فأطلقت على القدرة مطلقاً، أو بسهولة فهي أخصُّ منها، وهو المراد هنا، وسيأتي تحقيقه قريباً إن شاء الله تعالى. والقدرة إما بالبدن أو بالمال أو بهما، وإلى الأول ذهب الإمام مالك، فيجب الحجُّ عنده على مَن قَدَرَ على المشي والكَسْبِ في الطريق، وإلى الثاني ذهب الإمام الشافعيُّ، ولذا أَوجد الإستنابة على الزَّمِن إذا وجد أُجرةَ مَن ينوب عنه، وإلى الثالث ذهب إمامنا الأعظم ربه، ويؤيِّده ما أخرجه البيهقي(٢) وغيره عن ابن (١) وهي قراءة أبي جعفر وخلف، وقرأ الباقون بفتح الحاء. التيسير ص ٩٠، والنشر ٢٤١/٢. (٢) في السنن الكبرى ٣٣١/٤.